أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
155

[40] مسألة في لباس الحرير و الذهب و حرمتهما على الرجال

مسألة: كان قد أنعم و تفضّل السيدان الأجلان العالمان، النقيب فخر الدين جمال الإسلام سيّد الشرف ذو الحسبين محمّد بن المختار (1)، و السيّد الصالح شمس الدّين جلال الشرف أبو المعالي بن حيدر (2) العلويان الحسينيان،

____________

(1)- السيّد فخر الدين جمال الإسلام سيّد الشرف ذو الحسبين محمّد بن المختار، أحسبه منسوبا إلى جده الأعلى إذ لم أجد من اسمه محمّد بن المختار في العلويين، و على هذا فهو: فخر الدين أبو الحسين محمّد بن عميد الدين أبي جعفر محمّد بن أبي نزار عدنان بن المختار العلوي العبيدلي الكوفي النقيب، من البيت المعروف بالفضل و النبل، قال ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ق 3 ج 3 ص 366 تحالمرحوم الدكتور مصطفى جواد: قدم فخر الدين بغداد و صاهر بها الوزير شرف الدين عليّ بن طراد الزينبي على ابنته، سمع ببغداد حجة الإسلام ابن الخشاب، و قلده الناصر لدين اللّه النقابة في سابع ربيع الأوّل سنة ثلاث و ستمائة، و جلس له الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي، و كتب تقليده مكين الدين القمي، و كان النقيب حسن السيرة، و عزل عن النقابة في شعبان سنة سبع و ستمائة، و توفي ثالث عشر ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة و ستمائة عن إحدى و ثمانين سنة اه، و ذكر المرحوم مصطفى جواد في الهامش المصادر التي ورد ذكره فيها فراجع.

(2)- السيّد الصالح شمس الدين جلال الشرف أبو المعالي بن حيدر، هكذا ورد في المتن، و لم يذكر اسمه و لم يرفع نسبه، و أحتمل أن يكون هو أبو المعالي أحمد بن أبي المناقب حيدرة بن أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد، كما في المشجر الكشاف: 104، و هذا من معاصري ابن إدريس فليحقق.

156

أسبغ اللّه عليهما لطفه و رأفته، و أجزل لديهما أياديه و نعمته، و حضرا بزاويتنا، و ذكرت لبعض الطلبة مسألة تتعلّق بلبس الابريسم المحض و الذهب، و تفاوضنا في ذلك، و ذكرت أنّه لا خلاف بين المسلمين في تحريم لبسهما على الرجال خاصة، فأمّا النساء فذلك لهنّ حلال.

ثمّ قلت: نحن نتفرّد بأنّ الصّلاة في الابريسم المحض للرجال باطلة، و اللّبس محرّم، و المخالف لنا في المذهب مع موافقته على تحريم اللّبس يخالفنا في فساد الصلاة و يذهب إلى صحّتها، و الحال ما وصفناه و صوّرناه.

فالتفت السيّد فخر الدّين منعما بسؤاله، فقال لي: فما تقول في اتّخاذ أواني الذهب و استعمالها للنّساء، أ حلال لهنّ ذلك كما حلّ لهنّ التزيّن به و التحلّي؟

فقلت له: لا يحلّ لهنّ ذلك بل هو حرام محظور، و لا يجري ذلك في الإباحة مجرى إباحة الحلي لهنّ و لبسه و التزيّن به، فوافق حرس اللّه مهجته على ذلك كأنّه كان عنده مقرّرا معلوما.

فالتفتّ السيّد الأجل جلال الشرف حرس اللّه مهجته معترضا عليه، فقال: بل استعمال الأواني و اتخاذها من الذّهب للنساء يجري في الإباحة مجرى لبسه لهنّ و التحلّي به، و احتجّ على ذلك بالخبر الوارد عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: خرج النبيّ عليه و آله السلام يوما و بيمينه قطعة ذهب و بشماله قطعة حرير، فقال: انّ هذين حرام على ذكور أمتي، حل

157

لإناثها (1)، فأطلق تحليله للنّساء على كلّ حال، فمن ادّعى أنّه حلال لهنّ في اللّبس و التحلّي دون استعماله في الأواني لهنّ و اتخاذها لهنّ فعليه الدليل، لأنّ الخبر عامّ فمن خصّصه يحتاج إلى شرع وارد، و نصّ صادر من الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مثله.

فقال له السيّد النّقيب فخر الدين: أخصّصه بقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و نهيه عن استعمال آنية الذهب و الفضّة،

و هو أنّه (عليه السلام) قال: «من شرب في آنية الفضّة إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم»

(2) و هذا عام بقوله (من)، لأنّ هذه اللفظة لا خلاف في استغراقها و عمومها و شمولها للذّكران و الإناث.

فترادّا القول بينهما، و تناظرا على ذلك ساعة، حتى أخذ الكلام بينهما مأخذه، ثمّ افترقا حرس اللّه نعمتهما و كلّ منهما غير مسلّم إلى صاحبه ما قاله فاستحسنت ذلك، و كيف و أنا و هما الموادّ لهذا الشأن، و البحار التي لا تنفذ على طول الأزمان، و هم أسّه و معدنه و أصله و فرعه، و منهم يشعب شعبه، و عرف منبعه و غربه، فكانا حرس اللّه ظلّهما كأولاد يعقوب، و ما حكاه القديم جلّ جلاله في محكم التنزيل و هو قوله: هٰذِهِ بِضٰاعَتُنٰا رُدَّتْ إِلَيْنٰا (3) و كقوله تعالى: وَ كٰانُوا

____________

(1)- أخرج أحمد في مسنده 2: 185 تحشاكر عن عليّ يقول: انّ النبيّ صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم أخذ حريرا فجعله في يمينه، و أخذ ذهبا فجعله في شماله ثمّ قال: إنّ هذين حرام على ذكور أمتي.

أقول: و روي نحو ذلك من حديث ابن عباس و عمر، راجع مجمع الزوائد 5: 143 ط القدسي.

(2)- أخرجه البخاري في صحيحه في الأشربة، و مسلم في صحيحه في اللباس، و ابن ماجة في سننه في الأشربة، و مالك في الموطأ 2: 221 بشرح الحوالك، و أحمد في مسنده 6: 98 من حديث عائشة، و 6: 301 من حديث أم سلمة، و كذا في 302 و 304 و 306.

(3)- يوسف: 65.

158

أَحَقَّ بِهٰا وَ أَهْلَهٰا (1).

فهما أحقّ من اشتغل به، و واظب عليه، و حثّ على طلبه، و راعى أهله، و رأى لهم المنزلة على غيرهم، و الحرمة و المكان، و كفّ عنهم نوائب الزمان، و أهل الفسق و العصيان باليد و اللّسان.

نعود الآن إلى تحقيق السؤال، و تصحيح أحد القولين بواضح البيان، إذ الحق لا يكون في جهتين مختلفتين، ببرهان التبيان، و هو قوله جل عن حلول المكان: وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً (2) فنفى عنه الاختلاف، فتعيّن الحقّ في جهته بمفهوم عرف أهل اللسان.

أقول و باللّه توفيقي و عليه في تسديد قولي التكلان: إنّ اتّخاذ الأواني و الآلات من الذّهب و الفضّة و استعمالها محرّم محظور على النّساء كتحريمه على الرّجال، إذ النّهي من الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عام في جميع الأشياء، لسائر المكلّفين، على كلّ الأحوال، إلّا ما خرج بالدّليل القاهر من لبسه لهنّ و التحلّي به فحسب، و الّذي يدلّ على هذه الجملة وجوه شتّى لا تحصى و لا تستقصى.

فمن ذلك إجماع طائفتنا الّذي دلّت أدلّة العقول التي لا يدخلها الاحتمال على صحّته، لدخول قول معصوم في جملة، بلا خلاف بينها في ذلك، و لا ارتياب، بل إجماع المسلمين إلّا من شذّ منهم فإنّه غير معتدّ به، لأنّه معروف باسمه و نسبه

____________

(1)- الفتح: 26.

