أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
355

[152] مسألة في الأمة الحامل من سيّدها فيحلها لغيره

مسألة: ما تقول في الأمة إذا كانت حاملا من سيّدها ثمّ أباحها من غيره، فهل تحلّ له أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا مانع يمنع من جواز ذلك، لأنّ الإنسان مسلّط على ملكه، إلّا أنّ المحلل له الجارية لا يجوز له أن يطأها في قبلها لقوله (عليه السلام):

«لا توطأ حامل حتى تضع، و لا حائل حتى تحيض» (1).

* * *

____________

(1)- روي الحديث بألفاظ مختلفة، و أقربها إلى ما في المتن ما رواه البيهقي في السنن الكبرى 9: 124، و رواه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 133 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

356

[153] مسألة في التزويج بمن زنى بها و لم تكن ذات بعل

مسألة: ما تقول في الرّجل إذا زنى بامرأة و حملت منه حملا، و ليست من ذوات البعول عند الفجور، ثمّ أراد أن يتزوّجها بعقد و مهر أ تحلّ له أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجوز العقد عليها و إن كانت حاملا من زنى، سواء كان منه أو من غيره- أعني الحمل- إلّا أنّه لا يجوز له أن يطأها حتى تضع لقول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «لا توطأ حامل حتى تضع و لا حائل حتى تحيض» (1).

و بعض أصحابنا يشترط توبتها، و حدّ توبتها أن يعرض عليها ما كان منهما من الفجور و يدعوها إليه، فإن امتنعت فذلك توبتها، و هذا يحمل على جهة الاستحباب لا الإيجاب، و يكون العقد مكروها من غير التوبة، و إن كان صحيحا ماضيا، و إن كان فساده يحتاج إلى دليل و لا دليل عليه، و إلى هذا القول ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في مسائل الخلاف، فانظره تجده على ما قلته (2).

* * *

____________

(1)- مرّ تخريجه في المسألة السابقة فراجع.

(2)- الخلاف 2: 162.

357

[154] مسألة في وطئ الجارية الحامل من غيره بعد ابتياعها

مسألة: ما تقول في الرجل إذا ابتاع جارية و كانت حاملا، فهل يجوز له أن يطأها في زمان الحمل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا بأس بوطئها إذا مضى عليها أربعة أشهر و عشرة أيّام في الفرج، و أما فيما دون الفرج فلا بأس و إن لم تمض المدّة المقدّمة.

و كذلك إن وطئ في الفرج و قبل مضيّ المدّة و عزل عنها، فأمّا إن وطئ في الفرج قبل مضيّ المدّة و لم يعزل عنها، فإنّ أصحابنا يرون أنّه لا يبيع ولدها، لأنّه قد غذاه بنطفته و لا أرى ببيعه بأسا، لأنّه بالإجماع غير ولده، و الّذي أفتي به و أعتقده فيما مضى في أول المسألة من التفاصيل و تحريم الوطء في بعضها، فإنّها على جهة الندب دون الحظر، لأنّها ملك يمينه، و لا بأس بوطء ملك اليمين لقوله عزّ و جلّ: أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (1) فليتأمّل ذلك.

* * *

____________

(1)- النساء: 3.

358

[155] مسألة في جواز العقد على أخت المعقود عليها نكاحا مؤجّلا

مسألة: ما تقول في الرجل يعقد على المرأة نكاحا مؤجّلا، أ يجوز له أن يعقد على أختها بعد نفوذ الأجل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا خلاف بين المحصّلين من أصحابنا في جواز ذلك لأنّ هذه غير رجعيّة، و أنّ العصمة انقضت و انقطعت بينهما، و على هذا الأصل لو كان بينهما شرط في أيّهما مات ورثه الآخر، و كان قد انقضى أجلها منه، غير أنّها في العدّة فلا خلاف أنّه لا يرثها و لا ترثه، و ليس في هذه المسألة خفاء على ذي تأمّل، و لا يجوز الرّجوع عن الأدلّة الواضحة و الأصول الممهّدة المقرّرة إلى رواية شاذة و خبر واحد، لأنّ خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا.

* * *

359

[156] مسألة في المعقود عليها و هي في العدّة و لم يعلم الزوج بذلك

مسألة: ما تقول في الرجل يعقد على المرأة و هي في العدّة و لم يعلم، فتبيّن له بعد ذلك، تستحقّ عليه صداقها أم لا؟ قبل الدخول بها أم لا؟ و بعد الدخول ما تستحق قبله؟

الجواب و باللّه التوفيق: من عقد على امرأة و هي في العدّة، سواء كانت معتدّة عن وفاة أو معتدّة عن رجعية، أو معتدّة عن طلاق ثالث، و كان عالما بأنّها معتدّة فلا يحلّ له أبدا، سواء دخل بها أو لم يدخل، فإن لم يكن عالما و دخل بها فلا تحلّ له أيضا مع الدّخول، فإن لم يدخل بها و كان غير عالم بأنّها في عدّة فارقها، فإذا انقضت عدّتها و أراد نكاحها جاز له ذلك بعقد و مهر مجدّد، فأمّا استحقاقها عليه الصّداق فلا تستحقّ عليه شيئا إذا لم يكن دخل بها، فإن دخل بها و كان عالما فإنّه زان، فلا تستحقّ عليه أيضا شيئا، و إن كان غير عالم و هي أيضا غير عالمة، فلها الصداق بما استحلّ من فرجها.

* * *

360

[157] مسألة في الظهار من المتمتع بها

مسألة: ما تقول في المتمتّع بها أيقع بها الظّهار أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه المسألة فيها خلاف بين أصحابنا، فبعض منهم لا يوقع الظهار المتمتع بها، و بعض يوقعه، و يرجع في ذلك إلى عموم الآية من قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ (1) و هذه من جملة نسائه، فدخلت تحت العموم، و هو مذهب السيّد المرتضى قدس اللّه روحه و به آخذ و عليه أعمل، لأنّ فيه الدليل.

* * *

____________

(1)- المجادلة: 3.

