أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
305

أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ (1) و لا نصّ من الكتاب و أنّه حرم الأخذ منها إلّا عند الخوف من إقامة الحدود، و قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (2) فدلّ ذلك على أنّه متى ارتفع الخوف حصل الجناح فاعلم ذلك، ففيما أثبته كفاية للمتدبّر و غنية للمتأمّل.

* * *

____________

(1)- البقرة: 229.

(2)- البقرة: 229.

306

[117] مسألة في أمانة الوكيل

مسألة: ما تقول في رجل تبرّع أن يكون وكيلا لإنسان على بعض الأشياء، و قبض المال الموكّل فيه، و ادّعى الوكيل أنّه قد سلّمه إلى موكّله، هل يقبل قوله في التسليم أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الوكلاء على ضربين: وكيل بجعل، و وكيل بغير جعل و هو المتبرّع بذلك، فأمّا الوكيل بغير جعل فمتى ادّعى ردّ المال إلى موكّله فقوله مقبول و لا يحتاج إلى إقامة بيّنة، فأمّا إجارته فإذا لم يكن له عليها بيّنة، فله إجارة المثل إذا أنكر الوكيل التبرّع بالوكالة.

و أمّا الوكيل بجعل فمتى ادعى ردّ المال إلى موكّله، فقوله غير مقبول، و يحتاج إلى إقامة البيّنة، و القول قول الموكّل مع يمينه، و يجب على الوكيل الخروج إليه من حقّه، لأنّ من يأخذ المال لمنفعة صاحبه لا لمنفعته فقوله مقبول في الردّ، و ذلك في الوكيل بغير جعل و المودع، و من يأخذ المال لمنفعة نفسه و ليعود عليه نفعه فقوله غير مقبول في الردّ، مثل المرتهن و المضارب و الوكيل بجعل، فاعلم ذلك و تنبّه.

* * *

307

[118] مسألة في ترك ذكر الركوع و السجود جهلا بالوجوب

مسألة: ما تقول فيمن ترك تسبيح الركوع و السّجود جاهلا بوجوبه ما الّذي يجب عليه؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي يقتضيه الأصل أنّ صلاته فيما مضى صحيحة، و يجب عليه عند علمه بوجوبه الإتيان به، فإن تركه متعمّدا في الحالة الثانية فصلاته باطلة.

* * *

308

[119] مسألة في تقديم الوضوء قبل غسل الحيض

مسألة: ما تقول في تقديم الوضوء في غسل الحيض هل هو ممّا لا بدّ منه؟

أم يجوز الغسل بغير وضوء؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم انّ بين أصحابنا خلافا في هذه المسألة، فمنهم من يجري الأغسال الواجبة مجرى غسل الجنابة في إنّه كاف بمجرّده في استباحة الصّلاة، و لا يحتاج إلى وضوء لا قبله و لا بعده.

و منهم من يقول ما عدا غسل الجنابة من الأغسال الواجبات و المندوبات، فإنّه لا يجوز أن يستباح الصّلاة بمجرّده، بل إن أراد المغتسل الصّلاة بغسله ذلك، فلا بدّ له من تقديم الوضوء قبله، فإن لم يقدّمه قبله و اغتسل، فلا بدّ له من أن يتوضّأ بعده إن أراد الدّخول في الصّلاة، و لا يجزي الغسل بانفراده عنده في استباحة الصّلاة.

فأمّا إذا لم يرد بغسله الدّخول في الصّلاة فقد ارتفع حدثه الكبير، غير أنّه إن أراد الدّخول في الصلاة فلا بدّ له من وضوء، و عند الجميع أنّ حكم الحدث الكبير ارتفع.

309

و إنّما الخلاف بينهم فيمن أراد الصلاة بمجرد غسله إذا لم يكن غسل جنابة.

و أما غسل الجنابة فجميع أصحابنا متّفقون على أنّه لا يحتاج إلى وضوء لا قبله و لا بعده، بل هو كاف في استباحة الصلاة فاعلم ذلك.

* * *

310

[120] مسألة في كيفية غسل الجنابة

مسألة: ما تقول في الغسل من الجنابة أ يجب أن يغتسل الإنسان بثلاثة أكفّ على رأسه، و ثلاثة على يمينه، و ثلاثة على شماله كلّ كفّ منها بيد واحدة؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّ الواجب على المغتسل أن يعمّ بشرة رأسه و عنقه، سواء كان ذلك العموم بكفّ واحد أو اثنين أو ما زاد عليهما ثالثا و رابعا و خامسا، و ما ذكره من قوله أ يجب أن يغتسل الإنسان بثلاثة أكفّ فليس بواجب، لأنّا لو فرضنا أنّه عمّ بشرة رأسه بكفّ واحد على رأسه فذلك الواجب فحسب، و لا يلزمه استعمال كفّين آخرين على رأسه، بل الواجب على هذا المثال كفّ واحد.

و إن فرضنا أنّه ما عمّ جميع بشرة رأسه بكفّ واحد، فالواجب عليه أن يستعمل آخر حتى يعمّها به، فكذلك إن لم يعمّها بالثاني فيجب عليه الإتيان بكف ثالث، و على هذا المنهاج إلى أن يعمّ بشرة رأسه، و كذلك حكم ميامنه و مياسره.

فإن قيل: النيّة في الكفّ الأوّل و قد مضى حكمه و لم يعمّ جميع بشرة

311

الرأس، فيجب عليه أن ينوي في الكفّ الثاني أو لا يجب؟

قلنا: المستحب أن ينوي المغتسل عند غسل يديه، فإن أخّرت تعيّنت عند وضعه الكفّ الأوّل على رأسه، فإذا نوى في الكفّ الأوّل و لم يعم بشرة رأسه، فلا يحتاج إلى نيّة للكفّ الثّاني و الثالث و ما زاد على ذلك، لأنّ النيّة قد تعلّقت بأوّل أفعال الغسل و العبادة فلا يحتاج إلى إعادتها.

* * *

312

[121] مسألة في الأوامر التي يؤمر بها النائم من نبيّ أو إمام إذا رآه في المنام

مسألة: ما تقول فيمن يرى في منامه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو واحدا من الأئمة (عليهم السلام) يأمره بأمر مندوب إليه، مثل زيارة أو غيرها من حجّ التطوّع و صلة الإخوان، هل يجب عليه العمل بما أمر به في هذه الصورة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عليه ذلك بحال من الأحوال، و هو بالخيار في الإتيان بالندب، فإن لم يفعل فغير حرج في ذلك و لا مخلّ بواجب.

