أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
255

[84] مسألة في السمك الّذي يصطاده اليهودي

مسألة: هل يحلّ أكل ما صاده اليهودي من السّمك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا خلاف بين أصحابنا المحقّقين قديما و حديثا في أنّ صيد السّمك لا يراعى فيه التسمية، بل الحال التي يحلّ معها أكله أن يخرج من الماء حيا، سواء أخرجه مسلم أو كافر، من أيّ أجناس الكفّار كان، إلّا أنّ ما يخرجه غير المسلم يراعى فيه المشاهدة له و قد أخرجه حيا من الماء، و لا يقبل قوله في أنّه أخرجه من الماء حيا، فهذا فرق ما بين المسلم و الكافر، و بهذا كان يفتي السيّد المرتضى قدس اللّه روحه و قد ذكره في الناصريات (1)، و استدلّ على ذلك و صحّته.

____________

(1)- المسائل الناصريات، المسألة الثالثة و المائتان. و في المطبوع ضمن الجوامع الفقهية: لا يحلّ السمك الّذي يصطاده ذمي و كذلك الجراد، لأنّ ذكاتهما صيدهما. ثمّ استدلّ المرتضى (قدّس سرّه) على أنّ الذكاة غير الصيد حقيقة، و انّ الصيد أجري مجرى الذكاة في الحكم لا في وقوع الاسم، إلى أن قال: فعلى من ادعى دخول صيد الذمي للسمك و الجراد تحت ذكاة الذمي فعليه الدليل و في هذا نظر و ليس هذا موضعه.

256

فأمّا من يشتبه عليه من أنّ صيده ذكاته و ذكاة غير المحقّ لا تحلّ، و يسوّي بين الذباحة و بين إخراج السمك، و يرجع إلى ظاهر اللّفظ، و يحرّم صيد الذمّي و الناصبي للسّمك قياسا أو نظرا إلى الذكاة في النّعم و يقول: هذا ذكاة، فهو مبعد عن الصواب قليل التأمّل، يزلّ من حيث لا يشعر،

لأنّ قولهم (عليهم السلام): «ذكاة السّمك أخذه و إخراجه من الماء حيّا»

(1). معناه أنّها ذكاة حكميّة لا حقيقة، لأنّ حقيقة الذّكاة الشرعية فري الأوداج و الحلقوم و المري و غير ذلك من أحكام الذكاة، و إنّما أجري مجرى الذّكاة الحقيقية في الحكم، في وقوع الاسم، و إذا وقع التحريم بتذكية الذمّي و الناصبي و أنّه لا ذكاة له، فإنّما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح و فري الأوداج.

و أيضا لو كان صيده ذكاة حقيقة

لما قال الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لما سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته»

(2) فأحلّ ميتته، فلو كان صيده ذكاة حقيقة لما أطلق عليه اسم الميتة، لأنّ الحيوان المذكّى لا يسمّى ميتة لا عرفا و لا لغة و لا شرعا.

و لما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عند سؤال السائل له عن دم السّمك؟ فقال:

____________

(1)- الوسائل 24: 75 ح/ 30035.

(2)- وسائل الشيعة 1: 102، نقلا عن المعتبر للمحقق: 7، و دعائم الإسلام 1: 111، و عوالي اللئالي 2: 14.

257

لا بأس بدم لم يذكّ

(1)

.

فبان بذلك ما بنينا عليه.

و أدلّ دليل على ما اخترناه من جواز أكل صيد الذمّي مع المشاهدة له، و قد أخرجه من الماء حيا و إن مات في يده، و أنّ الصّيد للسّمك ليس ذكاة حقيقة، إجماع أصحابنا على أنّ الشاة المذكاة يحرم منها أربعة عشر شيئا، و إجماعهم على أنّ السّمك لا يحرم منه شيء، فلو كان صيده ذكاة حقيقة لحرم منه ما حرم من الشّاة المذكّاة ذكاة حقيقة، و أحد لا يقول ذلك و لا يتفوّه به.

* * *

____________

(1)- إشارة إلى ما رواه الكليني في فروع الكافي 1: 18، و الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 260، و أخرجه المؤلّف نفسه في مستطرفات السرائر: 477، و الحديث كما في الكافي و التهذيب: عن أبي عبد اللّه قال: إنّ عليّا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذكّ يكون في الثوب فيصلّي فيه الرجل.

يعني دم السمك. ا ه.

258

[85] مسألة في غسل من وجب عليها غسل الجنابة و غسل الحيض

مسألة: ما تقول في المرأة يجب عليها الغسل من الجنابة و الغسل من الحيض، و هي غير عالمة بترتيب النيّة في ذلك، ثمّ اغتسلت لرفع حكم الجنابة فحسب و لم تذكر الحيض، فهل يكون هذه النيّة مجزية عن الأمرين أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجزيها أن تغتسل للجنابة و قد ارتفع حدثها من جميع الأغسال، لأنّ غسل الجنابة إذا اجتمع مع أغسال كثيرة أجزأ عن الجميع.

* * *

259

[86] مسألة في المسح على الرجلين لمن هو واقف في الماء

مسألة: كان قد أنفذ السيّد الشريف العالم الفقيه العلوي الحسيني أبو الحرب قريش (1) يسأله في المسح على رجليّ القائم في الماء، و يذكر أنّ بعض الناس جرى بينه و بينه خلاف في ذلك، و اقترح أن يعرّفه ما عنده في ذلك؟

فكتب إليه الجواب: بعد حمد اللّه و الصلاة على نبيّه و آله: أمّا ما أنعم به و أهلّني لسؤاله عنه في معنى المسح على رجليّ القائم في الماء، فقد و اللّه دلّني على

____________

(1)- الشريف أبو الحرب قريش هكذا ورد في المتن، و الرجل المشار إليه فيما أحسب هو أبو محمّد قريش بن السبيع بن المهنّأ بن السبيع المديني قدم بغداد و سكنها و سمع بها من ابن الخشاب و ابن البطي و ابن النقور، توفي سنة 620، ترجمه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد، و ابن الصابوني في تكملة إكمال الإكمال: 326 تحمصطفى جواد، و الذهبي في المختصر المحتاج إليه 3: 161 تحمصطفى جواد و غيرهم، و ترجمه سيد الأعيان 43: 20 فقال: من أجلّ الأصحاب، له كتاب فضل العقيق و التختم به، و له المختار من كتابي الاستيعاب لابن عبد البر و الطبقات لابن سعد في الرياض ...

يروي عنه السيّد رضي الدين عليّ بن طاوس، و يروي عنه السيّد فخار بن معد الموسوي، و هو يروي عن الحسين ابن رطبة عن الشيخ أبي عليّ ابن شيخ الطائفة، و ترجمه شيخنا الرازي في الأنوار الساطعة: 136 ط بيروت.

260

غزارة علمه الدّفين، و ذهنه الرصين، و تبحّر عميق، و تدبّر دقيق، و استشهاده للفريقين و المقالتين بالحجج الواضحة، و البراهين اللائحة، بما يكاد يتكافأ فيه القولان، و يرجّح به المسألتان.

