الرسائل العشر (للشيخ الطوسي)

- الشيخ الطوسي المزيد...
336 /
105

(10) و الدليل على انه تعالى واحد:

لأن معنى الواحد هو الفرد بصفات ذاتية لا يشاركه فيها غيره. فلو كان الباري تعالى معه إله آخر لاشتركا في الذات و الصفات، و المشارك ممكن، و اللّٰه تعالى واجب، الوجود، فهو واحد.

(11) و الدليل على ان اللّٰه تعالى ليس بجسم:

لأن الجسم هو المركب الذي يقبل القسمة في جهة من الجهات، و المركب ممكن لافتقاره الى الأجزاء الذي يتركب منها، و اللّٰه تعالى واجب الوجود، فهو ليس بجسم.

(12) و الدليل على انه ليس بعرض:

لان العرض هو الذي يحل في الأجسام من غير مجاوزة، و لا يمكن قيامه بذاته. فلو كان الباري تعالى عرضا لافتقر الى محله و هو الجسم و المفتقر ممكن و هو تعالى واجب الوجود فيكون الباري ليس بعرض بهذا المعنى (5).

(13) و الدليل على انه تعالى ليس بجوهر

لان الجوهر هو المتحيز الذي يتركب الأجسام منه و هو محدث، و بيان حدوثه افتقاره الى حيز يحصل فيه- و هو المكان-، فيكون الباري تعالى ليس بعرض و لا جوهر- بهذا المعنى- و هو المطلوب.

(14) و الدليل على انه تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر

لان الرؤية لا تقع [الا] على الأجسام و الألوان، و البارئ تعالى ليس بجسم و لا لون، فلا يكون بمرئي بحاسة البصر، و هو المطلوب.

(15) و الدليل على انه تعالى ليس بمحتاج الى غيره و غيره محتاج إليه:

لأن الحاجة انما تكون في الذات أو في الصفات، و البارئ تعالى غنى في ذاته و صفاته لوجوب وجوده، فلا يكون بمحتاج- بهذا المعنى- و هو المطلوب.

(16) و الدليل على انه تعالى عدل حكيم:

لان معنى العدل الحكيم هو الذي لا يفعل قبيحا و لا يخل بواجب، لان فعل القبيح لا يفعله الا الجاهل به أو المحتاج اليه، و البارئ تعالى عالم و غنى في ذاته و صفاته- لوجوب وجوده- فلا يفعل قبيحا و لا يخل بواجب- بهذا المعنى- و هو المطلوب.

(17) و الدليل على نبوة نبينا

محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله): لانه ادعى النبوة و ظهر المعجز على يده، و المعجز فعل اللّٰه تعالى، فيكون نبيّا حقا و رسولا صدقا.

____________

(5)- كذا في النسخة.

106

(18) و الدليل على انه (صلّى اللّٰه عليه و آله) معصوم

عن جميع القبائح كلها، عمدا و سهوا، صغيرة و كبيرة: بدليل انه لو لم يكن كذلك لجاز عليه الكذب و الخطاء، فلم تثق الناس بما أخبر به عن اللّٰه، فتبطل نبوته.

(19) و الدليل على انه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- خاتم الرسل:

بدليل قوله (عليه السلام) «لا نبي بعدي» و قوله تعالى «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ» (6).

(20) و الدليل على انه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- صادق بجميع ما أخبر به

في أحكام الشرع من الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد و غير ذلك، و صادق [1] في إخباراته عن أحوال المعاد، كالبعث و الصراط و الحشر و الحساب و النشور و الميزان و تطاير الكتب و إنطاق الجوارح و الجنة و ما وعد اللّٰه فيها، من المأكل و المشرب و المنكح و النعيم المقيم ابدا الذي لا عين رأت و لا اذن سمعت بمثله في دار الدنيا ابدا، و النار و ما وعد اللّٰه فيها من العذاب الأليم و النكال المقيم.

أعاذنا اللّٰه [2] و إياكم من شرابها الصديد و من مقامعها الحديد و من دخول باب من أبوابها و من لدغ حيّاتها و لسع عقاربها.

(21) و اعتقد أن شفاعة محمد، (صلّى اللّٰه عليه و آله) [3] نبيا حقا حقا،

و كذلك الأئمة الطاهرين الأبرار المعصومين: بدليل ان القرآن العظيم نطق به و النبي (عليه السلام) أخبر به، فيكون حقا.

(22) و الدليل على ان الإمام الحق بعد رسول اللّٰه

(صلّى اللّٰه عليه و آله) بلا فصل أمير المؤمنين (عليه السلام): بدليل انه نص عليه نصا متواترا بالخلافة، و لا نص على أحد غيره- مثل أبي بكر و العباس-، و النص مثل قوله: «أنت أخي و وزيري و الخليفة من بعدي».

و يدل على إمامته أيضا انه معصوم و غيره ليس بمعصوم بإجماع المسلمين.

(23) و الدليل على ان الإمام من بعد على (عليه السلام) ولده الحسن

ثم

____________

[1]- في الأصل: و صادقا.

[2]- في الأصل: عاذنا اللّٰه.

[3]- كذا في النسخة، و الظاهر سقوط شيء من هذا الموضع، و يمكن ان تكون العبارة مغلوطة بلا نقصان من البين.

____________

(6)- الآية 40 من سورة الأحزاب.

107

الحسين ثم على ثم محمد ثم جعفر ثم موسى ثم على ثم محمد ثم على ثم الحسن ثم محمد بن الحسن الحجة القائم المنتظر المهدى، (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين): بدليل قول النبي (عليه السلام) للحسين «ولدي هذا امام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت من غيره ظلما و جورا».

و يدل على إمامتهم (عليهم السلام) أيضا أنهم معصومون، و لا أحد ممن ادعيت فيه الإمامة بمعصوم بالإمامة فيهم.

(24) و الدليل على ان الخليفة الإمام القائم (عليه السلام) حي

موجود في كل آن و زمان لا بد فيه من امام معصوم، فثبت انه حيّ موجود في كل زمان.

(25) و يدلّ على بقائه إلى فناء هذه الأمة:

لأنه لطف للناس و اللطف واجب على اللّٰه تعالى في كل زمان، فيكون الإمام حيا و الا لزم ان يكون اللّٰه تعالى مخلا بالواجب. تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.

و الحمد للّٰه رب العالمين، و صلّى اللّٰه على محمد و آله تم الكتاب و ربنا المحمود في يوم الثالث و العشرون [كذا] من شهر رمضان، سنة ثمان و أربعين و تسعمائة

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

رسالة فى الفرق بين النّبى و الإمام

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة فى الفرق بين النبى و الامام، املاء الشيخ أبى جعفر الطوسى رحمه اللّه.

فقال الشيخ- أيده اللّه- املاء:

الفرق بين النبى و الامام و بيان فائدة كل واحدة من اللفظتين، و هل يصح انفكاك النبوة من الامامة على ما يذهب اليه كثير من أصحابنا الامامية ام لا؟

و الامامة داخلة فى النبوة و لا يجوز أن يكون نبيا و لا يكون اماما على ما يذهب إليه آخرون، و أىّ المذهبين أصح؟ و أنا مجيب الى ما سأله مستعينا باللّه.

اعلم أن معنى قولنا: نبى، هو انه مؤد عن اللّه تعالى بلا واسطة من البشر و لا يدخل- على ذلك- الامام و لا الامة و لا الناقلون عن النبى صلّى اللّه عليه و آله و ان كانوا بأجمعهم مؤدين عن اللّه بواسطة من البشر و هو النبى. و انما شرطنا بقولنا من البشر لان النبى صلّى اللّه عليه و آله أيضا يروى عن اللّه تعالى بواسطة لكن هو ملك و ليس من البشر و لا يشركه فى هذا المعنى الا من هو نبى.

و قولنا: امام يستفاد منه أمران:

أحدهما أنه مقتدى به فى أفعاله و أقواله من حيث قال و فعل، لان حقيقة الامام فى اللغة هو المقتدى به، و منه قيل لمن يصلّى بالناس: أمام الصلاة.

112

و الثانى أنه يقوم بتدبير الامة و سياستها و تأديب جناتها و القيام بالدفاع عنها و حرب من يعاديها و تولية ولاتة من الامراء و القضاة و غير ذلك و اقامة الحدود على مستحقيها.

فمن الوجه الاول يشارك الامام النبى فى هذا المعنى، لانه لا يكون نبى الا و هو مقتدى به و يجب القبول منه من حيث قال و فعل، فعلى هذا لا يكون الا و هو امام.

و اما من الوجه الثاني فلا يجب فى كل نبى أن يكون القيم بتدبير الخلق و محاربة الاعداء و الدفاع عن أمر اللّه بالدفاع عنه من المؤمنين لانه لا يمتنع أن تقتضى المصلحة بعثة نبى و تكليفه ابلاغ الخلق ما فيه مصلحتهم و لطفهم فى الواجبات.

العقلية و ان لم يكلف تأديب أحد و لا محاربة أحد و لا تولية غيره، و من أوجب هذا فى النبى من حيث كان نبيا فقد أبعد و قال مالا حجة له عليه.

فقد بين اللّه تعالى ذلك و أوضحه فى قوله عز ذكره (وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا ..) الآية (4).

فحكى تعالى ذلك أن النبى قال لهم (إِنَّ اللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً) و كان النبى غير ملك، لانه لو كان الملك له لما كان لذلك معنى. و لما قالوا (أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) بل كان ينبغى أن يقولوا: و أنت أحق بالملك منه لانك نبى و النبى لا يكون الا و هو ملك سلطان.

ثم اخبر النبى (بأن اللّه اصطفاه عليهم وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ) و انه انما جعله ملكا لما فيه من فضل القوة و الشجاعة التى يحتاج [1] اليها المقام [2] و للاعداء، و علمه بسياسة الامور.

ثم أخبر أن اللّه يؤتى ملكه من يشاء من عباده فمن [3] يعلم أن المصلحة فى اعطائه فلو كان الامر على ما قالوا لقال: من يشاء من أنبيائه و كل ذلك واضح.

و ايضا فلا خلاف أن هارون (عليه السلام) كان نبيا من قبل اللّه تعالى موحى اليه، و ان موسى (عليه السلام)، استخلفه على قومه لما توجه الى ميقات ربه

____________

[1]- فى الاصل: تحتاج اليه.

[2]- كذا فى الاصل و يحتمل زيادة الواو.

[3]- كذا فى الاصل و لعل الصحيح: ممن.

____________

(4)- السورة 2 الآية: 247

113

تعالى و اقامه مقامه فيما هو اليه من القيام بتدبير الامة، و قد نطق به القرآن فى قوله، (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لٰا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (8).

فلو كان له امر من حيث كان نبيا القيام [1] بأمر الامة لما احتاج الى استخلاف موسى اياه و انما حسن ذلك لانه استخلفه فيما كان إليه خاصة فاستخلف أخاه فيه و أقامه مقامه و ذلك ايضا واضح.

و لا خلاف أيضا بين أهل السير أن النبوة فى بنى اسرائيل كانت فى قوم و الملك فى قوم آخرين و انما جمع الامران لانبياء مخصوصين مثل داود على خلاف من أهل التوراة فى نبوته- و سليمان- على مذهب المسلمين- و نبينا صلّى اللّه عليه و [آله] و ذلك بين جواز انفكاك النبوة من الامامة أوضح بيان.

