الرسائل العشر (للشيخ الطوسي)

- الشيخ الطوسي المزيد...
336 /
305

ليس يبيع فيكون بيع دين بدين و ذلك لا يجوز.

مسألة: عن رجل وكل رجلا أن يبيع له ضيعة،

فمضى و باع ضيعته بدينار معلوم، فقال الموكّل: إنّما جعلت لك بيع نصف ضيعتي بهذا الثمن! فقال الوكيل: بل جعلت الىّ بيع الجميع بذلك، و لم يكن لأحدهما بيّنه ما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

على الوكيل أن يقيم البيّنة أنّه أذن له بيع جميع الضيعة، و إلّا فالقول قول صاحب الضيعة مع يمينه، و يكون الوكيل ضامنا عند ذلك.

مسألة: عن آدم (عليه السلام) لما أقسم له إبليس

انّ اللّٰه تعالى لم ينهه و زوجته أن يأكلا من الشجرة إلّا ليكونا ملكين أو يكونا من الخالدين كيف أصغى إلى قبول يمينه و اللّٰه تعالى يخبره بعداوته له؟ و كيف ذهب عليه بأنّه أفضل من الملائكة إذ كان اللّٰه قد أسجدهم له تشريفا و تكريما عليهم، و كيف ذهب عليه أنّ بقاءه في الجنة إن بقي فيها مصلحة له، و أنّ خروجه عنها إن اخرج منها كذلك، و أنّ اللّٰه لا يفعل به إلّا الأصلح، فيكون ذلك أجمع مانعا له من قبول قوله.

ما العذر له في ذلك؟ و الكلام فيه على الاختصار؟.

الجواب:

آدم (عليه السلام) و إن كان عالما بعداوة إبليس له يجوز أن يظنّ أنّه لا يقدم على اليمين باللّٰه كاذبا، لأن كثيرا من الفسّاق قد يرتدعون و يحجمون عند الإقدام على اليمين باللّٰه [كاذبا] و إن فعلوا كثيرا من الأفعال القبيحة.

و أمّا علمه بأنّ اللّٰه تعالى لا يفعل إلّا ما هو مصلحة لا يمنع من أن يجوز أن مصلحته تتعلّق بالخلود في الجنّة بشرط أن يأكل من الشجرة، و متى لم يأكل منها فإنّ المصلحة تقتضي إخراجه فآثر الخلود فيها بالبشريّة و الطبع، و إن كان في الحالين يفعل اللّٰه تعالى ما هو مصلحة له فيه عن [2] بقاء الخلود و النعيم و لم يؤثر دار البلاء و الشقاء.

مسألة: عن موسى (عليه السلام)، حيث أمره اللّٰه تعالى بالذهاب إلى فرعون

و ملأه فقال «وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخٰافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» (3) كيف [و] يعلم أنّ اللّٰه

____________

[1]- عن ظ.

[2]- من ظ.

____________

(3)- سورة الشعراء الآية: 14.

306

تعالى ما بعثه إليهم إلّا و هو عاصم له من القتل، و إلّا كان نقضا للغرض.

الجواب:

موسى (عليه السلام) و إن كان عالما بأنّ اللّٰه يمنع من قتله فإنّما يعلم أنّه يمنع منه حتّى يؤدّي الرسالة، فإذا أدّى جاز أن يمكّنهم اللّٰه من ذلك و يخلّى بينهم و بين قتله، فموسى خاف أن يقتل بعد أداء الرسالة و دعائهم إلى اللّٰه لا قبل الأداء، و يجوز أن يكون أراد بذلك تعذيبه و إيلامه الذي يشبه القتل فسمّاه قتلا مجازا، كما يقال في من ضرب غيره ضربا وجيعا أنّه قتله.

مسألة: عن قول اللّٰه لنبيّه:

«فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلٰاءِ شَهِيداً (1) و قوله تعالى «يَوْمَ يَجْمَعُ اللّٰهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مٰا ذٰا أُجِبْتُمْ قٰالُوا لٰا عِلْمَ لَنٰا» (2) و هو متناقض في ظاهره و التناقض لا يجوز على اللّٰه تعالى فما تأويل ذلك؟.

الجواب:

لا تناقض بين الآيتين، لأنّ قوله «فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ» (3) المراد به من يشهد بما أظهروا من كفر و إيمان و كذلك في نبيّنا (صلّى اللّٰه عليه و آله) يشهد على أمّته في ما ظهر منهم و قوله [1] «لٰا عِلْمَ لَنٰا» معناه لا علم لنا ببواطنهم و ما أضمروه و كذلك [2] قالوا «إِنَّكَ أَنْتَ عَلّٰامُ الْغُيُوبِ». (6)

مسألة: عن قول النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«أنا سيّد ولد آدم و علىّ بعدي»، [3] و قوله: «أنا سيّد الأنبياء و علىّ سيّد الأوصياء» [4] و هذا من التناقض البيّن، و هو لا يجوز عليه- إن صحّت الروايتان- فما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

لا تناقض بين الخبرين [و الخبران] صحيحان، لأنّ قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «انا سيّد ولد آدم» تفضيل لنفسه على جميع بنى آدم و في الخبر الأخير فضّل نفسه على الأنبياء كلها و الأنبياء إذا كانوا أفضل من أممهم و هو أفضل منهم فهو أفضل بنى آدم مثل ما قال في الخبر الأوّل و أمّا قوله: «و على

____________

[2]- و لذلك. ظ.

[3]- راجع غاية المرام للبحرانى ص 448.

[1]- و قولهم. ظ.

[4]- راجع غاية للبحرانى ص 618- 621.

____________

(1)- سورة النساء الآية: 41.

(2)- سورة المائدة، الآية، 109.

(3)- سورة النساء، الآية: 41.

(6)- سورة المائدة، الآية 109.

307

بعدي» من أصحابنا من يقول: إنّه أفضل من سائر الأنبياء بعد النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الخبر على ظاهره، و يكون قوله في الخبر الآخر: و «على سيّد الأوصياء» لا يدلّ على أنّه ليس سيّدا لغير الأوصياء إلّا بدليل الخطاب الذي هو ليس بصحيح، و من فضّل بعض الأنبياء أو جميعهم عليه يقول: أخصّ الخبر و لا أحمله على عمومه.

مسألة: عن موسى (عليه السلام) و قد أمره بإلقاء العصا

و انقلبت حية و توليه مدبرا كما حكى اللّٰه تعالى، و علام خاف [1] أن يفعل اللّٰه سبحانه به ضررا؟ فهذا الاعتقاد لا يجوز عليه و إن كان اللّٰه تعالى يريد به فعل الضرر فكيف ينجيه منه الهرب و لم يعلم أنّ انقلاب العصا عن الجماديّة إلى الحيوانيّة دليل له على نفسه في أنّه تعالى يريد بذلك إبانته [2] من غيره بالمعجز الذي أظهره على يديه دلالة أيضا لغيره عليه، فيكون ذلك مانعا من التولية و الهرب، ما الكلام في ذلك على الاختصار؟.

الجواب:

لم يشكّ موسى في [ان] انقلاب العصا حيّة أنّه دالّ على نبوّته و أنه معجز له و لم يترقب [3] بذلك و إنّما خاف بالبشريّة من الثعبان لأنّ البشر بطبعهم ينفرون عن هذا الجنس و إن علموا أنّه يصل إليهم منه خير إلى أن رجعت نفسه إليه و ثبتت. [4]

مسألة: عن قول اللّٰه سبحانه:

«فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ..» (5) و العذاب هو الألم و المضارّ، و الأموال و الأولاد يعقبان الملاذّ و المسارّ فكيف يكون ذلك عذابا؟.

الجواب:

قيل في هذه الآية وجوه من التأويل ذكرناها في كتاب التفسير (6):

____________

[1]- في الأصل: أخاف.

[2]- في الأصل: اسانته.

[3]- كذا في نسخة خ، و في نسخة ن: و لم يترتب، و الظاهر: و لم يرتب.

[4]- و ثبّت.

____________

(5)- سورة التوبة، الآية: 55.

(6)- راجع التبيان 5- 238.

308

منها أنّ الآية فيها تقديم و تأخير، و تقديرها فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم في الحياة الدنيا إنّما يريد اللّٰه ليعذّبهم بها و تزهق أنفسهم، فيكون «فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» ظرفا لقوله «فَلٰا تُعْجِبْكَ» لا لقوله «لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا».

و قيل أيضا: إنّ هذه الأموال و الأولاد إذا كان عاقبتهما الى الهلاك و العقاب يجرى مجرى العقاب.

و قيل: إنّ اللّٰه إذا حكم بأن أخذها منهم غنيمة فمتى أخذت كان ذلك عذابا عليهم.

مسألة: عن شعيب (عليه السلام) كيف استجاز أن يرعى بناته

و ذلك فعل مستقبح من رعيّته فكيف منه (عليه السلام)، ما وجه العذر في ذلك؟.

الجواب:

العادات في ذلك مختلفة، و إنّما يستقبحها الناس اليوم كما استقبحوا في ذوي الأقدار من الرجال أن يرعوا مواشيهم بنفوسهم و إن فعله موسى (عليه السلام) و كثير من الأنبياء، و لا يمتنع أن تكون عاداتهم بخلاف عاداتنا.

و قيل إنّ شعيبا كان منقطعا إلى بريّة لم يكن فيها من يرعى له بأجرة فاحتاج ما يصلح شأنه من معيشته و لم يكن يتأتّى له في ذلك، لأنه قيل إنّه كان أكمه فرعى بناته غنمه ليكون قوتهم من ذلك.