و الّذي قوي عندي، و تبلّج بيانه، و تجلّى برهانه، إن مسح رجليه و هو قائم في الماء بعد إخراجه لهما فقد أجزأه لتناوله ظاهر الكتاب، و متون الأخبار، و ألفاظ السنّة المقطوع بها، و الآثار، إذ لا يصرفنا عن حكم الظاهر إلّا الدليل الواضح، و البرهان اللائح.

فأمّا ظاهر القرآن فقوله عزّ و جلّ: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ (1) و هذا قد مسح و فعل ما أمر به في ديانته، و أتى بمتضمّن الأمر على حقيقته، و استعمل المشروع له في شريعته، و لم يقم دليل قاطع على أنّ العضو الممسوح يجب أن يكون ناشفا حال المسح، و أيضا الأصل الجواز و المنع يحتاج إلى دليل.

فأمّا قول القائل و احتجاج المحتجّ على بطلان هذا الوضوء و المسح و ارتفاع الإجزاء به، من أنّ الإماميّة أجمعت على أنّ المتوضّئ في الحرّ الشديد الّذي ينشف الماء إذا توضّأ و أراد أن يمسح و لم يبق في يده نداوة، أخذ من حاجبيه و أشفار عينيه أو لحيته إن كان في شيء من ذلك نداوة و مسح، فإن لم يبق في ذلك نداوة استأنف الوضوء، فلو لم يعتبروا أن تصل نداوة الوضوء إلى الرأس و الرّجلين لم يوجبوا استيناف الوضوء، و من رفع رجله من الماء و مسح عليها،

____________

(1)- المائدة: 6.

261

فمعلوم ضرورة أنّ يده تأخذ من الماء الّذي على رجله و يزيد نداوة يده، و لا تأخذ رجله من نداوة يده شيئا، و استشهاده أيضا على بطلان هذا الوضوء بأنّ الذمّة مشغولة بيقين، و من توضّأ و مسح على رجليه و هي ناشفة برئت بيقين، و في صحّة الوضوء على الوجه الآخر خلاف، فيجب العمل على ما هو متيقّن.

و الّذي يبطل قول هذا المحتج و المتعلّق ببيت العنكبوت: أنّ ادّعاء إجماع الإماميّة في هذا باطل، و لم يحقّق ما قالوه و لا ما حكاه عنهم، و لم يجمعوا على ما له فيه تمسّك، بل قولهم ينافي ما صوّره، و مضى قولهم في هذه المسألة أنّهم لم يعتبروا الموالاة، و الجفاف في حال الهواء الشديد، و لم يقولوا الحرّ الشديد، و إنّما معنى قولهم هو أنّ المتوضّئ إذا نسي مسح رأسه و رجليه، و ذكر فإن كان على لحيته أو حاجبيه أو أشفار عينيه نداوة أخذ و مسح العضوين، و إن لم يبق نداوة استأنف الوضوء، و إنّما أوجبوا عليه استئناف الوضوء لأنّه غير ماسح بنداوة وضوئه، و مسألتنا بخلاف ما حكاه، و غير ما أشار إليه و توهّمه، لأنّه قد أتى بالمسح و اتبع الأمر به.

و أما قوله فمعلوم ضرورة أنّ يده تأخذ من الماء الّذي على رجليه، فكذا نحن نقول إنّه معلوم ضرورة إنّ رجله ينالها آخرا من نداوة يده، فما باله يدّعي الضرورة، و يغفل عن ادعاء خصمه الضرورة في احتجاجه و كلاهما واحد!

و أمّا قوله إنّ الذمّة مشغولة بيقين فصحيح، إلّا أنّا عدلنا عنه بيقين مثله،

262

و دليل نقلنا عنه، و امتثلنا ما تناوله ظاهر القرآن، و اتّبعنا ما شرع لنا بواضح البرهان.

و أيضا فلا يجوز العدول عن الظّواهر إلّا بأدلّة قاطعة الأعذار، إذ في خلافها متضمّن الوعيد و الإنذار.

و أيضا إجماع الإمامية يبطل ما ذهب إليه، و بنى مذهبه عليه، لأنّهم أجمعوا على أن يمسح الرأس و الرجلين ببقية نداوة الوضوء، لأنّهم لا يجيزون أخذ ماء جديد لذلك الوضوء، و هذا قد مسح ببقية نداوة الوضوء، و لم يجمعوا على أنّ الرجل يجب أن تكون ناشفة حال الوضوء. و أيضا فالشرع ما ورد بالمنع من المسح إلّا على الحوائل بين الأعضاء الممسوحة و بين نداوة الوضوء.

و المشرّع فصّل بين الحوائل ما هي فقال: لا يجوز المسح على العمامة، و لا على النّعال إذا كانت تغطّي القدم، أو ما جرى مجرى ذلك من الحوائل، و لم يذكر أنّ رطوبة الرجل من جملتها، فمن قال: إنّ رطوبة الرّجل حائل يحتاج إلى دليل، و لا دليل له، و كان يلزمه إذا جعل الرّطوبة حائلا بغير دليل و لا شرع أن يجعل الحناء و الخضاب حائلا، و هذا خلاف إجماع المسلمين.

و كان يلزم أيضا أنّ من كان خائضا في الماء أو سابحا أو مغتسلا و خرج من الماء و قد تضيّق وقت الفريضة بحيث أنّه إذا انتظر أن يجفّ رطوبة رجله و رأسه حتى يمسح عليهما و هما جافتان، فإن خرج الوقت لأداء الفريضة فيلزم على هذا أنّه لا يصلّي، أو يصلّي من غير مسح، أو يتيمّم مع وجود الماء، لأنّ

263

الصّلاة لا تصحّ إلّا بوضوء شرعي، أو يتيمّم مع فقد الماء، و هذا لا يذهب إليه محصّل لما فيه من الوهن في الدين، و خلاف إجماع كافّة المسلمين، فليتأمّل ما سطرته، لعلّه يكون كاشفا لما أشكل و التبس إن شاء اللّه (1).

* * *

____________

(1)- أحال المؤلّف على هذه المسألة في كتابه السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 1: 60.

264

[87] مسألة في تقسيم الخمس بين ذويه و تفضيل بعضهم على بعض

مسألة: هل يجوز أن يفضّل أحد من أرباب الخمس؟ أو يعطى فريق دون فريق أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إنّ الواجب عليه إذا حضر الثلاث فرق المستحقة للخمس أن يفرّقه على جميعهم، و لا يجوز له أن يحرم فرقة منهم مع الحضور، فأمّا إذا لم يحضروا جميعا، بل حضر فريق منهم مثلا أو فريقان، فليسلّم إلى الحاضرين و لا ينتظر حضور الغائبين، من حضره أعطاه، و لا يعزل للغائب من الفرق شيئا، و يجوز أن يفضّل مسكينا على يتيم، أو يتيما على مسكين، غير أنّه لا يحرم المتبعّض بالكليّة.