و أيضا فقد قال اللّه تعالى لنبيه إبراهيم (عليه السلام) لما ابتلاه اللّه بكلمات فاتمهن قال: انى جاعل [ك] للناس اماما، (10) فوعده أن يجعله اماما للانام فاماما [2] اوجبه اللّه عليه جزاء له على ذلك، فلو كانت النبوة لا تنفصل من الإمامة لما كان لقوله: انى جاعلك للناس اماما معنى، لانه من حيث كان نبيا وجب أن يكون اماما على قول المخالف، كما لا يجوز أن يقول: انى جاعلك للناس نبيا و هو نبى.

فان قيل (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً) بمعنى جعلتك اماما قلنا: هذا فاسد من وجهين:

احدهما أنه تعالى جعل وعده بأن يجعله اماما جزاء على قيامه بما ابتلاه اللّه تعالى به من الكلمات و ذلك لا يليق الابان يكون المراد به الاستقبال و لو لا ذلك لما قال إبراهيم (عليه السلام) (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أئمة عقيب ذلك.

و الثانى اسم الفاعل اذا كان بمعنى الماضى لا يعمل عمل الفعل و لا يصح أن ينصب به ألا ترى الى القائل اذا قال: (انى ضارب زيدا) لا يجوز أن يكون المراد بضارب الا اما الحال او الاستقبال و لا يجوز أن يكون ما مضى، و لو أراد أنا ضارب زيد أمس لم يجز أن ينصب به زيدا، و اللّه تعالى نصب (بجاعلك)

____________

[1]- كذا فى الاصل و لعل الصحيح: بالقيام.

[2]- كذا فى الاصل.

____________

(8)- السورة: 7 الآية: 142

(10)- السورة 2 الآية: 124.

114

فى الآية (إِمٰاماً) وجب [1] أن يكون المراد به اما الحال أو الاستقبال دون الماضى، و النبوة كانت حاصلة له قبل ذلك.

فبان [2] هذه الجملة انفصال احدى المنزلتين من الاخرى و أن من قال:

احداها يقتضى الاخرى على كل حال فبعيد من الصواب.

و هذه الجملة كافية فى هذا الباب.

فاذا ثبت ذلك فقول النبى صلّى اللّه عليه و آله لعلى (عليه السلام): (أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبى بعدى (14) لا يجب أن يكون باستثنائه النبوة استثناء [3] امامته لأنا قد بينا أن الامامة تنفصل عن النبوة فليس فى استثناء [4] استثناء الامامة.

على أنا لو سلمنا أن كل نبى امام لم يلزم أن يكون كل امام نبيا و انما تكون الامامة شرطا من شروط النبوة و ليس اذا انتفت النبوة انتفت الامامة كما أن من شرط النبوة العدالة و كمال العقل و ليس اذا انتفت النبوة عن شخص وجب أن ينتفى منه العدالة و كمال العقل لان العدالة و كمال العقل قد ثبت فى من ليس بنبى. و كذلك لا خلاف من أن الامامة قد ثبتت مع انتفاء النبوة فلا يجب بانتفاء النبوة انتفاء الامامة.

و قد استوفينا الكلام فى هذه المسألة فى كتاب الامامة [5] و فى المسائل الحلبية [6]، و بلغنا فيها الغاية، فمن أراد ذلك وقف عليه من هناك إن شاء اللّه تعالى.

____________

[1]- كذا فى الاصل و لعل الصحيح: فوجب.

[2]- كذا فى الاصل.

[3]- كذا فى الاصل و لعل الصحيح: استثنى.

[4]- كذا فى الاصل و لعل الصحيح: استثنائها.

[5]- له فى الامامة مؤلفات منها المفصح فى الامامة و منها تلخيص الشافى فى الامامة و منها الاستيفاء فى الامامة. و الاول لم نقف الا على نسخة ناقصة منه و الثانى مطبوع و الثالث لم نقف الى الآن على نسخة منه.

[6]- الى الآن لم نقف على نسخة منه و لكن كان عند ابن ادريس و نقل عنها فى كتابه راجع ص 18 و 455 من السرائر.

____________

(14)- راجع غاية المرام للبحرانى ص 108- 152

115

الكتاب المفصح في إمامة أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام)

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة على خيرته من خلقه محمد و الطاهرين من عترته و سلم تسليما.

سألت أيها الشيخ الفاضل- أطال اللّٰه بقاءك و أدام تأييدك- إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين على بن أبي طالب (صلوات اللّٰه عليه) من جهة النصوص المروية في ذلك، و بيان وجه الاستدلال منها، و إيراد شبه مخالفينا، المعتمدة على كل دليل، بغاية ما يمكن من الإيجاز و الاختصار، على حد يصغر حجمه و تكثر منفعته، و أن أردف ذلك بالكلام في صحة إمامة الاثنى عشر من جهة النظر و الاستدلال، و من جهة ما روى في ذلك من الاخبار المعتمدة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و أن اعتمد الاختصار في جميع ذلك و أتجنب الإطالة و الإسهاب فيه، و ترك [1] ما لا طائل فيه من شبه المخالفين، و أنا مجيبك الى ما سألت مستمدا من اللّٰه تعالى المعونة و التوفيق لما يحبّ و يرضى انه قريب مجيب.

____________

[1] و اترك. ظ.

118

باب الدلالة على امامة أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)

يدل على إمامته (عليه السلام) ما تواترت به الشيعة مع كثرتها و تباعد ديارها و تباين آرائها و اختلاف هممها و قد بلغوا من الكثرة إلى حد لا يتعارفون و لا يتكاتبون و لا يحصرهم بلد و لا يحصيهم عدد- و قد نقلوا خلفا عن سلف مثلا عن مثل في فصول [1] شرائط التواتر فيهم، الى أن اتصل نقلهم بالنبي عليه و آله السّلام بأنه نص على أمير المؤمنين (عليه السلام) و جعله القائم مقامه بعده بلا فصل.

فلا يخلو حالهم في ذلك من أحد أمرين: اما أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فان كانوا صادقين فقد ثبتت إمامته حسب ما ذكرناه، و ان كانوا كاذبين لم يخل كذبهم من أحد أمور: إما أن يكون قد اتفق لهم الكذب فنقلوه على جهة التنحت، أو تواطئوا عليه، أو جمعهم على ذلك ما يجرى مجرى التواطؤ، أو اتفق أحد ذلك في أحد الفرق الناقلة فيما بيننا و بين نبينا (عليه السلام)، أو كان الأصل فيهم واحدا ثم انتشر الخبر عنه و ظهر. و إذا بين فساد جميع ذلك لم يبق الا ان الخبر صدق حسب ما قدمناه.

و لا يجوز أن يكون قد اتفق لهم الكذب من غير تواطؤ، لأن العادة مانعة من وقوع أمثال ذلك و نظائره، ألا ترى انا نعلم استحالة أن يتفق الشعراء جماعة كثيرة التوارد في قصيدة واحدة على وزن واحد و رويّ واحد و معنى واحد، و كذلك يستحيل على مثل أهل بغداد أن يتكلموا- كلهم- بكلام واحد أو غرض واحد، و يجرى ذلك في الاستحالة مجرى اتفاقهم على أكل طعام واحد، و التزييّ بزيّ واحد و ما يجرى مجرى ذلك. و إذا ثبتت استحالة جميع ما ذكرناه فما ذكرناه لاحق به في الاستحالة.

و لا يجوز أن يكونوا تواطئوا عليه لأن التواطؤ اما ان يكون وقع منهم باجتماع بعضهم الى بعض، و هذا مما يعلم استحالته فيهم لكثرتهم و تباعد ديارهم و أوطانهم، أو يكون وقع التواطؤ منهم بالتكاتب و التراسل، و هذا أيضا محال، لانه من المحال ان يكاتب الشيعة في أقطار الأرض بعضهم بعضا و يتفقوا على شيء بعينه. و كيف

____________

[1] كذا في الأصل. و لعل الصحيح: مع حصول.

119

يصح ذلك و فيهم جمّ غفير في كل بلد لا يعرفون ممن في بلاد أحدا [1] إلا الواحد و الاثنين فاما الباقون فلا يعرفون، و من هذا حكمه فإنه تستحيل المكاتبة بينهم. و لو كان ذلك مما يصح أيضا لوجب ان يظهر في أوجز مدّة لأن ما يجرى هذا المجرى من الأمور العظيمة التي يتواطؤ الناس عليها فإنها لا يجوز أن يخفى بل لا بد من ظهورها في أسرع الأوقات.

فأما ما يجرى مجرى التواطؤ أيضا فمفقود فيهم، لأن ذلك لا يكون إلا إما رغبة في العاجل أو رهبة، و كلا الأمرين منتفيان عن النصّ لأن الذي ادعي له النصّ لم يكن له سوط فتخاف سطوته فيدعو ذلك الى افتعال النص عليه [2] بل كانت الصوارف حاصلة فيما يختص هو به من الفضل من نشره [3] و كتمان مناقبه، و لا كان له أيضا دنيا فيكون الطمع في نيلها داعيا الى وضع النص له.

و لو كان الأمران أيضا حاصلين لمن ادعي له النص لما جاز أن يكون ذلك داعيا الى افتعال خبر بعينه الا من جهة التواطؤ الذي أبطلناه. و انما يجوز ان يكون الأمران داعيين الى وضع فضيلة ما له في الجملة، فأما أن يكون داعيا الى وضع فضيلة بعينها على صيغة مخصوصة فإن ذلك من المحال حسب ما قدمناه.

و ليس لأحد أن يقول إذا جاز أن ينقلوا الخبر الصدق لكونه صدقا و يكون علمهم أو اعتقادهم لصدقه داعيا الى نقله من غير تواطؤ [فلم] لا يجوز أن ينقلوا الكذب لمجرّد كونه كذلك من غير تواطؤ، لأن الدلالة فرقت بين الموضعين، لأنا نعلم ان العلم أو الاعتقاد لكون الخبر صدقا داع الى نقله، و الاعتقاد لقبح الشيء أو كون الخبر كذبا و ان جاز ان يكون داعيا على بعض الوجوه، فلا يجوز أن يشمل ذلك الخلق الكثير. على ان العلم بقبح الشيء لا يكون داعيا الى فعله بل هو صارف عن فعله، و انما يدعو في بعض الأوقات لأمر زائد على كونه قبيحا من نفع أو دفع مضرة و قد بينا ان كليهما لم يكن في خبر النص، و لو كان لكان داعيا الى وضع الفضائل المختلفة دون ان يكون ذلك داعيا الى وضع فضيلة بعينها.

و جميع ما قدمناه من وجوه البطلان في الطرق التي بيّنا فإنه يبطل أيضا ان

____________

[1] كذا في الأصل. و لعل الصحيح: أخر.

[2] له. ظ

[3] و الدواعي حاصلة الى كتمان مناقبه. ظ.

120

يكون قد اتفق ذلك في كل فرقة بيننا و بين النبي (عليه السلام).

و يبطله أيضا ان الذين نقلوا الخبر ذكروا أنهم أخذوا عن أمثالهم في الكثرة و استحالة التواطؤ عليهم فلو جاز ان يكونوا كاذبين في ذلك لجاز أن يكونوا كاذبين في نفس الخبر و ذلك قد بينا فساده.

و ليس لأحد أن يقول ان كونهم بصفة المتواترين انما يعلم بالدليل و لا يعلم ذلك بالضرورة فما أنكرتم ان يكون قد دخلت عليهم الشبهة فاعتقدوا في من ليس بصفة المتواترين انهم متواترون.

و ذلك انّ العلم بأن الجماعة قد بلغت الى حد لا يجوز على مثلها التواطؤ مما يعلم بأدنى اعتبار العادة و ليس ذلك مما يجوّز دخول الشبهة فيهم، و انّما تدخل الشبهة فيما طريقه النظر و الاستدلال.

