استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
105

منه، لاشتمال أكثر الأسانيد عليه، و ترك التعرض لذلك سابقاً لظن عدم الحاجة. و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقائق الأُمور.

المتن:

في الأوّل ظاهره لا يخلو من إشكال لأنّ الفرض كثيراً ما يراد به الثابت بالقرآن، و غير الجنابة لا يتم إرادته في الظاهر، و حينئذ يراد به الوجوب، و انحصاره في الثلاثة غير واضح الوجه لوجوب أغسال أُخر ضرورة.

و الجواب أنّ الشيخ روىٰ في التهذيب: عن الشيخ أيده اللّٰه عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين ابن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من رمضان» و ساق الحديث في ذكر الأغسال المسنونة، إلىٰ أن قال: «و يوم تُحرِم، و يوم الزيارة، و يوم تدخل البيت، و يوم التروية، و يوم عرفة، و إذا غسلت ميتا أو كفّنته أو مسسته بعد ما يبرد، و يوم الجمعة، و غسل الجنابة فريضة، و غسل الكسوف إذا احترق القرص كلّه فاغتسل» (1).

و هذا الحديث كما ترى يدل علىٰ أنّ السبعة عشر المجملة في الخبر المبحوث عنه غير أغسال النساء من الحيض و الاستحاضة و النفاس، و خصّ غسل الجنابة فيه بكونه فريضة، فيتم ما ذكره الشيخ: من أن غسل الإحرام ثوابه ثواب الفرض علىٰ تقدير عدم رجحان ما يدل علىٰ وجوبه.

____________

(1) التهذيب 1: 114/ 302، الوسائل 3: 307 أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 11.

106

غاية الأمر أنّه يتوجه علىٰ الشيخ أن الحديث المفصّل دل علىٰ بيان الأغسال المسنونة، و خصّ من بينها الجنابة بالفريضة، فإخراج غسل من مسّ ميتاً إلىٰ الوجوب محل كلام.

و يجاب: بأن الأخبار الدالة علىٰ وجوب غسل المسّ هي المخرجة، كما أن الأخبار الدالة علىٰ عدم وجوب غسل الإحرام عند الشيخ أدخلته في المسنون بمعنى (1) المستحب.

و إنّما يبقىٰ سؤال اختصاص غسل الإحرام باسم الفرض مع كونه مستحبا، و جواب الشيخ بأن ثوابه ثواب الفرض محل كلام، إذ المستحب مستبعد بلوغه مرتبة الواجب، و لعل الاستبعاد يندفع بوجود الدليل عليه، إلّا أن إثباته من مجرد تسميته فريضة مشكل، لجواز إرادة زيادة الثواب عن غيره من المستحبات و إن لم يصل إلىٰ حدّ الواجب، إلّا أن يقال: إن إطلاق الفرض عليه يقتضي المساواة، و فيه ما فيه.

ثم إن إطلاق الفرض علىٰ غسل من مسّ ميتاً يراد به الوجوب، و حينئذ قد يستبعد استعمال الفرض في معاني مختلفة في بعضها حقيقة و بعضها مجاز.

و يدفعه أنّ الممنوع (منه) (2) إرادة الحقيقة و المجاز من لفظ واحد، علىٰ أن المنع ليس علىٰ الإطلاق أيضاً كما حقق في الأُصول.

و ما عساه يقال: إن استعمال اللفظ الموهم لغير ما هو مطلوب منه ينافي الحكمة.

يمكن الجواب عنه: بأنه من قبيل المجمل، و تأخير البيان عن وقت

____________

(1) في «رض»: يعني.

(2) ليس في «رض».

107

الحاجة غير معلوم، و الممنوع منه ذلك، كما بينّاه فيما سبق، حيث ظن شيخنا (قدس سره) من بعض ما حمله الشيخ في الأخبار أن فيه ألغازاً و (تأخيراً للبيان عن) (1) وقت الحاجة.

و أنت إذا تأمّلت ما قلناه ترى أن غالب الأخبار المطلقة و المجملة و المقيدة و المبيّنة من هذا القبيل فلا محذور، فلولا ما قلناه لانسدّ باب حمل المطلق علىٰ المقيد، فينبغي إنعام (2) النظر في هذا المقام فإنه حريّ بالتأمل التام.

و ما تضمنه الخبر الثاني من قوله: عليها غسل مثل غسل الجنب، محتمل لأن يراد به السؤال عن الكيفيّة، فيكون السائل عالماً بالوجوب و إنّما السؤال عن الكيفية، و يحتمل أن يراد السؤال عن الوجوب، أي كما يجب عليها غسل الجنابة يجب عليها غسل الحيض، و الجنب يقال علىٰ الواحد المذكر و المؤنث، صرّح به ابن الأثير في أحكام الأحكام، إلّا أنّ الاحتمال الأوّل أقرب، و لزوم السؤال عن الضروري فيتعين الأوّل ربما كان مشترك الإلزام.

و علىٰ الاحتمال الأوّل قد يستفاد من الخبر بتقدير العمل به عدم وجوب الوضوء مع غسل الحيض، بل عدم مشروعيّته إلّا علىٰ وجه غير خفي.

و يمكن أن يقال: إن السؤال عن كيفية الغسل، و الوضوء خارج عنها، فإذا دل عليه الدليل عمل به، فليتأملّ.

____________

(1) ما بين القوسين في «رض» هكذا: تأخير البيان.

(2) أنعم في الأمر: بالغ كأمعن، و أنعم النظر في كذا أي: حقّق النظر و بالغ فيه. أقرب الموارد: 2/ 1321.

108

ثم إن الخبر الثالث فيه الاحتمالان و الأقربية.

فإن قلت: إطلاق الجنب علىٰ المذكر و المؤنث لا دخل له في توجيه الاحتمال، لأن المذكور في كلام ابن الأثير أنّه يجوز أن يقال: امرأة جنب و رجل جنب، و المقصود هنا في السؤال أن المرأة عليها غسل مثل غسل الجنب بمعنى غسل الجنابة، فالأولىٰ إثبات إطلاق الجنب علىٰ الجنابة، و ليس هذا ثابتاً.

قلت: مرادنا بالاحتمال أنّ الجنب إذا صدق علىٰ الأُنثىٰ أفاد السؤال أنّ الحائض عليها غسل مثل ما عليها حال كونها جنباً، أو مثل غسل المرأة الجنب، و وجه الاحتياج إلىٰ هذا أنّ المشابهة للرجل بعيدة، نعم يحتمل إرادة الجنابة، و يتم المطلوب.

[الحديث 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن الحسن بن الحسين (1) اللؤلؤي، عن أحمد بن محمد، عن سعد بن أبي خلف قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «الغسل في أربعة عشر موطناً، واحد فريضة و الباقي سنة».

فالمعنىٰ فيه أن واحداً منها فريضة بظاهر القرآن و إن كانت هناك أغسال أُخر يعلم فرضها بالسنّة.

____________

(1) في التهذيب 1: 110/ 289، و الاستبصار 1: 98/ 319: الحسين بن الحسن اللؤلؤي و لعله تحريف فيهما و الصحيح الحسن بن الحسين كما يعرف من تتبع كتب الرجال، راجع رجال النجاشي: 40/ 83 و 348/ 939، و رجال الطوسي: 469/ 45، و معجم رجال الحديث 4: 308/ 2784 و ج 5: 219/ 3362.

109

فأمّا ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن علي بن خالد، عن محمد بن الوليد، عن حماد بن عثمان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ليس علىٰ النفساء (1) غسل في السفر».

فالوجه فيه أنّه ليس عليها غسل (إذا لم تتمكن من استعمال الماء إما لتعذره أو لحاجتها إليه أو مخافة البرد، و ليس المراد به أنّه ليس عليها غسل) (2) علىٰ كل حال.

السند

في الأوّل: الحسن بن الحسين اللؤلؤي، و قد وثقه النجاشي (3)، و ذكر في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيىٰ: أن محمد بن الحسن بن الوليد استثنىٰ من رواية محمد بن أحمد بن يحيىٰ ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي، و قال: قال أبو العباس بن نوح: و قد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله، و تبعه أبو جعفر ابن بابويه (4).

و الشيخ (رحمه الله) قال في كتاب الرجال في من لم يرو عن أحد من الأئمة (عليهم السلام): الحسن بن الحسين اللؤلؤي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، ضعّفه ابن بابويه (5).

و في نظري القاصر أن توثيق النجاشي لا معارض له، و إنّما ظنّ الشيخ من استثنائه الضعف، و هو غير ظاهر، بل يحتمل أن يكون الاستثناء لغير

____________

(1) في النسخ: النساء، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 99/ 320.

(2) ما بين القوسين ساقط من «رض».

(3) رجال النجاشي: 40/ 83.

(4) رجال النجاشي: 348/ 939.

(5) رجال الطوسي: 469/ 45.

110

ذلك كما في محمد بن عيسىٰ، إلّا أن قول ابن نوح: و قد أصاب شيخنا أبو جعفر في ذلك كله، و تبعه أبو جعفر بن بابويه إلّا في محمد بن عيسىٰ بن عبيد، فلا أدري ما رأيه (1) فيه، لأنّه كان علىٰ ظاهر العدالة و الثقة. فإنّ هذا الكلام يعطي أنّ المذكورين ليسوا بثقات، فيفيد الطعن في الحسن بن الحسين اللؤلؤي.

و قد يقال: إنّ كلام ابن نوح في قوله: فما أدري ما رأيه فيه. يدل علىٰ أنّه لم يعلم من الاستثناء إرادة الضعف، و إلّا فلا وجه لقوله: لا أدري ما رأيه فيه، اللّهُمَّ إلّا أن يقال: إنّ مراده بقوله: لا أدري ما رأيه فيه. أني لا أعلم وجه ضعفه مع كونه علىٰ ظاهر العدالة، فيكون قد فهم الضعف.

و أنت خبير بأن كلامنا في قول الشيخ: إن ابن بابويه ضعّفه. و الموجود هو الاستثناء من الرواية عنه، و هو أعم، و ربما كان ظنّ ابن نوح كما ظنّ الشيخ، و غير بعيد إرادة الضعف لولا أن النجاشي ظاهر توثيقه عدم فهمه الضعف، و النجاشي أثبت من غيره كما يعلم من رجاله (2). (هذا، و قد قدّمنا في أوّل الكتاب كلاماً في أنّ المتقدّمين إنّما يعملون بالأخبار مع القرائن مثل كونها مأخوذة من أصل معتمد، و استثناء من ذكر يقتضي أن العمل بالخبر ليس من جهة القرائن، بل من نفس الخبر إذا كان رواته معتمداً عليهم، و لو لا هذا لما كان للاستثناء فائدة، و قول ابن الوليد في ما نحن فيه: ما ينفرد به الحسن.، كذلك؛ لأنّ ما ينفرد به هو و غيره لا يعمل به.

ثمّ إنّ ظاهر الكلام يقتضي المغايرة بين الحسن بن الحسين و بين غيره من المذكورين؛ لأنّ ما ينفرد به الحسن يقتضي أن يكون راوياً عن

____________

(1) في المصدر: ما رابه.

