أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
455

مثل والده و والدته و جدّه و جدّته و مملوكه و زوجته، و لا يكون من بني هاشم مع تمكّنهم من مستحقّهم، فلهذا يحلّ أخذ الزكاة، فله أن يأخذ بقدر نفقته و مئونته في طول سنته و المآكل و المشارب و ما يحتاج إليه مع الاقتصار من غير اسراف و لا تبذير، فإنّ ذلك له حلال طلق، فأمّا فوق غناه لا يحلّ له أخذه- و حدّ الغنى أن يكون عنده ما يستغني به عن غيره مدّة سنته- فإذا كان كذلك فلا يحلّ له أخذ شيء من الزكاة.

فإن أخذها كان فاسقا آخذا مال الغير كالغاصب سواء، فأمّا ما عدّده من البهيمة و الخاتم و الجبّة و اللّباس، فله ذلك غير آثم فيه، لأنّه من جملة مئونته و كفايته، و أمّا الأضياف الخارجة عن العادة، و تزويج ولده، و فضلة ذهب لكفنه، فليس له ذلك، و لا يسوغ له، و لا يحلّ أن يمنع من ذلك فليتأمّل ذلك.

* * *

456

[232] مسألة فيمن جامع زوجته في شهر رمضان و لم يتفحص عن الفجر

مسألة: ما تقول في رجل كان نائما و زوجته في شهر رمضان ثمّ أنّه قعد و قال: قد لاح الفجر، ثمّ قال ما لاح الفجر، ثمّ انّه غلبته الشّهوة فجامع مع زوجته، فعند فراغه خرج فوجد الصّباح قد لاح و اغتسل في تلك الحال، فهل يصحّ صيامه و يجزي عنه؟ أم يقضيه؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان هذا الناظر إلى الفجر قد غلب على ظنّه قربه، و أنّه ما بقي له على غلبة ظنّه من الوقت ما يجامع و يغتسل قبل طلوعه، و جامع عند هذه الحال، ثمّ طلع الفجر و هو مجامع، فالواجب عليه القضاء و الكفّارة.

و إن كان قد غلب على ظنّه أنّه قد بقي من الوقت مقدار ما يجامع و يغتسل قبل طلوع الفجر ثمّ جامع و طلع الفجر و هو مجامع زوجته، فالواجب عليه النّزع و لا يتحرك حركة تعينه على اللّذة و الجماع و يغتسل و لا كفّارة عليه و لا قضاء، فإن تحرّك عند هذه الحال حركة الجماع و اللّذة، فالواجب عليه الكفّارة و القضاء أيضا، لأنّه جامع في نهار رمضان مع علمه به، فليلحظ ذلك بعين الفكر.

* * *

457

[233] مسألة فيمن جامع زوجته الحائض قبل الغسل

مسألة: ما تقول في رجل كانت زوجته حائضا ثمّ انقطع الدم عنها و لم تغتسل، ثمّ إنّه جامعها إمّا في فرجها أو في دبرها فهل يجوز له ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا انقطع دم الحيض عن المرأة فإنّ وطأها مكروه قبل أن تغتسل، غير محرّم و لا محظور بغير خلاف بين طائفتنا، فأمّا إذا غسلت فرجها و لم تغتسل غسل الحيض و جامعها زوجها فقد زالت الكراهة أيضا، فليتأمّل ذلك.

* * *

458

[234] مسألة في الكر من الماء

الحمد للّه على البأساء و الضراء و النعماء، و صلّى اللّه على صفوة الأنبياء، و خيرة ربّ السماء، محمّد بن عبد اللّه النبيّ الأمّي، و على ابن عمّه عليّ الوصي إمام الأتقياء، و سيّد البطحاء، و على عترتهما و آلهما النجباء.

قال محمّد بن إدريس: اتفق لي على استمرار العادة، و أداء حق السّيادة، حضوري مجلس الصاحب المخدوم، نصرة الدّين إسماعيل بن عنبر (1) أسبغ اللّه عليه أياديه، و قوّى للصالحات دواعيه، الّذي هو عندي حبران المفروض، و المثقّف لأودي تثقيف الشعر بعلم العروض، و إنّي لأستحسن في هذا النّمط و النّظام قول أبي تمّام (2):

فو اللّه ما آتيك إلّا فريضة * * * و آتي جميع الناس إلّا تنفّلا

و ليس امرؤ في الناس كنت وقاءه * * * عشيّة لاقى النائبات لأعزلا

____________

(1)- لم أقف فعلا على مزيد من معرفته.

(2)- شرح ديوان أبي تمام للتبريزي 3: 103 بتحقيق محمّد عبده عزام بتفاوت في رواية البيت الثاني و لفظه:

و ليس امرؤ في الناس كنت سلاحه * * * عشيّة يلقى الحادثات بأعزلا

459

فإنّه بحمد اللّه لخدمه و إخوانه غير ناس، و بما في يديه لهم مواس، و لكلومهم من براثن الحدثان آس، طبع جبليّ طبع عليه، و محتد عنتريّ محدثه إليه، و دين له فيه مغرق، و بيت له في الشرف محلق، فجرى حديث الكرّ من الماء و كيف المقال فيه؟ فقلت: إنّ لي فيه مسألة مسوّدة، فأمر بإحضارها، فأحضرتها، و أنعم بسعادته في جوابي لمسألته، و أوعاني سمعه الكريم، و فكره السّليم محكّ البيان و حلبة البرهان، الّذي يبين العسجد من اللجين، و يكشف عن الصّحيح دون الرين، فيرى رأي العين، و يمتاز الحقّ من المين، فقرأتها عليه، و سمعها إلى آخرها، و أمرني بتبييضها له، و الكتابة بالسّماع عليها و ها هي:

مسألة: ما يقال في ماءين نجسين غير متغيّرين بنجاسة، ينقص كلّ واحد منهما عن الكرّ، فخلطا فبلغا كرا فما زاد، أ هما نجسان بعد الخلط و المزج و البلوغ؟

أم طاهران؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم إنّ هذا الماء يكون طاهرا بعد اختلاطه إذا كان يبلغ كرا، لأنّ بلوغ الماء عند أصحابنا هذا المبلغ مزيل لحكم النّجاسة التي كانت فيه قبل اختلاطه، و هو مستهلك بكثرته لها، و كأنّها بحكم الشّرع غير موجودة فيه، فقد صار بعد خلطه طاهرا مطهرا على الصحيح من أقوال فقهاء العصابة، و الأكثرين من أصحابنا المصنّفين المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة، و نقّاد الآثار، و ذوي الاعتبار.

