أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
205

[66] مسألة في فساد الشرط في المنذور

مسألة: من فقدت منه شاة فقال: إن ظفرت بها ثمّ بقيت إلى يوم النّحر فلله عليّ أن أضحّيها بشرط أن آكل ثلثها و أتصدّق بثلثيها، أ يلزمه ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عليه ذبح الشّاة المذكورة، لأنّه شرط في هذا النّذر بخلاف مقتضاه الشّرعي، و هذا يفسده لأنّ الهدايا و الضحايا المنذورة لا يحلّ للناذر أكل شيء منها بحال، فقد شرط بخلاف المشروع، فلأجل ذلك بطل نذره، فليتأمّل ذلك.

* * *

206

[67] مسألة في طهارة الزجاج و هو من صنع الكفّار

مسألة: ما تقول في الزّجاج إذا عمله بعض المخالفين، أ يكون هذا من جملة ما يطهر بالنار و يجوز استعماله أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الزّجاج من الأرض بغير خلاف، فإنّ النار تطهّر جميع ما عمل و صيّرت من الأرض إذا فخرته و أحالته، إلّا أن يلامسه المخالف بعد عمله و إخراجه من النار و يده رطبة، هذا إذا كان عمل الزّجاج من الحصى، فأمّا إذا كان الزّجاج مكسرا و هو نجس و أعيد إلى النار و طبخ فلا تطهّره النار، لأنّها ما أحالت شيئا منه، لأنّ أوليّته زجاج و آخريته زجاج، فليتأمل ذلك.

* * *

207

[68] مسألة في طهارة ماء الاستنجاء

مسألة: ما تقول في ماء الاستنجاء إذا رجع على النعل، أ يكون ذلك ممّا عفت الشريعة عنه كالثوب و البدن أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا فرق بين النّعل و الثوب في الماء الراجع من الوضوء.

* * *

208

[69] مسألة في ذبيحة من لم يفرّق بين النبيّ و الإمام (عليه السلام) و ميله إلى مذهب النصب

مسألة: ما تقول في رجل ليس فيه الدراية ما يفرّق بين النبيّ و الإمام و ميله إلى مذهب النصب، أ يجوز أكل ما يذبحه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يخلو أن يكون ذلك الرّجل مستضعفا أو غير مستضعف، فإن كان الأوّل فذباحته و سؤره طاهران بغير خلاف، و إن كان الثاني فذباحته غير ماضية بل محرّمة.

* * *

209

[70] مسألة في إجزاء غسل الجنابة عن غسل الجمعة

مسألة: ما تقول في رجل كان عليه غسل من جنابة، و كان عليه غسل يوم الجمعة قضاء، أ يجزيه غسل الجنابة عن ذلك الغسل مع كونه قضاء كما يجزيه في حال كونه أداء؟ أم يحتاج إلى غسل معه؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجزيه ذلك لأنّ غسل الجنابة إذا ضامّ، و كان مع جميع الأغسال فرضها و نفلها كان الحكم و النيّة له و أجزأ عنها جميعها.

* * *

210

[71] مسألة في اختلاف الزوجين متعة في الأجل

مسألة: ما تقول في رجل عقد على امرأة نكاحا مؤجّلا، فلما كان عند انقضاء المدة اختلفا، فقال الرجل مضى الأجل، و قالت المرأة قد بقي منه أيّام، أو نفرض أنّ المرأة قالت مضى الأجل و قال الرّجل ضد قولها، ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا قال الرجل قد انقضى الأجل فقد حرمت عليه و لا مسألة، و كذلك إذا قالت قد انقضى الأجل، و قال: ما عقدت عليك إلّا إلى سنة، و قالت: ما عقدت عليّ إلّا إلى نصف سنة، لأنّها قد أقرّت له بنصف السنة و ادّعى عليها الزيادة، فهو حينئذ المدّعي للزيادة فعليه البيّنة، و إلّا فالقول قولها مع يمينها، فليتأمّل ذلك.

* * *

211

[72] مسألة في الشك بين الثلاث و الأربع في الصلاة

مسألة: ما تقول فيمن شكّ بين الثلاث و الأربع، و لا ريب أنّ فرضه أن يبني على الأربع، فلما بنى على ما رسم له و سلّم، تيقّن بعد تسليمه و قبل أن يصلّي ركعة الاحتياط أنّه سلّم على ثالثة، أو يفرض أنّه تيقّن بعد أن صلّى ركعة الاحتياط أنّه سلّم أيضا على ثالثة، أ يلزمه على هذه القضيّة جبران أم لا؟ (فإن قال) حرس اللّه مجده: يلزمه ذلك، قلنا: إنّ الجبران لا يجب إلّا على من سلّم في هذا الموضع ناسيا، و هذا المكلّف ما سلّم ناسيا، و إنّما سلّم على ما رسم له، فمن أين يجب عليه ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا ذكر بعد سلامه و قبل أن يصلّي ركعة الاحتياط يجب عليه تمام صلاته، و يجب عليه سجدتا الجبران، لأنّ عمده في سلامه هاهنا بمنزلة السّهو، لأنّه لو كان عالما بأن قد بقي من صلاته عليه شيء ما سلّم، فسهوه على هذا الوجه حاصل، فأمّا إذا تيقّن بعد سلامه و بعد أن صلّى ركعة الاحتياط، فإنّه يجب عليه تمام صلاته بركعة أصليّة، و يجب عليه أيضا سجدتا السّهو ما لم يستدبر القبلة، و لا تجزيه ركعة الاحتياط عن الركعة الباقية الرابعة الأصليّة، و يجب سجدتا السّهو كما ذكرناه عن سلامه.

* * *

212

[73] مسألة في الوضوء في المكان المغصوب

مسألة: ما تقول في الوضوء في المكان المغصوب، أ يجري ذلك مجرى الصّلاة فيه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجري الوضوء في المكان المغصوب مجرى الوضوء بالماء المغصوب فليتأمّل ذلك، و إن قلنا إنّ اللّبث منهيّ عنه، و النّهي يدلّ على فساد المنهيّ كان قويّا.

* * *

213

[74] مسألة في تطهير البئر إذا وقعت فيه فأرتان

مسألة: ما تقول في البئر إذا وقع فيها فأرتان، أهل يحكم في تطهيرها بحكم واحدة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ينزح لها منزوح واحد، و لو وقع فيها ألف فأرة، لأنّه اسم جنس، و أيضا فهو منكّر، و النكرات أشمل و أعمّ.

* * *

214

[75] مسألة في حمل النجس في الصلاة

مسألة: ما تقول إذا كان في جيب إنسان رقعة مكتوبة بمداد نجس، هل يجري مجرى التكّة و الجورب أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجري الرقعة مجرى التكة و ما جانسها من الملابس التي لا تتم الصّلاة فيها منفردا، لأنّ الرّقعة ليس هي من الملابس و لا ينطلق عليها اسمها فيكون حاملا للنجاسة.

* * *

215

[76] مسألة في إطلاق اسم الأرض على الثيّل

مسألة: ما تقول إذا بسط يهوديّ غزلا على أرض مطبقة بالثّيّل (1) لا تنتهي الشمس إلى أرضها، كيف السّبيل إلى تطهيرها، و هل حكم الثيّل له حكم الأرض في كون الشّمس إذا يبسته طهر أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: أرض الثيل يطلق عليها اسم الأرض إطلاقا لغويا و عرفيا و شرعيّا، لا خلاف في ذلك بين المحقّقين المدقّقين، و هذا مفهوم من فحوى الخطاب، لأنّ قول المشرع الأرض يفهم منه هذا.

* * *

____________

(1)- الثيّل: نبات له قضبان دقيقة طويلة ذات عقد تمتد على وجه الأرض. قطر المحيط 1: 224 ط بيروت سنة 1869.

216

[77] مسألة في المقاسمة في الطريق و الاختلاف بين الشركاء فيه

مسألة: ما تقول في جماعة مشتركين في حومة (1) من الأرض ثمّ أنّهم اقتسموا بها، و تعيّن لكلّ واحد منهم قراح (2) محدود، و انفرد لواحد من الشركة طريق معيّن، و انفرد لباقي الشركة طريق مجهول في الأذرع في كميّة سعته.