* * *

265

[88] مسألة في توكيل الوكيل في التسليم

مسألة: أ يجوز للوكيل أن يوكّل وكيلا آخر في التسليم أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز له ذلك إلّا بإذن موكّله، لأنّه رضي بأمانته، و لم يرض بأمانة وكيله.

* * *

266

[89] مسألة في نيّة المخرج للزكاة و قد أرسلها إلى غير بلده ... الخ

مسألة: ما تقول فيمن وجبت عليه زكاة، فأراد إنفاذها إلى بلد آخر مع رسول إلى من يعطيها لأربابها، و ذلك مع عدم المستحقّ في بلده أو مع وجوده، كيف يكون نيّة المخرج إلى الرسول؟ و كيف يكون نيّة الرسول و المرسل؟

الجواب و باللّه التوفيق: ينبغي أن ينوي صاحب المال عند تسليمه إلى رسوله، و ينوي الرسول عند تسليمه إلى الوكيل في القسمة، و ينوي الوكيل عند إعطاء أهل السهمان.

* * *

267

[90] مسألة فيما يحلّ من الاستمتاع بالزوجة الحائض

مسألة: هل يجوز للرجل أن يستمتع بامرأته الحائض في القبل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا خلاف بين المحصّلين من أصحابنا أنّه يجوز للرّجل أن يتلذّذ و يستمتع من امرأته في غير الموضع المذكور، غير حرج في ذلك و لا (من) (1) أثما.

* * *

____________

(1)- كذا ورد في النسخة و لعل الصواب و لا من إثم أو تكون الجملة و لا آثما و (من) من سهو القلم.

268

[91] مسألة في جواز الغسل من الجنابة بغير الكف

مسألة: الشرع ورد في غسل الجنابة بالكفّ، فهل يجزي المجنب أن يفرغ عليه بطاس أو كوز و غير ذلك عوضا عن الأكف أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجوز له ذلك، و الواجب عليه غسل بشرته الظاهرة مستوعبا ذلك، سواء غسل بالأكفّ أو غيرها، لأنّ إمرار اليد على البدن في غسل الجنابة ليس بواجب.

* * *

269

[92] مسألة في اشتراط تولّي الجنب لصب الماء على بدنه مع القدرة

مسألة: ما تقول في الجنب هل يجوز له أن يفرغ الماء عليه غيره في حال الغسل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا ينبغي مع القدرة له ذلك، بل يتولّاه بنفسه، فإنّ هذه عبادة، و اللّه تعالى يقول: وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1).

* * *

____________

(1)- الكهف: 110.

270

[93] مسألة في صلاة الرجل و محاذاة المرأة له

مسألة: ما تقول في الرجل يصلّي و امرأته قائمة أمامه أو بحياله يمينا أو شمالا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم إنّ صلاة من ذكرت حاله صحيحة إذا لم تكن المرأة تصلّي، و ليس بين أصحابنا خلاف في أنّ الرجل إذا صلّى و امرأته قائمة لا تصلّي إمّا أمامه أو شماله أو يمينه و بينه و بينها دون عشرة أذرع أو أكثر أنّ صلاته صحيحة، و هم متّفقون فيما صوّرته أنّ الصّلاة صحيحة، بل اختلافهم في أنّها تصلّي و هو يصلّي، و صورة المسألة ما حكيته، فإنّ بينهم في ذلك خلافا، و الأظهر من المذهب، و الّذي يقتضيه الأصل و يقوّيه النّظر و الاعتبار: أنّ الصّلاتين صحيحتان، و إنّما تحمل الأخبار المخالفة لما اخترناه على ضرب من الكراهة دون بطلان الصلاة، فاعلم ذلك.

* * *

271

[94] مسألة في طهارة من يقرأ القرآن أو يمسّ كتابته أو كلام النبيّ و الأئمّة جوازا و عدما

مسألة: ما تقول في الرجل على غير وضوء يقرأ القرآن و يمسّ كتابته، أو يمسّ كلام الرسول أو الأئمّة؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّه لا خلاف بين المسلمين في أنّ قراءة القرآن على غير وضوء جائزة، بل الخلاف فيمن قرأه و هو جنب، فالذي أقوله: إنّه يجوز له أن يقرأ ما شاء من القرآن و هو جنب على كراهية، إلّا الأربع سور، فإنّه لا يجوز له قراءتها و هو جنب، لأنّ فيها سجودا واجبا، و أما من مسّ كتابته و هو على غير وضوء فالأظهر بين أصحابنا أنّه مكروه، و منهم من حظره، فأمّا من مسّه و هو جنب، فلا خلاف بينهم أنّه لا يجوز له ذلك و يحرم عليه مسّه.

فأمّا كلام الرسول و الأئمّة (عليهم السلام) فما ورد في مسّ كلامهم و لا قراءة شيء، فالأصل جوازه و إباحته، و المنع منه يحتاج إلى دليل سواء كان جنبا أو على غير وضوء.

* * *

272

[95] مسألة في طلاق المسترابة

مسألة: ما تقول في طلاق المسترابة، و هل يجوز له أن يعقد عليها في العدّة عقدا مؤجّلا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا أريد طلاق من ذكر حالها فليصبر عليها زوجها ثلاثة أشهر و يطلّقها، و إن كانت التطليقة أوّلة أو ثانية فهي زوجته و له عليها الرّجعة، لأنّها ما بانت منه ما دامت في العدّة و هي زوجته، و كيف يجوز أن يعقد على زوجته و هي في ملكيته ما بانت منه، و أيضا ترثه و يرثها و يجب عليه الإنفاق عليها و السّكنى، و يحرم عليه أن يتزوّج بأختها، و أن يضيف إلى العقد إذا كانت هي رابعة ثلاث زوجات تحته، عقد على امرأة خامسة فافهم ذلك.

فأمّا إذا كان الطلاق بائنا فلا يحلّ له أن يعقد عليها إلّا بعد أن تخرج من عدّتها و تتزوّج بزوج غيره، تزويج دوام، و يدخل بها الزّوج دخولا شرعيا، و أن يكون الزّوج بالغا، فإذا دخل بها و طلّقها و قضت من الزّوج الثاني العدّة، جاز للأوّل العقد عليها بعد ذلك.

* * *

273

[96] مسألة في بيع ثمر النخل و هو أخضر قبل أن يتلوّن أو قبل أن يطلع

مسألة: ما تقول في بيع ثمر النّخل و هو أخضر في النّخل قبل أن يتلوّن أو قبل أن يطلع؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أراه و أعتمده هو أن يبيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها في النّخل قبل أن يتلوّن الخلال سنة واحدة من غير شرط القطع في الحال، و يكون الخلال موجودا في رءوس النخل، فإنّه عندي بيع مكروه غير فاسد و لا محظور، و البيع صحيح غير باطل، لأنّ هذا بيع ما يمكن الانتفاع به في الحال، و أيضا فإنّه بيع غير مربيه (1)، و يدخل في ضمن قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (2) و هذا بيع.

فأمّا إذا باع النّخل قبل أن يطلع، و أضاف إلى بيعها عرضا آخر و عقد

____________

(1)- غير مربيه: من الربا كدراهم بدراهم مثلين بمثل كما في حديث عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) رواه الصدوق في الفقيه 3: 176، و الشيخ الطوسي في الاستبصار 3: 72، و التهذيب 7: 18.