و الدّليل على ذلك عموم النصوص، و الأخبار المتواترة عن الرسول و آله

460

الأئمة الأطهار، عليهم الصلاة و السلام.

فأمّا ما روي عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قوله: «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا»

(1)

فالألف و اللام المذكوران في الماء بغير خلاف بين الفقهاء و أهل اللّسان، للجنس المستغرق، فالمخصّص للخطاب العام، الوارد من الشارع يحتاج إلى دليل، و لا خلاف أيضا بين المخالف في المسألة و المؤالف من أصحابنا و من المسلمين قاطبة في تصنيفهم، و تقسيمهم له في كتبهم، فإنّهم يقولون الماء على ضربين:

طاهر و نجس، فقد حصل الاتفاق من الفريقين على تسمية الماء النجس بالماء، و تسميته بالماء النجس لا يخرجه عن اطلاق اسم الماء حتى يصير في حكم ماء الورد و ماء الباقلّا، لأنّه لو شربه من حلف لا يشرب ماء يحنث بغير خلاف، و من شرب ماء الورد لم يحنث.

و الدّليل أيضا على أنّ الماء النّجس يستحقّ اسم الماء بالإطلاق أنّ السيّد المرتضى رضي اللّه عنه لما ناظر الشافعي على قوله: إنّ المني طاهر تمسّك الشافعي بمتمسكات من جملتها قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً (2) فأطلق اسم الماء على المنيّ، و الماء المطلق طاهر قال السيد: عليه يقال له فيما تعلّق به من الآية معلوم أنّ اطلاق اسم الماء لا يعقل منه المني، و لا يسبق إلى الأوهام أنّه أريد به، و إنّما يعلم ذلك بقرينة أو دلالة أو مقدّمة، ألا ترى أنّ

____________

(1)- رواه المحدث النوري في مستدرك الوسائل 1: 198 نقلا عن عوالي اللئالي.

(2)- الفرقان: 54.

461

القائل إذا قال عندي ماء و رأيت ماء، لم يفهم من قوله المنيّ، و لم يسبق إلى و هم أحد ذلك، و لو سلّمنا أنّه يستحق اسم الماء على الإطلاق لم يفد طهارته، لأنّ الماء على ضربين: نجس و طاهر، و كلّ واحد منهما يستحقّ اسم الماء على الإطلاق.

ألا ترى أنّ السيّد المرتضى قدس اللّه روحه و نوّر ضريحه، قرّر مع الشافعي أنّ الماء على ضربين: نجس و طاهر، و قال: و كلّ واحد منهما يستحق اسم الماء على الإطلاق مستدلا على خصمه بأنّ الماء النّجس يسمّى ماء، و يستحقّ اسم الماء على الإطلاق فمن خصّص في الخبر المروي المتفق عليه المتلقّى بالقبول عند الجميع بأنّ الماء المذكور فيه، أراد به الطاهر دون النّجس يحتاج إلى دليل، بل الواجب العمل بالعموم في الشريعة إلى أن يقوم دليل الخصوص، و لأنّ عند محقّقي أصحاب أصول الفقه أنّ تأخير بيان العموم عن وقت الخطاب لا يجوز من الحكيم، بخلاف تأخير بيان المجمل، و ذاك أنّ العموم لفظ موضوع لحقيقة، و الحكيم لا يجوز أن يخاطب بلفظ له حقيقة و هو لا يريدها من غير أن يدلّ في حال خطابه أنّه متجوّز باللّفظ، و لا إشكال في قبح ذلك، و العلّة في قبحه أنّه خطاب، أريد به غير ما وضعوه له من غير دلالة.

و الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) الّذي يجعل خلافه في هذه المسألة دليلا معتمدا أو ملجأ و حجّة و يقلّد فيها، يذهب إلى أنّ المراد في الخبر بالألف و اللام الجنس دون العهد، الّذي يدّعيه من يتعصّب و يبصر خلاف ما يذهب إليه، و هو

462

أن قال في مبسوطه في باب المياه (1):

و متى نجست هذه المياه فإنّه لا يجوز استعمالها إلّا عند الضرورة في الشرب لا غير حسب ما قدّمناه، و الطريق إلى تطهير هذه المياه أن يطرأ عليها كرّ من ماء مطلق، و لا يتغير مع ذلك أحد أوصافها، فحينئذ يحكم بطهارتها، فإن تمّمت كرا بالمياه الطاهرة لم يرفع عنها حكم النجاسة، بل ينجس الكلّ، و في أصحابنا من قال إذا تممت بطاهر كرا زال عنها حكم النجاسة و هو قويّ،

لقولهم (عليهم السلام): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة».

فأمّا إذا تمّمت كرا بنجاسة، فلا شك أنّه ينجس الكلّ، و إن كان مقدار الكرّ في موضعين و نجسا ثمّ يجمع بينهما، لم يزل عنهما حكم النّجاسة، لأنّه لا دليل عليه، و في أصحابنا من قال يزول ذلك للخبر و هو قويّ على ما قلناه، هذا آخر كلام الشيخ أبي جعفر.

فلو كان الألف و اللام المراد بهما العهد عنده، لما جاز له أن يقول و يستشهد في الصّور التي صوّرها

بقولهم (عليهم السلام): إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة،

ثمّ إنّه قوّى ما ذهب إليه بعض أصحابه على ما حكاه عنهم بالخبر الّذي أورده إيراد راض به، فلا يخلو الخبر من أن يكون صحيحا مجمعا عليه أو غير صحيح، بل من أخبار الآحاد.