(2)- النساء: 82.

159

و هو غير معصوم بلا إشكال، فهو أقوى الأدلّة بعد البحث و الاعتبار.

و أيضا قوله عزّ و جلّ: وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* (1) و أيضا قوله جلّ قائلا: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ (2) و هذا خطاب من اللّه تعالى مشتمل عام للمكلّفين أجمع، إناثهم و ذكورهم بغير خلاف، و اتخاذ الذّهب آنية سرف و تبذير، و تعطيل للمال بغير ارتياب.

و أقوال أعيان أصحابنا الأئمّة المصنّفين قد سطروه في كتبهم و أودعوه تصانيفهم، و هم القدوة و ذوو الستر و الاعتبار، و حذّاق هذه الصناعة، و أهل التأمّل و الأنظار، و العارفون بالرجال الثقات الرّواة للأخبار و نقّاد الآثار.

فمن جملتهم: خرّيت هذا الفن، صاحب التصانيف الكثيرة، المجمع على فضله، و عناية الفقهاء من أصحابنا بكتبه أوفر من عنايتهم بغيرها، و هو الشيخ الصّدوق أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) قد أورد في كتابه المبسوط في الجزء الأوّل ما هذا حكايته حرفا فحرفا، في باب حكم الأواني و الظّروف إذا حصل فيها نجاسة:

أواني الذهب و الفضّة لا يجوز استعمالها في الأكل و الشرب و غير ذلك، و المفضّض لا يجوز أن يشرب أو يؤكل من الموضع المفضّض، و يستعمل غير ذلك الموضع، و كذلك لا يجوز الانتفاع بها في البخور و التطيّب و غير ذلك، لأنّ النّهي عن استعماله عام يجب حمله على عمومه، و من أكل أو شرب في آنية ذهب

____________

(1)- الأنعام: 141.

(2)- الإسراء: 27.

160

أو فضة، فإنّه يكون قد فعل محرّما، و لا يكون قد أكل محرّما إذا كان المأكول مباحا، لأنّ النّهي عن المأكول فيه لا يتعدّى إلى المأكول، و إن توضّأ منها أو اغتسل كان وضوؤه صحيحا.

و اتّخاذ الأواني من الذهب و الفضّة لا يجوز و إن لم يستعمل، لأنّ ذلك تضييع، و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن إضاعة المال، غير أنّه إذا فعل ذلك سقط عنه زكاته، لأنّ المصاغ و النقار و السبائك لا زكاة فيها على مذهب أكثر أصحابنا، و على مذهب كثير منهم لا تسقط، فأمّا الحليّ فلا بأس باستعمالها إذا كان حليّا مباحا، و تسقط عنها الزّكاة (1).

و قال في موضع آخر من الجزء المشار إليه في فصل زكاة الذهب و الفضة:

حلي النساء المباح مثل السّوار و الخلخال و التاج و القرط، فأمّا إذا اتخذت حليّ الرّجال مثل السيف و السّكين فإنّه حرام، و حكم الرجل كحكم المرأة سواء، و المفدّمة (2) و المرآة و الميل و المشط و المكحلة و غير ذلك، فكلّه حرام، لأنّه من الأواني و الآلات، غير أنّه لا يجب فيه الزكاة (3).

و قال هذا المصنّف (رحمه اللّه) في مسائل الخلاف في الجزء الأوّل في كتاب الزكاة:

____________

(1)- المبسوط 1: 13- 14.

(2)- المفدّمة واحدة المفدّمات و هي الأباريق و الدنان، و الفدّام و الفدام المصفاة تجعل على فم الإبريق ليصفّى به ما فيه. قطر المحيط 2: 1570- 1571 ط بيروت سنة 1869.

(3)- المبسوط 1: 212.

161

مسألة: أواني الذهب و الفضة محرّم اتخاذها و استعمالها غير أنّه لا يجب فيها الزكاة، و قال الشافعي: حرام استعمالها (قولا واحدا) و اتخاذها فيه قولان:

أحدهما محظور و الآخر مباح، و على كلّ حال يجب فيها الزكاة.

دليلنا ما قدّمناه من أنّ المصاغ لا يجب فيها الزكاة، و إنّما تجب في الدنانير و الدّراهم.

فأمّا الدّليل على حظر استعمالها ما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه نهى عن استعمال آنية الذّهب و الفضّة، و قال: «من شرب في آنية الفضّة إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» (1).

و ذكر هذا المصنّف أيضا في الجزء الثاني من المبسوط في كتاب الغصب عند ذكر من أتلف شيئا من الذهب فيه صنعة، هل يلزمه قيمة الصنعة مع الوزن مضافا أم لا؟:

فأمّا إن كان فيها صنعة لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يكون استعمالها مباحا أو محظورا، فأمّا إن كان استعمالها مباحا كحليّ النساء و حليّ الرجال مثل الخواتيم و المنطقة، و كان وزنها مائة و قيمتها لأجل الصنعة مائة و عشرون، نظرت، فإن كان غالب نقد البلد من غير جنسها قوّمت به، لأنّه لا ربا فيه، و إن كان غالب نقده من جنسها مثل إن كانت ذهبا و غالب نقده نصف قيمتها قيل فيه وجهان: أحدهما يقوّم بغير جنسه ليسلم من الرّبا، و الصحيح انّه يجوز، لأنّ

____________

(1)- الخلاف 1: 341، و ما بين القوسين زيادة في المصدر يقتضيها السياق و تقدم تخريج الحديث.

162

الوزن بحذاء الوزن، و الفضل في مقابلة الصّنعة، لأنّ للصّنعة لها قيمة غير أصل العين، بدليل أنّه يصحّ الاستيجار على تحصيلها، و لأنّه لو كسره إنسان فعادت قيمة إلى مائة، كان عليه أرش النّقص، فثبت بذلك أنّ الصنعة لها قيمة في المتلفات، و إن لم يكن لها قيمة في المعاوضات.

و إن كان استعمالها حراما و هي آنية الفضّة و الذهب، قيل فيه قولان:

أحدهما اتّخاذها مباح و المحرّم الاستعمال، و الثاني محظور لأنّها إنّما تتخذ للاستعمال، فمن قال اتّخاذها حرام و هو الصّحيح، قال تسقط الصنعة و كانت كالّتي لا صنعة فيها، و قد مضى (و من قال اتخاذها مباح كانت كالحلّي و قد مضى) (1) و ذكر هذا الشيخ أيضا في كتاب النهاية في باب الأطعمة المحظورة و المباحة:

و لا يجوز الأكل و الشرب في أواني الذهب و الفضّة، فإن كان هناك قدح مفضّض تجنّب موضع الفضّة منه عند الشرب، و لا بأس بما عدا الذهب و الفضّة من الأواني من صفر كان أو من نحاس (أو أيّ شيء كان) (2).

و ذكر الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان في كتابه المقنعة- و هذا كثير المحاسن، معتمد الأقوال و محقّقها-: و لا يؤكل في آنية الذهب و الفضّة، و لا يشرب فيها و إن كانت طاهرة، لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن ذلك و حذّر من

____________

(1)- المبسوط 3: 61 ط المكتبة المرتضوية، و ما بين القوسين من المصدر.

(2)- النهاية: 589، و ما بين القوسين زيادة من المصدر.

163

فعله بالنّار (1).

و ذكر هذا الشيخ أيضا في رسالته إلى ولده في باب الأواني و الأواعي و أحكام ما يحصره من المياه و غيرها: و الآنية من الذهب و الفضّة فإنّه لا يجوز استعمالها، و من أودعها شيئا لم يستعمله بها، و منها لا سيّما في المأكل و المشرب اللّذين بهما قوام أجسام البشر، فإنّه محرّم ذلك و مغلّظ فيه، و استعمالها في أداء المفترضات، و القرب إلى اللّه تعالى بالطاعات كالطّهارات للصلوات، و مسّ الطيب في الأعياد لإقامة سنن العبادات و ما أشبه ذلك، أغلظ في العصيان، و لا يجزي عن فرض لازم لتأكّد النهي عنه و الوعيد عليه.