(2) في «فض» و «د»: حاله.

111

محمّد بن أحمد بن يحيىٰ، و غيره يقتضي أن يكون محمّد راوياً عنهم. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الأصل: ما ينفرد به عن الحسن بن الحسين، و لفظ «عن» سقط، أو يؤوّل بما يرجع إلىٰ الموافقة، و علىٰ كل حال فقد أجبنا في ما مضى عن الإشكال، فليراجع.

و علىٰ أن يقال هنا: إنّ الردّ لما ذكر من حيث الانفراد إنّما هو عند المتقدّمين، لعدم علمهم بالخروج حيث هو، و أمّا المتأخّرون القائلون بالصحيح عندهم لا يضرّهم قول ابن الوليد، كل قائل علىٰ قاعدته.

و من هنا يعلم إمكان القول بقبول رواية محمّد بن عيسىٰ عن يونس عند المتأخّرين، لأنّ الفرض توثيق كل من الرجلين، و الاستثناء [لا] يعلم وجهه بحيث لا يفيد القدح، بل احتمال عدم القرائن له ظهوره و ممّا نبّه علىٰ هذا ما نحن فيه، فليتأمّل) (1). و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و أحمد بن محمد المذكور كأنّه ابن أبي نصر، و يحتمل ابن عيسىٰ، بل و غيره أيضاً.

و أمّا سعد بن أبي خلف فهو ثقة من غير ارتياب.

و في الثاني: علي بن خالد، و ذكره الشيخ المفيد في إرشاده قائلًا: إنّه كان زيديّاً ثم رجع (2). و لا يخفىٰ أنّ هذا غير نافع (3).

و أمّا محمد بن الوليد فالظاهر أنّه الخزّاز الذي وثّقه النجاشي، لأنّه قال: إنّه روىٰ عن حماد بن عثمان (4). و ما قاله الكشي: من أنّ محمد بن

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «د».

(2) إرشاد المفيد 2: 291.

(3) في «رض»: مانع.

(4) رجال النجاشي: 345/ 931.

112

الوليد الخزاز من الفطحية في جملة آخرين (1)، فالظاهر أنّه ما ذكره النجاشي، كما قاله العلّامة في الخلاصة (2)، غير أنّ النجاشي مرجح علىٰ غيره، و عدم ذكر كونه فطحياً يدل علىٰ تحقق العدم عنده، لا أنّه لا منافاة بين الحكم منه بالثقة و قول الكشي: إنّه فطحي. كما ظنه بعض المتأخّرين (3)، لأنّ النجاشي لو لم يتعرض في كتابه لذكر الفطحية و أضرابهم أمكن ذلك، إلّا أنّ الواقع خلافه، و قد ذكرنا هذا فيما مضى، نعم فيه احتمال الاشتراك بين ضعيف و ثقة (4)، إلّا أنّ قرينة التعيين قد سمعتها، و إن كان باب الاحتمال واسعاً.

المتن:

في الأوّل: ما ذكره الشيخ فيه واضح.

و أمّا الثاني: فقد يتوجه علىٰ ما قاله الشيخ أنّ تخصيص النفساء بعدم الغسل في السفر إذا لم يحصل التمكن من الماء غير ظاهر الوجه، و يجاب بأن مظنّة الضرر لها أقوى فلهذا خُصّت، أو لغير ذلك من وجوه التخصيص، و لا يراد نفي الحكم عمّا عداها؛ و غير ما ذكره الشيخ بعيد أيضاً بأن يراد غسل الجمعة كما يفهم من بعض الأخبار، أو مطلق الغسل المندوب، و الأمر سهل.

____________

(1) رجال الكشي 2: 835.

(2) خلاصة العلّامة: 151/ 69.

(3) كالجزائري في حاوي الأقوال 3: 228.

(4) هداية المحدثين: 257.

113

باب وجوب غسل الميت و غسل من مسّ ميتاً

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسىٰ، عن حريز، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من غسّل ميتاً فليغتسل» قال: «و إن مسّه ما دام حارّاً فلا غسل عليه (1)، و إذا برد ثم مسّه فليغتسل» قلت: علىٰ من أدخله القبر؟ قال: «لا [غسل عليه] (2) إنّما يمسّ الثياب».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يغتسل الذي غسّل الميت، و إن قبّل الميت إنسان بعد موته و هو حارّ فليس عليه غسل، و لكن إذا مسّه أو قبّله (3) و قد برد فعليه الغسل، و لا بأس أن يمسّه بعد الغسل و يقبّله».

أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن محمد بن عيسىٰ، عن القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين (عليه السلام) حين غسّل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عند موته؟ فأجابه: «النبي (صلى الله عليه و آله) طاهر مطهّر، و لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل و جرت به السنّة».

____________

(1) في الاستبصار 1: 99/ 321: بتفاوت.

(2) ما بين المعقوفين أثبتناه من الإستبصار 1: 99/ 321.

(3) في الاستبصار 1: 99/ 322: و قبّله.

114

الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد قال: سألته عن الميت إذا مسّه الإنسان أ فيه غسل؟ قال: فقال: «إذا مسست جلده (1) حين يبرد فاغتسل».

سعد بن عبد اللّٰه، عن أيوب بن نوح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا قطعت (2) من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسّه الإنسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب علىٰ من يمسّه الغسل، فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه».

السند

في الأوّل: حسن.

و في الثاني: فيه سهل بن زياد.

و الثالث: فيه القاسم الصيقل، و هو مذكور مهملًا في رجال الهادي (عليه السلام) من كتاب الشيخ (3)؛ و أمّا محمد بن عيسىٰ فقد تقدم القول فيه (4).

و الرابع: ليس فيه ارتياب، و الإضمار لا يضر بالحال كما قدّمناه.

و الخامس: مرسل.

المتن:

في الأوّل ظاهر الدلالة علىٰ وجوب غسل المسّ إن ثبت كون الأمر حقيقة في الوجوب.

____________

(1) في الاستبصار 1: 100/ 324: جسده.

(2) في الاستبصار 1: 100/ 325: قُطع.

(3) رجال الطوسي: 421/ 1.

(4) في ص 75 82.

115

و ما تضمنه من قوله: «إنّما يمسّ الثياب» لا يخلو من إجمال، و قد ذكر شيخنا (قدس سره) في فوائده علىٰ الكتاب ما هذا لفظه: لعل المراد أنّ من أدخله القبر لا يمسّ الميت و إنّما يمسّ الثياب، فلا وجه للسؤال عن كونه موجباً للغسل، و إن كان مسّ الميت في هذه الحالة بعد التغسيل لا يوجب الغسل أيضا، و لو قلنا باستحباب الغسل بمسّه بعد التغسيل كما تضمنته رواية عمار لم يحتج إلىٰ هذا التكلّف. انتهىٰ.

و في نظري القاصر أنّ هذا التوجيه لا حاجة إليه بل غير تام، لأنّ الخبر الذي قدّمنا نقله عن الشيخ في التهذيب (1) الوارد في تعداد الأغسال السبعة عشر صحيح عند شيخنا (قدس سره) و قد تضمن الغسل لتكفين الميت في جملة تعداد الأغسال المسنونة (2)، و حينئذ يراد بهذا الحديث نفي الغسل المستحب، لأن (3) المُدخل له في القبر إنّما يمسّ الثياب، فلا حاجة إلىٰ العمل بخبر عمار الآتي، بل هو مؤيد.

و ما عساه يقال: إن الخبر الدال علىٰ الغسل للتكفين يجوز أن يكون المراد به الاستحباب لنفس التكفين لا لمسّ الميت الذي قد غسّل، فلا يتم المطلوب.

يمكن الجواب عنه: بأنّ الخبر إذا لم يكن صريحاً فيما ذكر فليحمل علىٰ هذا (4) الذي يستفاد من هذا الخبر، و يكون من قبيل المطلق و المقيد.

و تظهر فائدة ما ذكرناه فيما لو كفّنه إنسان بدون مسّ جسمه، فإنّ

____________

(1) في ص 94.

(2) مدارك الاحكام 2: 165.

(3) في النسخ: لأنّه، و الأنسب ما أثبتناه.

(4) ليس في: «رض» و «د».

116

الغسل يستحب علىٰ ظاهر الخبر السابق، و لا يستحب علىٰ ظاهر هذا الخبر، و على قدير حمل المطلق علىٰ المقيد يتحد المآل، غير أنّ لقائل أنّ يقول: هذا الخبر فيه باب الاحتمال واسع، و معه لا يتم التقييد لذلك الخبر. و فيه أنّ الظهور لا ينكر من هذا الخبر، مضافاً إلىٰ تأييد خبر عمّار (1)، فليتأملّ.

و أمّا الثاني: فمدلوله (2) ظاهر، و ما تضمنه من أنّه لا بأس أن يمسّه و يقبّله بعد الغسل فلا ينافي استحباب الغسل كما هو واضح.

و أمّا الثالث: فلا يخلو ظاهره من إجمال من حيث قوله: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل و جرت به السنّة» و لعلّ المراد أنّ السنّة جرت بغسل المسّ، لا من حيث اغتسال أمير المؤمنين (عليه السلام)، و احتمال كون السنّة جرت بسبب فعله يشكل بأنّ الأحكام بعد موت النبي (صلى الله عليه و آله) لا تبتدأ، اللّهُمَّ إلّا أن يقال: إنّ الحكم كان في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) واقعاً لكن علّق علىٰ فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو أنّ الأمر فوّض إلىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه و آله)، فله جهتان، فليتأملّ.

و أمّا الرابع: فهو صريح الدلالة علىٰ أنّ موجب الغسل مسّ الجلد (3)، فلو مسّ الشعر أو الظفر لا يجب الغسل، أمّا المسّ بالشعر و الظفر للجلد فيحتمل عدم وجوب الغسل به، إذ لا يصدق المسّ، و يحتمل الوجوب، لأنّ اعتبار الإحساس لا دليل عليه، و فيه ما فيه.

و من هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض المتأخرين: من أنّ مسّ العظم

____________

(1) في «رض»: عثمان.

(2) في «فض»: مدلوله.

(3) في «رض»: الجسد.

117

المجرّد المتصل بالميت موجب للغسل، لظهور صدق مسّ الميت بمسّ جزء منه (1). محل بحث.

إلّا أن يقال: إنّ هذا الخبر لا يدل علىٰ الحصر في مس الجلد، إذ اللحم خارج عنه مع وجوب الغسل بمسه قطعاً.

و فيه: أن ما خرج بالإجماع لا يضر بالحال، و كونه ينافي الحصر إنما يتم علىٰ تقدير إرادة الحصر من اللفظ، و المراد أن مفهومه عام فإذا خص العام لا مانع منه.

و مثل هذا القولُ في مسّ السن من الميت حال الاتصال، فإن بعض الأصحاب حكم بوجوب الغسل حالته دون حال الانفصال، مستدلًا بالأصل في الثاني (2)، و لا يخفىٰ عليك الحال.