* * *

313

[122] مسألة في حج من عليه دين و لم يوفّه و عنده أملاك تفي بدينه

مسألة: ما تقول في رجل حجّ و عليه دين و له أملاك كثيرة، يقوم بأضعاف الدين بيع أصلها، فقال له إنسان: لا يجوز لك أن تحجّ حتى تبيع من هذه الأملاك ما يقضي دينك، ثمّ تحج، فإنّك لا تعلم ما يتجدّد على هذه الأملاك من الآفات بعد وفاتك، و لست على يقين من قضاء الدّين منها، هذا و قد رهن عند كلّ ذي دين من الأملاك ما يستوفي دينه منه، فهل يصحّ له ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن حجّ فحجّته صحيحة يسقط بها الوجوب عن ذمّته إذا كان له ما يقضى منه دينه بعد وفاته و تكون الحجّة واجبة عليه مع وجوده للزاد و الراحلة و تخلية سربه، و الرّجوع إلى كفاية من صناعة أو حرفة أو مال.

و الأحوط له في ديانته و الأليق له في صلاح آخرته أن يقضي ديونه قبل المضي، بل الواجب عليه ذلك، فإن لم يتأت له فليوص إلى ثقة أمين في قضاء ديونه، و يقيم الأصحاب الدّيون كفيلا أو ضامنا، و يرهن على ما ذكر في سؤاله، و التحقيق من ذلك إذا كان الدّين حالا إلّا يمضي إلّا بعد رضاء أصحابه بما يوافقهم عليه من رهن أو ضمين أو تأخير، فاعلم ذلك.

* * *

314

[123] مسألة في قراءة أكثر من سورة في النوافل

مسألة: ما تقول في رجل يصلّي النّافلة، و عادته أن يصلي الثّماني ركعات الورد بسبع من القرآن، يقرأ في كلّ ركعة نصف جزء فما تقول إن أخذ الدرس به إلى آخر الحديد أو الطلاق أو آخر المفصّل، و احتاج إلى أن يكرّر في كلّ ركعة خمس سور أو ستّ سور أو أكثر فهل يجوز له ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجوز له أن يقرأ من القرآن ما شاء في النافلة، و يكرّر، و يبعّض، لا حرج عليه في ذلك، و له من التطويل في نافلته و القراءة من القرآن الثواب الجزيل.

* * *

315

[124] مسألة في صوم الزوجة ندبا في غياب زوجها بدون إذنه

مسألة: ما تقول في رجل يسافر عن زوجته فتصوم ندبا أ يجوز ذلك؟ أم يحتاج إلى إذن؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن عملت بظاهر الحال أنّ زوجها يصل في يوم صيامها، فلا ينبغي لها الصّيام إلّا مع الإذن من جهته، و إن علمت أنّه لا يصل في يوم صيامها، مثلا أن يكون مسافرا في خراسان و هي بالعراق، قاطعة على أنّه لا يصل في يوم صيامها، فلا بأس بصومها.

* * *

316

[125] مسألة في المزارعة

مسألة: ما تقول في إنسان له أرض فرغب إليه رجل آخر فأقام له بالبذر و الأكرة، و أخذ الأكرة حقّهنّ النّصف، و أخذ صاحب البذر بموجب ما شرط صاحب الملك عليه الرّبع، و أخذ صاحب الأرض الرّبع حقّ أرضه فهل يصحّ ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كانت مزارعة شرعية بأجل و شروطها صحيحة فلا بأس بذلك، و ما توافقوا عليه من الشّروط الشّرعية فجائز، و ذلك صحيح غير فاسد.

* * *

317

[126] مسألة في التجارة

مسألة: ما تقول في رجل تاجر يأخذ الإنسان منه برقاع أو بانفاذ جاريته، و هو معامله على ما جرت العادة بذلك، و لم يقاوله على ثمن السّلعة و لا عقد معه عقدة البيع، فهل يحرم ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يحرم شيء من ذلك و هذه إباحات، و للتّاجر سعر يوم أخذ السّلعة لا يوم المحاسبة، فاعلم ذلك، هذا إذا لم يكن لما أخذه مثل فإن كان له مثل فله مثله، و هذا هو القرض بعينه.

* * *

318

[127] مسألة في دعوى زوجة النصيري عليه بترك الصلاة و عدم غسله من الجنابة ... الخ

مسألة: ما تقول في امرأة معها زوج، و أنّها حضرت عند أقوام مؤمنين و شكت أحوال زوجها، و ذكرت أنّه ما يصلّي و لا يغتسل من جنابة و هو نصيري (1)، و ذكرت أنّها تريد طلاقه و قد تساعد جماعة على طلاقه كرها، و كان في الجماعة شخص فقال لها: أنا أتزوّجك إذا فارقتيه، فهل يقبل قولها في زوجها أم لا؟ و هل تحلّ للأزواج أم لا؟ و هل يصحّ طلاقه كرها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن قامت البيّنة على أنّ الزوج نصيري فلا حاجة إلى طلاقه، بل تبين منه هذه المرأة المؤمنة بغير طلاق، و لا يحلّ لها المقام معه، و لا تمكنه من وطئها مع انقضاء عدّتها، هذا مع قيام البيّنة على أنّه نصيري، فأمّا

____________

(1)- نسبة إلى النصيرية و هم أتباع محمّد بن نصير الفهري النمري، فقد جاء في كتاب الكشي روايات في ذمه، و انّ النصيرية قالوا بنبوته، و ذلك أنّه ادعى أنّه نبيّ رسول، و أنّ عليّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) أرسله، و كان يقول بالتناسخ و الغلو في أبي الحسن (عليه السلام) و يقول فيه بالربوبية، و يقول بإباحة المحارم ...! اختيار الرجال: 520 تححسن المصطفوي.