و لو أنّ إنسانا أحرز في إناء من فضّة أو ذهب ماء لكان قد أتى مكروها، فإن نقله منه إلى إناء من خزف أو حديد أو صفر أو رصاص أو خشب أو جلد طاهر ذكّي، ثمّ استعمله في طهارته و قربه و عبادته لأجزأ عنه، و كذلك حكم ما سوى المياه ممّا ذكرناه، و لو استعمله به أو فيه كان الحكم في فساد استعماله و حظره كما وصفناه (2).

و ذكر الشيخ الفقيه محمّد بن عليّ بن بابويه استاذ الشيخ المفيد (رحمهما اللّه) في كتابه المسمّى بمن لا يحضره الفقيه، في باب الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضّة و غير ذلك من آداب الطّعام (3):

____________

(1)- المقنعة: 584 ط سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.

(2)- لم تحضرني من المصدر نسخته.

(3)- من لا يحضره الفقيه 3: 222.

164

روى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا ينبغي الشرب في آنية الذّهب و الفضّة

(1)

.

و روى أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تأكل في آنية ذهب و لا فضّة

(2)

.

و روى ثعلبة، عن بريد العجلي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كره الشرب في الفضّة و في القدح المفضّض، و كره أن يدهن من مدهن مفضّض، و المشط كذلك، فمن لم يجد بدّا من الشرب في القدح المفضّض عدل بفمه عن موضع الفضّة

(3)

، و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «آنية الذهب و الفضّة متاع الذين لا يوقنون»

(4)

.

و روى يونس بن يعقوب، عن يوسف أخيه أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) استسقى ماء فأتي بقدح من صفر فيه ماء، فقال له بعض جلسائه: إنّ عبّاد البصري يكره الشرب في الصّفر، قال: فاسأله أذهب هو أو فضة؟

(5)

.

و ذكر الشيخ عبد العزيز بن نحرير المعروف بالبرّاج (رحمه اللّه) في كتاب المهذّب في الجزء الأوّل: و أواني الذهب و الفضّة لا يجوز استعمالها في الماء، و لا في الطهارة و لا غيرها، فإن تطهّر المكلّف منها أو أكل منها أو شرب منها، كانت طهارته

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- نفس المصدر السابق.

(4)- نفس المصدر السابق.

(5)- نفس المصدر السابق.

165

صحيحة و لم يحرم المأكول و المشروب عليه، لأنّ الحظر إنّما تناول استعمالها، و ذلك لا يتعدّى إلى ما هو فيها، و الإناء المفضّض إذا كان فيه موضع غير مفضّض جاز الشرب من ذلك الموضع دون غيره من المفضّض (1).

و ذكر هذا الشيخ أيضا في هذا الكتاب في الجزء الرابع في باب أقسام الأطعمة و الأشربة: فأمّا ما ليس بحيوان ممّا تقدّم ذكره ثلاثة أضرب: محرّم، و مكروه، و مباح.

فأمّا المحرّم فهو السمايم القاتلة أجمع و النّجاسات كلّها، و كلّ طعام وقع فيه دم إلّا أن يكون يسيرا فيقع في قدر، فإنّه ينبغي أن يهراق ما فيها و يغسل اللّحم، و يعاد طبخه بغير ما كان معه من المرق أو غيره، و كلّ طعام أو دهن مائع وقع فيه شيء من ميتة ذوات الأنفس السائلة، أو وقع فيه وزغ أو عقرب، إلّا أن يكون جامدا فيلقي ما حول ذلك و يستعمل الباقي منه، و مواكلة الطعام مع الكفّار، و كلّ طعام مائع باشره كافر، أو جعل في إناء كان يستعمله كافر في طعام أو غيره من قبل أن يغسل، و كلّ طعام جعل في شيء من أواني الخمر قبل أن يغسل الإناء ثلاث مرّات و يجفّ بعد ذلك الغسل، و كلّ طعام في آنية و ذهب أو فضة حتى يزال من ذلك إلى غيره (2).

فأمّا ما ورد في ذلك من الأخبار عن الأئمّة الأطهار فكثير يبلغ حدّ

____________

(1)- المهذّب 1: 28 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

(2)- المهذّب 2: 429.

166

التّواتر، من جملة ذلك ما ذكرناه في أثناء أقوال المصنّفين المذكورين.

و من ذلك

ما ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في تهذيب الأحكام:

محمّد بن يعقوب، عن الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل في آنية الذهب و الفضّة»

(1)

.

عنه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن المعلّى ابن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه نهى عن آنية الذّهب و الفضّة

(2)

.

عنه عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل في آنية من فضّة و لا آنية مفضّضة»

(3)

.

عنه عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن بريد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كره الشرب في الفضّة و في القداح المفضّضة، و كذلك أن يدّهن في مدهن مفضّض و المشط كذلك

(4)

.

عنه عن عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن

____________

(1)- تهذيب الأحكام 9: 90، و الكافي 2: 156 ط حجرية.

(2)- نفس المصدر السابق. و أخرجه الصدوق في الفقيه 2: 222.

(3)- نفس المصدر السابق.

(4)- نفس المصدر السابق. و أخرجه الصدوق في الفقيه 2: 222.

167

عمرو بن أبي المقدام قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قد أتي بقدح من ماء فيه ضبّة من فضّة فرأيته ينزعها بأسنانه

(1)

.

عنه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: آنية الذهب و الفضّة متاع الذين لا يؤمنون

(2)

.

أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) عن آنية الذّهب و الفضّة فكرها، فقلت له: قد روي عن بعض أصحابنا أنّه كان لأبي الحسن (عليه السلام) مرآة ملبّسة، بالفضّة، فقال: لا و اللّه، إنّما كانت حلقة من فضّة هي عندي، ثمّ قال: إنّ العباس حين عذر عمل له قضيب ملبّس من فضة من نحو ما يعمل للصّبيان يكون فضّة نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن فكسر

(3)

.

الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الشرب في القدح فيه ضبّة فضّة قال: لا بأس، إلّا أن يكره الفضّة فينزعها

(4)

.

____________

(1)- التهذيب 9: 91، الكافي 2: 156 ط حجرية، الفقيه 3: 222.

(2)- نفس المصدر السابق، الكافي 2: 156 ط حجرية.

(3)- نفس المصدر السابق، الكافي 2: 156.

(4)- نفس المصدر السابق.

168

عنه عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس أن يشرب الرّجل في القدح المفضّض، و اعزل فمك عن موضع الفضّة

(1)

.

عنه عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن يوسف بن يعقوب أخيه أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) استسقى ماء، فأتي بقدح من صفر فيه ماء، فقال بعض جلسائه: إنّ عبّاد البصري يكره الشرب في الصّفر، فقال: سله أذهب هو أو فضّة؟

(2)

.

و ذكر مصنف و راو من أصحابنا المصنّفين المتقدّمين ممّن لقي الصادق (عليه السلام) و صنّف في أيّامه، و هو إسماعيل بن أبي زياد السّكوني، و يعرف أيضا بالشعيري في كتاب له:

إسماعيل، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

آنية الذّهب و الفضّة متاع الذين لا يوقنون.

و أورد الشيخ أبو جعفر (رحمه اللّه) في مسائل الخلاف أيضا أخبارا من جملتها روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تأكل في آنية من فضّة و لا في آنية مفضّضة

(3)

.

و روى ابن محبوب عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- التهذيب 9: 92، و أخرجه الصدوق في الفقيه 3: 222.

(3)- و تخريج الأحاديث عن التهذيب و غيره فراجع.

169

أبي جعفر (عليه السلام) انّه نهى عن آنية الذّهب و الفضّة

(1)

.

و روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه نهى عن استعمال أواني الذهب و الفضّة.

