أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
405

[195] مسألة في المواريث

مسألة: ما تقول في رجل مات و خلّف زوجة، و جارية أمّ ولد، و خلّف تركة من ملك و عقارات و أثاث، و ذكر عند وفاته أنّ عليه لرجل دينا معيّنا، و أوصى بأن يباع من التّركة شيء معيّن و يؤدّى ذلك الدين المذكور، و يؤخّر ما عليه من المهر للزّوجة المذكورة، و أوصى بأن يباع جميع ما يخلّف من التركة بعد الأشياء التي عيّنها بإزاء الدّين و يقضي بها المهر، و المتخلّف من التركة لا يعلم هل يقوم بالمهر أم لا، فهل يسلّم ما بيع إلى صاحب الدّين المذكور؟ أم يباع الجميع من التّركة و يقسّم من الدّين و المهر أم لا؟

فإن صحّ ذلك و وجب الدّين للمقرّ له و عجز ما بقي من التركة عن المهر، فهل يجوز أن تباع أمّ الولد و يقضى بها الدّين الّذي هو المهر أم لا؟

و هل يسلّم إلى قوله عليّ دين و ما هناك بيّنة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان ما بقي بعد ما عيّنه يفي بقضاء الدّين المتخلّف، فيخصّ بما عيّنه من أوصى له بأن يباع ما عيّن فيقضى دينه منه، ثمّ بعد ذلك يقضى الدّين الباقي أعني المهر أو غيره إن كان عليه دين آخر، فالوصيّة

406

ماضية و يجب على الموصى امتثال ما وصي إليه به، و اتباع قول الموصي فيما أوصى لقوله عزّ و جلّ: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ (1) فأمّا إذا لم يبق بعد بيع ما عيّن ما يفي بالمهر، فها هنا تبطل الوصيّة و التّخصيص، و يتقاسم أرباب الديون من عيّن له و من لم يعيّن، التركة على قدر ديونهم.

مثلا لو أنّ لواحد عشرين دينارا و للآخر عشرة دنانير، يأخذ صاحب العشرين ثلثي التركة، و يأخذ صاحب العشرة ثلث التركة، و على هذا المثال فينبغي أن يعرف و يتأمّل.

و يجب على الوصي أن يعجّل قضاء ديون الجميع، من عيّن له بعض بيع التركة و تصرف في دينه، و دين من لم يعيّن له شيء من التركة.

فأمّا أمّ الولد مع بقاء ولدها فلا تباع عندنا، إلّا إذا كان ثمن رقبتها دينا على مولاها، و لم يخلّف ما يحيط بثمن رقبتها، فحينئذ تباع في الدين المذكور فحسب.

و ما عدا ذلك من الدّيون لا يجوز بيعها فيه، بل تنعتق بعد موت سيدها من نصيب ولدها، لا من أصل المال، خلافا لما يذهب إليه غيرنا، فإنّهم يعتقونها من أصل التركة، فليتأمّل ما سطرته و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

____________

(1)- البقرة: 181.

407

[196] مسألة في المهور بالذمّة مع الإقرار لأصغر الأولاد بجميع ما يملك

مسألة: ما تقول في رجل عليه ثلاث مهور و له أولاد من ثلاث نسوة، فأقرّ للأصغر منهم بجميع ما يملكه، من ماشية و بسط و دار، و تصرّف في ذلك مدّة سنة، فبعد ذلك علم به الورثة فنازعوه و زعموا أنّهم يأخذونه بمهورهم على الفريضة، أ يجوز لهم ذلك؟ أم الإقرار ماض؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان المقرّ أقرّ لولده الأصغر إقرارا صحيحا في حال حياته، فالإقرار جائز صحيح، لا يجوز لأحد من ورثته أن ينازعوه فيه، و إن كان أقرّ له في حال مرضه، فإنّه لا يخلو حال المقرّ من أن يكون عدلا مرضيّا أو متهما، فإن كان عدلا كان إقراره أيضا صحيحا، و إن كان متهما طولب المقرّ له بالبينة، فإن قامت له بيّنة بالشيء فلا ينازع فيه، بأن تشهد البيّنة بأنّ هذا الإقرار عن حقّ متقدّم، و إن لم يكن للمقرّ له كان إقراره ماضيا في ثلثه، إن لم يكن على المقرّ دين، فإن كان على المقرّ دين يستغرق جميع التركة فلا وصيّة أيضا، فينبغي لكم أن تحقّقوا هذا الجواب ففيه غموضة.

و الأقوى عندي أنّ الإقرار للمقرّ له ماض على كلّ حال، إذا كان عقل

408

المقرّ ثابتا في حال إقراره، سواء كان فاسقا أو عدلا من غير اعتبار الثلث، و إنّما أوردت ما ذهب بعض أصحابنا إليه في كتاب له على رواية تمسّك بها، و الأصول المقرّرة بخلاف ذلك، فليتأمّل تأمّلا جدّا و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

409

[197] مسألة في الإجارة

مسألة: ما تقول في المؤجر نفسه أ تبطل الإجارة بوفاته؟ أم يعاد بها على الورثة؟

الجواب و باللّه التوفيق: الإجارة تبطل عند وفاته، و للورثة استيفاء الإجارة بقدر ما مضى من المدّة و ينفسخ فيما بقي، فإن كانت إجارة مؤجّلة فهذا دين مؤجّل، و ليس للورثة أن يطالبوا به حتى يحلّ الأجل، إلّا رواية لا يعمل عليها، و الوجه الأوّل أظهر.

