أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
105

[7] مسألة فيمن سلّم في الأولتين من ظهره ساهيا

مسألة: من سلّم في الأولتين من ظهره ساهيا، ثمّ استمرّ به ذلك السّهو فلم يذكر إلّا و هو في صلاة العصر، و يفرض أيضا أنّه يتيقّن ذلك بعد تقضّي صلاة العصر، و لم يكن قد أحدث ما ينقض وضوءه ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التّوفيق: يتمّ صلاة العصر فإذا فرغ منها و سلّم، عاد إلى صلاة الظهر فتمّمها من غير استئناف لها، و عن غير هدم لإحدى الصّلاتين، لأنّه قد دخل في صلاة العصر و صلّى بعضها دخولا شرعيا مأمورا به، و صلّى ذلك البعض صلاة شرعية، و لا دليل على انتقاله إلى غيرها، لأنّ النّقل يحتاج فيه إلى دليل شرعي، لأنّه قد أخذ عليه أنّه إذا دخل في صلاة يجب عليه المضيّ فيها، و لا يجوز له الرّجوع عنها بغير خلاف، إلّا في الموضع المتّفق على نقل النيّة فيه فحسب، فامّا ما عداه فلا يجوز العدول عنها إلى غيرها،

لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

«لا تقطع الصلاة إلّا كذا و كذا»

(1) و ليس هذا من جملة ما عدّده قاطعا للصلاة.

____________

(1)- راجع الوسائل 7: 233 أبواب قواطع الصلاة و ما يجوز فيها تجد عدّة أحاديث فيها ذكر ما يقطع الصلاة و ما لا يقطعها، مروية عن الأئمّة (عليهم السلام)، أمّا ما أشار إليه المصنّف من حديث الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فراجع عنه موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7: 443 تجد الإشارة إلى مصادر ذلك.

106

فإن قيل:

قولهم (عليه السلام): «من دخل في صلاة ثمّ ذكر أنّ عليه صلاة متقدّمة فليعدل بنيّته إلى الصلاة المتقدّمة ما لم يضيّق وقت صلاة الحاضرة التي قد دخل فيها»

(1)، و هذا من ذاك؟

قلنا: لا يلزمه ما قاله المعترض، لأنّه إن كان المصلّي للعصر قد صلّى منها- أعني العصر- ثلاث ركعات فبطل العدول بالإجماع، لأنّه إن عدل فيكون قد صلّى الظّهر خمسا، لأنّ ما تقدّم من الظّهر و هو ركعتان و هذه ثلاث فيكون المجموع خمس ركعات، و إن كان قد صلّى العصر ركعتين فحسب فلا يجيء عليه قولهم (عليهم السلام): «ثمّ ذكر أنّ عليه صلاة فريضة فليعدل»، لأنّ هذا ما عليه إلّا بعض فريضة أو بعض صلاة فريضة لا جميع الفريضة، فلا يتناول قولهم هذا الموضع.

فإن قيل: على ما قلتم أولا من أنّه يتمّم العصر ثمّ يسلّم ثمّ يعود فيتمم الظّهر، يلزم عليه استئناف الظّهر و أنتم قلتم لا عليه إلّا الاستئناف بل يتمّمها، و وجه الإلزام لاستئناف الظّهر هو أنّه قد سلّم عامدا قبل الفراغ من الظّهر، و لا خلاف بين الطّائفة أنّ من سلّم عامدا قبل الفراغ من تمام صلاته فانّه تجب عليه من أوّلها.

قلنا: هذا ما سلّم عامدا في صلاة الظّهر و لا لصلاة الظّهر، بل سلّم عامدا تسليما واجبا عليه لصلاة العصر، و الخروج منها فيما عمد للتّسليم في صلاة

____________

(1)- راجع الوسائل 4: 290 باب 63 فيه أحاديث وجوب العدول بالنيّة إلى السابقة، إذا ذكرها في أثناء الصلاة.

107

الظّهر حتى يلزم عليه ما ذكره المعترض، و أيضا الإعادة فيما دخل فيه المكلّف دخولا شرعيا يحتاج فيه إلى دليل شرعي، و إلا فالأصل أن لا تكليف و لا إعادة، لأنّ الإعادة فرض ثان، و الأصل براءة الذمّة من التكاليف و الفروض، و إن قلنا يعود فيتمّم صلاة الظّهر إذا لم يصلّ من العصر ثلاث ركعات، ثمّ يسلّم من الظهر ثمّ يتمّم العصر من غير استئناف له لكان قويا ولي في ذلك نظر.

فأمّا ما اعترضه السائل من أنّه ذكر بعد سلامه من العصر، أو بعد تقضّي وقت العصر و بعد صلاته، فصلاته العصر ماضية على الفرضين المقدّرين بغير خلاف، فأمّا صلاة الظّهر فيجب عليه تمامها و لا يجب عليه استئنافها إذا لم ينتقض طهارته بغير خلاف أيضا.

و إن كان بعد تقضّي الوقت أعني وقت الظّهر فمنهم من يقول يكون الظّهر جميعها أداء، و يحتج بأنّ الصلاة على ما افتتحت عليه، و هو مذهب شيخنا السّعيد أبي جعفر (رحمه اللّه عليه)، و منهم من يقول جميعها قضاء، و هو مذهب سيدنا المرتضى، و يحتجّ بأنّ الصّلاة منعقدة بعضها ببعض، لا يصحّ أوّلها إلّا بصحة آخرها، فليتأمّل عنّي ما سطرته في جواب هذه المسألة، و ليفهم ففيه لبس فليحصّل عنّي ما أقول، و اللّه الموفق للصواب، و مراضي الجواب، و الحمد للّه ربّ العالمين.

* * *

108

[8] مسألة في غسل الجنابة هل هو واجب لنفسه أم لا؟

مسألة (1): في غسل الجنابة هل هو واجب لنفسه أم لا؟ و النيّة نيّة الوجوب في كلّ وقت أم في وقت دون وقت، و هل يكون النيّة له في بعض الأوقات نيّة الندب أم لا؟

قال محمّد بن إدريس: الجواب و باللّه التوفيق: أمّا قول السائل غسل الجنابة واجب لنفسه فقول بعيد من الصواب، و مجازفة في المقال بغير حساب، لأنّ الشّرعيات الواجبات جميعها ما وجبت إلّا لكونها ألطافا في الواجبات العقليات، فلا بدّ من وجه الوجوب له و لأجله وجب الواجب.

فأمّا هذا الغسل و نيّته، فإن كان الجنب عليه صلاة واجبة، أو قد دخل عليه وقت صلاة واجبة، و أراد الاغتسال من جنابته، فيجب عليه أن ينوي الاغتسال لرفع جنابته واجبا قربة إلى اللّه تعالى، و يكون الغسل هاهنا واجبا عليه، و كذلك نيّته، فإنّ الغسل طهارة كبرى و هي شرط في استباحة الصّلاة، فمهما لم تجب الصّلاة على الجنب لا يجب عليه هذه الطهارة التي هي شرط فيها، و أيضا

____________

(1)- أحال عليها المؤلّف في أوائل كتاب الطهارة، و أورد منها في باب الجنابة فراجع.

109

قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «وضوؤك من صلاتك»

(1) فجعل (صلى اللّه عليه و آله و سلم) طهارته التي هو الوضوء من صلاته.

و قال جميع الفقهاء و المصنّفين في تقسيماتهم أفعال الصّلاة على ضربين:

فعل يتقدّمها و فعل يقارنها، فالمتقدّم الطّهارة بلا خلاف، و من جملتهم شيخنا أبو جعفر الطوسي في جمله و عقوده (2)، فجعلوا الطّهارة من جملة الصّلاة، فمهما لم يجب على المكلّف الصّلاة لا يجب عليه الطّهارة، فإن كان لم يدخل عليه وقت صلاة واجبة و لا عليه صلاة واجبة، فغسله و نيّته مندوبان في جميع الأوقات.