ثمّ ذكر في كتاب المقاسمة أنّ طريق ذلك على حريم نهر الموضع، و قد اختلف المتقاسمون، و قالوا: إنّ حريم هذا النهر لا يعبر عليه شبكة تبن و لا ثور محمّل بغلّة لكون هذا النهر حوزه يمنع من ذلك، و قد تخلف ما هو مشترك بينهم مطابق للنّهر الّذي قد ذكر أنّ على حريمه يكون طريق المنجبر لبعض الشركة قراح، قال بعض الشكرة في القراح المتخلف وسطا إن ذكر في كتابه أنّ طريقه على حريم النهر لا أمكنك تعبر عليه قراحك إلّا على حريم النهر المذكور في كتابك المجهول كميّته و ذرعه، فلم تقدر أن تعبر شبكة و لا يعبر ثورا بغلقه على ممرّ من حريم النهر، فهل يجب القطع بقول المانع؟ أم يرجع في ذلك إلى حقيقة

____________

(1)- الحومة: حومة البحر و الرمل و الفتال و غيره معظمه. القاموس: حوم.

(2)- القراح: المزرعة التي ليس فيها بناء و لا شجر. المصباح المنير: 681 ط بولاق سنة 1921.

217

الشّرع، و كان الطّريق يكون سبعة أذرع مع المشاحّة في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان الدرب الّذي على الأخرى مشتركا بين المقاسمين و المسلمين أيضا أجمع، فليس لأحد أن يضيّقه عمّا كان عليه أولا، و إن كان للمقاسمين فحسب، فإن كان المقاسمون تشاحّوا على سعته و تضييقه، فبعض قال يكون سعته كذا و بعض قال سعته كذا، فقد ورد الخبر عنهم (عليهم السلام) أن يكون مع المشاحّة تسعة أذرع، فعلى ذلك يعمل.

و أمّا إذا لم يتشاحّوا فيه و اتفق الجميع على شيء قلّ أم كثر، فهو على ما اتّفقوا عليه، لأنّ الملك لا يخرج من بينهم، و الصّلح جائز بين المسلمين، و كذلك إذا تقاسموها قسمة شرعيّة و وقع لواحد بعد أن تهابوا و تراضوا بالسّهام، فلا يجوز لأحد أن يرجع عمّا وقع له، فعلى هذا التحرير و التقرير يعتبر هذا السّؤال، و يسبر الحال فيه، و يحكم بمرّ الحقّ، و اللّه الموفق للصواب.

* * *

218

[78] مسألة في مفطر يوم الثلاثين من شعبان ثمّ قبل الزوال أو بعده تبيّن أنّه من رمضان

مسألة: ما تقول في رجل أصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطرا، أو أكل صدر نهاره، ثمّ بعد أن زالت الشمس أو قبل زوالها بعد أكله، قامت البيّنة الشّرعية المحقّقة أنّ هذا اليوم أوّل يوم من شهر رمضان، فهل يجب عليه صيام ما بقي من نهاره أم لا؟

فإن قيل: يجب عليه صيامه، فإن أكل بعد قيام البيّنة عنده بأنّه أول رمضان متعمّدا، فهل يجب عليه كفّارة أم لا؟ فإن قال: يجب عليه كفّارة لأنّه قد أكل في نهار الصّيام و هو مأمور بصومه، فقد أكل في نهار شهر رمضان متعمّدا فدخل في عموم

قولهم (عليهم السلام): «من أكل في نهار شهر رمضان متعمّدا يجب عليه الكفّارة»

و هذا من ذاك و داخل تحته.

فقال لك: فما تقول إن عكس عاكس عليك، و قال لك: ما تقول فيمن أكل يوم الثلاثين من شهر رمضان أوّل نهاره عامدا، ثمّ قامت البيّنة الشرعية المحقّقة بعد أكله أنّ اليوم أوّل يوم من شوال، فهل توجب عليه الكفّارة كما

219

أوجبتها على من أفطر في المسألة الأولى أم لا؟

فإن قلت: لا، لزمك التناقض بين قوليك، إذ لا فرق بين المسألتين، بل كلّ منهما وزان المسألة الأخرى حذو النّعل بالنعل من غير ترجيح بسبب من الأسباب و لا وجه من الوجوه، لأنّ في المسألة الأولى هو مأمور بالصّيام و هو يوم عنده من شهر رمضان، فأوجبت عليه الكفّارة لمّا أفطره متعمّدا، و كذا في المسألة الأخيرة هو يوم عنده من شهر رمضان يجب صيامه بغير خلاف، و الأمر متناول له بصيامه بغير خلاف قبل قيام البيّنة عنده، لأنّه يوم محكوم به من رمضان بغير شك و لا ارتياب، فما الجواب و الفرق بين المسألتين؟ فإنّه متلبّس يحتاج إلى نظر ثاقب و تأمّل صحيح و قوة اعتبار، فها هنا محال النّظار و نتائج الأفكار؟

الجواب و باللّه التوفيق أقول: إنّه يجب عليه في المسألة الأولى الكفّارة و القضاء، لأنّه قد أكل في وقت كان يجب عليه فيه الإمساك، و زمانه أجمع زمان الصّيام كلّ وقت منه مجموعا و مفترقا، فحصل فيه التحريم في وقت الإفطار مشتملا عليه أيضا الزّمان دقائقه و حركاته مجموعا و متفرّقا، يستحقّ تناول اسم شهر رمضان تناولا عاما شاملا على وقت إفطاره و غيره من الأوقات، و الزّمان الشامل لجملة اليوم لسائره بغير ارتياب.

و ليس كذلك في المسألة الثانية لأنّ المحرّم وقت الإفطار دون أوقات نهاره أجمع و دقائقه و حركاته بل سائره ما عدا الوقت الّذي أفطر فيه يجب عليه فيه

220

الإفطار، و لا يجوز له الصيام فحصل في المسألة الثانية أمر واحد و هو الوقت دون مجموع الوقت و الزّمان، و حصل في المسألة الأوّلة أمران الوقت الّذي أفطر فيه و مجموع الأوقات و الزّمان، فامتازت إحداهما عن الأخرى امتيازا ظاهرا، و افترق الأمر بين المسألتين لما أوضحناه، و ظهر الفرق بما بينّاه.

فعلى هذا لا يجب عليه في المسألة الثانية الكفّارة و لا القضاء، بل هو معاقب على إقدامه بإفطاره في الوقت الّذي حرم عليه الأكل، و كان يجب عليه فيه الإمساك، فلأجل ذلك كان مخطئا فوجب عليه الاستغفار، و اللّه الموفّق للصّواب.

* * *

221

[79] مسألة فيمن مسّ ميتا بعد برده و قبل تطهيره ثمّ لا مس مائعا هل ينجس أم لا؟

مسألة: ما تقول فيمن مسّ ميّتا من الناس بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالاغتسال و لا مس مائعا أ يفسده أم لا؟

و هل إذا وقع الإناء على جسد الميت و باشر جسد الميت باطن الإناء يجب علينا غسله أم لا؟

و هل إذا جعل في الإناء المذكور مائع ينجس أم لا؟

فإن قلت: لا ينجس المائع بكونه فيه فلا حاجة بنا إلى غسله لأنّ غسله لا يراد إلّا لئلّا ينجس ما يقع فيه.

الجواب و باللّه التوفيق: لا ينجس المائع بكونه في الإناء المذكور من قبل غسله، و يجب غسل الإناء بغير خلاف، و كذلك اليد و البدن، و إن لا مس مائعا لا يفسده و لا ينجّسه أيضا، و يجب غسل اليد أيضا و البدن.

