استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
155

فإن قلت: قد ذكر النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين بن عمر ابن يزيد الصيقل ما هذا لفظه: أبو جعفر كوفي ثقة من أصحابنا، جدّه عمر ابن يزيد بيّاع السابري (1). فيكون الصيقل و بيّاع السابري واحداً.

قلت: إذا كان واحداً يكون الراوي محمد بن عمر بن يزيد السابري، عن الحسين بن عمر بن يزيد السابري، عن عمر بن يزيد السابري، و الأولى حينئذ أن يقال: عن أخيه عن أبيهما، كما هو المتعارف في أمثاله، و بتقدير الجواز (2) نظراً إلىٰ بيان الأب في كل المراتب فالصيقل مولى بني نهد فهو نهدي، و السابري لو كان له وصف غيره لما احتيج إليه، إلّا أن يقال: إن هذا موجود بكثرة في الرجال، إذ لا مانع من تعدد الصفات، و من ثَمَّ ظن الشيخ التعدد في كثير من الرجال بسبب ذلك. و فيه ما فيه.

و يقال في كلام النجاشي في أحمد: إن فيه احتمال كون الصيقل صفة لأحمد، و حينئذ يكون جدّه عمر بن يزيد بيّاع السابري. و فيه نظر، لأنّه خلاف الظاهر من عبارة النجاشي، فإنّ الظاهر من كلام النجاشي الاتحاد في بيّاع السابري و الصيقل في ترجمة أحمد، إلّا أن يحتمل الوهم في قول النجاشي.

و يؤيّد الاحتمال أنّه ذكر عمر بن محمد بن يزيد بيّاع (3) السابري، و الراوي عنه محمد بن عذافر و محمد بن عبد الحميد (4)؛ و ذكر عمر بن يزيد الصيقل، و الراوي عنه محمد بن زياد (5)، و الاتحاد مع ذكر الاختلاف

____________

(1) رجال النجاشي: 83/ 200.

(2) في «رض»: الجواب.

(3) ليس في «رض».

(4) رجال النجاشي: 283/ 751.

(5) رجال النجاشي: 286/ 763.

156

في الراوي عن كل واحد غير مألوف من النجاشي، إلّا أن يقال: إنّ النجاشي لا يقول بأنّ عمر بن محمد بن يزيد هو جدّ أحمد، بل جدّه عمر بن يزيد. و فيه أنّ من المستبعد التعدد لما أسلفناه، بل يؤيّد العدم أنّه يذكر جدّ الرجل و لم يذكر الجدّ مفرداً.

و بالجملة: فالمقام لا يخلو من إجمال، و هو في كلام المتأخّرين غير محرّر، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

المتن:

ما قاله الشيخ: من أنّ هذا الحديث مروي بلفظ آخر. لا يخلو من غرابة، لأن المذكور حديث آخر، و كون الراوي واحداً لا يدل علىٰ اتحاد الحديث، و ما ذكره الشيخ في الجمع و إن بعد إلّا أنّه أولىٰ من غيره.

و ما قد يقال: إن قول الشيخ: يجوز أن يكون السامع و هم في سماعه. مراده به السامع من غير الإمام، و رواة الحديث عن عمر بن يزيد ثقات جميعاً، فكيف يقع الوهم؟. يمكن الجواب عنه بأن المراد كون الوهم إذا صدر من الراوي نادراً لا يضرّ بالحال.

نعم يشكل الحال بأن السؤال لو كان عن المذي منهما فأيّ فائدة في جواب الإمام (عليه السلام) بنفي الوضوء عنه و الغسل عنها، هذا في الخبر الثاني، و في الأوّل كذلك، لأن قوله (عليه السلام): «ليس عليها غسل» مع كون السؤال عن المذي غير واضح.

ثم إن دخول الضيق بسبب المذي لا وجه له من مثل عمر بن يزيد، و بالجملة: فالجواب الأوّل لا يخلو من تأمّل.

و علىٰ تقدير تمامه في الخبر الثاني لا يتمّ في الأوّل، لأن السائل قال

157

فإن أمنت. و لا دخل هنا للاعتقاد و عدمه. و الأولى أن يقال: إن عدم الغسل عليها لعدم ثبوت كونه منيّاً بمجرد قول الراوي، لجواز توهمه بسبب (1) من الأسباب كما ذكره شيخنا أيده اللّٰه في فوائده علىٰ الكتاب (2).

بقي شيء و هو أن الخبر الثاني ربما يدلّ علىٰ أن غسل الجمعة لا وضوء معه كما يعلم من ملاحظته، إلّا أن الحق كونه مجملًا لا يصلح للاستدلال، غير أنّه مؤيّد لما دل علىٰ عدم الوضوء مع غسل الجمعة، و سيأتي إن شاء اللّٰه توضيح القول في ذلك (3).

[الحديث 7]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: قلت: لأبي جعفر (عليه السلام) كيف جعل علىٰ المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل و لم يُجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: «لأنها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، و الآخر إنّما جامعها دون الفرج فلم (4) يجب عليها الغسل لأنه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة لوجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن» فالوجه في هذا الخبر ما ذكرناه في الخبر الأوّل سواء.

____________

(1) ليست في «رض».

(2) في «فض» و «د»: في فوائد الكتاب.

(3) يأتي في ص 260 267.

(4) في النسخ: لأنّه لم. و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 107/ 350.

158

السند

واضح بعد ما قدّمناه.