319

إذا قال: أنا مسلم لست بنصيري، و لا ما ذكرته عنّي صحيحا، و لا أريد أطلّق امرأتي، بل ما كان لنا دليل سوى قول زوجته أنّه نصيري و ما يغتسل من جنابة و لا يصلّي، و جحد هو ذلك و أنكره، ثمّ ألزم بالطلاق، و طلّق مجبرا مكرها على ما ذكر في السؤال، فإنّا لا نقبل قول زوجته عليه فيما ادّعته و ذكرته، و طلاقه غير صحيح، بل هي زوجته لم تبن منه، لأنّ طلاق المكره عندنا غير واقع، و لا تحلّ للأزواج إلّا أن يطلّق مختارا للطلاق غير طلاقه الأوّل، أو يشهد عدلان مؤمنان بأنّه نصيري، فلا يحتاج مع شهادتهما إلى طلاق، بل تبين منه عند شهادتهما بغير طلاق، ثمّ تقضي العدّة و تحلّ بعد ذلك للأزواج.

فأمّا و الحال بخلاف ذلك على ما ذكره صاحب السؤال فلا يجوز لأحد نكاحها، فافهموا ذلك و تبيّنوه و تحقّقوه، فإنّه واضح بحمد اللّه تعالى.

* * *

320

[128] مسألة في متاع و حلي المرأة بعد موتها و ادعاء الزوج أنّه أو بعضه له

مسألة: ما تقول في امرأة توفيّت و تركت ورثة، و تركت شيئا من التركة من جملة ذلك ثياب و حليّ، ثمّ أنّ زوجها باق مع الورثة فاعترف بعض الورثة للزّوج بأنّ الثياب من ماله و كذلك الحليّ، غير أنّ المرأة كانت قد استعملت بعض الثياب، و البعض الآخر لم تلبسه، ثمّ الثياب هي ثياب ثمينة مثل معجر (1) وسوس (2) و ما أشبه ذلك.

ثمّ ادّعت الورثة على الزّوج بأنّ الثياب قد صارت ملكا للمرأة من حيث التصرّف، و قال الزّوج: لبسها و تصرّفها لا يخرجها عن ملكي، و ما تقول في الحلي هل تجري مجرى الثّياب أم لا؟ فإن كانت تثبت الثياب للمرأة من حيث التصرّف فيكون حكم الخشل (3) مثل ذلك أم لا، هذا، و الجميع جاء به الزّوج بعد الدخول بالمرأة؟

____________

(1)- المعجر: كمنبر ثوب تعجر به المرأة أصغر من الرداء و أكبر من المقنعة، هو ثوب تلفه المرأة على استدارة رأسها. تاج العروس: عجر.

(2)- هكذا وردت الكلمة و يبدو أنّ المراد بها نوع من الثياب بقرينة العطف على المعجر.

(3)- الخشل: رءوس الأسورة و الخلاخيل من الحليّ. تاج العروس: خشل.

321

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا حال الثياب المذكورة فإنّها لا تخلو من قسمين:

إمّا أن تكون ثيابا كانت للزوجة يجب على زوجها كسوتها الواجبة الشرعية على ما جرت عادتها و عرفها بأمثالها من الثياب، أو لا يجب بل بغيرها ممّا هو أدنى منها، فإن كانت الثياب المتروكة ممّا جرت عادتها و عرفها أنّها يجب على زوجها كسوتها بأمثالها، فإنّها حينئذ تركة لأنّها مستحقّه لها على الزّوج بعد قبضها إياها، و لا يجوز للزّوج الرّجوع فيها، لأنّها قد صارت مالا من أموالها، فأمّا إن لم يكن الثياب ثياب مثلها في العرف و العادة، و أقرّت الورثة أنّها للزوج، ثمّ ادّعوا عليه أنّك وهبتها لها فأنكر ذلك، و قال: ما وهبت فالقول قوله مع يمينه، و على من يدعي الهبة البيّنة، فتأمّل ذلك و تحقّقه و تفهّمه.

فأمّا الحلي و الخشل فإذا أقرّت الورثة بأنّه للزوج، ثمّ ادّعوا عليه الهبة و أنكر ذلك، فالقول قوله أيضا مع يمينه، و ليس الحلي في القسمة مثل الثياب لما قسمنا الحال، لأنّ الحلي لا يجب على الزّوج للزّوجة، لأنّه ليس بنفقة، و الكسوة من جملة النفقة، و هي واجبة عليه فافترق الأمران.

* * *

322

[129] مسألة في عقد الأب على ابنته البكر بدون إذنها

مسألة: ما تقول في الرجل إذا عقد على ابنته البكر البالغ بغير رضاها و لا إذنها فأظهرت الكراهة، هل يصحّ عقد أبيها أم لا؟ و هل له الولاية عليها و إجبارها على النّكاح كما كان له ذلك قبل البلوغ أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الولاية لأبيها عليها ما لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف بين أصحابنا، و عقده ماض حينئذ قبل البلوغ سواء كرهت بعد البلوغ أو رضيت.

فأمّا عقده عليها بعد بلوغها التسع سنين، و هي رشيدة مالكة لأمرها، و هي بكر غير ثيّب، فإنّ أصحابنا مختلفون، منهم من يقول: عقده ماض و ولايته ثابتة لم تزل و يسوى بينهما من غير فرق بين الموضعين، و هو مذهب صاحب النهاية (1).

و الآخرون من أصحابنا المصنّفون و هم الأكثرون المحقّقون لا الأخباريون يفرّقون بين الموضعين و لا يجعلون لأبيها الولاية عليها، و لا الإجبار في النّكاح

____________

(1)- النهاية 465.

323

بعد البلوغ، و يجعلون أمرها بيدها، و يخرجون الولاية من يده، و لا يمضون عقده عليها، و الحال ما ذكرناه إلّا برضاها، فإن لم ترض و أظهرت الكراهة فالعقد باطل، و هو مذهب السيد المرتضى (1)، و الشيخ المفيد في كتابه أحكام النّساء (2).

و إلى هذا المذهب أذهب و عليه أعقد، و به أفتي لوضوحه عندي، و لأنّه أفقه من ذلك المذهب، و يقوّيه النّظر و الاعتبار، و المحقّق من الأخبار و قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (3) فجعل النّكاح في الآية بيدها، و أضاف عقد النّكاح إليها و الظاهر أنّها تتولاه، و قوله تعالى:

فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (4) فأباح فعلها في نفسها من غير اشتراط الأب، و قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا (5) و هو عقد مستقل إليهما.

و أيضا فلا خلاف بين أصحابنا المخالف في هذه المسألة و الموافق أنّ الأب بعد البلوغ تخرج الولاية منه عن المال، و يجب تسليمه إليها، و بالاتفاق أنّ العامل لا يحجر عليه في ماله و نفسه إلّا ما خرج بالدّليل من المفلّس، و لا خلاف بينهم

____________

(1)- راجع الانتصار: 120، و المسألة/ 45 من المسائل الموصليات الثانية.