(2)- البقرة: 275.

274

عليهما جميعا عقدا شرعيا، فأقول أيضا أنّ البيع صحيح و العقد ماض بإضافة العرض إلى ما يخرج هذا النّخل أمنا من الغرر الّذي حظر علينا الدّخول فيه، نظرا لنا و صلاحا خوفا علينا من إضاعة أموالنا.

و الدّليل على صحّة هذا البيع أيضا أنّه داخل في ضمن الآية المقدّم تلاوتها، و أيضا الأصل صحّة هذا العقد و بطلانه يحتاج إلى دليل، فمن ادّعى أنّه غرر فالعرض المضاف إليه يخرجه عن كونه غررا، فهذا الّذي حقيقته في هذا السؤال هو المعتمد، و الأولى عندي أنّه لا يصحّ بيعها قبل أن يطلع و معها شيء آخر، لأنّ البيع حكم شرعي يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي، و لو لا الإجماع المنعقد على صحّة بيعها إذا أطلعت سنتين لما جاز ذلك، و إلحاق غيره به قياس و لا يصحّ عندنا.

* * *

275

[97] مسألة في المضاربة

مسألة: إذا شرط الرجل المضاربة نصفا أو ثلثا أو ربعا من الرّبح و كانت مضاربة صحيحة شرعية، فهل يجب له ما شرط له مضاربة أو إجارة المثل دون الشّرط المشروط.

الجواب و باللّه التوفيق: يجب عليه الوفاء ما شرط لمضاربة، و ذلك صحيح و ليس له مع الشرط المذكور إجارة المثل لا خلاف، على المذهب الصّحيح، و المذهب المحقّ عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة المحصّلين أصولها في هذه الفتيا، لأنّ الأدلّة الصحيحة قاضية بذلك، حاكمة به و إن رويت أخبار آحاد بخلاف ذلك، فلا يلتفت إليها، لأنّ أخبار الآحاد لا توجب علما و لا عملا.

و الدّليل على صحّة ما اخترناه و صحّحناه إجماع الطائفة المحقّة و تواتر أخبارهم، في أنّ المضارب إذا اشترى أباه أو ولده بالمال و كان فيه ربح فإنّه ينعتق عليه، فلو لم يكن شريكا بحسب الشّرط في الرّبح لما انعتق عليه، و لأنّه لو كان له أجرة المثل لما انعتق، لأنّ الأجرة في ذمة صاحب المال يوفّيه إياها من أيّ أمواله

276

أراد، فليحقّق ما أومأنا إليه.

و أيضا الدّليل على صحّة ذلك قوله (عليه السلام): «الشرط جائز بين المسلمين» (1) و قوله: «و المؤمنون عند شروطهم» (2).

* * *

____________

(1)- إشارة إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز». راجع الفقيه 3: 127، و التهذيب 7: 22.

(2)- الحديث كما في الوسائل 6: 353 نقلا عن الكافي و التهذيب و الفقيه: «المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز» و قد مرّ فراجع.

277

[98] مسألة في الحبوة

مسألة: ما تقول في ثياب بدن الميّت و سيفه و خاتمه و مصحفه لمن يكون من الورّاث؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أذهب إليه أنّ ثياب بدن الميّت الوالد و سيفه و خاتمه و مصحفه للأكبر من أولاده الذكور، و بذلك تواترت الأخبار الصحيحة، و النّقل من الآثار عن الأئمّة الأطهار، و بها عند الطائفة ممّا تخصّص القرآن.

* * *

278

[99] مسألة في رجل له زوجتان ماتتا قبله و اشتبه الأمر في مهرهما

مسألة: ما تقول في رجل مات و كان له زوجة قد ماتت قبله، و كان قد تزوّج امرأة أخرى و ماتت أيضا و لم يوص لها بمهر، و الزّوجة الأولى ليس لها أحد يشهد لها بمهر، و لا حضر عند عقد نكاحها، و الزّوجة الثانية هناك من يشهد بأنه كان لها عليه مهر، إلّا أنّهم لا يعلمون هل قبضته أم لم تقبضه، و قد ماتوا جميعا.

و للزوجة الأولى أولاد يقرّون للزّوجة الأخيرة بمهر، فهل يصحّ إقرارهم لها بذلك أم لا؟ و هل للزّوجة إذا كان قد حضر في عقد النكاح من يشهد للزوجة بالمهر، ثمّ مضت مدّة طويلة و مات الرجل و لم يعلم الشّهود هل سلّم الزوج إليها شيئا أم لا؟ و هل تجزي الشّهادة الأولى و بعبعها (1) للزوجة، و يحتاج الزّوج إلى بيّنة أنّه أوفاها أم لا؟ و إذا مات الزّوج و لم يوص إلى أحد و خلّف زوجته و لها أولاد صغار، و لهم ملك و قد احتاجوا إلى بيع شيء منه هل يصحّ للأم أن تبيع منه و تنفق على الأولاد؟ أم يحتاج أن يبيع لهم غير الأم؟

____________

(1)- كذا في المصوّرة، و لعلّها محرفة عن و يعطيها أو و تنفعها و كلاهما تستقيم بهما العبارة و السياق.

279

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا سؤاله الأوّل فالذي يلوح لي فيه و أدّى نظري إليه، فمجموعه أنّ الزوجة الأولى إذا لم تقم لها بيّنة بالمهر و لا أقرّ الزوج لها عند موته به، فليس لها عليه في ظاهر الحكم صداق، لأنّه لو كان حيا و هي حيّة، و صورة المسألة ما حكيناه و ادّعت عليه المهر، كان القول قوله مع يمينه باللّه أنّ ما لها عليه حقا من جهة الصداق، فكذلك الحكم بعد الوفاة، هكذا روايات أصحابنا و فتياهم و نص مذهبهم و عملهم عليه، و يكون هذا الحكم بعد الدّخول بها.

فأمّا الزوجة الثانية إذا كان لها شهود بالمهر، فيجب على ورثتها اليمين باللّه مع شهودهم، و يجب لهم الصداق المشهود به من تركته.

و أمّا ما ذكره في أثناء سؤاله من أنّ الشهود يشهدون بالمهر و مبلغه، و لكنّهم لم يعلموا أهل قبضه أم لا، فالصحيح و المستقر ثبوته و أنّ الأصل إلّا قبض، فينبغي لهم أن يشهدوا بما علموا، بل الواجب عليهم ذلك، قال اللّه سبحانه: وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (1) نعوذ باللّه من كتمانها.

و مضى له في خلال سؤاله: و للزوجة الأولى أولاد يقرّون للزوجة الأخيرة بصداقها، فهل يصحّ إقرارهم لها بذلك أم لا؟ فاعلم أنّ الشّهود اللّذين لها أوّلا يكفون في إثبات الحق إذا كانوا شهودا عدولا يقطع الشّرع بعدالتهم، و شرائط العدالة موجودة فيهم و لا حاجة إلى غيرهم، فأمّا إذا لم يكونوا عدولا و لم يكن

____________

(1)- البقرة: 283.