فأما الذي يبطل ان يكون الأصل في خبر النص واحدا ثم انتشر و ظهر، هو انه لو كان الأمر على ذلك لوجب ان يعلم الوقت الذي أبدع فيه و من المبدع له حتى يعلم ذلك على وجه لا تحيل [1] على أحد من العقلاء.

الذي يدل على ذلك ان كل مذهب حدث بعد استقرار الشريعة لم يكن، فإنه علم المحدث له و الوقت الذي أحدث فيه، ألا ترى انه لما كان أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين و أصل بن عطاء و عمرو بن عبيد علم ذلك و لم يخف، و لما كان حدوث مذهب الخوارج عند التحكيم علم ذلك أيضا و لم يخف، و كذلك مذهب أبي الهذيل في تناهى مقدورات اللّٰه تعالى و ان ذاته علمه علم ذلك و لم يخف، و كذلك مذهب النظام في الجزء و الطفرة من الاسلاميين، و كذلك مذهب جهم بن صفوان لما لم يكن له سلف نسب المذهب اليه و علم، و كذلك مذهب ابن كلاب و من بعده مذهب الأشعري في القول بقدم الصفات علم ذلك و لم يخف، و كذلك لما لم يكن قد سبق أبا حنيفة من جمع فقهه على طريقته فنسب فقهه اليه، و كذلك مذهب مالك و الشافعي و لم يخف ذلك على أحد من العقلاء ممن سمع الاخبار.

فلو كان القول بالنص جاريا هذا المجرى لوجب ان يعلم المحدث له

____________

[1] لا تخفى. ظ.

121

و وقت حدوثه، و ليس لأحد ان يقول ان ذلك أيضا قد علم في النص و ان الذي أحدثه هشام بن الحكم و من بعده ابن الراوندي و أبو عيسى الوراق، و ذلك انه لو كان الأمر على ما ادعوه لوجب ان يحصل لنا العلم به كما حصل لنا العلم بسائر أرباب المذاهب و لو كان العلم حاصلا بذلك لما جاز ان يكلم من خالف في ذلك و ادعى اتصاله بالنبي (عليه السلام) كما لا يحسن مكالمة من قال: إن قبل التحكيم قد كان قوم من الخوارج يذهبون مذاهبهم، و في حسن مناظرتهم لنا دليل على الفرق بين الموضعين.

فان قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتموه من النص لوجب أن يعلم ضرورة كما نعلم ان في الدنيا بصرة و غير ذلك من اخبار البلدان.

قيل له: و لو لم يكن النص صحيحا لوجب أن يعلم أنه لم يكن كما علم انه ليس بين بغداد و البصرة بلد أكبر منهما، و في عدم العلم بذلك دليل على صحة النص.

على أن الصحيح من المذهب انه ليس يعلم شيء من مخبر الاخبار بالضرورة و انما يعلم الجميع بضرب من الاكتساب، و ربما كان استدلالا و ربما كان اكتسابا و العلم بالنص انما يعلم بالاستدلال و ليس كذلك أخبار البلدان لأنها تعلم بالاكتساب فلأجل ذلك افترق الأمران.

فإن قيل: هب انكم لا تقولون العلم بمخبر الاخبار ضرورة، أ ليس تقولون ان هاهنا مخبرات كثيرة تعلم على وجه لا يختلج فيه الريب و لا الشكوك مثل العلم بوجوب الصلوات الخمس و فرض الصوم و الحج و الزكاة و ما يجرى مجرى ذلك من الأمور المعلومة و لما لم يكن النص معلوما مثل ذلك دل على أنه لم يكن لانه لو كان لعلم كعلمه.

قيل له: لم يحصل العلم بالأمور التي ذكرتموها على الوجه الذي ذكرتموه لأجل أنها منصوص عليها فقط بل حصل العلم بها فان [1] النص وقع عليها بحضرة الجمهور الأعظم و السواد الأكبر و انضاف الى ذلك العمل بها و لم يدع داع الى كتمانها و لا صرف صارف عن نقلها بل الدواعي كانت متوفرة الى نشرها لأن

____________

[1] لأنّ. ظ.

122

بذلك قوام الإسلام و الدين.

و كل ذلك مفقود في اخبار النص لأنه انما وقع في الأصل بحضرة جماعة فيقطع بنقل [1] الحجة و لم يقع بحضرة الجمع العظيم و لا السواد الكثير، ثم عرض بعد ذلك عوارض منعت من نشره و صرفت عن نقله فغمض طريق العلم به و احتاج الى ضرب من الاستدلال و جرى مجرى أمور كثيرة وقع النص عليها و لم يحصل العلم بها كما حصل بما ذكرناه.

ألا ترى ان العلم بكيفية الصلاة و كيفية الطهارة لم يحصل على الحد الذي حصل العلم بنفس الصلاة و نفس الطهارة لوجود الاختلاف في ذلك، و كما حصل الخلاف في كيفية مناسك الحج و لم يحصل في نفس وجوب الحج، و حصل الخلاف في كيفية القطع للسراق [2] و لم يحصل في وجوب القطع في الجملة، و كذلك صفات الامام و وجوب الاختيار و صفة المختارين عند خصومنا.

منصوص [3]، و مع هذا فهي معلومة بضرب من الاستدلال عندهم و ليست معلومة بالاضطرار، و نظائر ذلك كثيرة جدا.

و كل هذه الأمور التي ذكرناها منصوصا عليها شاركت ما ذكروها في السؤال و خالفتها في كيفية العلم بها.

و كما ان للنبي (عليه السلام) معجزات كثيرة سوى القرآن كلها معلومة بضرب من الاستدلال و ليست معلومة كما علمنا القرآن، و ان كان الجميع معلوما و لكن لما غمض طريق هذا و صح طريق ذلك افترقا في كيفية حصول العلم بهما.

و ليس لأحد أن يدعى العلم بهذه المعجزات كما علم القرآن لان القرآن معلوم ضرورة و الخلاف موجود فيما عداه من المعجزات، ألا ترى أن جميع من خالف الإسلام ينكر المعجزات بأجمعها و يعتقد بطلانها و من المسلمين من يدفع بعضها أيضا، الا ترى ان النظام أنكر انشقاق القمر و قال ان ذلك محال و ما لم ينكره ذكر ان طريقه الآحاد و كثير من المعتزلة الباقين ذكروا أنها معلومة بالإجماع، و ليس

____________

[1] بنقله. ظ.

[2] في الأصل: السراق.

[3] منصوصة. ظ.

123

ذلك موجودا في القرآن لأن أحدا من العقلاء لا ينكره و لا يدفعه.

فان قيل: انفصلوا من البكرية و العباسية إذا عارضوكم على مذهبكم بمثل طريقتكم و ادعوا النص على صاحبيهما.

قيل له قد أبعدتم في المعارضة بمن ذكرتموه و الفرق بيننا و بينهم واضح و ذلك ان أول ما نقول انه لا يجوز أن يقع النص على أبي بكر و العباس من النبي (عليه السلام) لانه قد ثبت ان من شرط الإمامة العصمة و الكمال في العلم و الفضل على جميع الرعية و ليس ذلك موجودا فيهما فبطل إمامتهما.

ثم ان نقل هؤلاء لا يعارض نقل الشيعة لأنهم نفر يسيروهم في الأصل شذاذ لا يعرفون و انما حكيت مذاهبهم على طريق التعجب كما ذكر أقوال سائر الفرق المحيلة المبطلة.

ثم انا لم نر في زماننا هذا أحدا من أهل العلم ممن له تحصيل يدعى النص على هذين الرجلين و انما يثبتون امامة أبي بكر من جهة الاختيار فذلك يبين لك عن بطلان هذه الدعوى.

و الذي يدل على بطلان النص على أبي بكر أيضا قوله حين احتج على الأنصار- على ما رواه- (الأئمة من قريش) و لو كان منصوصا عليه لكان ادعاؤه النص اولى.

و قوله أيضا: بايعوا اىّ هذين الرجلين شئتم!- يعني أبا عبيدة و عمر- و لو كان منصوصا عليه لما جاز له ذلك.

و قوله- أيضا-: أقيلونى أقيلونى يدل على بطلان النص عليه لانه لو كان منصوصا عليه لما جاز له ان يقول هذا القول.

و يدل أيضا على بطلان النص عليه قول عمر لأبي عبيدة: امدد يدك أبايعك! حتى قال له أبو عبيدة: مالك في الإسلام فهّة غيرها.

و قوله أيضا حين حضرته الوفاة: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني- يعني أبا بكر- و إن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)- و لم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة.

و قوله أيضا: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّٰه شرها فمن عادها الى مثلها فاقتلوه، و لو كان منصوصا عليه لما احتاج الى البيعة و لا لو بويع لكانت بيعته فلتة

124

و كل ذلك يكشف عن بطلان النص عليه.

و أيضا فإن جميع ما رووه و ادعوا انه يدل على النص فليس في صريحه و لا فحواه دلالة على النص على ما قد بيناه في كتاب تلخيص الشافي فكيف يدعى ان ذلك معارض للنص الذي لا يحتمل شيئا من التأويل.

فإن قيل: لو كان النص عليه صحيحا على ما ادعيتموه وجب ان يحتج به و ينكر على من يدفعه عن ذلك بيده و لسانه و لما جاز منه ان يصلّى معهم و لا أن ينكح سبيهم و لا ان يأخذ من فيئهم و لا ان يجاهد معهم. و في فعله (عليه السلام) ذلك كله دليل على بطلان ما تدّعونه.

قيل له: الذي منع أمير المؤمنين (عليه السلام) من الاحتجاج بالنص عليه ما ظهر له بالأمارات اللائحة من .. [1] القوم على الأمر و اطراح العهد فيه و عزمهم على الاستبداد به مع البدار منهم اليه و الانتهاز له و أيسه [2] ذلك عن الانتفاع بالحجة، و ربما ادى ذلك الى دعواهم النسخ لوقوع النص عليه فتكون البلية بذلك أعظم، و ان ينكروا وقوع النص جملة و يكذبوه في دعواه فيكون البلاء به أشد.

و اما ترك النكير عليهم باليد فهو انه لم يجد ناصرا و لا معينا على ذلك، و لو تولاه بنفسه و حامته لربما ادى ذلك الى قتله أو قتل اهله و أحبته فلأجل ذلك عدل عن النكير.

و قد بين ذلك (عليه السلام) في قوله: (اما و اللّٰه لو وجدت أعوانا لقاتلتهم) و قوله أيضا بعد بيعة الناس له حين توجه إلى البصرة: (اما و اللّٰه لو لا حضور الناصر و لزوم الحجة و ما أخذ اللّٰه على أوليائه الّا يقروا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها و لألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة غنز).

فبين (عليه السلام) انه انما قاتل من قاتل لوجود النّصار و عدل عن قتال من عدل عن قتالهم لعدمهم.

و أيضا فلو قاتلهم لربما ادى ذلك الى بوار الإسلام و الى ارتداد الناس أو

____________

[1] بياض بالأصل، و عبارة كتاب الاقتصاد هكذا: من اقدام القوم على طلب الأمر.

[2] فآيسه. ظ.

125

أكثرهم [1] و قد ذكر ذلك في قوله: (اما و اللّٰه لو لا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم).

فاما الإنكار باللسان فقد أنكر (عليه السلام) في مقام بعد مقام، ألا ترى الى قوله (عليه السلام): (لم أزل مظلوما منذ قبض رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله))، و قوله:

(اللهم إنى أستعديك على قريش فإنهم منعوني حقي و غصبونى إرثي)، و في رواية أخرى: (اللهم انى أستعديك على قريش فإنهم ظلموني [في] الحجر و المدر ..)، و قوله في خطبته المعروفة: (اما و اللّٰه لقد تقمصها ابن أبي قحافة و انه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحى ينحدر عنى السيل و لا يرقى الىّ الطير ..) الى آخر الخطبة، صريح بالإنكار و التظلم من الحق.