361

[158] مسألة في اخبار الواحد بوفاة الزوج الغائب

مسألة: ما تقول في رجل غاب عن أهله بزوجته و سكن قرية و مرض بها، فتركته زوجته مريضا و رجعت إلى أهلها، فسألوها عن زوجها فقالت لهم إنّي خلّفته مريضا، فأقامت عند أهلها مدّة ستة أشهر، و لم تعلم حاله فجاء أخو زوجها فسألوه عن حال أخيه، فقال: إنّي قصدت القرية التي كان يسكنها، و سألت أهلها عن حاله، فقالوا إنّه مات، و لم يرد الزوجة خبر سوى هذا، و سأل أهل الزّوج جماعة يقربوا في البلد الّذي كان فيه، فقالوا: ما لنا فيه علم بحياة و لا بموت، فهل يقبل قول أخيه بأنّه مات إن كان من أهل العدالة أو من غيرهم؟

و هل هذه المرأة تحلّ للأزواج أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا تقبل شهادة شاهد واحد في موت الزوج، سواء كان أخاه أو غيره، بل شهادة عدلين مسلمين، فعلى هذا لا يجوز لهذه المرأة أن تتزوّج، و لا تحلّ لأحد ما لم يعلم منه موت أو طلاق.

* * *

362

[159] مسألة في تسليم المأموم قبل الإمام ناسيا أو عامدا

مسألة: ما تقول في المأموم إذا سلّم قبل الإمام ناسيا أو عامدا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا بأس إن سلّم قبل الإمام إن كان ناسيا أو أعجله أمر من حاجة و غيرها، فأمّا سلامه من غير حاجة أو أمر فإنّه لا يجوز، فإن فعله فصلاته ماضية غير باطلة.

* * *

363

[160] مسألة في ترك الصلاة على النبيّ و آله في الصلاة

مسألة: ما تقول في الرجل يقرأ الشهادة و يقف على عبده و رسوله و يسلّم، و ترك الصّلاة على محمّد و آله، أهل تمضي صلاته أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الصلاة على النبيّ و على آله (عليهم السلام) في التشهّد الأوّل و الأخير واجبة، من تركها متعمّدا بطلت صلاته، و من تركها ناسيا فيجب عليه قضاؤها و سجدتا السهو.

* * *

364

[161] مسألة فيمن عقد عليها الأب و هي صغيرة لرجل سمّاه في بلد آخر فمات الأب و جاء الرجل فادعى أنّه الزوج و بلغت البنت و لم يدخل بها ثمّ غاب الزوج و لم يعلم له خبر

مسألة: ما تقول في رجل كان له بنت غير بالغ، فقال: إنّي قد زوّجتها بفلان في بلد آخر، غير الموضع الّذي كان يسكنه و سمّاه باسمه، فمضى على ذلك القول مدّة من الزّمان، فمات الأب و الصبيّة غير بالغة، فجاء الرجل الّذي ذكره أبوها إلى أهل الصبيّة و أقام عندهم، و سمع قوله بأنّ أباها قد عقد لي عليها، فبلغت المرأة و الرجل عندهم حاضر معترف بالعقد و لم يدخل بها، ثمّ غاب و لم يعلم له خبر إلى الآن، فهل يؤثّر قول الأب أم لا؟ و هل يقبل قول الزّوج في ادّعائه العقد أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إقرار الأب مقبول صحيح، و قول الرجل- أعني الزّوج- مقبول، لأنّه تصديق لما قال أبوها، و العقد صحيح، و لا تحلّ هذه المرأة للأزواج إلى أن يعلم للرجل خبر من طلاق أو موت، لأنّه لا خلاف بين الأصحاب في عقد الأب على غير البالغ من بناته، و إن بلغت و أنكرت عقده فلا تأثير لإنكارها، فاعلم ذلك.

* * *

365

[162] مسألة في شراء الفوّة من الآخر

مسألة: ما تقول في الرجل يبتاع الفوّة (1) و يمسحها من غير إضافة شيء إليها هل يصحّ البيع أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذا بيع صحيح لا دليل على فساده و لا مانع من صحّته.

* * *

____________

(1)- الفوّة: وزان القوّة، عرق يصبغ به معروف و الثوب المفوّى المصبوغ بالفوّة. (مجمع البحرين).

و هي عروق دقاق طوال حمر يصبغ و يداوى بها، و تسمّى عروق الصبّاغين. (قطر المحيط).

366

[163] مسألة في شراء جريبا من الفوّة من الآخر

مسألة: ما تقول في الرجل يبتاع جريبا من الفوّة من جملة أجربة (1)، و يقف على جميع حدود الأجربة و لم يعيّن الجريب، أ يمضي البيع أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم يعيّن الجريب المشاع كان البيع فاسدا لا دليل على صحّته، لأنّه داخل في بيع الغرر و المجهول.

* * *

____________

(1)- جمع جريب و هو ما قدّر بستين ذراعا في ستين، و الذراع بست قبضات، و القبضة بأربع أصابع، و عشر هذا الجريب يسمّى قفيزا، و عشر القفيز يسمّى عشيرا. (مجمع البحرين: جرب).

367

[164] مسألة في شراء الفوّة من الآخر

مسألة: ما تقول في الرجل يبتاع الفوّة بالتحديد، سهما من جملة أسهم، فتهلك الفوّة قبل الإدراك و الانتفاع بها ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا عيّن السهم بالمبلغ و اشتراه شراء شرعيا صحّ البيع، سواء هلكت أو أعطبت و يكون من مال المشتري، و إذا لم يعيّن السهم فالقول فيها كالقول في المسألة التي ذكر فيها بيع الغرر.

* * *

368

[165] مسألة فيمن يغسّله غيره من غسل الجنابة

مسألة: ما تقول في الرّجل يغسّله غيره من غسل الجنابة أ يجزيه ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان الجنب صحيحا من المرض فغسّله غيره، و لم يباشر شيئا من الماء، و لا شيئا من جسده، و لا تولّى شيئا من الطّهارة فغسله غير صحيح و لا مشروع، و إن كان لمّا أفاض الماء غيره عليه، تولّى استعماله و إمرار اليد على رأسه و يديه، و تولّى استيعاب بشرته أجمع فغسله صحيح، و إن كان مريضا فلا خلاف في صحّة غسله إذا كان قد نوى النيّة.

