/ 326
 
مقدّمة المركز
غيبه الامام المهدي عند الامام الصادق عليه السلام
 

الحمد للّه الواحد الأحد، و صلواته و سلامه على نبينا محمّد، و آله حجج اللّه على العباد إلى الأبد..

أما بعد..

فإن من المسلمات التي تركت بصماتها واضحة في تاريخ الفكر الإسلامي، و بناء حاضره و أثّرت فيه برسم معالم مستقبله؛ هو الاعتقاد الراسخ بإخبار أهل البيت عليهم السّلام جميعا عن الإمام المهدي عليه السّلام قبل ولادته و غيبته، و على هذا فليس البحث في غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام تسجيلا حرفيا لقضية من قضايا الماضي، بقدر ما هو وصل بين جزء من تاريخ هذه العقيدة في عصر الإمام الصادق عليه السّلام و التعرف على جذورها في تلك الفترة، و إدراك عمقها و امتدادها في عصور الإسلام؛ و بين تاريخ تحقّقها على صعيد الواقع؛ لما بينهما من ارتباط وثيق.

و لا شكّ أن من يكون حليف القرآن و قرينه-و القرآن فيه تبيان لكل شي‏ء-قادر على أن يوقفنا على ما في ظاهره و باطنه، و يحدّثنا عن غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام، كما لو كان معه. «و من غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، و من تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط» ؛ و لهذا قال القاضي ابن أبي ليلى لمّا سأله نوح بن دراج: «أكنت تاركا قولا قلته أو قضاء قضيته لقول أحد؟قال: لا، إلاّ رجل واحد!قلت: من هو؟قال: جعفر بن محمّد» ، ذلك هو إمامنا الصادق عليه السّلام، الحارس الأمين لمنظومة القيم و المفاهيم الإسلامية بنظر الكل، حيث لم يدع مجالا لأحد أن يشوهها أو يحرفها. و من عاش في كبد الحقيقة، لا تكون الاستضاءة بأقواله استضاءة بجزء من الماضي؛ لأن الحقيقة في الحياة ليس لها عمر محدّد، بل تحمل عناصر الخلود و البقاء معها، و كلما دار عليها الزمان تتجدّد؛ و لهذا كانت حركته عليه السّلام و فعله و قوله و تقريره تجسيدا حيّا لحركة الرسالة في خطواتها الفكرية و الروحية و العملية، في مساحات الزمن الماضي و الحاضر و المستقبل؛ إذ امتاز عليه السّلام بواقعية مع الحياة على ضوء الإسلام، فكان غنيا بمفاهيم الرسالة، متمسّكا بمنهجها، دقيقا في فكرها، واضحا في تجسيدها حريصا على لونها، مقتديا بها في ضرورة العلم و العمل و التفكير و التخطيط. و على هذا فلس ما جاء عنه عليه السّلام بحاجة في عرضه إلى أكثر من تجريده عن أيّة أفكار دخيلة عليه أو أقوال مزيفة مكذوبة منسوبة إليه، و لم يعرفها أحد من أصحابه و لم يروها شيعته. و مما علم عنه عليه السّلام و بنحو اليقين، أنّه لم يغادر الحياة شهيدا إلاّ و قد جعل العقيدة بالمهدي عليه السّلام، عميقة الفكر، ثابتة الأساس، متينة الحجّة، واضحة مشخّصة، مع تطويقه سائر الدعايات المضادّة التي عملت و لا زالت تعمل على تشويه تلك العقيدة، حتى أحالها إلى رماد. و من أقواله الثابتة ثبوت الحقيقة، و الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار؛ تصريحه بهوية الإمام المهدي عليه السّلام، و إمامته، و غيبته، و ظهوره في آخر الزمان؛ بما يمكن معه القول الجازم بأنه‏

 
5