مسألة: عن إهلاكه تعالى من أهلك من الأمم الماضية بالمثلات

و فيهم الصبيان و المجانين و هو تعالى إنّما يفعل ذلك للعقاب و هؤلاء لا ذنب [1] لهم فيستحقّون بها عقابا، فما الوجه في ذلك؟.

الجواب:

من أهلك مع المجرمين من الصبيان و المجانين يفعل بهم ذلك امتحانا، أو يعوّضهم اللّٰه على ذلك و يكون فيه خيرا للمكلّفين، و كذلك قال اللّٰه تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (2) و الفتنة هي الاختبار.

مسألة: عن سلمان و أبى ذر و المقداد و عمّار و

غيرهم من المنتجبين، هل كانوا في جملة المنهزمين يوم أحد و حنين أو لم يحضروا ذلك المكان؟.

الجواب:

يجوز أن يكونوا لم يحضروا ذلك المكان لبعض الأعذار فإنّه

____________

[1]- في نسخة ن: لا ذنوب لهم.

____________

(2)- سورة الأنفال، الآية: 25.

309

ما مرّ بي أسماؤهم في السير، و لو حضروا لم يمتنع أن يفرّوا إلّا ما ثبت عصمتهم و إن كانوا خيارا منتجبين في ما بعد ذلك الوقت.

مسألة: ذلك عنهم هل كانوا في جملة المتأخرين عن الصّدقة

لمّا نزلت آية النجوى؟ (1) فقد وردت الرواية (2) انّه لم يتصدّق يومئذ إلّا أمير المؤمنين (عليه السلام).

الجواب:

لا خلاف أنّه لم يتصدّق غير أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام) و لا يمتنع أن يكون هؤلاء لم يتمكّنوا في الحال من شيء يتصدّقون به ثمّ نسخ عقيب ذلك، أو لم يعرض لهم سؤال يختارون أن يستسرّون به فيحتاجون إلى تقديم الصّدقة، و انّ الآية نزلت في من أراد مناجاته سرّا من أصحابه.

مسألة: عن الرجل يجعل لغيره جميع ملكه من ضيعة و دار

و غير ذلك على أن يكفل به مدّة حياته، فهل يصح الملك بهذا الشرط أم الشرط فاسد و إن صحّ و مات الكافل قبل المتكفّل به ما الحكم في ما أنفق عليه؟ و ما الجواب عن الأمرين جميعا إن كان الشرط صحيحا؟.

الجواب:

هذا الشرط فاسد و الملك على أصله لمالكه و من [1] أنفق عليه له أن يرجع به على من أنفقه (عليه) و يطالبه به.

مسألة: عن الرجل يجتمع عليه صيام نذر و كفّارة

و قضاء شهر رمضان بأيّهما [2] يبدأ؟

الجواب:

يبدأ بأيهما [3] شاء، لأنّ الجميع في ذمّته، و ليس يتعيّن تقديم بعضه على بعض.

مسألة: عن الرجل يموت و له ابنان ولدا توأما

و كلاهما عاقلان رضيّان أيّهما أحقّ بالصلاة عليه؟ و أيّهما يقضى عنه ما فاته من صلاة و صيام؟.

الجواب:

هما بالخيار، أيّهما [4] شاء تقدّم، و إن تنازعا أقرع بينهما، و كذلك يقضى عنه الصوم بالحصص أو يتكفّل أحدهما به.

____________

[2]- كذا.

[3]- كذا.

[1]- و ما أنفق عليه: ظ.

[4]- في الأصل: أيّها.

____________

(1)- سورة المجادلة، الآية: 12.

(2)- راجع نور الثقلين 5- 264- 265.

310

و إن قلنا: إنّ من ولد [أولا] هو الأكبر فيقدم كان جائزا، و قد روي (1) «انّ الذي ولد أخيرا هو الأكبر لأنّه حمل به أوّلا و الثاني دخل عليه فمنعه من الخروج أولا لكن هذه رواية شاذة.

مسألة: عن الرجل يكون [1] مهر لامرأته

و له ولد صغار من غيرها فيعمد إلى جميع ملكه فيتصدّق به على ولده فرارا من المهر، أ تصحّ الصدقة أم هي باطلة من أجل الفرار؟.

الجواب:

إذا تصدّق بملكه على ولده الصغار و وقفه عليهم ثبتت الصدقة، و المهر في ذمّته يلزمه الوفاء به، و يطالب به إلى أن يخرج منه.

مسألة: و عن المرأة تبرئ زوجها من حقّها قبله

في صحة أو مرض، ما الحكم في الأمرين؟.

الجواب:

إبراؤها صحيح في حال صحّتها بلا خلاف، و أمّا في مرضها الذي تموت فيه فإنّه يكون من ثلثها.

مسألة: عن الرجل يقتل عمدا و له ولد صغار،

ما الحكم في القود، و من الذي يقوم به؟.

الجواب:

إذا لم يكن غير الأولاد الصغار و لم يكن فيهم بالغ وقف القود إلى بلوغها أو بلوغ بعضهم فتحكم حينئذ بحسب ذلك.

مسألة: عن الرجل يقتل عمدا، و له ولد صغار و كبار،

للكبار أن يقيدوا القاتل بآبائهم [2] أم ليس لهم ذلك حتّى يبلغ الصغار؟.

الجواب:

للكبار أن يقتلوا بآبائهم [3] إذا ضمنوا حصّة الصغار من الدية متى بلغوا و لم يختاروا القود، و إن لم يضمن [4] حصّتهم من الدية لم يكن لهم القود بحال.

مسألة: عن الزوج هل له اشتراك مع الأولياء في القود

إذا قتلت امرأته أم ليس له إلّا قسط من الدية إذا وقع على الاصطلاح و كذلك السؤال في المرأة إذا

____________

[1]- يكون عليه: ظ.

[3]- بأبيهم. ظ.

[2]- بأبيهم. ظ.

[4]- كذا.

____________

(1)- الوسائل، أبواب أحكام الأولاد، الباب 99، نقلا من الكافي و التهذيب.

311

قتل زوجها.

الجواب:

ليس للزوج المطالبة بالقود، إنّما له المطالبة بنصيبه من الدية إذا قتلها الأولياء و هكذا الجواب في المرأة إذا قتل زوجها سواء.

مسألة: عن الرجل يكون عليه الدين و ليس له مال

و يكون لولده أ له أن يأخذ من مال ولده ما يقضى دينه إن لم يؤثر ذلك؟.

الجواب:

ليس له أن يأخذ من مال ولده ما يقضى دينه، و إنّما له أن ينفق على نفسه بالمعروف إذا اضطرّ إليه و امتنع الولد من الإنفاق عليه.

مسألة: عن الصابئة و الوثنية و الثنويّة و الدهريّة،

ما الحكم فيهم إذا قتلوا؟

فإنّ اليهود و النصارى و المجوس قد جاء الحكم بالتوقف [1] فيهم، فما الحكم في هؤلاء، أ تبطل دماؤهم إذا قتلوا، و ما القول في ذلك؟.

الجواب:

لا دية لواحد من هؤلاء، و إنّما الدية لمن تعقد له الذمّة من الفرق الثلاثة: أهل الكتابين و المجوس.

مسألة: عن الأب، إذا قتل ابنه عمدا و ندم على ذلك

و أراد التوبة من فعله، هل يجب عليه شيء يفعله يخرج به من المطالبة إذا كان لا يقاد [2] الأب بابنه و ما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

إن كان للولد المقتول ولىّ من ولد أو إخوة أو غيرهم ممّن يرث ديته كان على الأب أن يعطيهم الدية ثمّ يتوب في ما بينه و بين اللّٰه و يكفّر كفّارة القتل.

مسألة: عن الرجل إذا كان له قبل رجل مال فوهبه له

أ يجوز [له] الرجوع فيه أم لا؟.

الجواب:

إنّ الموهوب له إن كان أجنبيّا و لم يتعوّض من هبته بشيء كان له الرجوع فيه، و إن تعوّض منه بقليل أو كثير لم يكن له الرجوع فيه.

مسألة: عن الرجل إذا اجترم ما يوجب عليه اعادة الحجّ

فحجّ و اجترم الحجّة الثانية ما اجترمه في الأولى، أ يجب عليه من الإعادة ما وجب عليه في الحجّة الأولى؟.

____________

[1]- في نسخة ن: بالتوقيف.

[2]- في الأصل: لا أن يقاد.

312

الجواب:

الظاهر يقتضي أنّه كلّما أفسد حجّته يجب عليه المضي فيها ثمّ قضاؤها، سواء كانت الحجّة الأولى أو الثانية أو الثالثة و ما زاد عليه.

مسألة: عن الصبيّ الصغير إذا عقد على نفسه نكاحا عند رجل

و فرض المهر فلما بلغ، أبى ذلك العقد، هل يثبت العقد إذا أجازه الأب و يكون المهر المفروض عليه دون الابن؟ و ما لحكم في ذلك؟.

الجواب:

إذا أجازه الأب كان جائزا و المهر من مال الابن إن كان له مال- فإن لم يكن له مال كان المهر على الأب.

مسألة: عن الرجل يصلّى عريانا فيجاء إليه بثوب

و قد كبّر تكبيرة الافتتاح أو يكون قد ركع، هل يكون حكمه كحكمه إذا صلّى بتيمّم ثمّ وجد الماء ما الحكم فيه؟.

الجواب:

إذا جاءه الثوب يستر به العورة و يتمّ صلاته، و لا يجب عليه استيناف الصلاة، و إن لم يستر به العورة بطلت صلاته، بخلاف المتيمّم الذي يلزمه المضيّ في صلاته بتيمّم.