و لو استقصينا ما ورد في هذا المعنى من الأخبار لطال الخطاب، و أدّى إلى الإسهاب، و فيما أوردناه كفاية و مقنع لذوي الألباب، ألا ترى أرشدك اللّه تصنيف المصنّفين من أصحابنا، فإنّ هؤلاء المذكورين أعيان أصحابنا، و رؤساء طائفتنا، و أهل النظر و الاعتبار، و هم القدوة و عليهم المعوّل، و إليهم المرجع، بأنّ مسطورهم متّفق في المعنى و اللّفظ من غير اختلاف بينهم في ذلك، فهذا منهم إجماع و اتفاق على ما مضى شرحه من إجماع الطائفة على ذلك بغير خلاف.

و أيضا فدليل الاحتياط يحكم بذلك و يقضي به، لأنّه لا خلاف بين الأمّة أنّ من لم يستعمل آنية الذّهب و لا يتّخذها، ذكرا كان أو أنثى، و استعمل غيره في مطعوماته و عباداته بأنّ ذمّته بريئة من الإثم و العقاب، و من اتّخذها و استعملها من النّساء فيه الخلاف، و الاحتياط حينئذ مع من قطع و تيقّن براءة ذمّته في تركها، فليتأمّل ذلك بعين التدبّر و الإنصاف، فإنّه واضح بحمد اللّه و منّه.

فأمّا الخبر الّذي دخلت به الشّبهة، و هو ما أوردناه من قوله (عليه السلام): «هذان حرام على ذكور أمّتي حل لإناثها» فإنّه لا يمكن الاستدلال به و التمسّك بمعناه في العموم و الاستغراق.

و ذاك أنّه لا بدّ للمستدلّ به من تخصيصه، فإذا خصّصه و هو المستدلّ

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

170

بعمومه سقط تمسّكه، و كان قابضا على الماء، لأنّ لخصمه أن يخصّصه فيما هو أولى بتخصيصه منه، فخرج استدلاله حينئذ بالعموم في الخبر، و ذاك أنّ قوله (عليه السلام):

«حرام على ذكور أمتي» ليس هو عاما عند المسلمين أجمع، لأنّه لو كان عاما لحرم على الذكور بيع الذّهب و الحرير، و عملهما و هبتهما و التصرّف فيهما على جميع الأحوال، فإذا عمومه باطل، و إذا بطل العموم و صار خصوصا صحّ ما قلناه، لأنّ عند المتكلّمين في أصول الفقه، أنّه إذا استدلّ الخصم بعموم حتى أراه خصمه أنّه لا بدّ من تخصيصه، فقد بطل استدلاله به بغير خلاف في هذه الطريقة.

و قد ذكرها السيّد المرتضى قدس اللّه روحه و كررها في الانتصار (1)، لما استدلّ بأنّ الزكاة عندنا لا تجب إلّا في التسعة الأشياء، فاعترض عليه أبو حنيفة (2) تجب أيضا فيما عداها في أموال التّجارات و الزّراعات بدليل قوله عزّ و جلّ: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً و هذا عموم فيجب أن تؤخذ من جميع الأموال، فتدخل في العموم ما عدا التسعة الأشياء لأنّها تسمّى مالا.

فقال له السيّد المرتضى قدس اللّه روحه: إنّا نقول: إنّ مال التّجارة إذا نقص عن النصاب يجب فيه الزكاة، فأجابه ب: لا، فقال له السيّد: فإذن قد خصّصت الآية بمال يبلغ النصاب، فإذا ساغ لك التّخصيص للآية ساغ لي مثله من

____________

(1)- راجع الانتصار: 79.

(2)- المراد من يقول بقول أبي حنيفة من الأحناف، و إلّا فليس يخفى على المؤلّف أنّ بين الشريف المرتضى (قدّس سرّه) و بين أبي حنيفة من فاصل الزمان قرابة ثلاثة قرون.

171

تخصيصها بالأجناس التّسعة لأنّك أنت المستدلّ بذلك، فأفلج حجّته بهذا الاستدلال.

و أيضا فلو كان الخبر المتعلّق به عاما في تحليله في أيّ شيء كان لهنّ، آنية أو غيرها فهو مجمل، و قد وردت الأخبار ببيانه و تخصيص عمومه فهي مفسّرة له مبيّنة، و هي قولهم (عليهم السلام) و إجماع الأمة على تحليل لبسه و التزيّن به و التحلّي لهنّ، فخصّص بهذه الأدلّة الخبر العام، و بقيت أخبار النهي عن اتّخاذ الآنية و استعمالها على عمومها، لأنّ عند المتكلّمين في أصول الفقه: الخاص يقضي على العامّ، و العمل به أولى به في الدّين، لأنّ العمل بالعام يرفع حكم الخاصّ من كلّ وجوهه، و الخاصّ لا يرفع حكم العام من كلّ وجوهه.

و أيضا عندهم المجمل من الآيات و الأخبار يقضي عليها البيان و التفسير، لأنّ العمل بالمفسّر أولى من المجمل بغير خلاف بينهم، مثاله قوله (عليه السلام): «في الرقة ربع العشر» (1) فكان على هذا اللفظ يلزمه الزكاة في حبّة فضّة (مجلصر) (2) الأواقي، و هو

قوله (عليه السلام): «ليس في دون خمس أواق زكاة»

فاعلم ذلك و تدبّره.

* * *

____________

(1)- سنن البيهقي 4: 134، و مستدرك الوسائل 7: 77 برقم: 7690 نقلا عن عوالي اللئالي، و الرقة: الدراهم ... الفضّة و الدراهم المضروبة منها. لسان العرب 10: 375.

(2)- لم نتبين معناها و لعلّها (فخلصوا) و بها يستقيم المعنى.

172

[41] مسألة في موارد سجود السهو (1)

مسألة: كان في بعض الأوقات قد أنعم سيّدنا الأجل، السيّد الأوحد العالم، فريد عصره و وحيد دهره، لسان العرب و حجّة الأدب، مهذب الدّين و عون المؤمنين أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ الحلّي الكاتب النحوي (2)، أسبغ اللّه

____________

(1)- أشار إليها في السرائر.

(2)- محمّد بن عليّ الكاتب النحوي لم أقف على ترجمته في المصادر الشيعية، و أحسبه هو الّذي ذكره ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ج 4 ق 3: 347 تحالمرحوم الدكتور مصطفى جواد: فخر الدين أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ بن الدهان العراقي الكاتب الحاسب، و ذكر شيئا من كلامه، فعلّق المحقق في الهامش بما أفاد أنّه كان من أهل بغداد، و كان ذا فضل و معرفة بالأدب و الفرائض و الحساب و شيء من العلوم الرياضيّة، و صنّف في الفرائض كتابا سمّاه (تقويم المسائل الخلافية) ألّفه سنة 563 هثمّ ذكر أسفاره إلى أن قال: و عاد إلى العراق فتوفي بالحلة سنة 590 هثمّ ذكر مصادر ترجمته و منها الروضتين لأبي شامة، و لدى مراجعته وجدت الرجل يذكره في وفيات سنة 592 هو قال: كانت وفاته بالحلة السيفية، و كان قدم الشام و مدح الشيخ تاج الدين الكندي و اسمه زيد بن الحسن (رحمهما اللّه تعالى) بأبيات حسنة فقال:

لا بدّل اللّه حالا قد حباك بها * * * ما دار بين النحاة الحال و البدل

النحو أنت أحق العالمين به * * * أ ليس باسمك فيه يضرب المثل

تراجم رجال القرنين السادس و السابع المعروف بالذيل على الروضتين لأبي شامة 9 ط 1 سنة 1366 بمصر.