المتن:

ظاهر الإشكال، و ما ذكره الشيخ فيه لا يحوم حوله التوجيه إذا أعطاه المتأمّل حق النظر، و نقل شيخنا (قدس سره) عن المنتهىٰ (1) أن فيه: هذه الروايات (2) قد عارضت إجماع المسلمين و الأخبار المستفيضة فوجب الردّ، و لا ريب فيما قاله.

و ذكر شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده اللّٰه في فوائد الكتاب أن في الخبر وجهين:

أحدهما: أن يراد بقوله: فأمنت. مجيء ما يحتمل كونه منيّاً، و يكون حاصل الجواب الفرق بأن الفرج محل الشهوة، و المجامعة فيه مظنة خروج المني، دون ما دون الفرج، فيحكم في الأوّل بكونه منيّاً دون الثاني، إلّا مع تحقق ما يوجب كونه منيّاً.

و ثانيهما: أن بعض المخالفين كأبي حنيفة و غيره ذهب إلىٰ أن خروج المني لا يجب به الغسل إلّا مع الشهوة، فأوجب لذلك الغسل مع المجامعة في الفرج إذا أمنى لوجود الشهوة و لو في النوم، و لم يوجب مع المجامعة فيما دون الفرج و لو يقظة لعدم الشهوة و لو أمنى، و محمد بن مسلم سأله عن ذلك فبيّنه (عليه السلام) كما قلنا، قال أيّده اللّٰه-: و لا يخفىٰ أن هذا الوجه ينبّه

____________

(1) المنتهىٰ 1: 78.

(2) في «رض»: الرواية.

159

علىٰ احتمال صدور ذلك عن الإمام (عليه السلام) تقية، فتأمّل. انتهىٰ.

و هو أعلم بتطبيقه علىٰ الرواية، و كيف يتم التوجيه الأوّل مع قوله: و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت.

و قد ذكرنا في حاشية التهذيب أن حمل الإمناء علىٰ الإمذاء يوجب تهافت الرواية من حيث تضمنها السؤال عن وجه الفرق بين ما إذا رأت المرأة في النوم أن الرجل يجامعها في الفرج فعليها الغسل، و عدمه إذا جامعها دون الفرج فأمنت.

و الجواب عن هذا يقتضي أن يقال فيه: لأنها لم تمن، لا لأنه لم يدخله، كما هو صريح الجواب، و إن كان في الجواب علىٰ تقدير حمل المني علىٰ ظاهره نوع خفاءٍ أيضاً، لإمكان أن يوجّه بلزوم المني لرؤية المجامعة في الفرج، و إن كان يقتضي نوع منافرة لما عليه الأصحاب، إلّا أنه قد يطابق مدلول بعض الأخبار الدالة علىٰ عدم وجوب الغسل بالإمناء من دون إدخال، فالجواب عنها جواب عنه.

و إمكان حمل قوله: «أمنت أو لم تمن» علىٰ الإمذاء له وجه من حيث إن الإدخال يوجب الغسل بمجرده، إلّا أن المطابقة للسؤال غير حاصلة.

ثم إن الإدخال في الرواية يراد به في الفرج علىٰ الظاهر، و يحتمل أن يراد الأعم من الفرج و الدبر علىٰ أن يراد بالمجامعة دون الفرج مجرّد إيصال الذكر بها.

و الذي رأيته في بعض كتب أهل الخلاف أنهم رووا أن النبي (صلى الله عليه و آله) جاءت إليه أُمّ سلمة (1) امرأة أبي طلحة فقالت يا رسول اللّٰه إن اللّٰه لا يستحيي

____________

(1) كذا في النسخ، و في المصادر: أُمّ سُلَيم.

160

من الحق، هل علىٰ المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء» (1).

قال بعض الشرّاح للحديث: إن فيه دليلًا علىٰ وجوب الغسل بإنزال الماء من المرأة، ثم قال: و قوله (عليه السلام): «إذا رأت الماء» قد يردّ به علىٰ من يزعم أن ماء المرأة لا يبرز و إنّما يعرف إنزالها بشهوتها (2).

و ظاهر كلام من أشرنا إليه من الفقهاء يقتضي وجوب الغسل بالإنزال إذا عرفته بالشهوة و لا يوقفه بالبروز إلىٰ الظاهر، فليتأمّل خبط هؤلاء الجماعة. و ما نقله شيخنا أيّده اللّٰه عنهم غريب أيضاً.

و بالجملة: و الحديث لا مجال للقول فيه إلّا بما ذكره في المنتهىٰ (3). و اللّٰه تعالىٰ أعلم.

[الحديث 8 و 9]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المرأة تحتلم في المنام فيهريق الماء الأعظم، قال: «ليس عليها الغسل».

فالوجه في هذا الخبر أنها إذا رأت الماء الأعظم في حال منامها فإذا انتبهت لم تر شيئاً فإنه لا يجب عليها الغسل.

يدل علىٰ ذلك:

ما رواه محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن

____________

(1) منهم الشافعي في الأُم 1: 37، و احمد بن حنبل في مسنده 6: 302.

(2) و هو ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 1: 309.

(3) المنتهىٰ 1: 78.

161

محمد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى في المنام ما يرىٰ الرجل، قال: «إن أنزلت فعليها الغسل، و إن لم تنزل فليس عليها الغسل».

السند

في الأوّل: ظاهر الحال لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه، إلّا أنّه ينبغي أن يعلم أن عمر بن أُذينة الظاهر أنّه عمر بن محمد بن أُذينة كما هو في النجاشي (1).

و الشيخ (رحمه الله) ذكر في أصحاب الصادق (عليه السلام) من كتاب الرجال عمر ابن أُذينة مهملًا (2)، و في أصحاب الكاظم (عليه السلام) قال: عمر بن أُذينة ثقة له كتاب (3).