مسألة: عن الأمة تدخل في صلاتها بغير قناع على رأسها

ثمّ تعتق و يجاء إليها بقناع ما حكمها في ذلك؟.

الجواب:

هذه المسألة نظيرة الأولى، يجب عليها أن تقنع رأسها و تتمّ صلاتها و لا يلزمها الاستيناف.

مسألة:

عن قول اللّٰه تعالى «إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا» (1) و السماوات و الأرض و الجبال جمادات لا يصحّ العرض عليهنّ و لا يقع منهنّ إباء يحكم [1] ذكره عنهنّ و يضاف إليهن فما الكلام في ذلك؟ و ما الأمانة المذكورة في الآي؟.

الجواب:

الأمانة، المراد بها التكليف، و ما أوجب اللّٰه على المكلّفين، و المراد بالسماوات و الأرض أهلها: كما قال «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (3) و أراد أهلها و لم

____________

[1]- كذا في الأصل و لعلّ الصحيح: يصحّ.

____________

(1)- سورة الأحزاب، الآية: 72.

(3)- سورة يوسف الآية: 82.

313

يتوجّه العرض إلى الجمادات.

و قيل: المراد تعظيم الأمر في الأمانة و تفخيمه، فإنّ السماوات و الأرض لو كانتا ممّا يعرض عليها الأمانة و عرضت لامتنعت من قبولها لعظيم المشقّة فيها و حملها الإنسان كما قال «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبٰالُ» (1) و المراد لو أن قرآنا سيّرت به الجبال لعظم محلّه و جلالة موقعه لكان هذا القرآن.

و روى أصحابنا أنّ المراد بالأمانة الولاية لمن أوجب اللّٰه علينا ولايته (2) و هذا داخل في الوجه الأوّل، لأنّ التكليف قد اشتمل عليه و لا يجوز تخصيصه.

مسألة: عن قوله تعالى «وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ»

(3) و الحشر إنّما يكون لمن يستحقّ الثواب و العقاب، و البهائم غير مكلّفة، ثمّ لم اختصّت بالحشر دون غيرها من الحيوان.

الجواب:

الحشر يكون لمستحقّ الثواب و العقاب و ذلك يختصّ المكلّفين. و يكون أيضا لكلّ حيوان له عوضا [كذا] على الألم الذي دخل عليها، فإنّ اللّٰه تعالى لا بدّ أن يعوّضه و إن لم يكن مستحقّا لثواب أو عقاب.

مسألة: عن قوله تعالى:

«وَ إِنَّ مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمٰاءُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ» (4) فقسمها قسمين و خصّهما بوصفين و الهبوط من الخشية لا يكون إلّا من العقلاء المكلفين فما تأويل ذلك؟.

الجواب:

المراد بهذه الآية عظم قساوة قلوب الكفّار و شدّة عنادهم فشبّه ذلك بالحجارة في صلابتها و انّها مع صلابتها قد تلين في بعض الأحوال و تنشقّ فيخرج منها الماء بأمر اللّٰه تعالى، و قلوب الكفّار لا تلين و لا ترجع عمّا هي عليه فصارت كأنها أصلب من الحجارة.

و قوله مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ معناه أنّها لا تمنع من فعل اللّٰه و لا يتعذّر عليه الفعل فيها فكأنّها خافته و خشيته فإن طاعت له [1] كما قال للسماوات و الأرض

____________

[1]- كذا في النسختين، و لعلّ الصحيح: فانطاعت له.

____________

(1)- سورة الرعد، الآية: 31.

(2)- راجع نور الثقلين 4- 309- 314.

(3)- سورة التكوير، الآية: 5.

(4)- سورة البقرة، الآية: 74.

314

«ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ» (1) و المراد ما قلناه من تسهل الفعل بلا مشقّة.

مسألة: عن الملائكة إذا كانوا مكلّفين توحيد القديم

سبحانه و معرفة عدله و وعده و وعيده و تقديسه و تسبيحه و تمجيده و استحقّوا على هذا التكليف الثواب فهل ينتقلون عن طبائعهم التي هم عليها إلى طباع غيرها و يدخلون الجنّة فينالون فيها الملاذّ؟.

الجواب:

لا بدّ لهم من الثواب في مقابلة تكليفهم و يجوز أن يكون ثوابهم في سرور يصل إليهم و يدخل عليهم دائما فيسرّون و يلتذّون به و يجوز أن ينقلهم اللّٰه إلى طبع آخر و يركب فيهم شهوات الأكل و الشرب و لا يمنع منه مانع و اللّٰه أعلم بتفصيل ذلك.

مسألة: عن الرجل الأجنبي إذا اشترى شفعة ضيعة و الشفيع غائب،

و غرس فيها نخلا و أشجارا، ثمّ قدم الشفيع فطالب بالشفعة، ما الحكم في ما حصل في الضيعة من النخل و الأشجار؟.

الجواب:

للشفيع أن يطالب بالشفعة و يلزمه أن يردّ معه الثمن قدر ما أنفق عليه من قيمة الأشجار و الغروس و ما فيه، لأنّ المشتري أحدث ذلك في ملكه الصحيح.

مسألة: عن معنى قول الشيخ الجليل المفيد

رضى اللّٰه عنه في الجزء الثاني من الرسالة المقنعة: «و إذا اقترن إلى البيع اشتراط في الرهن أفسده، و ان تقدّم أحدهما صاحبه حكم له دون المتأخّر» [1]. ما الذي أراد؟.

الجواب:

معناه إذا باعه إلى مدّة مثل الرهن كان البيع فاسدا و إن باعه مطلقا ثمّ شرط أن يردّه عليه إلى مدّة إن ردّ عليه الثمن كان ذلك صحيحا يلزمه الوفاء به لقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (3).

مسألة: عن قول اللّٰه تعالى:

____________

[1]- المقنعة ص 98، و فيه: «كان الحكم له» مكان «حكم له».

____________

(1)- سورة فصلت الآية: 11.

(3)- الوسائل، أبواب المهور، الباب 20، الحديث الرابع نقلا من التهذيب و الكافي.

315

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» (1) فما هذه الأشياء التي منع المؤمنون من سؤالها ثمّ أذن لهم عند نزول الكتاب فقال تعالى «وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهٰا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ»؟ (2) و من القوم الذين سألوها ثمّ أصبحوا بها كافرين؟. (3)

الجواب:

هذه الآية إنّما نزلت في إنسان كان يسأل سؤال تعنّت حتّى سأل عن أبيه الذي ينسب إليه هل هو ابنه على الحقيقة؟ فأوحى اللّٰه تعالى إلى النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) انّه لغيره و انّه ولد على فراشه، فساءه ذلك فنهى اللّٰه المؤمنين عن سؤال مثل ذلك ممّا لا يعنيهم. (4)

مسألة: عن قوله تعالى:

«وَ مٰا مَنَعَنٰا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيٰاتِ إِلّٰا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ» (5) فما هذه الآيات التي منع منها (6) التكذيب من إرسالها؟ فإن كانت المعجزات فقد جاء النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) منها بالكثير و لا سيّما القرآن الباقي على الأعقاب.

الجواب:

هذه آيات اقترحوها ذكرها اللّٰه في قوله تعالى «وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهٰارَ خِلٰالَهٰا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقىٰ فِي السَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلّٰا بَشَراً رَسُولًا». (7)

و قالوا له أيضا: و أن حوّل الصفا ذهبا و قالوا له أيضا مثل ذلك إن تذهب جبال تهامة فإنّها قد ضيقت علينا، و ان تحيي لنا عبد المطّلب لنسأله عن صدق قولك فإنّه كان أمينا.

فأخبر اللّٰه تعالى انّه لم يمنعه من إجابتهم إليها الّا أنه لو فعلها و كذّبوا بها وجب استيصالهم كما أنّه لما كذّب بها الأوّلون استأصلهم و ذلك ممتنع في هذه الأمّة لما وعد به.

____________

(1)- سورة المائدة، الآية: 101.

(2)- سورة المائدة، الآية: 101.

(3)- راجع التبيان 4- 37.

(4)- راجع التبيان 4- 36.

(5)- سورة الإسراء الآية: 59.

(6)- كذا.

(7)- سورة الإسراء الآية: 90- 92.

316

مسألة: عن قوله تعالى:

«وَ الْفَجْرِ وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ هَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» (1) و الشيء يتشرّف بعمله و هؤلاء المقسم بهم ممّن لا عمل لهم يشرّفون و لا نعلم عاقلا يعلم بعقله تعظيم هذا القسم و تشريفه إلّا بالسمع فما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

قيل في ذلك قولان:

أحدهما روى عن الأئمة (عليهم السلام) من «أنّ اللّٰه تعالى يقسم بما شاء من خلقه و ليس للعباد أن يقسموا إلّا باللّه تعالى أو بشيء من أسمائه.

و الثاني أن المراد و ربّ الفجر و ليال عشر و ربّ الشفع و الوتر و ربّ الليل إذا يسر. و إنّما حذف اختصارا، و على هذا يكون القسم باللّه تعالى و لا شبهة فيه.

مسألة: عن قوله تعالى:

«وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً» (2) و نحن نعلم أن اللّٰه تعالى لا يفعل لعباده إلّا أصلح الأشياء لهم من طول عمر أو قصره أو صحة جسم أو سقمه أوسعه رزق أو تقتيره فما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

اللام في الآية للعاقبة، و التقدير إنّ عاقبتهم الازدياد من الإثم دون أن يكون غرضه ذلك كما قال «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (3) و ما التقطوه لذلك و لكن كانت عاقبته كذلك، و يقال: «للموت ما تلد الوالدة»، «و لخراب الدهر تبنى المساكن،» و المراد بذلك كلّه العاقبة.

