/ 362
 
الجزء العشرون‏
التفسير الكبير - ج20
 

{K~{Kتتمة سورة النحل‏K}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن اللّه تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول:

أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية و التشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد لحركاتها و اتصالاتها من أسباب، و أسباب تلك الحركات إما ذواتها و إما أمور مغايرة لها، و الأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة و هو محال، و الثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، و لو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلا، و ذلك يوجب كونه ساكنا، و يمنع من كونه متحركا، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته و ما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا لكونه جسما، فبقي أن يكون متحركا لغيره، و ذلك الغير إما أن يكون ساريا فيه أو مباينا عنه، و الأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك و الكواكب أمور مباينة عنها، و ذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا عاد التقسم/الأول فيه، و إن لم يكن جسما و لا جسمانيا فإما أن يكون موجبا بالذات أو فاعلا مختارا و الأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، و لما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك و الكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسما و جسمانيا، و ذلك هو اللّه تعالى، فالحاصل أنا و لو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية و الكوكبية فهذه الحركات الكوكبية، و الفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى و إلا لزم التسلسل و هو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات و مدبرها هو اللّه تعالى، و إذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، و ثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق اللّه تعالى و تقديره و تكوينه، فكان هذا اعترافا بأن الكل من اللّه تعالى و بإحداثه و تخليقه، و هذا هو المراد من قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل‏

 
185