و في الفهرست: عمر بن أُذينة ثقة له كتاب (4).

و الكشي قال: ما روي في عمر بن أُذينة (5).

و ابن داود جعل عمر بن أُذينة غير عمر بن محمد بن أُذينة (6).

و كتب جدّي (قدس سره) في بعض فوائده علىٰ كتابه: أن الحق أنهما واحد (7)، و أظنّ أنّ كلام ابن داود لا وجه له، و ما قد يتوهم من كلام

____________

(1) رجال النجاشي: 283/ 752.

(2) رجال الطوسي: 253/ 482.

(3) رجال الطوسي: 353/ 8.

(4) الفهرست: 113/ 492.

(5) رجال الكشي 2: 626.

(6) رجال ابن داود: 144/ 1111 و 146/ 1131.

(7) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 20 (مخطوط).

162

النجاشي يدفعه أنّه قال في آخر الطريق إليه: عن عمر بن أُذينة.

و اتفق للعلّامة في الخلاصة أنّه نقل عن الكشي أنّه قال: قال حمدويه: سمعت أشياخي منهم العبيدي و غيره أن ابن أُذينة كوفي و كان هرب من المهدي و مات باليمن، فلذلك لم يرو عنه كثير (1).

و ابن طاوس نقل الحكاية و قال: لم يرو عنه كتبه (2). و العلّامة كثير التبع لابن طاوس، فربما احتمل كون لفظ «كثير» تصحيف «كتبه» إلّا أن المنقول في كتاب شيخنا سلمه اللّٰه عن الكشي كما في الخلاصة (3).

و ما قاله في الخلاصة: من أن عمر بن أُذينة يقال: اسمه محمد بن عمر بن أُذينة غلب عليه اسم أبيه (4). هو قول الشيخ في كتاب الرجال، فإنه قال في موضع من رجال الصادق (عليه السلام): محمد بن عمر بن أُذينة غلب عليه اسم أبيه (5).

و في الثاني: لا يخلو من ارتياب في رواية أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير بغير واسطة كما قدمنا فيه كلاماً أيضاً، إلّا أن الغالب كونها الحسين بن سعيد، و المرتبة لا تأبىٰ رواية أحمد عن ابن أبي عمير.

ثم إن العدّة التي يروي عنها محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد ما ذكره العلّامة في الخلاصة نقلًا عن محمد بن يعقوب أنّه قال: و المراد بقولي: عدة من أصحابنا يعني عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ هو محمد ابن يحيىٰ، و عليّ بن موسى الكُميذاني، و داود بن كورة، و أحمد بن

____________

(1) خلاصة العلّامة: 119/ 2.

(2) التحرير الطاووسي: 418.

(3) منهج المقال: 249.

(4) خلاصة العلّامة: 119/ 2.

(5) رجال الطوسي: 322/ 682.

163

إدريس، و عليّ بن إبراهيم بن هاشم (1).

و أنّه قال أيضاً: كلّما ذكرته في كتابي المشار إليه عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي: فهم عليّ بن إبراهيم، و عليّ بن محمد ابن عبد اللّٰه بن أُذينة، و أحمد بن عبد اللّٰه بن أُميّة (2)، و عليّ بن الحسن.

و حينئذ فأحمد بن محمد المذكور في الحديث المبحوث إن كان ابن خالد أو ابن عيسىٰ فالحال ما سمعته، و إن كان الظاهر أنّه ابن عيسىٰ، و ما قاله العلّامة في الخلاصة لم نره في الكافي.

و النجاشي ذكر في ترجمة الكليني ما هذا لفظه: و قال أبو جعفر الكليني: كلما كان في كتابي عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ فهم (3). إلىٰ آخر ما قاله العلّامة في ابن عيسىٰ.

نعم في الكافي، في باب المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه: عدّة من أصحابنا عليّ بن إبراهيم، و محمد بن جعفر، و محمد بن يحيىٰ، و عليّ بن محمد بن عبد اللّٰه القميّ، و أحمد بن عبد اللّٰه، و عليّ بن الحسن جميعاً عن أحمد بن محمد بن خالد (4)، و في أول حديث في الكافي عدّة من أصحابنا منهم محمد بن يحيىٰ العطار عن أحمد بن محمد (5).

____________

(1) خلاصة العلّامة: 271، 272.

(2) في «فض»: زيادة: هكذا في الخلاصة و أظنه ابن ابنته أي ابن ابنة أحمد بن محمد بن خالد.

(3) رجال النجاشي: 377/ 1026.

(4) الكافي 6: 183/ 5. إلّا انه قال: عدّة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد. و لم يصرح باسم العدّة. و لكن نقله عن نسخة من الكافي في الوسائل 23: 37 أبواب العتق ب 18 ح 5.

(5) أصول الكافي 1: 10/ 1.

164

و لا يبعد أن يكون هذا عاما لكل عدّة، إلّا أنّه خاص بأحمد بن محمد بن عيسىٰ علىٰ ما في الخلاصة و النجاشي، لأنّ محمد بن يحيىٰ ليس في العدّة التي تروي عن أحمد بن محمد بن خالد علىٰ ما سمعته من نقلهما.

المتن:

ما ذكره الشيخ في الأوّل لا يخلو من وجه، و استدلاله بالخبر الثاني غير محتاج إليه، لكثرة الأخبار الدالة عليه كما لا يخفىٰ.