(2)- أحكام النساء: 36 ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ج 9.

(3)- البقرة: 230.

(4)- البقرة: 234.

(5)- البقرة: 230.

324

أنّ بالبلوغ يكمل عقلها، و يجب تسليم مالها إليها و تصحّ عقودها و نذورها و أيمانها لقوله عزّ و جلّ: فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.

و من جملة فعلها بنفسها عقدها عليها عقدة النّكاح، و قد أباحها اللّه تعالى بصريح لفظ الآية في نفسها، و ذلك عام في جميع الأفعال، فمن ادّعى التخصيص للعموم يحتاج إلى دليل، فعلى هذا التّقرير و التّحرير إذا لم ترض بعقد أبيها، و أظهرت كراهة عقده، فإنّه يكون باطلا، و إن رضيت به و أمضته فإنّه يكون صحيحا، فليتأمل ذلك بعين التدبّر و الاستبصار.

و أيضا لا خلاف بين الموافق و المخالف من أصحابنا في هذه المسألة أنّ ولاية الأب تزول عن البكر في عقد النّكاح المؤجّل، فبالإجماع قد زالت ولايته عنها في جميع العقود من البيع و النكاح، فالمفرّق بين الأمرين خارج مخالف للإجماع، فلو كانت ولاية الأب ثابتة في النّكاح لم تزل في أحد قسميه و تثبت في الآخر، و من ادعى ثبوت ولايته في القسم الآخر الّذي هو الدائم، فعليه الدّليل، لأنّه قد وافق في خروجها من يده في العقود كلّها، و في أحد شرطي عقد النكاح، فالمفرّق بين الأمرين خارج عن الإجماع قليل التأمّل و الاعتبار، و أيضا فصاحب النّهاية رجع عمّا ذكره فيها في التّبيان (1)، و وافق على خروج الولاية من يد الأب على البكر البالغ.

* * *

____________

(1)- التبيان 2: 273.

325

[130] مسألة في صلاة الشريك في دار بغير إذن شريكه

مسألة: ما تقول في رجل صلى في دار له فيها شريك بغير إذنه و لا إجازة، و الرجل المصلّي عالم بأنّه لا يستحق غير نصفها، و عالم بأنّ النصف الآخر له مالك معيّن، و عالم أنّه لم يأذن له شريكه بالتصرّف من دونه فيها، و عالم أنّه ما استأجرها منه، بل ما علم أنّ من صلّى في دار الغير من غير إذنه و لا إباحته و لا إجازته تبطل صلاته، هل تجب عليه الإعادة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أراه في هذه الفتيا و أعتمده و أدين اللّه به اعتقادا و مذهبا و قولا و عملا و قادني الدليل إليه، و قامت عندي الحجّة عليه إعادة هذه الصّلاة، و الدّليل على صحّة القول بهذا من وجوه:

و هو أنّ الصّلاة في الذمّة بيقين، و يجب براءة الذمّة و الخروج منها بيقين مثله، و لا يقين لمن صلّى في دار غير مالك لها و لا مأذون له بالتصرّف فيها على براءة ذمّته من الصلاة.

و أيضا فلا خلاف أنّ كونه في هذه الدار قبيح، و الصّلاة مشتملة على أكوان، و لا خلاف أنّ القبيح لا يتقرّب به إلى اللّه سبحانه.

326

و الدّليل على بطلان هذه الصلاة أيضا قوله تعالى في محكم كتابه المنزل على نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّٰى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلىٰ أَهْلِهٰا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهٰا أَحَداً فَلٰا تَدْخُلُوهٰا حَتّٰى يُؤْذَنَ لَكُمْ (1) فقد نهانا عزّ و جلّ عن دخولها من غير إذن، و أمثال ما نهى الحكم عنه قبيح، و لا خلاف أيضا عند محقّقي أصول الفقه أنّ النهي إذا ورد من الحكيم اقتضى بمجرّده فساد المنهيّ عنه، و الصّلاة في هذه الدار منهيّ عنها، فيجب على هذا الأصل المقرّر المحقّق الّذي لا نزاع فيه عند المتأمّل الباحث عن مآخذ الشّريعة، فساد هذه الصّلاة و بطلانها.

و أيضا لا خلاف بين أهل النظر من فقهاء العصابة المحصّلين المحقّقين المصنّفين في أنّ الصّلاة لا تجوز في المكان إلّا بشرطين: أحدهما: أن يكون ملكا أو في حكم الملك، بأن يكون مأذونا له فيه، و هذا اللّفظ مسطور في كتبهم و تصنيفهم، من جملتهم شيخ هذه الصناعة الدليل الخرّيت الثقة أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) ذكره في كتابه المبسوط (2)، فانظره من هناك تجده في فصل ما يجوز الصلاة فيه من المكان و ما لا يجوز، فهل جمع الشرطين أو أحدهما في هذه الصلاة أم لا؟

____________

(1)- النور: 27.

(2)- المبسوط 1: 84.

327

و أيضا إجماعهم على القول و العمل و الفتيا بأنّ الصّلاة في الدور لا تصحّ إلّا أن تكون مملوكة أو مباحة بإجارة أو إذن من مالكها، و هذا أصل لهم إلّا ما أخرجه الدليل من الصلاة في البساتين بشاهد الحال، إلّا أن يكرهها المالك للبستان، لأنّ هذا خرج بالدليل، و هو عملهم و قولهم و فتياهم، و بقي ما عدا البساتين على الأصل المقرّر من كون الصّلاة لا تجوز فيه إلّا أن يكون مملوكا أو في حكم الملك.

و أيضا دليل الاحتياط يقتضيه، لأنّه لا خلاف في أنّ من صلّى في دار مملوكة أو مأذون له بالتصّرف فيها برئت ذمّته من الصّلاة، و في براءة ذمّته إذا صلّى في دار فيها شريك من غير إذنه و لا إباحته فيها خلاف، و الإنسان مكلّف بالعمل بما قام الدليل و تظاهرت الحجج عليه، فهذا ما وصل نظري إليه في هذا السؤال، فأنا مكلّف بالقول به و العمل عليه، و الحمد للّه على توفيقه للصواب.

