أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
55

تغيّرت من إقامة إلى سفر.

كما تغيّرت حال العبد من رقّ إلى حرّية فتغيّرت صفة العبادة التي تلزمه، و كذلك لو كان في أوّل الوقت صحيحا لزمته الصّلاة قائما مستوفيا للركوع و السّجود، فإذا مرض قبل آخر الوقت و لم يتمكّن من الصّلاة قائما صلّى قاعدا أو مؤميا بحسب ما يمكنه، فتغيّرت صفة العابد بتغيير حاله في وقت أدائها (1).

و ممّا يدلّ على وجوب المضايقة أيضا قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عمّن نام عن صلاة أو نسيها: (فليصلّها إذا ذكرها فذلك وقتها) و لفظة صلاة في الخبر اسم للجنس لأنّها مصدر، و المصدر يعبّر عن القليل و الكثير على وجه واحد بلا خلاف بين أهل العربية، و لأنّ المنكّر يدلّ على الجنس و الاستغراق كالمعرّف، ذكر ذلك السيد المرتضى في ذريعته في فصل في هل يتكرّر المأمور به بتكرار الأمر (2)، و السيّد غير مدافع في علم العربيّة، و يعضد ذلك قول المعصومين (عليهم السلام):

«لا صلاة إلّا بطهور» (3) «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (4).

فهل أرادوا و عيّنوا صلاة واحدة لا نكرة أو جنس الصّلاة، و هذا شيء لا يحتاج إلى إطناب لوضوحه، بل ذكرت ذلك و أشبعت القول فيه لما بلغني عن

____________

(1)- قارن الذريعة للشريف المرتضى 1: 156.

(2)- الذريعة للسيّد المرتضى 1: 126- 127.

(3)- مستدرك الوسائل 1: 287 برقم 624.

(4)- ن م 4: 158 برقم 4365 و 4368.

56

بعض من لا دراية له بهذا الفنّ أنّه قال: لا صلاة نكرة لا يدلّ على الجنس، و المراد صلاة واحدة في

قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها»

(1). فعلى هذا من صلّى الأداء قبل تضيّق وقته و هو ذاكر الفائت لم يجز صلاته لظاهر الخبر و فحواه، لأنّه يكون مصلّيا للأداء في غير وقته، لقوله (عليه السلام): «فذلك وقتها» فجعل وقت الذكر وقت الفائتة،

و أيضا ما روي عنه (عليه السلام) أنّه قال: «لا صلاة لمن عليه صلاة»

(2) فنفى (عليه السلام) أن يكون صلاة شرعيّة لمن عليه صلاة و هو ذاكر لها.

و هذان الخبران رواهما المؤالف و المخالف عن نبيّ الهدى (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و أجمع على نقلهما جميع أهل القبلة، فقد صار العمل بهما و المصير إليهما واجبا، لأنّهما و إن كانا في حيّز الآحاد فقد أجمع عليهما، فبالإجماع صارا معلومين، لأنّ الخبر عندنا و عند جميع الأمة إذا كان واحدا و أجمع عليه، فقد صار معلوما بالإجماع صحته، فوجب المصير إلى ظاهره، لا أنّه في نفسه حجة، بل الإجماع عليه هو الحجّة، و هذا ما لا خلاف فيه عند محقّقي أصحابنا.

____________

(1)- لم أقف عليه بهذا اللفظ في مصادرنا الحديثية و ورد في الفقهية كتذكرة العلّامة و المعتبر للمحقق، نعم ورد بلفظ: «من نام عن صلاة فوقتها حين يذكرها» الوسائل باب 1 من أبواب قضاء الصلوات 5: ح 4، لكن ورد في سنن الدار قطني 1: 422، و سنن البيهقي 5: 219 بتفاوت يسير.

(2)- رواه الشيخ في المبسوط 1: 127، و الخلاف 1: 386 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

57

و ليس لأحد أن يقول: لا صلاة نافلة لمن عليه صلاة فريضة، و ذلك إنّا نحمله على الأمرين معا، كما استدللنا كلنا على نجاسة الكافر الذمّي بقوله تعالى:

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (1) فاعترض المخالف لنا و قال: إنّما أراد نجاسة الحكم لا نجاسة العين، قلنا: نحمله على الأمرين ليصحّ لنا التمسّك بالآية، فكذلك صحّ لنا التمسّك بالخبر و الاستدلال به على وجوب المضايقة، لأنّه قال:

«لا صلاة لمن عليه صلاة»

أي لا صلاة فريضة مؤدّاة في أوّل وقتها أو ثانيه أو ثالثه، ذلك لمن عليه صلوات فوائت و هو ذاكر لها.

و حرف لا في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «لا صلاة» نفي، إذا دخل على النكرة فإنّه يقتضي الاستغراق و نفي الحكم و الإجزاء على كلّ حال، هذا فائدة (لا) إذا دخلت على النكرات في عرف الشّرع و موضوع اهل اللسان، كقولهم: لا رجل في الدّار، فأفاد نفي الجنس على كلّ حال.

و ليس لأحد أن يقول: إنّ النّفي قد يراد به الكمال مرّة و نفي الإجزاء مرّة أخرى، فمن أين أنّ هذا يراد به نفي الإجزاء دون الكمال، و ذلك انّ النفي على ما بيّناه بمجرّده في عرف الشرع و اللّغة إذا ورد من الحكيم اقتضى بمجرّده عدم الإجزاء و الصّحة، و أن يكون شرعنا، و حمله على عرف الشرع هو الواجب، لأنّ عند المحصّلين لهذا الشأن إذا اتّفق في الكلمة عرفان: عرف اللّغة و عرف الشّرع، فحملها على عرف الشرع هو الواجب بلا خلاف، لأنّه الطّارئ على عرف اللّغة

____________

(1)- التوبة: 28.

58

و كان الحكم له، مثل قولنا صلاة و صيام، فحقيقة الصّلاة عند أهل اللّغة الدّعاء إلّا أنّها اختصّت بعرف الشرع بركوع و سجود و قراءة، فإذا خوطبنا بها، فالواجب حملها على عرف الشّريعة، فكذلك الصّيام حقيقته عند أهل اللسان الإمساك عن كلّ شيء و في كلّ زمان، إلّا أنّه صار مختصّا في عرف الشّرع عن أشياء مخصوصة، في زمان مخصوص من مكلّف مخصوص على وجه مخصوص.

فمن حمل قوله (عليه السلام): «لا صلاة» على نفي الكمال دون الإجزاء فهو عادل عن عرف الشّريعة بغير دليل و لا برهان، و لو أراد (عليه السلام) نفي الكمال لقرن إليه قرينة أو ضمّ إليه ضميمة مخرجة عمّا وضع له فيعدل بها عن الوضع الشّرعي، و لئن ساغ لقائل ذلك جاز للآخر الاعتراض على

قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»

(1)

و «لا صلاة إلّا بطهور»

(2) فنقول: لا صلاة كاملة أو فاضلة إلّا بفاتحة الكتاب، و لا صلاة فاضلة أو كاملة إلّا بطهور، دون نفي الإجزاء، و هذا خلاف إجماع المسلمين و صدّ ما عليه عصابة المؤمنين.

____________

(1)- ورد الحديث بألفاظ متفاوتة منها بلفظ المتن كما في فتح الباري 2: 252، و الكامل لابن عدي 4: 117 و غيرهما، و منها بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» و هذا في صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما (راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7: 262) و ثمة ألفاظ أخرى تجدها في المصدر المذكور فراجع.

(2)- الوسائل: أبواب الوضوء الباب الأوّل الحديث الأوّل، رواه المشايخ الكليني و الصدوق و الطوسي فراجع.

59

فإن قيل:

فقد قال (عليه السلام): «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد»

(1)

و «لا صدقة و ذو رحم محتاج»

(2) قلنا: لو لا الإجماع على صحّة صلاة جار المسجد إذا صلّاها في بيته، و على صدقة من تصدّق على أجنبيّ و لو ذو رحم محتاج، لما أجزأته صلاته و لا صدقته لو خلّينا و ظاهر اللّفظ، بل إجماع المسلمين أخرجه عن موضوعه، و كان الإجماع هو المخصّص له، بنفي الفضل و الكمال، و قرينة أخرجته عن حكم عرف الشرع، و ما حصل إجماع منهم على خبرنا الّذي استدللنا به من

قوله (عليه السلام): «لا صلاة لمن عليه صلاة»

فنفي ما يقتضيه عرف الشرع من نفي الإجزاء دون الكمال و حمله على ذلك هو الواجب على ما قدّمناه.

و لو لم يكن لنا على صحّة القول بالمضايقة إلّا دليل الاحتياط للدّين و اليقين ببراءة الذمّة ممّا تيقّن وجوبه عليها لكفى، لأنّه قد ثبت بلا خلاف بين المؤالف و المخالف في المسألة: أنّ الصّلاة في ذمّة مكلّفها بيقين، فالواجب عليه أن يبرئ ذمّته بيقين، ليتقابل اليقينان، و قد ثبت بغير خلاف بيننا و بين المخالف لنا في المسألة أنّ من صلّى في الوقت الّذي عينّاه أجزأته صلاته و تيقّن براءة ذمّته ممّا وجب عليها بلا خلاف، و ليس كذلك من صلّى في غير الوقت الّذي رسمناه و بينّاه فيما قدّمناه، فالواجب إيقاع الصّلاة في الزّمان الّذي يحصل العلم بانعقادها و صحّتها فيه بغير خلاف، و بمثل هذا الاستدلال استدلّ السيّد المرتضى (قدّس سرّه) في

____________

(1)- الوسائل: أبواب أحكام المساجد الباب الثاني الحديث الأوّل.

(2)- مستدرك الوسائل 7: 196 نقلا عن الاختصاص للشيخ المفيد.