* * *

410

[198] مسألة في أموال المساجد

مسألة: ما تقول في أموال المساجد إذا بيعت هل يصحّ بيعها عند ايناعها من ثمار و غيرها، مع كون البائع ليس بمالك و لا وكيل محقّق؟ أم لا يصحّ؟

و كيف يكون حكم المشاع إذا كسب فيه شيئا هل يحلّ عليه أم لا؟ فإن كان لا يحلّ عليه فمن أيّ وجه حرم؟ و إن كان يحلّ عليه فمن أيّ وجه؟ مع كون البائع على ما ذكرناه، و قد كنت سمعت سماعا شاذا بأنّ الكسب يحرم على المبتاع، و أحببت أن أعلم ما عندك فيه و أتحقّقه، ثمّ ما تقول في أموال المساجد أيضا إذا فضلت عن المسجد الّذي له المال، هل يصحّ أن يعمر به مسجدا آخر أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّ البيع المذكور لمال المساجد إذا كان البائع لها عدلا ناظرا لها في مصالحها، و اتفق أهل الموضع عليه، و باع بالقيمة العدل، فبيعه صحيح شرعي بغير خلاف ممّن شمّ رائحة الفقه.

و أمّا قولك البائع ليس بمالك و لا وكيل فغير مسلّم في أنّه ليس بوكيل، بل هو وكيل و ناظر شرعي، لأنّ النظر فيها للمسلمين العدول من أهل الموضع، و هذا من أولئك، فعلى التّقرير و التّحرير المكسب إن كسب المشتري فيها شيئا

411

فحلال له طلق، و أمّا قولك سمعت، فليس كلّ كلام يسمع يكون صوابا عند النظّار و ذوي العقول.

فأمّا قولك هل يجوز أن يؤخذ مال مسجد يعمر به مسجدا آخر أم لا؟

فاعلم أنّه لا يجوز ذلك، لأنّ المأخوذ وقف على ذلك أو تصدّق على هذه البقعة دون غيرها، فلا يحلّ صرفه إلى غيرها، إلّا إذا خربت بالكليّة و لم يتأت عمارتها بما بقي لها جملة، فعند ذلك يجوز صرف ذلك اليسير إلى غيره.

* * *

412

[199] مسألة في الزكاة

مسألة: ما تقول في زكاة التمر و النصاب الأوّل هل يصحّ أن يقسّم على أزيد من مستحق واحد أم لا؟ فإن صحّ كم أقلّ ما يدفع إلى المستحقّ منه؟ و ما زاد على النصاب الأوّل هل يكون حكمه حكم النصاب الأوّل في التقسيم أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: يجوز دفع القليل من التمر و الكثير إلى الفقير سواء كان النصاب الأوّل أو الثاني، و إنّما ذلك مخصوص بالدنانير و الدراهم عند بعض أصحابنا، و الدليل على الأوّل قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ* (1) و من دفع الزكاة و أتاها برطل و رطلين يسمّى دافعا و مؤتيا، و ظاهر الآية يتناول ذلك.

* * *

____________

(1)- البقرة: 43.

413

[200] مسألة في المنازعة في الميراث و الدين

مسألة: ما تقول في رجل توفّي و ترك زوجة و ولدا ذكرا و قطعة أرض بيضاء، ثمّ إنّ الزوجة تزوّجت زوجا، ثمّ توفّي الزّوج الآخر عنها و ترك ولدا ذكرا و الزّوجة المذكورة، ثمّ إنّها توفّيت و تركت ولديها من الزّوجين المذكورين، و قد أصلح ولدها الّذي من الزوج الأوّل تلك الضّيعة التي تركها والده و صارت نخلا و شجرا، هل يجوز لأخيه من أمّه إن كان لها مهرا على أخيه منازعة المذكور بالأرض التي تركها الزّوج الأوّل و يحسبها من المهر الّذي تستحقّه أمّه؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّ الرجل إذا مات و خلّف ولدا ذكرا و زوجة و ضيعة، فإنّ للزّوجة الثمن و الباقي للولد المذكور، فإن أقامت بيّنة بأنّ لها مهرا على الزوج استوفته من الضّيعة، فإن كان المهر يحيط بقيمة الضّيعة أخذتها بأمر الحاكم هذا من مضى.

فإذا تزوّجت بزوج آخر ثمّ ولدت ولدا ذكرا من الزّوج الثاني، فنفرض المسألة أنّ امرأة ماتت و خلّفت ولدين ذكرين و زوجا، فللزوج الرّبع و للولدين

414

الباقي من تركتها، فإن كان الزّوج مات قبلها فتركتها بين الولدين بالسويّة، و الحكم في الزّوج و الولد الأوّل على ما قدّمناه و شرحناه.

فقد بان المقصود و اتضح المطلوب بحمد اللّه و منّه، و إن كان السؤال في وضعه ركاكة ففقهه ما نبّهنا عليه فليتأمّل ذلك.

* * *

415

[201] مسألة في النكاح

مسألة (1): و ممّا سأل نفسه عنه فقال: إن سأل سائل فقال: في معظم كتبكم مسألة ظاهرها متناف، و هي من وطئ زوجته و لها دون تسع سنين حرمت عليه أبدا بغير خلاف بينكم، هذا في أبواب النّكاح من تصانيف أصحابكم، ثمّ في باب الطّلاق و أقسامه يذكر هؤلاء أصحاب الكتب أقسام الطلاق، و من يجب عليها عدّة و من لا يجب، فيقولون: من دخل بامرأته و لها دون تسع سنين و أراد طلاقها فليطلّقها على كلّ حال و ليس له عليها بعد طلاقه لها عدّة، و إن كانت مدخولا بها، و قد قلتم: إنّ من دخل بزوجته و لها دون تسع سنين لا تحلّ له أبدا و حرمت عليه أبدا، فإذا كان قد حرمت عليه أبدا و لا يحلّ له وطؤها أبدا فلا يحتاج إلى طلاق، لأنّ من يحرم أبدا وطؤها على زوجها و لا تحلّ له أبدا، كيف تقولون إذا أراد طلاقها فليطلّقها و هذا ظاهره متناقض متناف كما ترى؟

الجواب و باللّه التوفيق: ليس بين القول بصحّة طلاق من ذكر في السؤال و بين تحريم وطئها على زوجها أبدا، و أنّه لا تحلّ له أبدا تناف و لا تضاد،

____________

(1)- أحال المؤلّف في السرائر في كتاب النكاح على هذه المسألة.