280

معها شهود أصلا، و أقرّ لها اثنان من أولاد الأولى، و كانا من بعلها، و فيهما شرائط العدالة أجيزت شهادتهما على باقي الورثة، و أخذت صداقها من تركة أبيهم، و لم يحتج معهما إلى شهود.

فأمّا إذا لم يكونوا مرضيّين و لا شرائط العدالة فيهما موجودة، ألزما في حصّتهما بمقدار ما يصيبهما.

و أمّا سؤاله و هل للزوجة إذا كان قد حضر في عقد النكاح من يشهد للزّوجة بالمهر، ثمّ مضت مدّة طويلة و مات الزّوج، و لم يعلم الشّهود هل سلّم إليها شيئا أم لا، هل تجزي الشهادة الأولى و مصعها (1) للزوجة، و يحتاج الزوج إلى بيّنة أنّه أوفاها أم لا؟

هذا صورة سؤالك فالذي أقوله في هذا السؤال: إنّ الزوجة تحضر الشّهود عند الحاكم، فإذا شهدوا لها بالصداق وجب عليها اليمين بأنّها ما قبضته و لا خرج الزّوج إليها من شيء منه، فإن حلفت ثبت لها الحقّ.

و أما الزّوج فيحتاج أن يقيم البيّنة عليها بالإقباض، لأنّ هذا اختلاف في قبض المهر، و الأصل إلّا قبض، و قد مضى في أوّل المسطور ما يشاكل ذلك و يلوح به و فيه كفاية، غير أنّي أردت أن أبيّن لك الفرق بين المسألتين.

فمسألة منهما يكون القول في المهر قول الزّوج و عليه اليمين، و البيّنة على

____________

(1)- لقد مرّ نحوها و قلنا يحتمل أن تكون الكلمة محرفة عن و يعطيها أو و ينفعها و كلّ منهما يستقيم به السياق.

281

المرأة، و ذاك إذا ادّعت عليه المهر بعد الدخول بها، و لم تقم على دعواها بيّنة و أنكر الزّوج ذلك، و قال: ما لك قبلي حقّ، فها هنا القول قوله مع يمينه باللّه، على ما روى أصحابنا.

و أمّا المسألة الثانية فإذا أقرّ الزّوج بالمهر، أو قامت للزوجة البيّنة العدول و ادّعى الزوج أنّه قبّضها إيّاه، ففي هذا الموضع يكون القول قول المرأة مع يمينها باللّه أنّها ما قبضته، و يحكم لها عليه به.

فتأمّل الفرق بين السّؤالين تجده واضحا بحمد اللّه و منّه.

فأمّا سؤاله الأخير فلا ولاية للأم على الأولاد الصّغار، إلّا أن يكون الأب أوصى إليها و جعلها وصيّة فحينئذ تثبت لها الولاية، و يكون بيعها ماضيا على أولادها، إذا كان ذلك صلاحا لهم.

فأمّا إذا لم يوص إليها و لا إلى غيرها من الناس، فينبغي أن يقوم عدل من الطائفة ينظر في مصالحهم، و يكون بيعه عليهم صحيحا ماضيا شرعيا، و الردّ إلى فقهاء الطائفة العدول الرّبانيين أولى و أحرى، بذلك ثبتت الآثار و تواترت الأخبار الصّحاح النّقل عن الأئمة المعصومين الأطهار، فاعرف ذلك، و من اللّه سبحانه اسأل بسديد الفعال و التّأييد بالصّواب في خطل المقال بمنّه و كرمه.

* * *

282

[100] مسألة في المضاربة

مسألة: ما تقول في رجل مضارب، قال له صاحب المال لا تسافر إلّا مع رفقة أو في طريق يتفق الرّفقة معك فيها، فاتّفق أنّه سافر على طريق، و له فيها رفقة ثلاثة أو أربعة فأخذ المال منه، هل يلزمه الضّمان أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان هذا المضارب قيل له مثلا اترك طريق النعمانية (1) خوفا منها، و امض بالطّريق الّذي أخذتها طلبا للرّفقة، فأرى أنّ فحوى هذا الكلام يقتضي رفقة تطمئنّ النّفس إليهم، و يغلب على الظنّ السّلامة معهم، و ليس الفحوى في اللفظ رفقة لا يغلب على الظنّ السّلامة معهم، و لا النّفر المذكور في السؤال على ما جرت به أكثر العادات، و الّذي يلوح إن كان الأمر على ما شرط، فالضّمان لازم له، و اللّه أعلم بالصواب.

* * *

____________

(1)- النعمانية: بالضم، بلدة بين واسط و بغداد في نصف الطريق على ضفّة دجلة، معدودة من أعمال الزاب الأعلى و هي قصبته، و أهلها شيعة غالية كلّهم. معجم البلدان 5: 294 ط دار صادر.

283

[101] مسألة في توبة الزنديق

مسألة: ما تقول في توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم حفظك اللّه و تبيّن حقيقة هذه اللفظة و ما هو الزنديق، و قد انكشف لك الحال و انكشف لك غيابة هذه الغمّة، الزّنديق هو من أظهر الإسلام و أبطن الكفر.

و الحديث في تهذيب الأحكام و هو: مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في زنديق شهد عليه رجلان مرضيّان عدلان، و شهد له ألف بالبراءة جازت شهادة الرجلين، و أبطل شهادة الألف لأنّه دين مكتوم

(1)

.

ألا ترى إلى قوله و تعليله (عليه السلام) في الخبر لكونه دينا مكتوما من أحسن عبارة و أفصحها، و هو ممّا يلائم الدليل العقلي، لأنّ شهادة الباطن لها مزيّة على شهادة الظاهر، لأنّ هذه قد شهدت- أعني شهادة الباطن- بأمر قد خفي على من شهد بالظاهر، و لأنّ حقيقة التوبة في لسان العرب الرّجوع عن أمر ما، فلما تاب هذا

____________

(1)- تهذيب الأحكام 10: 141، و أخرجه الكليني في الكافي 2: 311 ط الحجرية.

284

الزّنديق ما تاب و لا رجع عن أمر كان عليه، لأنّه كان يظهر الإيمان و الإسلام، فإن طالبناه بإظهار ما هو له مظهر، فكيف يكون إظهار دينه توبة؟ و مذهبه إظهار الإسلام فما رجع عن أمر كان عليه إلى ما لم يكن أوّلا مظهرا له، فعلى هذا لم يصحّ له حقيقة التائب و لا التوبة التي نصّ عليها أهل اللّغة.

و أيضا إجماع الفرقة على الرواية التي ذكرناها، و أيضا فإنّ قتله بالزّندقة واجب بلا خلاف بين المسلمين، و ما أظهره من التوبة لم يدلّ على إسقاطه القتل، هكذا حكى أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في مصنّفه و هو الجزء الثالث من مسائل الخلاف في كتاب المرتد (1).