فالخبر بالاتفاق منه و من أصحابه صحيح، فيجب إلّا يعدل عنه و أن

____________

(1)- المبسوط 1: 7.

463

يعمل به، و لو لم يكن صحيحا لما قوّاه، فإذا صحّ، فما بقي له معدل عن العمل به، و ما ذهب إليه أصحابه، فإذا بلغ هذا الماء الحدّ المحدود فهو في حكم الشرع المطهر له، لأنّ الشارع جعل البلوغ دليلا و علما على التطهير لجنس الماء، إلّا ما أخرجه الدّليل من مياه الآبار، فليتأمّل ذلك تأمّلا جيّدا و ليفهم، فربّما غمض المعنى فيه على من لم ينعم النّظر.

ثمّ قال أبو جعفر في هذا الكتاب أيضا: و الكرّ من الماء إذا وقعت فيه نجاسة لم تغيّر أحد أوصافه جاز استعمال جميع ذلك الماء، و إن علم أنّ فيه نجاسة لأنّها صارت مستهلكة (1).

ثمّ قال: و إذا كانت النجاسة مائعة لا يمكن إخراجها منه حكم باستهلاكها، و جاز استعمال جميعه على كلّ حال (2).

ألا ترى إلى قوله و تعليله: لأنّها صارت مستهلكة، فإذا كانت على قوله مستهلكة لأجل كثرة الماء و بلوغه الكرّ، فلا فرق بين أن يقع فيه و هو مجتمع كرا، و بين أن يقع فيه قبل بلوغه الكرّ و هو في موضعين ثمّ يجتمع، لأنّ الكثرة حاصلة بعد اجتماعه و هي المستهلكة للنجاسة، و النجاسة مستهلكة في الكثرة التي هي الكرّية، فقد حصل من هذا معنى الاستهلاك لها بعد تكامله و اختلاطه كما حصل كون النّجاسة مستهلكا إذا وقعت فيه و هو كرّ مكمّلا مجتمعا في مكان واحد.

____________

(1)- المبسوط 1: 7.

(2)- نفس المصدر 1: 8.

464

فأمّا قبل بلوغه فلا خلاف أنّ النجاسة الواقعة فيه غير مستهلكة، لأنّها واقعة في شيء غير مستهلك لها و هو الكثرة التي هي الكرّية، فإذا حصل المستهلك لها و هو بلوغ الماء كرا، كانت هي مستهلكة، ثمّ إنّ الأمّة بأسرها بين ثلاثة أقوال:

قائل منهم يقول: إنّ الماء الراكد أو الواقف أو الدائم على اختلاف الألفاظ و العبارات بين الفقهاء لا ينجّسه شيء من النجاسات سواء كان قليلا أو كثيرا إلّا ما غيّر أحد أوصافه، و هو مالك و من وافقه.

و قائل قال: هذا الماء ينجس بما يقع فيه من النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا تغيّر بها أحد أوصافه أو لم يتغيّر، و هو أبو حنيفة و من ذهب مذهبه.

و قائل قال: إذا بلغ هذا الماء المشار إليه حدّا و وقعت فيه نجاسة و لم يتغيّر أحد أوصافه لا ينجس بل هو باق على طهارته، فإن نقص عن ذلك الحدّ فإنّه ينجس بحصول النجاسة فيه، و لم يعتبر هذا القائل حصولها فيه قبل بلوغه الحدّ الّذي يراعيه ثمّ بلوغه الحدّ بعد ذلك، أو بعد بلوغه الحدّ ثمّ وقوعها فيه، بل المراعى عنده بلوغه الحدّ، و لا فرق عنده بين وقوعها فيه قبل البلوغ أو بعده في أنّه إذا بلغ بعد ذلك فإنّه يطهر بالبلوغ كيف ما دارت القصة.

فمن قال انّه إذا كان في موضعين ثمّ وقعت في كلّ واحد منهما النجاسة، ثمّ جمعا و خلطا حتى بلغا الحدّ المراعى لم يزل التنجيس ببلوغه الحدّ المراعى، بل إذا كان مجتمعا في موضع واحد و هو طاهر و قد بلغ الحدّ فذلك الّذي لا تنجّسه

465

بوقوعها فيه، إلّا أن يتغيّر أحد أوصافه، فقد خرج من إجماع الأمة و صار قولا رابعا، و قد بينّا أنّ الأمة مجمعة على ثلاثة أقوال.

و في خروج هذا القول و القائل عن الثلاثة ما فيه، لأنّ الإمامي و الشافعي و من وافقهما يراعون في الماء حدا إذا بلغه لم ينجّسه شيء من النجاسات الواقعة فيه إلّا ما يغيّر أحد أوصافه، و لم يفرّق الشافعي و من ذهب مذهبه بين وقوعها فيه و هو متفرّق ثمّ يبلغ بعد ذلك الحدّ، و بين وقوعها فيه و هو مجتمع قبل تفرّقه، و إلّا فلنسأل أصحاب الشافعي عن ذلك و هل يفرّقون بين ذلك؟

و كذلك الإماميّ إلّا من شذّ منهم و عرف اسمه و نسبه، و ذلك غير معتدّ بخلافه فليتأمّل هذه الجملة و تحقّق، فلا معدل للمصنّف عن القول بصحّة ما ذهبنا إليه.

و أيضا ما روي عن الأئمّة في هذا المعنى من طرقنا أكثر من أن يحصى، فمن ذلك ما أورده الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتابه الاستبصار في باب مقدار الماء الّذي لا ينجّسه شيء (1)، قال:

أخبرني الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان (رحمه اللّه)، قال: أخبرني أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن محمّد بن الحسن الصّفار و سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى و الحسن بن الحسين بن أبان، عن الحسين

____________

(1)- الاستبصار 1: 6، و هذا أول أحاديث الكتاب.

466

بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الماء تبول فيه الدّواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء.

و بهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء

(1)

.

