استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
55

قال (1) أبو جعفر (2): الوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ غَسل اليد، لأنّ ذلك يسمىٰ وضوءاً علىٰ ما بيّناه، و إنّما يجب ذلك لكونهم أنجاساً، و إنّما قلنا ذلك لإجماع الطائفة علىٰ أنّ ذلك لا يوجب نقض الوضوء، و أيضاً فقد قدّمنا الأخبار التي تضمنت أنّه لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من السبيلين أو النوم، و هي محمولة علىٰ عمومها، لا يجوز تخصيصها لأجل هذا الخبر الشاذ.

السند

فيه أبو عبد اللّٰه الرازي و هو الجاموراني، و لم يوثّقه أصحاب الرجال و لا مدحوة، بل قيل إنّه ضعيف (3)؛ و الحسن بن علي بن أبي حمزة، قيل: إنّه واقفي و رمي بالكذب (4)؛ و عيسىٰ بن عمر مجهول الحال لإهماله في الرجال (5)، و الذي في رجال الصادق و الباقر (عليهما السلام) من كتاب الشيخ عيسىٰ بن عمرو مولى الأنصار (6)، و الأمر سهل.

المتن:

ما قاله الشيخ فيه بعيد عن ظاهر اللفظ، لأنّ نقض الوضوء لا يفيد ذلك، و لعلّ الحمل علىٰ الاستحباب أولىٰ.

____________

(1) في الاستبصار 1: 89/ 285 يوجد: الشيخ.

(2) في نسخة من الإستبصار 1: 89/ 285 زيادة: محمد بن الحسن.

(3) كما في خلاصة العلّامة: 268/ 26.

(4) انظر رجالي النجاشي: 36 و الكشي 2: 827.

(5) رجال الطوسي: 258/ 575.

(6) رجال الطوسي: 258/ 575 و 130/ 48.

56

و قول الشيخ: إنّ إجماع الطائفة علىٰ أنّ ذلك لا يوجب نقض الوضوء. لا يقتضي الحصر في الحمل علىٰ غَسل اليد، بل الاستحباب ممكن، و الأخبار التي أشار إليها قد قدّمنا القول فيها.

ثم إنّ ظاهر كلام الشيخ يعطي حمل الرواية علىٰ غَسل اليد، سواء كانت المصافحة برطوبة أو لا، و هذا الحكم غير معلوم القائل، سوىٰ الشيخ هنا، و العلّامة في المختلف حكىٰ عن ابن حمزة إيجاب رشّ الثوب من ملاقاة الكافر باليبوسة (1)، و لم ينقل غير ذلك.

و الشيخ (رحمه الله) روىٰ في الصحيح، عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الصلاة في ثوب المجوسي، فقال: «يرشّ بالماء» (2).

و روى أيضاً في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عنه (عليه السلام)، في الثياب السابرية يعملها المجوسي، ألبسها و لا أغسلها و أصلّي فيها؟ قال: «نعم» (3).

و لا يبعد أن يكون مراد الشيخ هنا مع الرطوبة، علىٰ أنّ قوله في آخر الكلام: إنّ الخبر شاذ، يدل علىٰ عدم العمل به.

[الحديث 2 و 3]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن عبد اللّٰه بن مسكان، عن أبي بصير، عن

____________

(1) المختلف 1: 334، و هو في الوسيلة: 77.

(2) التهذيب 2: 362/ 1498، الوسائل 3: 519 أبواب النجاسات ب 73 ح 3.

(3) التهذيب 2: 362/ 1497، الوسائل 3: 518 أبواب النجاسات ب 73 ح 1.

57

أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من مسّ كلباً فليتوضّأ».

فالكلام في هذا الخبر كالكلام علىٰ الخبر الأوّل، من حمله علىٰ غَسل اليد، للإجماع الذي ذكرناه و الأخبار التي قدّمناها، و أيضاً:

فقد روىٰ الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل، قال: «يغسل المكان الذي أصابه».

السند

في الأوّل و الأخير معلوم بالردّ و القبول.

المتن:

ما ذكره الشيخ في الأوّل له وجه وجيه، و الفرق بين الأوّل و هذا واضح، كما قدّمنا إليه الإشارة.

ثم إنّ إطلاق الشيخ الغَسل تبعاً للرواية لعلّه محمول علىٰ الرطوبة، إذ المنقول عن الشيخ في المبسوط أنّه قال: كل نجاسة أصابت الثوب و كانت يابسة لا يجب غَسلها، إنّما يستحب نضح الثوب (1)، و الفرق بين الثوب و اليد محتمل، إلّا أنّي لا أعلم الفارق.

و في النهاية للشيخ: إذا أصاب ثوب الإنسان كلب، أو خنزير، أو ثعلب، أو أرنب، أو فأرة، أو وزغة، و كان يابساً وجب أن يرشّ الموضع بعينه، فإن لم يتعين رشّ الثوب كله (2).

____________

(1) المبسوط 1: 38.

(2) النهاية: 52.

58

و المفيد في المقنعة قال: إذا مسّ ثوب الإنسان كلب، أو خنزير، و كانا يابسين فليرشّ موضع مسهما منه بالماء (1).

و قد يحتمل أن يريد الشيخ استحباب غَسل اليد مع اليبوسة (2)، و عليه يحمل الخبر الأخير، نظراً إلىٰ إطلاقه، و لو حمل علىٰ الرطوبة كان بعيداً عن ظاهره.

و نقل في المختلف عن ابن حمزة إيجاب مسح البدن بالتراب إذا أصابه الكلب أو الخنزير (3).

و الشيخ في النهاية قال: و إن مسّ الإنسان بيده كلباً، أو خنزيراً، أو ثعلباً، أو أرنباً، أو فأرة أو وزغة، أو صافح ذميا معلناً بعداوة آل محمد (عليهم السلام) وجب غَسل يده إن كان رطباً، و إن كان يابساً مسّه بالتراب (4).

و في المنتهىٰ قال العلّامة بعد ذكر وجوب الغسل: أمّا مسح الجسد فشيء ذكره بعض الأصحاب و لم يثبت (5).

باب الريح يجدها الإنسان في بطنه

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن الوليد، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي

____________

(1) المقنعة: 70.

(2) في «رض»: الثوب.

(3) المختلف 1: 334، و هو في الوسيلة: 77.

(4) النهاية: 52.

(5) المنتهىٰ 1: 177.

59

عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال، قلت له: أجد الريح في بطني حتى أظن أنّها قد خرجت، فقال: «ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح» ثم قال: «إنّ إبليس يجيء فيجلس بين أليتي الرجل فيفسو ليشكّكه».

الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّ الشيطان ينفخ في دبر الإنسان حتى يخيل إليه أنّه قد خرجت منه ريح، فلا ينقض وضوءه إلّا ريح يسمعها أو يجد ريحها».

السند

في الأوّل: أحمد بن هلال، و الشيخ قد ضعّفه و بالغ فيه (1).

و الحسن بن علي الراوي عنه، ذكر شيخنا المحقّق سلّمه اللّٰه في فوائده علىٰ الكتاب ما هذا لفظه: قيل: هو ابن فضّال، و فيه نظر، فإنّ ابن فضّال يروي سعد كتبه و رواياته بواسطة أحمد بن محمد و محمد بن الحسين و بنان (2) بن محمّد و نحوهم، نعم: يحتمل الزيتوني الأشعري، إذ يروي عنه محمد بن يحيىٰ، و هو في مرتبة سعد، و الحسن بن علي بن النعمان، إذ (3) روىٰ عنه الصفار، و غير ذلك. انتهىٰ. و الأمر كما قال.

و محمد بن الوليد مشترك بين ضعيف و من فيه كلام (4).

____________

(1) الفهرست: 36/ 97.

(2) في «رض»: و بيان.

(3) في «رض»: إذا.

(4) هداية المحدثين: 257.

60

و في الثاني: لا ريب فيه بعد ما قدّمناه.

المتن:

في الخبرين ظاهر الدلالة.

[الحديث 3]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عما ينقض الوضوء، قال: «الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن إلّا شيئاً (1) تصبر عليه و (2) الضحك في الصلاة و القيء».

و قد تكلّمنا علىٰ هذا الخبر فيما تقدم و قلنا: الوجه فيه أن نحمله علىٰ حال لا يملك الإنسان فيها نفسه ليعلم (3) ما يكون منه، و يجوز أن نحمله أيضاً علىٰ الاستحباب.

السند

قد تقدم.

و المتن: كذلك، إلّا أنّ الشيخ (رحمه الله) كلامه غير واف بالمطلوب، لأنّ المتقدم

____________

(1) في النسخ: شيء، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 90/ 290.

(2) في الاستبصار 1: 90/ 290: أو.

(3) كذا في النسخ، و في الاستبصار 1: 91/ 290: فيعلم.

61

منه علىٰ ما ذكره هنا في الضحك، و المعارضة في المقام إنّما هي من حيث إنّه ذكر القرقرة، و لا مناسبة لما سبق منه للتوجيه.

نعم تقدم منه سابقاً علىٰ ما ذكره أنّ الخبر محمول علىٰ التقية، و المتبادر من ذلك و إن كان من جهة الضحك و القيء، إلّا أنّه محتمل للشمول للقرقرة، غير أنّه موقوف علىٰ العلم بمذهب أهل الخلاف.

أمّا ما ذكره من الاستحباب هنا فيمكن تناوله للقرقرة و إن كان فيه إشكال قد قدمناه فينبغي مراجعته، و بالجملة فالشيخ لا يخلو كلامه هنا من غرابة.

باب حكم المذي و الوذي

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4]

أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المذي فقال: «ما هو عندي إلّا كالنخامة (1)».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ و الحسين بن الحسن بن أبان جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن المذي؟ فقال: «إنّ علياً (عليه السلام) كان رجلًا مذّاءً فاستحيى أن يسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) لمكان فاطمة (عليها السلام)، فأمر المقداد أن يسأله و هو

____________

(1) النخامة بالضم: النخاعة، يقال تنخم الرجل إذا تنخع، و النخاعة: ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء مجمع البحرين 6: 174 (نَخمَ).

62

جالس، فسأله، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله): ليس بشيء».

و بهذا الإسناد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة، عن زيد الشحّام، قال، قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المذي لا ينقض (1) الوضوء؟ قال: «لا، و لا يغسل منه الثوب و لا الجسد، إنّما هو بمنزلة البزاق و المخاط».

أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلّىٰ بن محمد، عن الوشّاء، عن أبان، عن عنبسة قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، يقول: «كان عليّ (عليه السلام) لا يرىٰ في المذي وضوءاً و لا غَسل (2) ما أصاب الثوب منه إلّا في الماء الأكبر».