و أيضا فلا غرو أنّ توبته لا تقبل، و معناه في الشرع من لا تقبل توبته أصلا، و يجب عليه القتل حتما، لا تختلف فرقتنا فيه، و ربّما وافقنا عليه غيرنا، و هو المرتد الّذي ولد على فطرة الإسلام، فمتى ارتدّ وجب قتله و لا تقبل توبته، فليتأمّل ما سطرته بعين الفكر و التدبّر، تجده واضحا جليا بحمد اللّه و منّه.

* * *

____________

(1)- الخلاف 2: 433.

285

[102] مسألة في الدين

مسألة: ما تقول في رجل استدان منه جماعة دينا، و كتب على الجميع وثيقة، و كفل كلّ واحد منهم صاحبه، و أقام نفسه مقامه في تأدية ذلك، و حضر الأجل ثمّ طالبهم و ادّعوا العسر و قالوا: أنظرنا إلى وقت آخر، ثمّ إنّ بعض الغرماء سلّم إلى صاحب الدّين ثياب كتّان على سبيل الوديعة و قال له بعها فباعها، أ فيقطع منها بقدر ما يخص صاحب الثياب من الدين المذكور، فلما طالبه صاحب الثياب أنكر و قال له: ما لك عندي سوى ما قد وصل إليك، فهل عليه درك من اللّه؟ أم لا يجوز له أخذ ذلك لكونه وديعة؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم إنّا نفرض المسألة بأن كان الضمناء مثلا ثلاثة نفر، فضمن كلّ واحد ما على صاحبه ضمانا شرعيا، فإنّ بالضمان عندنا ينتقل المال من ذمّة المضمون إلى ذمّة الضّامن، فما كان على أحدهما فقد انتقل عن ذمّته إلى ذمّة من ضمنه، و قد انتقل إلى ذمّته أعني المضمون عنه ما كان على الاثنين الآخرين، فعلى هذه القضية و الصورة لا يستحق على كلّ واحد إلّا ما ضمنه عن رفيقه حسب، و ما كان عليه فقد انتقل عنه بالضمان فلا يطلب به،

286

و لا يجب عليه الخروج منه إلى المضمون له الأوّلي، لأنّه قد صار حقّه على من ضمنه.

فأمّا ما ذكره بأن وقع له عنده ثياب كتان، فاعلم أنّه إذا كان قد طالبه بما له و لم يعطه، فلا بأس عليه أن يأخذ من ماله الّذي عنده و لو كان وديعة، و إنّما ورد النهي عنه على سبيل الكراهة، بل الواجب للمدين أن يأخذ بقدر ما كان ضمن منه و عن الاثنين (1)، و لا يتعرّض بما كان عليه هو، لأنّه قد انتقل عن ذمّته بالضّمان، فتأمّل المسألة فإنّها مسألة جليّة من غرائب الأسئلة، و انظرها بعين التدبّر، تجد فقهها واضحا جليا بحمد اللّه و منّه.

* * *

____________

(1)- الظاهر أنّ الصواب عن الاثنين بدون الواو، و لعلّها من سهو القلم.

287

[103] مسألة في المقاصّة

مسألة: ما تقول في رجل يعلم أنّه يستحق على بعض الناس شيئا و مات، و يعلم أنّه لا يسلّم إليه الوارث ما يدعيه إلّا ببيّنة، و لا يصدّقه في ذلك و وقع له عنده بعض التركة، أ يجوز له أن يأخذ ما له منها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا أرى عليه بأسا إذا أخذ بقدر حقّه، و لا أرى إضاعة ماله.

* * *

288

[104] مسألة في عدم جواز الأخذ من مال من وجب عليه الخمس إلّا بإذنه

مسألة: ما تقول في رجل علوي فقير محتاج، وجد مالا لرجل يعلم أنّ في جهته شيئا من الخمس، أ يجوز له أن يأخذ شيئا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يحلّ للعلوي المذكور أن يأخذ من المال الموجود شيئا.

* * *

289

[105] مسألة في استعمال اللحاف الحرير لزوج المرأة و هو حلال لها استعماله

مسألة: ما تقول في المرأة مع كون الحرير مباحا لها استعماله يكون لها اللحاف منه، هل يجوز لزوجها استعماله في التغطّي معها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز للزّوج التدثّر به و لا استعماله بحال.

* * *

290

[106] مسألة في القلنسوة من الحرير

مسألة: ما تقول في القلنسوة إذا كانت حريرا، هل يجوز استعمالها لكونها ممّا لا تتم الصّلاة فيه منفردا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا الصلاة فيها فجائزة على كراهية و استعمالها لا يجوز، و يكون لابسها فاسقا بذلك.

* * *

291

[107] مسألة في إعطاء الخمس إلى أيتام العلويين

مسألة: ما تقول في أيتام العلويّين هل يسلّم إليهم ما يستحقونه أو إلى أوليائهم، و الأطفال الّذين يرضعون كيف يكون التسليم إليهم، و إنّما أولى إنفاقه عليهم أو تسليمه إليهم، و في ظاهر الحال أنّه متى سلّم إليهم أذهبوه تبذيرا؟

و هل يجوز أن يفضّل الفقير منهم على غيره من أصحاب الكفايات أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الواجب أن يسلّم إلى الأولياء، و لا يجوز أن يسلّم إلى الأطفال الأيتام، فإنّ الذمّة لا تبرأ بذلك، و أمّا ما مضى في أثناء سؤاله و هل يجوز أن يفضّل بعض الأيتام على غيره من أصحاب الكفايات، فاعلم أنّه ينبغي أن يعطى اليتيم حقّه سواء كان ذا كفاية أو لم يكن، لأنّ الآية في إعطاء الأيتام عامّة غير مقيّدة بالفقر.

* * *

292

[108] مسألة في قضاء صلاة الصبح

مسألة: ما تقول في رجل ترك فريضة الغداة على بعض الوجوه، ثمّ ذكرها ضحوة نهاره فقال: إذا صلّيت الظّهرين صلّيتهما، فلما صلّى الظّهرين نسي، فلما صلّى العشاء المغرب ذكر الفريضة فهل يقضي الفريضة بعينها؟ أم يقضي جميع فرائض يومه التي صلّاها؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان تركها في الأوّل عامدا فجميع الصّلاة التي صلّاها بعدها يجب عليه إعادتها، فإن كان تركها ناسيا لها و ذكرها ثمّ تركها ناسيا ثانيا أو ثالثا أو رابعا على هذا المثال، فالواجب عليه إعادتها بعينها فحسب.

* * *

293

[109] مسألة فيمن قدّم غسل الجنابة قبل دخول وقت الصلاة

مسألة: ما تقول في رجل اغتسل من الجنابة مندوبا ظنّا منه أنّ الوقت لم يدخل، ثمّ بان له أنّ الوقت كان دخل، هل يجوز له أن يدخل في الصّلاة بذلك أم لا؟

و نفرض أيضا أنّه اغتسل في شهر رمضان مندوبا على أنّ الفجر لم يطلع و قد كان طلع، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟

و نفرض أيضا أنّه اغتسل واجبا ظنّا منه أنّ الفجر قد طلع، ثمّ بان له أنّه لم يكن وقت غسله قد طلع، هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذا الفصل فيه ثلاث مسائل: الأوّل من الأسئلة إن كان هذا المغتسل راعى الوقت، فلم يحصل له دخوله أولا، حقّقه بطريقة علميّة فغسله صحيح و ذلك فريضة، و يجوز له أن يصلّي الواجب به.