60

الانتصار على حظر من زنى بذات بعل أنّها لا تحل له أبدا فقال:

مسألة و مما انفردت به الإماميّة القول بأنّ من زنى بامرأة لها بعل حرم عليه نكاحها أبدا، و إن فارقها زوجها، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، و الحجّة إجماع الطائفة، و أيضا انّ استباحة التمتّع بالمرأة لا يجوز إلّا بيقين، و لا يقين في استباحة من هذه صفته، فيجب العدول عنها إلى من يتيقّن استباحة التمتّع به بالعقد، فإن قالوا: الأصل الإباحة و من ادعى حظرا فعليه دليل يقتضي العلم بالحظر.

قلنا: الإجماع الّذي أشرنا يخرجنا عن حكم الأصل، و بعد فإنّ جميع مخالفينا ينتقلون عن حكم الأصل في العقول بأخبار الآحاد، و قد ورد من طريق الشّيعة في حظر من ذكرناه أخبار معروفة، فيجب على ما يذهبون إليه أن ينقل عن الإباحة.

فإن استدلّوا بظواهر آيات القرآن مثل قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1) بعد ذكر المحرّمات، و بقوله تعالى: فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (2).

قلنا: هذه الظواهر يجوز أن يرجع عنها بالأدلّة، كما رجعتم أنتم عنها في تحريم نكاح المرأة على عمّتها و خالتها، و الإجماع الّذي ذكرناه يوجب الرّجوع،

____________

(1)- النساء: 24.

(2)- النساء: 3.

61

لأنّه مفض إلى العلم، و الأخبار التي روتها الشّيعة لو انفردت عن الإجماع لوجب عند خصومنا أن يخصّوا بها كلّ هذه الظّواهر، لأنّهم يذهبون إلى تخصيص ظواهر القرآن بأخبار الآحاد، و ليس لهم أن يقولوا هذه أخبار آحاد و لا نعرفها و لا رويناها، فلا يجب العمل بها.

قلنا: شروط الخبر الّذي توجب العمل عندكم قائمة في هذه الأخبار، فابحثوا عن رواتها و طرقها لتعلموا ذلك، و ليس كلّ شيء لم تألفوه و لم ترووه لا حجّة فيه، بل الحجّة فيما حصلت له شرائط الحجة من الأخبار، و لو لم يكن في العدول عن نكاح من ذكرناه إلّا الاحتياط للدّين لكفى، لأنّ نكاح من هذه حاله مختلف و مشكوك في إباحته فالتجنّب له أولى،

و قد رويتم عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»

(1). هذه ألفاظ السيّد بعينها، ألا تراه لما أعيته الحيل مع المخالف فزع في آخر استدلاله إلى دليل الاحتياط و قال: لو لم يكن في العدول عن نكاح من ذكرناه إلّا الاحتياط في الدين لكفى، لأنّ دليل الاحتياط لا يمكن الخصوم دفعه، و لا بدّ له من الموافقة عليه بغير خلاف بين أهل القبلة، فهو دليل قائم بذاته، أقوى الأدلّة عند المحقّقين المحصّلين المعتبرين.

إن قيل: نراكم كثيرا تعتمدون على دليل الاحتياط و تكرّرونه في أثناء كلامكم، و السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في الذّريعة لما أورد متمسكات من ذهب إلى أنّ

____________

(1)- الانتصار: 106- 107.

62

الأمر يقتضي بمجرّده الوجوب دون الندب فقال: و قد تمسّك من ذهب إلى أنّ الأمر يقتضي الوجوب بأشياء، من جملتها: دليل الاحتياط في الدين، فقال لهم:

الّذي ذكرتموه ضدّ الاحتياط، لأنّه يقتضي أفعالا قبيحة منها اعتقاد لوجوب الفعل، و ذلك جهل و عزم على أدائه على هذا الوجه، و هذا قبيح، و لا بدّ من أن يعتقد هذا الفاعل قبح ترك هذا الفعل فيكون جهلا ثانيا، و ربّما كرهه فيكون قبيحا زائدا، فما هذه حاله كيف يكون احتياطا (1)، فدليل الاحتياط على هذا الإيراد معترض، و لمخالفكم في المضايقة أن يتمسّك و يعترض عليكم في دليل الاحتياط بما اعترضه السيّد على خصمه.

الجواب عن هذا السؤال و الإيراد من وجوه: أحدها أنّ السيّد المرتضى (رحمه اللّه) يستدلّ على الخصم، و يناظر بموضوع اللّغة قبل ورود الشّرع و عرفه و استقراره قبل أن يتعلّق على الذمّة بشيء من الجوابات الشّرعيات، لأنّه لا يأبى و لا ينكر كون الأمر في الشّرع و عرفه أنّه على الوجوب، بل هذا مذهبه و مذهب جميع المتكلّمين في أصول الفقه، و إنّما الخلاف بينهم فيه قبل استقرار الشرع مقرّه.

و نحن إذا دللنا بدليل الاحتياط فإنّما يدلّ به بعد ثبوت الصّلاة الشرعيّة في ذمّة مكلّفها بيقين و استقرار الشّرع و مقرّه، فيحتاج في براءتها إلى يقين مثله، و لا سبيل إلى ما ذهبنا إليه و حرّرناه بذلك على ما نبّهنا عليه ما ذكره السيّد المرتضى في النّاصريات محتجا به على خصمه في مقدار الصّاع و أنّه تسعة أرطال،

____________

(1)- الذريعة: 65.

63

لأنّ خصمه خالفه و ذهب إلى أنّه ثمانية أرطال أو خمسة و ثلث.

قال السيّد: فأمّا الّذي يدلّ على أنّ الصاع تسعة أرطال بعد الإجماع المتكرّر ذكره، أنّه لا خلاف في أنّ من أخرج- و قد وجب عليه صاع- تسعة أرطال فقد برئت ذمّته ممّا وجب عليه بيقين، و ليس كذلك إذا أخرج ثمانية أو خمسة و ثلثا، فإذا كان الواجب فيما يثبت في الذّمة أن يتيقّن سقوطه عن الذّمة بيقين وجب في الصاع ما حدّدناه، لأنّ من أخرجه تيقّن براءة ذمّته (1).

قال السيّد المرتضى معترضا على نفسه: فإن قيل: إذا كنتم توجبون في الصاع ما حدّدتموه من طريق الأحوط و الأولى، فليس إذا أخرج تسعة أرطال بنيّة الوجوب و اعتقد وجوب الفعل فقد فعل ما لا يأمن كونه قبيحا من اعتقاد و نيّة.

قلنا: ما أوجبنا ما حدّدناه في الصّاع من حيث الأولى، بل ليتيقّن براءة ذمّته كما تيقّن اشتغال ذمّته قبل الأداء، و لا طريق إلى اليقين ببراءة الذّمة إلّا بما ذكرناه، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب (2).

هذا آخر كلام السيّد المرتضى في الموضع الّذي أشرنا إليه، و اعتبر و تأمّل، هل هذا كلام من يطعن في دليل الاحتياط في الشرعيات، فتأمّل أرشدك اللّه هذه

____________

(1)- المسائل الناصريات، المسألة: 123.

(2)- المسائل الناصريات، المسألة: 123.

64

الجملة فتطلع بها على صحّة المضايقة و تيقّن، و هي قول من خالف فيها و يسرف على الشّبهة الضعيفة، و تمسكه المقال و الإحجاج، و اللّه الموفق للصّواب.

و إذ قد استدللنا على صحّة المضايقة بالأدلّة القاهرة التي يجب على كلّ منصف متأمّل الانقياد إليها، فليستدلّ الآن و يبيّن حدود آخر أوقات الصّلوات الخمس على الصحيح من المذهب المعمول عليه عند المحصّلين من الأصحاب، فانّ بينهم فيها خلافا ظاهرا، و مع وجود الخلاف لا بدّ من بيان ما العمل عليه، و ذكر الدّليل الّذي يجب المصير إليه، و إلا لم يكن القاضي لصلاته على يقين من أداء الفرض الحاضر وقته، و نحن نذكر ما قام الدّليل على صحّته و تحقق براءة الذمّة من أداء الفريضة فيه.

و الّذي يقول به، و يجب أن يكون العمل عليه ما ذهب إليه السيّد المرتضى في كتابه جمل العلم و العمل (1) في أوائل أوقات الصّلوات و أواخرها، و هو أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظّهر، فإذا مضى مقدار أداء صلاة أربع ركعات اشتركت الصّلاتان الظّهر و العصر في الوقت إلى أن يبقى إلى مغيب الشمس مقدار أربع ركعات، فخرج وقت الظّهر و بقي وقت العصر.

و بالغروب ينقضي وقت العصر، فإذا غربت الشّمس دخل وقت صلاة المغرب، فإذا مضى مقدار ثلاث ركعات، دخل وقت العشاء الآخرة و اشتركت الصّلاتان في الوقت إلى أن يبقى إلى نصف الليل مقدار أداء أربع ركعات،

____________

(1)- جمل العلم و العمل: 61، ط سنة 1378 تحقيق رشيد الصفار.

65

فيخرج وقت المغرب و يخلص ذلك المقدار للعشاء الآخرة، و وقت صلاة الغداة طلوع الفجر و هو البياض المتجلّل أفق المشرق ثمّ يمتدّ إلى قبل طلوع قرن الشمس، فإذا طلعت خرج الوقت.

و الذي يدلّ على ذلك: إجماع الفرقة المحقّة، فإنّ من خالف منها فإنّما خلافه في وقت المختار الّذي ليس له عذر، فأمّا وقت صاحب العذر فلا خلاف أنّ آخر أوقاته ما حدّدناه من قبل و بيّناه، و يدلّ على ذلك قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ (1) يعني الفجر و العصر، و طرف الشيء عند أهل اللسان ما يقرب من نهايته، و لا يليق ذلك إلّا بقول من قال وقت العصر يمتدّ إلى غروب الشمس، لأنّ على قول من يقول آخر وقت العصر إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه، و ذلك أنّ هذا الوقت يقرب من وسط النهار، و لا يقرب إلى الطرف الّذي هو الغاية و النهاية على ما بيّناه.