السند:

في الأوّل: عمر بن حنظلة و هو غير معلوم الحال، إذ لم يزد ذكره في الرجال علىٰ الإهمال (3)، و ما ذكره جدي (قدس سره) في الدراية أظنّه توهّماً من حديث غير سليم السند و لا واضح الدلالة علىٰ التوثيق (4).

و في الثاني: موثق، و الحسين بن الحسن بن أبان فيه معطوف علىٰ الصفار، فيكون «جميعاً» له و لأحمد بن محمد بن عيسىٰ.

و الثالث: فيه محمد بن عيسىٰ الأشعري، و لم يوثقه أصحاب

____________

(1) في نسخة من الاستبصار 1: 91/ 293: أ ينقض.

(2) في «فض» و «د»: غسلًا.

(3) رجال الشيخ: 131/ 64 و 251/ 451.

(4) الدراية: 44.

63

الرجال (1)، و كونه شيخ القميين و وجه الأشاعرة لا يفيد التوثيق علىٰ ما أظن.

و الرابع: فيه معلّىٰ بن محمد، و هو مضطرب الحديث و المذهب علىٰ ما ذكره النجاشي (2)، و عنبسة مشترك بين مهملين و ثقة (3)، و لا يبعد أن يكون الثقة و هو ابن بِجاد، غير أن الفائدة في تعيينه منتفية هنا.

المتن:

ظاهر الدلالة في الجميع علىٰ أنّ المذي لا ينقض الوضوء، و أنّه طاهر، و ما تضمنه الحديث الثالث من قوله (عليه السلام): «لا» هو الموجود في النسخ التي رأيناها، و أمره سهل.

و ما قد يقال: إنّ سؤال علي (عليه السلام) يحتمل أن يكون من جهة الطهارة لا نقض الوضوء فلا يكون ظاهراً فيه.

جوابه أن قوله (عليه السلام): «ليس بشيء» يعمّ الوضوء و غيره، و احتمال أنه ليس بشيء من جهة المسئول عنه و هو النجاسة بعيد.

و ما تضمنه الخبر الرابع من قوله: «و لا غَسل» (4) بفتح الغين، إلّا أنّ قوله: «ما أصاب الثوب» لا يخلو من شيء، و كأنه نقل بالمعنى، و قوله: «إلّا في الماء الأكبر» حصر بالنسبة إلىٰ الماء و غَسل الثوب، و احتمال العود إلىٰ الوضوء أيضاً ممكن، و يراد بالوضوء الموجود في ضمن الغسل من الجنابة، بمعنى القائم مقامه، لا الوضوء معه، فإنه منفي كما سيأتي إن شاء اللّٰه.

____________

(1) رجال النجاشي: 338/ 905.

(2) رجال النجاشي: 418/ 1117.

(3) هداية المحدثين: 125.

(4) في «د»: و لا غسلًا.

64

و ربما يستفاد من الخبر الثاني أن خبر الواحد لا يعوّل عليه، لأن علياً (عليه السلام) أمر المقداد أن يسأل و هو جالس، إلّا أن يقال: إن الإمام (عليه السلام) حكمه خاص باتباع اليقين.

و قد ذكر (ابن الأثير في كتاب أحكام الأحكام) (1) هذا الخبر علىٰ وجه مغاير لما هنا، و صورته: عن عليّ بن أبي طالب قال: «أرسلنا المقداد بن الأسود إلىٰ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): توضّأ و انضح فرجك».

قال ابن الأثير: و قد تُمسّك به في قبول خبر الواحد، و اعترض عليه بأنّه إثبات للشيء بنفسه، و هو محال، و أجاب ابن الأثير بجواز أن يكون المقداد سأل النبي (صلى الله عليه و آله) فسمع عليّ (عليه السلام) الجواب، انتهىٰ.

و المقصود (من ذكر ذلك) (2) هنا أن الخبر الآتي المتضمن لما يخالف هذا يقرب الحمل فيه علىٰ التقية بسبب ما نقلناه لولا ما يأتي من قول ابن بزيع، قلت: فإن لم أتوضأ؟ قال: «لا بأس» كما ستسمع القول فيه إنشاء اللّٰه تعالىٰ.

أمّا ما عساه يقال: إن استحياء عليّ (عليه السلام) لمكان فاطمة (عليها السلام) يندفع بإجمال السؤال ففيه أن الخبر لو صح اندفع السؤال كما لا يخفىٰ.

اللغة:

قال ابن الأثير (3): المذي مفتوح الميم ساكن الذال المعجمة مخفف

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «د»: بعض محققي العامة في كتاب أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيّد الأنام نحو.

(2) في «د»: هو ذكر هذا الخبر.

(3) في «د»: قال بعض شراح صحيح مسلم.

65

الياء هو المشهور، و قيل فيه لغة أُخرى و هي كسر الذال و تشديد الياء، و هو الماء الذي يخرج من الذكر عند الإنعاظ، قال: و في الحديث من قول عليّ: «كنت رجلًا مذّاءً» صيغة مبالغة علىٰ زنة فعّال من المذي، يقال: مذى يمذي و أمذى يمذي، و قوله: يعني علياً (عليه السلام) «فاستحييت»: هي اللغة الفصيحة.

[الحديث 5 و 6]

قال: فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد (بن إسماعيل) (1) بن بزيع، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم عدت عليه في سنة أُخرى فأمرني بالوضوء فقال: «إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أمر المقداد بن الأسود أن يسأل النبي (صلى الله عليه و آله) و استحيا أن يسأله فقال: فيه الوضوء».

فهذا الخبر لا يعارض ما قدّمناه من الأخبار لأنه خبر واحد، و قد (2) تضمن من قصة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أمره المقداد بمسألة النبي (صلى الله عليه و آله) و جوابه له ما ينافيه (3) المعروف في هذه القصة، و هو الذي تضمنته رواية إسحاق بن عمار و أنّه حين سأله قال له: «ليس بشيء» علىٰ أنّه يحتمل أن يكون الراوي قد ترك بعض الخبر، لأن محمد بن إسماعيل راوي هذا الخبر روىٰ هذه القصة بعينها، فإنه قال: أمرني بإعادة الوضوء، قلت له: فإن لم أتوضّأ، قال: «لا بأس».

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من الاستبصار 1: 92/ 295.

(2) في النسخ: ما. و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 92/ 295.

(3) في الاستبصار 1: 92/ 295: ينافي.

66

روىٰ ذلك الحسين بن سعيد، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن المذي، فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أُخرى، فأمرني بالوضوء منه، و قال: «إن علياً (عليه السلام) أمر المقداد أن يسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و استحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء» فقلت: و إن لم أتوضّأ؟ فقال: «لا بأس».

فجاء هذا الخبر مبيّناً مشروحاً دالّا علىٰ أن الأمر بالوضوء منه إنّما كان لضرب من الاستحباب دون الإيجاب.

السند:

في الخبر الأوّل لا ارتياب فيه إلّا من جهة رواية أحمد عن ابن بزيع بغير واسطة، و قد يظن استبعاده، من حيث إن رواية الحسين بن سعيد عن ابن بزيع، و من جملة طرق الشيخ إلىٰ الحسين بن سعيد ما يرويه أحمد بن محمد عن الحسين (1)، فتكون رواية أحمد عن ابن بزيع بواسطة، و يدفعه أنّه لا مانع من رواية أحمد تارة بواسطة الحسين، و تارة بعدمها.

و أمّا خبر إسحاق فقد تقدم القول فيه.

و الخبر الأخير واضح السند.

المتن:

في الأوّل ظاهر الدلالة علىٰ الأمر بالوضوء من الإمام و النبي (صلى الله عليه و آله).

و ما قاله الشيخ من أنّه خبر واحد، يريد به خلوّه عن القرائن الموجبة

____________

(1) مشيخة التهذيب (التهذيب 10): 66.

67

للعمل، لكن الشيخ قد سبق منه: أنّه لا يطعن في الخبر من جهة السند إلّا إذا تعذّر التأويل، و التأويل هنا مذكور، غير أنّ الخبر (1) لا طعن فيه من جهة السند كما يعرف بالملاحظة، نعم يشكل الحال بأنّ عدم حجّية الخبر يقتضي تركه من أوّل الأمر، و لعلّ مراد الشيخ في أوّل الكتاب ما يتناول هذا الطعن بنوع من الاعتبار.

و ما قاله (رحمه الله) من أن الخبر ينافي ما هو المعروف من القصة حقّ علىٰ تقدير العمل بخبر إسحاق بن عمار.

و الاحتمال المذكور من أنّ الراوي قد ترك بعض الخبر، ثم قول الشيخ بعد خبر محمد بن إسماعيل الأخير: إنّه جاء مبيّناً مشروحاً دالّا علىٰ أن الأمر بالوضوء إنّما كان لضرب من الاستحباب. في نظري القاصر أنه غير تام، لأنّ المطلوب بذلك إن كان دفع المنافاة للقصة المذكورة في خبر إسحاق فغير خفيّ أنّها غير مندفعة بل التنافي في القصة باق.

و إن كان المراد دفع التنافي بين الروايات الدالة علىٰ أنّ المذي لا وضوء منه و بين ما دل علىٰ الوضوء بحمل الدال علىٰ الوضوء علىٰ الاستحباب فله وجه، إلّا أنّ كلام الشيخ سياقه يدل علىٰ غير هذا، و السكوت عن المنافاة بين ما دل علىٰ القصّة غير لائق.

و لا يبعد حمل ما دل علىٰ الضوء من النبي (صلى الله عليه و آله) علىٰ التقية لولا الخبر الأخير، فإنّ أهل الخلاف نقلوا في أحاديثهم القصة بما هذه صورته غير ما تقدم نقله عنهم:

روىٰ النسائي عن سليمان بن يسار قال: أرسل عليّ بن أبي طالب المقداد بن الأسود إلىٰ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يسأله عن الرجل يجد المذي، فقال

____________

(1) في النسخ: الكلام، و لعل الصحيح ما أثبتناه.

68

رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «يغسل ذكره ثم ليتوضّأ» (1).

و عن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه قال: «كنت رجلًا مذّاءً فاستحييت أن أسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره و يتوضّأ» (2).

و أنت خبير بأنّ مثل هذه الأخبار قرينة علىٰ أن الأمر بالوضوء في أخبارنا و ذكر قصة النبي (صلى الله عليه و آله) للتقية لولا منافاة ما رواه محمد بن إسماعيل من قوله: قلت: فإن لم أتوضّأ؟ قال: «لا بأس».

و قد يمكن التوجيه بأنّ السؤال بقوله: قلت: فإن لم أتوضّأ. لم يكن حال قول الإمام (عليه السلام) حاكياً لقصّة عليّ (عليه السلام)، بل [حين (3)] حصل الأمن من المخالف، و إن كان لا يخلو من بُعد.