اللغة:

قال ابن الأثير في أحكام الأحكام: الاحتلام في الوضع افتعال من الحُلْم بضم الحاء و سكون اللام، و هو ما يراه النائم في نومه، يقال منه حلم و احتلم، و احتلمت به و احتلمته، و أمّا في الاستعمال و العرف العام فإنه قد خصّ هذا الوضع اللغوي ببعض ما يراه النائم و هو ما يصحبه إنزال الماء، فلو رأى غير ذلك لصح أن يقال له احتلم وضعاً و لم يصح عرفاً.

و في النهاية: الهاء في «هراق» بدل من همزة أراق، يقال: أراق الماء يريقه و هراقه يهريقه بفتح الهاء، و قد يقال فيه: أهرقت الماء اهرقه إهراقاً فيجمع بين البدل و المبدل (1).

[الحديث 10 و 11 و 12 و 13 و 14]

قال: فأمّا ما رواه الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن نوح بن

____________

(1) النهاية لابن الأثير 5: 260.

165

شعيب، عمّن رواه، عن عبيد بن زرارة قال: قلت له: هل علىٰ المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: «لا، و أيّكم يرضىٰ أن يرىٰ و (1) يصبر علىٰ ذلك، أن يرىٰ ابنته أو أُخته أو امّه أو زوجته أو أحداً (2) من قرابته قائمة تغتسل فيقول: مالك، فتقول: احتلمت، و ليس لها بعل» ثمّ قال: «لا ليس عليهن ذاك و قد وضع اللّٰه ذلك عليكم (3)، قال اللّٰه تعالىٰ «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (4) و لم يقل ذلك لهنّ».

فهذا خبر مرسل لا يعارض به ما قدّمناه من الأخبار، و يحتمل أن يكون الوجه فيه ما قدمناه في الخبر الأوّل سواء.

و يزيد ذلك بياناً:

ما رواه أحمد بن محمد، عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير أن يباشر، يعبث بها (5) بيده [حتى تنزل (6)] قال: «إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل».

عنه (7)، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام)

____________

(1) في الاستبصار 1: 107/ 353: أو.

(2) في الاستبصار 1: 107/ 353: واحدة.

(3) في «فض» و «د»: عنكم، و في «رض»: و قد وضع ذلك عنهم (عنكم)، و الصحيح ما أثبتناه من الاستبصار 1: 107/ 353.

(4) المائدة: 6.

(5) ليست في النسخ، أثبتناها من الاستبصار 1: 108/ 354.

(6) ليست في النسخ، أثبتناها من الاستبصار 1: 108/ 354.

(7) في الاستبصار 1: 108/ 355: و عنه.

166

عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج فتنزل المرأة هل (1) عليها غسل؟ قال: «نعم».

الحسين بن سعيد، عن محمد بن إسماعيل (2) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها فتنزل أ عليها (3) غسل؟ قال: «نعم».

أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد اللّٰه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى أن الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتى تنزل، قال: «تغتسل».

السند

في الأوّل: كما قال الشيخ مرسل، و الإشكال في كلام الشيخ قد تقدم القول فيه، و ينبغي أن يعلم أن نوح بن شعيب قد ذكره العلّامة في الخلاصة قائلًا: إنّه البغدادي، و إنّه من أصحاب أبي جعفر محمد بن عليّ الثاني (عليه السلام)، و نقل عن الفضل بن شاذان: أنّه كان فقيها (4).

و ذكر أيضاً نوح بن صالح البغدادي، قال: و ذكر الكشي عن أبي عبد اللّٰه الشاذاني، عن أبي محمد الفضل بن شاذان ما يشهد أنّه من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) (5).

و الذي وجدناه في الكشي صورته: نوح بن صالح البغدادي، سأل أبو

____________

(1) ليست في النسخ، أثبتناها من الاستبصار 1: 108/ 355.

(2) في الاستبصار 1: 108/ 356: بن بزيع، زيادة من «د».

(3) في النسخ: عليها، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 108/ 356.

(4) خلاصة العلّامة: 174/ 1.

(5) خلاصة العلّامة: 175/ 2.

167

عبد اللّٰه الشاذاني أبا محمد الفضل بن شاذان. و ذكر ما يدل علىٰ أنّه فقيه، و أنّه يقال له: نوح بن شعيب (1). و ظاهره أن ابن صالح هو ابن شعيب، فالتعدد لا وجه له.

ثم الجزم بأنّ القول من ابن شاذان في نوح بن شعيب، و الحكاية عن أبي عبد اللّٰه الشاذاني في ابن صالح غريب، فإنّ الحكاية واحدة كما ذكرناه، و أبو عبد اللّٰه الشاذاني محمد بن نعيم غير معلوم الحال.

ثم إن في كتاب رجال الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام)، نوح بن شعيب البغدادي، ذكر الفضل بن شاذان أنّه كان فقيهاً عالماً صالحا مرضيّاً، و قيل: إنّه نوح بن صالح (2).

و هذا من الشيخ أيضاً لا يخلو من غرابة، لأن الظاهر أنّه من الكشي، و استفادة ما قاله منه بعيدة، إلّا أن قول الشيخ: «و قيل» لا يلائم قول الكشي، و كذلك الزيادة الواقعة فيه، و لعلّه من غير الكشي، و شيخنا أيّده اللّٰه لم يذكر في كتاب الرجال كلام الشيخ (3)، فلعلّه ليس في نسخته، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و الثاني: لا ارتياب فيه.