و الدليل على هذه الجملة ما ذكره محقّقوا هذا الفنّ، و مصنّفو كتب أصول الفقه، و هو أنّ الغسل قبل وقت الصّلاة المفروضة لا يشارك الغسل بعد دخول الوقت في وجه الوجوب، لأنّ وجه وجوب الغسل كونه شرطا في صلاة واجبة على المكلّف المغتسل، و ذمّته مشغولة بها، و هذا الوجه غير قائم في الغسل قبل دخول وقت الصّلاة المفروضة فليتأمّل ذلك تأمّلا جيّدا، و قد ورد عن الأئمّة (عليهم السلام) ما يدلّ تصريحه و فحواه على ما ذكرناه.

و قد أورد الشيخ السعيد أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام: فمن

____________

(1)- لم أقف عليه بهذا اللفظ.

(2)- الجمل و العقود: 35 ط دانشكاه مشهد.

110

ذلك ما رواه فلان عن فلان و رفع الحديث إلى

(1)

(عليه السلام) قال: قلت له: امرأة جامعها زوجها فقامت لتغتسل، فهي في المغتسل جاءها دم الحيض قبل أن تغتسل، أ تغتسل من جنابتها أم لا؟ فقال (عليه السلام): قد جاءها شيء يفسد عليها الصّلاة لا تغتسل.

ألا تراه (عليه السلام) إنّما علّقه بالصّلاة و لأجل الصّلاة، فلمّا سقط تكليفها بالصّلاة لأجل الحيض قال: لا تغتسل، إنّما كانت تغتسل لأجل الصّلاة لا لشيء سوى ذلك.

و ما روي عنه (عليه السلام) ممّا قد أجمع عليه من قوله: «وضوءك أو طهورك من صلاتك»

(2)، فجعل الطهارة من جملة الصلاة و بعضا منها، فإذا وجبت الصّلاة وجب على ما قدّمناه.

و أيضا فلا خلاف بين الأمة أنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كان يطوف على تسع حشايا بغسل واحد، فلو كان واجبا لما جاز له ذلك، لأنّه كان يخلّ بالاغتسال الّذي هو

____________

(1)- يظهر من عدم ذكر أسماء الرواة في سند الحديث، و عدم ذكر الإمام المروي عنه، انّ ابن إدريس لم يكن على ذكر تام من ذلك، و لم يسعه في ذلك الحين مراجعة الحديث في المصدر المشار إليه فنقله مشيرا إليه على نحو الإجمال، و إليك الحديث المشار إليه سندا و متنا نقلا عن التهذيب 1: 395، أخرج الشيخ الطوسي بإسناده كما في مشيخته عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه ابن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض و هي في المغتسل، تغتسل أو لا تغتسل؟ فقال: قد جاءها ما يفسد الصلاة، لا تغتسل.

(2)- لم أقف عليه بهذا اللفظ.

111

الواجب و يتركه، و لا خلاف في أنّ ترك الواجب قبيح و حوشي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن ذلك.

و أيضا فلا خلاف بين المسلمين و خصوصا فرقتنا أنّ الإنسان إذا أجنب أوّل الليل، له أن يترك الاغتسال و ينام إلى وقت دخول صلاته، فحينئذ يجب عليه الاغتسال لأجل الصّلاة، فلو كان الغسل من الجنابة واجبا، و أنّ المكلّف إذا صار جنبا يجب عليه الاغتسال بعده و في كلّ وقت، لكان يلزم على ذلك أشياء لا قبل لملتزمها إلّا العود عن شبهته، و ترك عقيدته، و العود إلى جماعته، أو الخروج من إجماع أهل نحلته، و العناد لديانته.

من جملته: أنّه كان إذا جامع زوجته، و فرغ من لذته، و تفصّى و تخلّص من حليلته، يجب عليه الاغتسال لوقته بلا فصل و ساعته، فإن كان عنده ماء في منزله، و أراد تركه و الخروج منه و الاغتسال من نهر أو حمّام خارج داره، يحظر عليه الخروج منه إلى النّهر و الحمّام، لأنّه يكون مخلّا بواجب تاركا له، و ترك الواجب أو بدله قبيح بغير خلاف على ما قدّمناه و أوضحناه.

فإن قال قائل: إنّ الواجب عندكم على ضربين: واجب موسّع، و واجب مضيّق، فالموسّع الّذي له بدل و هو العزم على أدائه قبل خروج وقته و تقضّي حاله و زمانه، و للمكلّف تركه مع إقامة البدل مقامه، و المضيّق هو الّذي لا بدل له يقوم مقامه.

و أنا أقول: إنّ غسل الجنابة من الواجبات الموسّعات، و أتفصّى من تلك الالتزامات، و أتخلّص من هاتيك الشّناعات، كما أنّ الصّلاة بعد دخول وقتها

112

و قبل تضيّقه من الواجبات الموسّعات، فلمكلّفها أن يتركها إذا فعل العزم الّذي هو المبدل إلى آخر وقتها غير حرج في ذلك، و لا إثم بغير خلاف بينكم، بل الإجماع منعقد منكم عليه.

الجواب عن هذا الاعتراض، و التدمير على هذا الخيال، أنّ أوّل ما يقوله و يقرّره و يحرّره: إنّ القياس عند آل محمّد (عليهم السلام) باطل غير معمول عليه، و لا مفزوع إليه، لا خلاف بين شيعتهم المحقّين، و علمائهم المحقّقين في ذلك، لأدلّة ليس هذا موضع ذكرها، فمن أرادها أخذها من مظانّها، فإنّها في كتب المشيخة محقّقة واضحة، و لو لا الأدلّة القاهرة، و أقوال الأئمّة الظّاهرة في تأخير ما صوّره السائل القائل في الاعتراض، و غير ذلك من الصّور عن أوّل وقته و إقامة البدل مقامه، لكان داخلا فيما قرّرناه و حرّرناه.

فأخرجنا منه ما أخرجناه، لأجل الأدلّة و الإجماع، و بقي ما عداه على ما أصّلناه، من أنّ ترك الواجب قبيح، و الإخلال بالفرض لا يجوز، على أنّ بعض أصحابنا- و هو شيخنا المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (رحمه اللّه)- يذهب إلى أنّ تارك الصّلاة في أوّل وقتها من غير عذر مخلّ بواجب، تارك له، معاقب عليه مأثوم، إلّا أنّه إذا فعلها يعفو اللّه عن ذنبه تفضّلا منه و رحمة، ذكره في كتبه، و حكاه عنه تلميذه الشيخ السّعيد أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في عدته (1)، و ربّما قوّاه في بعض الأوقات و ربّما زيّفه.

____________

(1)- العدة للشيخ الطوسي 1: 90.

113

فإن اعترض معترض، و خطر ببال متشبّث خلاف ما نحن عليه فقال: قد بقي سؤال من أدلّتك عاطل، فإن حلّيته بجواهر البيان في الرّجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل، و هو إن كان غسل الجنابة لا يجب إلّا عند دخول وقت الصلاة على ما قرّرته و شرحته و بيّنته، فما تقول إذا جامع الإنسان زوجته في ليل رمضان، و ترك الاغتسال متعمدا حتى طلع الفجر و قال: أنا لا أريد أن أغتسل، لأنّ الاغتسال عندك قبل طلوع الفجر مندوب و غير واجب، على ما ذهبت إليه، فقال هذا المكلّف: لا أريد أن أفعل المندوب الّذي هو الاغتسال في هذا الوقت الّذي هو قبل طلوع الفجر بلا تأخير و لا فصل.