أمّا ما ذكره شيخنا البهائي سلّمه اللّٰه في الحبل المتين من أنه يمكن أن يستنبط من الحديث يعني الأخير عدم لزوم التعرض في نية الوضوء للوجه، و أنّ مطلق القربة كاف، و بيّن ذلك بأنّ وجوب الوضوء هو المستفاد من ظاهر أمره (عليه السلام) لمحمد بن إسماعيل في السنة الأُولىٰ، و قوله (عليه السلام) في السنة الثانية: «لا بأس به» كاشف عن [أنّ (4)] ذلك الأمر إنّما كان للاستحباب، فلو كان قصد الوجه في نية الوضوء لازماً للزم تأخير البيان (5) عن وقت الحاجة (6).

____________

(1) سنن النسائي 1: 214.

(2) سنن النسائي 1: 214، بتفاوت يسير.

(3) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(4) أضفناه لاستقامة العبارة.

(5) ليس في «رض».

(6) الحبل المتين: 31.

69

ففي نظري القاصر فيه كلام أنهيته في حاشية التهذيب، و الذي يمكن ذكره هنا أُمور:

أحدها: أنّ الأمر إذا كان حقيقة في الوجوب فاعتقاد الوجوب من محمد بن إسماعيل كما هو مقتضىٰ الأمر فيه (1) إغراء بالجهل، و ذلك غير موافق للحكمة في عدم بيان ما يردّ هذا الاعتقاد، و عدم القصد حال الفعل أمر آخر.

و ثانيها: أنّ اعتقاد الوجوب إذا حصل يجوز حضوره حال الفعل و إن لم يكن متعيناً نظراً إلىٰ عدم وجوب نية الوجه، لكن احتمال وقوع القصد كاف في محذور منافاة الحكمة، و احتمال علم الإمام بعدم الوقوع يقال مثله في احتمال عدم الاحتياج إلىٰ الوضوء من المذي ليلزم تأخير البيان، و الجواب الجواب.

و ثالثها: أنّ الأمر لو كان للوجوب لما ناسب قول ابن بزيع: فإن لم أتوضّأ. فإنّ الحقيقة إذا تحققت أعني إرادة الوجوب لا وجه للسؤال، و احتمال أن يكون السؤال لدفع شوب الارتياب يشكل بتكرّر الأمر في العامين.

و قد يظن أنّ هذا الخبر بالدلالة علىٰ أنّ الأمر ليس للوجوب في عرف الشارع أقرب منه دلالةً علىٰ الوجوب، غير أنه يختلج الشك حينئذ بأن الأمر إمّا للاستحباب أو هو مشترك بين الوجوب و الاستحباب، فإن كان الأوّل فالسؤال بقوله: قلت: فإن لم أتوضّأ. لا فائدة فيه، و إن كان الثاني لم تحصل الفائدة من الجواب، إذ لا يخرج عن الإجمال.

و احتمال استفادة مطلق الرجحان من المشترك فيعمل به كما ظنه

____________

(1) ليس في «رض».

70

الوالد (قدس سره) في الأُصول (1) و غيره من الأُصوليين لا يخلو من تأمّل في نظري القاصر، لأنّ الأحكام الشرعية منحصرة في الخمسة، و مطلق الرجحان إن أُريد به من غير فصل فلا تكليف به، و مع الفصل لا بُدّ من العلم به، إذ التكليف فرع العلم بالحكم، و مع الإجمال لا علم، فالإتيان بمطلق الرجحان علىٰ أن يكون حكماً غير واضح كما ذكرته في محله.

و لا يخفىٰ أنّ فائدة هذا الكلام هنا غير ظاهرة، لكن ذكرتها بالعارض لدفع الاحتمال.

و حينئذ فالخبر المبحوث عنه المتضمن لأمر (2) محمد بن إسماعيل يحتمل أن يكون فهم منه الاستحباب، و إعادة السؤال في السنة الثانية علىٰ تقدير الاستحباب جوابها كالجواب علىٰ تقدير الوجوب حذو النعل بالنعل، غير أنّ قوله في السؤال: فإن لم أتوضّأ، أقرب إلىٰ إرادة الاستحباب، و فائدته و إن خفيت، إلّا أنّ احتمال إرادة دفع الارتياب في الاستحباب ممكن و له قرب بالنسبة إلىٰ إرادة الوجوب.

و بهذا يظهر وجه نظر في كلام شيخنا البهائي سلمه اللّٰه- (3) كما يعلم بصحيح التأمّل، و توضيح الحال في حاشية التهذيب.

أمّا ما ذكره العلّامة: من أنّ الراوي إذا روىٰ الحديث تارة مع زيادة و تارة بدونها، عمل علىٰ تلك الزيادة إن لم تكن مغيّرة و يكون بمنزلة الروايتين (4).

____________

(1) معالم الدين: 48.

(2) في «رض»: لأمن.

(3) المتقدم في ص 61.

(4) المنتهىٰ 1: 32.

71

قلنا فيه كلام أيضاً في الحاشية، و القدر المطلوب ذكره هنا ما قلناه.

غير أنه يبقىٰ شيء لا بدّ من التنبيه عليه، و هو أنّ خبر إسحاق بن عمار تضمّن أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «ليس بشيء» و هو يتناول (1) نفي النجاسة و نفي الوضوء، فإذا عارضه ما دلّ علىٰ الوضوء حمل النفي في خبر إسحاق علىٰ النجاسة.

و جوابه يظهر بالتأمل في ذكر جواب النبي (صلى الله عليه و آله) في الأخبار، فإنه لا مساغ (2) لدخول التخصيص في الباب إذا أعطاها الناظر حق النظر، و لو تم بالتكلّف لم يتم التخصيص أيضا، كما هو واضح، و اللّٰه الموفق.

[الحديث 7 و 8 و 9]

قال (3) و يمكن أن يكون الاستحباب في إعادة الوضوء من المذي إنّما يتوجه إلىٰ من يخرج منه المذي بشهوة، يدل علىٰ ذلك:

ما رواه محمد بن الحسن الصفار، عن موسى بن عمر، عن عليّ ابن النعمان، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المذي يخرج من الرجل، قال: «أحدّ لك فيه حدّا؟» قال، قلت: نعم جعلت فداك، قال: فقال: «إن خرج منك علىٰ شهوة فتوضّأ، و إن خرج منك علىٰ غير ذلك فليس عليك فيه وضوء».

الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)

____________

(1) في «رض»: متناول.

(2) في «فض»: لامتناع.

(3) في «د»: قوله.

72

عن المذي أ ينقض الوضوء؟ قال: «إن كان من شهوة نقض».

الصفار، عن معاوية بن حكيم، عن عليّ بن الحسن بن رباط، عن الكاهلي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي؟ فقال: «ما كان منه بشهوة فتوضّأ منه».

السند

في الأوّل: موسى بن عمر، و الظاهر أنّه ابن يزيد الصيقل، لأن الراوي عنه سعد و هو في مرتبة الصفار، و موسى غير ثقة علىٰ ما وقفت عليه في الرجال (1)، و احتمال كونه ابن بزيع الثقة بعيد، لأن الطريق إليه علىٰ ما في الفهرست: أحمد بن أبي عبد اللّٰه، عن عبد الرحمن بن حماد، عنه (2)؛ علىٰ أن الاحتمال لا يفيد شيئاً بدون الظهور، مضافاً إلىٰ اشتمال الطريق علىٰ أبي سعيد و أبي بصير، فإن الأوّل مذكور في الرجال مهملا (3)، و اسمه هاشم ابن حيّان، و أبو بصير تكرّر القول فيه (4).

و الخبر الثاني: واضح السند.

و الثالث: فيه معاوية بن حكيم، و قد وثّقه النجاشي (5)، و قال الكشي: إنّه فطحي (6) و ابن رباط ثقة في النجاشي (7). و أمّا الكاهلي فالظاهر

____________

(1) رجال النجاشي: 405/ 1075، الفهرست: 163/ 709.

(2) الفهرست: 164/ 715.

(3) رجال النجاشي: 436/ 1169، رجال الطوسي: 330/ 21، الفهرست: 190/ 855.

(4) راجع ج 1 ص 72 73، 38.

(5) رجال النجاشي: 412/ 1098.

(6) رجال الكشي 2: 835/ 1062.

(7) رجال النجاشي: 251/ 659.

73

أنه عبد اللّٰه بن يحيىٰ كما صرّح به العلّامة في الخلاصة (1)، و يأتي لأخيه إسحاق أيضاً، و عبد اللّٰه يستفاد من الرجال مدحه (2).

المتن:

في الجميع ظاهر الدلالة علىٰ أن المذي إذا خرج بشهوة نقض الوضوء، إلّا أنّه سيأتي في خبر ابن رباط المرسل أن المذي يخرج من الشهوة، و ظاهره الحصر في ذلك كما سيأتي.

و في كلام بعض أهل اللغة: المذي ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند شهوة، لا بشهوة، و لا دفق، و لا يعقّبه فتور (3).

و قد قدّمنا أيضاً عن بعض أنّ المذي ما يخرج من الذكر عند الإنعاظ (4).

و في كلام بعض أيضاً إن المذي يخرج عقيب شهوة الجماع و الملاعبة (5).

و أنت خبير بأنّ معنىٰ الشهوة المذكورة لا يخلو من غموض، و بتقدير تحقق المعنىٰ فحصول المذي لا عن شهوة لا يوافقه الخبر الآتي، و كان علىٰ الشيخ أن يحقّق الحال، و الأخبار المبحوث عنها صحيحها دال علىٰ أن

____________

(1) خلاصة العلّامة: 108/ 31.

(2) رجال الكشي 2: 745/ 841، 842، رجال النجاشي: 221/ 850، رجال ابن داود: 125/ 918، خلاصة العلّامة: 108/ 31.

(3) لم نعثر عليه.

(4) المتقدم في ص 57.

(5) الصحاح 6: 2490، مجمع البحرين 1: 388.

74

للمذي حالتين بحسب المفهوم، إلّا أنّه قابل للتوجيه إذا لم يتحقق المذي من دون الشهوة.

إذا عرفت هذا فما قاله الشيخ (رحمه الله) من إمكان أن يكون الاستحباب في إعادة الوضوء إذا كان المذي بشهوة، إن أراد به بيان الجمع بين الأخبار السابقة، ففيه: أنّ ظاهر خبر إسحاق أنّ المذي ليس بشيء، و كذلك خبر عنبسة نظراً إلىٰ الإطلاق، و مفاد خبر محمد بن إسماعيل الوضوء من المذي مطلقاً، و ذكر قصة النبي (صلى الله عليه و آله) مؤيّدة العموم في الجانبين.