و كذلك الثالث: إلّا أن ضمير «عنه» راجع إلىٰ أحمد بن محمد، و روايته عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قد يحصل فيها نوع شك، لأن الرواية عن الحسين بن سعيد عنه بكثرة كما في الرابع، إلّا أنّه لا يضر بالحال مع وجود المرتبة، و احتمال سقوط الحسين بن سعيد لا يضر أيضاً.

____________

(1) رجال الكشي 2: 832/ 1056.

(2) رجال الطوسي: 408/ 1.

(3) منهج المقال: 354.

168

و الخامس: واضح كالرابع.

المتن:

في الأوّل: لا وجه لردّه إلّا بالإرسال، و ما قاله الشيخ: من أن الوجه فيه ما قاله في الخبر الأول. لا يحوم حوله التسديد، بعد صراحة الخبر في المنافي له.

ثمّ إنّ الرواية لا تخلو من تهافت في المتن من حيث ذكر الزوجة ثمّ قوله: «و ليس لها بعل» و إن أمكن عود الضمير لغير الزوجة، إلّا أن وقوع مثل هذا من الإمام (عليه السلام) يكاد أن يقطع بنفيه.

ثم قوله: « «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» و لم يقل ذلك لهن» لا يخلو من شيء، إلّا أن يقال في هذا: إنّ وجوب غسل الجنابة علىٰ المرأة بالإجماع لا من القرآن.

و ما تضمنه الخبر الثاني من قوله: «إن أنزلت من شهوة» فقد قدّمنا فيه القول من حيث الاكتفاء بالشهوة.

و قول السائل في الخبر الثالث: فيما دون الفرج. يحتمل أن يراد به ما يعمّ الدبر، إلّا أن كلام السائل (لا يفيد حكماً) (1) و لا تقرير الإمام (عليه السلام) في مثل هذا، كما يعرف بالتأمّل في الحديث حق التأمّل.

اللغة:

قال في النهاية في حديث أبي جعفر الأنصاري: فملأت ما بين

____________

(1) في «رض»: لا يعتد به.

169

فروجي، جمع فرج، و هو ما بين الرِّجلين، إلىٰ أن قال: و به سمي فرج الرجل و المرأة، لأنهما بين الرِّجلين (1).

و قال في كتاب أحكام الأحكام: إن صيغة الفرج لها وضعان لغوي و عرفي، فأمّا اللغوي فهو مأخوذ من الانفراج فعلى هذا يدخل فيه الدبر، و أمّا العرفي فالغالب استعماله في القبل من الرجل و المرأة.

و في القاموس: الفرج العورة (2).

إذا عرفت هذا فما وقع في بعض هذه الأخبار من الفرج لا يبعد أن يكون المراد به القبل إلّا أن باب الاحتمال واسع، و ستظهر فائدة الخلاف فيما يأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: باب أن التقاء الختانين يوجب الغسل أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيىٰ، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته متى يجب (3) الغسل علىٰ الرجل و المرأة؟ فقال: «إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد بن إسماعيل قال: سألت

____________

(1) النهاية لابن الأثير 3: 423 (فرج).

(2) القاموس المحيط 1: 209 (فرج).

(3) في الاستبصار 1: 108/ 358: يوجب.

170

الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» فقلت (1): التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم».

و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين بن علي، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها أ عليها غسل؟ قال: «إذا وضع الختان علىٰ الختان فقد وجب الغسل، البكر و غير البكر».

السند

في الجميع واضح بعد ما قدمناه.

المتن:

في الأوّل: كما ترى ظاهره أن الإدخال موجب للثلاثة المذكورة، و هو متناول للقبل و الدبر، إلّا أن يقال بالانصراف إلىٰ القبل، أو يخصّ بغيره، كما في الخبر الثاني، فإن التقاء الختانين لا يتصور في غير القبل، و قول السائل: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة. و إن احتمل أن يكون المراد به أن هذا اللفظ علم علىٰ غيبوبة الحشفة سواء كان في القبل أو الدبر، إلّا أن ظهور إرادة كون مجرّد الالتقاء غير كاف في وجوب الغسل بل لا بد من الغيبوبة في القبل لا ريب فيه.

و ما تضمنه الخبر الثالث: من أن مجرد الوضع كاف في وجوب الغسل لا يخلو من منافاةٍ للخبرين الأوّلين، فالعجب من عدم تعرّض الشيخ

____________

(1) في الاستبصار 1: 109/ 359: قلت.

171

له، سيّما و في الحديث «البكر» و الغيبوبة فيها غير ظاهرة إلّا علىٰ احتمال.

و أعجب من ذلك قول بعض محققي المتأخرين: إنّ قوله في الحديث: لا يفضي إليها. إما بمعنى لا يولجه بأجمعه، أو بمعنى أنه لا ينزل (1). فليتأملّ.

نعم احتمال إرادة عدم إدخال الجميع لها وجه و إن بَعُد، لضرورة الجمع، و عدم العلم بالقائل بمضمونه.

ثم قوله (عليه السلام): «البكر و غير البكر» محذوف الخبر: أي سواء.

إذا عرفت هذا فاعلم أن العلّامة في المختلف استدل بالأخبار المذكورة علىٰ أن الغسل واجب لنفسه، قال: و تقرير الاستدلال من وجهين: الأوّل: أنّه علّق وجوب الغسل بالإدخال فلا يكون معلّقاً بغيره، و إلّا لم يكن معلّقاً علىٰ مطلق الإدخال.

الثاني: أنّه علّق وجوب المهر و الرجم علىٰ الإدخال، و لا خلاف في أنّهما غير مشروطين بشرط عبادة من العبادات، و كذا الغسل قضيةً للعطف (2). انتهىٰ.