* * *

328

[131] مسألة فيمن حلف لا يدخل دار قوم ليس بينهم و بينه رحم

مسألة: ما تقول في الرجل يحلف باللّه أنّه لا يدخل دار قوم ليس بينهم رحم الإيمان، يدعونه إلى الدّخول فيدخل يلزمه كفّارة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يخلو حال الحالف من أن يكون دخوله الدّار معصية و تركه الدّخول طاعة، أو بالعكس من ذلك، فمتى كان دخوله معصية و تركه طاعة و فعل الدّخول، فإنّه أثم و تجب عليه الكفّارة و هي كفّارة اليمين معروفة، و يجب عليه أيضا التوبة، لأنّ الكفّارة غير مسقطة للذنب، بل تعبّدنا بها، و المسقط للذنب على جهة التفضّل التّوبة.

و إن كان بالعكس من ذلك فلا كفّارة عليه، بل الواجب عليه حلّها، و إلّا يصرّ على ما هو عليه، فإن لم يترجّح الفعل على التّرك، و لا التّرك على الفعل، فيجب عليه أيضا الكفّارة على الصّحيح من الأقوال.

* * *

329

[132] مسألة في عبادة الصبي المميز إذا مات قبل البلوغ هل يثاب عليها

مسألة: ما تقول في الصبيّ إذا أخذ بالصّيام و الصّلاة قبل البلوغ على ما ورد، فصلّى و صام مدّة ثمّ مات قبل البلوغ، فهل يكون له بذلك الفعل ثواب أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ما ورد من الأخبار يؤخذ الصّبي بالصّيام و الصّلاة قبل البلوغ و التّكليف، فعلى جهة الندب و التمرين، و للأمر في الحثّ للصبيّ بذلك الثواب، فأمّا الصبيّ فلا يتعلّق به أمر و لا نهي و لا ثواب و لا عقاب إلّا بعد كمال عقله، و إنّما يدخل الصبيّ اللّه تعالى الجنة تفضّلا.

* * *

330

[133] مسألة في كيفية صلاة المأمومين على الجنازة

مسألة: القراءة في صلاة الأموات تلزم المأمومين، أم يكفيهم خلف الإمام النيّة و التّكبير؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا قراءة لنا في صلاة الجنازة واجبة و لا مسنونة، لا على الإمام و لا على المأموم، و لا من شرطها أيضا الطّهارة، بل من مندوباتها، و إنّما هي خمس تكبيرات و دعاء بينهنّ على الإمام و المأموم.

* * *

331

[134] مسألة في نيّة غسل الأموات

مسألة: ما تقول في غسل الأموات ينوي الغاسل في كلّ غسلة من الثلاث غسلات؟ أم النيّة في الغسلة الأولى تجزي؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا خلاف بين المحقّقين من أصحابنا و المصنّفين الذين يعتدّ بتصنيفهم، أنّه لا يحتاج في كلّ غسلة إلى نيّة، بل الواجب النيّة في الغسلة الأوّلة فحسب، لأنّ هذه عبادة ذات أبعاض يتعلّق النيّة بأوّل أفعالها و يستمرّ عليها و ذلك كاف.

* * *

332

[135] مسألة في وضوء الميت قبل الغسل و هل فيه نيّة

مسألة: الميّت يوضّأ وضوء الصّلاة قبل الغسل أم لا؟ و كيفيّة النيّة في هذا الوضوء ما هي؟

الجواب و باللّه التوفيق: الصحيح بين المحصّلين من أصحابنا ترك العمل على الرّواية التي تضمّنت وضوء الميّت، و إجماعهم على القول بخلافها، و متّفقون على أخبارهم الواردة بأنّ غسل الميّت مثل غسل الجنابة، و بالإجماع الّذي لا يشذّ منه إماميّ أنّ غسل الجنابة لا وضوء قبله و لا بعده، لا وجوبا و لا ندبا، بل يبدّعون فاعله، و يقبّحون فعله.

* * *

333

[136] مسألة في كفن الميت

مسألة: ما تقول في الخامسة من الكفن تشق للفخذين أم لا؟ و النّمط في الكفن ما هو؟

الجواب و باللّه التوفيق: اللّفافة و هي التي يقمّط بها الفخذان من مندوبات الكفن لا من واجباته، يؤخذ بحسب الحاجة إلى طولها و عرضها.

و قد روي:

أنّه يكون طولها سبعة أشبار و عرضها شبر إلى شبر و نصف، و إن كان أزيد من ذلك في الطول و العرض فلا بأس.

فأمّا النمط: فإنّه أيضا من مندوبات كفن النساء، يكون عريضا كالإزار، إلّا انّه أنقص منه يستر به جميع الأكفان، و يكون على حبرة المرأة يغطي الكفن أجمع، فهذه حقيقته في عرف الشرع.

فأمّا في عرف اللّغة: فإنّ الأنماط الفرش، يكون فيها طرائق و خطط، و منه قولهم: فلان على نمط أي طريقة واحدة.

334

قال الشاعر:

تعالين أنماطا عتاقا و كلة (1)

* * *

____________

(1)- صدر البيت لزهير بن أبي سلمى و روايته كما في شرح ديوانه صنعة ثعلب: 9 ط دار الكتب المصرية:

علون بأنماط عتاق و كلّة * * * وراد حواشيها مشاكلة الدم

و جاء في الهامش رواية التبريزي:

و عالين أنماطا عتاقا و كلة * * * وراد الحواشي لونها لون عندم

ا ه

و هذا ما ورد في تاج العروس 8: 102 كلل.

335

[137] مسألة في غسل الغاسل للميت في غير وقت فريضة هل هو ندب أم وجوب

مسألة: ما تقول في الغاسل للميّت، هل يغتسل واجبا أو ندبا في غير وقت فريضة؟ و كيف تكون نيّته على الوجهين معا؟

الجواب و باللّه التوفيق: غسل من غسّل ميتا من الناس بعد برده بالموت و قبل تطهره واجب على الصحيح من المذهب، إلّا أنّ الغاسل إن اغتسل في غير وقت فريضة، و لا يكون عليه قضاء فريضة فيكون نيّته النّدب، و إن كان في وقت فريضة، أو عليه قضاء فريضة فتكون نيّته الوجوب، و لا بدّ له من الوضوء إمّا مقدّما أو مؤخّرا، ليستبيح الصّلاة، و لا يجزيه في استباحة الصّلاة مجرّد الغسل بانفراده، بخلاف غسل الجنابة، و هذا الفرق هو الصحيح بين الطائفة، و إجماعها عليه و ظاهر القرآن أيضا يعضده، قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ الآية (1).