و حينئذ فالحمل علىٰ المذي الحاصل من الشهوة يحتاج تماميته إلىٰ تكلف زائد، بل في الظن أنّه لا يسلم من المناقشة كما يعلم من مراجعة الأخبار و إعطائها حق النظر.

و حكىٰ العلّامة في المختلف عن ابن الجنيد أنّه قال: إذا خرج المذي عقيب شهوة نقض الوضوء، ثم قال العلّامة: لنا وجوه: الأوّل أنّه ممّا يعمّ به البلوىٰ و يحصل لأكثر الناس في أكثر الأوقات، فلو كان ناقضاً لوجب أن يعلم من الدين كما يعلم نقض البول و الغائط (1). و أطال التوجيه بما لا يخلو من تأمّل، و قد ذكرته في حاشية التهذيب.

و كذلك بقية الوجوه كاستصحاب الحال، لأنّه قبل خروج المذي متطهر فكذلك بعده.

و فيه: أنّه معارض بأنّ مقتضىٰ الآية الشريفة وجوب الوضوء علىٰ كل من أراد القيام إلىٰ الصلاة، فإذا خرج المتطهر بما اتفق عليه بقي غيره، و منه من أمذىٰ.

____________

(1) المختلف 1: 94.

75

و مثل هذا يقال في الاستدلال بالرجوع إلىٰ حكم الأصل، لأنّه قبل الشرع لا يوجب حكماً فكذلك بعده، لأنّ الأصل بقاء ما كان علىٰ ما كان.

و بالجملة: فالأولىٰ ترك مثل هذا الاستدلال و الرجوع إلىٰ الأخبار عند العامل بها.

نعم لمّا كانت الأخبار لا تخلو من معارضة أمكن أن يقال: إنّ براءة الذمّة من الوجوب يؤيّده الأخبار الواردة بعدم الوضوء، و ستسمع بقية الكلام في المسألة بعد ذكر الأخبار.

[الحديث 10 و 11]

قال: و الذي يدل علىٰ أن هذه الأخبار محمولة علىٰ الاستحباب:

ما أخبرني به الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ليس في المذي من الشهوة، و لا من الإنعاظ، و لا من القُبلة، و لا من مسّ الفرج و لا من المضاجعة وضوء، و لا يغسل منه الثوب و لا الجسد».

و بهذا الاسناد عن الصفار، عن الهيثم بن أبي مسروق (النهدي) (1)، عن علي بن الحسن (2) الطاطري، عن ابن رباط، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يخرج من الإحليل المني و المذي (3) و الوذي، فأمّا المني فهو الذي تسترخي (4) له العظام و يفتر

____________

(1) أثبتناه من الاستبصار 1: 93/ 301.

(2) في الاستبصار 1: 93/ 301: الحسين.

(3) في الاستبصار 1: 93/ 301 زيادة: و الودي.

(4) في الاستبصار 1: 93/ 301: يسترخي.

76

منه الجسد و فيه الغُسل، و أمّا المذي فإنه يخرج من الشهوة و لا شيء فيه، و أمّا الودي (1) فهو الذي يخرج بعد البول، و أمّا الوذي (2) فهو الذي يخرج من الأدواء (3) فلا شيء فيه».

السند

في الأوّل معدود من الصحيح حتى عند من لا يعمل بمراسيل ابن أبي عمير نظراً إلىٰ قوله: عن غير واحد، و فيه تأمّل ظاهر.

و العجب من شيخنا (قدس سره) أنّه قال بعد نقلها في المدارك: و لا يضر إرسالها لأن في قوله: عن غير واحد من أصحابه، إشعاراً بثبوت مدلولها عنده (4). فإن ثبوت المدلول عنده لا يقتضي وجوب العمل عند غيره، و لو تم لزم ثبوت العمل و إن لم ترد الرواية بلفظ: غير واحد، كما هو واضح.

و في الثاني: الهيثم بن أبي مسروق و قد تقدم فيه القول (5)؛ و الطاطري ثقة واقفيّ؛ و ابن رباط محتمل لأن يكون الثقة و هو علي بن الحسن بن رباط، و غيره و هو الحسن بن رباط و علي بن رباط بتقدير المغايرة لعلي بن الحسن بن رباط، كما قد يفهم من رجال الشيخ (6)، و إن أمكن الاتحاد، و فيه كلام، و علىٰ كل حال فالحديث ضعيف بالإرسال.

____________

(1) في بعض النسخ: الوذي.

(2) في بعض النسخ: الودي.

(3) الأدواء: جمع داء بمعنى المرض، مجمع البحرين 1: 151 (دوا).

(4) مدارك الأحكام 1: 152.

(5) راجع ج 1 ص 319.

(6) رجال الطوسي: 384/ 60.

77

المتن:

ظاهر الأوّل عدم الوضوء من المذي و إن كان بشهوة، و معارضة ما تقدم من الخبر الصحيح عن علي بن يقطين يقتضي إرادة نفي الوجوب في خبر ابن أبي عمير إن عملنا به، لكن الحال غير خفية.

و ما دلّ من معتبر الأخبار علىٰ أن المذي لا ينقض الوضوء علىٰ الإطلاق لا مانع من تقييده كرواية زيد الشحام و محمد بن مسلم و زرارة الصحيحة الآتية (1): «إنّما هو بمنزلة النخامة كل شيء خرج منك [بعد الوضوء (2)] فإنه من الحبائل».

و قد يمكن أن يراد بالوضوء في خبر ابن أبي عمير الاستنجاء، فلا يعارض خبر ابن يقطين، و فيه بُعد، إلّا أن أهل الخلاف يذهبون إلىٰ نجاسته و وجوب الاستنجاء منه (3)، بل ذهب بعضهم إلىٰ وجوب غَسل جميع الذكر منه و إن لم يصبه منه شيء (4)، و حينئذ ربما قرب الخبر من الردّ عليهم.

و أمّا الخبر الثاني: فهو كما ترى ذكر فيه ثلاثة في الإجمال، و في التفصيل زاد رابعاً.

و في التهذيب: «و الوذي» بعد الودي (5)، و ربما يظن أنّه الصواب، إلّا أنّ شيخنا المحقّق ميرزا محمد أيّده اللّٰه قال في فوائده علىٰ الكتاب

____________

(1) في ص 73.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه من الإستبصار 1: 94/ 305.

(3) منهم ابنا قدامة في المغني و الشرح الكبير 1: 194.

(4) منهم ابنا قدامة في المغني و الشرح الكبير 1: 194.

(5) التهذيب 1: 20/ 48، الوسائل 1: 278 أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 6.

78

و مخالفته في البيان لما تقدم ربما اقتضىٰ خلاف الصواب.

و أنت إذا تأمّلت الخبر في التهذيب و في الكتاب ترى أنّه لا يخلو من شيء كما ذكرته في حاشية التهذيب، و ما قدّمناه من دلالته علىٰ حصر المذي في الخارج من الشهوة هو الظاهر منه.

و ذكر الودي (1) من غير تعرض إيجاب الوضوء و عدمه غير واضح الوجه، و لعلّه اكتفىٰ بالنفي في بقية الأقسام، و فيه ما فيه.

اللغة:

قال في النهاية: الودي بسكون الدال يعني المهملة و كسرها و تشديد الياء، البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول (2). و نقل بعض المتأخّرين أنّ الوذي بالمعجمة ما يخرج عقيب إنزال المني (3). و لم أقف علىٰ مأخذه.

[الحديث 12 و 13]

قال: فأمّا ما رواه الحسن بن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ثلاث يخرجن من الإحليل و هي المني و فيه الغسل، و الودي فمنه الوضوء لأنه يخرج من دريرة البول» قال: «و المذي ليس فيه وضوء و إنّما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف».

قوله (عليه السلام): «و الودي فمنه الوضوء» محمول علىٰ أنّه إذا لم يكن قد استبرأ من البول علىٰ ما ذكرناه و خرج منه بعد ذلك شيء وجب

____________

(1) في «د» و «فض»: الوذي.

(2) النهاية لابن الأثير 5: 169 (الودي).

(3) المسالك 1: 27.

79

عليه إعادة الوضوء، لأنه يكون من بقية البول، و قد نبّه علىٰ ذلك بقوله: «لأنه يخرج من دريرة البول» إشارةً إلىٰ أن ذلك إما بول أو يخالطه البول (1).

و الذي يكشف عما ذكرناه:

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللًا، قال: «إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأُنثيين ثلاث مرّات و غمز ما بينهما ثم استنجىٰ فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي».

السند

في الأوّل: (واضح) (2) لأنّ الطريق في المشيخة إلىٰ الحسن بن محبوب صحيح فيما كان من كتبه و مصنفاته (3)، و غيرها (فالطريق حسن بإبراهيم في بعضها و صحيح في آخر، و حينئذ يتحقق للشيخ طريق صحيح إلىٰ الحسن بن محبوب من غير كتبه و مصنفاته) (4) و أمّا ابن سنان فالظاهر

____________

(1) في الاستبصار 1: 94/ 302: بول.

(2) في «فض» الصحة، و في «د»: ظاهر صحيح في الظاهر.

(3) خلاصة العلّامة: 276.

(4) ما بين القوسين ساقط من «د»، و فيها زيادة: فما قاله العلّامة في الخلاصة من أنّ الطريق إلىٰ الحسن بن محبوب حسن، و إليه ممّا أخذه من كتبه و مصنفاته صحيح، غير واضح، و قد تبعه شيخنا أيّده اللّٰه في كتاب الرجال. و الحاصل أنّ الشيخ في المشيخة ذكر للحسن بن محبوب ثلاث طرق، أحدها حسن، و ثانيها صحيح فيما أخذه من كتبه و مصنفاته، و ثالثها ما رواه عن الحسن بن محبوب و الحسين بن سعيد، و هو صحيح. و احتمال أن يقال: إنّ هذا مخصوص بما رواه عن الحسن و الحسين، بعيد في الغاية، بل الغاية عدم توقف أحد في مثل هذا. نعم، قد ذكرته احتمالًا في طرق الفقيه؛ لأنّه يروي عن المتعددين في الفقيه، و أمّا في مثل هذا الكتاب فلم أقف علىٰ رواية الشيخ عن الحسن بن محبوب و الحسين بن سعيد معاً. نعم، قد يختلج شكّ في إفادة الشيخ الطريق إلىٰ الحسن بن محبوب و الحسين؛ لأنّه قال: و من جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب و الحسين، إلىٰ آخره، و ظاهر هذا أنّ من جملة ما ذكره طريقه إليه ما قاله فيحتاج أن يعلم أنّ الخبر المبحوث عنه من ذلك الجملة، و العلم بذلك غير حاصل. و يمكن الجواب عن هذا بأنّ مراده بيان الطريق إلىٰ الحسن بن محبوب المذكور في جملة ما رواه في الكتاب كما يقتضيه كلامه في جمع المشيخة و لو قام الاحتمال في الجمع لم يتمّ تصحيح طريقه [إلىٰ] أحمد بن محمد بن يحيىٰ و نحوه، و قد حكم بصحّته الأصحاب، و هو دليل علىٰ فهمهم من كلامه ما ذكرناه، فليتأمّل.