و قد يقال علىٰ الأول: إنّ ما قاله حق إذا لم يوجد المعارض و الحال أنّه موجود، و هو ما استدل به لابن إدريس من رواية عبد اللّٰه بن يحيىٰ الكاهلي الموصوفة بالصحة منه، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض في المغتسل فتغتسل أم لا؟ قال: «قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل» (3).

____________

(1) هو الشيخ البهائي في الحبل المتين: 38.

(2) المختلف 1: 160.

(3) المختلف 1: 161.

172

و جواب العلّامة عن الرواية: بأن الغسل إنّما يجب إذا كان رافعاً للحدث، و هو غير متحقق في الحائض فلا يجب عليها (1). محل نظر، لأنه قرّر أوّل المسألة في تحرير محل الخلاف: أن الجنب إذا خلا من عبادة تجب فيها الطهارة كالطواف و الصلاة الواجبين و مسّ كتابة القرآن و قراءة العزائم الواجبين و دخول المساجد الواجب إذا أوقع الغسل هل يوقعه علىٰ جهة الوجوب أو الندب، ثم قال: و الأقرب الأول (2).

و هذا الكلام و إن ظن منه حيث قيّد بالواجب في الجميع أن اعتبار الندب من العبادة لا بد منه، إلّا أنّه لا دليل علىٰ اعتباره علىٰ القول بالوجوب لنفسه.

و حينئذ نقول: إنّ اعتبار رفع الحدث إن أراد به رفع الحدث المانع من استباحة الصلاة و نحوها المندوبة فهو مطالب بدليله علىٰ تقدير الوجوب لنفسه، و إن أراد به رفع الحدث من حيث هو فكذلك.

فإن قلت: لا معنىٰ لوجوب الغسل إلّا هذا.

قلت: أيّ مانع من كون الغسل واجبا من حيث هو، كما في غسل المسّ علىٰ القول بأنّ المسّ غير ناقض، و كالغسل المندوب في الجمعة و الإحرام، و حينئذ فإذا دل الخبر علىٰ عدم الوجوب لنفسه أمكن حمل الأخبار علىٰ الوجوب إذا حصل المشروط به، و كون المهر و الرجم

____________

(1) المختلف 1: 161.

(2) المختلف 1: 159.

173

لا يتوقف علىٰ مشروط بهما بالإجماع هو الذي أخرجهما.

و ما قد يقال: إنّ الرجم يتوقف علىٰ ثبوت الحدود مع عدم ظهور الإمام (عليه السلام)، و الخلاف واقع في ذلك، قد يجاب عنه بأن الوجوب لا يتوقف بالإجماع، نعم الفعل يتوقف علىٰ الخلاف.

و يمكن أن يقال نحو ذلك في الغسل، فإنه يجب بمجرّد الإدخال، لكن الفعل مشروط بالصلاة كما في نفس الصلاة، فإن الشروط لفعلها غير الشروط لوجوبها، إلّا أن للكلام مجالًا في المقام.

هذا علىٰ تقدير صحة الخبر المذكور من العلّامة، و إلّا ففي الصحة بحث، علىٰ أنّه ربما يقال بتقدير الصحة-: إنّها محتملة لأن يراد أنّ المرأة قد جاءها ما يفسد الصلاة التي هي أعظم الواجبات، فغسل الجنابة الذي واجب أدنىٰ يفسد بطريق أولىٰ، فليتأملّ.

أمّا ما استدل به ابن إدريس من الآية الشريفة علىٰ ما حكاه العلّامة موجّهاً له بأنّه سبحانه عطف الجملة علىٰ جملة الوضوء فتشتركان في الحكم و (لمّا لم يجب الوضوء لغير الصلاة فكذا الغسل، [و جواب] (1) العلّامة عنه: بمنع المساواة في الحكم في) (2) عطف الجمل بعضها علىٰ بعض، سلّمنا لكن الآية تدلّ علىٰ وجوب الغسل عند إرادة الصلاة و لا تنفي الوجوب عند عدم الإرادة (3).

فلي (4) فيه بحث: أمّا أوّلًا: فلأنه إن أُريد بعطف الجملة علىٰ الجملة أن الجملة «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» معطوفة علىٰ جملة «إِذٰا قُمْتُمْ» فلا وجه للمشاركة في إرادة الصلاة إلّا علىٰ احتمال لا يخلو من تكلّف، بل أظنّ عدم القائل به؛ و إن أُريد أن جملة «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» معطوفة علىٰ جملة

____________

(1) في النسخ: فجواب، غيرناه لاستقامة العبارة.

(2) ما بين القوسين ساقط من «رض».

(3) المختلف 1: 161.

(4) في «فض»: ولي.

174

«فَاغْسِلُوا» فالمشاركة في الحكم المتوقفة عليه الاولىٰ لا وجه لمنعه، و حينئذ فمنع العلّامة المساواة في الحكم علىٰ الإطلاق غير تام، بل الأولىٰ تفصيل ما قلناه.

و لا يبعد أن يدعىٰ ظهور العطف علىٰ جملة «فَاغْسِلُوا» و يكون هو مراد ابن إدريس؛ لأنّ جملة «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ.» معطوفة علىٰ جملة «فَاغْسِلُوا» من حيث إنّ المعروف بين الأصحاب كون التيمم يجب لغيره، و لو لا الاتحاد في الحكم مع الوضوء لم يتم ذلك، و علىٰ هذا فتوافق [الجُمَل (1)] يقتضي المشاركة في الغسل.