و لا معنى لقول من حمل الآية على الفجر و المغرب، لأنّ المغرب ليس في طرف النهار، و إنّما هي في طرف اللّيل، بدلالة أنّ الصائم يحلّ له الإفطار في ذلك الوقت، و الإفطار لا يحلّ في بقية النهار، فلا يجب أن يكون الطّرف المذكور في الآية بعض النهار أوّل اللّيل، و لا يجوز أن يكون أوّل اللّيل طرف النهار، لأنّ طرف الشيء بعضه بغير خلاف بين الذين أنزل عليهم القرآن، فإذا ثبت أحد القسمين بطل الآخر.

____________

(1)- هود: 114.

66

فعلى ظاهر الآية و فحواها ما دام المكلّف يحرم عليه في الصّيام المفروض الإفطار، فإنّ وقته لصلاة العصر باق، فإذا حلّ له الإفطار خرج وقت العصر و دخل اللّيل و وجبت صلاة المغرب، فإنّ أوّل وقتها أوّل اللّيل، لأنّها من صلاة اللّيل بحكم هذا الاستدلال، فوضح للمتأمل الناظر ما قرّرناه بلا إشكال، و لأنّ اللّه تعالى قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (1) و الصّيام لا يكون إلّا بالنهار، فقد أمر عزّ و جلّ بإتمامه و حرف (إلى) للغاية و الانتهاء، و لم يجعل بين النّهار و اللّيل شيئا آخر.

و الدليل على ذلك قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهٰارِ وَ يُولِجُ النَّهٰارَ فِي اللَّيْلِ* (2) فما لم يخرج النهار يجب عليه إتمام الصّيام و تحلّ له صلاة العصر، لأنّ صلاة العصر من صلاة النهار بدليل قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ و المراد الفجر و العصر.

فإذا دخل اللّيل فقد حلّ لنا الإفطار و خرج وقت العصر الّذي هو طرف النهار على ظاهر الآية، و صلاة العصر بلا خلاف بين المسلمين من صلاة النهار فما دام المكلّف في النهار، فإنّه يجب عليه أداء صلاة العصر و إقامتها كما أمره مكلّفه عزّ و جلّ في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ على ما شرحناه من قبل و بيّناه.

____________

(1)- البقرة: 187.

(2)- فاطر: 13.

67

فمن قال بسقوط القرص عن العين دون أن تنقشع الحمرة و تذهب من ناحية المشرق لا يجوّز صلاة العصر و قد خرج وقتها، فهو كما ترى قليل التحصيل و التأمّل، مبعد من الصواب، مخالف للقرآن، و معاند للسان، و هو قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهٰارِ وَ يُولِجُ النَّهٰارَ فِي اللَّيْلِ* و لم يجعل بين اللّيل و النهار شيئا آخر، فعلى ظنّه الفاسد الصادر، يكون بينهما مدّة ذهاب الحمرة من ناحية المشرق فيكون لا من اللّيل و لا من النهار.

و أيضا فإنّ أصحابنا الإمامية بين قائلين: قائل بأنّ سقوط القرص عن العين دون ذهاب الحمرة من ناحية المشرق يحلّ معه الإفطار، و يجب صلاة المغرب و يدخل وقتها، و قائل قال: بأنّ سقوط القرص عن العين و الجدار غير معتبر و لا معتدّ به في دخول اللّيل و تحليل الإفطار و وجوب صلاة المغرب، بل الاعتبار في ذلك غيبوبة الحمرة من المشرق دون غيبوبة القرص عن الجدار و الأبصار، و ليس فيهم من قال إنّ الصائم لا يحلّ له الإفطار إلّا بغيبوبة الحمرة من ناحية المشرق، و يحلّ له صلاة المغرب بسقوط القرص و غيبوبته عن الأبصار دون الحمرة في الاعتبار، فالقائل بهذا خارج عن الإجماع الّذي دلّ الدليل العقلي أنّ الحق فيه.

و أدلّ دليل على صحّة ما ذهبنا إليه صحّة قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ و ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ وقت الظّهر و العصر

68

ابتداؤه من دلوك الشّمس و هو زوالها، و أنّه يمتدّ إلى غسق اللّيل، و خرج منه بالدليل و الإجماع وقت غروب الشّمس و هو الحمرة من المشرق، فبقي ما قبله على حكم الأمر بصحّة أداء الفريضة فيه.

و يدلّ أيضا على ما صحّحناه و يزيده بيانا

ما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة من ذرّيته (عليهم السلام) من قولهم: «لا يخرج وقت صلاة ما لم يدخل وقت صلاة أخرى»

(1) و هي المغرب، فإنّه لا يخرج وقت العصر بحال، فمفهوم الخطاب و ظاهر القول الصّواب.

و يدلّ أيضا على أنّ وقت المغرب غيبوبة الحمرة من ناحية المشرق دون سقوط القرص عن الأبصار، ما أورده الشيخ أبو جعفر في الاستبصار من الأخبار: من جملتها ما رواه عن سليمان بن داود عن عبد اللّه بن صباح قال:

كتبت إلى العبد الصالح: يتوارى القرص و يقبل اللّيل ارتفاعا، و تستتر عنّا الشمس و ترتفع فوق اللّيل حمرة، و يؤذّن عندنا المؤذّنون أ فاصلّي حينئذ؟ و أفطر إن كنت صائما؟ أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق اللّيل؟ فكتب إليّ: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالاحتياط لدينك (2).

أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الصّلت، عن بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه قال: سأله سائل عن وقت المغرب قال: إنّ اللّه يقول في كتابه لإبراهيم (عليه السلام):

____________

(1)- لم أقف عليه بهذا اللفظ.

(2)- الاستبصار 1: 264 و في آخره: و تأخذ بالحائطة لدينك.

69

فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً فهذا أوّل الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق، و أوّل وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها إلى غسق اللّيل، نصف اللّيل (1).

و ما رواه محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد، عن القاسم بن عروة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني من المشرق- فقد غابت الشّمس من شرق الأرض و من غربها

(2)

.

أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر يقول: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني ناحية المشرق- فقد غابت الشمس من شرق الأرض و من غربها

(3)

.

عنه عن عليّ بن سيف، عن محمّد بن عليّ قال: صحبت الرضا في السفر فرأيته يصلّي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق- يعني السواد-

(4)

.

عنه عن عليّ بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق و تدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال: لأنّ المشرق مطلّ على المغرب، هكذا- و رفع يمينه فوق

____________

(1)- الاستبصار 1: 264.

(2)- الاستبصار 1: 265.

(3)- المصدر السابق نفسه.

(4)- المصدر السابق نفسه.

70

يساره- فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا

(1)

.

محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن الحسين، عن عليّ بن يعقوب، عن مروان بن مسلم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه قال: إنّما أمرت أبا الخطاب أن يصلّي المغرب حين تغيب الشمس من مطلع الشمس، فجعله هو الحمرة التي من قبل المغرب، فكان يصلّي حين يغيب الشفق

(2)

.

و روى أبو عبد اللّه السيّاري في كتابه عن محمّد بن سنان، عن رجل سمّاه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ:

ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ

قال: سقوط الشفق.

و قد أشبعت الكلام في آخر وقت العصر و أوّل وقت المغرب لسؤال سائل سأل، و الآن نورد باقي الأوقات:

فمن ذلك ما أورده الشيخ أبو جعفر (رحمه اللّه) في كتابيه تهذيب الأحكام و الاستبصار عن الحسين بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الضحّاك بن يزيد، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى:

أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ

قال: إنّ اللّه افترض أربع صلوات، أوّل وقتها من زوال الشمس

____________

(1)- المصدر السابق نفسه.

(2)- الاستبصار 1: 266.

71

إلى انتصاف اللّيل، منها صلاتان أول وقتها من عند زوال الشّمس إلى غروب الشّمس، إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتها من غروب الشّمس إلى انتصاف اللّيل إلّا أنّ هذه قبل هذه

(1)

.

و بهذا الإسناد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد البرقي، عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصّلاتين الظّهر و العصر إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما حتى تغيب الشمس

(2)

.

و عن الشيخ أبي جعفر عن أبي عبد اللّه محمّد بن النّعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، و محمّد بن خالد البرقي، و العباس بن معروف جميعا، عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عن وقت الظهر و العصر، فقال: إذا زالت الشّمس دخل وقت الظّهر و العصر جميعا، إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس

(3)

.

و عن الشيخ أبي جعفر الطوسي رضي اللّه عنه، عن ابن أبي جيد القمّي، عن محمّد بن

____________

(1)- التهذيب 2: 25، و الاستبصار 1: 261.

(2)- التهذيب 1: 26، و الاستبصار 1: 260.

(3)- التهذيب 2: 24، و الاستبصار 1: 246، و أخرجه الكليني في الكافي 1: 76 الطبعة الحجرية، و الصدوق في الفقيه 1: 139.

72

الحسين، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن موسى بن بكر، عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أحبّ الوقت إلى اللّه عزّ و جلّ حين يدخل وقت الصّلاة، فصلّ الفريضة، فإن لم تفعل، فإنّك في وقت منهما حتى تغيب الشمس

(1)

.

و بالإسناد عن أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و موسى بن جعفر بن أبي جعفر، عن أبي طالب عبد اللّه بن الصّلت، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن داود بن أبي يزيد- و هو داود بن فرقد- عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظّهر حتى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظّهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشّمس

(2)

.

و بالإسناد عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه بن محمّد الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن معمر بن يحيى، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: وقت العصر إلى غروب الشّمس

(3)

.

____________

(1)- التهذيب 2: 24، و الاستبصار 1: 260.

(2)- التهذيب 2: 25، و الاستبصار 1: 261.

(3)- المصدر السابق نفسه.

73

و روى الشيخ أبو جعفر عن الحسين بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطار، عن أبيه محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عليّ بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يفوّت الصّلاة من أراد الصّلاة، و لا يفوّت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، و لا صلاة اللّيل حتى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس

(1)

.

و روى الشيخ المقدّم ذكره عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: صلّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بالناس الظّهر و العصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، و صلّى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل مغيب الشفق من غير علّة، و إنّما فعل ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ليتّسع الوقت على أمّته

(2)

.