فإن قلت: يجب عليك في هذا الوقت الاغتسال، سلّمت المسألة بلا إشكال، لأنّه غير الوقت الّذي عيّنته لوجوب الاغتسال، و إن قلت:

لا يغتسل، خالفت الإجماع، و فيه ما فيه من الشناع، و عندنا بأجمعنا أنّ الصّيام لا يصحّ إلّا لطاهر من الجنابة قبل طلوع الفجر، و أنّه شرط في صحّة صيامه بغير خلاف، فيجب حينئذ الاغتسال لوجوب ما لا يتم الواجب إلّا به، و هذا مطرد في الأدلّة و الاعتلال.

فالجواب عن هذا الإشكال و إزالة هذا الخيال، من وجهين اثنين:

أحدهما: و هو أنّ الأمة بين قائلين: قائل بوجوب هذا الاغتسال في جميع الشّهور و الأوقات و الأيّام و السّاعات، و أنت منهم يا معترض بهذا السؤال، و قائل يقول بوجوبه فيما عيّناه و شرحناه، و ليس هاهنا قائل ثالث يقول بأنّه ندب

114

في طول أوقات السنة ما عدا الأوقات التي عيّنتموها، و واجب في ليالي شهر رمضان، فانسلخ من الإجماع بحمد اللّه تعالى كما نراه، و حسبه بهذا عارا و شنارا.

و أمّا الوجه الآخر: و هو على قوله كلّ ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب مثله، فصحيح ظاهره و معناه، إلّا أنّ مسألتنا ليست من هذا الإلزام بسبيل، و لا من هذا القول بقبيل، لأنّ الواجب الّذي هو صيام أيّام رمضان يتمّ من دون نيّة الوجوب للاغتسال، و هو: إن اغتسل لرفع الحدث مندوبا قربة إلى اللّه تعالى، فقد ارتفع حدثي و صحّ صومي بلا خلاف، فقد تمّ الواجب من دون نيّة الوجوب الّذي ألزمني بأنّه لا يتم الواجب إلّا به، و أنت قلت لا يتمّ الواجب إلّا به، و قد أريتك أنّه يتم الواجب من دونه و لغيره، و لو لا أنّ معرفة القديم سبحانه لا طريق لنا إليها إلّا بالنظر و الأدلّة، لما وجب علينا و لا معيّن، و لو كان لنا طريق سواه إليها لما وجب علينا تعيينا، فافهم هذا و تحقّقه، تطلع منه على المقصود و تظفر بمراد المعبود.

فإن قال قائل: أ ليس الأمر بمجرّد عندكم في عرف الشّرع يقتضي الوجوب دون الندبية، و الفور دون التراخي؟

قلنا: بلى.

قال: فقد قال سبحانه: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1) و هذا أمر للجنب

____________

(1)- المائدة: 6.

115

بالتطهير متى كان جنبا بغير خلاف، فغسل الجنابة واجب بهذا الأمر، و بهذا الدليل.

قلنا: سبحان اللّه، هذه الآية الثانية التي هي معطوفة على الآية الأولى، و هي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (1) فأمرنا إذا أردنا القيام إلى الصلاة أن نكون غاسلين، و قبل دخول وقتها لا يجب علينا القيام إليها، و لا الغسل لها، فلمّا فرغ سبحانه من حكم الطّهارة الصغرى عطف عليها حكم الطّهارة الكبرى، و هي غسل الجنابة، و هو إذا أردنا القيام إلى الصّلاة بعد دخول وقتها يجب علينا الاغتسال و هذا مذهبنا بعينه.

فإن قال: هما جملتان لكلّ واحدة منهما حكم نفسها.

قلنا: صحيح ما قلت، إلّا أنّ الجملة الثانية معطوفة على الجملة الأولى، و العطف بلا خلاف عند أهل اللسان و للمعطوف عندهم له حكم المعطوف عليه، و ينزّل منزلته، و يشاركه في جميع أحكامه بغير خلاف، و إنّ الإنسان إذا قال لوكيله أعط زيدا إذا قام دينارا و عمرا درهما، فهما جملتان معطوفتان إحداهما على الأخرى، و لا خلاف في استحقاق عمرو الدّرهم بشرط القيام، لأجل واو العطف التي هي عندهم نائبة مناب الفعل، فاستغنوا بها عن تكرّره، اختصارا للكلام و إيجازا فيه.

____________

(1)- المائدة: 6.

116

فوضح الأمر في هذا، و تحقّق للمنصف المتأمّل دون البليد المغفّل، فإن ظنّ ظان، و توهّم متوهّم على السيّد المرتضى (رضوان اللّه عليه)، و خفي عليه ما أورده في ذريعته من اعتراض الخصم عليه في (فصل هل الأمر يقتضي المرّة الواحدة أو التكرار) (1) و قال:

كلام السيّد يدلّ على أنّ غسل الجنابة واجب في سائر الأوقات، قلنا: معاذ اللّه أن يذهب السيّد إلى ما توهمته عليه، لأنّ هذا قول من لا يفهم كلام السيد و مقالته من كلام غيره، و إنّما السيّد أورد متمسّك الخصم بأن قال الخصم: أنا أريك أنّ الأمر يقتضي المرات دون المرة الواحدة، و صوّر الصورة في غسل الجنابة، و قال السيد (رحمه اللّه عليه) إنّما أوجبه من أوجبه، لأنّ كون الجنابة علّة لمن قال بالعلل و القياس، لتكرّر الأمر و اقتضائه التكرار، بل لتكرّر العلّة التي هي الجنابة، فكلّما تكرّرت تكرّر معلولها دافعا للخصم و ملزما له ما يلتزم به من مذهبه، رادّا عليه ما يعتقده من كون العلل لها أثر في الشّرعيات، و حوشي السيّد أن يكون هذا اعتقاده و مذهبه.

____________

(1)- لقد سها قلم الشيخ ابن إدريس (رحمه اللّه) في تعيين الفصل الّذي ذكر فيه السيّد الشريف المرتضى (قدّس سرّه) ما يأتي نقله عنه في المتن من قوله: إنّما أوجبه- الغسل- من أوجبه لأنّ كون الجنابة علّة. فقد ذكر ذلك في الفصل الّذي يلي الفصل المشار إليه و هو: (فصل في أنّ الأمر المعلّق بشرط أو صفة هل يتكرر بتكرارهما) فقد جاء في ص 112 الذريعة قوله: و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثانيا: ليس العلّة كالشرط، لأنّ العلّة مؤثّرة في المعلول و موجبة له، فلا بدّ من تكرره بتكرّرها- إلى أن قال- و لذلك تكرر وجوب الغسل بتكرر الجنابة، لأنّها علّة فيه و موجبة له. فراجع.

117

يدلّك على ما ذكرته لك من مقصود السيّد المرتضى رضي اللّه عنه ما أورد شيخنا المفيد ابن النّعمان (رحمه اللّه) في كتابه أصول الفقه في هذا الفصل بعينه في آخر الفصل بعد إيراد أدلّة و احتجاجات كثيرة قال: فصل مع أنّ أكثر المتفقّهة إنّما أوجبوا تكرار الغسل لتكرار الجنابة، و تكرار الحدّ لتكرار الزنا، لما ذهبوا إليه من كون الجنابة علّة للغسل، أو كون الزّنا علّة في الحدّ، و لما يوجبوا ذلك بالصّفة حسب، و هذا أيضا يسقط ما ظنّه صاحب الاستدلال، هذا آخر كلام الشيخ المفيد.

و الّذي يزيد مقصود السيّد المرتضى بيانا، و يوضحه برهانا، ما أورده و ذكره في مسائل خلافه و هو:

مسألة في الجريدة، قال السيّد المرتضى: عندنا أنّ السنّة أن يدرج مع الميّت في أكفانه جريدتان خضراوان رطبتان قدر كلّ واحدة منهما عظم الذّراع، و خالف من عدا فقهاء الشّيعة في ذلك.