80

أنّه عبد اللّٰه، لأنّه الراوي عن أبي عبد اللّٰه كما يستفاد من الرجال (1).

و الثاني: فيه عبد الملك بن عمرو، و هو غير معلوم التوثيق.

المتن:

ظاهر الأوّل وجوب الوضوء من الودي، و معارضه هنا هو الخبر المرسل، و ليس فيه ذكر للوضوء و لا لعدمه كما سبق فيه القول، و رواية زيد الشحام تدل علىٰ الوذي المعجمة، و حينئذ فالحمل المذكور في كلام الشيخ محل نظر بالنسبة إلىٰ ما هنا من الأخبار السابقة.

نعم ربما يستفاد من الرواية الثانية أنّ الودي لا ينقض الوضوء بعد الاستبراء و إن أمكن أن يقال باحتمال أن يراد نفي النجاسة من الرواية نظراً إلىٰ وجود المعارض الدال علىٰ وجوب الوضوء منه عند الشيخ العامل بالخبر الأوّل.

____________

(1) رجال النجاشي: 214/ 558، خلاصة العلّامة: 104/ 15.

81

و يمكن الجواب بأنّ ظاهر الخبر الثاني عموم عدم المبالاة من جهة النجاسة و نقض الوضوء، و يؤيّده الخبر الآتي، و لعلّ الشيخ لو قدّم الخبر المرسل عن حريز كان أولىٰ لصراحته في عدم نقض الوضوء فتتحقق المعارضة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر الثاني من كيفية الاستبراء لا يخلو من إجمال، فإنّ قوله (عليه السلام): «و غمز ما بينهما» محتمل لأن يعود الضمير إلىٰ الأُنثيين و يراد بما بينهما الجزء المتصل بهما من الذكر، و يحتمل أن يعود إلىٰ الأُنثيين و بقية الذكر، و يحتمل أن يعود إلىٰ المقعدة و الأُنثيين، فتكون الواو بمعنى أو، و يحتمل الجمع بين الأمرين لما سيأتي من تفسير الغمز و الخرط.

اللغة:

قال في القاموس: درّ النبات التفّ، و الناقة بلبنها أدرّته، و الفرس تدرّ دريراً عَدا شديداً أو عَدواً سهلًا، و العرق سال، و فيه أيضا الدِّرّة بالكسر سيلان اللبن (1).

و قال أيضاً: خرط الشجر يخرِطه، و يخرُطه: انتزع الورق منه اجتذابا (2).

و في النهاية: الغمز: العصر و الكبس باليد (3).

و السوق جمع ساق و هو ما بين الكعب و الركبة.

____________

(1) القاموس المحيط 2: 29 (الدر).

(2) القاموس المحيط 2: 370 (خرط).

(3) النهاية لابن الأثير 3: 385 (الغمز).

82

[الحديث 14 و 15 و 16]

قال: و يزيد ذلك بياناً:

ما رواه الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عمّن أخبره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الوذي لا ينقض الوضوء إنّما هو بمنزلة المخاط و البصاق» (1).

و عنه، عن حماد، عن حريز، قال: حدثني زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «إن سال من ذكرك شيء من مذي أو وذي فلا تغسله، و لا تقطع الصلاة، و لا تنقض له الوضوء، إنّما هو بمنزلة النخامة، كل شيء خرج منك بعد الوضوء فإنّه من الحبائل».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير قال: حدّثني يعقوب بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي و هو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة، قال: «المذي منه الوضوء».

قوله (عليه السلام): «المذي منه الوضوء» يمكن حمله علىٰ التعجب منه، فكأنّه (2) من شهرته و ظهوره في ترك إعادة الوضوء منه قال: هذا شيء يُتوضّأ منه؟! و يمكن (أن يحمل) (3) علىٰ ضرب من التقيّة، لأنّ ذلك مذهب أكثر العامة.

____________

(1) في الاستبصار 1: 94/ 304: البُزاق.

(2) في «فض»: و كأنه.

(3) في الاستبصار 1: 95/ 306: أن نحمله، و في «رض»: حمله.

83

السند

في الأوّل مرسل؛ و الثاني صحيح؛ و كذلك الثالث.

المتن:

صريح الأوّل أنّ الوذي لا ينقض الوضوء مطلقا إلّا أنّه يقيد بالاستبراء، و ربما يقال: إنّ مع عدم الاستبراء لا يكون النقض مستنداً للوذي بل للبول، و ما عساه يقال: إنّ الفرض اشتباهه. يمكن الجواب عنه بأن المرجع إلىٰ حكم الشارع، و يجوز أن يكون احتمال البول هنا موجباً للوضوء، غاية الأمر قد يشكل الحال بالنسبة إلىٰ الطهارة و حيث لم يتحقق البول، (مع الاشتباه (1))، و لزوم الوضوء لا يستلزم النجاسة.

و ربما أمكن الجواب بأنّ ظاهر الأخبار الواردة في الاستبراء يعطي النجاسة، بل لا يبعد أن يقال: إنّه لا اشتباه مع عدم الاستبراء، كما يستفاد من الأخبار، و سيأتي إن شاء اللّٰه الكلام في ذلك في باب الجنابة (2).

و ما تضمنه الخبر الثاني من قوله (عليه السلام): «كل شيء خرج منك بعد الوضوء.» لعل المراد بالوضوء الاستبراء مع الاستنجاء.

و أمّا الخبر الثالث فالتوجيه بغير التقية تكلف.

اللغة:

قال في القاموس: الحِبال في الذكر عروقها (3).

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «فض» و «رض»: و مع الاشتباه لا تحقّق للبول.

(2) يأتي في ص 215 229.

(3) القاموس المحيط 3: 364 (الحبل).

84

و في الحبل المتين: أنّ الحبائل بالحاء المهملة و الباء الموحدة يراد بها عروق في الظهر (1).

باب مسّ الحديد

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون علىٰ طُهر يأخذ من أظفاره أو شعره أ يعيد الصلاة (2)؟ قال (3): «لا، و لكن يمسح رأسه و أظفاره بالماء» قال: قلت: فإنّهم يزعمون أنّ فيه الوضوء، فقال: «إن خاصموكم فلا تخاصموهم و قولوا: هكذا السنّة».

الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسىٰ، [عن حريز (4)]، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يقلم أظفاره و يجزّ شاربه و يأخذ من شعر رأسه و لحيته هل ينقض ذلك وضوءه؟ فقال: «يا زرارة كلّ هذا سنّة و الوضوء فريضة، و ليس شيء من السنّة ينقض الفريضة، و إنّ ذلك ليزيده تطهيراً».

سعد، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيىٰ، عن سعيد بن

____________

(1) الحبل المتين: 35.

(2) في الاستبصار 1: 95/ 307: الوضوء.

(3) في الاستبصار 1: 95/ 307: فقال.

(4) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار 1: 95/ 308.

85

عبد اللّٰه الأعرج قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): آخذ من أظفاري و من شاربي و أحلق رأسي أ فأغتسل؟ قال: «لا، ليس عليك غسل» قلت: فأتوضّأ؟ قال: «لا ليس عليك وضوء» قلت: فأمسح (1) علىٰ أظفاري بالماء (2)؟ فقال: «هو طهور ليس عليك مسح».

السند

في الأوّل تكرر القول فيه، و وجدت الآن كلاماً لبعض المتأخّرين و هو: أنّ محمد بن إسماعيل هذا ابن بزيع، و قد صرّح به في التهذيب، و أمّا كلام ابن داود: إنّ في لقاء الكليني له نظراً من جهة التاريخ. فهو جيّد، لكن الاستدلال به علىٰ الإرسال و عدم صحة الرواية استدلال بنفي الخاص علىٰ نفي العام، فإنّ طريق التحمل و الرواية لا ينحصر في الملاقاة، و حينئذ فلا يعدل عن ظاهر الكليني فإنه روىٰ عنه أكثر من أن يُعدّ، و يبعد عن العدل مثله في صورة الإرسال، و هو معدود من التدليس لا يكاد يظن بمثله (3). انتهىٰ.

و أنت إذا تأمّلت تراه لا يخلو من تخليط، أمّا ما ذكره من تصريح الشيخ في التهذيب. صحيح، فقد وقع ذلك في كتاب الحدود، و الذي فهمته من الوالد (قدس سره) أنّه سَبْق قلمٍ من الشيخ، و الظاهر ذلك، لأن ابن بزيع لا يروي عن ابن شاذان، بل ابن شاذان يروي عنه.

نعم في كتاب الروضة من الكافي اتفق التصريح بابن بزيع (4)، و هذا

____________

(1) في «رض»: أ فأمسح.

(2) في الاستبصار 1: 96/ 309: الماء.

(3) لم نعثر عليه.

(4) الروضة من الكافي 8: 2/ 1.

86

يوجب الريب، إلّا أنّ احتمال الوهم قائم، و احتمال رواية كل منهما عن الآخر و إن أمكن، إلّا أنّ الممارسة للأخبار تنفيه.

و قول القائل: إن طريق التحمل و الرواية لا ينحصر في الملاقاة. حق، إلّا أن إطلاق الرواية من دون التصريح بالإجازة خلاف ما عليه أهل التحقيق في الدراية.

ثم إن قوله: و يبعد عن العدل مثله. مناف لأول الكلام كما لا يخفىٰ علىٰ ذوي الأفهام.

و أمّا الخبران الآخران فالسند فيهما واضح.

المتن:

في الأوّل ظاهر في مسح الرأس و الأظفار بالماء، و هو مطلق في أن الأخذ بالحديد و غيره، و سيأتي من الشيخ حمل ما دل علىٰ المسح بالماء إذا كان بالحديد، لكن ستعلم أن ما يدل علىٰ ذلك لا يقاوم هذا الخبر ليحمل مطلقه علىٰ المقيد، إلّا أن جماعة من الأصحاب و عَدّ منهم الشيخَ والدي (قدس سره) و لعلّه من كلام الشيخ في غير الكتاب، أمّا استفادته من كلامه هنا ففيه ما فيه قالوا: إنّه يستحب لمن قصّ أظفاره بالحديد أو أخذ من شعره أو حلق أن يمسح الموضع بالماء، و استندوا إلىٰ الخبرين الآتيين (1)، و هذا الخبر له نوع اعتبار، بل هو معدود من الصحيح عند بعض (2).