416

و لا تناقض على ما ظنّه السائل و اعتقده، و أيّ تضادّ بين تحريم وطئها و صحّة طلاقها؟ لأنّ صحّة الطلاق مبنيّ على صحّة العقد، و لا خلاف في صحّة العقد أوّلا، و أنّها زوجته فطريان التحريم و أنّ وطؤها لا يحلّ له أبدا لا يخرجها من كونها زوجة، و أنّ عقدها غير صحيح و لا ثابت، إذ لا تنافي بين الحكمين، و أيضا الأصل صحّة العقد فمن ادّعى بطلانه بوطئه لها قبل بلوغها تسع سنين يحتاج إلى دليل.

فإن قيل: كيف يكون عقدها ثابتا على ما كان عليه أوّلا، و هي لا يحلّ له وطؤها أبدا؟

قلنا: غير مستبعد من الأحكام الشرعيّة، لأنّا نثبتها بحسب الأدلّة الشرعيّة، إذ لا تنافي بينهما على ما مضى ذكره، ألا ترى أنّ من ظاهر امرأته أو آلى منها و لم يكفّره، و لا رافعته إلى الحاكم و استمرّ ذلك منها مائة سنة أو تقديرا و فرضا ألف سنة، فإنّ نكاحها محرّم عليه لا يحلّ له وطؤها بغير خلاف و هي زوجته و عقدها باق و يصحّ طلاقها، إذ لا يتنافى بينهما، و كذلك من كان في فرجها قرح أو دماميل أو ألم يضرّها الوطء و تخشى على نفسها من فساد الموضع بالوطء، و استمرّ ذلك تقديرا مائة سنة، فإنّ وطؤها لا يحلّ لزوجها و عقدها باق و يصحّ طلاقها بغير خلاف، إذ لا تضادّ بين الحكمين، أعني تحريم الوطء و بقاء العقد على ما كان و صحّة الطلاق.

و أيضا فقد وردت الأخبار عن الأئمة الأطهار بصحّة ما ذكرناه، فمن

417

ذلك ما أورده الشيخ الفقيه الثقة الصّدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي استاذ الشيخ المفيد (رحمهما اللّه) في كتاب من لا يحضره الفقيه و هو:

روى الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل تزوّج جارية بكرا لم تدرك، فلما دخل بها افتضّها فأفضاها (فقال: إن كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، و إن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فافتضّها) فإنّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج، فعلى الإمام أن يغرمه ديتها، و إن أمسكها و لم يطلّقها حتى تموت فلا شيء عليه

(1)

.

ألا تراه (عليه السلام) قد أثبت له الخيرة بقوله: فإن أمسكها و لم يطلّقها بين إمساكها و طلاقها، فلو كان بنفس الوطء قبل بلوغ تسع سنين تبين منه و ينفسخ عقدها لما قال (عليه السلام): فإن أمسكها و لم يطلّقها حتى تموت فلا شيء عليه.

و أيضا فالشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه عليه) يلوّح بهذا، و يورد في كتابه الاستبصار (2) في هذا المعنى ما يؤذن ببقاء العقد، و بالتخيير بين الطلاق و الإمساك لمن ذكرنا حاله، و يتأوّل بعض الأخبار و يجمع بين معانيها، و يلائم ألفاظها، في أنّه يحرم عليه وطؤها و لا تحلّ له أبدا، و يصحّ طلاقها بعد ذلك.

فمن جملة الألفاظ الأخبار: باب من وطئ جارية فأفضاها:

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه 3: 272، و ما بين القوسين من المصدر.

(2)- الاستبصار 4: 294.

418

الحسن بن محبوب، عن الحرث بن محمّد بن النّعمان صاحب الطاق، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل افتضّ جارية- يعني امرأته- فأفضاها، قال: عليه ديتها

(1)

إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: فإن أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، و إن كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه إن شاء أمسك و إن شاء طلّق.

فأمّا

ما رواه ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها قال: عليه الإجراء عليها ما دامت حيّة.

فلا ينافي الخبر الأوّل لأنّا نحمل هذا الخبر على من وطئها بعد التّسع سنين، فإنّه لا يكون عليه الدّية، و إنّما يلزمه الإجراء عليها ما دامت حيّة، لأنّها لا تصلح لرجل، و لا ينافي هذا التأويل قوله في الخبر الأوّل إن شاء طلّق و إن شاء أمسك، إذا كان الدخول بعد تسع سنين، لأنّه قد ثبت له الخيار بين إمساكها و طلاقها، و لا يجب عليه واحد منهما، و إن كان يلزمه النفقة عليها على كلّ حال على ما قدّمناه.

و أمّا الخبر الّذي

رواه محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا.

____________

(1)- في المصدر: عليه الدية.

419

فلا ينافي ما تضمّنه خبر بريد من قوله: فإن أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، لأنّ الوجه فيه أن نحمله على أنّ المرأة إذا اختارت المقام معه و اختار هو أيضا ذلك و رضيت بذلك عن الدية كان جائزا، و لا يجوز له وطؤها على حال ما تضمّنه الخبر الأوّل حتى يعمل بالأخبار كلّها.

فهذه الباب جميعها بعينها و ألفاظها و تأويل أخبارها من غير زيادة حرف و لا نقصان حرف مسطور أبي جعفر في الاستبصار و إيراده و كلامه، ألا تراه قد جمع في آخر تأويله للأخبار، بين أنّها لا تحلّ له أبدا و بين إمساكها زوجة مع اختيار الزوج و اختيارها المقام معه و اختياره هو أيضا لذلك.

و في ألفاظ الأخبار التي أوردها التخيير بين إمساكها و طلاقها، فليتأمّل هذه الجملة بعين التدبّر، لتنقشع ظلمة الشّبهة المعترضة على من لا ينعم النّظر، و يقلد ظاهر الألفاظ المسطور في الكتب من غير بحث و لا اعتبار.