دليلنا على ما ذهبنا إليه ما رواه فلان عن فلان، و أوردوا أخبارا عدّة من طريق الخاصة و العامة، و طوّل في الأخبار و الإيراد نحوا من صفحة، ثمّ بعد ذلك قال من طريق الاستدلال، و قد سأل بعض أصحابنا الماضين نفسه في هذا المعنى و قال:

إن قال قائل: ما معنى وضعكم الجريدة مع الميّت في أكفانه؟ ثمّ قال: قيل له ما معنى الدّور حول البيت؟ و التقبيل للحجر؟ و حلق الرأس؟ و التّقصير من الشّعر؟ و رمي الحجارة؟ فكلّ ما أجاب في ذلك فهو جوابنا بعينه في الجريدة، ثمّ

118

قيل له: إنّ الّذي تعبّدنا بغسل الميّت و تكفينه، هو الّذي تعبدنا بوضع الجريدة و الحنوط معه في أكفانه و لا معنى غيره، و إلا فلأيّ معنى أوجب اللّه تعالى غسل الميّت و قد مات و سقطت عنه الفرائض و العبادات، و الطّهارة إنّما تجب لأداء الفرائض.

قال السيّد المرتضى: و هذا كلام المفيد في موضعه، ألا ترى أنّ السيّد (رحمه اللّه) قد أورد هذا الكلام عن أصحابه إيراد راض به متعجّب منه و نكثه المقصود، و المراد قوله: الطّهارة إنّما تجب لأداء الفرائض، فغسل الجنابة طهارة بلا خلاف و لا يجب إلّا لأداء الفرائض.

قال السيّد متمما للمسألة: و ليس يجب أن نعرف علل العبادات على التعيين، و إن كنّا على سبيل الجملة نعلم أنّها إنّما وجبت أو ندب إليها للمصالح الدّينية، و إن كان المخالف يخالف في ورود التعبّد بالجريدة، فما تقدّم ممّا ذكرناه و غيره ممّا لم نذكره من الأخبار الكثيرة المتظاهرة في هذا الكتاب حجة فيه، و إن طالب بعلّة معيّنة فلا وجه لمطالبته بذلك، لأنّ العبادات لا تعرف عللها بعينها.

قال محمّد بن إدريس: و هنا حسن الفراغ من هذا الصّداع.

* * *

119

[9] مسألة في استخدام الصبي دون العشر سنوات

مسألة: إذا استخدم الإنسان بصبيّ لم يبلغ الحلم و لم يبلغ عشر سنين أيضا، و أقام له بخبزه و كسوته، فاستقى له الصبيّ ماء فاستعمله في الوضوء و الغسل، فهل استخدامه له جائز؟ و هل استعماله الماء جائز و صلاته؟ و هل تصرّف المستخدم له فيما يأمره به من شراء أو قضاء حاجة جائز أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان لهذا الصبيّ أب أو جدّ، فلا يجوز لهذا المستخدم لأن يأمره، و لا أن يستخدمه إلّا بإذن ... (1) أن يستأجره من أحدهما، فأمّا إذا لم يكن أحدهما حيا و الحال ما صورته في ... (2) فإن لم يكن له وصيّ فالوالي عليه إمام المسلمين و نوّابه، لأنّ الإمام هو ... (3).

____________

(1)- بياض في الأصل لوضع ورقة بيضاء طمست مقدارا من الكلمات من أربعة سطور في وسط الصفحة و يمكن قراءتها- تقريبا- بدلالة السياق، ففي المقام مثلا (إلّا بأذن من الأب أو الجد بأن كانا ميتين فله أن يستأجره الخ).

(2)- لعلّ المطموس (ما صورته في هذه الحال فالإذن من الوصي) الخ.

(3)- لعلّ المطموس: (هو الوالي على جميع المسلمين) الخ.

120

فأمّا ما مرّ في أثناء السؤال من جواز الصلاة بالماء الّذي أمره ... (1)

فالصلاة جائزة لا دليل على بطلانها، لأنّ هذا الماء غير مغصوب، فأمّا قوله من شراء و قضاء حاجة، يا سبحان اللّه كيف ينعقد للصبيّ بيع، فأمّا ما يكسوه و يطعمه، فإنّه يكون به متبرّعا، و يجب عليه له إجارة المثل فيما يستخدمه فيه، فليتأمّل ذلك.

* * *

____________

(1)- لعلّ المطموس: (أن يستقي له فإنّ الصلاة) الخ.

121

[10] مسألة الصبي إذا بلغ عشر سنين

مسألة: الصبيّ إذا بلغ عشر سنين هل يجوز بيعه و ابتياعه و هبته و إباحته الشيء لغيره و صدقته و عتقه و تمليكه، و إقامة الإنسان له مقامه في أن يبيع له و يشتري و يراضي على السلعة و العوض عنها؟

الجواب: و باللّه التوفيق: أمّا بيع الصبيّ الّذي بلغ إلى الحدّ المعيّن في السؤال، فلا خلاف في أنّه لا يجوز، و كذلك ابتياعه و هبته و إباحته الشيء لغيره و كذلك تمليكه، فأمّا صدقته و عتقه فالذي أفتي به و أعتمده أنّه غير جائز و لا ماض، و إن كان قد روي في بعض الأخبار أنّه إذا كانت صدقته و عتقه على جهة المعروف فإنّه يجوز، و المذهب الأوّل، لأنّ الأصول من المذهب شاهدة به، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «رفع القلم عن ثلاث عن الصبيّ حتى يحتلم» (1).

* * *

____________

(1)- صحيح البخاري 8: 204، و سنن الترمذي 4: 32 برقم 1423، و مسند أحمد 1: 140 و 155 و 158 و 6: 100 و 144 و مصادر أخرى كثيرة و بتفاوت في ألفاظها. و راجع الوسائل 1: 45 ط مؤسسة آل البيت.

122

[11] مسألة في الصبيّة متى يجب عليها الصوم و الصلاة

مسألة: الصبيّة متى يجب عليها الصوم و الصلاة؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب عليها الصوم و الصلاة، و تدخل في وجوب التكاليف لتسع سنين من غير خلاف من محقّقي الفرقة، و عارف بأصول هذا المذهب، و ناظر في الأخبار و الفتاوى و الأقوال.

و أيضا قوله تعالى: وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ (1).

و لا خلاف بيننا أنّ حدّ بلوغ النكاح في حقّ النساء تسع سنين، و قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قد سئل: متى يجب على الصبيّة الصلاة؟ فقال: تجب عليها الصلاة إذا حاضت (2).

____________

(1)- النساء: 6.

(2)- لم أقف عليه بهذا اللفظ، و إنّما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) و قد سأله عمار الساباطي عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة، و جرى عليه القلم، و الجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك. الوسائل 1: 45 نقلا عن التهذيب 2: 380.

123

و من المعلوم أنّ الحائض غير مكلّفة بالصلاة، فالمراد بقوله إذا بلغت أوان الحيض هو التسع، لأنّه لا خلاف بينهم في أنّها إذا بلغت إلى هذا الحدّ يدفع إليها مالها، و تزول الولاية عنها، و تصحّ عقودها و نذورها و بيعها و ابتياعها و هبتها و صدقتها و عتقها، فلو لم تكن مكلّفة لما جاز ذلك.