173

أياديه، و قوّى للخيرات دواعيه، بمحمّد و آله، و حضر في زاويتنا و أنا أذكر لبعض الطّلبة شيئا فيما يوجب سجدتي السّهو، و استعادني المنعم المذكور ما ذكرته، و أمر بسطره فامتثلت أوامره، موجبا لحقّه، منقادا لرقّه، و أثبت هذه الكلمات في هذه الوريقات، و ها هي:

قال محمّد بن إدريس: اختلف أصحابنا فيما يوجب سجدتي السّهو، فذهب بعضهم إلى أنّها أربع (1) مواضع، و قال آخرون منهم: في خمس 2 مواضع، و قال الباقون الأكثرون المحقّقون، الباحثون عن مآخذ الشريعة، و روّاض الصّعبة المنيعة، في ستّ 3 مواضع، و به أفتي و عليه أعتمد، لما فيه من الاحتياط، لأنّ العبادات يجب أن يحتاط لها و لا يحتاط عليها:

1- من سها عن سجدة من السّجدتين ثمّ ذكرها بعد الركوع في الثّانية، فعليه أن يمضي في صلاته، فإذا سلّم قضى تلك السّجدة، و سجد بعدها سجدتي السهو، و قد روي في هذا الموضع أن يقضي السّجدة، و ليس عليه سجدتا السّهو و الاعتماد على الأوّل.

2- و من نسي التشهّد الأوّل ثمّ ذكره بعد الركوع في الثالثة، فعليه أن يمضي في صلاته، فإذا سلّم قضاه بعد التسليم، ثمّ سجد سجدتي السّهو.

3- و من تكلّم في صلاته ساهيا بما لا يجوز مثله في الصّلاة فعليه سجدتا السّهو.

4- و من سلّم في غير موضع التسليم ساهيا، فعليه سجدتا السّهو.

____________

(1) 1 و 2 و 3- الصواب: أربعة، خمسة، ستة، فيما أشرنا إليه.

174

5- و من قعد في حال قيام، أو قام في حال قعود، فعليه سجدتا السّهو.

6- و من سها فلم يدر أربعا صلّى أم خمسا و تساوت ظنونه في ذلك، فعليه أيضا سجدتا السّهو.

فهذه ستة مواضع و هما سجدتان بغير ركوع، و لا قراءة، و لا تكبير الافتتاح، يقول في كلّ واحدة منها: (بسم اللّه و باللّه اللّهمّ صلّ على محمد و آل محمّد) و إن شاء قال مكان ذلك: (بسم اللّه و باللّه السّلام عليك أيّها النبيّ و (رحمه اللّه)) و بالجميع وردت الرواية، ثمّ يرفع رأسه و يتشهّد على طريق الوجوب تشهدا خفيفا، أقلّ ما يجزيه أربعة فصول: الإقرار للّه بالوحدانية، و الإقرار لمحمّد بالرّسالة، و الصلاة على محمّد، و الصلاة على آله.

كيفيّة ذلك أن يقول: (أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، اللهمّ صلّ على محمّد و آله و سلّم).

و اختلفوا فيهما هل يكونان قبل التّسليم و الخروج من الصلاة أو بعده؟

فذهب فريق من أصحابنا إلى أنّهما إن كانتا لنقصان في الصّلاة، فإنّهما يكونان قبل التّسليم و الخروج من الصّلاة، و إن كانتا لزيادة في الصّلاة، فإنّهما يكونان بعد التّسليم و الخروج من الصّلاة.

و ذهب الفريق الآخر و هم المحقّقون إلى أنّهما بعد التّسليم و الخروج من الصّلاة سواء كانتا لنقصان في الصّلاة أو زيادة فيهما، و على هذا أعتمد، لأنّ العمل بين الطائفة عليه.

175

و اختلفوا أيضا في تسميتهما فبعض منهم يقول: ما يوجب الاحتياط، و يعدّد تلك المواضع، و بعض منهم يقول: ما يوجب الجبران كيت و كيت، و يعدّد المواضع التي مضى ذكرها و شرطها، و الأولى هذا القول الأخير، لأنّ الاحتياط عندهم جميعا يجب في مواضع لا يقطعون على الإخلال به، فيحتاطون لذلك بركعة أو ركعتين إمّا من قيام أو جلوس، أو ثلاث ركعات في موضع واحد فحسب، و تكبيرتي إحرام.

و فرق آخر: و هو أنّ ما يوجب الاحتياط بالركعة المقدّم ذكرها يحتاج إلى تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود و القراءة أو بدل القراءة و هو التسبيح، و ليس كذلك سجدتا السّهو، و أيضا فسجدتا السّهو لا يكونان إلّا في مواضع قد تحقّقها الإنسان المصلّي، و علمها و تيقّنها بعد الإخلال و الانتقال عن مواضعها و أحوالها، فكيف يقال احتاط، بل يقال: أجبر ما أخللت به، أو ارتكبته ساهيا، ثمّ تيقّنه و تحقّقه بعد انفصال حاله و يقضيه.

فإن اعترض على هذا فيمن شكّ بين الأربع و الخمس.

قلنا: هذا أيضا قاطع متيقّن الأربع غير أنّه شاكّ في الخمس، فاليقين أيضا حاصل له، إلّا أنّه تعبّد في هذه الحال أن يسجد سجدتي السّهو، فتحقق بذلك أجمع أن يقال ما يوجب الجبران أولى و أظهر في التّسمية.

و من شرطها أيضا الطّهارة، و استقبال القبلة، و السّجود على ما يجوز السّجود عليه، و على السّبعة الأعظم، لأنّهما ممّا يتعلّق بالصّلاة و تابع لها و من

176

متعلقاتها، فليراجع جميع ذلك ففيه الاحتياط و اليقين لبراءة الذمّة.

و يستحب لساجدهما أن يبتدئ بالتّكبير أوّلا إذا أراد أن يسجدهما، على طريق الاستحباب يكون التكبير لا على طريق الفرض و الإيجاب.

و سجدة التّلاوة التي هي سجدة إحدى العزائم الأربع، المستحبّ أن لا يبتدئ بالتّكبير عند فعلها، بل المستحبّ أن يرفع رأسه فيها بالتكبير، فهذا الفرق بينهما و بين سجدة العزائم.

* * *

177

[42] مسألة في واجد المني في ثوبه و لم يعلم متى هو

مسألة: ما تقول في الرجل إذا وجد في ثوبه جنابة، فهل يلزمه قضاء الصلاة من يوم اغتسل أو من يوم وجدها؟

الجواب و باللّه التوفيق: قد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له- و هو الشيخ أبو جعفر الطوسي رضي اللّه عنه في مبسوطه-: إلى أنّه إذا كان الثوب لا يشاركه فيه غيره، فإنّه يجب عليه الغسل و إعادة صلاته من آخر غسل اغتسل لرفع حدث (1).

____________

(1)- في المبسوط 1: 28: و إذا وجد الرجل في ثوبه منيّا و لم يذكر وقت خروجه منه، فإن كان ذلك الثوب يلبسه هو و غيره فلا يجب عليه الغسل، و يستحب له أن يغتسل احتياطا، و إن كان لا يستعمله غيره وجب عليه الغسل لأنّه يتحقّق خروجه منه، و ينبغي أن نقول: إنّه يستحب له أن يغتسل و يعيد كلّ صلاة صلاها من أول نومة نامها في ذلك الثوب، و الواجب أن يغتسل و يعيد كلّ صلاة صلاها من آخر نومة نامها فيه ... و لو قلنا: انّه لا يجب عليه إعادة شيء من الصلوات كان قويا، و هو الّذي أعمل به ....

أقول: ما ذكره الشيخ ابن إدريس (رحمه اللّه) نقلا عن الشيخ الطوسي في المبسوط فيه تسامح و خلط بين الحكمين، ففي إيجاب الغسل عليه كما حكاه فهو صحيح، و في وجوب إعادة كلّ صلاته من آخر غسل اغتسل لرفع الحدث، ليس كذلك، و قد مرّت عليك عبارة الشيخ بأنّه يستحب له-

178

و الّذي أذهب إليه و أفتي به و أعتمده في هذا: أنّه لا يجب عليه إعادة الصّلوات الواقعة ما بين الغسلين و الاحتلامين، لأنّ الإعادة تحتاج إلى دليل قاطع، و هو مجوّز أن يكون هذه الجنابة من نومه فيه هذه الليلة، و مجوّز من ليال قبلها، و الصّلوات التي صلاهنّ متيقّنات، و قد وقعن شرعيات، فلا يترك المتيقّن للمشكوك فيه، بل يجب عليه إعادة صلاته التي انتبه و صلّاها فحسب.