و قد قدمنا أنّ مرتبة محمد بن إسماعيل لا تقصر عن مرتبة (3) ابن

____________

(1) حكاه عنهم في معالم الفقه: 370.

(2) معالم الفقه: 371.

(3) ليس في «فض».

87

الوليد و أضرابه (1) من الشيوخ المحكوم بصحة الحديث المشتمل علىٰ أحدهم، و حينئذ ينجبر الوهن الحاصل في الخبرين الآتيين من جهة رجالهما عند من لا يعمل بالموثق، غاية الأمر أن فيه الإطلاق، و لعل ذلك لا يضر بالحال، لأن المتبادر إرادة الأخذ بالحديد، و ينضاف إليه عدم ظهور قائل بالاستحباب في غير الحديد.

ثم الخبر الثالث الصحيح يدل علىٰ عدم وجوب المسح، و ربما دلّ لفظ السنة في هذا الحديث عليه أيضاً ظاهراً و إن أمكن المناقشة في ذلك بأن السنّة تطلق علىٰ ما يتناول الواجب.

و ما تضمنه الخبر (من قوله (عليه السلام): «إن خاصموكم فلا تخاصموهم.» لا يخلو من إجمال، فإنّ الظاهر من الأمر بقول: «هكذا السنّة» أنّه لا بُدّ فيه) (2) من المخاصمة، حيث إن أهل الخلاف يذهبون إلىٰ الوضوء، و المتبادر من قول: «هكذا السنّة» أنّه إشارة إلىٰ المسح بالماء، و حينئذ فالمخالفة لاعتقاد أهل الخلاف لازمة، إلّا أن يقال: إن المراد بعدم المخاصمة أن لا تصرّحوا بعدم نقض الوضوء، بل قولوا: السنّة في المسح بالماء ثابتة. و اللّٰه تعالىٰ أعلم بمقاصد أوليائه.

و ما تضمّنه الخبر الثاني من أنّه: «ليس شيء من السنّة ينقض الفريضة» واضح؛ أمّا زيادة التطهير فلعلّ المراد بها زيادة الثواب، و إرادة التطهير الزائد نوع من التجوّز، و الظاهر من ضمير «ليزيده» العود إلىٰ الوضوء، و يحتمل العود إلىٰ المكلّف، و فيه ما فيه.

و ما تضمنه الخبر الثالث من نفي المسح بحسب ظاهره ينافي الخبر

____________

(1) راجع ص 37.

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

88

الأوّل، فكان علىٰ الشيخ أن ينبّه علىٰ ذلك بجعله من الأخبار المعارضة، و الجمع بأنّ المراد نفي المسح علىٰ سبيل الوجوب، و بهذا يتضح (1) حمل الخبر الأوّل علىٰ الاستحباب.

اللغة:

قال ابن الأثير في أحكام الأحكام لشرح حديث سيد الأنام: تقليم الأظفار قطع ما طال عن اللحم منها، يقال: قلّم أظفاره تقليماً، المعروف فيه التشديد، و القلامة ما يقطع من الظفر، قال: و في ذلك معنيان: أحدهما: تحسين الهيئة و إزالة القباحة في طول الأظفار. و الثاني: أنّه أقرب إلىٰ تحصيل الطهارة الشرعية علىٰ أكمل الوجوه، لما عساه يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلىٰ البشرة. انتهىٰ.

و ربما كان في المعنىٰ الثاني دلالة علىٰ أنّ المراد بزيادة التطهير في خبر زرارة الحقيقة، لكن هذا المعنىٰ يختص بالسبق علىٰ الوضوء، أو يقال: إنّ الزيادة للوضوء اللاحق، و قد يتمشىٰ التعليل للشعر بنوع تقريب: إمّا بأن يزول بإزالته الوسخ الكائن تحته، أو يصل الماء إلىٰ البشرة. و في القاموس: جزّ الشعر جزّاً و جزّه. حسّنهُ (2).

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار الساباطي، عن

____________

(1) في «رض»: اتّضح.

(2) القاموس المحيط 2: 175 (جز).

89

أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: الرجل يقرض من شعره بأسنانه يمسحه بالماء قبل أن يصلي؟ قال: «لا بأس إنّما ذلك في الحديد».

قوله (عليه السلام): «إنّما ذلك في الحديد» محمول علىٰ ضرب من الاستحباب دون الإيجاب.

و أمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن الحسن ابن علي بن فضّال، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل إذا قصّ أظفاره بالحديد أو جزّ من شعره أو حلق قفاه فإن عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلّي» سُئل فإن صلّىٰ و لم يمسح من ذلك بالماء؟ قال: «يعيد الصلاة لأن الحديد نجس» و قال: «لأن الحديد لباس أهل النار، و الذهب لباس أهل الجنّة».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الاستحباب دون الإيجاب، لأنه خبر شاذ مخالف للأخبار كلها (1)، و ما يجري هذا المجرىٰ لا يعمل عليه علىٰ ما بيّنّاه.

السند

في الخبرين موثق.

المتن:

في الأوّل: يستفاد من قوله: «إنّما ذلك في الحديد» المسح بالماء، و قوله: «لا بأس» و إن احتمل أنّه لا بأس بمسحه بالماء، إلّا أنّ قوله: «إنّما

____________

(1) في الاستبصار 1: 96/ 311: الكثيرة.

90

ذلك في الحديد» يعيّن أنّ المراد لا بأس بعدم المسح.

و ما عساه يقال: إنّ احتمال إرادة لزوم المسح بالماء في الحديد، و في غيره ليس بلازم. ممكن، إلّا أنّه مدفوع بملاحظة الأخبار.

و ربما احتمل أن تعود الإشارة إلىٰ البأس أو إلىٰ المسح، و المآل (1) واحد بعد تدبّر الأخبار، و إن أمكن التغاير في الاعتبار.

و أمّا الخبر الثاني: فإعادة الصلاة فيه هي المحمولة علىٰ الاستحباب في الظاهر من توجيه الشيخ، و يحتمل إرادة الاستحباب في المسح بالماء، و يدفعه أنّ الشيخ لا وجه لفرقه بين الحديثين حينئذ، و قوله في الثاني: إنّه شاذّ. بل الأوّل كذلك.

فإن قلت: الشذوذ في كلام الشيخ راجع إلىٰ الإيجاب، حيث لم يقل به أحد علىٰ ما يظهر من الأصحاب، لا إلىٰ الاستحباب، فإنّ القائل به موجود، و الشيخ معترف به.

قلت: هذا مشترك بين الأوّل و الثاني، فإنّ نفي الإيجاب مذكور فيهما، و كون الشيخ قائلًا بالاستحباب غير معلوم من هذا الكتاب، فإنّ الحكم بمذهبه فيه لا يخلو من تأمّل كما يعلم من تدبّره في مواضع.

و قد قدّمنا عن الوالد (قدس سره) نقل القول بالاستحباب عن الشيخ (2) و أنّ الظاهر كونه من غير الكتاب، لأنه نقل بعد ذلك قول الشيخ في الاستبصار بأنّ الخبر شاذّ، و حكىٰ الحمل علىٰ الاستحباب عن الشيخ.

____________

(1) في «رض»: و الحال.

(2) راجع ص 86.

91

و في نظري القاصر أن كلام الوالد (قدس سره) لا يخلو من تأمّل، لأنّه (1) قال بعد ذكر الخبر الثاني: إنّه نص في حصول التنجيس بملاقاة الحديد، و قد قال الشيخ في الاستبصار: إنّه خبر شاذ مخالف للأخبار الكثيرة، و قال: و ما يجري هذا المجرىٰ لا يعمل عليه، و ذكر قبل ذلك: أنّ الوجه حمله علىٰ ضرب من الاستحباب. انتهىٰ.

و أنت إذا تأمّلت ما ذكرناه سابقاً تعلم أنّ كلام الشيخ ظاهره العود إلىٰ إعادة الصلاة، نعم يتوجه علىٰ الشيخ أنّ شذوذ الخبر إن كان من جهة نجاسة الحديد فالتأويل بالاستحباب ممكن، و يراد بالنجاسة ما لا يخالف الاستحباب، و ترك العمل به حينئذ لا وجه له؛ و إن كان من جهة المسح بالماء و أنّ اللازم من نجاسته غَسل الموضع فالاستحباب لا يوافق ذلك؛ و إن كان من جهة أنّ الحديد إذا كان نجساً لا يلزم منه التنجيس إلّا مع الرطوبة و الخبر مطلق، فهو و إن أمكن توجيهه، إلّا أنّ الاستحباب علىٰ الإطلاق أيضاً مشكل، لأنّ مع الرطوبة لا وجه للاكتفاء بالمسح، فإطلاق الشيخ الحمل علىٰ الاستحباب مع شذوذ الخبر لا يخلو من نظر، فينبغي تأمّل المقام فإنّه حريّ بالتأمّل التام، إلّا أن من لا يعمل بالموثق في راحة من بعض هذا.

باب شرب ألبان البقر و الإبل و غيرهما

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن

____________

(1) في «رض»: إلّا أنه.

92

الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) هل يتوضّأ من الطعام أو شرب اللبن ألبان الإبل و البقر و الغنم و أبوالها و لحومها؟ قال: «لا يتوضّأ منه».

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن ابن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار (1) الساباطي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل توضّأ ثم أكل لحماً أو سمناً هل له أن يصلّي من غير أن يغسل يده؟ قال: «نعم، و إن كان لبناً (2) لم يصلّ حتى يغسل يده و يتمضمض، و كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يصلي و قد أكل اللحم من غير أن يغسل يده، و إن كان لبناً لم يصلّ حتى يغسل يده و يتمضمض».

ما يتضمن هذا الخبر من الأمر بغسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق لمن شرب اللبن محمول علىٰ الاستحباب دون الفرض و الإيجاب بدلالة الخبر الأوّل.

السند

في الأوّل: قد تقدم القول فيه و الارتياب في سليمان بن خالد (3)، إلّا أنّه معدود من الصحيح عند المتأخّرين (4).

____________

(1) في الاستبصار 1: 96/ 313 يوجد: بن موسى، و هو زيادة في «ج».

(2) في النسخ: لبن، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 97/ 313.

(3) راجع ج 1: 41 43، 70، 195، 196 378.

(4) انظر المختلف 1: 181 و المدارك 1: 304.

93

و أمّا الثاني: فموثق.

المتن:

في الأوّل كما ترى ظاهر في نفي الوضوء، و المتعارف من الوضوء هو الشرعي.

و الخبر الثاني قد تضمّن عدم غَسل اليد من أكل اللحم، ففي الظاهر لا منافاة، و غَسل اليد من اللبن و المضمضة لا ينافي الأوّل المتضمن لنفي الوضوء، إلّا أنّ الشيخ (رحمه الله) كأنّه فهم من الوضوء غَسل اليد لتتحقق (1) المنافاة.