* * *

124

[12] مسألة في تطهير الحبل

مسألة: الحبل من قنّب أو كتّان يصيبه بول أو ماء نجس أو ما يجري مجراهما، فهل يجزي أن يغسله الإنسان في ماء زائد على الكرّ دفعة أو دفعتين من غير أن يعصره؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يعتبر فيما ذكرت في السؤال العصر، بل غسله و إزالة النّجاسة عنه كاف في استعماله بعد ذلك، لأنّه لا ينطلق عليه اسم الثياب، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفق للصواب.

* * *

125

[13] مسألة في تطهير البدن من الدم الّذي يسيل منه أو الّذي جمد عليه

مسألة: إذا كان على بدن الإنسان خدش يسيل منه دم، أو قد سال منه دم و انقطع عنه، و بقيت منه بقيّة لازمة، و هو يريد الاغتسال من الجنابة أو الوضوء للصّلاة، و الماء يلاقي ذلك الدم، و هو إذا أصابه نجّسه، فكيف يصنع؟ و هل يجوز أن يشدّ عليه خرقة و يمسح بيده و هي بدمه على الخرقة و مع وضع الخرقة عليه، فلا بدّ من أن يشمل الخرقة الموضع و زيادة عليه؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا خاف الضّرر على جرحه من إيصال الماء إليه، فلا بأس أن يمسح على الجبائر و الخرق، و لا يحلّه بغير خلاف، و إن لم يخف من الضّرر فلا بدّ من حلّه و جريان الماء عليه، فإن كان الجرح سائلا فلا بأس بدمه أن يكون على ثوبه و بدنه و إن كثر و يجوز الصلاة فيه، لأنّ الشارع عفا عن ذلك، و إن كان الدّم نجسا، لموضع الضرورة.

فأمّا إن لاقى هذا الدم مائعا أو ماء فلملاقاته ينجّسه، فأمّا إذا اغتسل من هو به، فإنّه يغسل جسده و لا يخلط الدم بالماء، بل يغسل موضع الدم و الجرح، و بعد ذلك يغسل باقي جسده بماء غير مختلط بالدم.

* * *

126

[14] مسألة الدم الّذي يخرج من الإحليل

مسألة: الدم الّذي يخرج من الإحليل و الدّبر هل ينقض الوضوء أو الغسل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا ينقض الدم الخارج من الموضعين المذكورين في السّؤال الوضوء و لا الغسل، بغير خلاف بين أصحابنا فليتأمّل ذلك.

* * *

127

[15] مسألة في تطهير الغير لثوب فيه نجاسة

مسألة: الثوب إذا أصابته نجاسة فأعطاه الإنسان لرجل يثق إليه لتطهيره، فهل يقبل قوله في تطهيره أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يقبل قوله في تطهيره ذلك، و لا يحتاج إلى إقامة بيّنة على أنّه قد طهّره، سواء كان المعطى عدلا أو فاسقا، لأنّه أمين، و الأمين مقبول القول فيما يستأمن عليه، و على هذا إذا أعطى عبده أو جاريته.

* * *

128

[16] مسألة في الغسل لمن هو قائم في الماء

مسألة: إذا اغتسل الإنسان من الجنابة و هو قائم في الماء، فاستعمل الماء على رأسه و جنبيه بكفّه، فكيف يغسل جانبيه و بعضهما في الماء إذا غسل؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا غسل رأسه ثمّ غسل كفّه الأيمن إلى أن يصل الماء المغتسل به إلى الماء الّذي هو قائم فيه، فقد غسل شقّه الأيمن كلّه، ثمّ يعود فيغسل كفّه الأيسر إلى أن يوصل الماء إلى الماء الّذي هو قائم فيه و قد فرغ من طهارته و غسله.

و ليس يجب أن يكون جميع الشقّ الأيمن يغسل بالماء الّذي غسل به أعلاه، و كذلك القول في الشقّ الأيسر فليتأمّل ذلك، فإنّه سهل يسير لا يخفى إلّا على من لم ينعم النظر في حقائق الأشياء، فإنّ كثيرا من المتفقّهة يسأل عن هذا السؤال و يظنّ صعوبته و أنّه يحتاج إلى نظر، و ليس الأمر كما ظنّ و توهّم.

* * *

129

[17] مسألة فيمن حوّط على أرض مغصوبة و كانت حيطانه في أرض حلال ... الخ

مسألة: إذا قدّرنا أنّ إنسانا غصب قطعة أرض ثمّ حوّط عليها حيطانا أربعة، إلّا أنّه وضع حيطانها الأربعة في ملك له، أو ما أبيح له التصرّف فيه، ثمّ وضع على الحيطان خشبا و سوّى سقفا على ذلك السّقف، ما حكم صلاته هذه؟

و لو أنّ إنسانا صلّى على سطح بيت ملك له أو مباح له التصرف فيه، إلّا أنّ هذا البيت مملوء مشحون بأمتعة مغصوبة، و أحمال و ثياب مغصوبة ما حكم صلاته؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا الجواب عن السّؤال الأوّل فإنّي أقول: إنّه مأثوم بقيامه على السّطح المذكور، و بجعل سقفه على أهواء الموضع المغصوب، لأنّ عندهم من ملك القرار ملك الهواء.

فعلى هذا التقدير و التّحرير صلاته غير جائزة، لأنّ الصّلاة تشتمل على أذكار و أكوان، و كونه في هذه الجملة معصية، لأنّه يمنع صاحب القرار من التصرّف في هواء اقراره ففعله قبيح، و لا يجوز أن يتقرّب إلى اللّه سبحانه بالقبيح، لأنّ الصّلاة طاعة فكيف يكون القبيح طاعة؟!

130

و أما الجواب عن السؤال الثاني: فالصلاة صحيحة، و ليس هذا كالسؤال الأوّل و لا هو منه بقبيل، لأنّ هذا واقف على هواء ملكه، أو هواء مباح له، فليتأمل ذلك.

* * *

131

[18] مسألة في إقرار رجل لولده الصغير بحصة في داره ثمّ أمر بجميع الدار لابنته

مسألة: ما تقول في رجل أقرّ لولده الصغير بحصّة في دار، و يعلم حال الناس في أفعالهم و فعل ذلك نظرا للطّفل، و لو قيل له: ما أردت بهذا؟ لقال:

قربة إلى اللّه تعالى، ثمّ زوّج بنتا له و أقرّ لها بجميع الدار بعد سنة، هل له ذلك أم لا؟ و يقول: إنّي أعوّض الطّفل بغير هذا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان قد شهد على الإقرار شهود، فإنّه يلزم في الحكم الظاهر، و لا يجوز للمقرّ الرجوع به، و لا يصحّ و يمنعه الحاكم في الظّاهر سواء أ كان إقراره عن حق أو لم يكن.

فأمّا إذا لم يشهد عليه به شهود، و لم يكن إقراره عن حق فله الرّجوع فيه، و أما إذا أقرّ به عن حق فلا يجوز له الرّجوع فيه، سواء شهد عليه به شهود أم لا، فهذه الأقسام جملة فروع المسألة، فاعتبرها و تأمّلها فإنّه يشرف بها على جميع ما يرد عليك من الإقرارات الجارية بين الناس، فاعلم ذلك.

* * *

132

[19] مسألة في أرض جلا عنها أهلها خوفا من السلطان و بنى فيها بعضهم بيتا و نازعه بعض أهل القرية

مسألة: ما تقول إن قال قوم من أهل القرى لهم دار فيها شركة جماعة و هي ساحة، جار عليهم السّلطان أو عصى عليهم السّلطان خرجوا من الموضع، أو بقي أحدهم فأذن لشخص أن يبني في الدار بنيانا، فيبني فيها بيوتا فلما حضر أحد الشّركة الغيّاب منع الّذي بنى، فقال له الباني: أريد خشبي و آلتي، قال صاحب الملك: أريد الأجرة أنت سكنت بغير إذني، ما الحكم في ذلك؟ و هل لصاحب الدار أن يقول للباني: ارفع بنيانك من أرضي أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز السّكنى في الدّار المذكورة المشتركة إلّا بإذن جميع الشركاء، فإن طالب أحد الذين لم يأذنوا بالسّكنى بالإجارة لهذا الساكن فله ذلك، و له أيضا قلع ما بناه بغير إذنه لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ليس بعرق ظالم حق» (1) و هذا من ذاك و اعلم الحال.