* * *

____________

(1)- المائدة: 6.

336

[138] مسألة في مسّ الميت بعد الغسلة الأولى أو بعد الثانية

مسألة: ما تقول في الرّجل يمسّ الميّت بعد الغسلة الأولى أو بعد الثانية من الغسلات، فهل يلزمه الغسل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: من راعى وجوب الغسلات الثلاث من أصحابنا يلزم الغسل للماسّ بعد الأوّلة أو الثانية، و من لم يراع من أصحابنا وجوب الثلاث و قال: الواجب غسلة واحدة فالسّؤال ساقط على قوله، لأنّ بينهم خلافا في هذه المسألة، منهم من يقول الثلاث و هم الأكثرون و إليه أذهب، و منهم من يوجب غسلة واحدة، فاعلم ذلك.

* * *

337

[139] مسألة في كيفيّة نيّة الوضوء المتقدّم على الأغسال غير الجنابة و كيفية نيّة الوضوء قبل دخول الوقت

مسألة: ما تقول في كيفيّة نيّة الوضوء المتقدّم على الأغسال ما خلا غسل الجنابة، و ما كيفية الغسل الّذي ألزم فيه تقديم الوضوء؟ و ما كيفيّة غسل الجنابة قبل وقت الفريضة؟ و كيفيّة نيّة الوضوء قبل دخول الوقت لمن ليس عليه قضاء صلاة فريضة؟ و عند دخول الفريضة؟ و كيفيّة النيّة في صلاة الفريضة و النافلة من نوافل الليل و النّهار؟ و المرغّبات في يوم الجمعة و غيرها من صلاة الاستخارة و صلاة الشكر و صلاة الحاجة؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا كيفيّة النيّة في الوضوء المقدّم على الأغسال الواجبات ما عدا غسل الجنابة، فإنّه يتوضّأ متقرّبا به إلى القديم سبحانه، مستبيحا به الصلاة غير رافع به الحدث، لأنّه لا يلزمه و لا يجب عليه أن يقول:

أتوضّأ لرفع الحدث، لأنّ حدثه الأكبر باق، و انّما وضوءه لاستباحة الصّلاة، لأنّ بمجموع الوضوء و الغسل يصحّ له الدّخول في الصّلاة، و لا يصحّ له الدّخول في الصّلاة بانفراد أحدهما عن الآخر، هذا على الصّحيح من المذهب، و قد مضى

338

في المسطور ما يدلّ على ذلك و صحّته.

و أمّا كيفيّة غسل الجنابة فإنّه يقول: اغتسل لرفع الحدث، و اغتسل لاستباحة الصّلاة، و يستبيح بالغسل شيئا لم يكن مباحا له قبل الغسل ليرتفع حدثه، فإن كان عليه فريضة ذكر واجبا قربة إلى اللّه تعالى، و إن كان في غير وقت الفريضة لا يكون عليه قضاء فريضة، ذكر مندوبا قربة إلى اللّه تعالى.

فأمّا كيفيّة الوضوء قبل دخول الوقت لمن ليس عليه صلاة فريضة قضاء، كيفيّة وضوءه: أتوضّأ لرفع الحدث مندوبا قربة إلى اللّه تعالى، و إن كان عليه فريضة أو قد دخل وقت فريضة قال: أتوضّأ لرفع الحدث واجبا قربة إلى اللّه تعالى.

فأمّا كيفيّة النيّة في صلاة الفريضة، فإن تذكّر مثلا أصلّي الظّهر فريضة أداء قربة إلى اللّه تعالى، ذكر الظهر احترازا من العصر، قال: فريضة، احترازا من الظّهر التي إذا صلّى الإنسان الظّهر الفريضة و خرج، فيلحق جماعة يصلّون الظّهر فإنّه يستحب أن يصلّي معهم ظهرا مندوبة، قال أداء، احترازا من القضاء، قال: قربة، احترازا من الرياء.

فأمّا ما ذكره من النّوافل (1) اللّيل و النّهار، و صلاة الحاجة، و الاستخارة،

____________

(1)- كذا في الأصل. و الصواب: نوافل الليل و النهار بدون (أل) التعريفية، أو معها بإضافة (في) لتكون العبارة: فأمّا ما ذكره من النوافل في الليل و النهار.

339

و الزّيارة، و غيرها من الصّلوات المندوبات، فإنّه يتقرّب بالنيّة إلى اللّه سبحانه بالنّدبية، و تذكر الصّلاة المندوبة المشروع بها، و يضيفها إلى اسمها أو سببها، إمّا تحيّة مسجد، أو زيارة، أو صلاة استخارة، أو نافلة زوال و غير ذلك.

* * *

340

[140] مسألة في إنكار المنكر

مسألة: ما تقول في جماعة من المؤمنين حضروا في مجلس فقال أحدهم:

فلان- يعني رجلا مؤمنا- كلب أو خنزير أو قرد، فقال له أحدهم: استغفر اللّه من هذا القول في فلان و وعظه، فقال الرّجل: ليس لك أن تنكر عليّ، لأنّك لست بفقيه، ما القول في ذلك؟ و هل الإنكار فرض على كلّ مؤمن مع علمه أنّه قبيح و يجوّز تأثير إنكاره، و هو متمكّن إمّا باليد أو اللّسان أو القلب أو بهم جميعا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إنكار المنكر إذا جمع شروطا و هي مذكورة معروفة مسطورة فرض على كلّ مكلّف، لا يختصّ فقيه بها دون غيره، و ما ذكره من قوله الكلب و الخنزير و القرد، فإنّه يجب على قائله التّعزير و الإنكار، لأنّه قول يؤذي المسلمين.