و لا يبعد توجيه المنافاة بأنّ الخبر الثاني إذا تضمّن عدم غَسل اليد من أكل اللحم فقد استفيد منه عدم الوضوء الشرعي، إلّا أنّ نظر الشيخ ليس فيه ملاحظة هذا، كما يعلم من كلامه.

و قد يظن أنّ اللحم في الخبر الثاني مطلق و في الأوّل مقيد، و دفعه غير خفي.

أمّا الاستنشاق فلا أدري الوجه في ذكر الشيخ له مع خلوّ الخبر عنه.

ثم الذي في نسخ الإستبصار التي رأيتها: «أو سمناً» و في التهذيب: «أو سمكاً» (2).

____________

(1) في «رض»: لتحقق.

(2) التهذيب 1: 350/ 1033، الوسائل 1: 290 أبواب نواقض الوضوء ب 15 ح 4.

94

أبواب الأغسال المفروضات و المسنونات

باب وجوب غسل الجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس [و مسّ الأموات (1)]

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد ابن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر، قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) كيف أصنع إذا أجنبت؟ قال: «اغسل كفيك (2) و فرجك و توضّأ وضوء الصلاة ثم اغتسل».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «غسل الجنابة واجب، و غسل الحائض إذا طَهُرت واجب، و غسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل، فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة، و غسل النفساء واجب، و غسل الميت واجب، و غسل من مسّ (3) ميتاً واجب».

السند

في الأوّل ليس فيه من يتوقف (4) في شأنه إلّا أبا بكر، فإنّه الحضرمي،

____________

(1) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار 1: 97.

(2) في نسخة من الاستبصار 1: 97/ 314: يديك.

(3) في «فض» و «د»: غَسَل.

(4) في «رض»: توقف.

95

و هو مجهول الحال، لذكره في الرجال من غير مدح و لا توثيق (1).

و قول شيخنا (قدس سره) بعدم ثبوت إيمانه (2). يدفعه بعض الأخبار المروية في شأنه كما يعلم من كتاب شيخنا المحقّق ميرزا محمد أيّده اللّٰه في الرجال (3).

غير أنّه اتفق فيه شيء لا بأس بالتنبيه عليه، و هو أنّ العلّامة في الخلاصة قال في ترجمته: و روى يعني الكشي عنه حديثين: أنّ جعفر ابن محمد (عليهما السلام) قال: «إنّ النار لا تمسّ من مات و هو يقول بهذا الأمر» (4).

و نُقل عن جدّي (قدس سره) أنّه قال في فوائده علىٰ الخلاصة: إنّ في طريق الحديثين الوشّاء، عن أبيه، عن خاله عمرو بن إلياس، و حالهما مجهول (5)؛ و نَقَل عن الكشيّ الروايتين، و هما:

حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني عبد اللّٰه بن محمد بن خالد الطيالسي قال: حدثني الوشّاء، عمّن يثق به (6) يعني أُمّة عن خاله قال: يقال له: عمرو بن إلياس قال: دخلت أنا و أبي إلياس بن عمرو علىٰ أبي بكر الحضرمي و هو يجود بنفسه قال: يا عمرو ليست بساعة الكذب اشهد علىٰ جعفر بن محمد أنّي سمعته يقول: «لا تمسّ النار من مات و هو يقول بهذا الأمر».

و الحديث الآخر عن عبد اللّٰه بن محمد بن خالد قال: حدثني الحسن ابن بنت إلياس قال: حدّثني خالي عمرو بن إلياس، و ذكر الحديث (7).

____________

(1) خلاصة العلّامة: 271/ 38.

(2) انظر المدارك 3: 88، و فيه: و عدم ثبوت توثيق أبي بكر الحضرمي.

(3) منهج المقال: 210، و فيه: أبو بكر الخضرمي.

(4) خلاصة العلّامة: 110/ 36.

(5) حكاه عنه في منهج المقال: 210، و فيه: عن امّه، بدل عن أبيه و هو في حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 18 (مخطوط).

(6) في «فض» و منهج المقال: 210: عمّن ينويه.

(7) منهج المقال: 210، و الكشي 2: 716/ 789، 790.

96

و الذي وجدته أنّ الكلام موهوم: أمّا كلام جدّي (قدس سره) فإنّ فيه الوشّاء، عن أبيه، و الخبر الأوّل في نسخة معتبرة: حدثني الوشّاء، عمن يثق به، يعني به عن خاله، يقال له: عمرو بن إلياس، و الظاهر حينئذ صحة الحديث، (علىٰ تقدير توثيق الوشّاء، و عمرو بن إلياس ثقة، و قوله: عمن يثق به، قرينة علىٰ ذلك، و الخبر الثاني أعدل شاهد علىٰ التعيين، و علىٰ هذا فلا حاجة إلىٰ أن يقال:) (1) إنّ عمرو بن إلياس و إن كان مشتركاً بين ثقة و مجهول (2)، إلّا أنّ قوله: عمن يثق به قرينة علىٰ أنّه الثقة.

و قول جدّي (قدس سره): عن أبيه. موهوم أيضاً، بل هو تصحيف قوله عمّن يثق به، و يبيّن ذلك أنّ عمرو بن إلياس خال الحسن بن عليّ الوشّاء.

(نعم في الكشي نوع اضطراب لأنّه نقل في الحسن بن علي الوشّاء أنّه روىٰ عن جدّه إلياس قال: لمّا حضرته الوفاة قال لنا: أشهدوا عليّ و ليست بساعة الكذب الساعة سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «و اللّٰه لا يموت عبد يحبّ اللّٰه و رسوله فتمسّه النار» إلىٰ آخره (3). و في ترجمة أبي بكر الحضرمي نقل ما سمعته، و لعلّ الجمع ممكن) (4).

و علىٰ كل حال فالروايتان لا تفيدان مدحاً بل تدلان علىٰ الإيمان، مضافاً إلىٰ رواية من الكافي تدل علىٰ ذلك، نقلها شيخنا أيّده اللّٰه في كتابه (5).

و قال سلّمه اللّٰه في فوائده علىٰ هذا الكتاب: و لا يبعد أن يكون القدح في سيف بن عميرة أولىٰ، إذ قد قيل فيه بكونه واقفياً، صرح به

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «د».

(2) هداية المحدثين: 219.

(3) لم نعثر عليه في الكشي و لكن حكاه عنه النجاشي: 39/ 80.

(4) ما بين القوسين أثبتناه من «د».

(5) منهج المقال: 210 و هو في الكافي 3: 122/ 4.

97

الشهيد (رحمه الله)، و جزم به محمد بن شهرآشوب. انتهىٰ.

و في الظن أنّ الأصل محمد بن شهرآشوب، و حاله غير معلوم.

أمّا ما قاله ابن داود في الكنىٰ: من أنّه ثقة (1)، نقلًا عن الكشي، فالظاهر أنّه و هم، و العجب أنّه لم يوثّقه حال ذكر اسمه، و بالجملة فكلام ابن داود لا يصلح للاعتماد.

و أمّا الثاني: ففيه عثمان بن عيسىٰ و قد قدّمنا ما فيه ممّا يغني عن الإعادة (2).

المتن:

في الأوّل ظاهر في فعل الوضوء قبل الغسل، و سيأتي من الشيخ أنّه محمول علىٰ الاستحباب، و فيه كلام يأتي أيضاً، و الأولى حمله علىٰ التقية، و ما قاله شيخنا المحقق أيّده اللّٰه-: من الحمل علىٰ غسل يده من المرفق كما يغسل للصلاة لا يخلو من وجاهة لولا قوله: «اغسل كفيك» إلّا أنّ التشديد ليس ببعيد (3).

و يحتمل أن يراد بالوضوء الاستنجاء، و الإطلاق عليه واقع في الأخبار، و في بعضها أيضاً دلالة علىٰ الاستنجاء قبل الغسل كما سيأتي في خبر محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن غسل الجنابة، قال: «تبدأ بكفيك ثم تغسل فرجك» (4) الحديث.

و لا ينافي ما قلناه قوله: «وضوء الصلاة» لأنّ الاستنجاء قد يضاف إلىٰ الصلاة.

____________

(1) رجال ابن داود: 215/ 12.

(2) راجع ج 1: 71 73.

(3) في «فض»: بالبعيد.

(4) التهذيب 1: 132/ 365، الوسائل 2: 229 أبواب الجنابة ب 26 ح 1.

98

و أمّا الخبر الثاني: فقوله (عليه السلام): «غسل الجنابة واجب» قد يستدل به علىٰ أن الغسل واجب لنفسه، كما هو أحد القولين، إلّا أنّ الإطلاق في بقية الأغسال مع ادعاء الشهيد (رحمه الله) في حاشية القواعد عدم الخلاف في وجوب غير غسل الجنابة لغيره يدفع الاستدلال، و هذه عبارة الشهيد (رحمه الله)-:

أمّا غيره أي غير غسل الجنابة من أغسال الأحياء فلا خلاف في وجوبه لغيره، كما لا خلاف في وجوب غسل الميت لنفسه و إن توقفت الصلاة عليه، فإنّ ذلك من باب الواجب المرتب كترتب الدفن علىٰ الصلاة. انتهىٰ.

و قد يقال: إنّ خروج غير غسل الجنابة بالإجماع لا يخرج غسل الجنابة مع عدم الإجماع، فيتم الاستدلال بالخبر علىٰ تقدير سلامة سنده و فيه بحث؛ إذ من المستبعد تغاير الأحكام في خبر واحد، إلّا أنّ الأمر سهل بعد عدم صلاحية الخبر للاستدلال.

و ما تضمنه الخبر من أنّ «غسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم.» قد يستدل به بتقدير الصلاحية لذلك علىٰ أنّ المتوسطة لا يلزمها الأغسال الثلاثة كما يقوله البعض (1)، بل عليها غسل واحد. و دلالته علىٰ أنّ الغسل كل يوم مرّة لا تنافي ما دل علىٰ غسل الغداة، إذ لا يخرج عن الإطلاق، و غيره إن تم مقيد، إلّا أنّ وجود ما يصلح للاستدلال محل كلام كما سيأتي إن شاء اللّٰه. علىٰ أنّ لي في كلام المتأخّرين المقيدين (2) بغسل الفجر بحثاً ذكرته في محله، و لو لا أنّ الحديث المبحوث عنه لا يصلح للاعتناء به لأوضحنا الحال هنا، نعم في

____________

(1) انظر المقنعة: 56، و النهاية: 28.

(2) في «رض»: المتعبدين.

99

الحديث تأييد لما دل علىٰ وجوب غسل المسّ (1).