* * *

369

[166] مسألة في مطالبة الزوجة بالمهر قبل الدخول

مسألة: ما تقول في المرأة أ يجوز لها مطالبة زوجها بمهرها قبل دخوله بها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان موسرا فيجب عليه الخروج منه، و للزوجة أيضا قبل الدخول بها الامتناع من تسليم نفسها، و لا تمكّنه من الاستمتاع بها إلى أن تستوفي مهرها، و إن كان معسرا فنظرة إلى ميسرة، و إن كان بعد الدخول بها، فيجب عليه أيضا الخروج منه، و لها مطالبته غير أنّها لا يجوز لها أن تمنعه نفسها من الاستمتاع و يجب عليها تسليم نفسها.

* * *

370

[167] مسألة في إسلام زوجة الذميّ

مسألة: ما تقول في رجل ذمّي تحته امرأة ذمّية، فأسلمت الزوجة دون الزّوج و قبله، هل له إمساكها بالزوجية و إن لم يسلم؟ أم يقف العقد على انقضاء عدّتها؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي يتلوّح لي أنّ الذّمية إذا أسلمت تحت ذمّي، عليها أن تقضي العدّة منه، و هو أحق بها ما دامت في عدّتها.

و معنى هذا الكلام هو أنّه إذا أسلم قبل خروجها من عدّتها فهو أملك ببضعها و نكاحها، لا خيار لها في فسخ العقد.

فأمّا إذا خرجت من العدّة قبل إسلامه، فقد ملكت نفسها، و لها أن تتزوّج برجل مسلم، و لا يحل لها أن تتزوّج بكافر.

فهذا الّذي أعتمده في هذه الفتيا، لأنّ الدليل قد قادني إليه، و يقتضيه الأصل و يشهد بصحّته النظر، و كتاب اللّه تعالى أيضا شاهد بذلك، و أخبار معتمدة ناطقة بفحواه، صريحة موافقة لنصّ القرآن، فالأخذ بها أولى و أحرى في الدين.

371

فأمّا الكتاب فقوله عزّ من قائل: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) فمن قال إنّ الزّوج الذمّي يملك عقد المرأة المسلمة كما كان، و له عليها الولاية أعني ولاية الزّوجية، فقد خالف نصّ الكتاب، و اللّه تعالى قد نفى أن يكون له عليها سبيلا بقوله: (و لن) فأتى بلن النافية على طريق الأبد.

و أيضا فقد خالف

قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من قوله: «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه»

(2) فمن جعل للزّوج الولاية و أنّ أمرها بيده و هي أملك ببضعها و عقدها، فقد خالف الحديث و حاد عن قول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و لا يلتفت إليه و يرجع إلى أخبار الآحاد الشاذة النادرة، فإنّه يحمل (على) على وجوه، و لا إلى تقليد الرّواية الشاذة التي في النهاية (3) لأنّها مخالفة لظاهر الكتاب، و الصّحيح من الأخبار.

فكتاب اللّه أحقّ بالحق و أولى بالتقليد، و أن تقضي به على أخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، و أيضا فمصنّف النّهاية (رحمه اللّه) رجع عمّا سطره بعد ذلك في مصنفاته، و لو لا فساده عنده لما رجع عنه بالآخرة و أفتى بخلافه.

* * *

____________

(1)- النساء: 141.

(2)- من لا يحضره الفقيه 4: 243، و في مستدرك الوسائل 7: 142 نقلا عن عوالي اللئالي بزيادة في آخره: «نحن نرثهم و لا يرثونا».

(3)- النهاية: 457.

372

[168] مسألة في وقوع الجسم الطاهر في البئر المتنجّس

مسألة: ما تقول في ماء البئر إذا كان نجسا و وقع فيها جسم طاهر قبل أن ينزح، ثمّ نزح منها ما يوجب طهارتها و بقي الجسم فيها، فبأيّ شيء يحكم على الجسم و على ماء البئر؟

الجواب و باللّه التوفيق: الجسم- المفروض في السؤال- عند وقوعه فيها محكوم بنجاسته، و لا دليل على طهارته بنزح البئر، فمن ادّعى طهارته بنزح البئر فعليه الدّليل، و لن تجده، بفرض المسألة أنّ الجسم الواقع فيها ميزر أو سطل فقد نجسا، إلّا أن يكون الجسم المفروض جسما عفت الشّريعة بفحواها عنه، و يكون معلوما بالعادة معفوا عنه، مثلا أن يقع فيها آجرة منها أو عود صغير أو شيء من التّبن أو ورق القصب أو ممّا تسفيه الرّياح بمجرى العادة، فذلك معفوّ عنه لأجل الحرج و يطهر بنزحها من دون إخراجها، فأمّا ماء البئر المذكور في السؤال فإنّه أيضا نجس، لأنّ فيها نجاسة، و البئر لا تطهر بغير النّزح إلّا بعد أن يخرج ما فيها من النجاسة، ثمّ ينزح بعد ذلك.

* * *

373

[169] مسألة في تمضمض الصائم

مسألة: ما تقول في الصائم إذا تمضمض للطّهارة أو التبرّد، هل يجب عليه أن يبصق ثلاث مرات أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الخبر قد ورد بوجوب ذلك عنهم (عليهم السلام)، فالأخذ به أولى و أحرى و أحوط في الدّيانة.

* * *

374

[170] مسألة فيمن تزوّج بامرأة ثمّ ادعى عدم الدخول بها و شهدت النساء بذلك و ادعت المرأة الوطء فيما دون الفرج

مسألة: ما تقول في رجل تزوّج امرأة و خلا بها، ثمّ خرج عنها و قال: هذه المرأة على حالها و هي بكر، و وجدها النّساء على الحال التي ذكر، و قالت المرأة:

وطئني فيما دون الفرج، فما الحكم إن أقرّ؟ أ يستحقّ فيه الصّداق أم لا؟ و ما الحكم إن جحد؟

الجواب و باللّه التوفيق: الصّحيح من المذهب أنّ الخلوة لا معتبر بها في استحقاق الصّداق كملا إذا وجدت البكر على هيئتها، فأمّا إن كانت ثيّبا فالواجب على الحاكم أن يحكم على ظاهر الحال بوجوب المهر كملا.