و بالإسناد عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن عمر، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يجمع بين المغرب و العشاء الآخرة في الحضر قبل أن يغيب الشّفق من غير علّة؟

____________

(1)- التهذيب 2: 256، و الاستبصار 1: 260، و أخرجه الصدوق في الفقيه 1: 232 مرسلا.

(2)- التهذيب 2: 263، و الاستبصار 1: 271، و أخرجه الكليني في الكافي 1: 79 الطبعة الحجرية.

74

قال: لا بأس

(1)

.

و بالإسناد عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن النضر بن سويد، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظّهر و العصر، و إذا غابت الشّمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة

(2)

.

و بالإسناد عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن القاسم مولى أبي أيوب، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غربت الشّمس فقد دخل وقت الصّلاتين إلى نصف اللّيل إلّا أنّ هذه قبل هذه، و إذا زالت الشّمس فقد دخل وقت الصلاتين إلّا أنّ هذه قبل هذه

(3)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و موسى بن جعفر، عن أبي جعفر، عن أبي طالب عبد اللّه بن الصّلت، عن الحسين بن عليّ بن فضال، عن داود بن أبي يزيد- و هو داود بن فرقد- عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غابت الشّمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي ثلاث ركعات، فإذا مضى

____________

(1)- التهذيب 2: 24، و الاستبصار 1: 260.

(2)- التهذيب 2: 19، و أخرجه الصدوق في الفقيه 1: 140.

(3)- التهذيب 2: 27، و الاستبصار 1: 262 بتفاوت يسير.

75

ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف اللّيل مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف اللّيل

(1)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن أحمد بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): لو لا أنّي أخاف أن أشقّ على أمّتي لأخّرت العتمة إلى ثلث اللّيل، و أنت في رخصة إلى نصف اللّيل، و هو غسق اللّيل، فإذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف اللّيل فلا رقدت عيناه

(2)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن الحسين بن عبد اللّه، و أبي الحسين بن أبي جيد، جميعا عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن أبيه محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن موسى بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس

(3)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه،

____________

(1)- التهذيب 2: 28، و الاستبصار 1: 263.

(2)- التهذيب 2: 261، و الاستبصار 1: 272، و أخرج الكليني في الكافي صدر الحديث.

(3)- التهذيب 2: 36، و الاستبصار 1: 275.

76

عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، و عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة

(1)

.

و بالإسناد عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمار بن موسى السّاباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل إذا غلبته عيناه، أو عاقه أمر، أن يصلّي المكتوبة من الفجر ما بين أن يطلع الفجر إلى أن تطلع الشّمس، و ذلك في المكتوبة خاصّة، فإن صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشّمس، فليتم و قد جازت صلاته

(2)

.

فأمّا ما ورد من الأخبار التي يخالف ما أوردناه، و يقتضي أنّ آخر وقت الظّهر إذا زاد الفيء من بعد الزّوال أربعة أقدام أو ذراعين، أو إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه، أو القامة أو القامتين و غير ذلك من المقادير في آخر أوقات الصلوات، و قولهم (عليهم السلام) في ألفاظ الأخبار: إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله فقد خرج وقت الظّهر، و إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه فقد خرج وقت العصر، و هي أخبار قليلة غير متواترة، و هي مع قلّتها مختلفة الألفاظ، متضادّة المعاني، لأنّ بعضها

____________

(1)- التهذيب 2: 38، و الاستبصار 1: 275.

(2)- التهذيب 2: 38، و الاستبصار 1: 276.

77

يتضمّن ذكر القدم، و بعضها يتضمّن ذكر الذراع، و بعضها ذكر القامة، و هذه مقادير مختلفة، و ما هذه صفته من الأخبار لا يعارض به الأخبار المتواترة المتّفقة في المعنى.

قال محمّد بن إدريس مؤلّف هذا المختصر: الوجه في الجمع بين هذه المقادير و الأخبار و بين الأخبار الأوّلة، أن يكون الأذرع و الأقدام و الظلّ و القامة أوقاتا للنافلة ليقع التنفّل و التّسبيح و الدعاء في هذه التقديرات من الأزمنة، و هذا هو الأفضل و الأولى، فجعلت الأقدام و الأذرع للفضل على ما ذكره السيد المرتضى قدس اللّه روحه في الناصريات (1)، و يحمل أخبارنا على آخر الوقت للأداء و الإجزاء.

يؤيّد ما ذكرناه: ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه)، عن أحمد بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان حائط مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قامة فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعين صلّى العصر، ثمّ قال: أ تدري لم جعل الذّراع و الذّراعين؟ قلت: لا، قال: من أجل الفريضة، إذا دخل وقت الذّراع و الذّراعين بدأت بالفريضة و تركت النّافلة (2).

____________

(1)- الناصريات، المسألة: 72.

(2)- التهذيب 2: 250، و الاستبصار 1: 255.

78

و بالإسناد عن الحسين بن محمّد بن سماعة، عن جعفر بن مثنى العطار، عن حسين بن عثمان الرواسي، عن سماعة بن مهران قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):

إذا زالت الشّمس فصلّ ثماني ركعات ثمّ صلّ الفريضة أربعا، فإذا فرغت من سبحتك قصّرت أو طوّلت فصلّ العصر

(1)

.

و بالإسناد عن الحسين بن محمّد بن سماعة، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أ تدري لم جعل الذّراع و الذّراعان؟ قلت: لا، قال:

لمكان الفريضة، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يبلغ ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة

(2)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن موسى بن جعفر، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ميمون بن يوسف النحاس، عن محمّد بن الفرج قال: كنت أسأل عن أوقات الصّلاة؟ فأجاب: إذا زالت الشّمس، فصلّ سبحتك و أحبّ أن يكون فراغك من العصر و الشّمس على أربعة أقدام، فإن عجل لك أمر فابدأ بالفريضتين، و اقض النافلة بعدهما، فإذا طلع الفجر فصلّ الفريضة ثمّ اقض بعدها ما شئت

(3)

.

____________

(1)- التهذيب 2: 245، و الاستبصار 1: 249.

(2)- التهذيب 2: 245، و الاستبصار 1: 249.

(3)- التهذيب 2: 250، و الاستبصار 1: 255.

79

و عن الشيخ أبي جعفر، عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي عبد اللّه حسين بن سفيان البزوفري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن الميثمي، عن معاوية بن وهب، عن عبيد بن زرارة، قال:

سألت أبا عبد اللّه عن أفضل وقت الظّهر قال: ذراع بعد الزّوال، قال: قلت: في الشتاء و الصّيف سواء؟ قال: نعم

(1)

.

و عن الشيخ أبي جعفر، عن أبي الحسن بن أبي جيّد القمّي، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك اللّه وقت كلّ صلاة أوّل الوقت أفضل أو وسطه أو آخره؟ فقال: أوّله، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ اللّه يحبّ من الخير ما يعجّل

(2)

.

فهذه جملة مقنعة يحصل للمتأمّل منها ما يعتمد عليه في ديانته، و يتخلّص بيقين ممّا وجب عليه في ذمّته، و صلّى اللّه على خيرته محمّد و الأصفياء المعصومين من عترته، فليتأمّل ما نبّهنا عليه في كيفيّة التعبّد في هذه الأحكام و طرق الاستدلال، فمن تأمّله علم بلوغنا منه حدا في التّحرير لم يسبق إليه مع وضوح حجّته، و عظم النّفع بفهمه و الضّرر بالجهل، قد ذكرت في هذه المسألة ما لنا و علينا مستقصى.

____________

(1)- التهذيب 2: 249، و الاستبصار 1: 254.

(2)- التهذيب 2: 40، و أخرجه الكليني في الكافي 1: 76 الطبعة الحجرية.

80

تمّ المختصر، ما رويته فيه من الأخبار فعن ثلاث طرق: طريق منها عن الشّيخ عربي (1)، عن إلياس بن هشام الحائري (2)، عن أبي عليّ (3) ولد أبي جعفر، عن أبيه المصنّف (4) للكتابين المقدّم ذكرهما، أعني تهذيب الأحكام و الاستبصار.

____________

(1)- الشيخ الفقيه أبو محمّد العبادي الحلي، قال منتجب الدين في فهرسته: فقيه صالح بحلة، قال شيخنا الرازي في الثقات العيون: 172: و هو يروي عن الشيخ عماد الدين الطبري، و السيد بهاء الشرف محمّد بن الحسن بن أحمد العلوي، و الحسين بن أحمد بن طحال، و الحسين بن هبة اللّه بن رطبة، و الياس بن محمّد بن هشام الحائري كلّهم عن الشيخ أبي عليّ عن والده الطوسي، و قد مرّت ترجمته عند ذكر شيوخه في مقدّمة السرائر فراجع.

(2)- الياس بن هشام الحائري: الشيخ الثقة الفقيه، و الظاهر انّ له ولد باسم هشام بن الياس. ترجمه الشيخ الحر في أمل الآمل 1: 344 و قال: كان فاضلا صالحا له (المسائل الحائرية) يروي عن الشيخ أبي عليّ الطوسي، و تقدّم الياس بن هشام الحائري، فلعلّه ابن ذاك.

(3)- هو أبو عليّ الحسن بن أبي جعفر محمّد الطوسي الملقب بالمفيد الثاني، و قد تلمّذ على أبيه حتى أجازه في سنة 455 ه، فاقتفى إثر أبيه في العلم و العمل و شرح كتاب النهاية و سمّاه (المرشد إلى سبيل التعبد) تخرّج عليه كثير من أهل العلم و الفضيلة، ذكر شيخنا الرازي أسماء أربع و ثلاثين منهم في مقدمته لكتاب التبيان.

(4)- هو الشيخ الأجل شيخ الطائفة محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي طبعت عدّة كتب في ترجمته منها (حياة الشيخ الطوسي) لشيخنا الرازي (قدّس سرّه)، و منها (الشيخ الطوسي) للأستاذ السيّد حسن الحكيم رسالة ماجستير من كلية الآداب جامعة بغداد، و منها محاضرات المؤتمر الألفي الّذي أقيم في خراسان، و قد مرت ترجمته في سطور في أول أجزاء الموسوعة فراجع.