* * *

____________

(1)- أخرج الحديث كثير من أصحاب الصحاح و المسانيد و السنن، راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 6: 855، و في كشف الخفاء و مزيل الالباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني 2: 241 تفصيل الكلام على الحديث و معناه و إعرابه و تخريجه، و راجع تلخيص الحبير 3: 54، و مجمع الزوائد 4: 174.

133

[20] مسألة في التزويج من ثيّب كان معها براءة من الزوج الأوّل بالفراق ثمّ قيل له انّه لم يطلقها

مسألة: ما تقول إن رجل تزوّج امرأة ثيبا، و معها براءة من الزّوج الّذي كانت معه، فلما بقي معها الثاني مدّة، قال له قائل: هذه قد كان معها زوج و ما علمنا أنّه طلّقها، ما يصنع و قد استسعر من ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا تزويج بمن ذكر حالها فهو ماض صحيح، فالقول قولها، و لا يلتفت إلى من قال له ذلك بانفراده، لأنّه قال قد كان معها زوج و لم يثبت الزّوجيّة في الحال، و لو أثبتها أيضا لم يلتفت إليه، لأنّه شاهد واحد فاعلم ذلك، فعلى هذا لا وجه لاستسعار الرّجل.

* * *

134

[21] مسألة في تدليس الرجل نفسه

مسألة: ما تقول في رجل دلّس نفسه، و جاء إلى قوم قال لهم: أنا فلان بن فلان من القبيلة الفلانية فزوّجوه، ثمّ تبيّن أنّه ليس هو الّذي ذكر و لا أبوه و لا القبيلة، ما حكم نكاحه؟

الجواب و باللّه التوفيق: قد روي في أخبارنا عن أئمتنا (عليهم السلام)، و سطره مصنّفو أصحابنا أنّ من انتسب إلى قبيلة بعينها، و لم يكن منها، بل ظهر أنّه بخلاف ما قال و انتسب، فإنّه عيب تكون المرأة بالخيار في فسخ نكاحه و الرّضاء به، و عليه جماعة الأصحاب، و به أقول و أعتمد و أفتي، فإن رضيت المرأة بعد علمها به، كان نكاحه ماضيا، و إن فسخته كان مفسوخا، فاعلم ذلك.

* * *

135

[22] مسألة في الحج بمال مختلط من حرام و حلال و لم يخمّسه

مسألة: ما تقول فيمن حجّ بمال مختلط حلال بحرام و لم يخمّسه، كيف يكون الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان الحجّ قد وجب على المذكور و استقرّ في ذمّته، ثمّ حجّ بالمال المذكور بعد ذلك، فالحجة صحيحة و المال في ذمّته، لأنّ هذا ليس جميعه حراما، و حمله على من حجّ بمال حرام قياس و هو باطل عندنا، و ليس على فساد حجّه دليل من ظاهر كتاب اللّه و لا سنّة.

فهذا الّذي أراه في الحال إلى أن يقع التأمّل و النظر، فإن عثرت بدليل بطلانه قلت به، و إلا فالقول ما قوي في تأمّلي أولا، فاعلم ذلك.

* * *

136

[23] مسألة في زواج المتعة و بعض أحكامه

مسألة: ما تقول فيمن تمتّع بامرأة مدّة معلومة، ثمّ تجدّد له في المدّة نيّة فراقها فوهب لها ما بقي من أيّامها، أله أن يرجع في الهبة و يراجعها أم لا؟ و هل يكون المراجعة بالعقد الأوّل أم لا؟ و إذا انقضت أيّام المتمتعة هل يكون المتمتّع أحقّ بها ما دامت في العدّة كالمطلقة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم انّ هبة الأجل في هذا العقد بمنزلة الطّلاق، فعلى هذا لا يجوز للواهب الرجوع في هبته، و لا تحلّ له المرأة إلّا بعقد مستأنف مع اختيارها لذلك.

و أمّا ما ذكره في أثناء سؤاله من أنّ المتمتّع بالمرأة يكون بعد انقضاء المدّة أحقّ بالمرأة للمتمتّع بها ما دامت في عدّتها كالمطلّقة الرجعيّة أم لا؟ فاعلم أنّه لا يجوز له الرّجوع إليها إلّا بعقد مستأنف، فإنّه ليس له عليها رجعة كالمطلّقة الرّجعية، لأنّ المطلّقة الرجعية له أن يرتجعها من غير عقد و بغير اختيارها، و هذه لا يجوز له وطؤها إلّا بعقد باختيارها، فأمّا غيره فلا يجوز له إلّا بعد خروجها من عدّتها، ثمّ يعقد عليها عقدا جديدا.

* * *

137

[24] مسألة في تنصيف المهر قبل الدخول

مسألة: ما تقول في الّذي يتزوّج بامرأة، و عند رؤيته لها لم تصلح له غير أنّه بات معها و قبّلها و لم يفض إليها بجماع، كيف يكون القول في الصداق؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم يفض إليها و لم يدخل بها، فليس لها بعد الطّلاق سوى نصف المهر المسمّى، فإن اختلفا في الإفضاء و الدّخول، فادّعته المرأة و أنكره الرّجل، فإن كانت بكرا و وجدت على حالها فالقول قول الزّوج، و إن وجدت غير بكر فالقول قولها، و إن كانت ثيّبا فالقول قولها، هذا كلّه إذا أرخيت السّتور، و أوجفت الأبواب، فأمّا إذا لم ترخ السّتور، و لم تغلق الأبواب، و لم يجتمعا في بيت واحد، فالقول قول الرّجل على كلّ حال في أنّه لم يفض إليها، و لا يلزمه سوى نصف المهر المسمّى.

* * *

138

[25] مسألة في وكالة البكر التي ليس لها أب لرجل على تزويجها

مسألة: ما تقول في البكر التي ليس لها أب إذا حضر رجل يتوكّل لها على عقدة النكاح و معه شهود، و قالوا لها: قولي وكّلت فلانا على زواجي فتمنّعت من الكلام، فقيل لها: قد وكّلت فلانا على أن يزوّجك بفلان؟ قالت: نعم، يكون هذا كافيا؟

الجواب و باللّه التوفيق: قولها نعم إقرار منها.

* * *

139

[26] مسألة في تزويج الأخ الأكبر لأخته مع عدم وجود الأب له

مسألة: ما تقول في الصبيّة البالغة التي ليس لها أب بل لها إخوة، خطبها شخص من إخوتها و اتفق الحال مع أخيها الكبير على الزواج، و قال: قد استأذنتها لغير ذلك، و مضى إلى القاضي و عقد على الصبيّة، ثمّ اختلفوا هل هذا عقد صحيح أم لا؟ و الصبيّة تنكر و قالت: أنا ما قلت له.

الجواب و باللّه التوفيق: إذا رضيت بالعقد و أجازته، و قالت: أنا قلت له قد رضيت بالعقد بإذنه صح، و رضاها إجازة للعقد، لأنّه موقوف على رضاها، فإذا رضيت كان ماضيا، و إن فسخت كان مفسوخا.

* * *

140

[27] مسألة في الصوت و سماعه بعد الطرق ببرهة

مسألة: ما تقول في حديث الصوت، فإنّا نجده إذا كنّا على شطّ و كان من جانبه الآخر من يدقّ وتدا، أو قصّار فنرى أنّه بعد وقع المدقّة بأوقات يدرك الصوت و ليس هو كالصدى و عندهم أنّه يقدم في الوقت الثاني، و إنّما يدرك بحاسّة السّمع في محلّه.