و في الأخبار ما يدلّ على ذلك،

و قد أورده المذكور في استبصاره عن زرعة، عن سماعة قال: سألته (عليه السلام) عن الرّجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه أنّه قد احتلم، قال: فليغتسل و ليغسل ثوبه و ليعد صلاته

(1)

.

و ما قال يعيد صلاته من آخر غسل اغتسل،

و قالوا (عليهم السلام): «اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه»

(2) و لم يرد بإعادة الصّلاة إلّا هذا الخبر فحسب، ثمّ قد عملنا بمتضمّنه إذا عملنا بأخبار الآحاد و أحسنّا الظنّ براويه، فكيف و هو فطحيّ المذهب؟!

ثمّ إنّ السيّد المرتضى رضي اللّه عنه قد ذكر المسألة في مسائل خلافه (3)، و لم يتعرّض لإعادة الصلاة جملة.

____________

- ذلك من أول نومة قد نامها في ذلك الثوب، و الواجب أن يغتسل و يعيد كلّ صلاة صلاها من آخر نومة نامها فيه ... ثمّ قال: و لو قلنا انّه لا يجب إعادة شيء من الصلوات كان قويا، و هو الّذي أعمل به، فلاحظ.

(1)- الاستبصار 1: 111 و الموجود فيه: و يعيد صلاته.

(2)- ورد بلفظ: «اسكتوا عنّي ما سكت عنكم» كما في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف.

(3)- لم أقف عليها في كتابه الانتصار في مظان وجودها فليراجع.

179

ثمّ إنّ الشيخ أبا جعفر قال ذلك على سبيل الاحتياط و ما أورد دليلا غيره و لا ادعى إجماعا، ثمّ يمكن أن يعمل بما ذهب إليه (رحمه اللّه) على بعض الوجوه، و هو إذا لبس ثوبا جديدا و نام فيه ليلة، ثمّ نزعه و لبس غيره و نام في غيره ليالي، ثمّ بعد ذلك وجد المني في ذلك الثوب الأوّل المنزوع، فإنّه يجب عليه حينئذ إعادة الصّلوات من وقت نزعه الأوّل إلى وقت وجوده فيه إذا لم يكن قد اغتسل قبل لبسه الأوّل بلحظة.

فيجب عليه في هذه المسألة و الصورة إعادة الصّلوات التي وقعت بين الغسلين، و قد عملنا بقوله على ما يرى على بعض الوجوه، هذا إذا قلّدناه في المسألة، و نعوذ باللّه من التقليد للرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (1) فكيف للمذكور، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

____________

(1)- إذا كان التقليد بمعنى المتابعة و الالتزام بتصديق أقوال المقلّد، فلا شك في أنّ كلّ مسلم متبع غير مبتدع هو مقلّد للرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و لعلّ ما جرى به قلم المصنّف من نزوات القلم.

180

[43] مسألة في حربة لرجل قعد و تركها فأخذها آخر و رمى بها آخر فقتله

مسألة: ما تقول في رجل كانت معه حربة فتركها و قعد، فجاز واحد فشمر (1) بتلك الحربة فوقعت في رجل فقتله؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كانت الحربة مغروزة لا في طريق المسلمين، بل في ملك الغارز لها، أو في الأرض البراح المباحة التي ليست طريقا، فدم المقتول بها هدر، و إن كانت في طريق المسلمين فيجب دية المقتول على غارزها و لا يجب عليه القود، و يكون الدية في ماله دون عاقلته، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

____________

(1)- من الغريب استعمال المصنّف ل(شمر) بمعنى ضرب.

181

[44] مسألة في رجلين شريكين في صنعة الحدادة فيطفر الحديد فيقتل صاحبه

مسألة: ما تقول في رجلين شريكين في صنعة و هي حدادة، ثمّ إنّ أحدهما قاعد على السّندان و الآخر يضرب على الحديد، ثمّ ينتفض الحديد من بينهما من اللازم و الضارب، فوقع في صاحب الحديد الّذي هو قاعد ينتظره حتى يفرغ فقتله؟

الجواب و باللّه التوفيق: دية المقتول هاهنا على الضارب للحديد يلزم عاقلته، لأنّ هذا قتل الخطأ المحض و لا يجب عليه القود و لا الدية في ماله، بل هي على عاقلته، و هم أعمامه و إخوته و بنو أعمامه، و يدخل معهم الولد و الوالد، و لا يجب على اللازم للحديد شيء جملة كافية، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

182

[45] مسألة في بيع أم الولد و قد اشتريت يوم كانت جارية بالذمة

مسألة: ما تقول في رجل اشترى جارية إلى أجل معلوم ثمّ إنّ الرجل الّذي اشتراها وطئها فجاءت بولد، ثمّ حلّ أجل الثمن فقال له: أعطني ما لي في ذمّتك، ثمّ إنّ الرجل أعسر و لم يقدر على ثمنها، فهل يجوز له بيعها أم لا؟ مع أنّ أمهات الأولاد لا يجوز بيعهنّ، و كيف يكون حال الولد إذا لم يمكن انفصاله من أمّه؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا جعل ثمنها دينا عليه، و حلّ الدين عليه، و له ما يوفيه من غير الجارية من الأموال، فإنّه يجبر على توفيته من ذلك المال، و لا يجوز الرّجوع في رقيّتها عند هذه الحالة، لأنّ أمهات الأولاد عندنا لا يبعن إلّا في ثمن رقبتهنّ، إذا لم يملك مولاها غيرها من الأموال.

فأمّا إذا لم يملك غيرها و أفلس بالثمن، فإنّ البائع يرجع في رقبتها دون حملها، لأنّ صاحب السّلعة المبتاعة إذا وجدها، و كان المشتري قد أفلس بثمنها، فإنّه يرجع في عينها فحسب، دون نمائها المنفصل، و الولد من النّماء المنفصل دون المتّصل، فإنّ المتّصل يرجع به البائع و يبيعها أيضا، و المتّصل مثل الكبر و أجزاء السّمن، فأمّا الولد فهو نماء منفصل فلا يبيعها فليتأمّل ذلك.

* * *

183

[46] مسألة في المتمم كرا للماء المطلق القليل بإضافة الماء المضاف

مسألة: ما تقول في الماء إذا كان أقلّ من كرّ و كان نجسا، ثمّ أضيف إليه ماء مضاف حتى بلغ كرا، و نفرض أنّه كان طاهرا و كان أيضا أقلّ من كرّ، ثمّ أضيف إليه من الماء المذكور حتى بلغ كرا، يجوز استعمال ذلك الماء مع العلم بحصول النجاسة فيه على الوجهين معا؟ أم على أحدهما؟ أم لا يجوز استعماله أصلا؟

الجواب و باللّه التوفيق: عن السّؤال الأوّل فأقول: إنّ هذا الماء المشار إليه لا يطهر على جميع تقسيماته المصوّرة، فإن اختلج في خاطره أنّ هذا ماء قد بلغ كرا فيجب أن يحكم بطهارته، و المزيل لهذا الخاطر أنّه غير مسلّم أنّ هذا ماء بلغ كرا.

و أمّا قولك هذا ما ينطلق عليه الماء المطلق غير المضاف، فلا نسلّم لك اعتباره و لا تسميته، بل هذا ماء مضاف فلم نسلم إطلاقه و تسميته بالمائية المطلقة، فليتأمّل ذلك.