81

و الطريق الثاني عن محمّد بن عليّ بن شهرآشوب (1) عن جدّه ابن كياكي (2)، عن أبي جعفر الطوسي.

و الطريق الثالث عن السيّد نظام الشرف ابن العريضي (3)، عن أبي عبد اللّه الحسين بن طحال (4)، عن أبي عليّ ولد المصنّف، عن أبيه، بحق الإجازة، و الطّريقان الأوليان بحقّ السّماع.

هذا آخر ما ذكره مصنّف الكتاب و الحمد للّه حقّ حمده، و صلواته على خير خلقه محمّد و الأطهار من عترته و الخلفاء في أمّته، و افق الفراغ من تعليقه خامس

____________

(1)- ابن شهرآشوب: هو محمّد بن عليّ بن شهرآشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش، الشيخ الإمام أبو عبد اللّه السروي المتوفّى عن مائة سنة إلّا عشرة أشهر في سنة 588، له (معالم العلماء) من الكتب المطبوعة في تتميم فهرست الشيخ الطوسي، و له (مناقب آل أبي طالب) المطبوع مكررا، و له (متشابه القرآن).

(2)- ابن كياكي: هو شهرآشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش السروي المحدث المازندراني، المعروف بابن كياكي، شيخ معمر قريبا من مائة سنة ترجمه شيخنا الرازي في طبقات أعلام الشيعة القرن الخامس.

(3)- نظام الشرف ابن العريضي: هو الشريف أبو الحسن نظام الشرف عليّ بن إبراهيم العريضي العلوي، كان من أجلّة علماء عصره و مشاهيرهم- كما عن رياض العلماء- ترجمه شيخنا الرازي في طبقات أعلام الشيعة القرن السادس.

(4)- أبو عبد اللّه الحسين بن طحال: هو الحسين بن أحمد بن محمّد بن طحال، الشيخ الإمام الأمين أبو عبد اللّه المقدادي، فقيه صالح، ذكره منتجب الدين في فهرسته، و ترجمه شيخنا الرازي في طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، و ذكر عدّة فوائد فيها فليراجع.

82

شهر اللّه الأصمّ رجب من شهور سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه و شفاعة نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، جعفر بن أحمد بن الحسين بن قمرويه الحائري حامدا للّه، و مثنيا عليه، و مصلّيا على نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الحمد للّه ربّ العالمين (1).

* * *

____________

(1)- لقد انبرى للرد على الشيخ ابن إدريس في هذه المسألة غير واحد ممّن ذهبوا إلى القول بالمواسعة في قضاء الفوائت و لعلّ أقدمهم الشيخ منتجب الدين ابن حسكا المتوفّى بعد 585، قال صاحب (الجواهر) في مبحث المواسعة (13: 78) و لذا حكي عن صاحب العصرة مشيرا إلى ابن إدريس على الظاهر انّه قال: و قد رأيت بعض فقهائنا الآن قد صنّف مسألة في معنى القضاء .. و كتاب العصرة مذكور في الذريعة 15: 271 و قال: يوجد عند (السيّد شهاب الدين) و عليها شهادة صاحب (رياض العلماء) و ذكره لجمع آخر من المؤلّفين في المسألة.

و توجد عندي رسالة للسيّد ابن طاوس (في المواسعة و المضايقة) نقلتها عن كتاب (الفوائد المدينة) للأمير الأسترآبادي حيث أدرجها بتمامها، سوف ألحقها بآخر المسائل إن شاء اللّه تعالى.

83

[2] مسألة لإيضاح الخنثى و جوابها

إملاء سيّدنا الشيخ الأجل العالم الأوحد السّعيد الموفّق محمّد بن إدريس، أحسن اللّه له التوفيق، و جعل له إلى كلّ خير طريقا بمحمّد و آله الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة في ميراث الخنثى الّذي له فرجان، و كيف القول في هذه المسألة عند الشيعة؟ و هل فيها عندهم خلاف؟

الجواب: اعلم انّ الخنثى عند أصحابنا الشيعة على ضربين: من لم يخلق له فرج الرّجال و لا فرج النساء، و من خلق له فرج الرجال و فرج النساء، فالأوّل لا خلاف بينهم في حكمه و توريثه، و هو أن يقرع عليه، فإن خرجت القرعة بأنّه رجل ورث ميراث الرّجال، و إن خرجت بأنّه أنثى ورث ميراث النّساء، و هذا هو المولود المشكل أمره، و الأولى إلّا يعبّر عنه بأنّه خنثى، بل مشكل أمره.

فأمّا الضرب الثاني من الضّربين: فله أحوال عندهم فأوّل أحواله اعتبار المبال، فإن خرج من فرج الرّجال ورّث ميراثهم، و إن خرج من فرج النساء

84

ورّث ميراثهنّ، فإن بال منهما جميعا فالاعتبار بالسابق منهما فيورّث عليه، فإن لم يسبق أحدهما الآخر، فالاعتبار بالذي ينقطع أخيرا فيورّث عليه و يحكم به، فإن جاءا سواء و انقطعا سواء، فههنا و في هذه الحالة يتصوّر مسألة الخلاف.

و أمّا في الأحوال الأوّلة فلا خلاف بينهم فيها أجمع، بل الخلاف في القسم و الضرب الأخير من هذه الأحوال، فذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي في نهايته (1) و مبسوطه (2) و إيجازه (3) إلى أنّه يورّث نصف ميراث الرجال و نصف ميراث النساء، فيجعله تارة ذكرا و تارة أنثى، و يعطيه و يورّثه نصف سهم الذكر و نصف سهم الأنثى.

و ذهب جماهير أصحابنا و الأكثرون منهم و المحصّلون: إلى أنّه في هذه الحال يعتبر و يورّث بعدد الأضلاع، فإن نقص عدد أحد الجانبين عن الآخر ورّث ميراث الرجال، و إن تساوى الجانبان في عدد الأضلاع ورّث ميراث النّساء، و هو مذهب الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي (رحمه اللّه عليه)، فإنّه قال في كتابه كتاب الأعلام (4) و شرحه على جميع متفقهة العامة فيه و مستدلّا عليهم قال:

____________

(1)- النهاية: 677.

(2)- المبسوط 4: 114.

(3)- الايجاز: 21.

(4)- الأعلام للشيخ المفيد: 62- 63 سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد برقم/ 9.

85

و اتّفقت الإماميّة في توريث الخنثى على اعتباره بالمبال، فإن كان خروج البول ممّا يكون للرّجال خاصة ورّث ميراث الرجال، و إن كان خروجه ممّا يكون للنساء حسب، ورث ميراث النساء، و إن بال منهما جميعا نظر إلى الأغلب منهما بالكثرة فورّث عليه، و إن تساوى ما يخرج من الموضعين اعتبر باتفاق الأضلاع و اختلافها، فإن اتّفقت ورّث ميراث الإناث، و إن اختلفت ورّث ميراث الرّجال.

قال: و لم أجد من العامة أحدا يعتبر في الخنثى ما ذكرناه على الترتيب الّذي وصفناه ....

قال (1): و لنا بعد الحجة بإجماع الفرقة المحقّة على ما ذكرناه في هذه المسألة ورود الخبر بذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يعزوه إلى السنّة الثابتة عنده عن نبيّ الهدى (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و بطلان مقال من خالفه فيه، و قطع على فساده من العامة، إذا لم يعتمد في ذلك على حجة في فساده، و قد ثبت أنّ الحقّ لا يخرج عن أمة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و لو كانت الإماميّة مبطلة فيما اعتقدته منه، و كان ما خالفها أيضا مبطلا في إنكاره لما ذكرناه، لخرج الحقّ عن أمّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و ذلك باطل لما بيّناه.

فهذا أيضا مذهب السيّد المرتضى رضي اللّه عنه ذكره في انتصاره مثل ما ذكره الشيخ المفيد و شرحه كشرحه، و فصّل أحواله كتفصيله، و صوّره كتصويره حرفا فحرفا.

____________

(1)- لم يرد هذا القول في مطبوع الأعلام الآنف الذكر.

86

ثمّ قال في استدلاله على صحّة المسألة: و الّذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردّد، و أيضا فإنّ باقي الفقهاء عوّلوا عند إشكال الأمر و تقابل الامارات على رأي و ظنّ و استحسان، و عوّلت الإمامية فيما تحكم به في الخنثى على نصوص و شرع محدود، فقولها على كلّ حال أولى (1).

ألا ترى رعاك اللّه إلى استدلال هذين السيدين القدوتين المفتين، بإجماع الإماميّة على صحّة القول في هذه المسألة و فساد قول من خالفها فيه، و إلى هذا المذهب أذهب، و به أفتي، و عليه أعوّل و أعتمد إذ الدّليل يعضده، و الحجّة تسنده، و هو الإجماع المشار إليه، و قد كان بعض أصحابنا يتعاطى معرفة مسائل الخناثى، و الضرب في ذلك، و استخراج سهامهم، و كنّا نخوض في ذلك و نجيل سهمنا مع سهامهم فيه، مسمعين كلامهم مقلّديهم، إذا لادن البكر و المنشأ بعلان ما يرد عليهما بلا روية و لا نظر، و هذا غير محمود عقلا و شرعا، فحيث منّ اللّه سبحانه و تأمّلنا المسألة و أعطينا النّظر حقّه، و كدّ لنا العلم بها و وقف بنا على حقيقتها، و كشف عن قناع صحتها، و أنار غياهب ظلمتها، و الحمد للّه على الظّفر بالدليل، و الغنى عن الكثير و القليل.

و أيضا دليله على أصل المسألة قول اللّه سبحانه ممتنّا على خلقه و عباده:

يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا

____________

(1)- الانتصار: 306- 307.

87

وَ بَثَّ مِنْهُمٰا رِجٰالًا كَثِيراً وَ نِسٰاءً (1) و قال تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرٰاناً وَ إِنٰاثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشٰاءُ عَقِيماً (2) و قال تعالى:

أَمْ لَهُ الْبَنٰاتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ (3) وَ مٰا خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثىٰ (4).