فأمّا ما اختلج في خاطر السائل بأنّه إذا لم ينجس المائع و لا اليابس الجامد فما بنا فقر و لا حاجة إلى غسله، فالمزيل لهذا الخيال و السراب أن نقول: بنا أشدّ

222

فقر و حاجة إلى غسله، لأنّا مأمورون و متعبّدون بذلك، لأنّ مصلحتنا فيه، لا لعلّة تنجيسه المائعات، لأنّها نجاسات حكميّات لا نجاسات عينيّات، فزال التوهّم الفاسد و اتّضح الحال.

و لأنّ عندنا بغير خلاف أنّ الغاسل للميّت يتوضّأ و يكفّنه للميّت، فلو نجس المائع بما مسّه له قبل غسله نفسه لنجس كفن الميّت و ثياب الغاسل، و هذا لا يقوله محصّل من العقلاء، و أيضا لا خلاف بين الأمّة كافة أنّ المساجد يجب أن تجنّب النّجاسات العينيّات، و قد أجمعنا بلا خلاف بيننا على أنّ من غسّل ميّتا أو مسّه بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل، له أن يدخل المسجد و يجلس فيه فضلا عن مروره و جوازه و دخوله إليه، فلو كان نجس العين لما جاز ذلك، و تناقض القولان و الحكمان و الدّليلان، و الأدلّة لا تتناقض.

و أيضا فإنّ الماء المستعمل في الطهارة على ضربين: ماء مستعمل في الطّهارة الصّغرى، و ماء مستعمل في الطّهارة الكبرى.

فالماء المستعمل في الصّغرى لا خلاف أنّه طاهر مطهّر، و الماء المستعمل في الكبرى، الصحيح من المذهب أنّه أيضا طاهر مطهّر، و من خالف فيه من أصحابنا قال: طاهر و ليس بمطهّر، فقد اتفقوا على أنّه طاهر و الطاهر إن غسّل به ميتا أو ماسّه ما يلاقيه من الإناء كان الماء الّذي به طاهرا فليتأمل.

* * *

223

[80] مسألة في الفرق بين الناصب و المستضعف

مسألة: ما تقول في الناصب و المستضعف من هما؟ و ما فرق بينهما؟

الجواب و باللّه التوفيق: الناصب كلّ من كان على خلاف ما الإماميّ عليه من الاعتقاد و المذاهب، و يبغض الإماميّ على مذهبه.

و المستضعف من لم يعرف اختلاف الناس في المذاهب، و يكون بخلاف ما الناصب عليه من الاعتقاد و قلّة معرفته بما الإماميّ عليه، بل كلّ من قيل له شيء قال هو الحق، و لا يبغض أحدا على دين، فلا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء.

و الّذي يدلّ على هذه الجملة في معنى الناصب و المستضعف ما أورده أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في الجزء الثالث من الاستبصار ذكر أخبارا في تحريم ذبائح أهل الكتاب و النصّاب من جملتها:

الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن زرعة، عن أبي بصير قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ذبيحة الناصب لا تحلّ

(1)

.

____________

(1)- الاستبصار 4: 87.

224

محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن حمزة، عن محمّد بن عليّ، عن يونس بن يعقوب، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يشتري اللحم من السّوق و عنده من يذبح و يبيع من إخوانه فيتعمّد الشراء من النصّاب، فقال:

عن أيّ شيء تسألني أن أقول: ما يأكل إلّا مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، قلت:

سبحان اللّه مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير؟ فقال: نعم و أعظم عند اللّه من ذلك، ثمّ قال: إنّ هذا في قلبه على المؤمنين مرض

(1)

.

أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا تأكل ذبيحة الناصب

(2)

.

الحسين بن سعيد، عن غير واحد، عن أبي المغراء و الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن ذبيحة المرجئ و الحروري فقال: كل و قرّ و استقرّ حتى يكون يوما ما

(3)

.

محمّد بن أحمد بن يحيى، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن بشير، عن ابن أبي غفيلة، الحسن بن أيوب، عن داود بن كثير الرقّي، عن بشر بن أبي غيلان الشّيباني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبائح اليهود و النّصارى و النصّاب،

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- الاستبصار 4: 88.

225

قال: فلوى شدقه

(1)

و قال: كلها إلى يوم ما

(2)

.

ثمّ قال الشيخ أبو جعفر: الّذي يدلّ على أنّ الخبرين وردا مورد التقيّة و حال الضّرورة ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي حمزة القمي، عن زكريا بن آدم قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): إنّي أنهاك عن ذبيحة كلّ من كان على خلاف الّذي أنت عليه و أصحابك، إلّا في وقت الضّرورة إليه (3).

ألا ترى أنّ الشيخ أورد هذا الخبر مستدلّا به و مفسّرا للنصّاب في الأخبار المتقدّمة من هذه، لأنّها مجملة غير مفصّلة بالنصاب من هم؟ فجاء هذا الخبر مفسّرا و مبيّنا لها.

و من المعلوم أنّ المفصّل المبيّن من القرآن و السنّة يقضي على المجمل بغير خلاف بين من تكلّم في أصول الفقه و محصّليهم، لأنّ الآية المجملة تقضي عليها الآية المبيّنة المفسّرة المفصّلة، و كذلك الخبر المفصّل يقضي على الخبر المجمل، و يكون العمل بالمفصّل هو الواجب بغير شبهة.

فعلى هذا الاعتبار و التّحرير و التّقرير ينجلي الكلام و ينكشف الريب للمتأمّل في أنّ النّاصب: كلّ من كان على خلاف ما الإماميّ عليه من أصل و فرع، و ولاية و عداوة، و نجاسة و طهارة.

____________

(1)- الشدق: بالفتح و الكسر، زاوية الفم من باطن الخدين.

(2)- الاستبصار 4: 87.

(3)- الاستبصار 4: 86.

226

و هذا لا خلاف فيه بحمد اللّه عند الإمامية سلفهم و خلفهم، قديما و حديثا، لغة و شرعا و عرفا، بدليل أنّه لا يفهم من قول القائل من العقلاء و في تعاريفهم و عاداتهم، و لا يتبادر إلى أفهامهم إذا قال قائلهم هذا ناصبي و هذا شيعي أو رافضي إلّا من خالف فرقة الحقّ في قوله ناصبي، و من كان على خلاف ما الرافضي عليه، و الرافضي ما كان على خلاف ما الناصبي عليه، من الاعتقاد و المذهب، فقد صارت لفظة الناصبي كالحقيقة العرفيّة، مثل قوله صيام و صلاة، لأنّ حدّ الحقيقة ما يتبادر إلى الفهم من غير ضميمة و لا قرينة حتى نظم ذلك الشعراء في أشعارهم، قال المتنبي:

إذا علويّ لم يكن مثل طاهر * * * فما هو إلّا حجة للنّواصب (1)

فهل أراد الشاعر الخارجي و المجبري، و شعر ابن الحجاج و غيره من مخالفي الإماميّة أكثر من أن يحصى في هذا المعنى.

قال المعري على ما شاع عنه:

أضرب بعاد فما ثمود * * * و بالنصارى فما اليهود

و الحق الرافضي به فظ الناص ... (2)

____________

(1)- ديوان المتنبي 1: 181 شرح البرقوقي.