فأمّا إذا صدّقته الثيّب في أنّه لم يطأها، فلا يلزمه المهر كاملا بعد الطّلاق، فأمّا إذا وجدت البكر على هيئتها غير مفضية، بل بحالها بكرا، و ذلك يعرف بدخول النّساء الثقات إليها، فإن أقرّ الزّوج أنّي وطئتها فيما دون الفرج، فالواجب عليه جميع المهر، لأنّ بالوطء يجب عليه المهر كاملا، سواء كان الوطء في القبل أو في الدبر إذا غيّب الحشفة و لا خلاف أعلمه في هذا.

375

فأمّا إذا أنكر و قالت وطئني في دبري و جحد ذلك، فالّذي أراه في هذا الموضع أنّ القول قولها مع يمينها، لأنّ هذا سبيل من ادّعى شيئا و لم يمكنه عليه إقامة البيّنة، و يكون الظاهر معه بأنّ القول قوله مع يمينه، و هذا مطرد في جميع الأشياء.

و الدّليل عليه: أنّ الظاهر معها و هو الخلوة، فإن اعترض بالبكر إذا وجدت بكرا، فنقول هناك أمكن قيام البيّنة على تكذيبها، و إلّا كان القول قولها، ألا ترى أنّ الثيّب إذا خلا بها، ثمّ أنكر الزوج أن يكون دخل بها و قالت قد دخل بي و وطئني فالقول قولها، لأنّه لا يمكنه إقامة البيّنة على تكذيبها، و لا يمكنها إقامة البيّنة على تصديقها، إلّا أنّ الظاهر معها، فيرجح قولها على قوله لأجل الظاهر، فاتّضح بهذا ما ذهبت إليه، و المنّة للّه على توفيقه و هدايته للصواب.

* * *

376

[171] مسألة فيمن مات و قد عقد على امرأة عقدا مؤجّلا

مسألة: ما تقول في رجل عقد على امرأة عقدا مؤجّلا، ثمّ أنّه مات عنها قبل دخوله بها، و قبل خروجها من أيّامه، ما يجب لها عليه من المهر و الميراث؟

فإن كان هي الميتة ما يجب عليه لورثتها؟ فإن لم يمت و لم تمت هي، بل وهبها الأيّام التي له عليها قبل دخوله بها، أيّ شيء يجب لها عليها بعد هبته إياها الأيّام؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أعتمده في هذه الفتيا و أعمل عليه و قادني إليه الدليل و ظاهر الكتاب العزيز، أنّها إذا ماتت قبل دخوله بها، فإنّ المهر واجب عليه كملا لورثتها.

و كذلك إن مات هو قبل دخوله بها فالواجب لها أخذ جميع مهرها من تركته، و يلزمها عدّة الوفاة على الصّحيح من المذهب، و لا ترثه إن مات و لا يرثها إذا ماتت، إلّا أن يكون بينهما شرط، على خلاف فيه بين الطائفة.

و الّذي يدلّ على أنّ لها المهر كملا إذا مات أو ماتت، إجماع أصحابنا على أنّ المهر يجب بالعقد، و يستقرّ جميعه بالدّخول، و يسقط نصفه بالطّلاق قبل

377

الدّخول، هذا إجماع منهم في سائر عقود النّكاح الدّوام و غيره، إلّا أنّ المؤجّل لا طلاق فيه، بل يسقط نصفه قبل الدّخول بها هبة الزّوج لها الأيّام، فصارت الهبة قبل الدّخول في النكاح المؤجّل في إسقاط نصف المهر، بمنزلة الطّلاق في الدّائم قبل الدّخول، و بقيت جميع الأحكام على العموم، إلّا ما أخرجه الدّليل من الإرث.

فهذا أصل يبنى عليه، و تحقيق السؤال و فقهه، و لا يلتفت إلى أخبار الآحاد الواردة بخلاف ذلك، فأمّا إذا لم يدخل بها و وهبها أيّامها، فعلى ما رواه أصحابنا يجب لها عليه نصف المهر، فهذا تسليم إلى النصّ، و إن كان النّظر و الأصل لا يقتضيه، فتبيّن ذلك و تحقّقه.

* * *

378

[172] مسألة فيمن تزوّج بنت الأخ على العمّة أو تزوّج أمة على حرّة، و أبت العمّة أو الحرّة المقام و العقد و أرادت الفسخ و لم يفسخ الزوج

مسألة: ما تقول فيمن تزوّج بنت الأخ على العمّة، أو أمة على حرّة و أبت الحرّة و العمّة المقام و العقد، و فسخت نكاحها، فأبى الزّوج الفسخ، هل يكون لإبائه تأثير أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ليس لإباء الزّوج تأثير، و هي مخيّرة في ذلك إن شاءت المقام معه أقامت و انفسخ عقد بنت الأخ، و إن شاءت فسخت عقد نفسها.

و أما الحرّة فإذا فسخت عقد نفسها، احتاج الزّوج إلى أن يعقد على الأمة عقدا ثانيا.

فأمّا من تزوّج بحرّة على أمة، فإنّ للحرّة أن تفسخ عقد نفسها، و ليس لها أن تفسخ عقد الأمة، لأنّه ثابت من قبل عقدها، و إن لم تعتزل و أبت العقد، فإنّ ابنة الأخ تحرم على الرّجل على كلّ حال.

* * *

379

[173] مسألة في حداد المتوفّى عنها زوجها

مسألة: ما تقول في المتوفّى عنها زوجها و أنّه يجب عليها الحداد، صغيرة كانت أو كبيرة، فإن لم تحدّ و مضت عليها الأربعة الأشهر و العشرة الأيّام، فقد أخلّت بواجب و هو ترك الحداد و انقضت عدّتها، لأنّ العدّة هي مرور الأيّام وسعة مرّ (1)، و أيضا:

الجواب و باللّه التوفيق: لا خلاف بين المحصّلين المتأمّلين في أدلّة الشرع من أصحابنا في ذلك، كما أنّ المعتدّة الرّجعيّة يجب عليها أن لا تخرج من بيت زوجها و لا تفارقه حتى تقضي عدّتها، فإن خرجت منه بغير أمر الزّوج أخلّت بواجب و كانت عاصية للّه تعالى، غير أنّها إذا مضت عليها الأقراء إن كانت من ذوات الأقراء، أو الأشهر الثلاثة إن كانت مسترابة، فقد خرجت من عدّتها بلا خلاف بينهم في ذلك، مع تركها الواجب و هو لزوم بيتها.