[الحديث 3 و 4 و 5]

قال: و بهذا الاسناد عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن محمد بن عيسىٰ، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطناً، منها الفرض ثلاث» فقلت: جعلت فداك ما الفرض منها؟ قال (2): «غسل الجنابة و غسل من مسّ (3) ميتاً و الغسل للإحرام».

قوله (عليه السلام): «و الغسل للإحرام» و إن لم يكن عندنا فرضاً فمعناه أن ثوابه ثواب الفرض و فضله فضله.

أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن فضال، عن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة، عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «غسل الحيض و الجنابة (4) واحد» قال: و سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحائض عليها غسل مثل غسل الجنب (5)؟ قال: «نعم».

و بهذا الاسناد عن ابن فضال (6)، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

____________

(1) في «رض»: الميّت.

(2) في «رض»: فقال.

(3) في الاستبصار 1: 98/ 316: غسّل.

(4) في الاستبصار 1: 98/ 317: الجنابة و الحيض.

(5) في «رض»: الجنابة.

(6) في الاستبصار 1: 98/ 318: علي بن فضال.

100

سألته أ عليها غسل مثل غسل الجنب (1)؟ قال: «نعم» يعني الحائض.

و قد استوفينا ما يتعلق بوجوب هذه الأغسال في كتاب تهذيب الأحكام (2)، و تكلمنا علىٰ ما يخالف ذلك علىٰ غاية الشرح، غير أنّا ذكرنا هاهنا جملًا من الأخبار في ذلك فيها كفاية إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

السند

في الأوّل: فيه محمد بن عيسىٰ عن يونس، و قد تقدم القول فيه (3)، و فيه أيضاً الإرسال.

و الثاني: فيه من ذكرناه سابقاً بما يغني عن الإعادة.

و ذكرنا أيضاً أن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة ربما استفيد من ترجمة الحسن بن عليّ فضال في النجاشي مدحه (4)، بل قيل: باستفادة التوثيق (5) أيضاً، لأنّ النجاشي بعد أن ذكر حديثاً في شأن ابن فضّال قال: و قال ابن داود يعني محمد بن أحمد الثقة في تمام الحديث: فدخل عليّ بن أسباط فأخبره محمد بن الحسن بن الجهم الخبر، قال: فأقبل عليّ بن أسباط يلومه، قال: فأخبرت أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضال بقول محمد بن عبد اللّٰه يعني ابن زرارة فقال: حرّف محمد بن عبد اللّٰه علىٰ أبي، قال: و كان و اللّٰه محمد بن عبد اللّٰه أصدق عندي لهجة من أحمد بن

____________

(1) في «رض»: الجنابة.

(2) التهذيب 1: 103.

(3) راجع ج 1 ص 75 82.

(4) رجال النجاشي: 34/ 72.

(5) منهج المقال: 105.

101

الحسن، فإنّه رجل فاضل ديِّن (1).

و هذا الكلام من ابن داود الثقة، إلّا أنّ في استفادة التوثيق تأمّلًا.

أمّا ما قاله جدّي (قدس سره)-: من أن محمد بن عبد اللّٰه مجهول (2). ففيه نظر بعد ما سمعته.

و أمّا علي بن فضال فهو ثقة فطحيّ.

و الثالث: قد تقدم القول في رجاله، غير أنّا أهملنا القول في أبي بصير نظراً إلىٰ أنّي أفردت له تفصيلًا في بعض ما جمعته في الرجال.

و الذي ينبغي بيانه هنا أنّ الرجل المذكور في كتب الرجال مشترك بين جماعة.

منهم: أبو بصير ليث المرادي الثقة الإمامي (3).

و منهم: أبو بصير يوسف بن الحرث من أصحاب الباقر (عليه السلام) (4)، بتريّ علىٰ ما في الخلاصة و كتاب الشيخ في الرجال (5)، و في بعض نسخ الكشي أبو نصر بالنون (6).

و منهم: أبو بصير عبد اللّٰه بن محمد الأسدي و هو في الكشي مذكور (7)، و نقله ابن داود عن رجال الشيخ فيمن روىٰ عن الباقر (عليه السلام) (8)،

____________

(1) رجال النجاشي: 34/ 72.

(2) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 5 (مخطوط).

(3) خلاصة العلّامة: 137.

(4) هداية المحدثين: 272، و فيه: يوسف بن الحارث.

(5) خلاصة العلّامة: 265/ 1، رجال الطوسي: 141/ 17.

(6) رجال الكشي 2: 688، إلّا أنّ فيه: أبو نصر بن يوسف بن الحارث بتري.

(7) رجال الكشي 1: 409.

(8) رجال ابن داود: 214/ 9.

102

و الذي يقتضيه النظر أنّه موهوم من الكشي و اختيار الشيخ له، لأنّه قال: في أبي بصير عبد اللّٰه بن محمد الأسدي، و ذكر روايتين لا تعلق لهما به.

و منهم: أبو بصير يحيىٰ بن القاسم الأسدي و هو ثقة كما ذكره النجاشي، قال: و قيل: أبو محمد، روىٰ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام)، و قيل: يحيىٰ بن أبي القاسم، و اسم أبي القاسم إسحاق، و روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (1).

و الشيخ في الفهرست قال: يحيىٰ بن القاسم يكنى أبا بصير (2).

و في رجال الباقر (عليه السلام) من كتابه قال: يحيىٰ بن أبي القاسم يكنى أبا بصير مكفوف، و اسم أبي القاسم إسحاق (3).

و في رجال الصادق (عليه السلام) قال: يحيىٰ بن القاسم أبو محمد يعرف بأبي بصير الأسدي مولاهم كوفيّ تابعيّ مات سنة خمسين و مائة بعد أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4).

و في رجال الكاظم قال: يحيىٰ بن القاسم الحذّاء واقفي (5). ثم قال بعد ذكر رجل: يحيىٰ بن أبي القاسم يكنّى أبا بصير (6).

و العلّامة في الخلاصة قال: يحيىٰ بن القاسم الحذّاء من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، و كان يكنى أبا بصير، و قيل: إنّه أبو محمد، اختلف قول علمائنا فيه، فالشيخ الطوسي (رحمه الله) قال: إنّه واقفي. و روى الكشي

____________

(1) رجال النجاشي: 441/ 1187.

(2) الفهرست: 178/ 776.

(3) رجال الطوسي: 140/ 2.

(4) رجال الطوسي: 333/ 9، و فيه أبو نصير، بالنون.

(5) رجال الطوسي: 364/ 16.

(6) رجال الطوسي: 364/ 18.

103

ما يتضمن ذلك قال: و أبو بصير يحيىٰ بن القاسم الحذّاء الأزدي هذا يكنى أبا محمد (1). انتهىٰ ملخصا.

و ذكر جدّي (قدس سره) في فوائده علىٰ الخلاصة: أنّ الأقوىٰ العمل بروايته، لتوثيق النجاشي له، و قول الكشي: إنّه أحد من (2) اجتمعت العصابة علىٰ تصديقه و الإقرار له بالفقه. و قول الشيخ (رحمه الله) معارض بما ذكره النجاشي: من أنّه مات سنة خمسين و مائة، فإن ذلك يقتضي تقدم وفاته علىٰ وفاة الكاظم (عليه السلام) بثلاث و عشرين سنة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الذي يقتضيه النظر أن أبا بصير إذا روىٰ عن الباقر (عليه السلام) فهو مشترك بين غير الموثق: و هو يوسف بن الحرث علىٰ تقدير ثبوت الكنية بأبي بصير، و عبد اللّٰه بن محمد الأسدي، قد عرفت أنه موهوم، فلم يبق إلّا الاشتراك بين الإمامي الثقة و بين يحيىٰ بن القاسم الواقفي علىٰ قول الشيخ، و كلام النجاشي له رجحان علىٰ جرح الشيخ، كما حققناه في موضعه، و علىٰ تقدير العدم فهو مشترك بين الإمامي الثقة و الواقفي الثقة إذا روىٰ عن الصادق (عليه السلام) (3).

و أمّا ما ذكره الشيخ في كتاب الرجال ممّا يقتضي المغايرة بين ابن أبي القاسم و ابن القاسم فالتأمل في كلام النجاشي يدفعه و يفيد الاتحاد.

و قول جدّي (قدس سره) منظور فيه، إذ لا منافاة بين الوقف و الثقة علىٰ تقدير ردّ ما ذكرناه من ترجيح كلام النجاشي، و ما قاله من قصة الموت في حياة الكاظم (عليه السلام) قد يدفع بأن الوقف قد يكون في حياة الكاظم (عليه السلام) كما

____________

(1) خلاصة العلّامة: 264/ 3.

(2) في «رض»: ممن.

(3) هداية المحدثين: 272.

104

تدل عليه بعض الأخبار و الآثار الواردة عن الواقفة.

نعم روىٰ الشيخ في هذا الكتاب و التهذيب ما يتضمن القدح في أبي بصير المكفوف، و هو ما رواه عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن ابن أبي عمير، عن شعيب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة لها زوج فقال: «يفرّق بينهما» فقلت: فعليه ضرب؟ قال: «لا ما له يضرب» فخرجت من عنده و أبو بصير بحيال الميزاب، فأخبرته بالمسألة و الجواب، فقال لي: أين أنا؟ فقلت: بحيال الميزاب، قال: فرفع يده و قال: و ربّ هذا البيت، أو: و ربّ هذه الكعبة لسمعت جعفراً يقول: «إن عليّاً (عليه السلام) قضىٰ في الرجل تزوّج امرأة لها زوج فرجم المرأة و ضرب الرجل الحدّ» ثم قال: لو علمت أنك علمت لفضخت (1) رأسك بالحجارة، ثم قال: ما أخوفني أن لا يكون اوتي علمه (2).

و هذا الخبر يعطي القدح في أبي بصير المكفوف بما لا يخفىٰ.

و الكشي روىٰ نحو هذا الحديث عن شعيب (3)، لكنّه اضطرب في نقل أخبار (4).

فحصل نوع تخليط بين حال أبي بصير ليث المرادي و حال غيره كما يعلم من مراجعته، و لو لا خوف الخروج عن سلوك الاختصار لذكرتها، و إنّما ذكرت ما ذكرته هنا لئلّا يخلو الكتاب من القول في أبي بصير ممّا لا بدّ

____________

(1) الفضخ: كسر الشيء الأجوف. و منه: فضخت رأسه بالحجارة، مجمع البحرين 2: 440 (فضخ).

(2) التهذيب 10: 25/ 76، الإستبصار 4: 209/ 782، الوسائل 28/ 128 أبواب حد الزنا ب 27 ح 7.

(3) رجال الكشي 1: 401/ 292.

(4) كذا في النسخ، و الأنسب: الأخبار.