(2)- لم يقرأ البقية لأنّه في الهامش و لم يظهر في الصورة. و لم أعثر على الشعر في ديوان اللزوميات لأبي العلاء و لا في شروح سقط الزند، نعم وردت أبيات تحكي المعنى المشار إليه في المتن و هي:-

227

ثمّ لا يخلو لفظ الناصب و النّواصب و الناصبي أن يكون مشتقّة من نصب ينصب، فهو ناصب العداوة لأهل البيت و لشيعتهم، أو عرفيّة تثبت بعرف الشرع، فإن كانت مشتقّة، فما الخارجي بأولى من اليهودي و النّصراني و الملحدي، لأنّ الاشتقاق حاصل في هؤلاء و الإجماع حاصل على أنّ هؤلاء لا يسمّون نواصب، فلم يبق إلّا من ثبتت بعرف الشرع لا من حيث الاشتقاق، و العرف

____________

تلك اليهود فهل من هائد لهم * * * و الصابئون و كلّ جاهل صاب

و الأنس ما بين إكثار إلى عدم * * * كالوحش ما بين إمحال و إخصاب

لم يثبتوا بقياس أصل دينهم * * * فيحكموا بين رفاض و نصّاب

قال أبو العلاء تعليقا على هذه الأبيات و لا سيما الأخير منها: المعنى أنّ بعض اليهود و النصارى يدخلون أنفسهم بين المسلمين، فمنهم من يغلّب رأي السنّة، و منهم من ينتصر للشيعة. و انّما يريدون بذلك التقرّب إلى رؤساء المسلمين، هذا كلام الشيخ في هذا البيت من الزجر. راجع زجر النابح، مقتطفات لأبي العلاء المعري: 32 تحالدكتور أمجد الطرابلسي مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1385 ه1965 م، كما ورد أيضا في لزوم ما لا يلزم 1: 417 قول المعري:

و الناس في ضد الهوى متشيّع * * * لزم الغلوّ و ناصبي شار

و ذكر في زجر النابح: 157 ردّه على من اعترض عليه في هذا البيت فقال: ... و معنى هذا البيت متناقل في الأحاديث،

من ذلك أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال لعليّ (عليه السلام): «يدخل فيك النار رجلان، محبّ مفرط، و مبغض مفرّط»

و قد تبيّن قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في زمان عليّ، و اشتهر أنّه أحرق عبد اللّه بن سبأ لزعمه أنّه إله، فما الّذي ينكر من هذا القول؟ أ ليس الشراة من الخوارج يقول فيهم أهل الشرع ما هو مشهور معلوم؟ و جاء في الحديث: «أنّ الخوارج كلاب أهل النار».

228

حاصل فيمن خالف الشّيعة فيما يذهبون إليه من الاعتقادات و المذاهب من المسلمين أنّهم نواصب.

و الّذي يدلّ على ذلك و يزيده بيانا أنّه قد ثبت بغير خلاف أنّ الكفّار على ثلاثة أضرب: كافر أصل، و كافر ردّة، و كافر ملّة، فنريد نعطي الظاهر حقّه، و لا خلاف أنّ كافر الأصل الحربي و الذّمي، و كافر ردّة من كان مسلما ثمّ ارتدّ، و كافر ملّة نريد نعلم من هو؟ فلم يبق إلّا من خالف أهل الحقّ من المسلمين، و إلا فأرونا من هو الكافر الملّي؟! و الشيخ في المبسوط (1) و ابن البراج (2) و جميع أصحابنا يقولون: الكافر على ثلاثة أضرب كافر أصل، و كافر ردة، و كافر ملة، و أسآر الثلاثة نجسة.

و أيضا فالشيخ المفيد في مقنعته (3) يقول فيمن عقد عقدا على بعض المحرّمات عليه و هو عالم بذلك و وطئها يجب عليه الحدّ، و شيطان الناصبة المكنّى بأبي حنيفة يذهب إلى خلاف ذلك، فهل أبو حنيفة فقيه الخوارج أو فقيه المجبّرة، و النّواصب الذين يخالفونا في الاعتقاد، و أيضا فقد ثبت أنّ هاهنا مستضعفا، فإذا تحقّق اتّضح الحال و زالت الشبهة.

أورد الشيخ أبو جعفر في كتاب الاستبصار (4) في الجزء الثالث في باب

____________

(1)- المبسوط 1: 10.

(2)- جواهر الفقه لابن البراج: 4 مسائل الطهارة ضمن الجوامع الفقهية ط حجرية.

(3)- المقنعة: 778 سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، و ما حكاه المصنّف عن المصدر كان نقلا بالمعنى فلاحظ.

(4)- الاستبصار 3: 183.

229

تحريم نكاح الناصبة المشهورة بذلك أخبارا من جملتها:

عليّ بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يتزوّج المؤمن من النّاصبة المعروفة بذلك

(1)

.

الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الناصب الّذي عرف نصبه و عداوته هل يزوّجه المؤمن و هو قادر على ردّه و هو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة، و لا يتزوّج الناصب مؤمنة

(2)

.

و غير ذلك من الأخبار اقتصرت على بعضها، ثمّ أورد خبرا و هو:

الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد الطائي، عن زرارة قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أتزّوج مرجئة (أو حرورية)؟ فقال:

لا، عليك بالبله من النّساء، قال زرارة: فقلت: و اللّه ما هي إلّا مؤمنة أو كافرة، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أين أهل التقوى، قول اللّه تعالى أصدق من قولك:

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (3)

.

____________

(1)- الاستبصار 3: 183.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- نفس المصدر 3: 185، و ما بين القوسين زيادة منه، و الآية في سورة النساء: 98.

230

ألا ترى إلى فرق الصادق (عليه السلام) لمّا اعترض عليه زرارة بقوله: و اللّه ما هي إلّا مؤمنة أو كافرة بأن جعل قسما ثالثا و هي المستضعفة، فدلّ على أنّ هاهنا مستضعفا و هو بخلاف النّاصب، و أنّ المستضعف من لم يعرف ما نحن عليه، و لا يبغضنا لما نحن عليه من الاعتقاد و المذهب، و الناصب من هو على خلاف ما نحن عليه، على ما دلّت الأخبار الأوّلة، و مفهوم الخطاب الّذي يدلّ على ذلك ما رواه:

أحمد بن محمّد، عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): عليك بالبله من النّساء التي لا تنصب و المستضعفات

(1)

.

الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة قال:

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك اللّه إنّي أتخوّف إلّا يحلّ لي أن أتزوّج، يعني ممّن لم يكن على مثل ما هو عليه، فقال: ما يمنعك من البله من النساء المستضعفات اللائي لا ينصبن و لا يعرفن ما أنتم عليه

(2)

.

ألا ترى إلى قوله و قول الباقر (عليه السلام): لا ينصبن و لا يعرفن ما أنتم عليه.

فعلى تصريح قوله (عليه السلام) و فحواه أنّ كلّ من عرف ما نحن عليه من الاعتقاد و المذاهب و خالفنا فيه، فهو الناصب المكنيّ عنه في الأخبار جميعها، و من لا يعرف ما نحن عليه فهو المستضعف، و الدّليل على أنّ الناصب

____________

(1)- الاستبصار 3: 185، و التهذيب 2: 201 ط الحجرية.

(2)- نفس المصدر السابق.

231

و المستضعف من ذكرناه ما أورده ابن بابويه صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، استاذ الشيخ المفيد- و كان هذا الشيخ بصيرا بالفقه و الرّجال، حافظا لم ير في القمّيين مثله، واسع الرّواية ثقة في النقل من جلّ أصحابنا-.

أورد في كتابه المعروف بمعاني الأخبار باب معنى الناصب: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، قال: حدّثني عمّي محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن ابن فضال، عن المعلّى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنّك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمدا و آل محمّد، و لكنّ الناصب من نصب لكم، و هو يعلم أنّكم تتوالونا و تتبرّءوا من أعدائنا

(1)

.

و قال (عليه السلام): من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا

(2)

.

ثمّ أورد أيضا في هذا الكتاب:

حدّثنا أبي (رحمه اللّه) قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمّد بن سنان، عن حمزة و محمّد ابني حمران قال: اجتمعنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جماعة من أجلّة مواليه و فينا حمران بن أعين، فخضنا في المناظرة و حمران ساكت، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما لك لا تتكلّم يا حمران؟

____________

(1)- معاني الأخبار: 348 ط الحيدرية.

(2)- نفس المصدر السابق.

232

فقال: يا سيدي آليت على نفسي أن لا أتكلّم في مجلس تكون فيه، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّي قد أذنت لك في الكلام فتكلّم.