و كذلك المعتدّة للوفاة تكون مخلّة بواجب و تحلّ للأزواج، المعتدّتان بعد خروجهما من العدّة، و إن كانتا قد أخلّتا بواجبين من ترك الحداد للمتوفّى عنها

____________

(1)- كذا في الأصل. و لعلّها مسبّقة مرّت.

380

زوجها خاصة، و من لزوم البيت للمعتدّة الأخرى.

و أيضا فظاهر الكتاب يعضده و هو قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (1) و هذه قد تربّصت، فمن ادّعى بعد التربّص المدّة المذكورة أنّها ما خرجت من العدّة و لا تحلّ للأزواج، فعليه الدليل، و لا دليل له.

* * *

____________

(1)- البقرة: 234.

381

[174] مسألة في مقاصّة المغصوب للغاصب بشيء من مال الغاصب

مسألة: ما تقول فيمن غصبه إنسان شيئا و طالبه به و لم يعطه إياه، فظفر المغصوب منه بشيء من مال الغاصب، أ يجوز له أن يأخذ منه بقدر ما غصبه، سواء كان وديعة أو غير وديعة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: من غصب إنسانا شيئا فطالبه الغاصب به و لم يعطه، أو رافعه إلى الحاكم من الحكام و لم يرتفع معه مثلا، إذا كانت معه بيّنة بالغصب، هذا جملة الكلام، فإنّه يجوز للمغصوب منه إذا ظفر الغاصب أن يأخذ مثل ماله إن كان له مثل، أو قيمة إن كان لا مثل له، سواء كان المظفور به من المال وديعة أو غير وديعة، و ما ورد من المنع في أخذ الوديعة أخبار آحاد، فإن عمل بها فهي محمولة على الكراهية، لأنّ الإنسان لا يجوز له أن يضيّع ماله، فإنّه منهيّ عن ضياعه.

* * *

382

[175] مسألة في النيابة بالأجرة في الصلاة

مسألة: ما تقول في النيابة و الإجارة في الصّلاة، أ يجوز أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الوكالة و النيابة و الإجارة في الصلاة غير صحيح بوجه من الوجوه، و لا يجوز لأحد أن يصلّي عن غيره نافلة و لا فريضة، فإن اعترض معترض بالولد الأكبر إذا مات أبوه و عليه صلاة فائتة في مرضه فإنّه يجب عليه قضاؤها، فإنّا نقول: إنّ هذا تكليف الولد، و ليس هذا بتوكيل و لا نيابة.

و كذلك إن اعترض بالنائب في ركعتي الطّواف قلنا: ذلك ورد فيه نصّ فخرج بالدليل و الأصل المقرّر، و هذا هو الجواب إن اعترض بالنيابة في الحاج.

* * *

383

[176] مسألة في البيع

مسألة: ما تقول فيمن باع غيره رطلا معلوما من التمر بثمن معلوم، ثمّ انّ المبتاع لم يقبض البائع الثمن، و انّ البائع ابتاع من المبتاع الأوّل بثمن التّمر الأوّل، تمرا أرطالا معلومة نسيئة، هل يصحّ البيع الثاني مع كونه لم يقبض منه الثمن عن التمر الأوّل، أم لا يصحّ؟

الجواب و باللّه التوفيق: الّذي أقول في هذا السؤال: إنّ البيع الثاني باطل غير صحيح، لإجماع الطائفة على فساده

و لقول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يباع الدين بالدين»

(1) و هذا بيع دين بدين نسيئة، ألا ترى أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قد نهى أن يباع الدين بالدين، و النّهي بمجرّده إذا ورد من الحكيم دلّ على فساد المنهيّ عنه، لا خلاف بين محقّقي أصول الفقه في ذلك، فيجب على هذا الأصل المقرّر فساد هذا البيع.

* * *

____________

(1)- الكافي 5: 100، و التهذيب 6: 189.

384

[177] مسألة في المتبايعين ينكر أحدهما البيع بعد الافتراق

مسألة: ما تقول في متبايعين تبايعا شيئا من المبيعات ثمّ قبض أحدهما المبيع و الآخر الثمن و افترقا، ثمّ أنكر أحدهما البيع و قال لم يحصل بيننا عقد بيع شرعي من الإيجاب و القبول، و ادّعى الآخر حصوله مع اتفاقهما على البيع، إلّا أنّ أحدهما يقول هو بيع فاسد، و الآخر يقول صحيح شرعي ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: القول قول من يدّعي الصحّة، و يبطل قول من يدّعي الفساد، و هذا حكم مطرد في العقود أجمع، لأنّهما قد اتّفقا على البيع، و ادّعاء الآخر ما يفسده، فعليه الدّليل.

و أمّا ما ذكره في أثناء سؤاله من قوله: إن كان لم يحصل إيجاب و قبول بألفاظ البيع الشّرعي، و إنّما قبض كلّ واحد منهما مال صاحبه من غير أن يعقدا بيعا شرعيا، ثمّ مضت عليهما أوقات هل يصحّ لأحدهما الرّجوع أم لا؟ فاعلم:

أنّه إذا كان الأمر على ما ذكر من أنّه لم يجر بينهما عقد شرعي، فلكلّ واحد منهما الرّجوع بماله على صاحبه، لأنّ ذلك إباحة و ليس عقدا شرعيا، لأنّ الملك لا ينتقل إلّا بألفاظ شرعيّة، و إلا هو باق على ملاكه.