فأمّا ما ذكره السائل من صلاته معهم فإنه (عليه السلام) انما كان يصلّى معهم لا على طريق الاقتداء بهم بل كان يصلّى لنفسه و انما كان يركع بركوعهم و يكبر بتكبيرهم، و ليس ذلك بدليل الاقتداء عند أحد من الفقهاء.

فاما الجهاد معهم فإنه لم ير واحد انه (عليه السلام) جاهد معهم و لا سار تحت لوائهم، و أكثر ما روى في ذلك دفاعه عن حرم رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و عن نفسه، و ذلك واجب عليه و على كل أحد أن يدفع عن نفسه و عن أهله و إن لم يكن هناك أحد يقتدى به.

فاما أخذه من فيئهم فإنما كان يأخذ بعض حقه، و لمن له حق، له أن يتوصل إلى أخذه بجميع أنواع التوصل و لم يكن يأخذ من أموالهم هم.

و أما نكاحه لسبيهم فقد اختلف في ذلك فمنهم من قال: ان النبي (عليه السلام) وهب له الحنفية [2] و انما استحل فرجها بقوله (عليه السلام).

و قيل أيضا: إنها أسلمت و تزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام).

و قيل أيضا: إنه اشتراها فأعتقها ثم تزوجها.

و كل ذلك ممكن جائز، على ان عندنا يجوز وطء سبي أهل الضلال إذا كان المسبي مستحقا لذلك، و هذا يسقط أصل السؤال.

فإن قيل: لو كان (عليه السلام) منصوصا عليه لما جاز منه الدخول في الشورى، و لا الرضا بذلك، لأن ذلك خطأ على مذهبكم.

____________

[1] كذا في الأصل، و الظاهر: أو أكثرهم.

[2] أمّ ابنه (عليه السلام): محمد.

126

قيل له: انما دخل (عليه السلام) في الشورى لأمور:

منها انه دخلها ليتمكن من إيراد النص عليه و الاحتجاج بفضائله و سوابقه، و ما يدل على انه أحق بالأمر و أولى، و قد علمنا انه لو لم يدخلها لم يجز منه أن يبتدئ بالاحتجاج، و ليس هناك مقام احتجاج و بحث فجعل (عليه السلام) الدخول فيها ذريعة إلى التنبيه على الحق بحسب الإمكان، على ما وردت به الرواية، فإنها وردت بأنه (عليه السلام) عدد في ذلك اليوم جميع فضائله و مناقبه أو أكثرها.

و منها ان السبب في دخوله (عليه السلام) كان للتقية و الاستصلاح لانه (عليه السلام) لما دعي إلى الدخول في الشورى أشفق من ان يمتنع فينسب [1] منه الامتناع إلى المظاهرة و المكاشفة، و الى أن تأخره عن الدخول انما كان لاعتقاده انه صاحب الأمر دون من ضمّ اليه فحمله على الدخول ما حمله في الابتداء على إظهار الرضا و التسليم.

فان قيل: لو كان (عليه السلام) منصوصا (عليه السلام) [2] على ما تدّعون لوجب أن يكون من دفعه عن مقامه مرتدا كافرا، و في ذلك، إكفار الأمة بأجمعها، و ذلك خروج عن الإسلام:

قيل له: الذي نقوله في ذلك: إن الناس لم يكونوا بأسرهم دافعين للنص و عاملين بخلافه مع علمهم الضروري به، و انما بادر قوم من الأنصار- لما قبض الرسول (عليه السلام)- الى طلب الإمامة و اختلفت كلمة رؤسائهم و اتصلت حالهم بجماعة من المهاجرين فقصدوا السقيفة عاملين على إزالة الأمر من مستحقه و الاستبداد به، و كان الداعي لهم الى ذلك و الحامل لهم عليه رغبتهم في عاجل الرئاسة و التمكن من الحل و العقد، و انضاف الى هذا الداعي ما كان في نفس جماعة منهم من الحسد لأمير المؤمنين (عليه السلام) و العداوة له لقتل من قتل من أقاربهم و لتقدمه و اختصاصه بالفضائل الباهرة و المناقب الظاهرة التي لم يخل من اختص ببعضها من حسد و غبطة و قصد بعداوة و آنسهم بتمام ما حاولوه بعض الانس بتشاغل بنى هاشم و عكوفهم على تجهيز النبي (عليه السلام) فحضروا السقيفة و نازعوا في الأمر و قوّوا على الأمر و جرى ما هو مذكور.

____________

[1] فيتسبب.

[2] كذا في الأصل، و الظاهر انه زائد.

127

فلما رأى الناس فعلهم- و هم وجوه الصحابة و من يحسن الظن بمثله و تدخل الشبهة بفعله- توهم أكثرهم انهم لم يتلبسوا بالأمر و لا أقدموا فيه على ما أقدموا عليه الا لعذر يسوغ لهم و يجوزه، فدخلت عليهم الشبهة و استحكمت في نفوسهم، و لم يمعنوا النظر في حلها فمالوا ميلهم و سلموا لهم، و بقي العارفون بالحق و الثابتون عليه غير متمكنين من إظهار ما في نفوسهم فتكلم بعضهم و وقع منهم من النزاع ما قد أتت به الرواية، ثم عاد عند الضرورة إلى الكف و الإمساك و إظهار التسليم مع إبطان الاعتقاد للحق و لم يكن في وسع هؤلاء إلا نقل ما علموه و سمعوه من النص الى اخلافهم و من يأمنونه على نفوسهم فنقلوه و تواتروا الخبر به عنهم.

على ان اللّٰه تعالى قد أخبر عن امة موسى (عليه السلام) أنها قد ارتدت بعد مفارقة موسى إياها إلى ميقات ربه و عبدوا العجل و اتبعوا السامري و هم قد شاهدوا المعجزات مثل فلق البحر و قلب العصا حية و اليد البيضاء و غير ذلك من المعجزات، و فارقهم موسى أياما معلومة، و النبي (عليه السلام) خرج من الدنيا بالموت فإذا كان كل ذلك جائزا عليهم فعلى أمتنا أجوز و أجوز.

على ان اللّٰه تعالى قد حكى في هذه الأمة و أخبر انها ترتد، قال اللّٰه تعالى «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ».

و قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو ان أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتموه! قالوا: فاليهود و النصارى يا رسول اللّٰه؟ قال: فمن اذن؟!).

و قال (عليه السلام): (ستفترق أمتي ثلاثة و سبعين فرقة، واحدة منها ناجية و ثنتان و سبعون في النار).

و هذا كله يدل على جواز الخطأ عليهم بل على وقوعه فأين التعجب من ذلك؟.

فان قيل: كيف يكون منهم ما ذكرتموه من الضلال و قد أخبر اللّٰه تعالى انه رضى عنهم، و أعدّ لهم جنات في قوله «السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا

128

الْأَنْهٰارُ» (1) و قال «لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» (2) و ذلك مانع من وقوع الضلال الموجب لدخول النار.

قيل له: اما قوله: «وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ..» فإنما ذكر فيها الأولون منهم، و من ذكرناه ممن دفع النص لم يكن من السابقين الأولين لأنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) و جعفر بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلب و زيد بن حارثة و خباب بن الأرت، و غيرهم ممن قد ذكروا، و من دفع النص كان إسلامه متأخرا عن إسلام هؤلاء.

على ان من ذكروه لو ثبت له السبق فإنما يثبت له السبق إلى الإسلام في الظاهر لان الباطن لا يعلمه الا اللّٰه، و ليس كل من أظهر السبق إلى الإسلام كان سبقه على وجه يستحق به الثواب، و اللّٰه تعالى انما عنى من يكون سبقه مرضيا على الظاهر و الباطن، فمن أين لهم ان من ذكروه كان سبقه على وجه يستحق به الثواب.

على انهم لو كانوا هم المعنيين بالآية لم يمنع ذلك من وقوع الخطأ منهم و لا أوجب لهم العصمة لان الرضى المذكور في الآية و ما أعد اللّٰه من النعيم انما يكون مشروطا بالإقامة على ذلك و الموافاة به، و ذلك يجرى مجرى قوله «وَعَدَ اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» (3) و لا أحد يقول ان ذلك يوجب لهم العصمة و لا يؤمّن وقوع الخطأ منهم بل ذلك مشروط بما ذكرناه و كذلك حكم الآية.

و أيضا فإنه لا يجوز ان يكون هذا الوعد غير مشروط و ان يكون على الإطلاق إلا لمن علم عصمته و لا يجوز عليه شيء من الخطأ، لأنه لو عنى من يجوز عليه الخطأ بالإطلاق و على كل وجه كان ذلك إغراء له بالقبيح و ذلك فاسد بالإجماع، و ليس أحد يدعى للمذكورين العصمة فبطل ان يكونوا معنيين بالآية على الإطلاق.

و اما قوله تعالى «لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ..» فالظاهر يدل على

____________

(1) التوبة: الآية: 100.

(2) الفتح: الآية: 18.

(3) التوبة: الآية: 72.

129

تعليق الرضا بالمؤمنين، و المؤمن هو المستحق للثواب و ألّا يكون مستحقا لشيء من العقاب فمن اين لهم ان القوم بهذه الصفة؟ فإن دون ذلك خرط القتاد.

على انه تعالى قد بين ان المعنى بالآية من كان باطنه مثل ظاهره بقوله:

«فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ..» ثم قال «وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً» (1).

فبين ان الذي أنزل السكينة عليه هو الذي يكون الفتح على يديه، و لا خلاف ان أول حرب كانت بعد بيعة الرضوان خيبر، و كان الفتح فيها على يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد انهزام من انهزم من انهزم من القوم فيجب ان يكون هو المعنيّ بالآية.

على ان ما قدمناه في الآية الاولى من أنها ينبغي ان تكون مشروطة و ان لا تكون مطلقة، يمكن اعتماده ها هنا، و كذلك ما قلناه من ان الآية لو كانت مطلقة كان ذلك إغراء بالقبيح موجود في هذه الآية.

ثم يقال لهم: قد رأينا من جملة السابقين و من جملة المبايعين تحت الشجرة من وقع منهم الخطأ، الا ترى أن طلحة و الزبير كانا من جملة السابقين و من جملة المبايعين تحت الشجرة و قد نكثا بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و قاتلاه و سفكا دماء شيعته، و تغلبا على أموال المسلمين، و كذلك فعلت عائشة، و هذا سعد بن أبي وقاص من جملة السابقين و المبايعين تحت الشجرة و قد تأخر عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كذلك محمد بن مسلمة، و ما كان أيضا من سعد بن عبادة و طلبه الأمر خطأ، بلا خلاف، و قد استوفينا الكلام على هذه الطريقة في كتابنا المعروف بالاستيفاء في الإمامة، فمن أراد الوقوف عليه فليطلبه من هناك ان شاء اللّٰه.

دليل آخر و مما يدل على إمامته (عليه السلام) قوله تعالى «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ

وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» (2).

و وجه الدلالة من الآية انه قد ثبت ان الولي في الآية بمعنى الأحقّ و الاولى، و ثبت ان المعنيّ بقوله «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» أمير المؤمنين (عليه السلام)، و إذا ثبت هذان الأصلان دل على إمامته (عليه السلام)، لان كل من قال: ان معنى الولي

____________

(1) الفتح: الآية 18.

(2) المائدة: الآية: 55.

130

في الآية ما ذكرناه قال انها مخصوصة فيه، و من قال: انها مخصوصة قال ان المراد بها الإمامة.