و أمّا الخامس: فقد استدل به المحقق في المعتبر علىٰ وجوب الغسل بمسّ القطعة ذات العظم، و عدمه عند عدم العظم، و نَقَل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع علىٰ ذلك، قال المحقق (رحمه الله) بعد نقل الرواية: و الذي أراه التوقف في ذلك، فإنّ الرواية مقطوعة، و دعوىٰ الشيخ الإجماع لم تثبت، فإذاً الأصل عدم الوجوب (3).

و أجاب في الذكرى بأن هذه القطعة جزء من جملة يجب الغسل بمسّها، و كل دليل دل علىٰ وجوب الغسل بمسّ الميت فهو دال عليها، و بأن الغسل يجب بمسّها متصلة فلا يسقط بالانفصال، و بأنه يلزم عدم الغسل لو مسّ جميع الميت ممزّقاً (4).

و في ما قاله نظر

____________

(1) الدروس 1: 117.

(2) الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 1: 212.

(3) المعتبر 1: 352.

(4) الذكرى 2: 97 بتفاوت يسير.

118

أمّا الأوّل: فلأنّ المتبادر من مسّ الميت هو الجملة، و هي غير الإجزاء.

أمّا ما قاله شيخنا (قدس سره)-: من أنّه لو تم ما قاله الشهيد (رحمه الله) لزم وجوب الغسل بمسّ اللحم المجرّد عن العظم. ففيه: أنّه إذا خرج بالدليل لا يضر بالحال، و قد صرح (قدس سره)-: بأنّه لا قائل به (1). و ذلك كاف في التوجيه.

و أمّا الثاني: فلأن وجوب الغسل بمسّ المتصل لصدق اسم الجملة.

و أمّا الثالث: فيمنع (2) بطلان اللازم إن لم يقع عليه إجماع، و إن وقع فهو المخرج، علىٰ أنّ اللازم ممّا قاله الشهيد (رحمه الله) الاختصاص بالمبانة من الميت، و قد قيل: إن المدعىٰ أعم.

و ربما (3) يقال: إنّ الأخبار قد دلّت علىٰ أن من غسّل الميت عليه غسل، و في معتبر الأخبار ما يدل علىٰ أن الرجل الذي يأكله السبع و تبقىٰ عظامه بغير لحم يغسّل (4)، و حينئذ يدخل في عموم الأخبار الدالة علىٰ أن من غسّل الميت عليه الغسل (5)، إلّا أنّه يمكن الجواب بأن المتبادر من العموم غير ما ذكر.

و من هنا يعلم أن ما قاله شيخنا (قدس سره) من عدم وجوب الغسل بمس العظم المجرد، خلافاً للشهيد في الذكرى حيث ذهب إلىٰ وجوب الغسل بمسّه لدوران الغسل معه وجوداً و عدماً (6). محل بحث، لا لما قاله الشهيد

____________

(1) المدارك 2: 280.

(2) في «رض»: فنمنع.

(3) في «رض»: و قد.

(4) التهذيب 1: 336/ 983، الوسائل 3: 131 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 1.

(5) الوسائل 3: 289 أبواب غسل المس ب 1.

(6) مدارك الاحكام 2: 280.

119

فإنه واضح الردّ، بل لما قلناه، غير أن دفعه قد سمعته، و لا يخلو من كلام.

و في الخبر الذي أشرنا إليه أن الميت إذا كان نصفين صلّىٰ علىٰ النصف الذي فيه القلب (1)، و ظاهر الرواية أن الحكم بعد التغسيل، و حينئذ يتناول العموم مثل هذا، فيحتمل وجوب الغسل بمسّه لما قلناه، و علىٰ قول شيخنا (قدس سره) لا يجب لعدم تحقق الجملة.

إذا عرفت هذا كله فاعلم أن العلّامة في المختلف قال: المشهور بين علمائنا وجوب الغسل علىٰ من مسّ ميتاً من الناس قبل تطهيره بالغسل و بعد برده بالموت إلىٰ أن قال-: و قال السيد المرتضىٰ (رحمه الله)-: إنه مستحب. و نقله عن الشيخ في الخلاف، و نقل الاحتجاج له بالأصل و برواية سعد بن أبي خلف السابقة (2) حيث قال فيها: «الغسل في أربعة عشر موطناً واحد فريضة و الباقي سنة».

و أجاب العلّامة عن الأصل بأنه إنّما يعمل به ما لم يدل الدليل علىٰ خلافه، و قد بينا فيما تقدم الدلالة علىٰ خلافه، و عن الرواية بأن المراد بالسنّة ما ثبت من جهة السنة لا من طريق القرآن، فإن غسل الحيض و الاستحاضة و النفاس واجب عندنا، فلا يجوز حمل السنة هنا علىٰ الندب (3). انتهىٰ.

و لا يخفىٰ عليك الحال أنّ السيد لو استدل بالرواية و كانت مصرحة بأنّ الأربعة عشر من جملتها الحيض و الاستحاضة و النفاس كان كلام العلّامة

____________

(1) التهذيب 1: 337/ 985، الوسائل 3: 137 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 11.

(2) في ص 97.

(3) المختلف 1: 149 151.

120

متوجهاً، أمّا إذا لم يصرح بها (1) فيجوز أن يكون كلها مسنونات كما اتفق في حديث أنّ الأغسال سبعة عشر (2)، إذ لم يذكر فيه الحيض و الاستحاضة و النفاس، فالجواب موقوف علىٰ ذلك، و بدونه لا يليق ذكره.

و احتجاج السيد بالأصل علىٰ طريقته واضح، و ردّه علىٰ طريقة غيره إذا قلنا: إنّ الأمر للوجوب شرعاً. حقّ، أمّا لو قلنا بالاشتراك شرعاً بين الوجوب و الندب فقد يشكل الاستدلال ببعضها، و البعض الآخر الدال علىٰ لفظ الوجوب كمرسل أيوب بن نوح حاله غير خفيّ، و ما تضمن لفظ: «عليه الغسل» كخبر سهل لا اعتماد عليه، فما حكم به الوالد (قدس سره) من وجوب غسل المسّ- (3) مع عدم قوله بأن الأمر للوجوب شرعا، كما قرره في الأُصول- (4) لا يخلو من غرابة، إلّا أن في انضمام الأخبار بعضها إلىٰ بعض ما يصلح وجهاً للاعتماد، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

[الحديث 6 و 7 و 8]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مس الميت عند موته و بعد غسله، و القُبلة ليس به بأس».

عنه، عن فضالة، عن السكوني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قبّل عثمان بن مظعون بعد موته».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما علىٰ أن التقبيل إذا كان

____________

(1) في «رض»: به.

(2) المتقدم في ص 94.

(3) معالم الفقه: 280.

(4) معالم الأصول: 48.

121

بعد الموت قبل أن يبرد أو بعد الغسل لم يجب فيه الغسل، علىٰ ما بينّاه في خبر عبد اللّٰه بن سنان، و ذلك مفصّل، و هذان الخبران مجملان، و الحكم بالمفصّل أولىٰ منه بالمجمل.

و لا ينافي ذلك:

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يغتسل الذي غسّل الميت، و كل من مسّ ميتاً فعليه الغسل و إن كان الميت قد غُسّل».

لأن ما يتضمن هذا الخبر من قوله: «و إن كان الميت قد غُسّل» محمول علىٰ ضرب من الاستحباب دون الفرض و الإيجاب، و قد استوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب تهذيب الأحكام (1)، و فيه كفاية إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب بعد ما قدمناه.

و الثاني: فيه السكوني و هو عامي، كما صرّح به العلّامة في الخلاصة (2)، و ابن إدريس في السرائر، فإنه قال في فصل ميراث المجوس: إسماعيل بن أبي زياد السكوني بفتح السين منسوب إلىٰ قبيلة من العرب عرب اليمن، و هو عامي المذهب بغير خلاف، و شيخنا أبو جعفر موافق علىٰ ذلك (3).

____________

(1) التهذيب 1: 430/ 1373، الوسائل 3: 295 أبواب غسل المس ب 3 ح 3.

(2) خلاصة العلّامة: 199/ 3.

(3) السرائر 3: 289.

122

و ينقل عن المحقّق في جواب المسائل العزّية توثيق السكوني و إن كان عامّياً، و أنّه قال: قال شيخنا أبو جعفر (رحمه الله) في مواضع من كتبه: و الإمامية مجمعة علىٰ العمل بما يرويه السكوني و عمار و من ماثلهما من الثقات.

و أظنّ أن توثيق السكوني أُخذ من قول الشيخ: و من ماثلهما من الثقات. و احتمال أن يريد (1): و من ماثلهما من مخالفي المذهب الثقات، لا أن السكوني ثقة، يمكن و إن بعد.

و الثالث: موثق.

المتن:

لا يخفىٰ دلالته في الخبرين الأولين علىٰ جواز القُبلة، أما على (2) عدم الغسل فلا، فالاحتياج إلىٰ حمل الشيخ غير واضح.

و أمّا الخبر الثالث فالاستحباب متوجه في تأويله، و يؤيّده ما قدّمناه من دلالة الخبر المذكور في التهذيب لتعداد الأغسال المسنونة (3).

[الحديث 9]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسىٰ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن رجل حدّثه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب و الثاني (4) ميت

____________

(1) في «رض»: يراد.

(2) ليست في «رض».

(3) في ص 94.

(4) في «رض»: و الآخر.

123

و الثالث علىٰ غير وضوء، و حضرت الصلاة و معهم من الماء ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء و يغتسل به و كيف يصنعون؟ قال: «يغتسل الجنب، و يدفن الميت، و يتيمم الذي عليه وضوء، لأن الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميت سنّة، و التيمم للآخر جائز».

فما تضمّن هذا الخبر من أن غسل الميت سنّة لا (1) يعترض ما قدمناه (2) من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر مرسل، لأن ابن أبي نجران قال: عن رجل. و لم يذكر من هو، و لا يمتنع أن يكون غير موثوق به، و لو سلّم لكان المراد في إضافة هذا الغسل إلىٰ السنّة أنّ فرضه عرف (3) من جهة السنّة، لأن القرآن لا يدل علىٰ ذلك و إنمّا علمناه بالسنّة (4)، و قد قدمنا في الباب الأوّل رواية أنّ في الأغسال ثلاثة فرض منها غسل الميت.

السند

كما ترى مرسل، إلّا أنّه في الفقيه مروي بطريقه عن عبد الرحمن بن أبي نجران (5)، و طريقهُ إليه ليس فيه ارتياب، نعم قد يتوقف في ذلك من حيث أن ابن أبي نجران تارة يرويه بواسطة كما هنا، و تارة بغيرها كما في الفقيه، و لا بعد فيه، و ما ذكره الشيخ: من أن الرجل لا يمتنع أن يكون غير موثوق به، لا يخلو من تأمّل، لأن المعروف من الشيخ عدم الاعتبار بالسند و الطعن من جهته إنّما يلتزم به إذا لم يمكن التأويل، فليتدبر.