* * *

385

[178] مسألة في عدم جواز يمين الوصي و الولي مع شاهد واحد لإنقاذ مال اليتيم

مسألة: ما تقول في يتيم ليس له وصيّ، و قد شهد له شاهد واحد بحقّ على الغير، كيف يكون حال هذا الشاهد الواحد مع كون صاحب الحقّ طفلا، فهل يجوز تأخير اليمين إلى حين بلوغ اليتيم أم لا؟ فإن كان له وصيّ و شهد له شاهد، هل يجوز للوصيّ أو الولي أن يحلف مع الشاهد أم لا؟

و إن لم يكن له وليّ و بلغ اليتيم و هو لا يعلم أنّ له على غيره حقا إلّا بقول الشاهد، هل يجوز له أن يحلف مع الشاهد مع كونه غير عالم بالحقّ أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز للوصيّ و لا للولي أن يحلف مع الشاهد و لا يثبت بيمينه حقّ لغيره، و النّيابة لا تصحّ لأنّ الأيمان لا يدخلها النّيابة بحال من الأحوال، بغير خلاف أعلم بين الطائفة.

فأمّا إذا بلغ الصبيّ فله أن يحلف مع شاهده و يثبت الحقّ له و له أن لا يحلف، بل لا يجوز له أن يحلف إلّا مع العلم.

و الّذي أعتمده و أعمل عليه و أفتي به: أنّ الإنسان لا يجوز له أن يحلف، و لا أن يقدم على اليمين إلّا على شيء يتحقّقه و يعلمه علما جليا، و إلا يكون

386

مخالفا لنصّ الكتاب العزيز، مرتكبا للنّهي من الحكيم، محتقبا للإثم العظيم، و هو قوله تعالى: وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1).

* * *

____________

(1)- الأسراء: 36.

387

[179] مسألة في إقرار الوالد كتب لولده بدار أو بستان

مسألة: ما تقول في رجل كتب لولده إقرارا بدار أو بستان، و مات الولد و خلّف ولدا، و الكتاب مودع عند شخص، و ما أخذه الوالد و لا طلبه، ثمّ مات الوالد وجد الولد الباقي، و للوالد ولد آخر أله أن يقول هذا إقرار عن غير حقّ أم لا؟ و كيف الحديث في هذه المسألة و الإقرارات، لأنّ أكثرها تقع عن غير حقّ، و إنّما يعطون عطيّة و يريدون بذلك قطع التأويل فتحقّق الفقه في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجب على المودّع أن يسلّم الكتاب إلى ولد المقرّ له، لا يحلّ له إمساكه عنه، و لا تسليمه إلى غيره، فأمّا دعوى عمّه أنّ هذا عن غير حق، فهي دعوى باطلة، لأنّ حقيقة الإقرار عرفا و شرعا اللّزوم و الإيجاب عن حقّ متقدّم في الذّمة فلا يلتفت إلى دعواه.

فأمّا الإقرارات فعلى الحاكم أن يحكم بصحّتها إذا قامت البيّنة بها من غير توقّف، هل هي بحقّ أو بغير حقّ، لما قدّمته من أنّ لفظه الإقرار اللّزوم شرعا و عرفا، بل قد بقي المقرّ، هل يحلّ له أن يرجع في إقراره إذا قدر على إبطاله و الرّجوع فيه بأن يكون لم تشهد به بيّنة و لم يحكم به حاكم أم لا؟

388

فنقول: إن أقرّ عن حق فلا يجوز له الرّجوع فيه و لا يحلّ له ذلك، لأنّ بإقراره قد ملكه المقرّ له، و صار مالا من أمواله، فلا يجوز لأحد التصرّف فيه. إلّا بإذنه، فأمّا إذا كان إقراره عن غير حق، فله الرّجوع فيه إن قدر على ذلك غير حرج فيه و لا إثم، فأمّا المقرّ له فلا يعتبر علمه بأنّه عن حقّ أو لا عن حقّ، لأنّه ربّما كان له على المقرّ حقّ و لا يعلم، فأراد المقرّ أن يبرئ ذمّته بإقراره له، فاعلم ذلك.

* * *

389

[180] مسألة في إقرار الرجل لولده الصغير و الصغير أخرس لم يعلم بذلك

مسألة: ما تقول في رجل أقرّ لولد له صغير بجميع ما يملك، و الصّغير أخرس لم يعلم بذلك، هل الإقرار صحيح جائز؟ و هل يجوز له أن يرهنه بعد إقراره أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إقرار العقلاء جائز على أنفسهم لا خلاف في ذلك بين المسلمين، إلّا أن يكون المقرّ عبدا فإقراره غير جائز، لأنّه إقرار على الغير، و حقيقة الإقرار شرعا اللّزوم و الإيجاب عن حقّ ثابت متقدّم في الذّمة، إلّا أنّ الرجل المذكور في السؤال إن كان إقراره لولده عن حقّ ثابت في ذمّته فلا يحلّ له الرّجوع في هذا الإقرار، و إن لم يكن عن حقّ فله الرجوع فيه إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه و هو أن يشهد عدلان عند الحاكم بإقراره لولده، فإنّ الحاكم يحكم بظاهر الإقرار و صحّته، سواء كان عن حقّ أو لا عن حقّ.

* * *

390

[181] مسألة في التزويج بشرط أن يزوّجه الزوج أمته ... الخ

مسألة: ما تقول في رجل زوّج ابنته برجل و رشا الزّوج أمة له ليتزوّج ابنته، و شرط عليه بعد ذلك أنّه متى طلّق الزّوجة رجعت الأمة إلى والد الزّوجة من مهرها بعشرة دنانير، هل يجوز للزّوج تملّك الأمة بهذا الشّرط أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: أمّا قولك رشا أمة ليتزوّج بابنته لفظ غير مشروع و لا له محصول، بل لا يخلو إمّا أن يكون قد وهبه الأمة و أقبضه إيّاها و تصرّف فيها الموهوب له فالهبة صحيحة شرعيّة، فإذا دخلها الشّرط المذكور لم تكن لازمة شرعيّة، بل يخالف الشرط مقتضى الهبة، فأمّا إن كان عقد الهبة بالإيجاب و القبول، لأنّها عقد من جملة العقود، و قبض الموهوب الهبة و تصرّف فيها، ثمّ بعد ذلك شرط أنّه إذا طلّق رجع في الهبة، فهذا شرط باطل يخالف الكتاب و السنّة، لأنّ الطّلاق بيد الرّجال، موقوف على اختيارهم فاعلم ذلك.