* * *

420

[202] مسألة في طلب الماء قبل التيمم

مسألة: ما تقول في الأشواط التي قد ذكرت قبل التيمم عند عدم الماء أ هي واجبة أم لا؟ و ما ذا يجب على من أخلّ بها قادرا كان أم غير قادر؟

الجواب و باللّه التوفيق: طلب الماء على المتيمّم واجب يكون بتيمّمه خوفا من استعمال الماء لمرض به و ألم من جراح أو غيرها، واجب في الجهات الأربع بغير خلاف بين الطائفة، إلّا أن يخاف على نفسه، و رحله إذا طلب في الجهات الأربع فيسقط حينئذ الطلب، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفق للصواب.

* * *

421

[203] مسألة في المدين أودع شيئا و سأل الكتمان عن الغرماء

مسألة: ما تقول في رجل عليه دين أودع رجلا شيئا من الذهب، و سأله أن يكتمه عن المداينين حتى يوافقوه على المبلغ الّذي لهم عليه و تقسيمه عليهم على الفريضة، فكتمه عنهم و أعلمهم به غيره ما الّذي يجب عليه؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذا السؤال غير محقّق و لا محصّل، فإن كان على ظاهره، فلا يجب على من أعلمهم شيء و لا غرم اثم و لا حدّ، و إن كان من المودع ردّ بأن أخذه الحاكم المحق من عنده فلا شيء عليه، و إن أخذه من الجائر بغير اختياره فلا شيء أيضا عليه، و إن سلّم باختياره فيجب عليه غرامته، فافهم ذلك.

* * *

422

[204] مسألة في الوديعة

مسألة: ما تقول في رجلين كانا في طريق فأودع أحدهما ثوبه للآخر فتركه المودع تحت رأسه فذهب، أ يجب عليه غرم أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عليه غرم إذا كان تركه تحت رأسه، لأنّه قد أحرزه بحسب طاقته، و لأنّ صفوان بن أميّة كان نائما في مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و رداؤه تحت رأسه فسرقه سارق، فرفعه إلى الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و أقام البيّنة عليه، فقطعه (صلوات اللّه عليه) (1)، فلو لم يكن تحت رأسه حرزا لما قطعه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

* * *

____________

(1)- حديث صفوان بن أمية القرشي الجمحي قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي و فيه، فجاء السارق فأخذ ثوبي فجيء به إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، رواه أبو داود في الحدود، و النسائي في القطع، و ابن ماجة في الحدود، و مالك في الموطأ. كما في ذخائر المواريث 1: 269 ط جمعية النشر و التأليف الأزهرية سنة 1352، و في تلخيص الحبير 4: 72 انّ صفوان بن أمية نام في المسجد فتوسّد رداء، فجاء سارق فأخذه من تحت رأسه، فأخذ صفوان السارق، و جاء به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إنّي لم أرد هذا، و هو عليه صدقة فقال: هلّا كان قبل أن تأتيني به ....

423

[205] مسألة في الشهادات

مسألة: ما تقول في رجل شهد شهادة على رجل استنطقه ثلاث مرات و هو يقول من أجلك أشهد عليّ، أ يجوز تلك الشهادة أم لا؟ و كيفيّة الشّهادة ما هي؟ و من يجوز له أن يشهد؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا سمع إقراره من غير إجبار و لا إكراه، و هو عاقل مالك لأمره، غير مولّى عليه، و هو حرّ، فيجوز لمن سمع ذلك منه أن يشهد عليه، و يجب عليه إذا تحمّلها إقامتها و يعمل بها.

فأمّا كيفيّة الشّهادة، فإنّه لا يجوز له أن يشهد إلّا على ما يحقّقه و يعلمه يقينا، و كذلك لا يجوز أن يشهد على من لا يعرفه إلّا بتعريف عدلين عنده، فأمّا من يجوز أن يشهد و يكون قوله مقبولا للناس و عليهم، فهو من لا يعرف بشيء من أسباب الفسق، و إن أردت أن تقول: من لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا، فذلك صحيح أيضا.

* * *

424

[206] مسألة في نذر الصيام

مسألة: ما تقول فيمن نذر أن يصوم أيّاما و لم يعيّنها، ثمّ أخّر الصّيام ما ذا يجب عليه؟

و من يجب عليه صيام أيّام من رمضان فأدركه رمضان آخر و لم يصمها، ما ذا يجب عليه؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا لم يعيّن النّذر بأيام بأعيانها فأيّ وقت شاء فليصم، و ليس عليه في تأخير صيامها شيء إذا كان في عزمه صيامها، لأنّ هذا واجب موسّع.

فأمّا من كان عليه أيّام من شهر رمضان فائتة فأخّرها حتى أدركه رمضان ثان، فالواجب عليه صيام الحاضر و قضاء الفائت بعد فراغه من الفائت (1).

و إذا برئ إن كان مريضا فيما بين الرّمضانين و تمكّن من الصّيام و القضاء

____________

(1)- كذا ورد في النسخة و الصواب: بعد فراغه من الحاضر، فسها الكاتب فكتب بعد فراغه من الفائت.

425

و لم يقض و تركه توانيا، فإنّه يجب عليه مع القضاء لكلّ يوم مدّ من الطعام كفّارة لذلك.

و إن لم يتركه توانيا، بل كان في عزمه القضاء إلّا أنّه تداركته الأيّام حتى حضر رمضان آخر، فالواجب عليه القضاء فحسب من غير كفّارة.

فأمّا إذا لم يصحّ فيما بين الرّمضانين فلا قضاء عليه، بل يجب عليه أن يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ على مسكين، فاعلم ذلك.

* * *

426

[207] مسألة في الخاتم الضيّق عند الغسل

مسألة: ما تقول فيمن بيده خاتم حرج ضيّق و قد اغتسل من الجنابة و لم ينزعه لسهو دخله، أ يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجب عليه إعادة الغسل، بل الواجب عليه إمرار الماء على مكان الخاتم فحسب، و غسله صحيح لا يلزمه الإعادة.