فإن قيل: دلوا على ان الولي يستعمل في اللغة بمعنى الاولى و الأحق، ثم على ان المراد به في الآية ذلك، ثم بينوا توجهها الى أمير المؤمنين (عليه السلام).

قيل له: اما الذي يدل على ان الولي يستعمل في اللغة بمعنى الاولى استعمال أهل اللغة لأنهم يقولون في السلطان المالك للأمر: فلان ولي الأمر، و قال الكميت:

و نعم ولى الأمر بعد وليه * * * و منتجع التقوى و نعم المؤدب

و يقولون: فلان ولي العهد، في من استخلف للأمر لأنه أولى بمقامه من غيره، و روى عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): (أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل). و انما أراد به من يكون اولى بالعقد عليها، و قال اللّٰه تعالى:

(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي» (1) يعنى من يكون اولى بحوز الميراث من بنى العم، و قال المبرد في كتابه المعروف بالعبارة عن صفات اللّٰه: ان أصل الولي هو الاولى و الأحق و كذلك المولى، فجعل الثلاث عبارات بمعنى واحد، و شواهد ما ذكرناه كثيرة [في كتب الأدب و] اللغة.

فأما الذي يدل على ان المراد به في الآية ما ذكرناه هو ان اللّٰه تعالى [نفى] أن يكون لنا ولي غير اللّٰه و غير رسوله و الذين آمنوا بلفظة (انما)، و لو كان المراد به الموالاة في الدين لما خص بها المذكورين لأن الموالاة في الدين عامة في المؤمنين كلهم قال اللّٰه تعالى «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ» (2).

و الذي يدل على أن لفظة «انما» تفيد التخصيص ان القائل إذا قال: انما لك عندي درهم، فهم منه نفي ما زاد عليه و جرى مجرى: ليس لك عندي إلا درهم، و كذلك إذا قالوا: إنما النحاة المدققون البصريون، فهم نفى التدقيق عن غيرهم، و كذلك إذا قالوا: انما السخاء (3) حاتم، فهم نفي السخاء عن غيره، و قد قال الأعشى:

____________

(1) مريم: الآية: 6.

(2) التوبة: الآية: 71.

(3) كذا في الأصل.

131

و لست بالأكثر منهم حصى * * * و انما العزة للكاثر

و أراد نفي العزة عمن ليس بكاثر، و قد روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله):

(انما الماء من الماء) [1] و احتج بذلك الأنصار في نفي الماء من غير الماء و ادعي من خالفهم نسخ الخبر، فعلم انهم فهموا منه التخصيص و الا كانوا يقولون: (انما) لا تفيد الاختصاص بوجوب الماء من الماء.

و الذي يدل على ان الولاية في الآية مختصة انه قال: «وليكم» فخاطب به جميع المؤمنين جملتهم و دخل في ذلك النبي و غيره ثم قال: «و رسوله» فأخرج النبي عليه و آله السلام من جملتهم لكونهم مضافين الى ولايته، فلما قال: «و الذين آمنوا» وجب أيضا ان الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، و الا ادى الى ان يكون المضاف هو المضاف اليه، و ادى الى ان يكون كل واحد منهم ولى نفسه، و ذلك محال.

و إذا ثبت ان المراد في الآية ما ذكرناه و الذي يدل على ان أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المختص بها أشياء:

منها ان كل من قال ان معنى الولي في الآية معنى الأحق قال انه هو المخصوص به، و من خالف في اختصاص الآية فجعل الآية عامة في المؤمنين و ذلك قد أبطلناه.

و منها ان النقل حاصل من الطائفتين المختلفتين و الفرقتين المتباينتين من الشيعة و أصحاب الحديث ان الآية خاصة في أمير المؤمنين (عليه السلام).

و منها ان اللّٰه تعالى وصف الذين آمنوا بصفات ليست موجودة إلا فيه لانه قال «وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» فبين ان المعنيّ بالآية هو الذي آتى الزكاة في حال الركوع، و أجمعت الأمة على انه لم يؤت أحد الزكاة في هذه الحال غير أمير المؤمنين (عليه السلام).

و ليس لأحد ان يقول ان قوله «وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» ليس هو حالا لإيتاء الزكاة بل انما المراد به ان صفتهم إيتاء الزكاة لأن ذلك خلاف اللغة، الا ترى ان القائل إذا قال: لقيت فلانا و هو راكب لم يفهم منه الا لقاؤه في حال الركوب و لم يفهم منه ان من شأنه الركوب. و إذا قال: رأيته و هو جالس أو جاءني و هو ماش، لم يفهم

____________

[1] صحيح مسلم 1- 185 و قيل في شرحه: أي إنما وجوب الاغتسال من نزول المنى.

132

من ذلك كله إلا موافقة رؤيته في حال الجلوس أو مجيئه ماشيا و إذا ثبت ذلك وجب ان يكون حكم الآية أيضا هذا الحكم.

فان قيل: ما أنكرتم ان يكون المراد بقوله تعالى «وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» اي يؤتون الزكاة متواضعين! كما قال الشاعر:

لا تهين الكريم (1) علك ان تركع * * * يوما و الدهر قد رفعه

و انما أراد به علك ان تخضع يوما.

قيل له: الركوع هو التطأطؤ المخصوص، و انما يقال للخضوع ركوع تشبيها و مجازا لان فيه ضربا من الانخفاض، و الذي يدل على ما قلناه ما نص عليه أهل اللغة، ذكر صاحب كتاب العين فقال كل شيء ينكب لوجهه فيمس ركبته الأرض أو لا يمس بعد ان يطأطئ رأسه فهو راكع، و قال ابن دريد: الراكع: الذي يكبو على وجهه و منه الركوع في الصلاة، قال الشاعر:

و أفلت حاجب فوق العوالي * * * على شقّاء تركع في الظراب

اى تكبو على وجهها. و إذا ثبت ان الحقيقة في الركوع ما ذكرناه لم يسغ حمله على المجاز من غير ضرورة.

فإن قيل: قوله «الَّذِينَ آمَنُوا» لفظه [عام] كيف يجوز لكم حمله على الواحد و هل ذلك الا ترك للظاهر.

قيل له: قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع إذا كان عظيم الشأن عالي الذكر، قال اللّٰه تعالى «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» (2) و هو واحد، و قال «وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا» (3)، و قال «إِنّٰا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ» (4)، و قال «رَبِّ ارْجِعُونِ» (5) و نظائر ذلك كثيرة. و اجمع المفسرون على ان قوله «الَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ إِنَّ النّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» (6) ان المراد بقوله «الناس» الأول [عبد اللّٰه] بن مسعود الأشجعي، و قال تعالى «أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ» (7) يعنى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و قوله تعالى «الَّذِينَ قٰالُوا لِإِخْوٰانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطٰاعُونٰا مٰا قُتِلُوا» (8) نزلت في عبد اللّٰه بن أبي سلول، و إذا كان ذلك مستعملا على ما قلناه، و كذلك [1] قوله تعالى:

____________

[1] فكذلك. ظ.

____________

(1) الفقير. ظ.

(2) الحجر: الآية: 9.

(3) السجدة: الآية 13.

(4) مريم: الآية: 40.

(5) المؤمنون: الآية: 99.

(6) آل عمران: الآية: 173.

(7) البقرة: الآية: 199.

(8) آل عمران: الآية: 168.

133

«الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ» نحمله على الواحد الذي بيناه.

فان قيل: أ ليس قد روي ان هذه الآية نزلت في عبد اللّٰه بن سلام [1] و أصحابه فما أنكرتم ان يكون المعني ب «الَّذِينَ آمَنُوا» هم دون [من] ذهبتم اليه.

قلنا: أولا ما نقول انا إذا دللنا على ان هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) بنقل الطائفتين المختلفتين، و انما ذكرناه من اعتبار الصفة المذكورة في الآية و انها ليست حاصلة في غيره فقد بطل ما روى من هذه الرواية.

على ان الذي روى من خبر عبد اللّٰه بن سلام خلاف ما ذهب إليه السائل و ذلك انه روى ان عبد اللّٰه بن سلام كان بينه و بين [اليهود] محالفة فلما أسلموا قطعت اليهود محالفته و تبرءوا منهم فاغتم بذلك هو و أصحابه فأنزل اللّٰه هذه الآية تسلية لعبد اللّٰه بن سلام و انه قد عوضهم من محالفة اليهود ولاية اللّٰه و ولاية رسوله و ولاية الذين آمنوا.

و الذي يكشف عن ذلك انه قد روى انه لما نزلت الآية خرج النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من البيت فقال لبعض أصحابه: هل أحد اعطى السائل شيئا؟

فقالوا: نعم يا رسول اللّٰه قد اعطى على بن أبي طالب السائل خاتمه و هو راكع فقال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): اللّٰه أكبر، قد انزل اللّٰه فيه قرآنا [2] ثم تلا الآية إلى آخرها و في ذلك بطلان ما توهمه السائل.

دليل آخر و مما يدل أيضا على إمامته (عليه السلام) ما تواترت به الاخبار من قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) يوم غدير خم

حين رجع من حجة الوداع بعد ان جمع الناس و نصب الرجال و رقى إليها و خطب و وعظ و زجر و نعي إلى الخلق نفسه ثم قررهم على فرض طاعته بقوله: (الست اولى بكم منكم) [3] فلما قالوا بلى قال عاطفا على ذلك فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله) .. [4]

____________

[1] قال في تلخيص الشافي: فإن قيل أ ليس قد روى ان هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت ..

فراجع.

[2] القرآن.

[3] بأنفسكم.

[4] بياض بالأصل و راجع تلخيص الشافي 2: 168.

134

[فإن] الجملة المتأخرة محتملة للمعنى الذي هو في الجملة الاولى و لغيره، فينبغي ان تكون محمولة عليه دون غيره على ما جرت به عادتهم في الخطاب.

فان قيل: دلوا أولا على صحة الخبر فان مخالفيكم يقولون انه من اخبار الآحاد التي لا توجب علما، ثم دلوا على ان مولى يفيد معنى أولى في اللغة، ثم بينوا بعد ذلك انه لا بد ان يكون ذلك مرادا بالخبر دون غيره من الأقسام.

قيل له: الذي يدل على صحة الخبر هو انه قد تواترت به الشيعة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و قد رواه أيضا من مخالفيهم من ان لم يزيدوا على حد التواتر لم ينقصوا منه، لانه لا خبر في الشريعة مما قد اتفق مخالفونا معنا على انه متواتر نقل كنقله، ألا ترى ان أصحاب الحديث طرقوه من طرق كثيرة، هذا محمد بن جرير الطبري قد أورده من نيف و سبعين طريقا في كتابه المعروف في ذلك، و هذا أبو العباس احمد بن محمد بن سعيد قد رواه من مائة و خمسة طرق، و قد ذكره أبو بكر الجعابي (1) من مائة و خمسة و عشرين طريقا، و في أصحاب الحديث من ذكر انه قد رواه أكثر من هؤلاء أيضا.

و ليس في شيء من اخبار الشريعة ما نقل هذا النقل، فان لم يكن هذا متواترا فليس ها هنا خبر متواتر.

و أيضا فإن الأمة بأجمعها قد سلمت هذا الخبر و ان اختلفت في تأويله و لم يقدم أحد منهم على إبطاله، فلو لم يكن صحيحا لما خلا من طاعن يطعن عليه، لان ذلك كان يكون إجماعا على الخطأ و ذلك لا يجوز عندنا و لا عند مخالفينا و ان اختلفنا في علة ذلك.

و أيضا فنحن إذا بينا فيما بعد ان مقتضى هذا الخبر الإمامة دون غيرها ثبت لنا صحته لان كل من ذهب الى ان مقتضاه الإمامة قطع على صحته و من قال انه خبر واحد لم يذهب في مقتضاه الى معنى الإمامة.