و قال قوم: التقدير: و لا تحسبنّ الذين كفروا إنّما نملي لهم ليزدادوا إثما إنّما نملي لهم خير لأنفسهم، فيكون فيه تقديم و تأخير و على هذا لا شبهة فيه.

مسألة: عن الرواية التي رواها أصحابنا في كتاب المزار:

«لا تبقى جثّة نبيّ و لا وصيّ نبي تحت الأرض أكثر من ثلاثة أيام و في رواية أخرى أربعين يوما حتّى ترفع إلى السماء» [1] و هاتان روايتان متناقضتان، و التناقض لا يجوز على

____________

[1]- راجع الوافي الجزء الثامن ص 196، باب أنّ أبدانهم (عليهم السلام) لا تبقى في الأرض.

____________

(1)- سورة الفجر، الآية: 1- 5.

(2)- سورة آل عمران، الآية: 178.

(3)- سورة القصص، الآية: 8.

317

الأئمة (عليهم السلام). و لو سلمتا من التناقض و كانت غاية واحدة فهناك ما يوجب التناقض أيضا من ورود الرواية «انّ نوحا (عليه السلام) استخرج عظام آدم (عليه السلام) و دفنها بالغري من نجف الكوفة،» (1) و من ينقل بجسمه إلى السماء لا يبقى عظامه في الأرض فما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

هذه أخبار آحاد لا يقطع بها، ثمّ يجوز أن يكون الوجه ان أجسامهم تنقل ما بين ثلاثة أيّام إلى أربعين يوما و لم يعيّن الوقت الذي بينهما.

و أمّا خبر نوح و استخراجه عظام آدم فهو خبر واحد و يحتمل أن يكون المراد بعض عظامه، لأنّ الذي ينقل هو الذي لا يتمّ كون الحيّ حيّا إلّا معه و ذلك الذي يتوجّه إليه الثواب و العقاب، و ما زاد عليه لا يجب إعادته فضلا عن نقله غير أن له حرمة لأجلها نقلت.

مسألة: عن قوله النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة» [1] و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من مات بلا وصيّة مات ميتة جاهليّة» (3) و هذا تفاوت لا يجوز عليه، لأنّ الجهل بالإمام يخرج عن الإيمان، و من صحّ عقيدته و حسنت أعماله، و أخطأ في ترك الوصية لا يخرج بذلك عن الايمان، فما الكلام في ذلك إذا اتفقت العبارتان و اختلفتا في المعنى؟.

الجواب:

الجهل بالإمام كفر و قد استفسروا عنه فقالوا هو ميّته كفروا [2] ضلال.

و أما ترك الوصيّة فالمراد به الموت على عبادة [3] الجاهلية من غير وصيّة لا انّ فاعل ذلك يكون كافرا.

و يحتمل أن يكون المراد: من ترك الوصية رغبة عنها و أنّها ليست مسنونة و لأمر غبّا فيها فانّ من كان كذلك فإنّه يكون كافرا لأنّه ينكر ما هو معلوم

____________

[1]- الكافي 1- 377، و هذا لفظه: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة ..

[2]- في نسخة خ: فهو ميتة كفر.

[3]- كذا في النسختين و لعلّ الصحيح: عادة.

____________

(1)- راجع الوافي، الجزء الثامن ص 207- 208، باب فضل زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالغريّ.

(3)- المقنعة للمفيد ص 102 و الوسائل، أبواب أحكام الوصايا، الباب الأوّل، الحديث الثامن.

318

من شرعه (صلّى اللّٰه عليه و آله) مع ما نطق به القرآن في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ» (1).

مسألة: عن قول اللّٰه عز و جل لنبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله):

«قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ» (2). فان كان المراد بجميع (كذا) قرباه فبقي على العموم و إن كان فيهم الكفّار و الضلال و الفسّاق و الفجّار و من يجب ذمّه و البراءة منه، و مثل هؤلاء لا يسأل النبيّ الأمّة مودّتهم، و إن كان المراد بذلك الأئمة (عليهم السلام) فإنّ الإمام إذا ثبتت إمامته وجبت طاعته و لزمت مودّته، فلا حاجة إلى هذا الأجر، فما الكلام في ذلك.

الجواب:

المراد بذلك مودّة ذوي القربى الذين تجب طاعتهم، و ليس إذا علمنا وجوب طاعتهم بالإمامة و محبتهم علينا [1] لا يجوز أن تجب علينا محبّتهم و قد قال اللّٰه تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ» (4) و إن كنّا علمنا وجوب طاعة اللّٰه و رسوله بالعقل و العلم المعجز.

و ليس يمتنع أن يكون المراد جميع أهل البيت و أنّه تجب علينا محبّتهم و مودّتهم لمكان نسبهم و إن وجب علينا أن نبغضهم لمكان فسقهم و عندنا تجتمع المحبّة في شخص واحد على إيمانه و طاعته مع البغض له على فسقه و معاصيه و إنّما يخالف فيه أصحاب الوعيد من المعتزلة و غيرهم [2].

مسألة: عن قوله تعالى «الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ»

(6) ما عنى بذلك؟.

الجواب:

هذه الآية نزلت على سبب، و ذلك أن أصحاب النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أصابوا قوما في الشهر الحرام فغلب عليهم المشركون فقال اللّٰه تعالى: قد سبقتم أنتم إلى انتهاك حرمة هذه الأشهر فقوبلتم عليها، و كذلك [3] بعد ذلك

____________

[1]- في الأصل: عليها.

[2]- الوعيديّة هم القائلون بتكفير صاحب الكبيرة و تخليده في النار.

[3]- كذا في النسختين، و لعلّ الصحيح: و نزلت بعد ذلك ..

____________

(1)- سورة البقرة، الآية: 180.

(2)- سورة الشورى، الآية: 23.

(4)- سورة النساء، الآية: 59.

(6)- سورة البقرة الآية: 194.

319

«الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (1).

مسألة: عن قوله «ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ»

و قوله «وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» (2). ما عنى بذلك و أراد؟.

الجواب:

ثمانية أزواج أراد ثمانية أفراد، فإن كلّ واحد منها سمّى زوجا إذا كان له قرين من جنسه، و من الضأن اثنين الذكر و الأنثى و من المعز مثله، و أراد بذلك ردّا على من كان يحرم السائبة و الوصيلة و الحام و ينسبونه الى اللّٰه عز و جل فبيّن اللّٰه فساد ذلك، و أنّه ليس بأمره و لا بإرادته كما قال «مٰا جَعَلَ اللّٰهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لٰا سٰائِبَةٍ وَ لٰا وَصِيلَةٍ وَ لٰا حٰامٍ.» (3)

مسألة: عن الخطبة المنسوبة إلى أمير المؤمنين

(عليه السلام) التي أوّلها:

«ما دنياكم عندي إلّا كسفر على منهل حلو إذ صاح بهم صائحهم فارتحلوا.» [1]

أ صحيحة أم لا؟

الجواب:

هذا مشهور مذكور في خطبه (عليه السلام) و وجه تشبيه زمان الحياة في سرعة زواله بقوم سفر نزلوا على ماء ثمّ ارتحلوا و ذلك من حسن التشبيه و وجيزة.

مسألة: عن الرواية (5) التي وردت انّه (عليه السلام) وضع في عنق خالد

بن الوليد طوق رحى الحارث بن كلدة الثقفي و لواه في عنقه فالتوى فدخل به المدينة و أقام أيّاما حتّى أقسم عليه باللّه و بحق رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لمّا فكّه عنه ففعل. أ صحيحة هي أم لا؟.

الجواب:

هذه رواية مذكورة و لكنّها من اخبار الآحاد و ضعيفة لا يقطع بصحّتها.

مسألة: عن قوله تعالى «وَ مٰا مَنَعَ النّٰاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جٰاءَهُمُ الْهُدىٰ

____________

[1]- لم أجدها .. في المصادر بهذا اللفظ.

____________

(1)- سورة البقرة، الآية: 194.

(2)- سورة الأنعام، الآية: 143- 144.

(3)- سورة المائدة، الآية: 103.

(5)- راجع سفينة البحار 1- 406.

320

و يستغفروا ربهم إلّا أن تأتيهم سنّة الأوّلين أو يأتيهم العذاب قبلا» (1) إذا كان إتيان سنّة الأوّلين و تخويفهم بالعذاب لطفا في هدايتهم وجب في وجوده و حكمته فعله، فما الكلام في ذلك؟.

الجواب [1]:

في هذه الآية ما ذكر [2] في الآية التي قبلها (4) من الآيات [من إتيان سنة ظ] [3] أولين لمّا أظهرها و لم يؤمنوا اقتضت المصلحة استيصالهم و هلاكهم و لم يفعل بهذه الأمّة ذلك لأنّه تعالى وعد نبيّه بأنّه لا يستأصل أمّته و لا ينزل عليهم الهلاك بل يمهلهم إلى يوم القيامة لما فيه من المصلحة.

مسألة: عن تكرار قصص الأنبياء (عليهم السلام) في عدّة سور من القرآن

و قد [كان] يمكن جمعه في سورة واحدة فما الغرض في ذلك و وجه المراد؟

الجواب:

وجه التكرار في ذلك ما فيه المصلحة و اللطف و زيادة في الأفهام، و لهذا يكرر واحد منّا القول على غيره إذا قصد إفهامه إذا كان (6) غرضه إفهامه و لا يكون ذلك هبانا (7) و قد أنشد في ذلك إشعار كثيرة مثل ذلك ليس هذا موضع ذكرها.