____________

(1) في النسخ: فلا، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 101/ 329.

(2) في الاستبصار 1: 101/ 329: قلناه.

(3) في «رض»: علم.

(4) في «رض»: من السنة.

(5) الفقيه 1: 59/ 222، الوسائل 3: 375 أبواب التيمم ب 18 ح 1.

124

المتن:

ظاهر في أنّ الميت يدفن من غير تيمم.

و قوله: «إنّ التيمم للآخر جائز» كأنّ المراد به الاستحباب، و إلّا فالجواز بغير هذا المعنىٰ لا يتحقق في العبادة.

و ما ذكره الشيخ: من أن المراد بالسنّة ما يثبت بالسنة. صحيح، إلّا أن التعليل لسقوط الغسل بأنه سنة غير واضح المعنىٰ، و لأن الوضوء أيضاً فريضة لثبوته من القرآن، و قد حكم في الحديث بأن المحدث جائز له التيمم.

و ما قاله الشيخ: من أن الرواية السابقة في أوّل الباب دالة علىٰ أن غسل الميت فريضة، موهوم؛ لأن الرواية دلّت علىٰ غسل المس.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ بعض الأصحاب قال في المقام: إذا اجتمع ميّت و محدث و جنب و معهم من الماء ما يكفي أحدهم، فإن كان ملكاً لأحدهم اختص به و لم يكن له بذله لغيره مع مخاطبته باستعماله، و لو كان مباحاً وجب علىٰ كل من المحدث و الجنب المبادرة إلىٰ حيازته، فإن سبق أحدهما و حازه اختص به، و لو توافيا دفعةً اشتركا، و لو تغلّب أحدهما أثم و ملكه؛ و إن كان ملكاً لهم جميعاً أو لمالك يسمح ببذله فلا ريب أنّ لملّاكه الأحياء مع وارث الميت الخيرة في تخصيص من شاؤوا به، و إنّما الكلام في مَن الأولىٰ؟ فقال الشيخ في النهاية: إنّه الجنب. و قيل: الميت. و قال الشيخ في الخلاف: إن كان الماء لأحدهم فهو أحقّ به، و إن لم يكن لواحد بعينه تخيّروا في التخصيص، لأنها فروض اجتمعت و ليس بعضها أولىٰ من بعض فتعين التخيير، و لأن الروايات اختلفت علىٰ وجه لا ترجيح؛ فتحمل علىٰ التخيير (1).

____________

(1) المدارك 2: 250.

125

و في نظري القاصر أن المقام بعد لا يخلو من نظر، لأن الصورة المذكورة و هي ما إذا كان ملكاً لهم جميعاً أو لمالك يسمح ببذله، إلىٰ آخر ما قيل غير تامة علىٰ الإطلاق، لأن الماء إذا كان ملكاً للميت مع الأحياء فالوارث في تحقق ملكه له مع احتياج الميت إليه نظر، إلّا أن يقال: إن حصته لمّا لم تكفه للغسل فقد سقط غسله و يملكه الوارث حينئذ.

ثم قوله: و إنّما الكلام في مَن الأولىٰ، بعد القول: بأن لمُلّاكه الأحياء مع وارث الميت الخيرة في تخصيص من شاؤوا. لا يخلو من تأمّل، لأن الأولوية إن أُريد بها الاستحباب علىٰ معنىٰ أنّه يستحب بذل بقيّة الحصص للجنب فلها نوع وجه، إلّا أن المحدث قد يكفيه حصته للوضوء و جواز البذل حينئذ محل إشكال، و إن لم يكفه أمكن الاستحباب، إلّا أنّه غير واضح الدليل، لما ستسمعه من الأخبار في الباب؛ و إن أُريد (1) بالأولوية التعيّن كما يستفاد من ظاهر الخبر المعتبر لا يتم التفصيل و إن وافق الدليل.

و القول المنقول عن الشيخ بالتخيير لأنها فروض اجتمعت. محل كلام أيضاً، لأن الحصص إذا لم تفِ بالطهارات لا يتم تحقق اجتماع الفروض.

و لعلّ الأولىٰ ما قيل: إن الماء إذا كان مع غيرهم و التمس الأولىٰ أو أوصىٰ بصرفه إلىٰ الأولىٰ دفعه إلىٰ الجنب، و لو كفىٰ المحدث خاصة اختص به، و ربما احتمل دفعه إلىٰ الجنب فيصرفه في بعض أعضائه و يتوقع الباقي (2).

و قد يقال: إن في الميت علىٰ تقدير ملك الحصة أن يصرف في بعض غسله فلا يتم جواز البذل لغيره، فليتأملّ.

____________

(1) في «رض» أراد.

(2) المدارك 2: 252.

126

[الحديث 10 و 11 و 12]

قال: فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن محمد، عن الحسن التفليسي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ميت و جنب اجتمعا و معهما من الماء ما يكفي أحدهما، أيّهما يغتسل؟ قال: «إذا اجتمعت سنّة و فريضة بدئ بالفرض».

عنه، عن الحسن بن النضر الأرمني قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت [و معهم جنب (1)] و معهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، أيّهما يبدأ به؟ قال: «يغتسل الجنب و يُترك الميت، لأن هذا فريضة و هذا سنّة».

فالوجه في هذين الخبرين ما قدمناه في الخبر الأوّل سواء، علىٰ أنه روي: أنّه إذا اجتمع الميت و الجنب غسّل الميت و يتيمّم الجنب:

روىٰ ذلك عليّ بن محمد القاشاني (2)، عن محمد بن عليّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: الميت و الجنب (3) يتّفقان في مكان لا يكون الماء إلّا بقدر ما يكتفي به أحدهما، أيّهما أولىٰ أن يجعل الماء له؟ قال: «يتيمّم الجنب و يغسّل الميت بالماء».

و الوجه في الجمع بينهما أن يكون علىٰ التخيير، لأنهما جميعاً واجبان فأيّهما غسل بما معه من الماء كان ذلك (4) جائزاً.

____________

(1) أثبتناه من الاستبصار 1: 102/ 331.

(2) في الاستبصار 1: 102/ 332: القاساني.

(3) في الاستبصار 1: 102/ 332: الجنب و الميت.

(4) أثبتناه من الإستبصار 1: 102/ 332.

127

السند

في الأوّل: الحسن بن علي، و الظاهر أنّه ابن فضال، لأنّ الراوي عنه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، و حاله مشهور؛ و أحمد بن محمد الراوي عنه الحسن كأنه ابن أبي نصر؛ و أمّا الحسن التفليسي فهو مذكور في رجال الرضا (عليه السلام) من كتاب الشيخ مهملًا (1).

و الثاني: فيه الحسن بن النضر الأرمني، و هو بهذا الوصف مجهول الحال، و في التهذيب رواها عن الحسين بن النضر الأرمني (2)، و الذي في الرجال الحسن بن النضر بغير الوصف (3)، و قد نقل العلّامة في الخلاصة عن الكشي أنّه من أجلّة إخواننا (4)، و الذي رأيناه في الكشي في أحمد بن إبراهيم أبي حامد المراغي ما قاله العلّامة عنه بطريق الرواية (5)، و علىٰ كل حال فالرجل لا يلحق حديثه بالصحيح، فما في شرح جدّي (قدس سره) للإرشاد: من وصف الخبر بالصحة (6). هو أعلم بوجهه.

و الثالث: فيه أن الطريق إلىٰ عليّ بن محمد القاساني غير مذكور في المشيخة، بل و لا في الفهرست؛ و علي بن محمد ليس بثقة (7)، و محمد بن علي مشترك (8)؛ و الإرسال كاف في الرد.

____________

(1) رجال الطوسي: 371/ 6.

(2) التهذيب 1: 110/ 287، الوسائل 3: 376 أبواب التيمم ب 18 ح 4.

(3) رجال الكشي 2: 815.

(4) خلاصة العلّامة: 41/ 15.

(5) رجال الكشي 2: 815.

(6) روض الجنان: 131.

(7) رجال الطوسي: 417/ 10، الخلاصة: 232، رجال ابن داود: 262.

(8) هداية المحدثين: 244.

128

المتن:

في الأوّلين لا إشكال فيه كما قاله الشيخ.

أمّا الأخير فما قاله الشيخ من التخيير محل نظر، لأنّ قوله: «إنّهما جميعاً واجبان» ينافيه صريح الأخبار السابقة الدالة علىٰ أن ما ثبت بالقرآن مقدم، اللّهم إلّا أن يحمل الأخبار الأوّلة علىٰ الأولويّة، و يكون أصل التخيير من هذا الخبر علىٰ تقدير العمل به. و فيه: أن كثرة الأخبار لها رجحان عند التعارض كما لا يخفىٰ، علىٰ أن الخبر الأوّل الصحيح في الفقيه مقتضاه دفن الميت من غير غسل و لا تيمم (1)، و خبر الحسن بن النضر يؤيّده و إن أمكن أن يوجّه بأن المراد بترك الميت عدم غسله، بل الأوّل لا يمكن توجيهه بعد قوله في المحدث: «و التيمم للآخر جائز» إلّا بتأويل متكلّف، بل تركه أولىٰ.

و ينقل عن بعض القول بتقديم الميت كما تقدم- (2) و الاحتجاج بهذه الرواية، و بأن الجنب تستدرك طهارته و الميت لا استدراك لطهارته.

و أُجيب عن الرواية بالضعف و الإرسال و الإضمار، و عن التوجيه بأنه لا يعارض النص، مضافاً إلىٰ المعارضة بأن الجنب يتعبد بطهارته بخلاف الميت.

و بالجملة فالحكم بوجوب تيمم الميت بعيد عن الأدلة، و الاستحباب أيضاً لا يخلو من إشكال إن لم ينعقد الإجماع، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقائق الأُمور.

____________

(1) المتقدم في ص 111.

(2) في ص 112.

129

باب الأغسال المسنونة

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد ابن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين (1)، عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأوّل (2) (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة و الأضحىٰ و الفطر؟ قال: «سنّة ليس بفريضة».

و بهذا الاسناد عن سعد بن عبد اللّٰه، عن يعقوب بن يزيد، عن (3) ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن غسل الجمعة؟ قال: «سنة في السفر و الحضر إلّا أن يخاف المسافر علىٰ نفسه القُرّ».

و بهذا الاسناد عن سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن القاسم، عن علي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل العيدين أ واجب هو؟ قال: « (4) سنة» قلت: فالجمعة؟ قال (5): «هو سنة».

السند

في الأوّل و الثاني: لا ارتياب فيه.

____________

(1) في النسخ: عن الحسين بن علي بن يقطين عن أخيه الحسن، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 102/ 333، و هو الصحيح، راجع معجم رجال الحديث 5: 317.

(2) في الاستبصار 1: 102/ 333 لا يوجد: الأول.

(3) في الاستبصار 1: 102/ 334: زيادة: محمد.