فقال حمران: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، خارج عن الحدّين: حدّ التعطيل و حدّ التشبيه، و أنّ الحقّ القول بين القولين لا جبر و لا تفويض، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه و لو كره المشركون، و أشهد أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النار حقّ، و أنّ البعث بعد الموت حقّ، و أشهد أنّ عليّا حجّة اللّه على خلقه، لا يسع الناس جهله، و أنّ حسنا بعده، و أنّ الحسين من بعده، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنت يا سيدي من بعدهم.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الترتر

(1)

حمران، ثمّ قال: يا حمران مدّ المطمر بينك و بين العالم، قلت: يا سيّدي و ما المطمر؟ فقال: أنتم تسمّونه خيط البنّاء فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق، فقال حمران: و إن كان علويا فاطميا؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و إن كان محمّديا علويا فاطميا

(2)

.

حدّثني محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس بينكم و بين من خالفكم إلّا المطمر، قلت: و أي شيء المطمر؟ قال: الّذي تسمّونه

____________

(1)- الترتر: التر خيط يقدّر به البناء يمدّه على البناء. قطر المحيط: 174.

(2)- معاني الأخبار: 203. 204.

233

التر، فمن خالفكم و جاوزه فابرءوا منه، و إن كان علويا فاطميا

(1)

.

ألا ترى إلى هذين الخبرين و اعتماد هذا المصنّف عليهما بأنّ من خالفكم فيما تعتقدونه فابرءوا منه، فإذن اتّضح الناصب منه.

و أيضا قد أورد هذا المصنّف في هذا الكتاب أيضا ما يدلّ على المستضعف من هو؟

باب معنى المستضعف:

حدّثنا أبي (رحمه اللّه) قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبي المغراء حميد بن المثنى العجلي قال: حدّثني أبو حنيفة- رجل من أصحابنا- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من عرف الاختلاف فليس بمستضعف

(2)

.

حدّثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه، عن حمدويه، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف

(3)

.

حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- معاني الأخبار: 192 ط الحيدرية في النجف الأشرف.

(3)- نفس المصدر السابق.

234

الصفّار، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن جندب، عن عبد اللّه بن السمط البجلي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في المستضعفين؟ فقال لي- شبيها بالفزع-: و تركتم أحدا يكون مستضعفا؟ و أين المستضعفون؟ فو اللّه لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهنّ، و تحدّث به السّقايات بطرق المدينة

(1)

.

انتقد أيّها المتأصّل هذه الثلاثة الأخبار و اعتبر صريحها و فحواها، هل يبقى عليك لبس- إن كنت منصفا محصّلا- في المستضعف من هو، فإنّه الّذي دلّت عليه الأخبار الأوّلة من قولهم: من لا يعرف ما أنتم عليه، و خلاف ذلك الّذي يعلم ما نحن عليه و هو الناصب، ثمّ أورد هذا المصنّف في آخر الباب خبرا و هو:

حدّثنا أبي (رحمه اللّه) قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن موسى بن بكر، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن المستضعفين فقال: البلهاء في خدرها، و الخادم تقول لها صلّى فتصلّي لا تدري إلّا ما قلت لها، و الجليب الّذي لا يدري إلّا ما قلت له، و الكبير الفاني، و الصّبي الصّغير، هؤلاء المستضعفون، فأمّا رجل شديد العنق جدل خصم يتولّى الشراء و البيع لا تستطيع أن تغبنه في شيء تقول هذا مستضعف، لا و لا كرامة

(2)

.

____________

(1)- معاني الأخبار: 193.

(2)- معاني الأخبار: 194. 195.

235

و الّذي يدلّ و يزيد ما ذكرناه وضوحا و بيانا في معنى النّاصب من هو،

ما سأل محمّد بن عليّ بن موسى الأشعري القمّي من رجال أبي الحسن الثالث عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) من جملة مسائله التي سألها، فإنّها مرويّة معروفة عند أصحابنا قال: و كتبت إليه أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب

(1)

.

و أورد الصفواني- مصنّف من أصحابنا، جليل القدر قد ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرست المصنّفين في كتابه المعروف بأنس العالم-.

و قد روي أنّ رجلا قدم على أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) فقال له: يا أمير المؤمنين أنا أحبّك و أحبّ فلانا- و سمّى بعض أعدائه- فقال: أمّا الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى، و إما أن تبصر

(2)

.

و ذكر هذا المصنّف أيضا: و قيل للصادق (عليه السلام): إنّ فلانا يواليكم إلّا أنّه يضعف عن البراءة عن عدوكم، فقال: هيهات، كذب من ادّعى محبّتنا و لم يتبرّأ من عدوّنا

(3)

.

____________

(1)- مستطرفات السرائر بتحقيقنا: 104، و راجع الوسائل 6: 341 و 19: 100.

(2)- مستطرفات السرائر: 229، و راجع بحار الأنوار 27: 58.

(3)- ن م، و راجع بحار الأنوار 27: 58.

236

و أورد المصنّف أيضا: و روي عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: كمال الدين ولايتنا و البراءة من عدوّنا

(1)

.

و قال هذا المصنّف مخاطبا لولده في كتابه: اعلم يا بني انّه لا تتمّ الولاية و تخلص المحبّة و تثبت المودّة لآل محمّد إلّا بالبراءة من عدوّهم، قريبا كان منك أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (2) الآية.

فتأمّل أيّها المنصف المتديّن ما أوردته عن الثّقات، و انتقد ما سطرته، فينجلي عندك برهان ما قصدته.

و قد قال الشيخ أبو جعفر (رحمه اللّه) في الجزء الأوّل من الاستبصار في باب وجوب القراءة خلف من لا يقتدى به أخبارا من جملتها:

محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا صلّيت خلف إمام لا تقتدي به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع

(3)

.

سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن

____________

(1)- ن م، و راجع بحار الأنوار 27: 58.

(2)- المجادلة: 22.

(3)- الاستبصار 1: 429، و هو في التهذيب 3: 35، و فروع الكافي 1: 104.

237

موسى الخشاب، عن عليّ بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه و أبي جعفر في الرجل يكون خلف الإمام لا يقتدى به فسبقه الإمام بالقراءة قال: إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع و يركع

(1)

.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن صفوان عن عبد اللّه بن بكير، عن أبيه بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه عن الناصب يؤمّنا ما تقول في الصّلاة معه؟

فقال: أمّا إذا جهر فأنصت للقرآن و اسمع ثمّ اركع و اسجد أنت لنفسك

(2)

.

الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرّجل يؤمّ القوم و أنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقال: إذا سمعت كتاب اللّه يتلى فانصت له، قلت: فإنّه يشهد عليّ بالشرك؟ قال: فإن عصى اللّه فأطع اللّه، فردّدت عليه فأبى أن يرخّص لي، قال: فقلت له: إذن أصلّي في بيتي ثمّ أخرج إليه؟ فقال: أنت و ذاك

(3)

.

قال مصنّف الاستبصار- أعني الشيخ أبا جعفر- فالوجه في هذين الخبرين حال التقية و الخوف، لأنّه إذا كانت الحال كذلك جاز للإنسان أن يقرأ فيما بينه و بين نفسه و لا يرفع صوته.

مقصودي من هذا و موضع استدلالي ممّا أوردته أنّ الناصب في الخبر هو

____________

(1)- الاستبصار 1: 430، و هو في التهذيب 3: 36.

(2)- الاستبصار 1: 430، و هو في التهذيب 3: 35.

(3)- الاستبصار 1: 430، و التهذيب 3: 35، و له ذيل لم يذكر في الاستبصار.

238

من ذكرناه، دون الخارجي على ما حكي لي عن بعض أصحابنا بالأمس، و هذا شيء عجيب من قائله، لأنّه قد خرق به إجماع الإمامية، و باين أصحابه في مقالته هذه، لأنّ هذا شيء لم يخالف فيه أحد منهم قديمهم و حديثهم، و ما يعثر به في بعض الكتب: أنّ النّاصب هو الخارجي، فذلك من أصحاب الكتب تسامح و تساهل و تقية، و اتقاء على المذهب، و أيضا فلا أخرج الخارجي من أن يكون كافرا ناصبا و إن كان من خالفني على ما اعتقده أيضا ناصبا.