و إذا ثبت صحته فالذي يدل على ان المولى يفيد الاولى في اللغة هو استعمال أهلها، هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى فسر قوله تعالى:

____________

(1) راجع طبقات اعلام الشيعة القرن الرابع ص 296.

135

«مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلٰاكُمْ» (1) أي هي أولى بكم و استشهد ببيت لبيد:

فغدت كلى القرحين [1] يحسب انه * * * مولى المخافة خلفها و امامها

و قول أبي عبيدة حجة في اللغة.

و هذا الأخطل يمدح عبد الملك بن مروان فيقول:

فأصبحت مولاها من الناس كلهم * * * و أحرى قريش ان تهاب و تمدحا [2]

اى أحق بالأمر منها و أصبحت سيدها.

و روى عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): (أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل).

و انما أراد بذلك من هو أحق بالعقد عليها.

و قد ذكرنا (4) عن أبي العباس المبرد انه قال: المولى الذي هو الاولى و الأحق و مثله المولى، فجعل الثلاث عبارات بمعنى واحد.

و من له أدنى معرفة بالعربية و كلام أهلها فإنه لا يخفى ذلك عليه على كل حال.

على ان من أصحابنا من قال ان هذه اللفظة لا تستعمل في موضع الا بمعنى الاولى و انما تفيد في شيء مخصوص بحسب ما يضاف اليه، و ذكر ان ابن العم انما سمى مولى لانه يعقل عن بنى عمه و يحوز ميراثه و يكون بذلك اولى من غيره، و سمى الحليف [الجار- ظ] مولى لأنه أولى بصقبه من غيره لقول النبي (عليه السلام): (الجار أحق بصقبه) (5)، و سمي المعتق مولى لأنه أولى بميراث معتقه و يتضمن جريرته من غيره، و كذلك سمى المعتق مولى لأنه أولى بنصرة معتقه من غيره، فجميع أقسام المولى لا يخلو من ان يكون فيه معنى الاولى موجودا.

و إذا ثبت بذلك ان مولى يفيد الاولى فالذي يدل على انه مراد في الخبر دون غيره من الأقسام ما قدمناه من إتيانه بهذه الجملة بعد ان قدم جملة أخرى محتملة لها و لغيرها فلو لم يكن المراد بذلك ما قدمناه لكان ملغزا في الكلام و يجلّ [3] (عليه السلام) عن ذلك الا ترى ان القائل إذا أقبل على جماعة فقال لهم:

____________

[1] كلا الفرجين.

[2] تحمدا.

[3] كذا في النسخة، و الظاهر: يجلّ.

____________

(1) الحديد: الآية: 15.

(4) راجع الصفحة: 15 من هذه الرسالة.

(5) صحيح البخاري 3- 115 و 9- 35.

136

أ لستم تعرفون عبدي فلانا فقررهم على معرفة عبد له من جملة عبيده فلما قالوا بلى قال لهم: فاعلموا ان عبدي حر، فلا يجوز ان يريد بقوله (فاعلموا ان عبدي حر) الا العبد الذي قدم تقريرهم على معرفته و الا أدّى ذلك الى الألغاز الذي قد بيناه.

و إذا ثبت ان معنى قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) (من كنت مولاه) اى من كنت اولى به و كان اولى بنا (عليه السلام) من حيث كان مفترض الطاعة علينا وجب علينا امتثال أمره و نهيه و من [1] جعل هذه المنزلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) دل على انه امام لأن فرض الطاعة- بلا خلاف- لا يجب إلا لنبي أو إمام، و إذا علمنا انه لم يكن نبيا ثبت انه امام.

فإن قيل: ظاهر قوله (من كنت مولاه) يقتضي ان يكون المنزلة ثابتة في الحال و ذلك لا يليق بالإمامة التي ثبتت [بعد] الوفاة.

قيل له: لأصحابنا عن هذا جوابان:

أحدهما ان فرض الطاعة الذي اقتضاه الخبر قد كان حاصلا لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الحال و انما لم يأمر مع وجوده كالمانع له من الأمر و النهى فإذا زال المنع جاز له الأمر و النهى بمقتضى الخبر، و يجرى مجرى من يوصى الى غيره أو من يستخلف غيره في ان استحقاق الوصية يثبت للوصي في الحال و استحقاق ولاية العهد يثبت لولي العهد في الحال [و] لم يجز لهما الأمر و النهى إلا بعد موت الموصى و المستخلف.

و الجواب الآخر قوله: (من كنت مولاه الخبر) [يعم] في الحال و فيما بعده من الأوقات [كما كانت] هذه المنزلة له (عليه السلام) فإذا علمنا انه لم يكن معه إمام في الحال ثبت انه امام بعده بلا فصل.

و ليس لهم ان يقولوا إذا جاز لكم ان تخصصوا بعض الأوقات مع ان الظاهر يقتضيه [2] جاز لنا أيضا ان نخصص به فنحمله على بعد عثمان، لان هذا يسقط بالإجماع، لأن أحدا لا يثبت لأمير المؤمنين الإمامة بعد عثمان بهذا الخبر، و انما يثبت إمامته من عدا الشيعة بعد عثمان بالاختيار و ذلك يبطل السؤال.

و لك ان تستدل على ان معنى الخبر، الأولى و ان لم تراع المقدمة بان

____________

[1] و متى. ظ.

[2] لا يقتضيه. ظ.

137

تقول إذا ثبت ان هذه اللفظة تستعمل في معنى الاولى و غيره من الأقسام [و] أبطلنا كل قسم سوى ذلك ثبت انه مراد و الا ادى الى ان يكون الكلام لغوا.

و الذي يدل على فساد الأقسام [1] ما .. الأول انه لا يجوز ان يريد النبي عليه و آله السّلام من جملة الأقسام ..

لأن أحد القسمين محال فيه و .. * * * أمير المؤمنين لأنه لم يكن معتقا ..

و ما يدعى عند هذا الكلام ان المراد بالخبر كان الرد على أسامة بن زيد باطل، لانه كان من المعلوم ان له منزلة الولاء فإنه ثابت لبني عمه كما هو ثابت له في الجاهلية و الإسلام، و لم يكن أسامة بحيث ينكر ذلك، و لو كان أنكر لما جاز للنبي (عليه السلام) أن يقوم ذلك المقام في مثل ذلك الوقت و يجمع ذلك الجمع بل كان يكفى أن يقول لأسامة: ان عليا مولى من أنا مولاه، و لا يحتاج الى أكثر من ذلك.

و لا يجوز أن يكون المراد به الحليف لانه (عليه السلام) لم يكن حليفا لأحد و لان الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة و يتوالى إليهم ليدفعوا عنه.

و لا يجوز أن يكون المراد به الحليف لانه (عليه السلام) لم يكن حليفا لأحد و لان الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة و يتوالى إليهم ليدفعوا عنه.

و لا يجوز أن يكون المراد به ابن العم لان ذلك عبث لا فائدة فيه لانه كان معلوما لأصحابه ان أمير المؤمنين (عليه السلام) ابن عمه.

و لا يجوز ان يكون المراد به .. مولى لان ذلك محال.

و لا يجوز أن يكون المراد به تولى النصرة لأن ذلك أيضا معلوم من ..

و لقوله تعالى «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ» (2) فلا فائدة في ذكره في مثل ذلك المقام.

و إذا ثبت فساد جميع الأقسام حسب ما قدمناه لم يبق بعد ذلك الا ما قدمناه من ان المراد به (الأولى).

فإن قيل: ما [أنكرتم أن] يكون أراد (عليه السلام) بالخبر الموالاة له على الظاهر و .. يجوز ان يقوم لأجلها ذلك المقام؟! قيل .. من أقسام المولى التولي

____________

[1] نسخة الأصل من هنا الى آخرها ناقصة كما ترى. و لتصحيحها و تكميلها راجع تلخيص الشافي 2- 191 و الاقتصاد ص 220 ط قم.

____________

(2) التوبة: الآية: 71.

138

على الظاهر و الباطن و لا يعرف .. و لا يجوز ان يحمل كلام النبي (عليه السلام) على معنى لا .. لانه لو جاز ذلك لجاز لغيرهم ان يحمله على غير ذلك .. بالخبر أصلا و ذلك فاسد بالاتفاق، و ليس لهم ان يقولوا ..

حيث اللغة التولي على الظاهر و نعلم انه أراد .. لأنه جعل ولايته كولاية نفسه، و لما كان ولايته .. على ان مراده بالخبر ذلك لان هذا .. إذا .. عن الظاهر ..

لك فاما إذا أمكن حمل الخبر على معنى يليق به و يفيده .. ان يسند إلى أمر آخر فحمله عليه اولى.

و مما يدل أيضا [على ان المراد بالمولى في] الخبر هو الإمامة و فرض الطاعة ما ثبت من جماعة من الصحابة [العالمين] بالخطاب انهم فهموا منه ذلك، و نظموا في ذلك الاشعار [و حملوا الكلام على هذا المعنى] و لم ينكر ذلك عليهم أحد منهم و قد انشد [حسان بن ثابت في مدحه) (عليه السلام) الأبيات المعروفة التي [يقول فيها:

يناديهم يوم الغدير نبيهم [1] [بخمّ و اسمع بالرسول مناديا ..] [2].

____________

[1] هنا تمت نسخة الأصل.

[2] و من تلك الأبيات

فقال له قم يا على فاننى * * * رضيتك من بعدي اماما و هاديا ..

139

عمل اليوم و الليلة

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّٰه ولى الحمد و مستحقه، و صلى اللّٰه على خير خلقه محمد و آله الطاهرين من عترته و المنتجبين من نجله و أرومته الأئمة الهداة و سلم تسليما كثيرا.

اما بعد فانى مجيب الى ما رسمه سيدنا الرئيس أطال اللّٰه بقاءه من إملاء مختصر يشتمل على شرح الإحدى و الخمسين ركعة من الصلاة، في اليوم و الليلة، و الفرق بين الفرض منها و النفل، و شرح أركانها و بيان سننها و نوافلها، و ذكر ما لا بد في كل موضع من الإتيان به و لا يجزى الاقتصار على أقل منه، و ان اذكر من قراءة السور المختارة و الأدعية المختارة في القنوت و الأوتار و الجمل المرغب في ذكرها بالغداة و العشي، و ان اقصد في ذلك الاقتصار و أتجنب في جميعها الإطالة و الإسهاب، و نجيب الى عمل ذلك حسب ما رسمه، و أؤم نحو ما قصده، و من اللّٰه استمد المعونة و التوفيق فهو حسبي و نعم الوكيل.

فصل في بيان أفعال الصلاة و شروطها

للصلاة شروط تتقدمها و أفعال تقارنها، فمقدماتها خمسة أشياء:

الطهارة و معرفة الوقت و القبلة و ما يجوز الصلاة فيه من اللباس و المكان، و

142

الأذان و الإقامة، فالأذان مسنون منها و الأربعة الباقية شرط في صحة الصلاة، و انا أبين في كل فصل على جهته على وجه الاختصار ان شاء اللّٰه تعالى.

فصل في بيان الطهارة

الطهارة على ضربين: وضوء و غسل، فالموجب للوضوء عشرة أشياء: البول و الغائط و الريح و النوم الغالب على الحاستين و هما السمع و البصر و كل ما يزيل العقل من سكر و جنون و إغماء و غير ذلك و الجنابة و هي تكون بسببين إنزال الماء الدافق و الإيلاج في الفرج حتى تغيب الحشفة و الحيض و الاستحاضة و النفاس و مس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت قبل تطهيرهم بالغسل.