* * *

391

[182] مسألة في بيع أحد الشريكين جميع الملك و ضمن الدرك

مسألة: ما تقول في رجلين كانا شريكين في ملك واحد، فباع أحدهما الملك جميعه و ضمن عليه الدرك، هل البيع ماض أم يجب عليه نخلة بنخلة، كما ذكر بعض أصحابنا أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: البيع ماض في نصيب الشريك البائع دون شريكه الّذي لم يبع، إلّا أن يكون شريكه وكّله في بيع نصيبه، فإن لم يكن وكّله فبيعه ماض في حصّته، باطل في حصّة شريكه، و يرجع عليه المشتري بما قبضه من الثمن عن نصيب شريكه فحسب، و لا يجب عليه نخلة مكان نخلة كما حكيت عن بعض أصحابك، لأنّ هذا القائل مخطئ على نفسه، كيف يقدم على مثل هذا القول من غير دليل و لا علم، مع نهي اللّه سبحانه له بقوله: وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1) و هذا شيء لا يحتاج إلى قيام دليل عليه.

* * *

____________

(1)- الإسراء: 36.

392

[183] مسألة في استيلاء السلطان على أملاك ثمّ طرحها على أهل البلد و كان فيهم من يخاف اللّه، هل عليه أن يخمسه و يأكل منه؟

مسألة: ما تقول في رجل له ملك نخل و قد استولى السلطان على ملكه و ملك غيره و جمعه بأسره، ثمّ بعد ذلك طرحه على أهل البلد و رمى على صاحب الملك و هو رجل يخاف اللّه، هل يجوز له أن يخمّسه و يأكل منه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ما يأخذه السّلطان من الغلات و الثمار و يخلطه بغيره خلطا لا يتميز بعضه من بعض، فالشراء منه و الأكل و التصرّف فيه صحيح مأذون فيه، غير حرج من ابتاعه أو أكله و لا إثم، لأنّ بالخلط صار كالمستهلك فاعلم ذلك، و إن كان الغصب غير مختلط فلا يحلّ شراؤه و لا أكله فاعتبر ما سطر، و افرق بين المسألتين.

* * *

393

[184] مسألة: في شهادة الفاسق على نفسه جائزة أم لا؟

مسألة: ما تقول في شهادة الفاسق على نفسه جائزة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان هذا الفاسق مقرا على نفسه، فإقراره جائز بشهادته على نفسه، لا خلاف في ذلك بين الطائفة، فاعلم ذلك.

* * *

394

[185] مسألة فيمن يعطى الخمس هل يشترط فيه العدالة؟

مسألة: ما تقول في الخمس أن يعطى لجميع بني هاشم من غير أن يعتبر فيهم العدالة، و أرباب الأموال يجوز لهم أخذ ذلك؟ و هل يجوز أن يعطى سهم الأيتام أو سهم أبناء السّبيل و الفقير الواحد (1) منهم إذا لم يكن عندنا غيره؟ و هل بنو العباس داخلون في ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الخمس يستحقّه جميع بني هاشم الطالبي و العباسي و أولاد أبي لهب أيضا إن حضر منهم أحد، و كذلك أولاد الحرث لأنّ هاشم لم يعقّب إلّا من عبد المطلب، و عبد المطلب لم يعقّب إلّا من خمسة: عبد اللّه أبي نبينا (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و أبي طالب، و العباس، و الحرث، و أبي لهب، فجميع أولاد هؤلاء الخمسة يستحقّون الخمس إذا كانوا فقراء أو مساكين أو أيتاما.

و لا يجوز إعطاؤه للغني منهم، و لا لمن لم يكن إماميّ المذهب، و لا يراعى فيهم العدالة، لأنّ الآية عامة، و اليتيم لا يراعى فيه الغنى، فتبيّن ذلك و تحقّقه،

____________

(1)- هكذا في الأصل و لعلّ الصواب (للفقير الواحد) كما يدلّ عليه السياق.

395

و من حضر من مستحقّي الخمس يعطى و لا ينتظر الباقي، بل يعطى الحاضر الجميع، و قد تقدّم شيء من ذلك فافهمه.

* * *

396

[186] مسألة في أمة تزوّجها رجل ثمّ فقد و غاب خبره

مسألة: ما تقول في أمة لرجل تزوّجها رجل أجنبي، ثمّ تركها من غير طلاق و مضى، و ما عرف له خبر، هل تحلّ للرّجال أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه الأمة لا تحلّ للرّجال، إلّا أن تقوم البيّنة بموته أو طلاقه، ثمّ تقضي العدّة، فإن لم تقم البيّنة بذلك، فلا تحلّ إلّا أن يبيعها سيدها، فتحلّ بعد البيع، لأنّ بيع الأمة عندنا طلاقها.

* * *

397

[187] مسألة فيمن اشترى سمنا مجهولا بثمن معلوم

مسألة: ما تقول في رجل اشترى سمنا مجهولا بثمن معلوم و لم يزنه، ثمّ شهد على نفسه أنّه اشتراه مجهولا بثمن معلوم، هل يجوز لنا أن نشتريه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ما يكال و يوزن لا يجوز بيعه جزافا لا خلاف في ذلك بين طائفتنا، و هذا العقد المذكور أعني إذا عقد على شيء مجهول فإنّه عقد غير صحيح، و للمشتري الثمن يرجع به متى شاء على البائع، و للبائع الرّجوع على المشتري بالسّمن متى شاء، لأنّ الأصل بقاء الأملاك على أربابها و لا ينتقل إلّا بعقود شرعيّة، و هاهنا العقد الشرعي مفقود، فلا يصحّ تملّكه، إلّا أن يكون البائع قد أخبر المشتري بوزنه، فحينئذ يصحّ بيعه، لأنّ إخباره يجري مجرى الوزن، فعلى هذا يصحّ بيعه و الشراء منه، و على الوجه الأوّل لا يصحّ البيع و لا الشراء، فتأمّل السؤال و تبيّنه.