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أصلحك اللّه إنّه يتموّج الصوت في الهواء كما إذا رمى بحجر في الماء يكون له موج و مدد، فما سمع فهو تصادم الصوت بالهواء و تموّجه، كذا ذكره المتكلّمون المحقّقون و هو عين الصواب (1).

* * *

____________

(1)- و هذا الّذي ذكره هو الصحيح الّذي أقرّته النظريات الحديثة، حيث ذكر الحركة الموجبة الميكانيكية، و هي التي أشار إليها بالتموّج، و ذكر الوسط المادي و هو الهواء.

141

[28] مسألة في الاكتفاء بشاهد واحد على صحّة الدين و الوصية و الوكالة

مسألة: هل يصحّ أن يكون بيّنة واحدة على صحّة الدّين و حلوله و بصحّة الوصيّة و الوكالة أم لا؟ و بفرض أنّه لم يتهيأ حضور البيّنة كملا، بل حضر رجل واحد و الآخر تعذّر عليه الحضور، أ يصحّ أن يشهد على شهادته رجلين عدلين أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يصحّ ذلك، و لا مانع يمنع منه بغير خلاف أعلم من أحد من الطائفة المعتدّ بأقوالهم و فتاويهم و تصانيفهم، فأمّا الشهادة على الشهادة فتجوز أيضا إذا تعذّر حضور شاهد الأصل.

* * *

142

[29] مسألة في الدلالة على عدد الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)

مسألة: ما تقول في الدلالة على عدد الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، و أنّهم لا يكونون أقلّ و لا أكثر؟

الجواب و باللّه التوفيق: أول دليل في ذلك إجماع الإمامية على معرفة أعيان الأئمّة، و وجوب ذلك لا يختلف أحد من فرقتنا فيه، فإنّه من جملة ألطافنا، فإنّه لا يمتنع أن يكون الباقي معرفتهم ألطاف، فمن طريق السّمع تجب معرفة من مضى من أئمتنا (عليهم السلام) علينا نحن، و من طريق العقل يجب علينا معرفة إمام زماننا الآن، و على ذلك أدلّة كثيرة بحمد اللّه لم يمكن إيرادها (1).

* * *

____________

(1)- الأدلّة على إمامة الاثني عشر إماما (عليهم السلام) كما أفاد كثيرة لا يسع إيرادها، و من الخير دلالة القارئ على بعض المصادر التي ضمّت تلك الأدلّة، و هي من الكتب المطبوعة: الاستنصار في النص على الأئمة الأطهار للكراجكي، و مقتضب الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر لابن عياش، و مناقب ابن شهرآشوب، و في موسوعة بحار الأنوار غنى عن جميع ذلك.

143

[30] مسألة في النيّة

مسألة: ما تقول في

قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «الأعمال بالنيّات»

(1) و «لكلّ امرئ ما نوى» (2) فإن نوى فعل خير و لم يفعله أ يكون له أجر؟ و إن نوى فعل شرّ و لم يفعله أ يكون عليه وزر أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: النيّات أفعال القلوب، فنيّة الطاعة يثاب عليها فاعلها و إن لم يفعل الطاعة، و نيّة القبيح قبيحة يعاقب عليها فاعلها و إن لم يفعل القبيح، و هذا شيء لا يحتاج إلى إقامة دليل لوضوحه و انكشافه (3).

* * *

____________

(1)- و هذا من الأحاديث المشهورة، رواه البخاري في صحيحه و هو أول حديث فيه، و رواه غيره كثيرون منهم أحمد، و مسلم، و أبو داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة و غيرهم كثيرون، و راجع في مصادرنا الوسائل 1: 48 ط مؤسسة آل البيت.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- من الغريب أن يقول المصنف هذا مع صحة ما ورد على خلافه و حسبنا رواية قرب الإسناد/ 6 «عن جعفر ابن محمد (عليه السلام) قال: لو كان النيّات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها، إذا لأخذ كل من نوى الزنا بالزنا، و كل من نوى السرقة بالسرقة، و كل من نوى القتل بالقتل. و لكن اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه، و لكنه يثيب على نيّات الخير أهلها و إضمارهم عليها، و لا يؤاخذ أهل الفسوق حتى يفعلوا» الحديث.

144

[31] مسألة: في ثواب زيارة الحسين (عليه السلام)

مسألة: ما تقول فيما قد ورد فيمن زار الحسين (عليه السلام) إنّ له كذا و كذا حجة و عمرة، بيّن كيف يكون تقدير هذا، و أيضا ما قد ورد فيمن صام أحد الأيّام المعلومة في السّنة أنّ له ثمانين شهرا أو أكثر؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي ورد في ذلك لا يحصى و لا يستقصى (1)، و هو الحق اليقين، و في مقدور اللّه عزّ و جلّ أكثر من ذلك، و أجمعت الفرقة على ثواب زائر الحسين (عليه السلام)، و على الأخبار الواردة في ذلك، و إجماعها حجة، و لا مانع يمنع من ذلك، و كذلك الصيام و فيه حثّ و ترغيب مع صحته عند اللّه.

* * *

____________

(1)- راجع كامل الزيارات لابن قولويه.

145

[32] مسألة فيمن حج و لم يكن واجبا عليه ثمّ أيسر هل يجب عليه الحج ثانيا

مسألة: ما تقول في إنسان لم يجب عليه حج، ثمّ إنّه حجّ و بعد ذلك أيسر، أ يلزمه الحجّ وجوبا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب عليه الحجّ بعد ذلك بغير خلاف، لأنّ وقت حجّه الأوّل لم يجب عليه، لأنّه ما حصل فيه شرائط الوجوب، فلمّا حصل فيه شرائط الوجوب بعد ذلك توجّه الخطاب إليه و التكليف بالحجّ، فحينئذ يجب عليه الحجّ ثانيا.

* * *

146

[33] مسألة في الجهر بالبسملة

مسألة: ما تقول فيما ورد من الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم فيما لا يجهر بالقراءة في الموضعين؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا قولك ورد هذا اللفظ، اعلم أنّه لفظ المصنّف (رحمه اللّه) (1)، و مقصوده و معنى كلامه في الموضعين يريد به الأوّلتين من صلاتي الظّهر و العصر فحسب، دون جميع ركعات الفريضتين، لأنّه لو كان ذلك مقصوده لما قال موضعين، بل كان يقول مواضع، و لأنّ القراءة لا تتعيّن إلّا في الركعتين الأولتين من الصّلاتين.

* * *

____________

(1)- لأنّ المراد به هو الشيخ الطوسي (رحمه اللّه تعالى)، فذلك لفظه في كتابه الجمل و العقود: 71 فراجع.

147

[34] مسألة في المستحاضة في شهر رمضان و لم تعمل بالوظيفة

مسألة: ما تقول إذا كانت المرأة مستحاضة في شهر رمضان، و لم تفعل ما تفعله المستحاضة و تركت الصلاة و الصّيام، أ يلزمها عن الصيام كفّارة؟ و هل يجب عليها قضاء الصلاة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم تعمل المستحاضة ما يجب عليها فعله من الوضوء و الاغتسال إن كان دمها ثقب كرسفها و تغيّر خرقتها، و الوضوء عند كلّ صلاة و صامت و صلّت على هذه الحال، فالواجب عليها قضاء صلاتها و صومها، و إن كانت أفطرت في النهار بشيء من المفطرات، فالواجب عليها مع القضاء الكفّارة للصّيام، فاعلم ذلك.