و قيل أيضا إنّ ربما وقع بعض القرآن إلى قوم دون قوم فقال في مواضع و كرّر لئلّا يخلو قوم من علم ذلك.

مسألة: عن قوله تعالى:

«يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً» (8) و الحلي زينة للنساء لا للرجل فما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

قد جرت عادة الملوك و العظماء أن يحلّوا بالذهب و الدر، فلذلك عملت الملوك التيجان و طوّقوا الأجلاء و أصحاب الجيوش تعظيما لشأنهم،

____________

[1]- في نسخة ن: الوجه في هذه ..

[2]- في النسختين هكذا: ما ذكرناه في الآية ..

[3]- هذه الجملة موجودة في هامش النسختين و أثبتناه في المتن، و مع ذلك العبارة ناقصة كما لا يخفى.

____________

(1)- سورة الكهف، الآية: 55.

(4)- راجع مسألة 96.

(6)- كذا.

(7)- كذا.

(8)- سورة الفاطر، الآية: 33 و سورة الحجّ، الآية: 23.

321

و إنّما خصّ بذلك النساء لمكان الشرع اتّباعا للمصلحة [1] فعل لمجرّد المسرة و الانتفاع و لا استفساد هناك جاز أن يفعل جميع ذلك في الآخرة لعظم ذلك في النفوس و ميلها إلى أمثاله و محبّتها.

مسألة: عن الرجل يطلّق امرأته الطلاق

الذي لا تحلّ له من أجله حتّى تنكح زوجا غيره فيأتي أخا من إخوانه فيقول له: حلّل لي فلانة، أريد أن أراجعها فيفعل، أ يجوز له أن يرجع إليها و قد جرى التحليل بالاتّفاق أم لا يجوز؟ فقد قرأت في بعض الأصول «انّ النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لعن المحلّل و المحلل له.» (2)

الجواب:

متى شرط على الزوج الثاني أن يطلّقها إذا وطأها حتّى ترجع في الأوّل، كان العقد الثاني فاسدا و الوطء حراما و لا تحلّ للأوّل.

مسألة: عنه إذا طلّق هذه هذا الطلاق، و لقي المرأة بعد مدّة

فقال لها:

حلّلي لي نفسك فإنّي أريد أن أراجعك فقالت قد فعلت، أ يقبل قولها بغير بيّنة أم لا يقبل إلّا بالبيّنة؟

الجواب:

إذا كانت المرأة مأمونة و قالت تزوجت بزوج من غير شرط طلاق بالغ و دخل بي ثمّ طلّقها أو مات، جاز للأوّل أن يرجع إليها. و إن كانت المرأة شرطت عليه طلاقها، كان فاسدا مثل الأوّل.

مسألة: عن الرجل، يقول لامرأته: أنت طاهر من المحيض؟

فتقول: نعم فيجيء برجلين فيقول: اشهدا بأنّ فلانة طالق، فتقول: إنّي حائض بأيّ قوليها يقبل؟ يؤخذ بالأول أم الثاني؟.

الجواب:

إذا قالت للشهود: أنا حائض، لم يقع الطلاق، لأنّه ينبغي أن تقرّ عندهم بأنّها طاهر طهرا لم يقربها فيه بجماع.

مسألة: عن الرجل، يبتاع من آخر بهيمة ببهيمة،

الشرط بينهما معا ثلاثة أيّام و ما الحكم في ذلك؟

الجواب:

الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام إذا بيع سواء بثمن من الدنانير

____________

[1]- هذه العبارة ناقصة ظاهرا.

____________

(2)- رواه السيوطي في الجامع الصغير 2- 208 عن مسند احمد و سنن الترمذي و غيره عن على (عليه السلام)، و راجع سفينة البحار 1- 299.

322

أو الدراهم أو غيرهما من الأمتعة أو حيوان آخر، فإنّه بيع و الشرط ثابت فيه.

مسألة: عن الرجل يشارك رجلا في أرضه على أن يزرعها ببذره

و يقوم عليها بنفسه بسهم معلوم فلم تنبت الأرض الزرع في ذلك العام و أنبته في العام المقبل الثاني بوقوع المطر، فلما بلغ الزرع الارتفاع قال المزارع لصاحبه: أنا شريكك و الغلّة بيني و بينك على ما تقدّم من الشرط بيننا، فقال صاحب الأرض:

الغلّة لي دونك ما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

إن كان البذر للمزارع كانت الغلة له و عليه اجرة المثل للأرض و ان كان البذر لصاحب الأرض، كانت الغلّة له و كان عليه للمزارع اجرة المثل مدة ما عمل في الأرض.

مسألة: عن الرجل إذا تزوّج المرأة و فرض لها مهرا عاجلا

و دخل بها و لم يدفعه إليها أ يسقط دخوله المهر عنه؟! فإنّى وجدت في كتاب النكاح لمحمد بن يعقوب رحمة اللّٰه إسقاطه (1)، أم هو باق على حاله في ذمّته؟.

الجواب:

إذا سمّى مهرا معلوما و دخل بها كان ذلك ثابتا في ذمّته مثل سائر الديون و ذاك الحديث متأوّل لا يلتفت إليه.

مسألة: عن الرجل يكون في يده مال فيقرّ على نفسه

بأنّه لرجل ما، و يشهد عليه بذلك الشهود فينكر ذلك المقرّ له و يدفع أن يكون له [ما] الحكم في ذلك؟

الجواب:

بإقراره أنّه ليس له زال ملكه عنه، و المقرّ له إذا لم يقبل هذا الإقرار ترك على يد حاكم أو عدل موثوق به حتّى يتبيّن صاحبه.

مسألة: عن الرجل يقتل الرجل عمدا

فيدفع إلى أولياء المقتول ليقيدوه بصاحبهم فيموت قبل أن يقوم عليه الحدّ بالقود، ما الحكم في دم المقتول؟

الجواب:

إذا مات بعد تمكين الأولياء من قتله سقط القود و بطل دم المقتول. و قال بعض أصحابنا: تؤخذ ديته من تركته و الأوّل أحوط.

مسألة: عن قول اللّٰه تعالى:

«وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» (2) و المشركون غير مخاطبين بأداء التكاليف فكيف يتوعّدون على ترك الزكاة؟.

____________

(1)- راجع الكافي 5- 383، باب انّ الدخول يهدم العاجل.

(2)- سورة فصلت، الآية: 6.

323

الجواب:

عندنا و عند أكثر الفقهاء المشركون مخاطبون بالعبادات، و هذه الآية دليلنا على ذلك، فما تضمّنه السؤال ساقط.

مسألة: عن وصف النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لصاحب الزمان

(عليه السلام) في أخبار كثيرة يقول في آخرها: «قائمهم أحكمهم أفضلهم». [1] على من ترجع الكناية أعلى الشيعة المذكورين أم على من ليس هو بمذكور في الكلام؟ يوضح لنا ذلك.

الجواب:

لأصحابنا فيه تأويلان: أقواهما أنّ الهاء ترجع إلى أهل زمانه فكأنه [2] أعلم أهل زمانه و أفضلهم، و الثاني أنّه أفضل الشيعة [3] أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

مسألة: عن قول اللّٰه تعالى أمر لنبيّه

عليه و آله السّلام «فَقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا تُكَلَّفُ إِلّٰا نَفْسَكَ» (4) و لم نره (عليه السلام) نازل بطلا و لا قاتل و لو كان منازلا مقاتلا لكان له قتلى و جرحى كما كان لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و النّبي أشجع من أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كان فئة لأصحابه. فما هذا القتل المأمور.

الجواب:

القتال قد يكون بأن يتولّى القتال بنفسه، و قد يكون بأمر أصحابه و بحثّهم عليه كما يقولون: فلان الملك يقاتل فلانا إذا أمر بقتاله أو حضر موضع القتال، و النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان حاضرا و كان يحثّ أصحابه و يبعث السرايا، و كلّ ذلك منسوب إليه. و قد قتل يوم بدر أبىّ بن خلف، رماه بحربته فخدش جسمه فمات منه.

مسألة: عن قوله تعالى في وصف ملائكة النار:

«وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلّٰا مَلٰائِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلّٰا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» (5) ما وجه الفتنة في عدّة

____________

[1]- رواه في منتخب الأثر ص 96 عن نفس الرحمن عن مقتضب الأثر و هذا لفظه: تاسعهم قائمهم إمامهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم.

[2]- كذا، و الظاهر: فكان.

[3]- كذا و الظاهر: شيعة.

____________

(4)- سورة النساء، الآية: 84.

(5)- سورة المدثر، الآية: 31.

324

ملائكة النار الكفّار [1]؟ و ما وجه الزيادة للمؤمنين في الإيمان؟ يكشف لنا عن ذلك.

الجواب:

الفتنة هي الاختيار و الابتلاء، و وجه ذلك في الآية إنّ اللّٰه تعالى لمّا ذكر أنه جعل عدّتهم- أعنى ملائكة النيران تسعة عشر تهزأ المشركون بذلك و قالوا: ما معنى هذه العدة؟! و لم يجعلهم عشرين! و أيّ فائدة في ذلك و لم يعلموا وجه المصلحة فيه، فكان ذلك زيادة في كفرهم و عنادهم فصارت فتنة لهم، و المؤمنون سلّموا الأمر إلى اللّٰه و قالوا: اللّٰه أعلم بالمصلحة في ذلك لأنّه حكيم لا يفعل إلا ما فيه وجه الحكمة و إن لم نعلمه مفصّلا فكان ذلك زيادة في أيمانهم.