و أخبرني الشيخ (رحمه اللّه) عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى جميعا، عن معاوية بن عمّار قال:

سمعت أبا عبد اللّه يقول: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء

(2)

.

فإن اعترض معترض على الخبر المرويّ عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المجمع على روايته و قال: (لم يحمل) المراد (بلم) الماضي دون الاستقبال.

قلنا: لفظة (لم، و لا) كلاهما للنفي بغير خلاف بين أهل اللسان، و نحن نلتزم أنّه حامل في الماضي قبل بلوغه الكرّ، فإذا بلغ لم يصر حاملا لما كان يحتمله قبل البلوغ بدليل لفظ (إذا) لأنّها في لسان العرب بغير خلاف تفيد الاستقبال و فيها معنى الشّرط، بل هي حقيقة في هذا المعنى بالشّرط،

لأنّه قال (عليه السلام): إذا بلغ

____________

(1)- الاستبصار 1: 6.

(2)- الاستبصار 1: 6.

467

الماء كرا لم يحمل خبثا،

فجعل بلوغه كرا شرطا في انتفاء الخبث عنه، و دلالة على أنّ ما دون الكرّ بخلافه، فقد تحقق الاستقبال بلفظة (إذا) المحقّقة له، و قيّده و حدّده بالمبلغ المذكور، فاندفع هذا الاعتراض.

و قد ذكر الشيخ أبو جعفر (رحمه اللّه) في تفسير قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (1) الآيات، فقال: و اللّفظ و إن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال، لأنّه إذا أخبر اللّه تعالى بشيء فلا بدّ من كونه فكأنّه واقع.

و قال أيضا: و الفعل الماضي يكون بمعنى المستقبل في الشّرط و الجزاء و في أفعال اللّه تعالى، و في الدعاء إذا تكرّر، كقولك: حفظك اللّه و أطال بقاءك (2).

فهل يطعن عليه في قوله أو يخالف فيه و هو وزان ما نحن فيه و نظيره.

و أيضا فلو كانت لفظة (لم) في الخبر عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) معترضة، فقد روينا عن الأئمّة (عليهم السلام) في الأخبار المتقدّمة التّصريح بأنّ الماء إذا بلغ الكرّ لا ينجّسه شيء، فلو كانت لفظة (لم) محتملة على ما ظنّه المعترض لم يقدح ذلك في استدلالنا بالخبر، على أنّا لو حملنا اللّفظ على تأويل المعترض لبطلت فائدة تحديده، لأنّ الماء المتنازع فيه نجس قبل البلوغ و بعد البلوغ عند المخالف فيه، فأيّ معنى لقوله: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا، و هو قبل أن يبلغ ذلك هذه صفته، و الكلام موضوع

____________

(1)- التكوير: 1- 2.

(2)- تفسير التبيان 10: 280.

468

للإفادة، و هي الغرض الأصلي الحكمي عند أهل اللّسان، و خصوصا كلامه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فإذا لم يفد شيئا صار لغوا و عبثا، و هو منزّه عن العبث، و الظّواهر على طهارة هذا الماء بعد البلوغ المحدّد أكثر من أن تحصى.

فمن ذلك قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المتفق على روايته، ظاهره أنّه قال: خلق (اللّه) الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته

(1)

.

فمنع من نجاسته إذا لم يتغيّر، إلّا ما أخرجه الدّليل، هذا بخلاف قول الخصم المخالف في هذا الماء، و أيضا قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (2) و هذا عام في الكرّ المنازع فيه و غيره، لأنّه لا يخرج عن كونه منزّلا من السماء، و ليس لأحد أن يخصّ ذلك بتنزّله من السّماء في حال نزوله، ألا ترى أنّ ماء دجلة إذا استعمل و نقل من مكان لم يخرج من أن يكون ماء دجلة.

و أيضا قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا* (3) فالواجد للكرّ المختلف فيه واجد لما تناوله الاسم بغير خلاف.

و أيضا قوله: وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (4) فأجاز تعالى الدّخول في الصلاة بعد الاغتسال، و من اغتسل بالماء المختلف فيه تناوله اسم

____________

(1)- مستدرك الوسائل 1: 202 نقلا عن عوالي اللئالي، و ما بين القوسين من المصدر.

(2)- الأنفال: 11.

(3)- النساء: 43.

(4)- النساء: 43.

469

مغتسل بلا شكّ.

و أيضا قوله لأبي ذرّ: «إذا وجدت الماء فامسسه جلدك»

(1) و من وجد هذا الكرّ فهو واجد للماء.

و قوله أيضا (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «أمّا أنا فأحثوا على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت»

(2). و لم يخصّ ماء من ماء، و أمّا في الخبر نكرة، و النكرة مستغرقة لجنسها، فالظّواهر من القرآن و السنّة التي يتمسّك بها على طهارة الكرّ المختلف فيه كثيرة على ما ترى جدا، و أيضا حسن الاستفهام يدلّ على الاشتراك بغير خلاف، و لا خلاف في أنّ من قال عندي ماء، يحسن أن يستفهم عن قوله أنجس أم طاهر.

فإن قيل: كيف يكون مثلا نصف كرّ مفردا نجسا و النّصف الآخر أيضا نجسا، فإذا خلطا و بلغا الكرّ مجتمعا يصير طاهرا، و هل هذا إلّا عجب عجيب!

قلنا: لا يمتنع أن يكون البعض نجسا إذا كان متفرقا و كذلك البعض الآخر، فإذا اجتمعا حدث معنى، و هو البلوغ و الاجتماع، فيتغيّر الحكم عمّا كان عليه أوّلا، فيخرجه من النجاسة إلى الطّهارة، فيطهر حينئذ بالبلوغ، و لهذا أمثلة كثيرة عقلا و سمعا.

____________

(1)- مسند أحمد 5: 146- 147، و سنن البيهقي 1: 79، و تلخيص الحبير 1: 162 نشر مكتبة ابن تيمية.

(2)- تلخيص الحبير 1: 70 نقلا عن أحمد.