عدنا إلى موضع النكتة في أنّ الناصب في الخبر هو غير الخارجي، و الدليل على ذلك قول المصنّف: الوجه في الخبرين حال التقية و الخوف، فلو كان الإمام الّذي هو الناصب في الخبر هو الخارجي، فأيّ تقيّة على المسلمين منه حتى يصلّوا وراءه، و ربّما لم يطلقوا عليه اسم مسلم، فتحقّق أنّه لم يرد إلّا ما ذكرناه.

يدلّ على ذلك

ما رواه: سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن إسحاق و محمّد بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النّفس

(1)

.

و من المعلوم أنّه لم يرد بقوله معهم الخوارج، بل من ذكرناه.

و ذكر الشيخ أبو جعفر في الجزء الثاني من كتاب الاستبصار في باب مستحقّ الفطرة من أهل الولاية أورد أخبارا من جملتها:

____________

(1)- الاستبصار 1: 430، و أخرج أيضا في التهذيب 3: 36، و الفقيه 1: 260.

239

محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد بن عيسى قال: كتب إليه إبراهيم بن عقبة يسأله عن الفطرة كم هي برطل بغداد عن كلّ رأس؟ و هل يجوز إعطاؤها لغير مؤمن؟ فكتب إليه: عليك أن تخرج عن نفسك صاعا بصاع النّبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و عن عيالك أيضا لا ينبغي لك أن تعطي زكاتك إلّا مؤمنا

(1)

.

قال الشيخ أبو جعفر: فأمّا ما رواه محمّد بن الحسن الصّفار، عن محمّد بن عيسى قال: حدّثني عليّ بن بلال، و أراني قد سمعته من عليّ بن بلال قال: كتبت إليه هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة، و رجل آخر من إخوانه في بلدة أخرى محتاج أن يدفع له فطرة أم لا؟ فكتب: يقسم الفطرة على من حضر و لا يخرج ذلك إلى بلدة أخرى و إن لم يجد موافقا

(2)

.

و ما رواه محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي فقراء جيراني؟ قال: نعم الجيران أحقّ بها لمكان الشهرة

(3)

.

قال الشيخ أبو جعفر: فالوجه في هذين الخبرين و ما جرى مجراهما أن يحمل على من لا يعرف منه النّصب و يكون مستضعفا، و يكون ذلك مع فقد أهل

____________

(1)- الاستبصار 2: 51.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- نفس المصدر السابق.

240

المعرفة، فأمّا مع وجودهم فلا يحلّ ذلك (1).

و الّذي يدلّ على ذلك ما رواه:

عليّ بن الحسن بن فضال، عن إبراهيم بن هاشم، عن حمّاد، عن حريز، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان جدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يعطي الضّعيف و من لا يجد و من لا يتولّى، قال: و قال أبوه (عليه السلام): هي لأهلها إلّا أن لا تجدهم، فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب و لا تنقل من أرض إلى أرض، و قال:

الإمام يضعها حيث يشاء، و يصنع فيها ما يرى

(2)

.

فتأمّل أرشدك اللّه بعين التدبّر و الإنصاف قول أبي جعفر الطوسي و تأويله للخبرين، و فرقه بين من لا يعرف منه النّصب و يكون مستضعفا هل أراد الخارجي؟ أم جميع من يخالفه في اعتقاده من المسلمين؟ إلّا أن يكون مستضعفا، و حقيقة المستضعف من ذكرناه فيما مضى في أثناء كلامنا و ما نطقت به أخبار أئمتنا (عليهم السلام).

فالسيّد المرتضى ذكر في الانتصار مسألة أنا أوردها و هي:

و ممّا انفردت به الإمامية أنّ كلّ طعام عالجه الكفّار من اليهود و النصارى و غيرهم ممّن ثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام لا يجوز أكله، و لا الانتفاع به،

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- الاستبصار 2: 51، و هو في التهذيب 4: 88.

241

و خالف باقي الفقهاء في ذلك (1).

فهل أراد السيّد المرتضى في قوله: (و غيرهم ممّن ثبت كفرهم بدليل) الخوارج فحسب، لا و اللّه، بل كلّ من خالفه في اعتقاده، لأنّ القدرية و المرجئة و المجبرة و المعتزلة ثبت عنده كفرهم بما ذكره، فينبغي للإنسان المحصّل المتديّن أن يكون كالميزان، لا يروعه صوت كلّ ناعق، و لا يتدلّى من كلّ حالق، فإنّ قلّة المعرفة تدلي صاحبها في كلّ قعر، و تركبه كلّ وعر، و الحمد للّه على ما أرشدك، و له الشّكر على ما أنعم، و صلّى اللّه على خاتم الرسل و الأنبياء، و على آله المعصومين النجباء الأصفياء و سلّم و كرّم.

* * *

____________

(1)- الانتصار: 193.

242

[81] مسألة في الشك بين الأربع و الخمس في حال القيام (1)

مسألة: ما تقول فيمن شك و هو قائم هل قيامه الّذي هو فيه للركعة الرابعة أو إلى الركعة الخامسة، و لم تترجّح ظنونه كيف يكون حكمه في هذه الحال؟

الجواب و باللّه التوفيق: الواجب عليه في ذلك الجلوس من غير ركوع، فإذا جلس تشهّد و سلّم، و قام بعد سلامه فصلّى ركعة احتياطا و قد برئت ذمّته و قضى الواجب المتعلّق بها.

فإن قيل: فهلا قلتم يركع في حال قيامه قبل أن يجلس ثمّ إذا جلس تشهّد و سلّم؟

قلنا: هذا لا يصحّ و لا يجوز، و لا يذهب إليه محصّل، و لا من تعرض بهذا الفنّ، لأنّه لا يأمن من أن يكون قد صلّى أربعا فيكون ركوعه زيادة في صلاته فيفسد الصّلاة.

____________

(1)- و قد أشار إليها في السرائر.

243

فإن قيل: فعلى قولكم لا يأمن أن يكون قد صلّى أربعا، قلنا: فقد تمّت صلاته، و صلاته لركعة الاحتياط بعد تسليم غير مفسدة لها لأنّها منفصلة بالتسليم عنها.

فإن قيل: فهلّا قلتم يجلس من غير ركوع و يتشهّد و يسلّم و لا يجب عليه ركعة الاحتياط بل يجب عليه سجدتا السّهو؟

قلنا: هذا أيضا غير مستقرّ و لا مستمرّ على أصول المذهب و أحكام باب السّهو و ألفاظ الأخبار، لأنّ سجود السّهو في مواضع مضبوطة محصورة معدودة، ضبطها و حصرها مشيخة الطائفة، و الباحثون عن مآخذ الشّريعة و أهل النّظر و مصنّفو الكتب، و ليس هذا الموضع أحدها.

فإن قيل: أ ليس في جملتها انّ من شكّ بين الأربع و الخمس يسلّم و يسجد سجدتي السّهو؟

قلنا: فما صوّرناه بخلاف هذا، لأنّ هناك ما شكّ بين الأربع و الخمس، لأنّه قاطع متيقن أنّه ما أتى بالخمس، و لا هو أيضا مجوّز أنّه أتى بالخمس، بل هو شاكّ هل حصلت له الأربع الركعات أم لا، فكيف يجوز أنّه قد أتى بالخمس، و الموضع الّذي يجب عليه سجدتا السّهو هو أن يكون قاطعا على الأربع، و يجوّز أن يكون قد أتى بالخامسة بدليل قولهم يسلّم، فدلّ على أنّه عقيب الركعة قبل القيام، لأنّه قال يسلّم و ما قال يجلس و يسلّم.

و أيضا قولهم: من شك بين الأربع و الخمس يريدون به بين الأربع

244

الركعات و الخمس ركعات و كمالها، لأنّ (بينا) حدّ و ظرف لشيئين متيقّنين، أو مجوّزين، أو أحدهما متيقّن و الآخر متجوز.