* * *

184

[47] مسألة في القهقهة في الصلاة

مسألة من قهقه في الصلاة ناسيا أو جهلا منه، أنّ ذلك مفسد للصّلاة ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان ذلك ناسيا فلا إعادة عليه و لا جبران أيضا بسجدتي السّهو، لأنّ هذا ليس بكلام، فحمله على الكلام قياس، و مذهبنا ترك القياس، فأمّا إن كان في هذا لا ناسيا و قد تعمّد ذلك فتجب عليه إعادة صلاته، لأنّ العموم يقتضي ذلك، و هو من قهقه في صلاته متعمّدا يجب عليه إعادتها، و هذا علم شائع و لم يعذر اللّه أحدا في الجهل.

* * *

185

[48] مسألة: إذا كان حدّ التواتر في السّهو ثلاث دفعات

مسألة: إذا كان حدّ التواتر في السّهو ثلاث دفعات و ما يأتي بعد ذلك فلا حكم له، فما تقول حرسك اللّه في ذلك؟ أعني ما لا حكم له أ يكون ممّا يؤدّي إلى بطلان الصّلاة؟ أم تشتمل على كلّ ما يعترض من أحكام السّهو؟

الجواب و باللّه التوفيق: حدّ كثرة السّهو إذا حصلت للمكلّف فإنّه لا يلتفت معها، و سواء كان ذلك فيما يجب منه إعادة الصّلاة من الأركان و غيرها، فرائضها و سننها، فاعلم ذلك.

* * *

186

[49] مسألة في تفسير قول الشيخ الطوسي في باب السهو و تحديد معنى الظن

مسألة: ما تقول في قول الشيخ (رحمه اللّه) في جمله (1) باب السّهو حيث يقول:

و إنّما الحكم لما يتساوى فيه الظّنون أو الشكّ المحض لمتساوي الظنون معلوم، و هو أن لا يترجّح أحد الطرفين على الآخر، فما معنى قوله الشّك المحض؟

الجواب و باللّه التوفيق: حدّ الظنّ عند المحقّقين غير حدّ الشّك، فحدّ الظنّ عند أبي الحسين البصري (2): و هو تغليب بالقلب لأحد المجوّزين ظاهر التّجويز، و حدّ الشّك هو خطور الشيء بالبال من غير ترجيح لنفيه أو ثبوته.

فقول الشيخ أبي جعفر (رحمه اللّه) في جمله: ما يتساوى فيه الظنون أو الشكّ

____________

(1)- الجمل و العقود: 76.

(2)- هو محمّد بن عليّ الطيب أحد أئمّة المعتزلة، توفي سنة 436، ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد و قال:

له تصانيف و شهرة بالذكاء و الديانة على بدعته. من كتبه المعتمد في أصول الفقه و شرح الأصول الخمسة و غيرها، ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 3: 100، و ابن خلكان في وفيات الأعيان، و السمعاني في الأنساب، و ابن الجوزي في المنتظم، و الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 106، و ابن حجر في لسان الميزان 5: 298 و غيرهم.

187

المحض فيه تسامح و تساهل، لأنّ الظّنون إذا تساوت في الشيء و لم يترجّح فهذا حقيقة الشكّ على ما مضى حدّه، بل لا يمتنع أن يختلف اللفظ و إن كان المعنى واحدا كما قالوا و ورد في أدعيتنا عن أئمّتنا (عليهم السلام): «إيمانا بك و تصديقا بكتابك» و الإيمان هو التّصديق، و التّصديق هو الإيمان، كما قال الشاعر (1):

هند أتى من دونها النأي و البعد

و البعد هو النأي، و النأي هو البعد، و كما قال آخر (2):

أقوى و أقفر بعد أم الهيثم

و هذا كثير جدا فاعلم ذلك، و يمكن أن يقال: إذا كان الحدّان مختلفين فهذا غير هذا، و هو أنّ المحض (الشك) غير تساوي الظّنون، فهما مسألتان و قولان و إن كان حكمهما في الفقه واحدا، و هو أنّ هاهنا ظنونا غير أنّها متساوية، و في المسألة الأخرى شكا محضا، فعلى هذا قول المصنّف حقّ يقين لا تسامح فيه و لا تساهل.

* * *

____________

(1)- هو الحطيئة، و البيت من قصيدة يمدح بها بني سعد، يقول في ثاني أبياتها:

ألا حبّذا هند و أرض بها هند * * * و هند أتى من دونها النأي و البعد

راجع ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت و السكري و السجستاني، تحقيق نعمان أمين طه ط تراث العرب: 5 بمصر.

(2)- لم أقف عليه فعلا.

188

[50] مسألة فيمن اشترى بمال غير مخمّس غنما ... الخ

مسألة: من ملك عشرين دينارا، ثمّ اشترى بها غنما و هي غير مخمّسة، و لم يكن شراؤه لها للتّجارة، و إنّما اشتراها ليقتنيها و يستولدها و يحملها، و ما أشبه ذلك، أ يجب عليه الخمس في نمائها؟ أم في عين المال الّذي اشتراها به؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عليه في الثمن الّذي اشترى به فحسب، لأنّه لمّا شرع في الشّراء به صار ضامنا للحقّ الّذي فيه، و كذلك هذا في الزكاة، و أيضا الأصل براءة الذمّة، فمن علّق عليها شيئا يحتاج إلى دلالة و لن يجدها، فليتأمّل ذلك.

* * *

189

[51] مسألة في وجوب الخمس في المال و ربحه إذا كان الأصل غير مخمّس

مسألة: من ملك خمسة دنانير فقيل له يجب عليك في هذا الخمس لعلم القائل بحالها فلم يصغ إلى ذلك، ثمّ صرفها في تجارة حتّى بلغت ثلاثين دينارا، ثمّ بعد ذلك ارتأى و أراد أن يبرئ ذمّته، أ يجب عليه الخمس من جميع المال؟ أم في الأصل الّذي هو الخمسة دنانير؟ و فيما يفضل بعد مئونته؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب عليه في الجميع الخمس إذا كان هذا الربح قد فضل عن مئونة سنته التي كسبه فيها، فاعلم ذلك.

* * *

190

[52] مسألة في وجوب الخمس في البذر غير المخمّس و في الفاضل عن المئونة من النماء

مسألة: الغلّة إذا كان بذرها غير مخمّس أ يجب الخمس في جميعها، أم في البذر و فيما يفضل عن قوت السنة؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب في البذر، و فيما يفضل من النماء عن قوت سنته على الاقتصاد، فليتأمل ذلك.

* * *

191

[53] مسألة في نكاح بنت بنت الأخ و الأخت على عمة و خالة أمهما

مسألة: من أراد أن ينكح بنت بنت أخي زوجته، أو بنت بنت أختها عليها، أ يجري ذلك مجرى أمّهاتهما أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: بنت البنت عندنا بنت في الحقيقة من غير خلاف، يجري عليها أحكام أمّها من تحريم أو إباحة، فاعلم ذلك.

* * *

192

[54] مسألة: في العقد على الأم و البنت بعقد واحد

مسألة: ما تقول في رجل عقد على امرأة و ابنتها بلفظة واحدة أيّهما يختار؟

الجواب و باللّه التوفيق: يختار أيّهما شاء، و الأولى اختيار الابنة.

* * *

193

[55] المسألة السابقة بحالها مع فرض موت إحداهما

إن عقد هذا الرّجل عليهما بلفظة واحدة على ما ذكرتم قبل أن يختار إحداهما مات أو ماتتا أو ماتت إحداهما، ما الحكم في الصّداق و الميراث؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا مات هو أو ماتتا قبل أن يختار فلا مهر عليه، و لا لهما ميراث و لا عليهما عدّة، و كذلك لا يرثهما عند هذه الحالة، لأنّه ليس بزوج لإحداهما إلّا بعد الخيرة منه و لم تحصل، فأمّا إن ماتت إحداهما فهو بالخيرة في الباقية فليتأمّل ذلك، و الأولى عندي أن يكون هذا العقد باطلا من أوّله لأنّه منهيّ عنه، و النهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه.