470

فمن ذلك المشرك نجس العين و يخرجه الإيمان من النجاسة إلى الطّهارة.

فإن قيل: إنّ العين على ما كانت عليه، قلنا: غير مسلّم، لأنّ الاعتقاد للإسلام يمنع من أن يطلق أنّها على ما كانت عليه، إلّا أن يراد بالعين نفس الجواهر و هو كذلك إلّا أنّه غير مؤثّر، ألا ترى أنّ عصير العنب قبل أن يشتدّ حلال طاهر، فإذا حدثت الشدّة حرمت العين و نجست، و العين التي هي جواهر على ما كانت عليه، و انّما حدث معنى لم يكن.

و كذلك إذا انقلبت خلا زالت الشدّة عن العين و تطهر، و هي على ما كانت عليه.

و كذلك الحيّ من الناس المسلمين يكون طاهرا في حال حياته فإذا مات صار نجسا، و العين على ما كانت عليه، و لم يحصل من التغيّر أكثر من عدم معنى هو الحياة.

و إذا جاز أن ينجس العين الطاهرة بعدم الحياة و حلول الموت، جاز أن يطهر العين النّجسة بعدم الكفر و وجود الإيمان، على أنّ الجواهر متماثلة، فالعين النّجسة من جنس العين الطاهرة، و انّما تفارقها بما يحلّها من المعاني و الأعراض و الأحكام.

فإن قيل: على هذا المثال إذا حدثت الشدّة في العصير لا يقول أنّ العين كما كانت، قلنا: و كذلك لا نقول في المشرك إذا أسلم أنّه على ما كان عليه، فإن قالوا:

الايمان لم يقلب العين، قلنا: و الشدّة لم تقلب العين، و إنّما هي معنى حدثت بعد

471

أن لم تحدث و العين واحدة.

و أيضا غير ممتنع في الأصول و الفروع أن ثبتت للجمل أحكام لا تثبت للآحاد، مثاله: إنّ كلّ جزء من السّرير ليس بسرير و مجموعه سرير، و الخبر الّذي يرويه مخالفنا في الإمامة

عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من قوله: «لا تجتمع أمّتي على خطأ»

(1) لو وافقنا على روايته و صحّته، لما امتنع أن يكون الأمة عند الاجتماع لا يجوز عليها الخطأ، و إن كان يجوز من آحادها قبل الاجتماع الخطأ، فإذن لا مانع شرعا و لا عقلا أن يثبت للماء النّجس متفرقا قبل اجتماعه و بلوغه الكرّ حكم بعد اجتماعه و بلوغه الحدّ المحدود، فالدّليل كما يقال يعمل العجب و يزيل الرّيب.

و قد سئل السيد المرتضى (رحمه اللّه) مسألة من جملة المسائل الرّسيّات المعروفة الشائعة و هي من قلائد المسائل، لأنّ السائل عنها كان حاذقا محقّقا فقيها، مدقّقا و هي المسألة السابعة عشرة:

فقال السّائل المحسن الرسّي: إذا كان المذهب مستقرا بأنّ ما بلغ من المياه المحصورة كرا لم ينجّسه شيء إلّا ما غيّر أحد أوصافه، فما القول في ماءين نجسين

____________

(1)- لم أقف عليه بهذا اللفظ انّما المروي «لا تجتمع على ضلالة» و مع ذلك فهو حديث لا يصحّ، و قد ناقش في سنده و متنه غير واحد، و يحسن مراجعة الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة، و كشف الخفاء و الالتباس فيما اشتهر من الأحاديث عند الناس و غيرهما، و قال ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير 3: 162: و امته معصومة لا تجتمع على الضلالة هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال، ثمّ ذكر العلل الواردة في طرق أبي داود و الترمذي و الحاكم فراجع.

472

غير متغيّرين ينقص كلّ واحد منهما عن الكرّ خلطا فبلغا كرا فما زاد، أ هما نجسان بعد الخلط؟ أم هما طاهران؟

فإن قلتم بطهارتهما فمن أين صار الخلط مؤثرا للطّهارة؟ و إن قلتم بنجاستهما خالفتم قولكم بطهارة ما بلغ الكرّ مع عدم التغيير.

ألا ترى إلى تقرير السائل في سؤاله و تقسيمه و قوله: فإن قلتم بنجاستهما خالفتم قولكم، يعني قول الشّيعة الإماميّة بطهارة ما بلغ الكرّ مع عدم التغيير، و عمّم و لم يفرّق بين اجتماعه و بين تفريق الكرّ و اجتماعه بعد التّفريق، فأجاب السيّد المرتضى:

فقال: الجواب و باللّه التوفيق اعلم أنّ الصّحيح في هذه المسألة هو القول بأنّ هذا الماء يكون طاهرا بعد اختلاطه إذا كان يبلغ كرا، لأنّ بلوغ الماء عندنا هذا المبلغ مزيل لحكم النّجاسة التي تكون فيه، و هو مستهلك بكثرته لها، فكأنّها بحكم الشرع غير موجودة، إلّا أن تؤثّر في صفات الماء، و إذا كان الماء بكثرته و بلوغه إلى هذا الحدّ مستهلكا للنّجاسة الحاصلة فيه، فلا فرق بين وقوعها فيه بعد تكامل كونه كرا، و بين حصولها في بعضه قبل التكامل، لأنّ على الوجهين معا النّجاسة في ماء كثير، فيجب أن لا يكون لها تأثير فيه مع عدم تغيير النجاسة الصّفات.

و الّذي يبيّن أنّ الأمر على ما أفتينا به أنّا لو صادفنا كرا من ماء فيه نجاسة لم تغيّر شيئا من أوصافه، لكنّا بلا خلاف بين أصحابنا نحكم بطهارته و نجيز

473

الوضوء به، و نحن لا نعلم هل هذه النجاسة التي شاهدناها وقعت فيه قبل تكامل كونه كرا أو بعد تكامله، و لو كان بين وقوعها فيه قبل التكامل و بين وقوعها بعد التكامل فرق لوجب التّوقف عن استعمال كلّما نجد فيه نجاسة لم تغيّر أحد أوصافه و إن كان كثيرا، لأنّا لا ندري كيف كان حصول هذه النّجاسة فيه، فلما لم يكن بذلك اعتبار دلّ على أنّ الأمر على ما ذكرناه، انتهى كلام السيد المرتضى (1).