مسألة: عن الردّ على المعتزلة في الشفاعة

و تعلقهم بهذه الآية من كتاب اللّٰه «وَ اتَّقُوا يَوْماً لٰا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لٰا يُقْبَلُ مِنْهٰا عَدْلٌ وَ لٰا تَنْفَعُهٰا شَفٰاعَةٌ وَ لٰا هُمْ يُنْصَرُونَ» (2) ما الكلام معهم في ذلك على الاختصار؟.

الجواب:

الوجه في هذه الآية و غيرها أن تقول إنّ ذلك مختص بالكفّار، فإنّ الكفّار لا تنفعهم الشفاعة، لأن النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لا يشفع لهم، فأمّا المؤمنون فإنّها تنفعهم و لا خلاف أنّ ها هنا شفاعة نافعة للمؤمنين، فمن خالفنا في الوعيد يقول تكون الشفاعة في زيادة المنافع، و نحن نقول في إسقاط العقاب لأنّها هي الحقيقة في ذلك، و هي مجاز في زيادة المنافع، و لقول النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» [2].

مسألة: عمّا ورد من الأخبار عن الأئمة ما يجرئ على معصية اللّٰه

و ما يؤيس من رحمة اللّٰه، كيف يجمع بينهم مع تنافيهم و بعد ما بينهم ما الكلام في ذلك؟.

الجواب:

ليس في شيء من اخبار ما يجرئ على معصية اللّٰه و ما يؤيس من رحمة اللّٰه بل حكم الأخبار حكم ظواهر القرآن، فيها وعد بالثواب و التفضّل

____________

[1]- للكفّار. ظ.

[2]- نور الثقلين 3- 424 نقلا عن كتاب التوحيد للصدوق، و لفظه هكذا: إنّما شفاعتي ..

____________

(2)- سورة البقرة، الآية: 123.

325

و فيها تهديد بالعقاب و الزجر، و كلّ واحد منها (1) في موضعه لأنّا لا نقطع على سقوط العقاب على كلّ حال من غير توبة و إنّما نجوزه فلا يكون في ذلك أمان من العقاب فيكون تجرئة على المعاصي و لا قطعا على العقاب فيكون يأسا من رحمة اللّٰه تعالى.

مسألة: عما ورد عن الصادق (عليه السلام) من الاخبار

ممّا يلائم مذهب المعتزلة في التحابط بين الطاعات و المعاصي فما هو مذهب العصابة.

فمن ذلك ما روى عنه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى «وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً (2) فقال: «أما و اللّٰه لقد كانوا يصلّون أما و اللّٰه لقد كانوا يصومون و لكن كانوا إذا عرض عليهم الحرام أخذوه» (3).

و قوله (عليه السلام) في خبر آخر: «إذا كان يوم القيامة يقدم قوم على اللّٰه فلا يجدون لهم حسنات، فيقولون: إلهنا و سيّدنا ما فعلت حسناتنا؟ فيقول تعالى:

أكلتها الغيبة، إنّ الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.» [1]

ما الكلام في ذلك؟ تفسره لنقف عليه.

الجواب:

هذه أخبار آحاد لا تردّ لها أدلّة العقول الدالة على بطلان التحابط.

و لو صحّت لتأولناها كما نتأول ظاهر القرآن لتلاؤم أدلّة العقل فيكون قوله:

«فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً» معناه حكمهم بذلك لأنّهم أوقعوها على خلاف الوجه المأمور به فلم يستحقّوا عليها ثوابا، لا انه حصل الثواب ثم زال، و يكون قوله «لقد كانوا يصومون و يصلون» محمولا على انهم كانوا يفعلون ذلك على خلاف الوجه المأمور كما يفعله رهبان النصارى و عبّاد اليهود فلا ينفعهم مع فعلهم ما حرّم اللّٰه عليهم من تكذيب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لأنّه إذا كان ذلك كفرا دلّ على [انّ]

____________

[1]- مستدرك الوسائل 2- 107 نقلا عن الشيخ المفيد في الروضة و فيه «الحلفاء» مكان «الحطب».

____________

(1)- كذا

(2)- سورة الفرقان، الآية: 23.

(3)- نور الثقلين 4- 9 رواه عن تفسير على ابن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام).

326

ما فعلوه لم يكن واقعا على وجه القربة.

و الخبر الأخر قوله. «أكلت الغيبة حسناتكم» .. المعنى فيه أنّه إذا فعل إنسان طاعة و ذكر أن غيره ليس يفعل ذلك صار بذلك مغتابا له و موقعا لفعله على وجه الرياء فلذلك لم يستحقّ عليها الثواب لا ان الثواب كان حاصلا فأزالته الغيبة.

مسألة: عن نطق الجوارح يوم القيامة.

أ هو على الحقيقة أو المجاز؟ فإن كان ذلك مجازا فعن أيّ شيء عبر عنه إذا كان المجاز انما هو عبارة عن الحقائق، لا زال لأهل الدين مفزعا و موئلا و للمشكلات مبينا و موضحا.

الجواب:

قيل في نطق الجوارح [وجوه] قال قوم إنّ اللّٰه يبنيها بنية حيّ لها آلة الكلام فتنطق.

و الثاني إنّ اللّٰه تعالى يفعل فيها الكلام كما يفعله في الهواء و فعله في الشجر لمّا خاطب موسى، و أضاف إلى الجارحة مجازا لما كان فيها.

و الثالث إنّه يظهر منها أمارات تدلّه على ما فعله من المعاصي. ليفرق الملائكة بينهم و بين غيرهم كما قال «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ» (1) و كما يقال: عيناك تشهد بتشهّدك قال الشاعر:

و قالت له العينان سمعا و طاعة.

و ذلك مشهور من كلام العرب.

مسألة: عن قول ابن آدم المقتول لأخيه القاتل:

«إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ» (2) ما مراده باجتماع الإثمين:؟.

الجواب:

أراد بإثمي الذي فعلته من القتل و أضافه إلى المفعول به و إثمك الذي انفردت به من غير ذلك فإضافة إلى الفاعل و لا تنافي بينهما.

مسألة: عن قوله تعالى:

«خُلِقَ الْإِنْسٰانُ مِنْ عَجَلٍ» (3) و العجل اعراض [1] و الأعراض لا يخلق منها الأجسام، فما معنى ذلك؟

____________

[1]- و العجل عرض. ظ.

____________

(1)- سورة الرحمن، الآية: 41.

(2)- سورة المائدة، الآية: 29.

(3)- سورة الأنبياء، الآية: 37.

327

الجواب:

معنى الآية ما ذكره في آية أخرى من قوله: (و خلق الإنسان عجولا) [1] و إذا كان في طبع (2) العجلة فكأنه خلق منها و لم يخلق من غيرها و يكون ذلك مجازا.

مسألة: عن قولهم. «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ قَتَلَهُمْ»

(3) كيف نفى عنهم القتل و سيوفهم و رماحهم كانت مناياهم.

الجواب:

إنّما أضاف إلى نفسه لما كان بإقداره و تمكينه و التخلية بينهم و أمره إيّاهم بذلك و حثّهم عليه، و مثله قوله تعالى «وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ» (4) و المعنى ما قلناه، كما يقول القائل لغلامه إذا فعل فعلا كان أمره به ما فعلت أنت بل أنا فعلت حيث أمرتك به و حثثتك عليه.

مسألة: عن قوله. «جَعَلَ اللّٰهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ

قِيٰاماً لِلنّٰاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرٰامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلٰائِدَ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ». (5)

الجواب:

جعل اللّٰه الكعبة قياما للناس تابعا لما علم من مصالحهم و ألطافهم، و كذلك تحريمه الشهر الحرام، و أمره بالهدي و القلائد و ذلك لا يعلمه الّا علّام الغيوب الذي يعلمها لنفسه، فإنّ العالم بعلم [2] لا يعلم ذلك و إذا كان عالما لنفسه وجب أن يكون عالما بجميع المعلومات، لأنّه لا اختصاص فيها بمعلوم دون معلوم، فعند ذلك يعلم جميع ما في السماوات و الأرض و ما هو خارج عنهما و ما لم يوجد بعد و يصحّ قوله تعالى «وَ أَنَّ اللّٰهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (7).

مسألة: عن إبليس لعنه اللّٰه، ما الذي ألزمه السجود لآدم،

و الأمر بذلك إنّما توجّه إلى الملائكة و ليس من قبيلهم في شيء.

الجواب:

ظاهر مذهب أصحابنا انّ إبليس كان من جملة الملائكة و إنّما

____________

[1]- سورة الإسراء، الآية: 11، و الآية هكذا: و كان الإنسان عجولا.

[2]- في الأصل: فإنّ العالم يعلم يعلم ذلك.

____________

(2)- كذا.

(3)- سورة الأنفال، الآية: 17.

(4)- سورة الأنفال، الآية: 17.

(5)- سورة المائدة، الآية: 97.

(7)- سورة المائدة، الآية: 97.

328

عصى بترك السجود، و ليس جميع الملائكة معصومين، بل نقطع على أن الرسل منهم كذلك و الباقي يجوز عليهم الخطأ، و هو مذهب كثير من المفسّرين و العلماء.

و من قال لم يكن من الملائكة يقول: كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم كالملائكة فلذلك [1] استثناه و يكون هذا استثناء منقطعا كما يقال: ما في الدار أحد إلا وتد و كما قال:

و بلدة ليس لها أنيس * * * إلّا اليعافير و إلا العيس

مسألة: عن قوله في التفاضل بين اولى العزم من الرسل

و بين أئمّتنا (عليهم السلام) أجمعين، فإنّي وجدت أقوال أصحابنا في ذلك مختلفة.

