/ 446
 
مقدّمة الكتاب‏
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و به نستعين‏

الحمد للَّه الّذي أرشدنا إلى معالم الشريعة و معارج اليقين و نوّر قلوبنا بزبدة من لوامع تمهيد قواعد الدّين و وفقنا التحصيل حاصل القوانين الممهّدة لإيضاح مدارك شرعه المبين و الصّلاة و السّلام على من اصطفاه و اختاره على العالمين محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين إلى يوم الدّين أمّا بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربّه الكريم محمّد حسين بن محمّد رحيم غفر اللَّه ذنوبهما و حشرهما مع محمّد و آله الطّاهرين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين) إنه لمّا ساعدني سواعد التوفيقات الإلهية و التّأييدات الربّانية على السّلوك في المسالك العلميّة و تحصيل المعارف الدّينيّة من العقليّة و النقليّة و رأيت أنّ أكثرها قد رأوا أجلّها خطرا بعد العلم الموسوم بعلم الكلام علم الفقه المتكفّل لبيان الأحكام الكاشف عن معضلات مسائل الحلال و الحرام و وجدت مسائله مستمدة من علم الأصول مستندة إليه في الردّ و القبول و لم أجد فيه من علمائنا الصّالحين من المتقدّمين و المتأخرين (رضوان اللّه عليهم أجمعين) و لا غيرهم من الفحول و المحققين مصنّفات يشفي العليل و يروي الغليل مع ما أكثروا فيه من التصنيف و التأليف و أوردوا فيها من التوجيه و الترنيف فكم من تحقيق مقام تركوه و توضيح مرام أهملوه صرفت جهدي في تصنيف كتاب يحتوي على معظم تحقيقاته و يشتمل على جل مهمّاته و فتح مغلقاته فأوردت فيه تحقيقات بلغ إليها نظري و ذكرت فيه تنبيهات عثر عليها فكري ممّا لم يسبقني إليها أحد غيري و حرّرتها بعبارات وافية و بيانات شافية محترزا عن الإطناب الممل و الاختصار المخل موردا لما أورده من الرّد و الإيراد مبيّنا لما فيه من وجه ضعف أو فساد و حيث التمسني عند أخذي في تصنيف هذا الكتاب بعض الأصحاب من أخلاّئي المؤمنين و أصدقائي الصّالحين أن أتعرض في طي تحريره لمناقشات تتجه عندي على كتاب القوانين و هو المصنّف المحقّق المدقق الفاضل الكامل التقي الصّفي من فضلائنا المعاصرين أجبت ملتمسه بإنجاح مسئوله و أسعفت مرامه بنيل مأموله فتعرّضت لما خطر ببالي الفاتر و أوردت لما ورد في فكري القاصر معبرا عنه ببعض المعاصرين و بالفاضل المعاصر ناقلا لكلامه غالبا بالمعنى موردا له بعبارة وجيزة أوفي و مع ذلك فالنّاظر إذا أقدم ميدان الرقم لا يتمالك عنان القلم فاعذروني إن أكثرت عن الرد و الإيراد أو صرّحت بالضعف و الفساد و لا ترموا على ذلك بالشنع فإن الحق أحق بأن يبدى فيتّبع و سمّيته بالفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة و سلكت في ترتيبه مسلك المتأخرين لأنه أقرب إلى طباع النّاظرين و رتبته على مقدمة و مقالات و خاتمة و المسئول من اللَّه الملك الوهّاب أن يعصمني فيه من الزّلل و يرشدني إلى الصّواب و يجعله خالصا لوجهه الكريم فإنّه على من رجاه عطوف رحيم‏

أمّا المقدّمة ففي تعريف العلم و بيان موضوعه و ذكر نبذة من مباديه اللغوية

و ربما يذكر فيها بعض مباحث المقاصد استطرادا و أمّا وجه الحاجة إليه فسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى القول في تعريفه لأصول الفقه معنيان تركيبيّ إضافي و أفراديّ علميّ و قد جرى دأب القوم بالبحث عن حدّه بالاعتبارين و ظاهر مقالة كثير منهم يؤذن بدعوى التطابق بين المعنيين و به صرّح بعضهم مع احتمال أن يكون الغرض من إيراد المعنى الأول بيان المناسبة المصحّحة للنقل في الثاني فأمّا معناه التركيبيّ، فبيانه مبنيّ على بيان أجزائه فنقول الأصول جمع الأصل و هو في اللغة ما يبتني عليه الشي‏ء صرّح به جماعة من علماء الأصول و كان هذا مراد من فسّره بأسفل الشي‏ء و من فسّره بالقاعدة التي لو توهمت مرتفعة لارتفع الشي‏ء بارتفاعها و قد يطلق و يراد به معنى السّابق فيؤخذ تارة باعتبار الحقيقة كقولك أصل الإنسان التراب و أصل الخزف الطّين يعنى حقيقته السّابقة و أخرى باعتبار الأحوال و الصّفات كقولك هذا في الأصل بغداديّ و هذا الأسود كان في الأصل أبيض يعنى في السّابق و ليس مبنيا على المعنى السّابق إذ لا يفهم منه هنا معنى البناء أصلا و إن كان حاصلا في قسمه الأول فهو إمّا حقيقة بالاشتراك أو مجاز لوجود العلاقة و في الاصطلاح يطلق غالبا على أحد المعاني الأربعة و هو الراجح و الاستصحاب و القاعدة و الدّليل و المناسب من معانيه للمقام إما المعنى اللغوي أو الأخيران من معانيه الاصطلاحيّة كما سيتّضح لك إن شاء الله و الفقه في اللغة الفهم صرّح به الجوهري و غيره و فسّره الرازي بفهم غرض المتكلّم من كلامه و احترز به عن فهم غيره و فهمه بغير كلامه و فسّره بعضهم بفهم الأشياء الدقيقة و احترز به عن فهم غيرها و المعروف هو الأول ثم الفهم هو الإدراك و كأنّ هذا مراد من فسّره بأنه هيئة للنفس بها يتحقق معاني ما تحس و قيل هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب‏

 
1