و فرض الوضوء غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا مرة واحدة و غسل اليدين من المرفق الى رءوس الأصابع مرة واحدة، و المسح بما بقي في يده من النداوة من مقدم رأسه ثلاث أصابع مضمومة و المسح على الرجلين بباقي النداوة من رءوس الأصابع إلى الكعبين و هما موضع معقد الشراك من وسط القدم فإن أراد النفل تمضمض و استنشق ثلاثا فان استاك [1] أولا كان أفضل و غسل الوجه و اليدين مرة أخرى و لا تكرار في مسح الرأس و الرجلين، و يستحب ان يقول عند غسل الوجه:

(اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه و لا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه) و إذا غسل يمينه قال: (اللهم أعطني كتابي بيميني و الخلد بالجنان بيساري و حاسبني حسابا يسيرا) و إذا غسل اليسار قال: (اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا من وراء ظهري و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي) و إذا مسح رأسه قال: (اللهم غشني رحمتك و بركاتك) و إذا مسح قدميه قال: (اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الاقدام).

و النية واجبة في الطهارتين و هي ان تقصد بها رفع الحدث و الترتيب واجب في الوضوء، و كذا الموالاة.

____________

[1]- في الأصل: أمسك.

143

و اما الغسل فإنه يجب ان يغسل جميع جسده و لا يترك منه عضوا الا يصل الماء اليه و يبدأ بغسل رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر فهذا حكم الطهارة بالماء.

فان عدم الماء أو لم يتمكن من استعماله تيمم من الأرض الطاهرة و يضرب بيديه الأرض ثم ينفضهما و يمسح بهما من قصاص شعر رأسه الى طرف انفه و يمسح بباطن يسراه ظهر كفه اليمنى من الزند الى رءوس الأصابع و ببطن كفه اليمنى ظهر كفه اليسرى من الزند الى رءوس الأصابع فإن كان عليه غسل ثنى الضربة و لا ينفضهما (كذا) إحداهما للوجه و الأخرى لليدين على ما بيناه.

فصل في ذكر المواقيت

لكل صلاة من الصلوات الخمس وقتان أول و آخر فأول وقت الظهر عند الزوال و آخره إذا زاد الفيء اربع أسباع الشخص و أول وقت العصر إذا فرغ من فريضة الظهر و آخره إذا بقي من النهار مقدار ما يصلى أربعا و أول وقت المغرب (سقط من هنا شيء كما هو الظاهر) إذا غاب الشفق و هو الحمرة و أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق و آخره ثلث الليل و أول وقت الغداة طلوع الفجر الثاني و آخره طلوع الشمس.

و لا ينبغي ان يصلى آخر الوقت الا عند الضرورة لأن الوقت الأول أفضل مع الاختيار و لا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت و بعد خروج وقتها تكون قضاء و في الوقت تكون أداء.

و الأوقات المكروهة لابتداء النوافل خمس: عند طلوع الشمس و عند غروبها و عند وقوعها في وسط السماء الى أن تزول إلا في يوم الجمعة و بعد فريضة الغداة إلى انبساط الشمس و بعد العصر الى غروب الشمس.

144

فصل في ذكر القبلة

القبلة هي الكعبة فمن [1] كان مشاهدا لها أو كان في المسجد الحرام فان كان خارجا من المسجد ففرضه التوجه الى المسجد في الحرم فان خرج من الحرم ففرضه التوجه الى الحرم فان كان بحيث لا يهتدى إلى القبلة و لا إلى أمارة يستدل بها صلى إلى أربع جهات أربع مرات فان لم يتمكن صلى الى أىّ جهة شاء.

فصل فيما تجوز الصلاة فيه من المكان و اللباس

الأرض كلها مسجد تجوز الصلاة فيها إذا كانت ملكا أو مباحا و كانت خالية من نجاسة، فاما المغصوب فلا تجوز الصلاة فيه.

(و) من اللباس كل ما كان من نبات الأرض مثل القطن و الكتان و الصلاة فيه جائزة إذا كان ملكا أو مباحا و كان خاليا من النجاسة و كذلك كل ما كان من جلد و وبر شعر ما يؤكل لحمه تجوز الصلاة فيه الا جلود الميت فإنها و ان دبغت فلا تجوز الصلاة فيها و ما لا يؤكل لحمه لا يصلى فيه، الأرنب و الثعلب و أشباهها (كذا).

و لا يجوز السجود الا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل و لا يلبس على مجرى العادة.

فصل في ذكر الأذان و الإقامة

هما مسنونان في جميع الفرائض الخمس لا غير، و عدد فصولهما خمسة و

____________

[1]- كذا في الأصل و الظاهر: لمن.

145

ثلاثون فصلا الأذان ثمانية عشر فصلا، و الإقامة سبعة عشر فصلا.

فالأول الأذان التكبير اربع مرات و الإقرار بالتوحيد مرتان، و الإقرار بالنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) مرتان و حي على الصلاة مرتان و حي على الفلاح مرتان و حي على خير العمل مرتان، و التكبير مرتان و التهليل مرتان.

و الإقامة مثل ذلك الا انه يسقط التكبير من أولها مرتين و يجعل بدلها قد قامت الصلاة مرتين بعد حي على خير العمل و يسقط التهليل مرّة.

و ان ترك الأذان و الإقامة في جميع الصلوات كانت صلاته ماضية لا يجب عليه إعادتها.

فصل في ذكر اعداد الصلوات

الصلوات المفروضة في الحضر و من كان حكمه حكم الحاضر سبع عشرة ركعة في اليوم و الليلة، و في السفر إحدى عشر ركعة الظهر و العصر و العشاء الآخرة أربع ركعات بتشهدين و تسليمة واحدة في الحضر و ركعتان في السفر و المغرب ثلاث ركعات في الحالين و الغداة ركعتان في الحالين.

و النوافل في الحضر أربع و ثلاثون ركعة و في السفر سبعة عشر ركعة فنوافل الحضر ثمان ركعة (كذا) بعد الزوال قبل فريضة الظهر كل ركعتين بتشهد و تسليمة و ثمان ركعات بعد الفريضة مثل ذلك و أربع ركعات بتشهدين و تسليمتين بعد فريضة المغرب و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس تعدان بركعة و احدى عشر ركعة صلاة الليل كل ركعتين بتشهد و تسليم و الوتر ركعة مفردة بتشهد و تسليم، و ركعتان نافلة [1] الفجر بتشهد و تسليم.

و تسقط نوافل النهار في السفر و كذلك ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة و الباقي على ما ذكرناه في الحضر.

و المفروضة لا بد من الإتيان بها فان فاتت لتقصير أو عائق فلا بد من قضائها

____________

[1]- في الأصل: نوافل.

146

و النوافل ان وقع فيها تقصير أو ترك لم يؤخذ بها غير انه يفوته ثواب فعلها فإن أمكنه قضائها متى فاتت قضاها فإنه أفضل.

فصل في كيفية أفعال الصلاة المقارنة لها

أول ما يجب على المصلى ان ينوي الصلاة التي يصليها بقلبه ثم يكبر تكبيرة الإحرام فيقول (اللّٰه أكبر) لا يجزى غيره من الألفاظ، فالمفروض مرة واحدة و المسنون سبع مرات بينهن ثلاث أدعية.

و التوجه مستحب غير واجب فان اتى به فالأفضل أن يكبر تكبيرة الإحرام ثم يتوجه فان قدم التوجه ثم كبر تكبيرة الإحرام و قرأ بعدها كان جائزا.

ثم القراءة و هي شرط في صحة الصلاة، و تتعين القراءة في الحمد وحدها فإنها لا بد من قراءتها و لا يقوم مقامها غيرها في جميع الصلوات فرائضها و سننها، و بعدها ان كان مصليا فرضا فلا بد ان يقرأ معها سورة أخرى لا أقل منها و لا أكثر في الأوليين من كل صلاة، و في الأخريين مخير بين قراءة الحمد وحدها و بين عشر تسبيحات و يقول سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر في الثالثة و ليس يتعين سورة من القرآن بل يقرأ ما شاء غير انه روى ان أفضل ما يقرأ في الفرائض الحمد و انا أنزلناه في ليلة القدر و قل يا ايها الكافرون و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد.

هذا مع الاقتصار فإن أراد الفضل قرأ في الصبح السورة المتوسطة من المفصل كهل اتى على الإنسان حين من الدهر، و عم يتساءلون و أشباه ذلك، و في العشاء الآخرة مثل سبح اسم ربك الأعلى و في المغرب الحمد و انا أنزلناه و ما أشبهها، و في صلاة النهار مثل ذلك، و خص غداة يوم الخميس و الاثنين بقراءة هل اتى على الإنسان و ليلة الجمعة في المغرب سورة الجمعة و في الثانية قل هو اللّٰه أحد، و في العشاء الآخرة سورة الجمعة و في الثانية سورة الأعلى و في غداة الجمعة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد، و في صلاة الظهر يوم الجمعة و في صلاة العصر الجمعة و المنافقون و في باقي الصلوات يختار من السور.

147

و لا يقرأ في الفرائض سورة (كذا) العزائم و هي أربع سور، الم تنزيل السجدة، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربك، و لا يقرأ أيضا سورة طويلة يفوت بقراءتها الوقت كالبقرة و أشباهها.

فاما القراءة في النوافل فأفضل ما يقتصر عليه الحمد و قل هو اللّٰه أحد و ان اقتصر على الحمد أجزأه، و ان قرأ سورة أطول من الإخلاص جاز.

و يستحب ان يقرأ في صلاة الليل السور الطوال كالأنعام و الكهف و ما أشبههما ان امكنه فان لم يتمكن اقتصر على الإخلاص فإن ضاق الوقت اقتصر على الحمد، و قد خص الركعتان الأوليان من صلاة الليل بثلاثين مرة (قل هو اللّٰه أحد) و ركعتا الشفع بالمعوذتين و ركعة الوتر بسورة الإخلاص و المعوذتين [و] ان قرأ بغيرها كان جائزا.

و الركوع منه في كل ركعة فلا بد ان يطأطئ حتى تمس يده عيني ركبتيه، لا يجوز مع الاختيار غيره و الذكر في الركوع لا بد منه و أقل ما يجزى ان تقول (سبحان ربى العظيم و بحمده) مرة و الفضل في ثلاث أو خمس أو سبع، و ترك الذكر فيه عامدا يفسد الصلاة، ثم يرفع الرأس و يطمئن و لا بد من ذلك.

ثم يسجد على سبعة أعضاء فريضة: الجبهة و اليدين و عيني الركبتين [1] و طرف أصابع الرجلين لا يترك شيئا من ذلك مع الاختيار، و الإرغام بالأنف سنة مؤكدة، و الذكر في السجود لا بد منه أيضا و أقل ما يقتصر أن يقول: (سبحان ربي الأعلى و بحمده) مرة واحدة، و ثلاث أفضل، و أفضل منه خمس أو سبع، و ترك الذكر فيه عامدا يبطل الصلاة.

ثم يرفع رأسه و يتمكن، لا بد من ذلك، ثم يعود الى السجود ثانيا و يسجد كما سجد أولا و قد بيناه، ثم يرفع رأسه فإن جلس ثم قام كان أفضل، فإن قام من السجود أجزأه و يصلى ركعة ثانية بالصفة التي ذكرناها.

و يستحب له إذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية و أراد الركوع ان يقنت قبل الركوع في جميع الصلوات فرائضها و نوافلها و آكدها في الفرائض و آكد الفرائض في صلاة الغداة و المغرب فان تركه ساهيا قضاه بعد الركوع، فان تركه متعمدا لم تبطل صلاته غير ان يفوته ثواب فعله و أقل ما يجزى من القنوت ان يقول ثلاث تسبيحات

____________

[1]- في الأصل: ركبتين.