و ما قد يقال: إنّ التيمم فيه الخلاف أيضا، كما حكاه الشهيد في الذكرى علىٰ ما نقله شيخنا (قدس سره) من أن الطهارات كلها واجبة لأنفسها عند بعض (2).

يمكن الجواب عنه باحتمال أن يوجد القائل بالعطف علىٰ جملة «إِذٰا قُمْتُمْ» و كلامنا علىٰ تقدير القول بوجوب التيمم لغيره، فإنه لا بد أن يقال في الآية بالعطف علىٰ جملة «فَاغْسِلُوا» إلّا أن يقال: إن العطف علىٰ جملة «إِذٰا قُمْتُمْ» ممكن و الدليل خص التيمم بدخول الوقت، و تكون الآية من قبيل المجمل بسبب العطف المذكور، و بيانها من غيرها، و القائل بكون الطهارات واجبة لأنفسها لا بد له في آية الوضوء من التوجيه فله أن يقول مثله في التيمم، فليتأملّ.

و أمّا ثانياً: فما ذكره العلّامة من تسليم كون الآية تدل علىٰ وجوب الغسل عند إرادة الصلاة. ففيه: أن التسليم إن كان مع عطف جملة «وَ إِنْ

____________

(1) في النسخ: الحمل، و الظاهر ما أثبتناه.

(2) مدارك الأحكام 1: 10، و هو في الذكرى 1: 196.

175

كُنْتُمْ» علىٰ قوله «إِذٰا قُمْتُمْ» فالوجه فيه غير ظاهر، بل علىٰ (توجه الإجمال الذي أشرنا إليه و) (1) عدم معلومية القائل به في عطف الجمل، و مثله يشكل الحكم به، و بتقدير القول به فآية الوضوء تدل بمفهوم الشرط علىٰ نفي الضوء عند عدم إرادة الصلاة، و مثله يقال في الغسل، فإن مفهوم الشرط حجّة عند العلامة، فقوله: إنّه لا ينفي الوجوب. محل بحث.

إلّا أن يقال: إن مفهوم الشرط حجّة إذا لم يعارضه المنطوق (و ما دل علىٰ وجوب الغسل بمجرد الإدخال معارض له.

و فيه: أن المفهوم بتقدير الحجية إذا تعارض مع المنطوق) (2) يرجح المنطوق عليه إذا لم يكن للمنطوق معارض، و الحال أنا قد ذكرنا المعارض له، و هو الخبر المحكوم بصحته عند المصنف، فلا يتم القول منه، نعم من لا يقول بصحّة الخبر يمكنه توجيه الاستدلال.

و ما قاله في المختلف: من أنّه ذكر المسألة في المنتهىٰ مطولة (3). لم أقف عليه، و إنّما ذكرت ما خطر في البال، إلىٰ أن يوفّق اللّٰه سبحانه لرؤية ما ذكره.

أمّا استدلاله في المختلف (4) علىٰ الوجوب لنفسه بصحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) إنّه قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و آله) و قال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر

____________

(1) في «رض»: الاحتمال الذي أشرنا إلىٰ، و في «فض» الإجمال الذي أشرنا إليه في.

(2) ما بين القوسين ساقط من «فض».

(3) المختلف 1: 162.

(4) المختلف 1: 160.

176

لعليّ (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليّ (عليه السلام): أ توجبون عليه الرجم و الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء، إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (1).

ثمّ قال العلّامة: و وجه الاستدلال أنّه (عليه السلام) أنكر إيجاب الحدّ و الرجم و نفي إيجاب الغسل بأن إيجاب أصعب العقوبتين يقتضي إيجاب أسهلهما، و لمّا كان إيجاب الأصعب غير مشروط بعبادة فكذلك وجوب الأدنى (2).

ففيه: أنّه لا يخرج عن الكلام الذي قلناه في استدلاله بحديث: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» و إن كان ظاهر قول عليّ (عليه السلام) الإيجاب علىٰ الإطلاق، إلّا أن الخلاف الواقع بين المهاجرين و الأنصار لم يعلم أنه علىٰ الإطلاق أو حال وجوب العبادة، و كلام عليّ (عليه السلام) تابع لذلك، فالاستدلال به محل كلام.

و للعلّامة استدلال بوجهين آخرين: أحدهما قوله (عليه السلام): «إنّما الماء من الماء» (3) (4) و فيه نحو ما قدّمناه.

و ثانيهما لا يصلح أن يذكر، بل العجب من وقوع مثله من مثله، كما يعرف من راجع كلامه. و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقيقة الأحوال.

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان بن عثمان،

____________

(1) التهذيب 1: 119/ 314، الوسائل 2: 184 أبواب الجنابة ب 6 ح 5.

(2) المختلف 1: 160 بتفاوت يسير.

(3) مسند أحمد 3: 29، صحيح مسلم 1: 219/ 81، سنن أبي داود 1: 56/ 217.

(4) المختلف 1: 160.

177

عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) لا يرىٰ في شيء الغسل إلّا في الماء الأكبر».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إذا لم يلتق الختانان لا يجب الغسل إلّا في الماء الأكبر، لأنه ربما رأى الرجل في النوم أنّه جامع فلا يرىٰ إذا انتبه شيئاً فلا يجب عليه الغسل إلّا إذا انتبه و رأىٰ الماء.

يدل علىٰ ذلك [من (1)] أنّه مخصوص بهذه الحال:

ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يرىٰ في المنام حتى يجد الشهوة و هو يرىٰ أنّه قد احتلم، فإذا استيقظ لم ير في ثوبه الماء و لا في جسده، قال: «ليس عليه الغسل» و قال: «كان عليّ (عليه السلام): إنّما الغسل من الماء الأكبر، فإذا رأى في منامه و لم ير الماء الأكبر فليس عليه غسل».