و ما قال في امتنانه و الخنثى و قال: أَصْطَفَى الْبَنٰاتِ عَلَى الْبَنِينَ (5) و قال تعالى: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثىٰ* تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزىٰ (6) و لو كان بعد الأنثى منزلة لذكرها، و قال سبحانه: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثىٰ (7) فلو كان المجعول قسيما آخر لذكره في مننه علينا، ألا ترى إلى قوله سبحانه في هذه الآيات، و وجه الامتنان فيهما و ذكر التثنية في جميعها من غير إدخال قسم آخر فيها.

ثمّ إنّ الشيخ أبا جعفر الطوسي (رحمه اللّه) رجع عمّا ذكره أجمع في مسائل خلافه، و ترك القول الّذي حكيناه عنه في نهايته و مبسوطه و ايجازه.

فقال في مسائل الخلاف (8): مسألة إذا مات إنسان و خلّف خنثى مشكلا

____________

(1)- النساء: 1.

(2)- الشورى: 49.

(3)- الطور: 39.

(4)- الليل: 3.

(5)- الصافات: 153.

(6)- النجم: 21- 22.

(7)- القيامة: 39.

(8)- الخلاف 2: 76.

88

له ما للرّجال و ما للنساء اعتبر بالمبال، فإن خرج من أحدهما أولا ورّث عليه، و إن خرج منهما اعتبر بالانقطاع فورّث على ما ينقطع أخيرا، فإن اتّفقا روى أصحابنا أنّه تعدّ أضلاعه، فإن تساويا ورّث ميراث النّساء، و إن نقص أحدهما ورّث ميراث الرّجال، و المعمول عليه أن يرجع إلى القرعة فيعمل عليها.

و قال الشافعي: ننزله نحن بأسوإ حالتيه فنعطيه نصف المال، لأنّه اليقين، و الباقي يكون موقوفا حتى يتبيّن حاله، فإن بان أنّه ذكر أعطيناه ميراث الذكور، و إن بان أنّه أنثى أخذ حقه و نعطي الباقي للعصبة.

و به قال زيد بن ثابت.

و قال أبو حنيفة: نعطيه النّصف بقسامة و الباقي يدفع إلى عصبته، و ذهب قوم من الحجازيّين و قوم من البصريين أنّه يدفع إليه نصف ميراث الذكر و نصف ميراث الأنثى فيعطى ثلاثة أرباع المال، و به قال أبو يوسف و جماعة من أهل الكوفة.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم.

ألا ترى إلى قول هذا الشيخ (رحمه اللّه) فإنّ فيه إذا تؤمّل عجائب، و دلائل على صحّة القول بما اخترناه، و فساد المذهب الّذي اختاره (رحمه اللّه) في كتبه المتقدّم ذكرها، و هو قوله: فإن اتّفقا روى أصحابنا أنّه تعدّ أضلاعه، فإن تساويا ورّث ميراث النساء، و إن نقص أحدهما ورّث ميراث الرجال، فقد أقرّ على نفسه أنّ أصحابه- يعني الشّيعة الإمامية- رووا ذلك من غير خلاف بينهم في الرواية، لأنّه لم يقل

89

و قد روي خلافه، فدلّ على أنّه متواتر، و ما هذا حكمه يجب العمل عليه، و لا يجوز العدول عنه، لأنّ فيه الدّليل.

و قال (رحمه اللّه) مستدلا على خصمه: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، ألا ترى، فجعل الأخبار دليله و هو قد قال عن أصحابه أنّهم رووه، فالأخبار التي قد استدلّ بها و عناها هي التي رووا، ثمّ استدلّ بإجماعهم، و إجماعهم منعقد على هذه الأخبار التي رووها في هذا المعنى.

ثمّ إنّه (رحمه اللّه) خالف أصحابه على ما حكى عنهم، و خالف قوله الّذي ذكره في كتبه الثلاثة المقدّم ذكرها، و قال: هاهنا المعمول عليه أن يرجع إلى القرعة فيعمل عليها، و في هذا ما فيه، ثمّ إنّ القرعة لا تستعمل إلّا في كلّ مشكل إذا لم يرد فيه بيان شرعي، و لا نصّ مبيّن لحكمه، فحينئذ يفزع إلى القرعة فيجعل بيان حكمه و حلّ مشكله.

فأمّا إذا ورد البيان من الشارع لحكمه فلا يجوز الرجوع فيه إلى القرعة بحال من غير خلاف بينهم، في هذا الأصل المقرّر، المحرّر فيما بينهم، و قد أقرّ (رحمه اللّه) أنّ أصحابه رووا بيان هذا الحكم، و استدلّ بإجماعهم و أخبارهم التي رووها عليه، و كيف يفزع هو إلى القرعة في هذا الموضع؟ إن هذا لطريف عجيب!

ثمّ انّ الشيخ الفقيه (رحمه اللّه) يذكر في أجوبته الحائرية، لما سئل عن الخبر الّذي ورد أنّ اللّه تعالى لما خلق آدم (عليه السلام) أخذ من جنبه الأيسر ضلعه الأعوج فخلق منه حوّاء، و انّ أضلاع الرجال تنقص، و أضلاع النساء تمام فما عنده فيه؟ فقال:

90

الجواب، ذلك مشهور بين أهل النّقل في أصحابنا و المخالفين، و هو جائز لا مانع منه، و هو في قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

ألا ترى إلى قوله: (ذلك مشهور بين أهل النّقل في أصحابنا و المخالفين)، فدلّ على أنّه إجماع المسلمين فضلا عن طائفتنا على رواية هذا الحكم.

ثمّ إنّه (رحمه اللّه) لم يذكر أنّه ذهب إلى هذا المذهب إلّا قوم مجهولون غير معيّنين ما خلا أبا يوسف، فإذن لم يذهب إليه أحد من المسلمين المعروفين المعيّنين سوى أبي يوسف، و كفى بهذا القول و هنا و ضعفا، و الحمد للّه ربّ العالمين.

* * *

____________

(1)- لقد روى قضية الخنثى في مسألة التمييز بعدّ الأضلاع، جملة من أعلامنا القدماء كالشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه 4: 238 ط النجف، و الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد 1: 214 ط مؤسسة آل البيت، و الشيخ الطوسي في كتاب تهذيب الأحكام 9: 354 ط النجف، و الشيخ ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب 2: 196 ط الحيدرية، و روى القضية من غيرنا القاضي نعمان في دعائم الإسلام 2: 387 ط دار المعارف بمصر، و وكيع في أخبار القضاة 2: 197 ط الأولى مطبعة السعادة سنة 1366 ه، و الخوارزمي الحنفي في المناقب: 60- 61 ط الحجرية سنة 1226 و: 101- 105 ط الحيدرية، و آخرون غير هؤلاء من الفريقين.

91

[3] مسائل في أبعاض الفقه

الأولى في تعارض البينتين:

مسألة أملاها سيّدنا الشيخ الأجل العالم الأوحد السّعيد الموفّق محمّد بن إدريس أيّده اللّه بالتأييد على حسب اقتضاء الحاجة إليها لا زال موفّقا للخير مؤيّدا للصّلاح بمحمّد النبيّ و آله الطاهرين.

مسألة: إذا تنازعا عينا و هي في يد أحدهما، و أقام كلّ واحد منهما بيّنة بما يدّعيه من الملكيّة، انتزعت العين من يد الداخل و أعطيت للخارج، و كانت بيّنة الخارج أولى و هي المسموعة، سواء شهدت بيّنة الداخل بالملك بالإطلاق، أو بالأسباب أو بقديمه أو بحديثه كيف دارت القصّة، فإنّ بيّنة الخارج أولى على الصّحيح من المذهب و أقوال أصحابنا، و لقوله (عليه السلام) المجمع عليه من الفريقين المخالف و المؤالف المتلقّى عند الجميع بالقبول، و هو:

«البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه»

(1).

____________

(1)- الكافي 7: 415، و من لا يحضره الفقيه 3: 20، و التهذيب 6: 229، و أخرجه من العامة البخاري في صحيحه 3: 187، و مسلم في صحيحه 3: 187 و غيرهما.

92

فقد جعل البيّنة في جنبة المدعي بغير خلاف، فأمّا إن كانت العين المتنازع فيها خارجة من يدي المتداعيين و هي في يد ثالث غيرهما، ثمّ أقام كلّ واحد منهما بيّنة بها، فإنّا نرجّح بكثرة الشهود، فإن استويا في كثرة الشّهود، رجّحنا بالتفاضل في عدالة البيّنتين، فنحكم في المسألتين معا و نقدّم بيّنة صاحب التّرجيح مع يمينه، فإن تساويا في جميع الوجوه، فالحكم عند أصحابنا القرعة على أيّهما خرجت أعطي و حلف للآخر أنّه مستحقّ هو له، فإن لم يكن ترجيح و هو في يد ثالث و أقام أحدهما بيّنة بقديم الملك و الآخر بحديثه و كلّ منهما يدعي أنّه ملكي الآن، و بيّنة كلّ واحد منهما تشهد بملكه الآن، غير أنّ إحدى البيّنتين تشهد بالملكيّة الآن و بقديم الملك، و الأخرى تشهد بالملكيّة الآن و بحديث الملك.

مثاله إنّ إحدى البينتين تشهد بالملك منذ سنين و الأخرى منذ سنة، فالبيّنة بيّنة قديم الملك، و هي المسموعة و المحكوم بها دون بيّنة حديث الملك، لأنّ حديث الملك لا يملكه إلّا عن يد قديمة فهو مدعي الملكيّة عنه، و لا خلاف إنّا لا نحكم بأنّه ملك عنه، لأنّه لو كان عنه ملك لوجب أن يكون الرّجوع عليه بالدرك، فإذا لم نحكم بأنّه عنه ملك بقي الملك على يد صاحبه حتى يعلم زواله عنه، و كذلك تكون بيّنة صاحب السّبب أولى في هذه المسألة إذا كانت العين المتنازع فيها في يد ثالث و خارجة من أيديهما عند بعض أصحابنا.