* * *

398

[188] مسألة في شراء الفوّة مجهولة القدر وزنا و مكانا

مسألة: ما تقول في الواحد منّا يشتري الفوّة إمّا قفيزا أو جريبا و لم يعيّن الموضع و لا مسحه، ثمّ يتأكّد في ذلك عليه، و يقول له: اشتريت منك خير فوة لك، هل الشراء جائز بهذا القول أم لا؟ و إن عيّن الموضع و لم يمسح أ يجوز الشراء أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم يعيّن الموضع و لا شاهده، فالشراء غير صحيح، فأمّا إذا عيّن الموضع و شاهده فالشراء صحيح و ان لم يمسح فاعلم ذلك، فإن عيّن الموضع و لم يشاهده المشتري، يكون البيع موقوفا على رؤية المشتري له، فإن وجده كما وصف له البائع كان البيع ماضيا، و إن وجده بخلاف ما وصف، فله الرّد و فسخ البيع، و قد تقدّم طرف من ذلك.

* * *

399

[189] مسألة الصرف بين المسلم و الذمي

مسألة: ما تقول في الصرف بين المسلم و الذمّي ثابت كثبوته بين المسلم و المسلم أم كما ذكر: لا ربا بين المسلم و الذّمي؟

الجواب و باللّه التوفيق: الصحيح من المذهب عند الإماميّة: أنّ الرّبا ثابت بين المسلم و الذمّي كثبوته بين المسلم و المسلم، و إجماعهم منعقد على ذلك، و لا يعتد بخلاف من شذّ منهم، و إن كان قد وردت أخبار بذلك، إلّا أنّها أخبار آحاد، و الدليل على القول الأوّل قول اللّه تعالى: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و ذلك عام في المسلم و الذمي، إلّا ما أخرجه الدّليل في الحربيّ.

* * *

400

[190] مسألة في هلاك الرهن عند المرهون عنده

مسألة: ما تقول في رجل استرهن رهنا ثمّ استهلك عين الرهن، هل يجب عليه غرمه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا استهلك الرّهن من غير تفريط من المرتهن فلا غرم عليه، و يرجع بدينه على الراهن، و إن كان استهلاكه بتفريط من المرتهن كان غرمه عليه؟

* * *

401

[191] مسألة في السهو في الركعتين الأولتين و الأخيرتين من الرباعيات هل الحكم فيهما سواء؟

مسألة: ما تقول في الركعتين الأولتين و الأخيرتين من الفرائض الرّباعيات حكمهما سواء في السّهو، أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّ الركعتين الأخيرتين حكمهما غير حكم الركعتين الأوّلتين في السّهو و الإعادة، فإنّه متى ما سها المصلّي عن السّجدتين في الآخرتين حتى ركع و ذكر قبل أن يرفع رأسه أرسل نفسه إلى السّجود، و لا شيء عليه من فساد صلاته، سوى سجدتي السّهو بعد سلامه، لأنّه قد قام في حال ركوع، فأمّا من ترك سجدتي الثالثة بعد أن ركع الرابعة و لم يرفع رأسه، حذف الركوع الرابع و سجد سجدتي الركعة الثالثة بانيا على ركوعه الثالث و كذلك من ترك ركوعا في الركعتين الآخرتين و سجد بعده، حذف السجود و أعاد الركوع، و هذا الحكم يكون قبل أن يسلّم، فأمّا إذا سلّم و ذكر أنّه قد زاد ركوعا، أو نقص ركوعا، أو نقص سجدتين، أو زاد سجدتين، فيلزمه الإعادة لا يجزيه غيرها.

* * *

402

[192] مسألة في العارية

مسألة: ما تقول في رجل استعار عارية ثمّ هلكت أ يجب عليه غرمها أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا هلكت العارية و لم يكن ذهبا أو فضّة من غير تعدّ و لا تفريط من المستعير فلا غرم عليه، و إن هلكت بتعدّ و تفريط منه فعليه غرمها، فأمّا إذا كانت العارية ذهبا و فضّة، فعليه غرمها، سواء هلكت بتفريط منه أو بغير تفريط و تعدّ، فاعلم ذلك.

* * *

403

[193] مسألة في الوديعة

مسألة: ما تقول في رجل استودع وديعة ثمّ تلفت الوديعة بعينها و لم يتلف معها شيء من ماله، أ يجب عليه غرم تلك الوديعة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه المسألة جوابها جواب المسألة المتقدّمة عليها، و هو أنّه إذا تلفت بتفريط من المستودع فللمودع الرّجوع عليه بغرمها، و إن تلفت بغير تفريط فلا غرم عليه، و القول قوله في أنّه ما فرّط، إلّا أن تقوم بيّنة بالتفريط.

* * *

404

[194] مسألة فيمن تزوّجت بعقد صحيح و كانت مطلّقة فادعى زوجها الأوّل أنّه لم تكن عند الطلاق في طهر

مسألة: ما تقول في رجل تزوّج بامرأة قد بان عنها زوجها بعقد صحيح، و كان الزّوج الأوّل غائبا عنها، فلمّا قدم أنكر طلاقها في طهر، و ذكر أنّه طلّقها في غير طهر، و كان قد شهد على الطّلاق شاهدان، ثمّ جاء بعد ذلك شاهدان غيرهما شهدا أنّه طلّقها في غير طهر، و أنكرا على الزوج الثاني قبل أن يدخل بالزّوجة، فلم يلتفت إلى كلام الشاهدين الأوّل و دخل بالزّوجة، هل العقد الأوّل أم الثاني؟ و هل المهر يكون لازما للثاني أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان الشاهدان الآخران شهدا على ذلك الطلاق الّذي شهد به الأوّلان أنّه كان على غير طهر بإقرار الزّوج بذلك و كانا عدلين، فإنّ الطلاق غير واقع، و الزّوجية باقية بينها و بين الأوّل، فإن لم يدخل الثاني فرّق بينهما، و إن دخل بها بعد أن سمع شهادة الآخرين، فإنّ المهر لازم له بما استحلّ من فرجها، و لا تحلّ له أبدا.

* * *