ألا ترى إلى فتيا هذا السيّد الّذي انتهت رئاسة الإماميّة إليه، المجمع على فضله و تقدّمه في سائر العلوم، أصلا و فرعا و نحوا، و معنى و فحوى و أدبا و فضلا، و نظما و نثرا، فهل خفي عليه الخبر و فحوى (لم يحمل خبثا) و هل هو للماضي أو للمستقبل!؟

و أيضا يذكر هذا السيّد في موضع آخر من كتبه و تصنيفه: أنّ الماء الّذي قد أزيل به نجاسة عينيّة، إذا كان كثيرا فإنّه طاهر مطهّر، ردا على من قال من مخالفيه: انّ الماء المستعمل في الطّهارة الحكميّة الكبرى غير مطهّر، و كذلك في إزالة العينيّة و استعماله في ازالتها فقال: إنّما نجس في إزالة العينية و استعماله لأنّه ماء قليل لاقى نجاسة عينيّة، فأمّا إذا كان كثيرا فإنّه طاهر و لا يؤثّر الاستعمال له في العينيّة شيئا.

و أيضا فالفقيه عبد العزيز المعروف بابن البراج (رحمه اللّه) فمناظرته في هذه الفتيا

____________

(1)- المسائل الرسيات ضمن مجموع من رسائل الشريف و غيره: 218. 219 نسخة مصورة بمكتبتي.

474

معروفة، فإنّه قد اشبع القول فيها في كتابه جواهر الفقه و حقّق النّظر فيها و دقّق (1).

و تصانيف أصحابنا عامّة مطلقة لم يعترض أحد منهم بتفصيل في هذه الفتيا.

و الفقيه سلار قال في رسالته: ذكر ما يتطهّر به و هو المياه، الماء على ضربين:

ماء مطلق، و ماء مضاف.

ثمّ قال في تقسيماته: و المضاف إلى النّجس فليس بطاهر، و لا مطهّر، و لا يجوز شربه و لا استعماله على وجه، إلّا أن يدعو إلى شربه ضرورة، و هو على ثلاثة أضرب: أحدها يزول حكم نجاسته بإخراج بعضه، و الآخر بزيادته، و الآخر لا يزول حكم نجاسته على وجه (2).

ثمّ قال: فأمّا ما يزول حكم نجاسته بزيادته، و هو أن يكون الماء قليلا و هو راكد في الأرض أو غدير (أو قليب) فإنّه ينجس بما يلاقيه من النجاسة، فإذا زاد زيادة تبلغه الكرّ أو أكثر طهر (3).

و أيضا الفتيا في هذه المسألة عليها إجماع أصحابنا في عصرنا هذا، و إجماع كلّ عصر حجّة، لما قد دلّ الدّليل عليه، و قبل عصرنا أيضا

____________

(1)- جواهر الفقه: 1 ضمن الجوامع الفقهية، و المسألة أول مسألة في باب في مسائل ما يتعلق بالطهارة.

(2)- المراسم: 1. 2 ضمن الجوامع الفقهية.

(3)- المراسم: 2 ضمن الجوامع الفقهية و ما بين القوسين اضافة من المصدر.

475

لم يخالف فيها أحد إلّا من عرف اسمه و نسبه، و إذا تعيّن المخالف في المسألة لا يعتدّ بخلافه.

و أيضا فالشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه عليه) الّذي يتمسّك بخلافه في هذه المسألة، و يجعل دليلا، يقوّي القول و الفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، و أنا أبيّن إن شاء اللّه أنّ أبا جعفر (رحمه اللّه) يفوح من فيه رائحة المسألة بالكلّية إذا تؤمّل كلامه و تصنيفه حقّ التأمّل، و أبصر بالعين الصّحيحة، و أحضر له الفكر الصافي، فإنّه فيه نظر و لبس فليفهم عنّي ما أقول.

اعلم رعاك اللّه: أنّ المقرّر المعلوم من مذهب هذا الشيخ الفقيه و قوله و فتياه و تصنيفه الشائع عنه و خلافه فيه، و قوله الّذي لم يرجع عنه (1) في كتبه يكاد يعلم بين أصحابنا ضرورة، أنّ الماء المستعمل في الطهارة الكبرى مثل غسل الجنابة و الحيض و الاستحاضة إذا كان البدن خاليا من نجاسة عينيّة بأنّ هذا الماء لا يرفع الحدث، و لا يجوز استعماله في رفع الأحداث و إن كان طاهرا، إلّا أنّه غير مطهّر عنده، و هذا معلوم من مذهبه و قوله على ما بيّناه، و حجّته: أنّ هذا الماء مستعمل في نجاسة حكميّة ثمّ قال في مبسوطه ما هذا حكايته:

و الماء المستعمل على ضربين: أحدهما ما استعمل في الوضوء و في الأغسال المسنونة، فما هذا حكمه يجوز استعماله في رفع الأحداث، و الآخر ماء استعمل

____________

(1)- زيادة يقتضيها السياق.

476

في غسل الجنابة و الحيض، فلا يجوز استعماله في رفع الأحداث و إن كان طاهرا، فإن بلغ ذلك كرا زال حكم المنع من رفع الحدث به، لأنّه قد بلغ حدّا لا يحتمل النجاسة، و إن كان أقلّ من كرّ كان طاهرا غير مطهّر (1).

هذه ألفاظ الشيخ أبي جعفر بعينها لا زيادة فيها و لا نقصان.

ألا ترى أنّ هذا الماء المستعمل في الطّهارة الكبرى عنده غير رافع الأحداث ثمّ قال: فإن بلغ ذلك كرا زال حكم المنع من رفع الحدث به، قال:

لأنّه قد بلغ حدا لا يحتمل النّجاسة، فأتى باللام المعلّلة التي معناها لأجل أنّه، فكان عنده قبل بلوغه الكرّ غير رافع، فلمّا بلغ الكرّ صار رافعا للحدث و زال بالبلوغ عنه المنع من رفع الحدث.