و الأقوى عندي استعمال القرعة هاهنا، و أن لا يجعل لصاحب السبب هاهنا ترجيح، لأنّ التّرجيح عندنا ما ورد إلّا بكثرة الشهود، فإن تساووا في العدد

93

فأعدلهما شهودا، و بقديم الملك على ما دللنا عليه، و لا ترجيح سوى ذلك عند أصحابنا، و القياس و الاستحسان عندهم باطل، فلم يبق إلّا استعمال القرعة لإجماعهم على أنّ كلّ أمر مشكل فيه القرعة، إلّا أن يكون مع ذلك الأمر مرجّح من المرجّحات المجمع عليها و هي المقدّم ذكرها من كثرة العدد، أو أعدلهما شهودا، أو قديم الملك، و لو قلنا نرجّح بالسّبب لكان قويا و به أفتي، لأنّ فيه جمعا بين الأحاديث و الروايات، لأنّ السّبب أولى من قديم الملك، و قد رجّحنا بقديم الملك، لأنّ من شهد بالنتاج مثلا نفى أن يكون ملكا قبله لأحد، فكان أقوى، فليتأمّل ذلك.

فهذا تحقيق المسائل المختلفة و الموضوعة في الجزء الثالث من مسائل الخلاف في كتاب الشهادات (1)، فإنّها مختلفة الألفاظ، و تحقيقها ما ذكرناه (2).

* * *

____________

(1)- الخلاف 2: 621 في كتاب الدعاوي و البيّنات.

(2)- قارن ما ذكره المؤلّف من أول المسألة إلى هنا تجده بعين ألفاظه- إلّا نادرا- قد ذكره في السرائر في كتاب القضايا: 196- 197 ط الحجري القديم.

94

[4] مسألة في الإيلاء

مسألة: إذا آلى من أربع نسوة فقال: و اللّه لا وطئتكنّ كلّكنّ، فلا يحنث بوطي واحدة منهنّ، و كذلك إن وطئ اثنتين أو ثلاثا منهنّ، فإن وطئ الرابعة حنث و لزمته اليمين، و كذلك لا يوقف إلّا للأخيرة.

فأمّا إن قال: و اللّه لا وطئت واحدة منكنّ، فأيّ واحدة وطئ انحلّت اليمين و وجب عليه الكفّارة، و انحلّت في حقّ الباقيات، فإن وطئ بعدها أخرى لا يجب عليه سوى الكفّارة الأولى.

فأمّا إن قال: و اللّه لا وطئت كلّ واحدة منكنّ، فمن وطئ منهنّ وجبت عليه في حقّها الكفّارة و لم ينحلّ في حق الباقيات، و متى وطئ واحدة من الباقيات كان عليه الكفّارة، و الفرق واضح بين مسائل الثلاث إذا تؤمّل.

* * *

95

[5] مسألة في تصحيح لفظ دومة الجندل

مسألة: قال الجواهري في كتاب الصحاح (1): و دومة الجندل اسم حصن، و أصحاب اللّغة يقولونه بضمّ الدّال، و أصحاب الحديث يفتحونها، و قول لبيد يصف بنات الدهر:

و اعصفن بالدوميّ من رأس حصنه * * * أو أنزلن بالأسباب ربّ المشقّر

يعني أكيدر صاحب دومة الجندل.

قال الجوهري في الصحاح (2): الخازق من السهام المقرطس، و قد خزق السّهم يخزق، خزقتهم بالنّبل أي أصبتهم بها.

و قال الجوهري (3): الخاسق لغة في الخارق من السهام.

قال الجوهري في الصحاح (4): الحذف بالحصى الرمي به بالأصابع.

* * *

____________

(1)- الصحاح للجوهري: 1923.

(2)- ن. م: 1469.

(3)- ن. م: 1469.

(4)- ن. م: 1345.

96

[6] مسألة في التطليقات الثلاث في مجلس واحد

مسألة: في التطليقات الثلاث هل تقع في مجلس واحد؟ أو تحتاج إلى تحليل المراجعة؟ أو تقع منها واحدة؟ أو لا يقع منها شيء؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا مذهب أهل البيت فإنّهم يرون أنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد، و حالة واحدة من دون تخلّل المراجعة لا يقع منه إلّا واحدة، و من طلّق امرأته تطليقة واحدة كان له مراجعتها بغير خلاف بين المسلمين، و قد روي أنّ ابن عباس (رحمه اللّه عليه) و طاوسا يذهبان إلى ما يقوله الشّيعة.

و حكى الطحاوي في كتاب الاختلاف (1) أنّ الحجاج بن أرطاة كان يقول:

____________

(1)- اختلاف الفقهاء للطحاوي لم أحصل عليه فعلا، غير انّ ابن عبد البر قال في كتابه الاستذكار 6: 8 و ما أعلم أحدا من أهل السنة قال بغير هذا، وقوع الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة تلزم موقعها، و لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره، إلّا الحجاج بن أرطاة و محمد بن اسحاق، و كلاهما ليس بفقيه و لا حجة فيما قاله ... و حكى عن أبي يوسف قال: كان الحجاج بن أرطاة خشبيا- يعني شيعيا- و كان يقول ليس طلاق الثلاث بشيء.

أقول: لم أقف على من وصفه بالتشيع و ما أدري من أين أتى بذلك ابن عبد البر؟ و على هذا فليقل في ابن تيمية كذلك، و كذلك يوجد آخرون من أهل السنّة قالوا بذلك، فهل كلّهم خشبيّون.

97

ليس الطّلاق الثلاث بشيء، و حكى في هذا الكتاب عن محمّد بن إسحاق: أنّ الطّلاق الثلاث يردّ إلى واحدة.

و دليل الشيعة بعد إجماع أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ فيه الحجة من وجوه يطول شرحها لا يحتمل هذا الموضع ذكرها، لأنّه يوحش المبتدي لسماعه،

و لقول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المتفق عليه: «خلّفت فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا»

(1). فقرن (صلى اللّه عليه و آله و سلم) العترة إلى الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و جعل حكمهما حكمه.

و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من أتاها نجا و من تخلّف عنها هلك»

(2) مطابقا لقول اللّه سبحانه: فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ أَصْحٰابَ السَّفِينَةِ (3) إن دللوا على أنّ المشروع في الطّلاق إيقاعه متفرقا، و قد وافقهم مالك و أبو حنيفة على أنّ الطلاق الثلاث في الحال الواحدة محرّم مخالف للسنّة، إلّا أنّهما يذهبان مع

____________

(1)- حديث الثقلين من الأحاديث المستفيضة، بل من المتواترة، و قد رواه من الصحابة رجالا و نساء أكثر من أربعين صحابيا و صحابية، راجع لمعرفة أسمائهم و موارد ذكر حديث الثقلين كتاب عليّ إمام البررة 1: 292- 318 ط دار الهادي بيروت.

(2)- راجع بشأن الحديث سندا و متنا و دلالة و مصادر نيفت على الستين كتاب عليّ إمام البررة 1:

328- 341.

(3)- العنكبوت: 15.

98

ذلك إلى وقوعه، و في هذا ما فيه (1).

يدلّ على صحّة ما ذهبت الشيعة إليه قوله تعالى: الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ (2) و لم يرد بذلك الخبر، لأنّه لو أراده لكان كذبا، و إنّما أراد الأمر، فكأنّه قال تعالى:

طلّقوا مرّتين، و جرى مجرى قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (3) و كقوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (4) و المراد يجب أن تؤمّنوه، و المرّتان لا يكونان إلّا واحدة بعد أخرى.

و من جمع الطلاق في كلمة واحدة لا يكون مطلّقا مرّتين، كما أنّ من أعطى در همين مرّة واحدة، و لم يعطهما مرّتين، فإن احتجّ من يذهب إلى أنّ الطلاق الثلاث يقع و إن كان بدعة بما روي

في حديث ابن عمر

(5)

من أنّه قال للنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

أ رأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال: إذن عصيت ربّك و بانت منك امرأتك.

و الّذي يبطل ذلك أنّه لا تصريح في قوله ثلاثا: (أ رأيت لو طلّقتها) فإنّني كنت أفعل ذلك بكلمة واحدة و حالة واحدة، و يجوز أن يكون مراده أنّني لو

____________

(1)- راجع حلية العلماء للقفال الشاشي 7: 22 ففيه: و قال مالك و أبو حنيفة: جمع الطلاق في قرء واحد حرام إلّا أنّه واقع.

(2)- البقرة: 229.

(3)- البقرة: 228.

(4)- آل عمران: 97.

(5)- راجع سنن أبي داود 2: 256، و سنن الدارقطني 4: 31، و نيل الأوطار للشوكاني 7: 12 بتفاوت، و المغني لابن قدامة 7: 103.

99

طلّقتها ثلاثة أطهار تخلّلها المراجعة، فلا شبهة في أنّ من طلّق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار انّه يسمّى مطلّقا ثلاثا.

فإن قيل: لا فائدة على هذا الوجه في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «إذن عصيت ربّك و بانت منك امرأتك» قلنا: يحتمل ذكر المعصية أمرين:

أحدهما: أن يكون النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كان يعلم من زوجة ابن عمر خيرا و برا يقتضيان المعصية بفراقها.

و الأمر الآخر أنّه مكروه للزّوج أن يخرج نفسه من التمكين من مراجعة المرأة، لأنّه لا يدري كيف ينقلب قلبه، فربّما دعته الدّعاوى- الدواعى ظ- القوية إلى مراجعتها، فإذا خرج أمرها من يده ربّما همّ بالمعصية.

فإن احتجّوا أيضا بما رووه من أنّ عبد الرّحمن بن أبي بكر طلّق امرأته تماضر ثلاثا (1).