* * *

148

[35] مسألة في المواقعة في شهر رمضان مكرها للزوجة

مسألة: ما تقول في رجل غصب زوجته في شهر رمضان، و واقعها دفعة ثمّ واقعها دفعة أخرى، أ يلزمه كفّارتان أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اختلف أصحابنا في هذه المسألة على مذهبين، فمنهم من يوجب تكرار الكفّارة لكلّ دفعة كفّارة و يرجع إلى عموم الأخبار فيمن وطئ في نهار شهر رمضان يجب عليه الكفّارة بكلّ دفعة وطء، و منهم من لا يوجب التكرار في الكفّارة بتكرار الوطء، و على هذا القول أعتمد و به أفتي، لأنّ دليل الاحتياط يقتضيه (1).

* * *

____________

(1)- راجع الوسائل 10: 55- 56 باب 11 و 12.

149

[36] مسألة في خروج بنت وردان من البالوعة و نزولها في البئر هل ينجس أم لا

مسألة: ما تقول إذا صعد من البالوعة بنات وردان و نزل في البئر أ يفسدها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: بنات وردان لا يفسد الماء بوقوعها فيه و لا بموتها، سواء خرج من البالوعة أو الكنيف، و سواء كان الماء ماء البئر أو ماء غيره، لأنّه لا نفس له سائلة، و كلّ ما لا نفس له سائلة لا يفسد بموته الماء.

* * *

150

[37] مسألة في تعيين نيّة الصلاة و هل يلزم استحضار عنوان الفريضة أم لا

مسألة: ما تقول في المكلّف إذا كان ينوي في سائر أوقاته ظهرا أو عصرا أو عشاء أو مغرب، و لا يذكر فريضة ظهر و لا فريضة عصر هل يبطل بذلك صلاته أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا اعتقد وجوبها و عيّنها بقلبه و إن لم يقل بلسانه فلا بأس، و صلاته صحيحة شرعية، لأنّ النيّة هي اعتقاد القلب و فعله دون فعل اللسان، فاعلم ذلك.

* * *

151

[38] مسألة ما ذا الّذي يجزي في النيّة

مسألة: ما الّذي يجزي المكلّف من الإتيان بالنيّة و الصّلاة و الوضوء و من الجنابة، فقد سمعت أنّ من أتى فيها بشيء زائد يبطل النيّة، مثل أن ينوي أتوضّأ لرفع الحدث و استبيح الصلاة قربة إلى اللّه تعالى؟

الجواب و باللّه التوفيق: جواب هذه المسألة مستفاد من جواب المسألة المتقدّمة، لأنّه فرع عليها و جزء منها، فأمّا ما يوجد في الكتب مسطورا من تصنيف أصحابنا فإنّ ذلك كيفية النيّة، دون أن يكون هو تعيّن النيّة من قولهم أصلّي الظهر فريضة أداء قربة إلى اللّه، و قولهم: أغتسل لرفع الحدث قربة إلى اللّه تعالى، فذلك جميعه كيفيات للنيات، و ليس هو نيّات، و إنّما يقصد المكلّف أن يوقع فعله على هذه الكيفيات، فاعلم ذلك.

* * *

152

[39] مسألة في الخيارات

مسألة: إن سأل سائل فقال: المذهب مستقرّ في أنّ الخيارين للمشتري في الحيوان بمجرد العقد خيار المجلس و خيار الثلاث، فما يقال في رجل اشترى مملوكا فهل له ردّه على بائعه قبل أن يحدث فيه حدثا في مدّة الثلاثة أيّام؟ و كذلك له أن يردّه بكلّ عيب يظهر فيه في مدّة الثلاث؟ و هل له ردّه بعيب يظهر بعد الثلاث من قبل أن يحدث فيه حدثا أو يتصرّف فيه؟ و هل إن تصرّف فيه و وجد به عيبا بعد تصرّفه له أن يردّه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: جميع ما يظهر بالرّقيق من العيوب بعد الثلاث و قبل التصرّف لا يردّ منه إلّا ثلاثة عيوب: المرض و الجذام و الجنون، فإنّه يردّ من هذه الثلاث عيوب إذا وجدت فيه ما لم يمض سنة من وقت الشراء، فأمّا إن تصرّف فيه فلا يجوز له الردّ، و لم يبق فرق بين الثلاثة عيوب و غيرها من العيوب بعد التصرّف، بل له الأرش ما بين قيمته معيبا و صحيحا، و يسقطه الردّ.

فإن قيل: فما بقي فرق بين الثلاثة العيوب و غيرها، و الشيعة و الإمامية تفرّق بين ذلك، و يردّه من العيوب الثلاثة ما بين الشراء و بين سنة.

153

قلنا: الفرق بين العيوب ظاهر، و هو أنّ ما يظهر من العيوب بعد الثلاثة أيّام و قبل التصرّف لا يردّ به الرّقيق، لأنّه ظهر في ملك المشتري، و بعد تقضّي الثلاثة أيّام التي هي خياره، و لم يدلّ دليل على أنّها كانت فيه وقت الشراء و لا في مدّة الخيار التي هي الثلاثة أيّام.

فأمّا العيوب الثلاثة فإنّها متى ظهرت بعد الثلاثة أيّام، و إلى مدّة السنّة من وقت البيع، و قبل التّصرف في المبيع فإنّه يرد بها، لأنّ الدليل قد دلّ على أنّها كانت بالرّقيق وقت بيع صاحبه له، فلأجل ذلك ردّ بها، لأنّهم (عليهم السلام) قالوا:

أصول هذه الأمراض الثلاثة ما يظهر إلى سنة من وقت حصولها في بدن ابن آدم، فصار الفرق ظاهرا بينها و بين غيرها من العيوب من هذا الوجه.

و لئن خطر بالبال و قيل: الفرق بينها و بين غيرها من العيوب، هو أنّ غيرها بعد التصرّف ليس للمشتري الردّ، و العيوب الثلاثة له بعد التصرّف الردّ، فافترقت العيوب من هذا الوجه لا من الوجه الأوّل.

قيل له: هذا خلاف إجماع الأصحاب و مناف لأصول المذهب، لأنّ الإجماع حاصل على أنّ بعد التصرّف في المنع يسقطه الردّ، و أصل المذهب مبنيّ على هذا بغير خلاف في هذا الأصل و الحكم.

فإن قيل: فما بقي لاستثنائهم العيوب الثلاثة و أنّه يرد بها الرّقيق ما بين الشراء و بين سنة معنى و لا فائدة و لا وجه.

قلنا: الفائدة هو الوجه الّذي قلنا، الفائدة في الوجه الّذي قدّمنا، ليسلم

154

هذا الإجماع و الأصول المقرّرة، لأنّ الكلام في الردّ إلى سنة من ثلاثة عيوب مطلق، لم يذكر فيه تصرّف أو لم يتصرّف، و الشارع إذا خاطبنا بخطاب مطلق يجب علينا أن نحمله على إطلاقه، إلّا أن يكون له تقييد لغوي أو عرفي أو شرعي يرجع في إطلاقه إليه، لأنّ المطلق يحمل على المقيّد إذا كان الجنس واحدا و العين واحدة و الحكم واحد، كما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (1).

فإذا سئلنا عن دم السمك هل هو نجس أم طاهر؟ فجوابنا جميعا: أنّه طاهر، فإن استدلّ علينا بالآية المقدمّة التي أطلق الدّم فيها، و دم السمك دم بغير خلاف قلنا: فقد قال تعالى في الآية الأخرى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (2) فقيّده بالسّفح، و دم السّمك غير مسفوح، فيجب أن يحمل المطلق على المقيّد، لأنّه حكم واحد، و عين واحدة، و جنس واحد، فليتأمل ذلك و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

____________

(1)- المائدة: 3.

(2)- الأنعام: 145.