المسألة بعينها في المغتسل في شهر رمضان الكلام فيها مثل الكلام في المتقدّم في السؤال الأوّل من أنّ صومه صحيح، و لا يجب عليه قضاء و لا غيره.

السؤال الثالث عن مغتسل اغتسل واجبا قبل طلوع الفجر و لم يكن عليه

294

قضاء فريضة فائتة، فأقول في هذا المغتسل: إنّ فرضه أن يكون بنيّة النّدب لأنّ الأصل بقاء الليل حتى يعلم زواله بطريق علمية، و الظنّ ما يوجب العلم و لا العمل.

فإن كان قد استباح الصّلاة رافعا بنيّة الحدث مستبيحا ما لم يكن مباحا له قبل الغسل، فصلاته جائزة و غسله صحيح و لا إعادة عليه، و ان كان عالما بأنّ الفجر لم يطلع متيقّنا لذلك و اغتسل بنيّة الوجوب عامدا، فأرى أنّه قد أبدع و أوجب على نفسه شيئا لم يكن واجبا عليه و شرّع لنفسه شرعا، و البدعة خلاف السنّة، و الّذي أذهب إليه أنّه لا يجوز له أن يدخل بذلك الغسل في الصلاة لأنّها بدعة، و البدعة لا يتقرّب بها إلى اللّه سبحانه.

* * *

295

[110] مسألة في الشك في نسب بعض العلويين لقول نسابة واحد

مسألة: هاهنا قوم علويون لي من نشأت، و إلى هذا اليوم ما سمعت أحدا يقول فيهم شيئا، و هم يتزوّجون عند العلويّين و يزوّجون العلويّين، و ليس فيهم و لا بينهم مراء، و اليوم قد جاء ابن التقي عبد الحميد (1) و عمل نسبة العلويّين و لم يجعلهم فيها و قال: إنّ هؤلاء القوم الّذي ينسبون إليه لم يعقب، و قد وافقه قوم آخر من أهل البلد الّذي هم فيه، و هم علويون ظاهرهم العدالة، أعني الّذين طعن فيهم، هذا مع ارتفاع خبرهم و شناعة اسمهم بالعلويّة عند العلويّين و العامة، و منهم فقراء و غير فقراء و الأمر ملتبس فيهم؟

____________

(1)- هو النسابة عبد الحميد بن عبد اللّه بن أسامة بن أحمد، أبو عليّ بن التقي الهاشمي العلوي الحسيني الزيدي الشريف النقيب، عاش خمسا و سبعين سنة، و كان إماما في الأنساب، و اشتغل على ابن الخشاب و توفّي سنة سبع و تسعين و خمسمائة قال ياقوت: حدث النقيب شرف الدين يحيى بن أبي زيد نقيب البصرة، أنّه لم يكن تحت السماء أحد أعرف من ابن التقي بالأنساب. و كان يحدث عن معرفة بالعجائب، و كان مع ذلك عارفا بالطب و النجوم و علوم كثيرة من الفقه و الشعر و غيره.

هكذا ترجمه الصفدي في الوافي بالوفيات 18: 72، و في الهامش ذكر جملة من مصادر ترجمته فراجع.

296

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا ما ذكره في السؤال من أنّ هؤلاء القوم عند أهل البلد ليس بينهم مراء في كونهم علويّين، فإن كان هذا القول مستفيضا بين الناس فالشهادة به جائزة، لأنّ شهادة الاستفاضة في النّسب مقبولة.

فأمّا من ذكره في السّؤال فلا يقبل قوله في ذلك، و لا يجوز تقليده في هذا الأمر الجليل، و لا يحرم صاحب الخمس بقول نسّابة، فالنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال في هذا المعنى ما روي: محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، و قال في آخر الكلام عند قوله ابن هاشم: كذب النسّابون، ألا ترى إلى تكذيبه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) النسّابين، و اقتصاره على من ذكر من آبائه (رحمه اللّه عليهم) (1).

* * *

____________

(1)- جاء في عمدة الطالب: 28 ط سنة 1381 هإليه- يعني إلى معد بن عدنان- انتهى النبيّ (صلوات اللّه و سلامه عليه) في الانتساب، ثمّ قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): كذب النسابون.

و في مناقب آل أبي طالب للحافظ ابن شهرآشوب السروي 1: 134 ط الحيدرية قال: و روي عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إذا بلغ نسبي إلى عدنان فامسكوا، و عنه كذب النسّابون قال اللّه تعالى: وَ قُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً و ورد نحو ذلك في جملة من كتب السيرة و النسب و التاريخ.

297

[111] مسألة في الوكالة في الطلاق

مسألة: ما تقول في رجل وكّل وكيلا على طلاق ابنته و هي بالغ من غير إذنها هل تمضي وكالته أم لا؟ و هو كاره للزّوج، و قال للوكيل أبرئه من جميع الحقوق بإذنها، فلما أبرأ الوكيل الزوج من جميع ذلك و أشهد بينه و بينه قوما مؤمنين، ثمّ بعد ذلك رام الموكّل إلزام الزوج ببعض ما كان يستحقّ عليه، فقال الزّوج: أنا ما طلّقت و أنت كاره لي أبرئني من جميع حقّك حتى أطلّق، فهل يجوز للشّهود ترك الإقامة عليه بالشّهادة لهذه العلّة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا ما ذكره في أوّل أسئلته ففاسد، لأنّ الطّلاق عند جميع الأمة بيد الزّوج، بل تفرض المسألة إن كانت المرأة بالغا غير ثيّب و زوّجها أبوها فله أن يبرئ الزّوج من بعض المهر، و ليس له أن يبرئه من جميعه.

و كذلك وليّ المرأة من بيده عقدة النكاح، لأنّ اللّه تعالى قال: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ (1) و هذا الحكم سائغ قبل الدّخول بالمرأة، فأمّا بعد الدخول فليس لأحد العفو بحال، إلّا أن تبرأه المرأة أو توكّل في الإبراء وكيلا.

____________

(1)- البقرة: 237.

298

فأمّا ما مضى في أثناء كلامه من قوله: فهل إذا طلّق بمحضر من الشّهود أعني الزوج هل للشّهود ترك الإقامة عليه بالشّهادة أم لا؟ فلا يجوز للشاهد أن يكتم شهادته و ليؤدّها على ما علمه، فإنّ اللّه تعالى توعّد على كتمانها فقال: وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (1) و الواجب عليهم إقامتها.

* * *

____________

(1)- البقرة: 283.