____________

(1)- لم أقف على هذا الخبر فيما حضرني من المصادر، غير انّ مالك روى في الموطأ كما في الاستذكار 6:

30 بسنده عن عائشة انّها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر، قريبة بنت أبي أمية فزوجوه، ثمّ إنّهم عتبوا على عبد الرحمن، و قالوا: ما زوّجنا إلّا عائشة، فأرسلت عائشة إلى عبد الرحمن، فذكرت ذلك له، فجعل أمر قريبة بيدها، فاختارت زوجها، فلم يكن ذلك طلاقا. أقول: فأين هذا ممّا في المتن؟ و أحسب أنّ المصنّف (قدّس سرّه) سها قلمه فذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، و الصحيح عبد الرحمن بن عوف فهو الّذي كانت زوجته تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة الكلبية و لها ترجمة في الإصابة 4: 248 ط مصطفى محمّد سنة 1358 ه، و فيها ذكر طلاق عبد الرحمن ابن عوف لها ثلاث مرات في أطهار ثلاثة آخرها و هو مريض فورّثها عثمان، و لم أقف على من قال بأنّها طلّقت ثلاثا مرة واحدة فضلا عن الاحتجاج بذلك، و راجع تلخيص الحبير 3: 244.

100

فجوابه: إنّه يجوز أن يكون طلّقها في أطهار ثلاثة مع مراجعة تخلّلت، و ليس في ظاهر الخبر أنّه طلّقها بلفظ واحد، أو حالة واحدة، و هذه الطّريقة التي سلكناها يمكن أن تطّرد في جميع أخبارهم التي يتعلّقون بها، فبما يتضمّن وقوع طلاق ثلاث، فقد فتحنا طريق الكلام على ذلك كلّه و نهجناه، فلا معنى للتّطويل بذكر جميع الأخبار، على أنّ أخبارهم معارضة بأخبار موجودة في رواياتهم و كتبهم تقتضي أنّ الطلاق الثلاث لا يقع.

منها ما رواه ابن سيرين أنّه قال: حدّثني من لا أتهم أنّ ابن عمر طلّق امرأته ثلاثا و هي حائض، فأمره النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أن يراجعها (1).

و بما رواه الحسين قال: أتي عمر برجل طلّق امرأته ثلاثا بفم واحد فردّها عليه، ثمّ اتي بعد ذلك برجل آخر طلّق امرأته ثلاثا بفم واحد فأبانها منه، فقيل له: إنّك بالأمس رددتها عليه! فقال: خشيت أن يتتايع فيه السكران و الغيران (2).

و روى ابن عباس رضي اللّه عنه أنّه كان يقول: إنّ الطّلاق كان على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عهد أبي بكر و صدرا من إمارة عمر طلاق الثلاث واحدة، ثمّ جعلها عمر بعد ذلك ثلاثا (3).

____________

(1)- صحيح مسلم في الطلاق 3: 181 ط صبيح و فيه زيادات اختصرها ابن إدريس فيما يبدوا.

(2)- لقد أخذ عمر لفظ أن يتتايع فيه السكران و الغيران من حديث الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في حديثه مع سعد بن عبادة، و قد رواه أبو داود 4: 144، و ابن ماجة 2: 868، و عبد الرزاق في المصنّف 9: 434.

(3)- نيل الأوطار 6: 230، و المغني لابن قدامة 7: 104.

101

و روى عكرمة عن ابن عباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كيف طلّقتها؟

فقال: طلّقتها ثلاثا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إنّما تلك واحدة فراجعها إن شئت، قال: فراجعها

(1)

.

و الأخبار المعارضة لأخبارهم أكثر من أن تحصى.

و دليل آخر على أصل المسألة و هو أن يقال: الطلاق الثلاث بلفظ واحد في حالة واحدة من غير أن يتخلّله مراجعة لا يقع إلّا واحدة، و الدليل على ذلك من كتاب اللّه تعالى، و من سنّة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و من إجماع المسلمين، و من قول أمير المؤمنين (عليه السلام)، و من قول ابن عباس (رحمه اللّه)، و من قول عمر بن الخطاب.

أمّا كتاب اللّه فقد تقرر أنّه نزل بلسان العرب، و على مذاهبها في الكلام، قال اللّه جلّت عظمته: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ (2) و قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (3) ثمّ قال سبحانه في آية الطلاق: الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ فكانت الثالثة في قوله عزّ و جلّ: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ على الخلاف فيه، أو في قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ

____________

(1)- أخرجه أبو داود في الطلاق باب 14، و الترمذي في الطلاق باب/ 2، و ابن ماجة في الطلاق باب طلاق البتة، و ابن عبد البر في الاستذكار 7: 9 و غيرهم.

(2)- الزمر: 28.

(3)- إبراهيم: 4.

102

بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (1).

فوجدنا المطلّق إذا قال لامرأته أنت طالق أتى بلفظ واحد يتضمّن تطليقة واحدة، و إذا قال لها عقيب اللّفظ ثلاثا لم يخل من أن تكون إشارته إلى طلاق وقع فيما سلف ثلاث مرات، أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثا، أو إلى الحال.

فإن كان أخبر عن الماضي فلم يقع الطّلاق إذن باللّفظ الّذي أورده في الحال، و إنّما أخبر عن أمر كان، و إن كان أخبر عن المستقبل، فيجب أن لا يقع بها طلاق حتى يأتي الوقت ثمّ يطلّقها ثلاثا على مفهوم اللّفظ و الكلام، و ليس هذان القسمان ممّا جرى الحكم عليها و لا يضمنهما المقال، فلم يبق إلّا أنّه أخبر عن الحال، و ذلك كذب و لغو بلا إشكال، لأنّ الواحدة لا تكون أبدا ثلاثا، فلأجل ذلك حكمنا عليه بتطليقة واحدة من حيث تضمّنه اللفظ الّذي أورده، و أسقطنا ما لغا فيه و اطرحناه، إذ كان على مفهوم اللّغة التي نطق بها القرآن فاسدا، و كان مضادا لأحكام الكتاب.

و أمّا السنّة

فإنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «كلّ ما لم يكن على أمرنا هذا فهو ردّ»

(2)

____________

(1)- البقرة: 230.

(2)- لم أقف عليه بهذا اللفظ، و لعلّه نقله بالمعنى من قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فأمره ردّ» رواه البخاري في كتاب الاعتصام/ 20 و كتاب البيوع/ 60 و كتاب الصلح/ 5، و رواه مسلم في صحيحه في كتاب الأقضية 17- 18، و في سنن أبي داود كتاب السنّة: 5، و في مقدّمة سنن ابن ماجة، و في مسند أحمد 6: 146، و قد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب و السنّة».

103

و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «ما وافق الكتاب فخذوه و ما خالفه فاطرحوه»

(1) و قد بينّا أنّ المرة لا تكون مرتين، و أنّ الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجبت السنّة إبطال طلاق الثلاث.

و أمّا إجماع الأمة فإنّهم مطبقون على أنّ كلّ ما خالف القرآن و السنّة فهو باطل، و قد تقدّم وصف خلاف الطّلاق الثلاث للقرآن و السنّة، فحصل الإجماع على إبطاله.

و أمّا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه قد تظاهر عنه الخبر المستفيض أنّه قال:

«إيّاكم و المطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج»

(2). و أمّا قول ابن عباس (رحمه اللّه) فإنّه كان يقول: ألا تعجبون من قوم يحلّون المرأة لرجل واحد و هي تحرم عليه، و يحرّمونها على آخر و هي حلال له؟! فقالوا له: يا ابن عباس و من هؤلاء القوم؟ فقال: هم الذين يقولون للمطلّق ثلاثا في مجلس واحد قد حرمت عليك امرأتك (3).

و أمّا قول عمر بن الخطاب (رضوان اللّه عليه) (4) فلا خلاف أنّه رفع إليه

____________

(1)- الوسائل 27: 109 ط مؤسسة آل البيت نقلا عن الكافي و المحاسن و الفقيه و لفظه: «... فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه».

(2)- مستدرك الوسائل 14/ رقم الحديث 17135.

(3)- الوسائل 22: 68 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) نقلا عن التهذيب و الاستبصار و الفقيه.

(4)- هكذا ورد في النسخة و لعلّه من الناسخ أو من غيره، إذ لم يعهد ذلك من طريقة المصنّف.

104

رجل قد طلّق ثلاثا فأوجع ظهره و ردّها إليه، و بعد ذلك رفع إليه رجل قد طلّق كالاوّل فأبانها فيه، فقيل له في اختلاف حكمه في الرّجلين فقال: قد أردت أن أحمله على كتاب اللّه عزّ و جلّ فخشيت أن يتتايع فيه السّكران و الغيران.

فاعترف بأنّ المطلّقة ثلاثا تردّ إلى واحدة على حكم الكتاب، و أنّه إنّما أبانها منه بالرأي و الاستحسان، فعملنا من قوله على ما وافق القرآن، و رغبنا عمّا ذهب إليه من جهد الرأي، على أنّه لا خلاف بين أهل اللسان و أهل الإسلام لو قال في ركوعه سبحان ربّي العظيم فقط، ثمّ قال في عقيبه ثلاثا، لم يكن مسبّحا ثلاثا، و لو قرأ الحمد مرّة ثمّ قال في آخرها بلفظ عشرة، لم يكن قارئا لها عشرا.

و قد أجمعت الأمة على أنّ الملاعن لو قال في شهادته: أشهد باللّه أربعا أنّي لمن الصادقين، لم يكن شاهدا أربع مرّات على الحقيقة، حتى يفصلها، و لو أنّ حاجا رمى سبع حصيات في دفعة واحدة لم يجزه ذلك عن سبع متفرّقات، و هذا كلّه دليل على أنّه إذا قال: أنت طالق، ثمّ قال: ثلاثا لم يكن مطلّقا ثلاثا، فهذا بيّن واضح لمن تدبّره و دقّق النّظر فيه و حرّره، و ترك التقليد جانبا، و حبّ المذهب و العشق و العادة وراء ظهره، و أنصف من نفسه، و وزن الحقّ بميزان عقله، و خاف عقاب ربّه، و اعتقد للمعاد و الحساب و السؤال من منكر و نكير في رمسه، و استدرك في يومه ما فرط في أمسه، وفّقنا اللّه و إياك لما يحبّ و يرضى.

* * *