* * *

427

[208] مسألة في المسافر سها فصلّى تماما

مسألة: ما تقول فيمن نوى سفرا يبلغ مسافة ثمّ سها و صلّى تاما بعض الطّريق و هو يعلم آية التّقصير، أ يجب عليه إعادة ما صلّاه أم لا؟ و كم حدّ المسافة؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن ذكر و الوقت باق فإنّه يجب عليه الإعادة، و إن كان ذكره بعد خروج الوقت فلا إعادة عليه بحال.

و حدّ المسافة ثمانية فراسخ فاعلم ذلك.

* * *

428

[209] مسألة في البلل الخارج بعد الاستبراء

مسألة: ما تقول فيمن استبرأ نفسه بالبول ثمّ اغتسل و صلّى، ثمّ رأى بعد فراغه من الصّلاة بللا ما حكمه؟ و ما يجب عليه؟ و إن كان في أثر فرض أيضا.

الجواب و باللّه التوفيق: صلاته صحيحة و غسله صحيح لا يجب عليه إعادة شيء من ذلك، ما لم يكن البلل الّذي رآه بعد غسله و صلاته منيّا، سواء كان مريضا أو جريحا، و على كلّ حال.

* * *

429

[210] فيمن اشترى من شريكه سهمه و لم يمكنه السلطان من أخذه

مسألة: ما تقول في رجلين شريكين في زرع تحت يد السّلطان اشترى أحدهما سهم الآخر، و لم يمكّنه السّلطان من أخذه، و شرط عليه خلاصه من السّلطان، هل البيع ماض أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: البيع غير صحيح، لأنّه بيع ما لا يمكن تسليمه، و هو داخل في بيع الغرر المنهيّ عنه، و النهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه.

* * *

430

[211] مسألة في هلاك الجارية ضمن مدّة الثلاثة أيّام

مسألة: ما تقول فيمن اشترى جارية ثمّ هلكت في مدّة الثلاثة أيّام و لم يكن بينهما شرط، هل هي من مال البائع أو المشتري؟

الجواب و باللّه التوفيق: يكون هلاكها من مال البائع، لأنّ الشرط عندنا للمشتري ثلاثة أيّام شرط ذلك أو لم يشرط، بل بإطلاق العقد يثبت للمشتري الخياران معا، خيار المجلس، و خيار الثلاثة أيّام، فاعلم ذلك.

* * *

431

[212] مسألة في شهادة العبد

مسألة: ما تقول في شهادة العبد، هل هي جائزة إذا ظهر منه الصّلاح و هو على حال الرقّ أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: شهادة العبد ماضية جائزة إذا كان فيه شرائط العدالة، و هي إلّا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا، فإنّ شهادته جائزة للناس و على الناس ما خلا سيّده، فإنّ شهادته عليه غير مقبولة و لا جائزة، بل شهادته له صحيحة شرعية، قال اللّه تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (1) و العبد داخل في هذا اللّفظ، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفق للصواب.

* * *

____________

(1)- البقرة: 282.

432

[213] مسألة في عتق العبد في كفّارة

مسألة: ما تقول فيمن أعتق عبدا في كفّارة أ يبقى لمولاه عليه ولاء أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا ولاء لسيّده عليه عندنا، فأمّا إذا أعتقه تطوّعا يعتقه في غير واجب بل يتبرّع بعتقه، فإنّ ولاءه له، و عليه ضمان جريرته، فاعلم ذلك.

* * *

433

[214] مسألة في حكم الحاكم فيما له نصيب

مسألة: يجوز للحاكم أن يحكم في شيء له فيه نصيب و يفتي أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز ذلك لأنّ التّهمة تلحقه، و أيضا يكون حاكما لنفسه، إلّا أن يكون معصوما، فإنّه يجب قبول قوله فيما يحكم به، سواء كان له أو لغيره.

* * *

434

[215] مسألة في التخاصم مع المعسر عند حاكم الجور

مسألة: ما تقول فيمن عليه دين و هو معسر و لا ينكر ذلك الدّين، أ يجوز لنا إحضاره عند قاضي الجور؟ و يجوز للشّهود أن يقيموا بالشّهادة عند القاضي؟

فقد ذكر بعض أصحابنا أنّه يجوز له و لو بالشحنة أخذ ماله؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا دعاه إلى حاكم من حكام أهل الحقّ، و يأبى عن الحضور بين يدي الحاكم المحقّ، فلخصمه بعد ذلك أن يخلص ماله بما قدر عليه، فالمعاقب من لم يحضر عند الحاكم المحقّ، و المأثوم المتأبي، لا من يستخلص حقّه، لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن إضاعة المال، فإن لحقه من حاكم الجور ضرر، فهو الّذي أدخله على نفسه بتأبّيه، فاعلم ذلك.

* * *

435

[216] مسألة فيمن يستغرق دينه ما عنده من أرض

مسألة: ما تقول فيمن عليه ديون كثيرة و ليس له صناعة سوى الزّرع و له فدان، أ يجوز له بيع فدانه، و إعطاؤه لبعض أرباب الدين أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: قضاء الدين واجب عقلا و سمعا بغير خلاف، و يجب عليه تسليم ما يملكه عند المطالبة إلى صاحب الدّين، سوى داره التي يسكنها، و خادمه الّذي يخدمه سوى يومه فحسب، فاعلم ذلك.

* * *

436

[217] مسألة فيمن شهد زورا هل تقبل شهادته إذا تاب

مسألة: من شهد شهادة و ادّعى أنّه أحضر و أشهد، ثمّ قامت البيّنة لم يحضرها، و شهد بعد ذلك مرارا و كذّبه قوم من أهل الدّين و لم يتب، أ يجوز قبول شهادته إن تاب فيما بعد؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا تاب بعد فسقه و أصلح عمله قبلت شهادته عندنا بغير خلاف، لقوله تعالى: إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صٰالِحاً (1).

* * *

____________

(1)- الفرقان: 70.