(4) في الاستبصار 1: 103/ 335: هو.

(5) في الاستبصار 1: 103/ 335: فقال.

130

و الثالث: فيه القاسم، و هو ابن محمد الجوهري، لأنّه يروي عن عليّ بن أبي حمزة، و هو واقفيّ غير موثق، و ربما توهّم توثيقه؛ و علي بن أبي حمزة واقفيّ أيضاً، ثم إنّ رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عنه لا يخلو من شيء، لأن النجاشي ذكر أن الراوي عنه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسين بن سعيد، عنه (1). و الأمر سهل.

المتن:

ذكر شيخنا (قدس سره) في فوائده علىٰ الكتاب: أن الخبر الأوّل واضح الدلالة علىٰ الاستحباب، لأن المتبادر من السنّة المستحب، و من الفريضة الواجب، خصوصاً مع وقوع السنة خبراً عن غسل الفطر و الأضحىٰ مع استحبابهما اتفاقاً، و حمل ما تضمن الوجوب لو ثبت كونه حقيقة في المعنىٰ الاصطلاحي علىٰ تأكّد استحبابه. انتهىٰ.

و بعض محققي المعاصرين أيّده اللّٰه اعترض في المقام بأن حمل السنة علىٰ ما ثبت في السنّة فلا ينافي الوجوب ليس بأبعد من حمل الوجوب علىٰ المبالغة في الاستحباب، و منع كون الوجوب حقيقة في معنىٰ المصطلح عليه يتأتّىٰ مثله في السنّة (2).

و في نظري القاصر أنّ الاعتراض لا وجه له بعد ما قرّره شيخنا (قدس سره) من وقوع السنّة خبراً عن الفطر و الأضحىٰ، فإن الأقربية بحمل السنة علىٰ المستحب لا مرية فيها، و قد ذكرت ذلك في حاشية التهذيب و غيرها قبل أن أقف علىٰ كلام شيخنا (قدس سره).

____________

(1) رجال النجاشي: 315/ 862.

(2) الحبل المتين: 79.

131

و ما عساه يقال: إنّه لا مانع من خروج الفطر و الأضحىٰ للإجماع و وجود المعارض الدال علىٰ الوجوب في الجمعة يتوجه عليه:

أوّلًا: أنّ من المستبعد إرادة المعنيين المتغايرين في خبر واحد.

و ثانياً: أن الوجوب قد استعمل أيضاً في المستحب كما في الفقيه في خبر سماعة: حيث قال (عليه السلام): «و غسل يوم عرفة واجب، و غسل الزيارة واجب، و غسل دخول البيت واجب، و غسل المباهلة واجب» (1).

(و أمّا ثالثاً: فإن الظاهر من السؤال في الخبر الأوّل عن غسل الجمعة أ واجب هو أو مستحب؟ لا عن كون وجوبه من القرآن أو من السنة، (إذ لو كان السؤال عن هذا لكان ذكر العيدين لغواً من السائل، فإن المستحب لا معنىٰ لكونه من القرآن أو من السنّة) (2). و الخبر الأخير مؤيّد لإرادة المستحب إذا تأمّله المتأمّل) (3).

و أمّا رابعاً: فلأنّ استعمال الوجوب في الاستحباب الكامل موجود بكثرة، و وجود السنة بمعنى ما ثبت بالسنّة كذلك، و ترجيح أحدهما علىٰ الآخر إذا لم يمكن فالأصل يعمل مقتضاه (4) إلىٰ أن يثبت ما يقتضي الخروج عنه.

و أمّا الخبر الثاني: فالأمر فيه بعد ما قرّرناه واضح، إلّا أنّ قوله: «إلّا أن يخاف المسافر علىٰ نفسه القُرّ» لا يخلو من إجمال، فإن خوف القُرّ لا يختص بالمسافر، و لعلّ المراد أن المسافر مجرد خوفه القُرّ يسقط

____________

(1) الفقيه 1: 45/ 176، الوسائل 3: 303 أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3.

(2) ما بين القوسين ساقط من «فض».

(3) ما بين القوسين ساقط من «رض».

(4) في «رض»: لمقتضاه.

132

الاستحباب عنه أو الوجوب، بخلاف الحاضر، فإنّه لا بد من ظنٍّ أقوى، و اللّٰه أعلم بالحال.

اللغة:

قال في القاموس: القُرّ، بالضم: البرد، أو يخصّ بالشتاء (1).

[الحديث 4 و 5 و 6]

قال: فأمّا ما روي من أن غسل الجمعة واجب فأُطلق (2) عليه لفظ الوجوب فالمعنىٰ فيه تأكد (3) السنّة و شدة الاستحباب فيه، و ذلك يعبر عنه بلفظ الوجوب، فمن ذلك:

ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: «واجب علىٰ كل ذكر و أُنثىٰ من عبد و حرّ».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن عبد اللّٰه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن غسل يوم الجمعة؟ فقال: «واجب علىٰ كل ذكر و أُنثىٰ من حرّ و عبد».

السند

في الأوّل: حسن.

____________

(1) القاموس المحيط 2: 119 (القر).

(2) في الاستبصار 1: 103/ 335: و أُطلق.

(3) في الاستبصار 1: 103/ 335: تأكيد.

133

و الثاني: فيه سهل بن زياد و قد تقدم القول فيه (1)؛ و محمد بن عبد اللّٰه مشترك (2)، و لا يخفىٰ ما في قول الشيخ: و بهذا الاسناد عن محمد ابن يعقوب.

المتن:

ما ذكره الشيخ في حمل الوجوب علىٰ تأكّد الاستحباب، قد تقدم الوجه فيه، غير أنّه يبقىٰ أن يعلم أن أهل الخلاف رووا في كتب حديثهم أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «غسل الجمعة واجب علىٰ كل محتلم» (3).

و ذكر بعض الشراح للحديث: أن بعض الناس قال بالوجوب لظاهر الخبر، و خالف الأكثر فقالوا بالاستحباب، قال: و هم محتاجون إلىٰ الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، فأوّلوا صيغة الوجوب علىٰ التأكيد كما يقال: حقك واجب عليّ (4).

و هذا كما ترى يقرّب أن يكون الأخبار الواردة بالوجوب عندنا محمولة علىٰ التقية، و إن كان بعضهم قائلًا بالاستحباب، لأن التقية لا تقتضي إجماعهم علىٰ مقتضاها، بل مخافة القائل إذا كان من أهل الشر بالوجوب كافية في التقية، كما يعلم من أخبارنا الواردة بالتقية.

و ما ذكره الشارح لحديثهم: من التمثيل بقوله: حقك واجب عليّ. يدل علىٰ أنّ الوجوب يراد به المبالغة، و حينئذ يتم حمل الشيخ و غيره علىٰ

____________

(1) راجع ج 1 ص 129 130.

(2) هداية المحدثين: 241.

(3) سنن الدارمي 1: 361، صحيح البخاري 2: 3، سنن ابن ماجة 1: 346/ 1089.

(4) نقله في فتح الباري 2: 289.

134

إرادة تأكّد الاستحباب، لا أنّ المراد بالوجوب المعنىٰ اللغوي و هو الثبوت، إذ ليس له كثير فائدة، فليتأمّل، هذا.

[الحديث 7 و 8 و 9]

قال: فأما (1) ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن ابن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينسىٰ الغسل يوم الجمعة حتى صلّىٰ، قال: «إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و إن مضى الوقت فقد جازت صلاته».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الاستحباب (2)، و كذلك ما روي في قضاء غسل الجمعة من الغد و تقديمه يوم الخميس إذا خيف الفوت، فالوجه (3) فيه الاستحباب.

روىٰ ما ذكرناه أحمد بن محمد، عن محمد بن سهل، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدع الغسل يوم الجمعة ناسياً أو غير ذلك؟ فقال: «إن كان ناسياً فقد تمت صلاته، و إن كان متعمداً فالغسل أحبّ إليّ، فإن هو فعل فليستغفر اللّٰه تعالىٰ و لا يعود».

محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار، قال: «يقضيه من

____________

(1) في الاستبصار 1: 103/ 338: و أمّا.

(2) في الاستبصار 1: 103/ 338 زيادة: دون الفرض و الإيجاب.

(3) في الاستبصار 1: 103/ 338: الوجه.

135

آخر النهار، فإن لم يجد فليقضه يوم السبت».

و قد استوفينا ما يتعلق بهذا الباب في كتابنا تهذيب الأحكام (1) (و فيه كفاية إن شاء اللّٰه تعالىٰ) (2).

السند

في الأوّل: موثق.

و الثاني: فيه محمد بن سهل، و هو ابن اليسع من رجال الرضا (عليه السلام) مذكور مهملًا (3)، و أبوه ثقة ثقة (4)، و إنّما كان ابن اليسع لأنّ الراوي عنه أحمد ابن محمد بن عيسىٰ كما ذكره شيخنا المحقق سلّمه اللّٰه في فوائد الكتاب.

و الثالث: فيه جعفر بن عثمان و هو ابن شريك، أخو الحسين بن عثمان بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه كما في النجاشي (5)، و هو مذكور مهملًا، و لا يبعد أن يكون هو الرواسي، لأنّ الكشي قال: عن حمدويه: سمعت أشياخي يذكرون أنّ حماداً و جعفراً و الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي و حماد يلقب بالناب كلّهم فاضلون خيار ثقات (6). غير أنّ التوثيق من شيوخ حمدويه، و هم غير معلومي الحال، إلّا أنّ الظاهر كونهم من أهل الاعتبار كما في غيرهم من شيوخ الأجلّاء، و حمدويه منهم، فقد

____________

(1) التهذيب 1: 110 113.

(2) ما بين القوسين ليس في الاستبصار 1: 104/ 340.

(3) رجال الطوسي: 388/ 25.

(4) رجال النجاشي: 186/ 494، و الموجود فيه توثيقه مرّة واحدة، رجال ابن داود: 108/ 747، منهج المقال: 177.

(5) رجال النجاشي: 124/ 320.

(6) رجال الكشي 2: 670.

136

وثّقه الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمّة (عليهم السلام) (1).

و ما يقال (2) من أن في شيوخ حمدويه ما (3) هو ثقة و الإضافة في شيوخه تفيد العموم فيدخل فيهم الثقة لم أعلم وجهه إلّا من كون حمدويه يروي عن يعقوب بن يزيد و هو ثقة، فيكون من جملة الشيوخ، و هو غير بعيد، و في بعض المواضع من الكشي نقل حمدويه عن أشياخه و قال: منهم العبيدي و غيره (4). و العبيدي علىٰ ما أظن ثقة.

نعم قد يحصل التوقف في الاتحاد مع ابن شريك، لأن مقتضىٰ كون الجدّين زياداً المغايرة لابن شريك، إلّا أن يقال: إنّ شريكاً جدّ أعلىٰ [لجعفر (5)].

