/ 460
 
الجزء السادس و العشرون‏
التفسير الكبير - ج26
 

سورة فاطر

أربعون و خمس آيات مكية بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر، و نعم اللّه قسمان: عاجلة و آجلة، و العاجلة وجود و بقاء، و الآجلة كذلك إيجاد مرة و إبقاء أخرى، و قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد، و استدللنا عليه بقوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً [الأنعام: 2]و قوله في الكهف: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ [الكهف: 1]إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء، فإن البقاء و الصلاح بالشرع و الكتاب، و لولاه لوقعت المنازعة و المخاصمة بين الناس و لا يفصل بينهم، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل و التفاني، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل، و في قوله في سورة سبأ: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْآخِرَةِ [سبأ: 1] إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر، و استدللنا عليه بقوله: يَعْلَمُ مََا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ من الأجسام‏ وَ مََا يَخْرُجُ مِنْهََا وَ مََا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ من الأرواح‏ وَ مََا يَعْرُجُ فِيهََا [سبأ: 2]و قوله عن الكافرين: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَأْتِينَا اَلسََّاعَةُ، قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي [سبأ: 3]و هاهنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، و يدل عليه قوله تعالى: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد اللّه، كما قال تعالى: وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ [الأنبياء: 103]و على هذا فقوله تعالى فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ يحتمل وجهين الأول: معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس و الثاني: فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء و خروج الأجساد من الأرض و يدل عليه قوله تعالى: جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلا، و على هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب و تيقنه بأن لا قبول لتوبته و لا فائدة لقوله آمنت. كما قال تعالى عنهم: وَ قََالُوا آمَنََّا بِهِ وَ أَنََّى لَهُمُ اَلتَّنََاوُشُ [سبأ: 52]فلما ذكر حالهم بين حال الموقن و بشره بإرساله الملائكة إليهم/مبشرين، و بين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و قوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان و ما

 
221