437

[218] مسألة في إحياء الأرضين

مسألة: ما تقول في قرية خراب قد اقتطع رجل منها موضعا يزرع فيه، هل يجوز لنا أن نزرع فيها في غير الموضع الّذي أحياه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: ما لم يحيه و لم يحجّر عليه، و لا له عليه أثر تصرّف من كراب، أو حفر ساقية، أو نهر، أو حائط، أو مسناة فلا بأس لمن يحييه و يحوّطه أن يتصرّف فيه من غير حرج و لا إثم، و ليس للمحيي موضع منه، و لا أن يمنع من إحياء غيره موضعا آخر ما لم يحيه هو، فاعلم ذلك.

* * *

438

[219] مسألة فيمن رأى منيا عند الملاعبة ... الخ

مسألة: ما تقول فيمن رأى منيّا عند ملاعبة النساء قليلا أم كثيرا هل يجب عليه الغسل؟ و ما ذا يجب عليه إن كان صائما واجبا أو ندبا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان منيّا و كان صومه واجبا متعيّنا إمّا رمضانا أو نذرا معينا بيوم أو أيّام، فالواجب عليه القضاء و الكفّارة، و هي: إمّا عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، مخيّر في ذلك، و إن كان الصّيام ندبا أو غير معيّن، فالواجب عليه الإفطار من غير قضاء و لا كفّارة.

* * *

439

[220] مسألة فيمن اشترى دابة ثمّ تلفت في الطريق قبل مضيّ ثلاثة أيّام

مسألة: ما تقول فيمن اشترى دابة ثمّ تلفت في نقلها من بلد صاحبها إلى بلد المشتري فتلفت في الطريق، هل يكون من مال البائع أو المشتري؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا تلفت الدابة المذكورة في مدّة الثلاثة الأيّام فهي من مال البائع دون المشتري، و إن تلفت بعد مضيّ الثلاثة الأيّام فهي من مال المشتري.

* * *

440

[221] مسألة عدم جواز شراء المائعات من أهل الخلاف بناء على القول بنجاستهم كما هو رأي المؤلّف

مسألة: يجوز لنا أن نشتري المائعات من أهل الخلاف مثل السّمن و الشيرج و ما أشبههما إذا لم يكن بالبلد من يبيعها إلّا المخالف؟

الجواب و باللّه التوفيق: لا يجوز ذلك بحال، فإنّ سؤر ما خالفني و خالفك في اعتقادنا متديّنا به، مبغضا لنا على اعتقادنا و مذهبنا، نجس لأدلّة لا يمكن شرحها في هذا الموضع، فليتق اللّه امرؤ في نفسه و ديانته، فإنّ الصادق جعفر بن محمّد سأله سائل عن طعام مائع ماتت فيه فارة فأجابه بأن قال له: أهرقه، فقال له: الفأرة أهون عليّ من أن أهريق طعامي لأجلها، فقال له (عليه السلام): يا هذا إنّما استخففت بديانتك لا بالفأرة، فانظر إلى قوله للسائل و تأمّله، فإنّ تحته أشياء، و اللّه تعالى يوفّقنا و إيّاكم لما يحبّ و يرضى.

* * *

441

[222] مسألة في الميراث

مسألة: ما تقول في صبيّ كان له والدة و تزوّجت بعد أبيه و ماتت مع الزّوج الأخير، و قد تركت من مال الزّوج الأوّل نحو المائتي دينار، و مهرا على الزّوج نحو ستّين دينارا، و جميع ذلك حازه الزّوج الأخير، و قد طالبه ولدها، فأنكر أكثره.

و توسّط بينهما قوم من أهل الدّين و أخذوا لولدها منه عشرين دينارا، و شهدوا على ولدها أنّه قد رضي بهذه العشرين دينارا عن كلّ دعوى يدّعيه على زوج أمّه، و بان له بعد ذلك هذا المبلغ المذكور و ما كان عند مصالحته ما (1) وقف على مبلغه و لا عرف كميّته، فحيث علم كبر عليه و صعب، فهل يجوز له أن يرد الحكم عليه و يطالبه أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم أنّه إذا لم يعلم كم لمورّثه في ذمّته و لا عيّنه بل صالحه على شيء، و لم يعلم مقدار ما كان في ذمته لمورّثه، فالصّلح باطل، لدخوله في باب الغرر، و قد نهى الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن الغرر، و النّهي يدلّ على فساد المنهيّ

____________

(1)- زيادة تقتضيها استقامة السؤال.

442

عنه، فيجب أن يكون الصّلح على هذا التّحرير باطلا.

فأمّا إذا أعلمه مقدار ما لمورّثه عليه و كم قدره ثمّ صالحه بعد الإعلام بالمبلغ و رضي وارث الميّت بالصّلح، فهذا صلح صحيح لا يجوز فسخه، فليتأمّل الفرق بين المسألتين تجده واضحا جليا بحمد اللّه تعالى و توفيقه.

* * *

443

[223] مسألة في طهارة الثياب من دم القيح في جسم الآخرين

مسألة: ما تقول إذا كان في الإنسان جراح لا يزال يخرج منه قيح و يصيب ثوب إنسان آخر مضاجعه و يكثر منه و يتفاحش، فهل يلزمه غسله و تجنّبه؟ أم لا بأس به؟

الجواب و باللّه التوفيق: اعلم وفّقك اللّه إنّ القيح عندنا طاهر- و هو الأبيض الّذي يسمّى المدّة تعرفه العوام بهذا الاسم و تسمّيه به- فإن كان ما يصيب الثوب المذكور من هذا الّذي صوّرته و ذكرته، فلا بأس بالصّلاة في الثوب الّذي فيه لمن هو عليه و الغير.

فإن كان الّذي يخرج من الجرح دما و كان الجرح سائلا لا يزال يدمي و لا يرقأ دمه و أصاب ثوب من هو به، فالصّلاة لصاحب الجرح في ثوبه صحيحة شرعيّة، لأنّه لا يجب عليه إزالته.

