/ 380
 
الجزء الثاني و الثلاثون‏
التفسير الكبير - ج32
 

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة ألم نشرح‏

ثمان آيات مكية يروى عن طاوس و عمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان هذه السورة و سورة الضحى سورة واحدة و كانا يقرءانهما في الركعة الواحدة و ما كانا يفصلان بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم و الذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ كالعطف على قوله: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً [الضحى: 6]و ليس كذلك لأن الأول: كان نزوله حال اغتمام الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم من إيذاء الكفار فكانت حال محنة و ضيق صدر و الثاني: يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب، فأنى يجتمعان.

استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح و إيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، و في شرح الصدر قولان:

الأول: ما روي أن جبريل عليه السلام أتاه و شق صدره و أخرج قلبه و غسله و أنقاه من المعاصي ثم ملأه علما و إيمانا و وضعه في صدره.

و اعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام و ذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته و ثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، و المعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علما، بل اللّه تعالى يخلق فيه العلوم و الجواب: عن الأول: أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا، و ذلك هو المسمى بالإرهاص، و مثله في حق الرسول عليه السلام كثير.

و أما الثاني و الثالث: فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، و يحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات محترزا عن السيئات، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوما، و أيضا فلأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

 
205