فانظر أيّها المعتبر و تأمّل هل صيّره مطهّرا رافعا للحدث شيء سوى البلوغ المحدود بالكرية، فيلزمه على قود هذا الاستدلال و التعليل و الالتزام منه أن يحكم في الماء النجس القليل الغير متغيّر الأوصاف بنجاسة أنّه غير رافع للنجاسة الحكميّة العينيّة.

و كذا يقول: فإذا بلغ كرا زال حكم المنع من رفع الأحداث و إزالة النّجاسات به، و إلّا فما الفرق و الفاصل بينهما مع البلوغ كرا.

فإن خطر في الخاطر و لاح خيال و سراب و نهض مقعد فقال: الفرق بينهما

____________

(1)- المبسوط 1: 11.

477

واضح: و هو أنّ الماء المستعمل في الطّهارة الكبرى الّذي لم يبلغ كرا طاهر لكنّه غير مطهّر، و الماء النّجس الّذي هو أقلّ من الكرّ غير طاهر و لا مطهّر، فقد افترق من هذا الوجه.

قلنا: المزيل لهذا الخيال و السراب لأنّه لا فرق بينهما عنده في أنّ هذا غير مطهّر و هذا غير مطهر، فقد اشتركا من هذا الوجه، فالحكم كونه غير مطهّر، فإذا بلغ صار مطهرا و ليس علّة المنع عنده كونه طاهرا فليس له بكونه طاهرا مزية عنده، فقد تساويا في المنع و الحكم المطلوب، و المغزى المقصود، من أنّه لا يرفع بهذا حدثا و لا يزيل به نجسا، و كذلك حكم الآخر عنده فهما متساويان في هذا الوجه غير مختلفين لكونهما غير مطهّرين.

و إن كان أحدهما طاهرا فغير مفيد له هذا الوصف و لا مؤثرا فيه حكما، من رفع حدث به أو إزالة نجاسة، بل هو و الماء النّجس في المنع من رفع الأحداث و إزالة النجاسات سيّان مشتركان متساويان، فتسمية الماء المستعمل الناقص من الكرّ غير مكسب له حكما و لا مؤثّر في رفع الحدث به و إزالة النّجس، بل المؤثّر في رفع الحدث به انطلاق اسم الماء عليه و بلوغه الكرّ عند الشيخ، و إلّا فماء الورد بلا خلاف طاهر و لو بلغ ألف كرّ لا يرفع حدثا، لأنّه لا ينطلق عليه اسم الماء، و هاتان الصّفتان قائمتان في الماء النّجس، و هما انطلاق اسم الماء على الماء النّجس على ما بيّناه و أوضحناه أوّلا، و بلوغه الكرّ فيجب أن يحصل له من رفع الحدث به ما حصل لذلك الماء المستعمل، و هو التأثير في رفع

478

الحدث به و إزالة النّجس إذا حصلتا له، و هما حاصلتان للماء النّجس بهذا التقرير.

فالمؤثّر عند الشّيخ في رفع الحدث به بلوغه كرا، لا كونه طاهرا فقد صار كونه طاهرا و وجود هذا الوصف له و عدمه سواء، فقد تساويا في كونهما غير مطهّرين و هو المنع من رفع الحدث و إزالة النّجاسة العينيّة بهما، فلا فرق بينهما عنده من هذا الوجه، بل هما متساويان في المنع عن رفع الحدث بهما و في كونهما غير مطهّرين، و إن اختلفا في وجه غير مقيد للماء الّذي سمّي به، و لا مكسب له حكما مؤثّرا في رفع الأحداث به، بل المكسب له و المؤثّر في رفع الأحداث بلوغه كرا فحسب، لا كونه طاهرا.

و كان المانع له عن رفع الحدث به نقصان مقداره عن الكرّ، و الرّافع لهذا الحكم عنده زيادة مقداره و بلوغه الكرّ، لا كونه طاهرا، فيجب أن يكون المانع من رفع الحدث بالماء النّجس نقصان مقداره عن الكرّ، و الرافع لهذا الحكم زيادة مقداره و هو بلوغه كرا، لأنّه جعل الحكم الرافع للمنع بلوغه الكرّ، لا كونه طاهرا، و علّل بقوله: لأنّه قد بلغ حدّا لا يحتمل النجاسة، و التعليل قائم في الماء النجس الناقص عن الكر، فإذا بلغه يجب أن يزول عنه ذلك الحكم لأنّه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة، لأنّه الحدّ المؤثر الّذي بلغه الماء المستعمل، و هو المزيل لما كان عليه من المنع المؤثّر في رفع الحدث به لا كونه طاهرا، فصار التّعليل لازما للشّيخ أبي جعفر (رحمه اللّه) كالطّوق في الحلق و القرط في الأذن.

479

فهذا الشّيخ المخالف في الفتيا في هذه المسألة في بعض أقواله محجوج بقوله، هذا هو الّذي أوضحناه على ما ترى.

فآل الأمر بحمد اللّه إلى اضمحلال الخلاف فيها المدقّق مع لطف الموفّق، و لو لا أنّ سائلا أرى إجابته و أوثر مودّته سأل كلمات و أن ابسط فيها بعض البسط، لما رأيت إتعاب خاطري و كدّ فكري و نظري في هذه المسألة لوضوح أدلّتها عندي، و لو لم يوافقني عليها أحد لكنت عاملا بها وحدي، إذ لا يوحشني من طريق الحقّ قلّة سالكيه.