* * *

341

[141] مسألة في قذف إنسان لآخر هل يقبل قوله في حق المقذوف

مسألة: ما تقول لرجل يسمع منه يقول لغيره: يا ولد الزّنا، أو يا ديّوث، أو يا قرنان، أو يا كشخان (1) أو يا قواد، أو يا فاسق لمن لم يعلم منه فسوق، يشرح الفسوق على وجوهه و ما تقدّم من الكلام، فهل يقبل قوله في أحكام الشرع؟

و هل يقتدى به و يصلّى خلفه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا ما ذكره من الألفاظ إن كان القائل عارفا بموضوعاتها، و أنّ كلّ واحدة من هذه الكلمات تفيد في عرفه و عرفهم في الرّجل المقول له بزوجة أو أخت و كان عالما بمعنى اللّفظة، كان عليه الحدّ ثمانين جلدة حدّ القاذف، كما لو صرّح بالزّنا، فإن لم يكن عارفا بمعنى اللّفظة لم يكن عليه حدّ القاذف، ثمّ ينظر في عادته في استعمال هذه اللّفظة، فإن كان يعلم أنّه قبيح غير أنّه لا يريد القذف أدّب و عزّر، و إن كان يفيد غير ذلك في عادته لم يكن عليه شيء.

____________

(1)- الكشخان و القرنان: قال ثعلب: لم أر لهما في كلام العرب معنى، و معناهما عند العامة مثل الديوث أو قريب منه، و قيل: الكشخان من قذف بالأخوات، و القرنان من قذف بالبنات. مجمع البحرين: كشخ.

342

فأمّا قوله الفسوق، فالفسوق في عرف الشرع الخروج من طاعة اللّه تعالى إلى معصيته.

و أمّا قوله: هل يقبل قوله في أحكام الشرع، لا يقبل قول فاسق، و لا يقتدى به، و لا يصلّى خلفه إلى أن يتوب من فسقه و يظهر منه العمل الصالح، فاعلم ذلك.

* * *

343

[142] مسألة في تتابع القضاء في صيام رمضان

مسألة: ما تقول في امرأة كان عليها صوم من شهر رمضان لمرض بها، فلمّا ابتدأت بالصوم لتقضي الأيّام الفائتة قالت: إنّي راجعت نفسي على أنّ يوما من الأيّام لم أنو فيه لقضاء الصوم، و كانت قد صامت الأيّام متفرقة ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عندنا التتابع لقضاء شهر رمضان، بل يجوز صيامه متفرقا، و المستحبّ أن يتابع القاضي بين ستّة أيّام أو ثمانية، و يفرّق الباقي، فعلى هذا صيامها ماض جائز شرعي، و يجب عليها قضاء اليوم الّذي لم تنو فيه قضاء الصّيام فحسب.

* * *

344

[143] مسألة فيمن يجهل أحكام السهو

مسألة: رجل كان لا يعلم من أحكام السّهو شيئا، بل كان إذا شكّ في شيء يجب عليه الاحتياط، أو سها في شيء يجب عليه الجبران، استأنف صلاته لعدم علمه بذلك، ثمّ علم بعد أن مضى له على هذا المنهاج مدّة طويلة ما يكون حكمه؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان الرّجل المسئول عنه فاته احتياط أو جبران، فيجب عليه أن يحتاط حتى يغلب على ظنّه أنّه قد قضى جميع احتياط فاته أو جبران من غير لزوم مضايقته، و لا يجب عليه إعادة صلاته، فاعلم ذلك.

* * *

345

[144] مسألة فيمن تكلّم في الصلاة ساهيا مرّتين أو أكثر

مسألة: ما تقول في الرّجل تكلّم في الصّلاة ساهيا مرّتين أو ما زاد على ذلك، أ يلزمه عن كلّ مرة سجدتا السّهو؟ أم عن المرّات جميعا سجدتان فحسب؟ و يقول إنّه قام في حال قعود، أو قعد في حال قيام مثل ذلك ما حكمه؟

أو يقول إنّه تكلّم في الصّلاة ناسيا بعد أن أتى بالشهادتين و الصّلاة على محمّد و آله قبل أن يسلّم ما حكمه؟

الجواب و باللّه التوفيق: فإنّه يجب عليه بكلّ مرة سجدتا السّهو، و إن كانت من جنس واحد على خلاف بين الأصحاب فيه، و الأظهر الأوّل.

* * *

346

[145] مسألة في عودة المفقود بعد انقضاء مدّة الفحص و أيّام العدة

مسألة: ما تقول في المفقود إذا قدم بعد انقضاء المدّة المضروبة و أيام العدة قبل أن تتزوّج المرأة هو أملك بها من غيره أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه المسألة بين أصحابنا فيها خلاف، منهم من يقول: هو أملك بها إن انقضت عدّتها، و منهم من يقول إذا انقضت عدّتها فهي أملك بنفسها تزوّجت أم لم تتزوّج، و هو خاطب من الخطّاب، و دليله: أن الطّلاق طلاق شرعي و العدّة شرعيّة، فمن ادعى أنّه أملك بها بعد خروجها من العدّة فعليه الدّليل.

و بهذا القول الأخير آخذ و عليه أعمل، لأنّه الّذي يقتضيه الأصل و يؤدّي إليه النّظر، و هذه المسألة و الخلاف فيها و القولان جميعا لا يصحّ اليوم إلّا في حال ظهور الإمام، لأنّ الرّفع إليه و الباعث من يتعرّف خبر الزّوج المفقود في الآفاق هو (عليه السلام)، و المطلّق بعد انقضاء العدّة المضروبة أيضا هو (عليه السلام)، فعلى هذا لا حكم لهذه المسألة اليوم، لأنّ الأخبار وردت بأنّها اليوم مبتلاة و لو بقيت ألف سنة، فتحقّق ذلك و تبيّنه.

* * *

347

[146] مسألة في زواج المرأة الغائب عنها زوجها و بلغها خبر وفاته فتزوّجت بعد انقضاء العدّة ثمّ تبيّن لها وفاته بعد ذلك التاريخ

مسألة: ما تقول في امرأة سافر عنها زوجها سنة سبعين إلى بلاد بعيدة، ثمّ مات في خلال تلك السنة، فلما كان سنة خمس و سبعين ضجرت الزّوجة من المقام على الفقر، فخطبها بعض الناس و هو غير عالم بحالها، فتزوّج بها في تلك السنة أعني سنة خمس و سبعين و دخل بها، فبعد ذلك أتى الخبر مع رجال ثقاة بأنّ الزّوج مات سنة سبعين ففارقها الزّوج و اعتدّت عدّتين، فلمّا خرجت من العدّة هل لهذا الزّوج أن يعقد عليها ثانيا أم تحرم عليه أبدا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أراه في هذا السؤال و أعتقده مذهبا، صحّة العقد ثانيا بعد خروجها من عدّة الوفاة، لأنّ الأصل الإباحة، و أدلّة الحظر مفقودة هاهنا، و من ادّعاها لم يجدها، و هذا من طريق النظر، و من طريق الخبر أيضا، و قد وردت بصريحه أخبار أيضا معتمدة، ناطقة بفحوى ذلك و صريحة، و الحظر إنّما يوجّه إلى من زنا بذات بعل، و هذا ليس بزان، بل نكاحه الأوّل مستباح بعقد الشبهة غير حرج فيه و لا إثم.