و شيء آخر: و هو أنّ المراد بين الركعات بدليل إسقاطه الهاء من الأربع و الخمس، لأنّ الهاء تسقط في عدد المؤنث من الواحد إلى العشرة، و تثبت في عدد المذكّر من الواحد إلى العشرة، قال اللّه سبحانه: سَخَّرَهٰا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ حُسُوماً (1) فلو أرادوا بين الركوع و القيام لقالوا بين الأربعة و الخمسة، و لم يسقطوا الهاء، فلمّا شكّ هذا القائم و ما يدري هل قيامه إلى الركعة الرابعة أو إلى الخامسة، قبل أن يركع ما صار شكّه بين ركعة خامسة و بين ركعة رابعة، لأنّ الخامسة غير متيقّنة بل مجوّزة، فلم يحصل حقيقة البينونة التي بيّنا معناها فيما قدّمناه من أنّها ظرف لشيئين و حدّاهما، لأنّه في حال قيامه غير قاطع على الرابعة بل مجوّز لها و غير مجوّز لها، و غير مجوّز لحصول الركعة الخامسة، بل قاطع على أنّها غير حاصل، و غير مجوّز لها، لأنّه قاطع أنّه ما ركع الركوع الخامس و لا سجد له سجدتين، فمن أين يكون شاكا بين الأربع الركعات و الخمس ركعات؟

فإن قيل: كيف و من أين أفتيتم بأنّه يجلس و لا يركع و يتشهّد و يسلّم و يجب عليه ركعة احتياطا.

قلنا: لأنّه شاكّ بين الثلاث و الأربع بغير خلاف، لأنّه غير قاطع على

____________

(1)- الحاقة: 7.

245

الأربع بل مجوّز لحصولها، و هو قاطع لحصول الثلاث غير مجوّز لها، فصار هذا حقيقة من شك بين الثلاث، يعنون به الثلاث ركعات بعد حصولها و بين الأربع يعنون به الأربع ركعات بعد تجويزها لا بعد تيقّن حصولها، فمن هاهنا قلنا هذا الموضع بعينه الموضع الّذي نصّ القوم عليه بأنّه يسلّم و يتشهّد و يحتاط بركعة، لأنّه إن كانت الصّلاة تامّة أعني أربعا فهذه الركعة نافلة، و إن كانت الصّلاة ثلاثا فهذه الركعة تمام لها.

فإن قيل: فهلّا أوجبتم عليه سجدتي السّهو مع ركعة الاحتياط لأنّه قام في حال قعود؟

قلنا: هذا يبعد القول به، لأنّ ذلك الموضع الّذي ورد فيه يكون فيمن يقطع على أنّه قام في حال قعود أو قعد في حال قيام، فيكون قاطعا فيجبر فعله الّذي تيقّنه بسجدتي السّهو، و هذا غير متيقّن أنّه قام في حال قعود أو قعد في حال قيام، فإلحاقه به لا يجوز، و لا يتجاوز، و لا يتخطى ما حدّ لنا من الأحكام فنكون داخلين في قوله عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (1).

* * *

____________

(1)- الطلاق: 1.

246

[82] مسألة في موت اليهودي في البئر ما ذا ينزح منه؟

مسألة: ما تقول في ماء البئر إذا مات فيه يهودي، هل يجب نزح جميعه أو نزح سبعين دلوا؟

الجواب و باللّه التوفيق: المسألة لا يخفى فقهها إلّا على قليل الدّراية، بعيد الفطنة، قد رين على قلبه، لا يدري ما يذر و ما يدع، غير محصّل لشيء من الفقه جملة و تفصيلا، تلعب به سواد الكتب يمينا و شمالا، يقف على الشيء و ضدّه، و يفتي به و هو لا يشعر، نعوذ باللّه من سوء التّوفيق و نحمده على إدراك التحقيق.

و الّذي يجب أن يعوّل عليه و يرتكن إليه، و القول و الفتوى بوجوب نزحها أجمع مع الإمكان، أو التراوح على نزحها من أول النهار إلى آخره أربعة رجال، و الّذي يدلّ على هذه الجملة ما قد ثبت من إجماع أصحابنا الّذي لا خلاف فيه أنّ اليهودي إذا باشر ماء البئر ببعض من أبعاضه نجس الماء و وجب نزح جميعها، و عموم أقوالهم و فتاويهم على هذا الأصل.

و أيضا فقد ثبت نجاسة سؤر المشرك من ظاهر كتاب اللّه الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و هو قوله عزّ و جلّ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ

247

نَجَسٌ (1) و اليهود عندنا مشركون بغير خلاف بيننا، و بقوله عزّ و جلّ: وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ (2) ثمّ قال سبحانه في آخر الآية: سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ.

فعلى هذا التحرير ماء البئر نجس، و لا دليل على طهارته بعد نجاسته إلّا بما يتيقّن معه طهارته، و لا يقين إلّا بنزحها جميعها، لأنّه إذا نزحت جميعها زال الخلاف و حصل اليقين، لأنّ نجاستها عند ملامسة اليهودي لها حاصلة بيقين، و لا يزول اليقين إلّا بيقين مثله، و أيضا دليل الاحتياط يقتضي ذلك.

فإن قيل: فقد ورد أنّه ينزح إذا مات إنسان في البئر سبعون دلوا لموته، و هذا عام في المؤمن و الكافر و لم يفصّل، فيجب العمل بالعموم إلى أن يقوم دليل الخصوص.

و قد أورد أبو جعفر الطوسي في كتاب النهاية ذلك، و قال: إذا مات إنسان في البئر ينزح منها سبعون دلوا و قد طهرت (3) و لم يفصّل.

قلنا: الجواب عن هذا الإيراد من وجوه: أحدهما أنّ ألفاظ الأجناس إذا كانت نكرات لا تفيد عند محقّقي متكلّمي أصول الفقه الاستغراق و العموم و الشمول، فأمّا إذا كان معها الألف و اللام كانت مستغرقة كما قال اللّه تعالى:

____________

(1)- التوبة: 28.

(2)- التوبة: 30.

(3)- النهاية: 6.

248

وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ (1).

و أيضا فإنّ الرواية كما وردت بما ذكره السّائل، فقد وردت أيضا أنّه إذا ارتمس الجنب في البئر ينزح منها سبع دلاء و قد طهرت، أورد ذلك أبو جعفر الطوسي أيضا في نهايته (2) و لم يفصّل، و الرواية بذلك عامة.

فمن قال في الإنسان عام و لم يفصّل، يلزمه أن يقول في الجنب أنّه عام و لم يفصّل، فهما سيّان، و الكلام على القولين واحد حذو النّعل بالنّعل، و لا أحد من الإمامية يتجاسر فيقول سبع دلاء لارتماس أيّ جنب كان سواء كان يهوديا أو مسلما محقّا، و هذا كما تراه وزان المسألة بعينه.

و أيضا لا خلاف بيننا أنّ اليهودي إذا نزل إلى ماء البئر و باشرها و صعد منها حيا أنّه يجب نزح مائها أجمع، فأيّ عقل أو فقه أو نظر يقضي أنّه إذا مات بعد نزوله إليها و مباشرتها بجسمه و هو حيّ و قد نزح جميعها، فإذا مات بعد ذلك ينزح سبعون دلوا و قد طهرت؟ و هل هذا إلّا تغفيل من قائله و قلّة تأمّل؟

أ تراه عند موته انقلب جنسه و طهر، و لا خلاف أنّ الموت ينجس الطّاهر و يزيد النّجس نجاسة، فأمّا العموم فصحيح ما قاله فيه، إلّا أنّ الحكيم إذا خاطبنا بجملتين إحداهما عامة و الأخرى خاصة في ذلك الحكم و القضية بعينها، فالواجب علينا أن نحكم بالخاص على العام، و لم يجز العمل على العموم، و ذلك

____________

(1)- العصر: 1.

(2)- النهاية: 7.

249

أنّ القضاء و الحكم بالعموم يرفع الحكم الخاصّ بأسره، و القضاء بالخصوص لا يرفع حكم اللّفظ العام من كلّ وجوه، و ما جمع العمل بالمشروع بأسره أولى ممّا رفع بعضه.