الجواب:

هذه المسائل فيها خلاف بين أصحابنا، منهم من يفضل الأئمة على جميع الأنبياء (عليهم السلام)، و منهم من يفضل عليهم أولو العزم، و منهم من يفضلهم عليهم، و الأخبار مختلفة (2) و العقل لا يدلّ على شيء منه، و ينبغي أن نتوقّف في ذلك، و نجوّز جميع ذلك.

مسألة: عن رجل اجتمع عليه حجّتان حجّة نذر و حجّة الإسلام

بأيّهما يبدأ؟.

الجواب:

يبدأ بحجّة الإسلام ثمّ بالنذر.

مسألة: عن الذّمي إذا لاقى مياه الآبار بجسمه

أو أرسل فيها دلوا ما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

المشرك و الذمّي إذا لاقى بجسمهما في البئر أو مسّ الدلو و هو رطب و أرسله إلى البئر نجس الماء، و لا يجوز استعماله، و يجب نزح جميع الماء احتياطا، فإن كثر ينزح يوما كاملا.

مسألة: عن المرأة إذا طلّقت و هي حامل و ولدها في جوفها

فلم تضعه متى تخرج من عدّتها؟.

الجواب:

لا تخرج من عدّتها حتّى تضع، لأنّه و إن أبطأ لا يلبث فيه

____________

[1]- فلذلك. ظ.

____________

(2)- راجع أوائل المقالات للمفيد ص 42 و ذيله.

329

كثيرا، و لا بدّ من أن تضع أو يقتلها. (1)

مسألة: عن الحائض و النفساء إذا خالطتا مياه الآبار بأجسامهما،

أ يكون حكمهما حكم الجنب؟ ما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

إن كان جسمهما طاهرا لا ينجس الآبار، لأنّ الأصل الطهارة و لا نصّ في ذلك، و حمله على الجنب قياس لا يعوّل عليه.

مسألة: عن الرواية المنسوبة إلى النّبي

(صلّى اللّٰه عليه و آله) انّه قال:

«أعلنوا هذا النكاح [1] و اضربوا عليه بالدفّ»! [2] أقال ذلك أم لم يقله؟.

الجواب:

الإعلان مستحبّ بلا خلاف، و ضرب الدفّ إذا كان خاليا من غناء و فحش و لم يختلط الرجال بالنساء رخّص على كراهيّة فيه.

مسألة: عمّا ذكره المرتضى

رضى اللّٰه عنه في كتاب «جمل العلم و العمل» في العوض و «انّه منقطع لأنّه يجري مجرى المثامنة و الأرش» (4) إذا انقطع هذا الثواب المفعول للأعواض فما يفعل مع الأعواض [3] بعد ذلك؟.

الجواب:

إن كان هذا المعوض مثابا أدام اللّٰه ثوابه و تفضّل عليه في كلّ حال بمثل العوض، و إن كان غير مكلّف، في الناس من قال: إنّ اللّٰه يديم العوض تفضّلا، و منهم من قال يصيرون ترابا فعند ذلك يتمنّى الكافر لو صار ترابا كما قال اللّٰه تعالى «وَ يَقُولُ الْكٰافِرُ يٰا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرٰاباً» (6).

مسألة: عن إخبار الهدهد لسليمان (عليه السلام) في قصّة بلقيس

و قوله «إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَ لَهٰا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهٰا وَ قَوْمَهٰا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لٰا يَهْتَدُونَ أَلّٰا يَسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» (7) و هذا

____________

[1]- في نسخة ن: النجاح.

[2]- رواه السيوطي في الجامع الصغير 1- 78 عن سنن الترمذي، و لم أجده في جوامع حديث الشيعة.

[3]- جمل العلم و العمل ص 35.

____________

(1)- كذا.

(4)- كذا. و لعلّ الصحيح: مع المعوّض.

(6)- سورة النبأ، الآية: 40.

(7)- سورة النمل، الآية: 23.

330

الكلام كلام عارف باللّٰه تعالى، و المعرفة به سبحانه إنّما تحصل للعقلاء البالغين على طريق الاستدلال، و الطيور و البهائم لا عقول لهم فيسلكون طريق الاستدلال فما تأويل هذا الكلام و معناه؟.

الجواب:

لأهل التأويل فيه قولان:

أحدهما أنّه لا يمتنع أن يكون اللّٰه أكمل عقل ذلك الهدهد و مكّنه في النظر فاستدلّ و عرف اللّٰه على ما ذكره، فإنّ كمال العقل لا يحتاج إلى بنية الإنسانية و قد روى «انّ في الملائكة من هو على صورة (1) شيء من الحيوان». و يكون ذلك معجزا لسليمان.

و الثاني أن يكون ظهر (2) من الهدهد أمارات دلّت على ذلك كما سئل قيل: للأرض [1]: من شقّ أنهارك و غرس أشجارك و جنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا إجابتك اعتبارا. و قال الشاعر:

و امتلأ الحوض و قال قطني * * * مهلا رويدا قد ملأت بطني

و إنّما ظهرت أمارات دلت على ذلك.

مسألة: عن الرجل يمرّ بالكروم و المباطخ و المباقل،

أ يجوز له أن يأكل منها و لا يفسد و لا يحمل كما يجوز ذلك في النخل أم لا؟

الجواب:

الرخصة في الثمار من النخل، و غيره لا يقاس عليه، لأن الأصل حظر استعماله مال الغير.

مسألة: عن قوله تعالى آمرا لنبيّه (عليه السلام):

«قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ» (4) فكيف يجمع بين هذا النفي المتضمّنة الآية و و بين ما استقرّ في الشرع من الحكم بتحريم أعيان من الحيوان؟.

الجواب:

هذا عموم و يجوز أن يختصّ بأدلّة تدلّ على تحريم أشياء غير

____________

[1]- كذا و لعلّ الصحيح: كما قيل سل الأرض: من شق ..

____________

(1)- كذا.

(2)- كذا.

(4)- سورة الأنعام، الآية: 145.

331

المذكور فإنّه لا خلاف أن ها هنا أشياء كثيرة غيرها محرّمة فلا بدّ من التخصيص.

مسألة: عن قوله تعالى «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ)

(1) و الحجاب لا يجوز على اللّٰه تعالى لأنه من وصف المتحيّزات فما معنى ذكره هنا؟.

الجواب:

الحجاب المذكور لم يقل أنّه يكون للّٰه، بل المعنى أن يكون الكلام من وراء حجاب بأن يسمعه و لا يعلم القائل له، أو وحيا بأن يشافهه الملك، أو يرسل رسولا فيؤدّى كلامه إلى من بعثه إليه.

مسألة: عن قوله تعالى «وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ»

(2) و في آية أخرى:

«كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» (3) و معلوم من جهة الشرع أنّ شهادة الولد على أبيه غير جائزة فكيف يأمر بإقامة شهادة لا تجوز؟

الجواب:

[أمر] في هذه الآية بإقامة الشهادة قربة إلى اللّٰه و ابتغاء ما عنده و على كلّ من كانت الشهادة من النفس أو الوالد و الأقربين تعظيما لأمره لأنّه إذا وجد إقامتها على هؤلاء فعلى الأجنبي أولى، و الشهادة على النفس تكون إقرارا، و مخالفونا يستدلّون بالآية على جواز قبول الشهادة على الوالدين، فأمّا نحن و إن قلنا:

لا تقبل شهادة الولد على والده، فإنّه يجوز أن تكون تجب الإقامة و ان لم تجب على الحاكم قبولها إذا عرض عارض يمنع من قبولها، كما تجب ردّ شهادة كثير من الناس و إن لم يسقط عنهم إقامتها كالزوجة و الشريك و غير ذلك الى [1] قوله:

«كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ». (5)

مسألة: عن الزوجين، إذا اختلفا في العقد،

فادّعى أحدهما نكاح الغبطة و ادّعى الآخر نكاح المتعة، و لا بيّنة لأحدهما، ما الحكم في ذلك؟

الجواب:

على العقد الصحيح، فمن ادّعى المتعة كان عليه البيّنة و على

____________

[1]- كذا، و لعلّ الصحيح: نظرا إلى قوله.

____________

(1)- سورة الشورى، الآية: 52.

(2)- سورة الطلاق، الآية: 2.

(3)- سورة النساء، الآية: 135.

(5)- سورة النساء، الآية: 135.

332

المنكر اليمين، لأنّه إذا ادّعى الزوج المتعة فهو مدّع، يريد ان يسقط عنه حقوقا من نفقة و ميراث و غير ذلك، و إذا ادّعت المرأة فهي مدّعية انّها تملك نفسها بغير طلاق و انّ الرجل لا يرثها، فيجب كذلك [1] ما قلناه.

مسألة: عن رجل كفل رجلا مريضا مغتوبا [2] عن أهله

و أنفق عليه، و لما توّفى كفّنه ثمّ جاء من بعد ذلك إلى ورثته و طلب منهم ما أنفق عليه و ثمن كفنه، فقالوا له، أنت أنفقت عليه متبرّعا متطوّعا و لم يأمرك بذلك منّا آمر و لا دعاك إليه داع فلا شيء [لك] في ذلك قبلنا، فما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

إن قامت له بيّنة بأنه أنفق عليه بأمره و مسألته و أنه أمره بتكفينه و مواراته وجب على ورثته القضاء عنه من تركته، و إن لم يثبت ذلك كان ذلك تبرّعا، لأنه مدّعى الضمان، بل يلزم الورثة اليمين انّهم لا يعلمون أنّ المتوفّى أمرهم [3] بذلك.