148

و أفضله كلمات الفرج و هي: لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم لا إله إلا اللّٰه العلي العظيم سبحان اللّٰه رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن و رب العرش العظيم و صلى اللّٰه على محمد و آله الطاهرين و ان اقتصر على قوله (رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم) أو غيره من ألفاظ الدعاء كان جائزا.

فإذا جلس للتشهد فيستحب ان يجلس متوركا و لا يقعد على رجليه.

و أقل ما يجزيه من التشهد ان يقول أربعة ألفاظ: الشهادتان و الصلاة على النبي محمد و الصلاة على آله و صفته ان يقول (اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد أن محمدا عبده و رسوله اللهم صل على محمد و آل محمد) و ما زاد على ذلك من الألفاظ فمستحب لا يخل تركه بالصلاة و هذا القدر من التشهد كاف في جميع الصلوات فرائضها و نوافلها في التشهد الأول و الثاني و ان زاد في التشهد الثاني ألفاظ التحيات كان أفضل.

ثم يسلم ان كانت الصلاة ثنائية مثل الغداة تسليمة واحدة يومئ بها الى يمينه و ان كانت ثلاثية مثل المغرب أضاف إليها ركعة و هو مخير في القراءة أو التسبيح على ما بيناه من التخيير بين القراءة و التسبيح.

فإذا سلم عقب عقيب الفرائض بما يسنح له من الأدعية و رغب في تسبيح الزهراء (عليها السلام) و ان لا يخل بذلك في أعقاب الصلوات و هي أربع و ثلاثون تكبيرة و ثلاث و ثلاثون تحميدة و ثلاث و ثلاثون تسبيحة ثم يصلى بعد ذلك على النبي و آله و على الأئمة واحدا واحدا و يقول اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك و أعوذ بك من كل شر أحاط به علمك و أسألك عافيتك في أموري كلها و أعوذ بك من خزي الدنيا و عذاب الآخرة.

و يستحب ان يقول عقيب التسليم (لا إله إلا اللّٰه إلها واحدا و نحن له مسلمون لا إله إلا اللّٰه و لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين و لو كره المشركون، لا إله إلا اللّٰه وحده وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و أعز جنده و غلب الأحزاب وحده، فله الملك و له الحمد يحيى و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير).

ثم يسبح تسبيح الزهراء (عليها السلام) على ما بيناه و يدعو بالدعاء

149

الذي ذكرناه، و ان أضاف الى ذلك ثلاثين مرة (سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر) كان له فضل كبير ثم يقول (اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم) و يستحب ان يقول عقيب صلاة الظهر: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك و عزائم مغفرتك و الغنيمة من كل بر و السلامة من كل اثم و الفوز بالجنة و النجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبا الا غفرته و لا هما الا فرجته لا سقما الا شفيته و لا عيبا الا سترته و لا رزقا الا بسطته و لا خوفا الا أمنته و لا سوءا الا وقيته و لا حاجة هي لك رضى و لي فيها صلاح الا قضيتها يا ارحم الراحمين آمين رب العالمين.

و ان كان عقيب صلاة العصر قال بعد التعقيب الذي ذكرناه (اللهم صل على محمد و آل محمد الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك و بارك عليهم بأفضل بركاتك [1] و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته) و يدعو بما يحب.

و ان كان عقيب صلاة المغرب فإنه يستحب الاقتصار على تسبيح الزهراء فإذا صلى الأربع ركعات نوافلها عقب بعدها بما أراد و زاد في الدعاء ما اختار، و يستحب ان يقول عقيب المغرب (بسم اللّٰه الذي لا إله الا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و السقم و العدم و الصغار و الذل و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن) و يقول عقيب العشاء الآخرة: اللهم بحق محمد و آل محمد لا تؤمنا مكرك و لا تنسنا ذكرك و لا تكشف عنا سترك و لا تحرّمنا فضلك و لا تحلل علينا غضبك و لا تباعدنا من جوارك و لا تنقصنا من رحمتك و لا تنزع عنا بركتك و لا تمنعنا عافيتك و أصلح لنا ما أعطيتنا و زدنا من فضلك المبارك الطيب الحسن الجميل و لا تغير ما بنا من نعمتك و لا تؤيسنا من روحك و لا تهنّا بعد كرامتك و لا تضلنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب، اللهم آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ.

و ان كانت صلاة الغداة قال بعد التعقيب بما مضى (اللهم انك تنزل في الليل و النهار ما شئت، فانزل على و على إخواني و أهلي و أهل حزانتي من رحمتك و رضوانك و مغفرتك و رزقك الواسع على ما تجعله قوة لديني و دنياي يا أرحم

____________

[1]- في الأصل: من بركاتك بأفضل بركاتك.

150

الراحمين اللهم افتح لي و لأهل بيتي بابا من رحمتك و رزقا من عندك، اللهم لا تحصر على رزقي و لا تجعلني محارفا و اجعلني ممن يخاف مقامك و يخاف وعيدك و يرجو لقاءك و اجعلني أتوب إليك توبة نصوحا و ارزقني عملا متقبلا و عملا نجيا و سعيا مشكورا و تجارة لن تبور).

فإذا فرغ من التعقيب سجد سجدة الشكر و يكون فيها ملقيا على جبهته بالأرض يقول فيها ثلاث مرات (شكرا للّٰه) و ان قال ذلك مائة مرة كان أفضل.

و اما صلاة الليل فوقتها بعد انتصاف الليل و كل ما كان أقرب الى الفجر كان أفضل، و القراءة فيها ما تختاره و قد قدمنا القول في ذلك.

فاما الوتر فإنه يستحب ان يطول الدعاء فيها ان امكنه فان لم يمكنه دعا بما تمكن منه و الأدعية في ذلك غير محصورة و أفضل ما روى في ذلك ان يقول (يا اللّٰه ليس يرد غضبك الا حلمك و لا ينجي من نقمتك الا رحمتك و لا ينجي منك الا التضرع إليك فهب (لي) يا الهى من لدنك رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك بالقدرة التي تحيي بها ميت العباد و بها تنشر جميع من في البلاد و لا تهلكني غما حتى تغفر [1] لي و ترحمني و تعرفني الاستجابة في دعائي و أذقني طعم العافية إلى منتهى أجلي الهى إن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني و ان رفعتني فمن ذا الذي يضعني و ان أهلكتني فمن ذا الذي يحول بيني و بينك أو يعترض عليك في أمري، و قد علمت يا إلهي ان ليس في حكمك ظلم و لا في نقمتك عجلة انما يعجل من يخاف الفوت و انما يحتاج الى الظلم الضعيف و قد تعاليت يا الهى عن ذلك علوا كبيرا فلا تجعلني للبلاء غرضا و لا لنقمتك نصبا و مهّلني (و نفسني) و أقلني عثرتي و لا تتبعني ببلاء على اثر بلاء، فقد ترى يا رب ضعفي و قلة حيلتي، أستجير بك الليلة فأجرني و أستعيذ بك من النار فأعذني و أسألك الجنة فلا تحرمني).

و مهما زاد في الدعاء كان أفضل، و يستغفر اللّٰه سبعين مرة يقول (استغفر اللّٰه و أتوب إليه) ثم يركع فإذا رفع رأسه قال (الهى هذا مقام من حسناته نعمة منك و سيئاته بعمله و ذنبه عظيم و شكره قليل و ليس لذلك الا عفوك و

____________

[1]- في أصل: تغفره.

151

رحمتك فإنك قلت في محكم كتابك المنزل على نبيك المرسل كٰانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مٰا يَهْجَعُونَ وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ طال هجوعي و قلّ قيامي و هذا السحر و انا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا) و يخر ساجدا فإذا سلم قام فصلى ركعتي الفجر فإذا صلاهما سبح بعد هما تسبيح الزهراء (عليها السلام) ثم اضطجع على يمينه و قال: استمسك بعروة اللّٰه الوثقى التي لا انفصام لها و اعتصمت بحبل اللّٰه المتين و أعوذ باللّه من شر فسقة العرب و العجم و أعوذ باللّه من شر فسقة الجن و الانس، آمنت باللّه توكلت على اللّٰه و ألجأت ظهري الى اللّٰه و فوضت أمري الى اللّٰه و من يتوكل على اللّٰه فهو حسبه ان اللّٰه بالغ امره قد جعل اللّٰه لكل شيء قدرا حسبي اللّٰه و نعم الوكيل اللهم من أصبحت حاجته الى مخلوق فإن حاجتي و رغبتي إليك الحمد لرب الصباح الحمد لفالق الإصباح ثلاثا ثم يقرأ من آخر آل عمران (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- إلى قوله- إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ) فان لم يتمكن من الاضطجاع جاز بدلا من [1] السجود أو قال ذلك ماشيا أو قائما أو قاعدا.

و يستحب ان يقول الإنسان في كل غدوة و عشية (اللهم انه لم يمس أحد من خلقك و لا أصبح و أنت إليه أحسن صنيعا و لا له أدوم كرامة و لا عليه أبين فضلا و لا به أشد حياطة و لا عليه أشد تعطفا منك على و ان كان جميع المخلوقين يعددون من ذلك مثل تعديدي فاشهد يا كافي الشهادة فانى أشهدك بنية صدق بان لك الفضل و الطول في إنعامك على مع قلة شكري لك فيها صلّ على محمد و آل محمد و طوقني أمانا من حلول السخط لقلة الشكر و أوجب لي زيادة من إتمام النعمة بسعة المغفرة امطرنى خيرك فصل على محمد و آل محمد الأتقياء و لا تقايسني بسوء سريرتي و امتحن لرضاك و اجعل ما أتقرب به إليك في دينك خالصا و لا تجعله للزوم شبهة أو فخر أو رياء يا كريم).

و يستحب ان يقول الإنسان في كل غداة و عشية عشر مرات (لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيى و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير

____________

[1]- كذا في الأصل و الظاهر «منه».

152

و هو على كل شيء قدير).

و يقول أيضا عشر مرات (ما شاء اللّٰه لا قوة إلا باللّه).

قد أتيت بجمل من القول فيما رامه و تحريت الاختصار حسب ما آثره و لم أطول القول فيه فيمله و أرجو ان يكون موافقا لإرادته ملائما لغرضه فإن أراد بسطا فلي مختصر في الجمل و العقود في العبادات أزيد من هذا و ان أراد بسطا ففي كتاب النهاية و من أراد التفريع و المسائل الغامضة رجع الى كتاب المبسوط يجد من ذكر (الفروع) ما لا مزيد عليه ان شاء اللّٰه.

و اسأل اللّٰه ان يجعل ذلك خالصا لوجهه (و ان) ينفعنا و إياه في العمل بمتضمنه [1] واجدين بذلك القربة ان شاء اللّٰه تعالى و به الثقة و به نستعين و صلى اللّٰه على سيدنا محمد و آله أجمعين.

فرغ من نسخه لنفسه العبد المذنب الجاني محمد بن رجب علي الطهراني [2] غروب يوم السبت التاسع من ذي القعدة من سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة بعد الألف في الغري على ساكنه السلام.

____________

[1]- في الأصل: لمتضمنه.

[2]- هو العلامة المحدث الشيخ ميرزا محمد العسكري الطهراني نزيل سامراء المتوفّى بها في عام 1371 و كان (رحمه اللّٰه) شيخ اجازة المشايخ المتأخرين و له عدة مؤلفات منها مستدرك على كتاب بحار الأنوار و كانت له مكتبة فيها من نفائس المخطوطات.

153

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

154

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}