مثال ما ذكرناه من كتاب اللّه تعالى قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ* إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (1) و هذا عموم في ارتفاع اللوم عن وطء الأزواج على كلّ حال، و الخصوص قوله تعالى:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (2) فلو قضينا بالعموم في الآية الأولى لرفعنا حكم آية الحيض جملة، و لو تركنا العمل بأحدهما لخالفنا الأمر في قوله: اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (3) فلم يبق إلّا القضاء بالخصوص على العموم حسب ما بيّناه.

فلما قال المشرّع: إذا وقع في البئر إنسان و مات فيها يجب نزح سبعين دلوا، علمنا أنّ هذا عموم، و لمّا قال: إذا باشرها كافر وجب نزح جميع مائها، علمنا أنّه خصوص، لأنّ الإنسان على ضربين: مسلم محقّ، و كافر مبطل، و هذا إنسان بغير خلاف، فانقسم الإنسان إلى قسمين، و الكافر لا ينقسم، لأنّه لا يقال هذا كافر و هذا كافر ليس بكافر، فإن أراد بالكافر الإنسان على القسمين معا كان مناقضة

____________

(1)- المعارج: 29.

(2)- البقرة: 222.

(3)- الأعراف: 3.

250

في الأدلّة، و الأدلّة لا تتناقض، فلم يبق إلّا أنّه أراد بالإنسان ما عدا الكافر الّذي هو أحد قسمي الإنسان.

و ما هذا إلّا كاستدلالنا كلنا على المعتزلة في تعلّقهم بعموم آيات الوعيد مثل قوله: وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ (1) ففجّار أهل الصلاة داخلون في عموم الآية، فيجب أن يدخلوا النار و لا يخرجوا منها، فجوابنا لهم: إنّ الفاجر على ضربين، فاجر كافر، و فاجر مسلم، و قد علمنا بالأدلّة القاهرة من أدلّة العقول التي لا يدخلها الاحتمال، أنّ فاجر أهل الصّلاة غير مخلّد في النار، و هو مستحقّ للثّواب بإيمانه.

و قد قال تعالى في آية أخرى: جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (2) فعلمنا أنّ الفجار في الآية ما عدا فجّار أهل الصلاة من فجّار الكفار، لأنّه ليس كلّ فاجر كافرا، و كلّ كافر فاجر، فأعطينا كلّ آية حقّها، و كنّا عاملين بهما جميعا، و أيضا فالعموم قد يخصّ بالأدلّة لأنّه لا صيغة له عندنا.

مثال ذلك إذا خاطبنا الحكيم بجملتين متماثلتين في العموم، فإن كانت الجملة الأولى أعمّ و الثانية أخصّ، دلّ ذلك على أنّه أراد بالجملة الأولى ما عدا ما ذكر في الجملة الثانية، و إذا ذكر الثانية دلّ في أنّه أراد ما عداها.

____________

(1)- الانفطار: 14.

(2)- التوبة: 73.

251

و نظير الأوّل أن يقول: اقتلوا المشركين، و يقول بعده: لا تقتلوا اليهود و النصارى، فإنّ ذلك بعيد أنّه أراد بلفظ المشركين ما عدا اليهود و النصارى و إلّا كانت مناقضة أو بداء، و ذلك لا يجوز، و نظير الثاني أن يقول أوّلا: لا تقتلوا اليهود و النصارى، ثمّ يقول بعده: اقتلوا المشركين، فإنّ ذلك يدلّ على أنّه أراد بلفظ المشركين الثانية ما عدا ما ذكر في الجملة الأولى، و لو لا ذلك لأدّى إلى ما قدّمناه و أبطلناه، و ليس لأحد أن يقول هلّا حملتم الجملة الثانية على أنّها ناسخة للجملة الأولى.

قلنا: من شأن النّسخ أن يتأخّر عن حال الخطاب على ما هو معلوم في حدّ النسخ، و إنّما ذلك من أدلّة التّخصيص التي يجب مقارنتها للخطاب.

فعلى هذا ينبغي أن يحمل كلّ ما يرد من هذا الباب و يعرف الأصل فيه، فإنّه سيعرف المحكم له على حقيقة العمل بمقتضاه.

* * *

252

[83] مسألة في رجيع دود القزّ

مسألة: ما تقول في رجيع دود القزّ، هل هو طاهر أو نجس؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم إنّ الّذي أعوّل عليه و قادني الدليل إليه: انّ رجيع دود القزّ طاهر، لا فرق بينه و بين رجيع الزّنابير و الذّباب، و الدّليل على طهارته أنّ الأصل في الأشياء جميعها الطهارة، فمن ادّعى نجاسة شيء منها يحتاج إلى دليل، فإن اشتبه على قليل التأمّل و توهّم أنّ كلّ ما لا يؤكل لحمه فإنّ روثه نجس، و أخذ بظاهر هذا القول و ظاهر النصّ، و لم يحقق دليل النصّ لقصور تأمّله و بحثه، فينبغي أولا أن يعقل الخطاب و أدلّته و فحواه.

و الّذي يجب تحقيقه في هذا السؤال و الجواب: أنّ المشرّع ما خاطبنا إلّا بما نعرفه و نعتاده، و إلا كان يكون ملغزا، و قولهم (عليه السلام): «كلّ ما لا يؤكل لحمه فروثه نجس» (1) و المراد به ما ينطلق عليه اسم اللحميّة و يتعارفه المخاطبون و عادتهم

____________

(1)- لم أقف عليه بهذا اللفظ، و يستدل عليه ب(اغسل ثوبك من بول كلّ ما لا يؤكل لحمه) الوسائل كتاب الطهارة أبواب النجاسات باب/ 8 نجاسة البول و الغائط من الإنسان و من كلّ ما لا يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة.

253

جارية بتسميته لحما، و اللحم لا يعرف لغة و لا شرعا إلّا بذوات الأرواح و العظم و الدم، و دود القز خارج من هذا التحديد و التحرير، إذ لا دم له و لا عظم، فمن أين ينطلق عليه اسم اللحم، و أحكام صاحب اللّحم المذكور، بدليل: من نذر للّه عتق رقبة إذا أكل لحما، فأكل دود القز هل يجب عليه العتق أم لا؟

فأقول: إنّه لا خلاف بين المسلمين أنّه لا يجب عليه العتق، لأنّه ما أكل ما ينطلق عليه اسم اللحم، لا بعرف الشرع، و لا بعرف اللغة، و لا العادة، فيلزم من نجّس رجيعه و تعلّق بكلّ ما لا يؤكل لحمه فروثه نجس، أن يوجب عليه إذا نذر ما قدّمته إذا أكل الدّود العتق!

و أيضا فالخطاب إذا كان مطلقا رجع في إطلاقه إلى العرف المعهود الشرعي، فإن لم يكن رجع إلى العرف المعهود و المعتاد، بدليل أنّ الإنسان إذا قال لوكيله: اشتر الرءوس و أطلق، رجع في اطلاق كلامه إلى عرف العادة المعهود، و هو رءوس النعم، فإن اشترى رءوس العصافير كان الشراء باطلا، و هذا بيّن بحمد اللّه تعالى لمن كان له أدنى تحقيق و تحصيل، و إنّما يزلّ فيه من لا دراية له بفحوى الخطاب و أصول الفقه و أدلّة النصوص، و لا له قدم اغبرّت في تحقيق الشّريعة، بل يذهب به ظاهر النصّ يمينا و شمالا، و هو لا يشعر لأنّ هاهنا أشياء تعلم بظواهر النّصوص، و أحكاما تعلم بأدلّة النّصوص لا بظواهرها.

ثمّ يلزم من قال بنجاسة رجيع دود القزّ أمر لا يتخلّص منه و لا يمكنه

254

التفصّي منه إلّا بركوب الوعر، و التدلّي إلى كلّ قعر، و هو إن نجّس خرء دود القزّ فيلزمه أن ينجّس خرء الزّنابير و الذّباب، و هذا لا يقوله أحد من المسلمين، إذ لا فرق بين الموضعين و الحكمين، و إلّا فمتى أفرق، تفرّق، فليضع يده عليه و يذكر دليل فرقه، و لن يجده ما لاح الجديدان.

* * *