/ 533
 
الجزء التاسع و العشرون‏
التفسير الكبير - ج29
 

{K~{Kتتمة سورة النجم‏K}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

ثم قال تعالى: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ ذََلِكَ في وجوه الأول: أظهرها أنه عائد إلى الظن، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن و ثانيها: إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى [النجم: 29]و ذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم، و العلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم، و تكون الألف و اللام للتعريف، و العلم بالمعلوم هو ما في القرآن، و تقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول و انشرح صدره فبلغ الغاية القصوى، و بعضهم قبله من حيث إنه معجزة، و اتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى، و بعضهم توقف فيه كأبي طالب، و ذلك أدنى المراتب، و بعضهم رده و عابه، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم، و الآخرون وجب الإعراض عنهم، و كان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه، و عليه سؤال و هو: أن اللّه تعالى بين أن غايتهم ذلك: و لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها و المجنون الذي لا علم له، و الصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم اللّه؟.

نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر اللّه، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، و إنما قدر اللّه توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب، قال الزمخشري: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ كلام معترض بين كلامين، و المتصل قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا ... إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النجم: 29، 30]و على ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به، يكون كأنه تعالى قال: أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم، و لا يوجد وراء ما ظهر منهم شي‏ء، و كأن قوله: عَنْ مَنْ تَوَلََّى إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل، فإن الجهل كان بالتولي و إيثار العاجل.

ثم ابتدأ و قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ و في المناسبة وجوه الأول: أنه تعالى لما قال: للنبي صلى اللّه عليه و سلم، أعرض و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم شديد الميل إلى إيمان قومه و كان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، و ربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ علم أنه يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين، و إنما ينفع فيهم أن يقع السيف و القتال فأعرض عن الجدال و أقبل على/القتال، و على هذا فقوله: بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ أي علم في الأزل، من ضل في تقديره و من اهتدى، فلا يشتبه عليه الأمران، و لا يأس في الإعراض و يعد في العرف مصلحة ثانيها: هو على معنى قوله تعالى: وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]و قوله تعالى: يَحْكُمَ اَللََّهُ بَيْنَنََا

 
265