* * *

194

[56] مسألة في المزارعة

مسألة: ما تقول في رجل كلّف بعض إخوانه أن يزرع له إشكارة (1) فأجاب إلى ذلك، فسلّم إليه المكلّف دينارا، ثمّ قال له: ابتع لي بهذا الدينار بذرا و ازرعه، ففعل ما أمره، فلما بلغ الزّرع نزغ الشّيطان بينهما حتى أدّى ذلك إلى أن قال له: ليس لك عندي زرع و إنّما لك قبلي دينار فخذه، أ يسوّغ له الشرع ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان قد اشترى له بالدّينار فهذا وكيل في الشراء فجميع الزّرع للموكّل، و لا يحلّ للوكيل أخذ حبّة منه على حال.

* * *

____________

(1)- إشكارة اصطلاح محلي عند المزارعين، و يراد به مساحة محدودة من الأرض، و لا يزال مستعملا في البلاد الفراتية.

195

[57] مسألة في مسألة صيام يوم الشك

مسألة: من أصبح يوم الشّك بنيّة الإفطار، ثمّ تناول ما يفسد الصّيام، ثمّ بعد ذلك قامت البيّنة عنده بأنّ ذلك اليوم من رمضان فما تقول إن تناول شيئا ممّا ذكرناه بعد قيام البيّنة ما يجب عليه؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يحلّ له تناول شيء بعد قيام البيّنة عنده و لا يسوّغ له ذلك، فإن فرضنا أنّه تناول عامدا بعد قيام البيّنة، فإنّه يجب عليه ما يجب على من تناول شيئا من المفطّرات عامدا في نهار شهر رمضان، لأنّ هذا يجب عليه الإمساك و حرمة الصّيام باقية بلا خلاف، و هذا لو جامع عامدا في نهار الصّيام يجب الكفّارة عليه ثانيا لأنّ حرمة الصّيام باقية، فاعلم ذلك.

* * *

196

[58] مسألة في الإقرار

مسألة: من أقرّ لغيره بشيء ثمّ جعله مؤجّلا أ يصحّ ذلك الإقرار أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا قال مثلا لفلان: عندي ألف دينار إلى سنة، فإنّه يجب عليه الألف حالّة و لا يقبل دعواه في التأجيل.

* * *

197

[59] مسألة في الهبة

مسألة: من وهب لغيره دارا و كان الموهوب له أجنبيّا و هذا الأمر ممّا يراعى فيه القبض و التصرّف معلوم، و هو أن يحدث في تلك الدار حدثا فالقبض ما صفته؟

الجواب و باللّه التوفيق: القبض فيما لا يمكن نقله التخلية بينه و بينه.

* * *

198

[60] مسألة في الوكالة

مسألة: من وكّل غيره في بستان أو ما أشبهه، و لم يقل الموكّل وكّلتك و لا قال الموكّل توكّلت، بل قال له الموكّل: يا فلان أريد أن تنظر لي في الموضع الفلاني، فأجابه إلى ذلك و نظر فيه، أ تكون هذه وكالة شرعية أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا قبل ذلك الوكيل و قام به، فقد صار وكيله و إن لم يذكر لفظ الوكالة، فاعلم ذلك.

* * *

199

[61] مسألة في جذاذ نخلة من نخل جيرانه اشتباها

مسألة: ما تقول في رجل كان له نخل و كان له جار، و لذلك الجار أيضا نخل، و النّخل يلاصق بعضه بعضا، فلما كان في أوان الجذاذ أتى جاره فجذّ منه نخلة اعتقادا منه أنّها له، و النّخلة لو أخّرت لزاد نفعها، ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب عليه مثل ما قطع إن خلالا فخلالا، و إن بسرا فبسرا، لأنّ هذا ممّا يضمن بالمثلية، و لا يراعى ما يؤول إليه من الزيادة و النماء.

* * *

200

[62] مسألة في تأخير الزكاة مع وجود المستحق و غياب المال عنه

مسألة: ما تقول فيمن ملك نصابا من الغنم و حال عليه الحول، فحضر المستحقّ عنده و لم تكن الغنم حاضرة في مصره، و كان في جملة الغنم ثلاثة ذكران كلّ منهم ثنيّ، فقال المستحقّ: امض إلى الراعي و قل له: فلان يقول لك سلّم إليّ خيار الثلاث، فقال رجل من الحاضرين للمستحقّ: أ تبيعني هذه الشاة؟ فأجابه إلى ذلك و باعه بيعا موصوفا على ما ذكره صاحب الغنم، أ يكون هذا بيعا صحيحا شرعيا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذا بيع غير صحيح و لا شرعيّ، لأنّه باعه ما لا يملك، و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نهى أن يبيع الإنسان ما ليس عنده حالا، و أيضا هذا بيع الغرر و ذلك فاسد لأنّه بيع غير مضمون، لأنّ لصاحب الشّاة أن يرجع في عينيّتها له، لأنّها لا تحصل على ملك الفقير إلّا بعد قبضه لها.

* * *

201

[63] مسألة في نيّة الصيام

مسألة: من فاتته أيّام في أوّل شهر رمضان بمرض أو سفر، أ يجزيه نيّة واحدة لما بقي من الشهر كما يجزيه في أوّله، أم ينوي لكلّ يوم بعينه؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجزيه نيّة واحدة لباقي شهره.

* * *

202

[64] مسألة في بطلان غسل من لم يرتب في غسل الجنابة و لم يكن ذلك ارتماسا

مسألة: من اغتسل من الجنابة أغسالا كثيرة و لم يرتب فيها لعدم علمه، بل كان يغسل جميع جسده ثمّ صلّى بتلك الأغسال مدّة طويلة، أ يكون هذا غسلا صحيحا و تمضي به صلاته، أم يجب عليه إعادتها؟

الجواب و باللّه التوفيق: من لم يرتّب الغسل من الجنابة، فإنّ حدثه باق و غسله غير صحيح، فإذا تقرّر ذلك فصلاته غير صحيحة يجب إعادتها، و جهله في هذا غير مسقط عند إعادة غسله و لا إعادة صلاته، لأنّ هذا علم مشترك.

* * *

203

[65] مسألة في النذر

مسألة: من نذر نذرا فقال: إن كان كذا و كذا، فللبيت عليّ كذا و كذا و لم يقل للبيت الحرام، أ يكون هذا نذرا صحيحا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم يقل الناذر للّه نطقا، و لا اعتقد ذلك في قلبه أعني للّه عليّ كذا، فلا يلزمه شيء ممّا نذره بغير خلاف، فإن لم يقل نطقا بل اعتقده بقلبه فالنّذر غير لازم له، فإن لم يقل و لا اعتقد أنّه للّه فنذره غير صحيح، و لا يجب عليه الوفاء به، فعلى هذا التحرير و التقرير سواء قال البيت أو البيت الحرام لا يلزمه إذا لم يقل للّه و لا اعتقد ذلك في قلبه.

و الأصحّ عندي أنّ النذر لا ينعقد إلّا أن ينطق الناذر به نطقا مع اعتقاده، فأمّا بمجرد الاعتقاد دون النّطق فلا ينعقد النذر، و إن كان قد ذهب إلى انعقاده بمجرد الاعتقاد الشيخ أبو جعفر الطوسي في نهايته (1)، و السيّد المرتضى يخالفه (2).

____________

(1)- النهاية: 562.

(2)- الانتصار: 161.

204

و الصّحيح ما ذهب إليه السيّد لأنّ الأحكام الشرعيّة من طلاق و نكاح و وصيّة و غير ذلك لا بدّ فيه من النطق، و أيضا قول الشيعة لا ينعقد النّذر إلّا بالنيّة، فقد صار النّذر هو النّطق، و النيّة غير النّذر، إلّا أنّ بها ينعقد، و قد رجع شيخنا أبو جعفر عمّا قاله في نهايته في استبصاره (1) و مبسوطه.

* * *

____________

(1)- الاستبصار 4: 49 قال: لأنّ من شرط النذر أن يقول للّه عليّ كذا و كذا، و متى لم يكن على هذا الوجه لا يلزمه و كان بالخيار.