و الحق أنّ كلام الكشي (6) إنّما يقتضي أنّ الحسين بن عثمان هو ابن زياد، لا أنّ الجميع بنو زياد، إلّا أن يقال: إنّ العبارة بنى زياد، كما هو الظاهر من أنّ الكلام في بيان حال الإخوة الثلاثة، و فيه: أنّ ظهور كون النقل لبيان الإخوة محل كلام، بل يجوز أنّ المقصود ذكر الأخوين مع ذكر حمّاد الرواسي و المناسبة لذكره معهما لاقتضاء المقام ذلك في الوقت، كما ينبئ عنه الوصف بالرواسي دون من معه، بل المذكور في جعفر بن عثمان أنّه الكلابي.

و الحسين بن عثمان قد وقع فيه الاضطراب كما يعرف من كلام

____________

(1) رجال الطوسي: 463/ 9.

(2) في «رض»: قد يقال.

(3) كذا في النسخ، و الأولى: من.

(4) رجال الكشي 2: 626.

(5) في النسخ: لعثمان، و الظاهر ما أثبتناه.

(6) في النسخ: النجاشي، و الصحيح ما أثبتناه.

137

العلّامة في الخلاصة (1) و كلام غيره (2)، فإن [الكشي (3)] لم يذكر الحسين بن عثمان بن شريك، و النجاشي ذكره (4) و ذكر الأحمسي (5).

و لا يبعد أن يكون الحسين بن عثمان الواقع في عبارة الخلاصة ابتداء كلام لذكر رجل ثالث، و هو الذي ذكره الكشي، و هو ابن عثمان بن زياد، فيكون العلّامة ذكر ثلاثة رجال كل واحد اسمه الحسين بن عثمان و كلمة «عن» الواقعة في كلام العلّامة قبل لفظ الحسين سهو و صوابه إلحاق الهاء به، و المعنىٰ: أن الحسين بن عثمان بن شريك له كتاب يرويه محمد بن أبي عمير عنه كما في النجاشي (6).

و هذه عبارة الخلاصة: الحسين بن عثمان بن شريك بن عدي العامري الوحيدي ثقة روىٰ عن أبي عبد اللّٰه و أبي الحسن (عليهما السلام)، له كتاب يرويه محمد بن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، قال الكشي: عن حمدويه عن أشياخه أن الحسين بن عثمان خير فاضل ثقة (7).

و بالجملة: فالمقام لا يخلو من إشكال كما يعلم من ملاحظة كتب الرجال.

و أمّا سماعة فحاله قد تقدم (8).

____________

(1) خلاصة العلّامة: 51/ 15.

(2) منهم ابن داود في رجاله: 81/ 486.

(3) في النسخ: العلّامة، و الظاهر ما أثبتناه.

(4) رجال النجاشي: 53/ 119.

(5) رجال النجاشي: 54/ 122.

(6) رجال النجاشي: 53/ 119.

(7) خلاصة العلّامة: 51/ 15.

(8) راجع ج 1 ص 108 111.

138

المتن:

في الأوّل: ما ذكره الشيخ فيه من الحمل علىٰ الاستحباب، الظاهر أنّ مراده به فعل الغسل لما تقدم من أنّه غير واجب. و لا يخفىٰ عليك أنّ ظاهر الخبر أنّه إن كان في وقت فعليه أن يغتسل، و الوقت المذكور هو وقت الصلاة، إذ لو أُريد به وقت الغسل لم يتم، لأنّ وقته قبل الزوال (1) في المشهور، و إذا كان قد صلّىٰ فقد فات وقت الغسل و بقي قضاؤه، و حينئذ فوجوب القضاء و عدمه لم يتقدم ما يدل عليه ليحمل الخبر علىٰ الاستحباب، إلّا أن يكون مقصود الشيخ أن الأداء إذا لم يجب لا يجب القضاء، و فيه أنّه لا ملازمة بين الأداء و القضاء، بل هو حكم آخر.

و لو أراد الشيخ استحباب إعادة الصلاة أشكل أوّلًا بأن الصلاة إن كانت جمعة فاستحباب قضائها أشدّ إشكالًا، و إن كانت ظهراً أمكن، و كذلك إعادة الجمعة ظهراً، إلّا أن المقام مقام إعادة الغُسل استحباباً لمعارضة الأخبار، إلّا أن يقال: إن الخبر تضمّن أمرين: إعادة الصلاة و الغسل، فلا يضر بالحال زيادة الحكم فيه.

و ممّا يؤيّد إرادة الشيخ استحباب الغسل قوله: و كذلك ما روي في قضاء غسل يوم الجمعة إلىٰ آخره. و بالجملة فالمقام (2) لا يخلو من إجمال، و من لم يعمل بالموثق في راحة من ذلك.

و أمّا الخبر الثاني: فهو دال علىٰ تأكّد الاستحباب، إلّا أن في متنه

____________

(1) ممّن قال به الشيخ في المبسوط 1: 40، و ابن إدريس في السرائر 1: 124، و المحقق في المعتبر 1: 354، و صاحب المدارك 2: 161.

(2) في «فض»: و الكلام.

139

نوع إجمال كما يعرف من مراجعته، و ذكر الاستغفار فيه لا يدل علىٰ الوجوب لوجود المعارض، و ربما دلّ علىٰ عدم إعادة الصلاة مع تعمّد ترك الغسل، أمّا مع النسيان فمفهومه الإعادة.

و الثالث: فيه دلالة علىٰ القضاء آخر النهار، و في بعض الأخبار ما يدل علىٰ فعله بعد الزوال إلىٰ الليل من غير ذكر القضاء، إلّا أن المحقق في المعتبر ادّعىٰ الإجماع علىٰ أن وقته قبل الزوال (1)، و ربما كان المراد أن الوقت قبل الزوال مجمع عليه، لا أن الإجماع علىٰ عدم الوقت بعده. و فيه بُعدٌ، و علىٰ تقدير الانتفاء بعد الزوال فلعلّ المطلق من الأخبار محمول علىٰ المقيد.

و احتمال أن يراد بالقضاء في هذا الخبر فعل الغُسل لوجود إطلاق القضاء علىٰ ذلك في الأخبار ممكن، لولا الإجماع، و قوله: «فليقضه يوم السبت» و في بعض الأخبار المعتبرة دلالة علىٰ عدم القضاء، و يمكن حمله علىٰ عدم اللزوم، و كان علىٰ الشيخ أن يذكره هنا، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

أبواب الجنابة و أحكامها

باب أن خروج المني يوجب الغسل علىٰ كل حال

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المفخّذ أ عليه (2) غسل؟ قال: «نعم إذا أنزل».

____________

(1) المعتبر 1: 354.

(2) في النسخ: عليه، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 104/ 341.

140

فأمّا ما رواه عليّ بن جعفر، [عن أخيه موسى (عليه السلام) (1)] قال: سألته عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبّلها فيخرج منه المني ما عليه؟ قال: «إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل، و إن كان إنّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس».

فلا ينافي ما قدّمناه: من أن خروج المني يوجب الغسل علىٰ كلّ حال، لأن قوله (عليه السلام): «إن (2) كان هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس» معناه إذا لم يكن الخارج منيّاً، لأن المستبعد في العادة و الطبائع أن يخرج المني من الإنسان و لا يجد له شهوة و لا لذة، و إنما (3) أراد به إذا اشتبه علىٰ الإنسان فاعتقد أنّه مني و إن لم يكن في الحقيقة منيّاً يعتبره بوجود الشهوة من نفسه، فإذا وجد وجب عليه الغسل، فإذا لم يجد علم أن الخارج منه ليس بمني.

السند

في الأوّل: حسن.

و الثاني: صحيح علىٰ ما قدّمناه، لأن الطريق في المشيخة إلىٰ عليّ بن جعفر: الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه محمد بن يحيىٰ، عن العمركي بن علي النيشابوري البوفكي (4)، عن عليّ بن جعفر (5).

____________

(1) ما بين المعقوفين ليس في النسخ، أثبتناه من الاستبصار 1: 104/ 342.

(2) في النسخ: إذا، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 104/ 342.

(3) في النسخ: إنما، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 105/ 342.

(4) في «رض»: البرفكي، و في «فض»: النوفلي.

(5) مشيخة التهذيب (التهذيب 10): 86.

141

المتن:

في الأوّل ظاهر الدلالة علىٰ وجوب الغسل بالإنزال، و الإجماع واقع علىٰ أن نزول المني موجب للغُسل، كما حكاه شيخنا (قدس سره) قائلًا، إنّه إذا تيقن أن الخارج منيّ وجب الغُسل، سواء خرج متدافقاً أو متثاقلًا، بشهوة و غيرها، في نوم و يقظة، و الأخبار المستفيضة تدل عليه إلىٰ أن قال-: و مع الاشتباه يعتبر باللذّة و الدفق و فتور البدن، أي انكسار الشهوة بعد خروجه، لأنها صفات لازمة للمنيّ في الأغلب فيرجع إليها عند الاشتباه، و لما رواه علي بن جعفر، و ذكر الرواية الثانية (1).

و قد يقال: إن الرواية المذكورة عن عليّ بن جعفر لا تصلح للاستدلال، لأن مقتضاها أن الثلاثة إذا وجدت وجب الغسل، و إذا انتفت الفترة و الشهوة فلا غسل و إن حصل الدفع.

و إشكاله ظاهر، و ما قاله الشيخ في توجيهه أشكل، لأن مقتضاه أن وجود الشهوة كاف في كونه منيّاً، و إذا لم يجد الشهوة لا يكون منيّاً، و النص قد اعتبر فيه الثلاثة صريحاً.

و الإشكال من جهة قوله (عليه السلام): «و إن كان.» قد يدفع بأن الدفع من لوازمه الشهوة و الفتور، و مع انتفائهما ينتفي، فالأمر فيه سهل.

و العجب من استحسان شيخنا (قدس سره) لكلام الشيخ في توجيه الحديث (2).

و احتمال أن يقال: إنّ الشهوة من لوازمها الفتور و الدفع. يشكل بأنّ

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 265.

(2) مدارك الأحكام 1: 267.

142

الشهوة قد اعتبرت في المذي أيضاً، كما تقدم في الأخبار، و لو أُريد بالشهوة هنا معنىٰ آخر يلزمه الفتور و الدفع لم يحتج إلىٰ البيان في قوله (عليه السلام): «لم يجد له فترة و لا شهوة» بل يكفي أن يقال: لم يجد له شهوة. إلّا أن يقال: إن الشهوة لما كانت مشتركة بين ما يحصل منها المذي و ما (1) يحصل منها المني احتيج إلىٰ بيانها ليندفع الشك و أنت خبير بأن هذا وارد علىٰ الشيخ في عدم بيانه ذلك، فالخلل في كلامه واقع.

ثم إنّ الاحتياج إلىٰ كلام الشيخ في الرواية غير واضح، لأنه يجوز أن يكون (عليه السلام) أراد أن يبيّن له خواصّ المني لعدم علمه بها، فإذا أفاد (عليه السلام) أنّ المني ما حصل بالثلاثة فالسائل يعتبر ما قاله (عليه السلام)، و حكمه بأنّ الخارج مني لا يضر بالحال حينئذ (2) لاحتمال اعتقاد المني ببعض الأوصاف.