مسألة: عن رجل يعير رجلا حليا أو غيره

ليرهنه و يأخذ عليه مالا و يستدين دينا فيمضي المعار [كذا] فيرهنه عند بعض الناس على مال ما، ثمّ أنّ المعير يبدو له في ذلك فيطالبه به و يطالب المسترهن أيضا، أ فله استرجاءه و أخذه من عند المسترهن أم يبقى على حاله رهنا حتّى يفكّ ممّا عليه؟.

الجواب:

إذا كان قد أذن له في إرهانه ليس له الرجوع فيه حتّى يفكّ ممّا عليه، و إن لم يأذن له في إرهانه له أن يأخذ عاريته من عند من هو في يده، و يرجع ذلك على الذي أرهنه بما عليه.

مسألة: عن المرأة إذا بدأت في غسل ذراعيها عند الوضوء

بالظاهر منهما، و الرجل إذا بدأ بالباطن، ما الذي يجب عليهما.

الجواب:

وضوءهما صحيح، لأنّ ذلك من الآداب لا الواجبات.

مسألة: عن المصلّى، إذا قرأ في فرائضه بسورة واحدة غير «الم ذٰلِكَ الْكِتٰابُ»

أو سورتين و ترك قراءة «أمّ الكتاب» و لم يقرأها فيما يقرأ فيه الحمد و

____________

[1]- لذلك. ظ.

[2]- كذا، و لعلّ الصحيح: مغتويا أو مغتربا.

[3]- امره. ظ.

333

سورة، ما الذي يجب عليه و يلزمه في ذلك؟.

الجواب:

إذا لم يقرأ سورة الحمد كانت صلاته فاسدة، و يجب عليه إعادتها.

مسألة: عن تسبيح الجبال مع داود كان كتسبيحه

أم كان بغير ذلك، و إنّما سمّى تسبيحا على المجاز.

الجواب:

يجوز أن يكون تسبيحا على الحقيقة فعل اللّٰه فيها الكلام حتى سمع، كما سبّح الحصى في يد النّبي مثل ذلك، و يكون ذلك معجزا له، و يجوز أن يكون ظهر (1) فيها أمارات دلّت على ذلك فسمّى تسبيحا مجازا.

مسألة: عن قوله تعالى لنبيّه (عليه السلام):

«وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا أَ جَعَلْنٰا مِنْ دُونِ الرَّحْمٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» (2) ما حاجة النبيّ إلى هذا السؤال.

و لم أمره سبحانه بذلك؟.

الجواب:

قيل: إنّ المشركين قالوا: إنّ الأنبياء الذين تقدّموا أمروهم بعبادة الأصنام، فأمره اللّٰه تعالى أن يسأل الأنبياء ليلة المعراج حيث رآهم في السماء مصداق قولهم ليكون ذلك حجّة على أولئك، لا أنّ النبيّ كان شاكّا في ذلك، بل ليكذّبهم الرسل الذين أضافوا إليهم ذلك، و يكون ذلك كما قال اللّٰه تعالى لعيسى «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ» (3) و إن كان اللّٰه عالما بأنّه لم يأمر بذلك و لم يقله.

مسألة: عن قوله تعالى «وَ مِنْ دُونِهِمٰا جَنَّتٰانِ .. مُدْهٰامَّتٰانِ» (4)

الجنتان اللتان هما دون الجنّة و النار؟.

الجواب:

قد بيّن اللّٰه تعالى أوصافهما بأن قال «مُدْهٰامَّتٰانِ .. فِيهِمٰا عَيْنٰانِ نَضّٰاخَتٰانِ .. فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ» ثمّ قال (فِيهِنَّ) يعنى قال فيها و في الجنة الاولى (خَيْرٰاتٌ حِسٰانٌ ..) (5) و ما بعده من الأوصاف.

____________

(1)- كذا.

(2)- سورة الزخرف، الآية: 45.

(3)- سورة المائدة، الآية: 116.

(4)- سورة الرحمن، الآية: 62.

(5)- سورة الرحمن، الآية: 62- 77.

334

مسألة: عن أكل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من الذراع المسموم

و هي شاة ذبحت على ملّة اليهود، ما العلّة في ذلك؟.

الجواب:

يجوز أن يكون قبل تحريم ذبائح اليهود و إنّما حرّم فيما بعد و نسخ، لأنّ ذلك كان في سنة سبع، فلا يمتنع أن يكون نسخ بعد ذلك.

مسألة: عن رجل مات و ترك أولادا،

فجاء رجل فادّعى على والدهم انّه ابتاع منه بعض ضياعه و سمّى اقرجة (1) منها و أخرج عليه كتابا فيه شهادة شهود عدول، و جاء رجل أخر فادّعى أنّه ابتاع منه اقرجة المشتراة بعينها و أظهر بها كتابا فيه شهادة شهود عدول، و تاريخ الكتابين على السواء و التماثل و لا يتقدّم أحدهما على الآخر ما الحكم في ذلك؟.

الجواب:

إذا تساوى الكتابان في الشهود و العدد و العدالة تحالفا و سقطا و رجع الى قول الورثة فإن أقرّوا لبعضهم حكم به، و إن جحدوا ذلك كان ملكا لهم، لأن مع ذلك البيّنة على الميّت يحتاج أن يحلف المدّعى و هاهنا ما تعيّن، إن قلنا إنّه يقرع بينهما فمن خرج اسمه حلف مع بينته جاز ذلك أيضا.

مسألة: عن المصلّى إذا لم يعتدل في ركوعه أو لم يتعلّق في سجوده

يوجب ذلك عليه إعادة صلاته؟

الجواب:

لا يجب عليه إعادة الصلاة، لأنّ ذلك من آداب الصلاة و سننها لا من واجباتها.

مسألة: عنه إذا رفع رأسه من الركوع و لم يستو منتصبا

ما الذي يجب عليه؟.

الجواب:

هذه المسألة مثل الأولى سواء، لأنّ رفع الرأس قليله يجزئ فإن لم يرفع شيئا أصلا بطلت صلاته.

مسألة: عن ولىّ المقتول عمدا إذا عفا عن القاتل ثمّ قتله

بعد ذلك العفو و أخذ الدّية؟!.

الجواب:

إذا فعل ذلك كان ظلما و عليه القود و الدية على ما يصطلحان.

مسألة: عن رجل مات و ترك مالا و أولادا

و ترك امرأة حبلى، للأولاد أن يقتسموا المال و لا ينتظروا وضع المرأة الحمل أم ليس لهم ذلك حتّى تضع فإن

____________

(1)- كذا.

335

كان حيّا قاسمهم؟.

الجواب:

يجوز للورثة القسمة و لكن يوقف نصيب الحمل أكثر ما جرت به العادة بولادة مثله من ذكرين، و إن قسموا و ضمنوا نصيب الحمل و كانوا مليّا كان أيضا جائزا.

مسألة: عن الملكين هاروت و ماروت علّما السحر

كما نطق ذلك بظاهري [1] الآية من القرآن. فإن كان ذلك فهذا مناف لعصمتهما و إن كان تأويل الآي بخلاف تنزيله فما ذلك التأويل؟.

الجواب:

الآية فيها تأويل طويل لا يحتمله هاهنا ذكرناه في التفسير (2) غير أنّى أذكر جملة منه: قال قوم: إنّ السحر لم يعلمه الملكان بل الشياطين علّموا الناس كما قال تعالى «وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّٰاسَ السِّحْرَ وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ» (3) ذلك نفيا عن الملك. و قال قوم: الملكان علما السحر و أمرا الناس باجتنابه و ترك عمله لأنّ النهي عن تحريم [2] الشيء و إيجاب تركه تابع العلم و ذلك جائز.

مسألة: عن قول اللّٰه تعالى «قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ» (5).

أ هو دعاء الطلب و السؤال أم هو دعاء الشرك معه إلها آخر تعالى اللّٰه عمّا يشركون؟.

الجواب:

هو دعاء الطلب و الانقطاع إلى اللّٰه تعالى على وجه العبادة فكأنّه أراد: إنّما خلقكم لتعبدوه و تنقطعوا إلى دعائه و مسألته كما قال «وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ» (6).

مسألة: عن رجل استرهن من رجل ضيعة على مال معلوم

و اشترط عليه إن

____________

[1]- كذا، و لعلّ الصحيح: كما نطق بذلك ظاهر الآية من القرآن.

[2]- كذا، و لعلّ الصحيح: لأنّ النهي عن الشيء و تحريمه و إيجاب ..

____________

(2)- راجع التبيان 1- 374.

(3)- سورة البقرة، الآية: 102.

(5)- سورة الفرقان، الآية: 77.

(6)- سورة الذاريات، الآية: 56.

336

هو جاء [1] بالمال عند حلول انقضاء مدّة الرهن [2] و حصلت الضيعة مبتاعة له بما عليها من المال، أ يصحّ ذلك أم لا؟.

الجواب:

إذا كان الشرط منفصلا عن العقد لزمه الوفاء و إن كان متّصلا بالعقد بطل العقد (3).

مسألة: عن الكلب إذا كان مبتلا جسمه و تنفّض

فوقع ما ينفضه في بئر، ما الذي يطهّرها؟ و كم مقدار ما ينزح منها؟.

الجواب:

يستقى ما يستقى لوقوع الكلب و خرج حيّا و هو سبع.

____________

[1]- كذا، و لعلّ الصحيح: ما جاء.

[2]- كذا، و الظاهر زيادة الواو.

____________

(3)- راجع المبسوط 2- 244.