فأقسم باللّه على من يقف على هذه المسألة إلّا يقلّد إلّا الأدلّة، و ينعم النّظر و يدقّق الفكر، و أن استغفر اللّه من الزّلل في المقال و خطل الفعال، و اللّه الموفق للصّواب، و مرضيّ الجواب، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

480

[235] مسألة في العقد على أم المعقود عليها أوّلا ثمّ ماتت

مسألة: مما تقول في رجل عقد على امرأة لها أمّ، ثمّ ماتت المرأة أ يجوز له العقد على أمّها؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز له العقد على أمّ زوجته، سواء دخل بالبنت أم لم يدخل، طلّق البنت أو لم يطلّق، بل الأمّ حرمت بنفس العقد على البنت تحريم أبد لقوله تعالى: وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (1) فليتأمّل ذلك.

* * *

____________

(1)- النساء: 23.

481

[236] مسألة في منظورة الأب هل يجوز للابن وطؤها بملك اليمين أو بغيره

مسألة: ما تقول في رجل ابتاع جارية، فنظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل ابتياعها بشهوة من غير ملامسة، أ يجوز للابن وطؤها بملك يمين أو بغيره؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجوز للابن وطؤها بملك يمين أو بالعقد بعد ذلك على الصحيح من المذهب، و إن كان قد روي المنع للابن من العقد، و على القول الأوّل العمل، لأنّ الرّواية ليس على المنع دليل فليتأمّل ذلك.

482

[237] مسألة في تزويج من فجر بها و هي في عقد لزوج ثمّ فارقها زوجها

مسألة: ما تقول فيمن فجر بامرأة في عقد لزوج، أ يجوز له أن يتزوّجها بعد فراق الزّوج لها أو يتزوّج بنتا لها؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يحلّ للفاجر تزويج هذه أبدا بغير خلاف بين أصحابنا، فأمّا تزويج بنتها بعد ذلك فلا بأس بذلك، و لا تحرم البنت بوطء الأمّ حراما،

لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «لا يحرّم الحرام الحلال»

(1) و لو لا الإجماع على تحريم الأم لما حرمت، فليتأمّل ذلك.

* * *

____________

(1)- موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7: 347 نقلا عن عدة مصادر منها مجمع الزوائد 4:

268.

483

[238] مسألة تقبيل الغلام بشهوة و إن كان له من العمر شهر أو أقلّ أو أكثر

مسألة: ما تقول فيمن قبّل غلاما له من العمر شهرا أو أقلّ أو أكثر؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز تقبيل الصّبيان بالشّهوة، و لا يحلّ، بل ذلك محرّم محظور، فأمّا لا للريبة (1) و لا للشّهوة فلا بأس إذا كان بغير ذلك من التودّد و التحنّن و التقرّب و الصّداقة و النّسب و الخلّة الدّينية إليه إذا كان بالغا أو إلى أبيه، فليتأمّل ذلك تأمّلا جيّدا فإنّه واضح.

____________

(1)- في الأصل (لا للزينة) و هو من سهو القلم و الصواب ما أثبتناه.

484

[239] مسألة في عدم تسليم الزوجة نفسها إلّا بعد استيفاء مهرها

مسألة: ما تقول في الزّوجة إذا امتنعت على الزّوج، و قالت: لا أسلّم نفسي حتى استوفي مهري أو بعضه، و لم يكن الزّوج قادرا على المهر ما الّذي يلزمها في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز لها الامتناع من طاعة الزّوج، و يجب عليها تسليم نفسها إليه سواء كان قبل الدخول أو بعده، إذا كان غير قادر على مهرها، فأمّا إذا كان قادرا موسرا فلها الامتناع إذا لم يكن دخل بها، فإن كان قد دخل فليس لها أيضا الامتناع.

485

[240] مسألة في الثلاثة أيّام التي هي في شرط الخيار

مسألة: ما تقول في الثلاثة أيّام الّتي هي في شرط الخيار هل هي في جميع المبيعات أو في الحيوان فقط؟

الجواب و باللّه التوفيق: الشّرط في الحيوان جميعه ثلاثة أيّام للمشتري خاصّة يثبت بنفس العقد دون الشرط، و غيره من المبيعات لا يثبت الخيار بمجرّد العقد إلّا بالشرط.

فأمّا خيار المجلس فيثبت بنفس العقد في جميع المبيعات ما داما في المجلس، فليتأمّل ذلك.

486

[241] مسألة في الدبا من الجراد

مسألة: ما تقول في الدّبا من الجراد و الفرخ إذا لم ينهض، يجوز أخذهما أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الدّبا من الجراد لا يجوز أكله و هو حرام مدّة ما لم يستقلّ بالطّيران، فإذا نهض و استقل حلّ.

فأمّا الفراخ من الطّير فلا بأس بأكلها قبل النّهوض، إذا أخذت حيّة و ذبحت.

فأمّا إذا رميت بالنّشاب في و كرها و عشّها و قتلت بالرّمي فلا يجوز أكلها، لأنّها ليست بصيد بعد، لأنّها غير قادرة على الامتناع بالطّيران فهي مقدور على أخذها و تذكيتها في موضع الذّكاة، ففي هذه الحال هي بمنزلة الغنم و الإبل و البقر المقدور على ذكاتها، فلا يجوز تذكيتها في غير موضع الذّكاة، فإذا نهضت صارت غير مقدور عليها فصارت صيدا، فجاز رميها و أكلها إذا قتلها الرمي، بشرائط التّسمية، و كون السّهم فيه الحديد، و تحقيق قتله بسهم، و ألّا يغيب عن عين الرامي، فأمّا أخذهما فلا بأس، فليتأمّل الأخذ من الأكل و اللّه الموفق

487

للصواب و مرضيّ الجواب.

تمّت المسائل و جواباتها و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلواته على خيرته من خلقه محمّد النبيّ و عترته الطاهرين، و وافق الفراغ منه يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر اللّه الأصمّ رجب من شهور سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربّه و شفاعة نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) جعفر بن أحمد بن الحسين بن قمرويه الحائري، حامدا للّه مثنيا عليه، و مصلّيا على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه (و آله) (1).

* * *

____________

(1)- في الهامش من جهة اليسار ما يلي:

بلغ تصحيحا على يد الا ...

و الشيخ جعفر المحتصر و د ...

الدنيا و الآخرة بمحمّد و ...