348

و أيضا أنّه لا خلاف أنّه لا يتعلّق عليه من أحكام الزّنا شيء أصلا، و السنّة بينهما، و لو جاءت المرأة و هي تحته بولد، فالولد يلحقه لحوقا شرعيا يرث الابن الأب، و الأب الابن، و هذا لا خلاف فيه إلّا على قليل التأمّل.

فأمّا ما ذكره في أثناء السؤال من العدّتين فلا يلزمها إلّا عدّة الوفاة فحسب، فإذا خرجت من عدّة الوفاة يصحّ أن يعقد عليها و يطأها من غير أن تأتي بعدة أخرى منه، لأنّ لزوم العدّتين ما ورد إلّا فيمن نكحت بشبهة عقد و هي في عدّة، فيفارقها الزّوج و تكمل عدّة الأوّل، و تأتي بعده بعدّة أخرى عن النّكاح الثاني، فتبيّن ذلك و تحقّقه، فهذا خلاصة فقه المسألة، و الحمد للّه على توفيقه للصواب.

* * *

349

[147] مسألة في المخالعة إذا رجعت في البذل ... إلخ

مسألة: ما تقول في المخالعة إذا طلّقها الرجل، ثمّ ندمت بعد أن طلّقها و أرادت مراجعته، و اختار هو أيضا ذلك و كانت التطليقة أوّلة أو ثانية، أ يجوز له أن يعقد قبل انقضاء العدّة؟ أم بعد انقضائها؟

الجواب و باللّه التوفيق: متى كانت التطليقة أوّلة أو ثانية و رجعت فيما بذلته طلبا للرّغبة أو لأجل غير الرّغبة، بل رجعت فيما بذلته، فله الرّجعة في بضعها من غير عقد و لا مهر، فإن كانت قد خرجت من عدّتها سواء كانت أوّلة أو ثانية، و سواء رجعت فيما بذلته أو لم ترجع، فلا يجوز له نكاحها إلّا بعقد جديد و مهر جديد، فاعلم ذلك.

* * *

350

[148] مسألة فيمن ابتاع قفيزا من شعير بدينار بأجل مسمّى فحلّ الأجل و لم يمكنه الدفع

مسألة: ما تقول في رجل ابتاع من غيره قفيزا شعيرا بدينار بأجل مسمّى، فحلّ الأجل فألزمه خصمه بالدّينار، فلم يمكنه بل قال له: خذ منّي شعيرا بالسّعر الواقع، و هو خمسة أقفزة بدينار، أ يجوز له أخذ الشعير أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه المسألة فيها خلاف بين أصحابنا، و الّذي أراه و أدين به مذهبا و اعتقادا و فتيا و قولا و عملا صحّة هذا البيع و أخذ الخمسة أقفزة بيعا شرعيا بديناره الّذي في ذمّته، لأنّه ليس له في ذمّته قفيز شعير، بل له في ذمته الثّمن و هو الدينار، بدليل أنّه ليس له المطالبة بالقفيز البتّة، و له أن يشتري بديناره ما شاء من السّلع على أيّ الأسعار كان إذا اختار البائع ذلك، و عقد عقدا شرعيا متضمّنا للإيجاب في البائع و القبول من المشتري.

فهذا الّذي يقضي بصحّته الأصل و يؤدّي إليه النّظر، و ظاهر الكتاب، و هو قوله سبحانه: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و الرّبا المحرّم هو بيع الجنس بالجنس و زيادة يدا بيد، و بيع الجنس مثلا بمثل نسيّة، و من يخالف في هذه المسألة من

351

أصحابنا لا يجيز إلّا أخذ قفيز شعير مثل ما أعطاه هربا من الرّبا، و مما هرب وقع فيه، لما قدمته من بيع الجنس بالجنس نسيّة، فعلى هذا لو كان ربا أخذه لما أعطاه لما أجازه فبالاتفاق منّي و منه أنّه غير ربا، و إلّا إن قال إنّه ربا فيلزمه أيضا إلّا يجيز له أخذ مثله من غير زيادة عليه و هو يجيزه، فاعلم ذلك.

* * *

352

[149] مسألة في منجّزات المريض

مسألة: ما تقول في امرأة حضرتها الوفاة فتصدّقت بمهرها على زوجها قربة إلى اللّه تعالى بمحضر من شاهدي عدل و لم تخلّف شيئا أ تمضي الصدقة أم لا؟

فإن كان تركتها إمّا و ماته- كذا- أو خاتما أو قميصا ما القول في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أعتمده في هذه الصدقة و في هذا السؤال الإمضاء لأنّها صدقة منجّزة، فلا أعتبرها من الثلث بخلاف الصدقة، و الوصيّة المؤخّرة إلى بعد الموت، و لا يلتفت إلى الرواية الشاذة في ذلك، فأمّا إذا قدّر أنّها خلّفت شيئا غيره ممّا ذكر في السّؤال، فلا خلاف في صحّة ذلك و إمضائه.

* * *

353

[150] مسألة في المتاع المسروق يدعيه اثنان

مسألة: ما تقول في متاع وجد مسروقا فادّعى نفسان و قال كلّ منهما المتاع لي، و عدمت بينهما البيّنة، فأقرّ السارق بأنّ المتاع لأحدهما يقبل قوله أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يقبل قول السارق و لا شهادته، و الواجب في هذه المسألة استعمال القرعة لعمومها في كلّ أمر مشكل، أو يقسم المال بينهما نصفين فبكل قد وردت الرّواية.

* * *

354

[151] مسألة في استبراء الأمة

مسألة: ما تقول في الأمة إذا كانت تحت سيّدها، و أراد أن ينكحها لغيره من الناس، فكيف يكون استبراؤها حتى تحلّ؟

الجواب و باللّه التوفيق: يستبرئها بحيضة و يحلّلها لمن يريد وطأها عليه، لأنّه لا مانع يمنع من ذلك.

* * *