و ما قاله الشيخ: من أنّ معناه إذا لم يكن الخارج منيّاً. غير معلوم من الرواية، لأن التقبيل و الملاعبة قد تحصل معهما الشهوة، و ما قاله الشيخ: من أنّه يعتبر بوجود الشهوة. عين ما قلناه، مع أنّه فرّ منه، فينبغي التأمّل في ذلك.

و من هنا يعلم أن ما حكم به شيخنا (قدس سره)-: من أنّه مع الاشتباه يعتبر بالثلاثة الأوصاف، و لو علم أنّه مني وجب الغسل، سواء حصل متدافعاً أو متثاقلًا بشهوة أو غيرها. محل بحث إلّا في المريض، ففي معتبر الأخبار ما قد يستفاد منه عدم اعتبار الدفع (3).

فإن قلت: الأخبار الدالة علىٰ وجوب الغسل بالماء الأكبر مع الخبر

____________

(1) في «رض»: و بين ما.

(2) ليس في «رض».

(3) انظر الوسائل 2: 194 أبواب الجنابة ب 8.

143

الدال علىٰ أن الإنزال موجب للغسل فيها إطلاق، فمن ثمّ حكم بوجوب الغسل مطلقاً مع العلم، و مع الاشتباه ينظر الأوصاف الثلاثة.

قلت: الأخبار المذكورة لا يخرج عن كونها مطلقة أو مجملة، فإذا فصّلها الخبر الصحيح الدال علىٰ الأوصاف أو قيّدها لا مانع منه، و ما المحوج إلىٰ حمل الخبر علىٰ الاشتباه مع عدم الصراحة فيه، و إنّما هو محض توجيه من الشيخ.

و كون الأغلب أن الصفات لازمة للمنيّ إن أُريد به انفكاك بعضها عن بعض نادراً فالحق الحكم بالأغلب، ينافي الحكم في المريض بأنه لا يعتبر فيه الدفق (1) كما لا يخفىٰ، علىٰ أن ما استدل به علىٰ المريض سيأتي فيه الكلام علىٰ مقتضىٰ ما أفهمه إن شاء اللّٰه.

و بالجملة: فالحكم المذكور من الفرق بين الاشتباه و عدمه إن كان إجماعياً فبها، و إلّا فهو محل كلام.

و يزيد ما قلناه إشكالًا أن رواية عليّ بن جعفر إذا دلّت علىٰ حال الاشتباه فاللازم من الإمام (عليه السلام) أن يفصّل له الحال بأنك إن علمت كونه منيّاً فاغتسل، و إن اشتبه ذلك فاعتبر الأوصاف، و لا تلويح في الرواية و لا تصريح بشيء منه، فليتأمّل في المقام.

اللغة:

قال في القاموس: فتر جسمه فتوراً: لأنت مفاصله و ضعف (2). و في

____________

(1) في «رض»: الدفع.

(2) القاموس المحيط 2: 111 (فتر).

144

النهاية: صار فيه فتور و هو ضعف و انكسار (1).

و في القاموس: شهيه كرضيه و دعاه، و اشتهاه، و تشهّاه: أحبّه و رغب فيه (2).

باب أن المرأة إذا أنزلت وجب عليها الغسل في النوم و اليقظة و علىٰ كل حال

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد اللّٰه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى أن الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتى تنزل، قال: «تغتسل».

و عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عثمان، عن أديم بن الحرّ، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرىٰ الرجل أ عليها (3) غسل؟ قال: «نعم و لا تحدّثوهنّ فيتخذنه علّةً».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن محمد ابن عبد الحميد الطائي قال: حدثني محمد بن الفضيل، عن أبي

____________

(1) النهاية لابن الأثير 3: 408 (فتر).

(2) القاموس المحيط 4: 352 (شهيه).

(3) في النسخ: عليها، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 105/ 344.

145

الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: تلزمني المرأة أو الجارية من خلفي و أنا متكئٌ علىٰ جنب تتحرّك علىٰ ظهري فتأتيها الشهوة و تنزل الماء أ فعليها الغسل [أم لا (1)]؟ قال: «نعم إذا جاءت الشهوة و أنزلت الماء وجب عليها الغسل».

و بهذا الاسناد عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن شاذان، عن يحيىٰ بن أبي طلحة أنّه سأل عبداً صالحاً عن رجل مسّ فرج امرأته أو جاريته يعبث بها حتّى أُنزلت أ عليها (2) غسل أم لا؟ قال: «أ ليس قد أُنزلت من شهوة؟» قلت: بلىٰ، قال: «عليها غسل».

و أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأودي (3)، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إذا أمنت المرأة و الأمة من شهوة جامعها الرجل أم لم يجامعها، في نوم كان (4) أو في يقظة، فإن عليها الغسل».

السند

في الأوّل لا ريب فيه علىٰ الظاهر، غير أن في المقام أمر ينبغي التنبيه

____________

(1) ما بين المعقوفين ليس في النسخ، أثبتناه من الاستبصار 1: 105/ 345.

(2) في النسخ: عليها، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 105/ 346.

(3) كذا في الفهرست: 23/ 61، و لكن في رجال الشيخ: 453/ 89: أحمد بن الحسن بن عبد الملك الأودي، و في رجال النجاشي: 80/ 193: أحمد بن الحسين ابن عبد الملك الأزدي.

(4) في الاستبصار 1: 106/ 347: كانت.

146

عليه، و هو أن ابن محبوب الواقع فيه هو الحسن، و قد حكىٰ النجاشي عن الكشي أنّه قال عن نصر بن الصباح: ما كان أحمد بن محمد ابن عيسىٰ يروي عن ابن محبوب، من أجل أن أصحابنا يتهمون ابن محبوب في أبي حمزة الثمالي، ثم تاب و رجع عن هذا القول (1). و لعلّ هذا من النجاشي علىٰ سبيل الإجمال، و عدم التعرض فيه لتحقيق الحال غريب، فإن التهمة و الرجوع عنها لا بد من الإشارة إلىٰ حقيقتها.

و الذي يخطر في البال أنّ وجه التهمة كون الحسن بن محبوب توفّي في آخر سنة أربع و عشرين و مأتين، و كان من أبناء خمس و سبعين سنة كما نقله الكشي (2)، و الصدوق ذكر في مشيخة الفقيه أنّ أبا حمزة الثمالي توفّي في سنة خمسين و مائة (3)، فيكون عمر الحسن بن محبوب حين وفاة أبي حمزة نحو من سنة، فروايته عنه لا تخلو من إشكال.

و كان أحمد بن محمد بن عيسىٰ توقفه في الرواية عن الحسن من هذا الوجه، إلّا أنّه لا يخفىٰ أن ذكر اتّهام الأصحاب لا وجه له، بل هو علىٰ سبيل التحقيق، و لعلّ المراد بالتهمة أن روايته عنه حينئذ إنّما تكون بالإجازة، و عدم التصريح بذكر الإجازة في الرواية أوجب التهمة بالكذب، لأنّ ظاهر الرواية إذا لم تقيّد بالإجازة أنّها بغيرها من طرق التحمل.

ثمّ إنّ رجوع أحمد بن محمد عن ذلك لعله لترجيح جواز إطلاق الرواية من غير ذكر الإجازة، كما هو مذهب بعض العلماء علىٰ ما قرّروه في علم الدراية، علىٰ أن أحمد و إن لم يرجح هذا، لكن إذا حصل الوجه

____________

(1) رجال النجاشي: 81/ 198.

(2) رجال الكشي 2: 851/ 1094.

(3) مشيخة الفقيه (من لا يحضره الفقيه 4): 36.

147

المسوِّغ للرواية جاز أن يكون الحسن بن محبوب اختاره، غير أن النجاشي كان عليه بيان حقيقة الحال.

و ما نقله الكشي بعد ما حكاه عنه النجاشي: من أن أحمد بن محمد ابن عيسىٰ كان يروي عمن كان أصغر سنّاً منه (1) قد ينافي ما ذكرناه من التوجيه، و يفيد أنّ ترك الرواية عنه لغير ذلك، و لعلّه أراد بما ذكره الإشارة إلىٰ أنّ أحمد بن محمد كان في أوّل الأمر له ترفّع عن الرواية عمّن هو أصغر سنّاً منه، ثم صار يروي عن الأصغر بعد ذلك، غير أنّ الإشكال إنّما يقع في أن بعض النسخ التي وقفنا عليها للكشي هذه صورته: و قال نصر ابن الصباح: ابن محبوب لم يكن يروي عن ابن فضال بل هو أقدم من ابن فضال و أسن، و أصحابنا يتهمون ابن محبوب في روايته عن ابن أبي حمزة (2).

و ظاهر هذا أن التهمة في ابن أبي حمزة لا في أبي حمزة، و لعلّ ابن أبي حمزة هو البطائني الواقفي المشهور، و التهمة المذكورة من أحمد إنما هي لأجل روايته عن ابن أبي حمزة، و حينئذ يكون ما ذكر في الكشي عن نصر بن الصباح في الموضع الآخر موهوماً، إلّا أن النجاشي ثبتٌ في النقل و قد حكىٰ الأوّل كما ذكرناه، و ما يتوجه عليه من عدم تحقيق الحال لا يظن الجواب عنه إلّا بما أشرنا إليه.

و بالجملة: فالمقام لم أجد من حام حول تحقيقه من المتأخّرين، فينبغي النظر فيه بعين الاعتبار، و لأهميته لم نسلك فيه سبيل الاختصار.

____________

(1) رجال الكشي 2: 799/ 989.

(2) رجال الكشي 2: 851.

148

و السند في الثاني: واضح لا ارتياب في رجاله علىٰ ما تقدم، إلّا في رواية الحسين بن سعيد عن حماد بن عثمان بأن المعهود روايته عن حماد ابن عيسىٰ، و يدفعه أنّ المرتبة لا تأباه (و إن كان الغالب توسط ابن أبي عمير أو فضالة) (1) كما لا يخفىٰ علىٰ الممارس.

و الثالث: فيه محمد بن عبد الحميد الطائي، و هو غير مذكور فيما رأيناه من كتب الرجال بهذا الوصف؛ و محمد بن [الفضيل (2)] مشترك بين ثقة و غيره (3).

و الرابع: فيه شاذان، و الموجود في الرجال شاذان بن الخليل (4) من أصحاب يونس في الخلاصة مهملًا (5)، و في رجال الجواد (عليه السلام) من كتاب الشيخ: شاذان بن الخليل والد الفضل بن شاذان (6)، و في الخلاصة أيضاً في الشاذاني: أنّه شاذان بن نعيم (7)، و قال في محمد بن أحمد بن نعيم الشاذاني: روىٰ الكشي عن آدم بن محمد قال: سمعت محمد بن شاذان بن

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «د».

(2) في النسخ: الفضل، و الظاهر ما أثبتناه.

(3) هداية المحدثين: 249.