فإذا برئ فإنّه يجب عليه غسله و إزالته، فإن لم يزله بعد برئه و صلّى فيه و كان ما بالثوب من الدم أكبر من الدرهم مجتمعا في مكان واحد، فصلاته باطلة غير صحيحة، لأنّه يكون قد صلّى في ثوب فيه نجاسة لم تعف الشريعة عنها في

444

هذه الحال- و هي حال البرء- و هو عالم بها فصلاته باطلة، و إنّما عفت الشّريعة في حال لا يتمكّن معها من إزالتها للمشقة، و لموضع الضرورة، و الآن فقد زالت الضرورة.

فأمّا ثوب مضاجعه فمتى أصابه قدر الدرهم من الدم، فلا يجوز له الصّلاة فيه إلّا بعد غسله، لأنّ الشريعة عفت عمّن الجرح به فحسب.

* * *

445

[224] مسألة في بيع الحيوان

مسألة: ما تقول في رجل ابتاع ثورا، و حمله من موضع إلى قرية أخرى، و كان قد شرط له البائع ثلاثة أيّام، ففي اليوم الثالث ردّه بطلب صاحبه البائع، فعبر به على نهر عليه قنطرة، فزلّت إحدى رجلي الثور فانكسرت قبل أن يصل إلى البائع، فهل هو من مال البائع أو من مال المبتاع؟

الجواب و باللّه التوفيق: إن كان المشتري عبّره على قنطرة قوية جارية عادة السّابلة بالعبور عليها، و ليس هناك قنطرة أخرى خير منها و لا أصلح، و لا شريعة هناك يعبر فيها و هي عامرة سالمة من الخراب، و لم يضرب الثور عند عبوره عليها، و لا صاح به، و هلك على ما ذكرت في سؤالك، فهو من مال البائع دون المشتري، و إن كان بخلاف ما صوّرته و شرحته في صدر جوابي فهو من مال المشتري، فانظر ذلك بعين التدبّر.

* * *

446

[225] مسألة فيمن أحضره خصمه و طعن في الشهادة

مسألة: ما تقول في رجل أحضره خصم له و ادّعى عليه دعوى و أحضر رجلين يشهدان له، فقال المدّعى عليه عن أحد الشاهدين: هذا ليس بعدل، و كان المتوسّط بينهم لا يعرف حال الشّهود هذين، لأنّهما من غير أرضه، و قال عن الآخر: هذا أرضى بشهادته فأيّ شيء شهد به فهو صحيح، فشهد عليه بصحّة الدعوى للمدّعي، فحيث شهد عاد يطعن فيه و قال: ما أرضى بشهادته و لا شهد بالحق، فهل يلزمه الدعوى أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: متى صدّق الخصم الشاهد و قال هو صادق فيما يشهد عليّ به، أو فيما شهد عليّ و أنّه صحيح، فمتى شهد عليه بشيء حكم به عليه، و لا يقبل طعنه بعد ذلك.

* * *

447

[226] مسألة في تزويج من ليس له الولاية على الامرأة

مسألة: ما تقول في امرأة عقد عليها غير أبيها رجل أجنبي فادّعت بعد ذلك أنّ الوليّ أكرهني، و قراباتي أيضا أكرهوني على هذا التزويج، و ادّعى الولي أنّها وكّلته، و هو رجل ظاهره الثّقة، و ليس له شهود عليها بالوكالة، و هي أيضا لم يدخل بها الزّوج، و هي تطلب فراقه و تكره صحبته شيئا عظيما، ما الجواب في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: القول قول المرأة في جميع ذلك مع إنكار الوكالة و الإذن و الرضا بالتزويج لأنّها المدّعى عليها، و الوكيل يدّعي الوكالة و الإذن و هي تنكره، فالقول قولها مع يمينها، و على الوكيل بالبيّنة،

لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: على المدّعي البيّنة و على الجاحد اليمين،

و هي الجاحدة في هذه الحال، و لا يلتفت إلى كونه ثقة فلها فراق من عقد له الوليّ المذكور و فسخ العقد لها، فاعلم ذلك.

* * *

448

[227] مسألة في قضاء الفوائت المشتبهة

مسألة: ما تقول في رجل قد رتب نفسه لقضاء ما فاته من الصلاة و عليه سفر يوجب التّقصير، مثل زيارة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد اشتبه عليه كم بين السّفر و السّفر، و قد غلب ظنّه على أنّه يكون مثلا بين كلّ زيارة و زيارة سنة أو سنتان ما الحكم في ذلك؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا كان غلبة ظنّ ففرضه العمل عليها و لا يحلّ له سوى ذلك، إذا فقد العلم الحقيقي، و كان كما ذكر في سؤاله يغلب ظنّه على أيّام سفره من أيّام حضره، و كم بين هذه المدّة و هذه المدّة، فالواجب عليه الرجوع إلى ما غلب ظنّه عليه، و لا يلزم في هذه الحال عند غلبة ظنّه على شيء أن يقضي جميع صلاته تماما و تقصيرا، فإن فعله كان معاقبا مخطئا، لأنّ له طريقا إلى أيّام السّفر من أيّام الحضر، و هو غلبة ظنّه على ما ذكره في سؤاله، فليتأمّل ذلك.

* * *

449

[228] مسألة في قضاء صلاة الخسوف و الكسوف

مسألة: ما تقول فيما فاته أيضا من خسوف القمر و كسوف الشّمس، و هل يقضى إذا فرغ من سنة كاملة خسوف قمر و كسوف شمس؟

الجواب و باللّه التوفيق: من كان عليه مثلا عشرون سنة صلاتها فائتة، و أراد أن يقضيها، فإن كان عالما بأنّ العشرين سنة انكسفت الشمس و انخسف القمر في كلّ سنة من العشرين في نصف السنة أو ثلثها أو ربعها أو آخرها، و تحقّق اليوم و الشهر الّذي انكسفت الشمس و الليلة التي انخسف القمر فيها، فالواجب عليه أنّه إذا قضى صلاة الأيّام و الأشهر المتقدّمة على ذلك اليوم و تلك الليلة، أن يقضي صلاة الكسوف و الخسوف عند وصوله إلى الليلة و يومه و وقته، لأنّ الصلاة عندنا يجب ترتيب بعضها على بعض، و لا يجوز له غير ذلك، و لا يجوز له أن يؤخّر صلاة الكسوف و الخسوف إلى أن يفرغ من جميع قضائه، كما كان يفعل من لا دراية له بهذا الفنّ، هذا إذا تحقّق الأوقات.