299

[112] مسألة في احتساب الزكاة على المستقرض إذا كان مستحقا

مسألة: ما تقول في رجل أقرض رجلا شيئا ثمّ بقي عليه مدة ثمّ وجب على المقرض الزكاة، و كان المقرض عند ذلك مستحقا للزكاة كيف يكون نيّته في ذلك؟ و هل يجزيه الاحتساب بها من الزكاة عن النيّة؟ أو يأخذها ثمّ يسلّمها و ينوي عند تسليمها؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا القرض فعند حلول الزكاة على القارض، و المقترض على صفات الاستحقاق للزكاة، فينوي و يحتسبها من الزكاة، و لا يحتاج أن يأخذها منه ثمّ يسلّمها إليه، بل النيّة كافية في ذلك.

* * *

300

[113] مسألة في الوصية التمليكية و لم يقرها الوارث

مسألة: ما تقول في رجل من أهل الولاية أوصي له بشيء من ماله و لم يكن وارثا، لأنّه ابن ابن الميتة و خلّف الميّت ولدا لصلبه فلم يقنع بالوصيّة، و آثر أخذ الميراث على غير ما أمر اللّه به، كيف يكون حاله؟ و أيّ شيء يجب على من يخالطه بعد ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا من آثر أخذ الميراث على غير ما أمر اللّه به و هو ممّن يقول بالولاية و بمذهب الإماميّة، فما أراه إلّا منتحلا لمعتقده نعوذ باللّه من ذلك، و الواجب عليه ردّه إلى مستحقه و التنصّل إليه منه، و عليه التوبة و الاستغفار، و أراه عاصيا موبقا نفسه، متجريا على الآثام، مخالفا لما أنزل اللّه تعالى، و جاء به محمّد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و أرى مهاجرته و ذمّه و ردعه، و ترك تبجيله و تعظيمه و معاشرته، و أرى الإنكار عليه و الاستخفاف، إلى أن ينيب إلى الحقّ و يترك الباطل و العصيان.

* * *

301

[114] مسألة في نيّة الكفّارة عن نفسه أو غيره

مسألة: كيف يكون نيّة الإنسان في تسليم الكفّارة عن نفسه، و إذا كان نائبا عن غيره؟

الجواب و باللّه التوفيق: الواجب أن ينوي الإنسان عند التسليم إلى المساكين، و يعيّن جنس الكفّارة إن كان عليه كفّارات من أجناس متفرّقة، مثل قتل الخطأ، و الظّهار، و إفطار يوم من شهر رمضان متعمّدا، و ينوي الواجب متقرّبا إلى اللّه سبحانه، فإن كان نائبا عن غيره فينوي عن المستنيب له عند إعطاء المستحق، و يجب أيضا على المستنيب أن ينوي عند إعطائه النائب، فمتى نوى أحدهما و لم ينو الآخر لم يجز و لم تبرأ الذمّة من الواجب.

* * *

302

[115] مسألة في الحلف على المتهم و عدمه إذا ردّه المتهم عليه

مسألة: ما تقول في رجل اتّهم غيره بشيء من غير إمارة فقال له المتّهم:

احلف و خذ ما اتهمتني به، أ يجوز له أن يحلف أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا ينبغي، بل لا يجوز له أن يحلف إلّا على العلم، و لا يحلّ له أن يأخذ شيئا منه إلّا أن يعلم يقينا أنّه قد أخذه منه، فحينئذ يحلّ له أن يحلف و يستحق الشيء، لأنّ الأيمان أربع: ثلاث منها على القطع و البتّ، و واحدة على العلم، فأمّا التي على القطع و البتّ فاليمين على إثبات فعل الحالف، و اليمين على نفي فعله أيضا، و اليمين على إثبات فعله أيضا، و أمّا التي على العلم فهي اليمين على نفي الغير، فهذه على العلم، و الثلاث الأخر على القطع و البت، فاعلم ذلك.

* * *

303

[116] مسألة في الطلاق مع بذل الزوجة بدون ذكر الخلع

مسألة: ما تقول في المطلّق لامرأته و قالت له: قد بذلت لك صداقي على الطلاق، و لم يذكر الزوج سوى الطّلاق و لا تلفّظ بغيره، و لا ذكر خلعا و لا مباراة، و إنّما قالت له المرأة: قد بذلت صداقي فطلّقني، فقال لها الزّوج: أنت طالق بشروط الطلاق، و أراد مراجعتها فهل يجوز له ذلك في العدّة بغير مهر مستأنف و لا عقد مستأذن أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّ الطلاق حكم شرعي، و الخلع أيضا شرعي لكلّ واحد من الحكمين و البابين أقسام و أحكام شرعيّة، يثبت عند ثبوته و ينتفي عند انتفائه.

و ما أرى هذا المطلّق على نفسه من أحكام الخلع شيئا، فإن كانت تطليقة أوّلة أو ثانية فجائز له الرّجوع في العدّة و يكون رجعة، لأنّ أصحابنا ما خالف أحد منهم و لا ذهب في أنّ من لم يذكر في لفظه و نطقه الخلع أو خالعتك مخالعة أنّه يجري عليه أحكام الخلع، بل اختلافهم في أنّ الخلع بمجرّده يكفي في وقوع الفرقة و البينونة بين الزوجين، أو لا بدّ من أن يتبع بطلاق.

304

فمنهم من يكتفي في الفرقة بلفظ الخلع خالعتك على كذا و كذا أو مقدار ما يقترحه عليها، و تكون كارهة له و تجيبه إلى ملتمسه، و تطلب الخلع و الفراق منه، و تظهر عصيانه بألفاظ مسطورة معلومة لهم، فإذا بذلت له ذلك خالعها و جرت عليه أحكامه.

و منهم من يقول: لا يقع الخلع و الفرقة حتّى يتبع بالطلاق، و لا يجوز وقوعه من غير أن يتبع بطلاق، فإذا أتبعه بطلاق جرى في حكم المخالع زوجته، و ما عرفت لهم قولا ثالثا بأنّ من لم ينطق بالخلع إلّا بمجرّده و لا أتبعه بطلاق مع نطقه به، تعلّق عليه أحكام المخالع، هذا إذا لم يكن في مقابلة الطلاق عوض.

فأمّا إذا كان في مقابلة الطلاق عوض فهو بائن، لأنّ عند أصحابنا أيّ طلاق كان في مقابلته من الزّوجة عوض فلا يملك المطلّق الرّجعة معه، فالمراد في أوّل السؤال إذا لم يقابل الطلاق عوض، فإنّه لا يكون بائنا، و أيضا فللخلع شروطه عند أصحابنا، و هو أنّه لا يجوز له خلعها إذا كانت الحال بين الزّوجين و الأخلاق ملتئمة، و اتّفقا على الخلع فبذلت له شيئا على طلاقها لم يحلّ له ذلك و كان محظورا، و قد وافقنا جماعة على ذلك من الجمهور.

و الدليل على بطلانه إجماع الفرقة، و أنّه لا يجوز له خلعها إلّا بعد ما يسمع منها ما لا يحلّ ذكره من قولها: لا اغتسل لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك من تكرهه، أو يعلم ذلك منها، و هذا مفقود هاهنا، فيجب إلّا يجوز الخلع.

و أيضا قوله تعالى: وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلّٰا أَنْ يَخٰافٰا