(4) يظهر من الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن أن شادان (بالدال المهملة) لقب الخليل بن نُعيم والد الفضل، لا أنّه اسم رجل آخر بينهما بالأُبوّة و البنوّة راجع رجال الكشي 2: 779/ 913، و مجمع الرجال 3: 188.

(5) خلاصة العلّامة: 87/ 3.

(6) رجال الطوسي: 402/ 1.

(7) خلاصة العلّامة: 271/ 34.

149

نعيم و ذكر الرواية، و هي موجودة في الكشي (1)، إلّا أنّه لا فائدة في ذلك لعدم ما يوجب التوثيق و لا غيره.

و أمّا يحيىٰ بن أبي طلحة فلم أقف عليه في الرجال.

و الخامس: فيه أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأودي و هو ثقة، و أمّا أحمد بن عبدون فهو من شيوخ الإجازة، غير أنّه لم يوثق في الرجال (2)، لأن توثيق الشيوخ لم يكن من طريقة المتقدمين من مصنّفي الرجال.

و العلّامة صحّح طريق الشيخ في هذا الكتاب و التهذيب إلىٰ أبي طالب الأنباري (3)، و أحمد فيه، إلّا أن في كونه توثيقاً لأحمد نظراً.

و عليّ بن محمد بن الزبير لم يوثق في الرجال أيضا، و قد ذكره الشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) (4).

فإن قلت: قد قال النجاشي في ترجمة أحمد بن عبدون: و كان قد لقي أبا الحسن عليّ بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير و كان علوّاً في الوقت (5). و هذا اللفظ إن عاد إلىٰ أحمد كان توثيقاً له، و إن عاد إلىٰ علي كان كذلك.

قلت: لم أفهم حقيقة المعنىٰ في هذه العبارة، لكن الظاهر عودها إلىٰ عليّ بن الزبير و فيها نوع إشعار بالمدح.

____________

(1) خلاصة العلّامة: 153/ 76.

(2) رجال ابن داود: 39/ 94.

(3) خلاصة العلّامة: 276.

(4) رجال الطوسي: 480/ 22.

(5) رجال النجاشي: 87/ 211.

150

و أمّا معاوية فلا يخلو من اشتراك (1) كما يعرف من ملاحظة المراتب.

المتن:

في الأوّل: ظاهر في أنّ الإنزال من المرأة يوجب الغسل، و ربما كان الإطلاق مقيداً بما في الخبر المذكور في أوّل الباب، إلّا أن عدم الاتحاد في المورد قد يشكل معه الحال.

و ما نقلناه أوّلًا من الفرق بين الاشتباه و تحقق المني لا أعلم قول الأصحاب في جهة المرأة أ هي (2) من قبيل الرجل فيما ذكر أم لا؟.

و قد يدّعىٰ أنّ الأخبار الواردة في المرأة الدالة علىٰ مجرد الشهوة يقتضي عدم اعتبار غيرها من (3) المذكور في الرجال علىٰ تقدير الاشتباه، أو علىٰ الإطلاق بتقدير الاحتمال الذي قدّمناه، و الإحالة علىٰ (4) التأمّل فيما أشرنا إليه أوّلًا أولىٰ.

و في الثاني: نوع دلالة علىٰ أنّ رؤيتها كما يرىٰ الرجل موجبة للغسل، أمّا كيفية المني فمجملة الحكم.

و قد ذكر بعض المتأخّرين أنّ المني له صفات خاصة عند الاشتباه و هي: قرب رائحته رطباً من رائحة الطلع و العجين، و جافّاً من بياض البيض (5).

و ربما استشكل بفقد النص و جواز عموم الوصف (6).

____________

(1) هداية المحدثين: 146.

(2) في «فض»: أي.

(3) في «فض» زيادة: الأوّل.

(4) في «رض»: في.

(5) المسالك 1: 49.

(6) المدارك 1: 267.

151

و قد يقال: إنّه لا بد من المائز علىٰ تقدير عدم العلم بالدفق و الشهوة و الفتور كحال النوم، و الوصف و إن جاز عمومه إلّا أنّ المشابهة الغالبة كافية، و لو لا ذلك لأشكل الأمر، إلّا أنّ يقال بأنّ العلم يحصل بكونه منيّاً، و أنت خبير بأنّ حكم المرأة يتوقف علىٰ البيان من الشارع في أنّه متحد مع حكم الرجل، و الأخبار لا تخلو من إجمال علىٰ ما وقفت عليه الآن.

و ما تضمنه الخبر من قوله (عليه السلام): «و لا تحدّثوهنّ فيتخذنه علّة» لا يخلو من إشكال، و قد ذكرت في حاشية التهذيب إمكان أنّ يقال: إن المراد لا تحدثوهن قبل وقوع ما يوجب الغسل منهن، و بعده حينئذ لا بد من التنبيه علىٰ الغسل لكن بوجه لا يصرح فيه بأنّ السبب الاحتلام، أو أنّ المنع قبل الوقوع، و بعده لا منع و إن كانت العلّة جارية فيما بعد، و بالجملة فالأمر في غاية الغموض، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بمقاصد أوليائه.

و قوله (عليه السلام) في الثالث: «إذا جاءت الشهوة و أنزلت الماء وجب عليها الغسل» يدل علىٰ أنّ مجرد الشهوة كاف، إلّا أن قوله: «و أنزلت الماء» ربما يدل علىٰ أن الماء لتعريف العهد أي الماء المقرر في صفاته ما ذُكر، و الاكتفاء بالشهوة لأن من لوازمها بقية الأوصاف. و فيه: أنّ باب الاحتمال واسع، فلا يتم الاستدلال بالخبر علىٰ تقدير سلامة سنده.

و الخبر الرابع: يدل علىٰ مطلق وجود الشهوة، إلّا أن ينضم إليه ما قدمناه من الاحتمال.

و الخامس: كذلك.

[الحديث 6]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد،

152

عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يضع ذكره علىٰ فرج المرأة فيمني أ عليها غسل؟ فقال: «إذا أصابها من الماء شيء فلتغسله و ليس عليها شيء إلّا أن يدخله» قلت: فإن أمنت هي و لم يدخله، قال: «ليس عليها غسل».

و روى هذا الحديث الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة بلفظ آخر عن عمر بن يزيد قال: اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبست ثيابي و تطيّبت فمرّت بي وصيفة ففخّذت لها فأمذيت أنا (1) و أمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك فقال: «ليس عليك وضوء و لا عليها غسل».

فالوجه في هذا الخبر أنّه يجوز أن يكون السامع قد و هم في سماعه و أنّه إنّما قال: أمذت. فوقع له: أمنت، فرواه علىٰ ما ظن، و يحتمل أن يكون إنّما أجابه (عليه السلام) علىٰ حسب ما ظهر له في الحال منه، و علم أنّه اعتقد في جاريته أنّها أمنت و لم يكن كذلك، فأجابه (عليه السلام) علىٰ ما يقتضيه الحكم لا علىٰ اعتقاده.

السند

كما ترى فيه رواية الحسين بن سعيد، عن حماد بن عثمان بواسطة فضالة، و الظاهر سقوطه من الخبر السابق فلا يضر بصحة السند.

و أمّا عمر بن يزيد: فقد أوضحت القول فيه فيما أفردته به في الرجال، و الذي يقال هنا: إنّ الموجود في النجاشي: عمر بن محمد بن

____________

(1) ليست في النسخ أثبتناها من الاستبصار 1: 106/ 349.

153

يزيد أبو الأسود بيّاع السابري مولى ثقيف كوفي ثقة جليل روىٰ عن أبي عبد اللّٰه و أبي الحسن (عليهما السلام) (1).

و في فهرست الشيخ: عمر بن يزيد ثقة له كتاب (2).

و في رجال الصادق (عليه السلام) من كتاب الشيخ: عمر بن يزيد بيّاع السابري كوفي (3).

و في رجال الكاظم (عليه السلام): عمر بن يزيد بيّاع السابري كوفي ثقة له كتاب (4).

ثمّ في رجال الصادق (عليه السلام): عمر بن يزيد الثقفي مولاهم البزاز الكوفي (5).

و في النجاشي: عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل أبو موسى مولى بني نهد، روىٰ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و ذكر أنّ الراوي عنه محمد بن زياد (6).

و في رجال الصادق (عليه السلام) من كتاب الشيخ: عمر بن يزيد الصيقل الكوفي (7).

و الشيخ في الفهرست ذكر أنّ الراوي عن عمر بن يزيد السابق عنه: محمد بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن عمر بن يزيد، عن عمر بن يزيد (8).

____________

(1) رجال النجاشي: 283/ 751.

(2) الفهرست: 113/ 491.

(3) رجال الطوسي: 251/ 450.

(4) رجال الطوسي: 353/ 7.

(5) رجال الطوسي: 251/ 457.

(6) رجال النجاشي: 286/ 763.

(7) رجال الطوسي: 251/ 458.

(8) الفهرست: 113/ 491.

154

و شيخنا أيّده اللّٰه في كتاب الرجال قال: إنّ الظاهر الاتحاد في عمر ابن يزيد و عمر بن محمد بن يزيد (1). و أمّا عمر بن يزيد الصيقل فهو غير المذكورين.

و في نظري القاصر أنّ هذا لا يدفع الاحتمال الواقع في الخبر المبحوث عنه، لأنّ عمر بن يزيد الصيقل يروي عن أبي عبد اللّٰه، كما أنّ عمر بن محمد بن يزيد أو عمر بن يزيد يروي عنه، فالحكم بصحة الحديث لا يخلو من إشكال.

و ما قاله أيّده اللّٰه من الاتحاد غير بعيد، لأنّ النجاشي لم يذكر سوىٰ عمر بن محمد بن يزيد، و من المستبعد أن يكون مغايراً لعمر بن يزيد الذي ذكره الشيخ و لم يذكره، و الشيخ أيضاً لم يذكر عمر بن محمد بن يزيد لنحو ما ذكر في النجاشي، و كأنّ النسبة إلىٰ الجدّ وقعت من الشيخ، و إلى الأب و الجدّ معاً وقعت من النجاشي، و تكرار الشيخ لا يدل علىٰ التعدد كما يعرف من عادته في الكتاب.

و ما ظنّه بعض المتأخّرين من أنّ المذكور في الفهرست هو عمر بن يزيد الصيقل (2). فلي فيه نظر، لأنّ الراوي عنه كما سمعته محمد بن عمر ابن يزيد، عن الحسين بن عمر بن يزيد، عن عمر بن يزيد؛ و محمد بن عمر بن يزيد هو ابن بيّاع السابري كما صرّح به النجاشي (3)، فلو اتحد عمر ابن يزيد بيّاع السابري مع ابن ذبيان كيف تقع الرواية بهذه الصورة عن الحسين ابن عمر بن يزيد كما يعرف بأيسر نظر.

____________

(1) منهج المقال: 252.

(2) حكاه عن بعض مشايخه في الحاوي 2: 126.

(3) رجال النجاشي: 364/ 981.