فأمّا إذا لم يعلم أنّه انكسفت الشمس و لا القمر في هذه العشرين سنة، و لا قامت البيّنة عنده بذلك، فالواجب عليه أن لا يصلّي إلّا ما غلب على ظنّه

450

الانكساف فيه و الانخساف، و تحلّله على غلبة ظنّه على قضائه، و ليس من الحتم اللازم الأبد في كلّ سنة من كسفين، على ما يعمل من لا بصيرة له بحقائق الشريعة و الفقه، فليتأمّل ذلك.

* * *

451

[229] مسألة في الصلاة المضيّق وقتها

مسألة: ما تقول في المضائق إذا جدّ في صلاة الغداة فصلّى منها ركعة ثمّ قام إلى الثانية، فبينما هو قائم في قراءتها طلعت الشّمس، هل يتمّ الصلاة أم يجعلها فائتة؟

الجواب و باللّه التوفيق: هذه المسألة فيها خلاف بين أصحابنا مصنّفي الإماميّة و علمائها، فبعض منهم يقول: إنّ جميعها أداء و يتمسّك بخبر يرويه: «إنّ الصّلاة على ما افتتحت عليه» و قد افتتحت هذه الصّلاة بنيّة الأداء، و هذا القول مذهب الشيخ أبي جعفر (رحمه اللّه عليه).

و بعضهم يذهب إلى أنّها قضاء جميعها، و يتمسّك بأنّ اللّه تعالى ما كلّفني إلّا ما أقدر عليه و جعل له وقتا يسعه أو يفضل عليه، و يقول: الوقت يفضل على العبادة لا العبادة تفضل عليه، و هو مذهب السيّد المرتضى (رحمه اللّه عليه) إلّا أنّه لا خلاف بينهما في أنّ الصّلاة ماضية، بل خلافهما في تسميتها قضاء أو أداء فليتأمّل ذلك، و ربّما يقوى في نفسي مذهب السيد المرتضى، لأنّ فيه الاحتياط لبراءة الذمّة، و أيضا فهو المفرّط في تخلّيه بعض الوقت، فليتأمّل ذلك.

* * *

452

[230] مسألة في العين المرهونة و مات صاحبها

مسألة: ما تقول في رجل كان له بستان فيه نخل و هو محتاج فهبّ عليه الغلاء، ثمّ انّه حضر عند رجل و استدان منه دينارا و نصفا، ثمّ جعل البستان عنده رهنا على ذلك، و قال له: تأكل ثمرة هذا البستان إلى أن يسهّل اللّه تعالى شيئا أخلّصه.

و إنّ الّذي استرهن البستان أسقط من جملة الذهب قيراطا واحدا، و بقي دينار و تسع قراريط، و جعل الثمرة بذلك القيراط عن أوّل سنة، ثمّ إنّ المالك مات و لم يخلّص البستان و أولاده ما يقدرون على تخليص البستان لفقرهم، و للراهن من يوم مات عشر سنين، و صاحب الدّين يأكل الثمرة و هو لا يعلم هل يحلّ له ذلك أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: الرّهن باق على ورثة الراهن و الدّين عليه، فأمّا الثمرة المذكورة في السؤال، فإن كان المسترهن اشترى من الراهن ثمرة أول سنة بالقيراط المذكور، فالثمرة في أوّل السّنين المذكورة للمرتهن، و أمّا باقي السّنين فهي ملك للراهن أو لورثته بعد موته.

453

فإن كانت قيمتها بمقدار الدين الّذي على النّخل تقاصّا بها، و خرج الرهن الّذي هو النّخل من الرّهانة، و إن كان الثّمرة أكثر رجع الورثة على المرتهن بفاضل الثّمرة، و إن كانت الثّمرة في هذه السّنين أقلّ من الدين كان النّخل رهنا بما بقي عليه من الدّين، فإذا أدّاها الورثة إليه أخذوا النّخل و انفكّ من الرهانة، فليتأمّل ذلك و اللّه الموفّق للصواب.

* * *

454

[231] مسألة في مستحق الزكاة

مسألة: ما تقول في رجل من أهل الزكاة ليس له عيلة سوى زوجته، و قد تحصّل له خمسة عشر قفيزا بكيل النيل (1) من اشكارة (2) له و هي بقدر كفايته لخبز سنته، ثمّ أنّه قال أريد من الزكاة شيئا اشتري به بهيمة للطّريق، و أصوغ خاتما لإصبعي، و أشتري بقرات لآكل لبنها، و أفضل معي ذهبا لكفني، و أكتسي جبّة و لباسا و ثيابا، و أطعم الأضياف، و أزوّج ولدي، هل يجب له الزكاة أم لا؟

الجواب و باللّه التوفيق: إذا حصلت فيه الشرائط التي تحلّ له معها الزكاة و أخذها و هو أن يكون فقيرا، أو مسكينا، أو غارما، أو ابن السبيل منقطعا به، أو مكاتبا، و يكون غير قادر على الاكتساب و لا قويّ عليه، يقدّر ما يقوم بمئونته و مئونة من تجب عليه نفقته، و يكون معتقدا للحق عدلا في ديانته- و حدّ العدل هو الّذي لا يخلّ بواجب و لا يفعل قبيحا- و لا يكون ممّن يجبر المعطي على نفقته،

____________

(1)- النيل: بلدة بأطراف الحلة.

(2)- مقدار من الأرض تشترط زراعته مع الشرط في عقد المزارعة على أن يكون الحاصل مختصا بالشركاء أو الفلاح، أو الملاك أو غيرهم.