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب إلّا من جهة أبان، و الّذي قال: إنه كان ناووسيّاً (2)، عليّ بن الحسن بن فضال (3)، و هو فطحيّ ثقة، فمن يعمل بالموثق يلتزم بأن أبان ناووسيّ ثقة، فحديثه من الموثق و يلزمه العمل به،

____________

(1) أضفناه من الاستبصار.

(2) النّاووسية فرقة قالت: إنّ جعفر بن محمد (عليه السلام) حيّ لم يمت و لا يموت حتى يظهر و يلي أمر النّاس و هو القائم المهدي، سميت بذلك لرئيس كان لهم يقال له: فلان بن الناووس. المقالات و الفرق: 79، و رجال الكشي 2: 659.

(3) رجال الكشي 2: 640.

178

مضافاً إلىٰ تأييد الإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عنه، كما نقله الكشي (1)، و من لم يعمل بالموثق فليس أبان بداخل في ما قيل فيه.

و ما يوجد في كلام بعض المتأخّرين من تصحيح حديث أبان للإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عنه مع عمله بالموثق (2)، لا يخلو من خروج عن اصطلاح المتأخّرين في تصحيح الأحاديث، و الوالد (قدس سره) لا يعمل بالموثق و اتفق له ما يوجب الإشكال في كلامه كما نبّهنا عليه في مواضع ممّا كتبناه.

و أمّا عنبسة بن مصعب: فقد قال الكشي نقلًا عن حمدويه: إنه ناووسي واقفي (3)، و ذكر في رواية عن عليّ بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة بن مصعب إلىٰ آخر الرواية (4)، و الشيخ في التهذيب في باب الأذان روىٰ عن منصور بن يونس، عن عنبسة العابد (5)، و عنبسة العابد هو ابن بجاد علىٰ قول النجاشي، و هو ثقة و كان قاضياً كما ذكره النجاشي أيضا (6).

و الكشي نقل عن حمدويه عن أشياخه أن ابن بجاد كان خيراً فاضلًا (7)، و علىٰ مقتضىٰ ما قدمناه الاتحاد، إلّا أن يقال بجواز رواية منصور

____________

(1) رجال الكشي 2: 673/ 705.

(2) مدارك الأحكام 1: 266.

(3) أي وقف علىٰ أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و ليس بمعناه المصطلح. رجال الكشي 2: 659.

(4) رجال الكشي 2: 659.

(5) لم نعثر عليها في باب الأذان، و هي موجودة في باب المواقيت من التهذيب 2: 275/ 1093، الوسائل 4: 275 أبواب المواقيت ب 57 ح 2.

(6) رجال النجاشي: 302/ 822.

(7) رجال الكشي 2: 670/ 697.

179

ابن يونس عن الرجلين، و هو غير بعيد، أو الوهم من الشيخ في الرواية أو من الكشي، و علىٰ كل حال فعنبسة بن مصعب مع القول بالوقف فيه لا يكون حديثه من الصحيح، إلّا علىٰ تقدير تقديم قول النجاشي الذي ظاهره التوثيق من غير ذكر الوقف و الحكم بالاتحاد، و الإشكال فيه واضح.

فما في كلام شيخنا (قدس سره) من أن الشيخ روىٰ في الصحيح عن عنبسة ابن مصعب (1)، محل كلام، إلّا أن تكون الصحة إضافية، و قد قدّمنا فيه قولا (2)، و الإعادة لأمر ما غير خفي.

و الثاني: فيه الحسين بن أبي العلاء، و لا أعلم إلّا كونه ممدوحاً بتقدير استفادته من قولهم: إنّه أوجه من أخويه (3)، و ثقة أحد الأخوين (4) في استفادة توثيقه منها تأمّل، و كذلك من توثيق ابن طاوس له في البشرىٰ، و قد تقدم أيضاً (5).

و عليّ بن الحكم لا ارتياب فيه بعد رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عنه، و الظاهر أن أحمد هو المذكور لا ابن خالد ليتوجه نوع سؤال.

المتن:

ما قاله الشيخ في الأوّل و استدلاله بالثاني لا يخلو من تأمّل، لأن حاصل كلامه القول بخروج وجوب الغسل إذا التقى الختانان، و خصوص هذا الخبر بمن رأى في النوم و انتبه فلم ير شيئاً، فإن أراد به ثبوت

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 266.

(2) راجع ج 1 ص 118.

(3) رجال النجاشي: 52/ 117.

(4) رجال النجاشي: 246/ 647.

(5) راجع ج 1 ص 146 147.

180

مخصّص لما قاله، ففيه: أنّ بيان صحة الحصر (1) هي المهمة، و إن أراد أن الحصر إضافيّ بالنسبة إلىٰ غير الماء الأكبر من مثل المذي فهو صحيح إلّا أنه لا يلائم الاختصاص بمن رأى في النوم، فإن الماء الأكبر يتحقق فيه الحصر بمن ذكره و غيره، و الخبر المستدل به لا يدل علىٰ الحصر بل هو في الحصر المذكور في كلام عليّ (عليه السلام).

فإن قلت: أيّ فرق بين عدم الدلالة علىٰ الحصر و الدخول في الحصر؟.

قلت: الفرق ظاهر، فإنّ مقتضىٰ قول الشيخ أنّ كلام عليّ (عليه السلام) خاص بمورد الرواية المذكورة للاستدلال من الشيخ، و الحال أنّ الرواية من جملة أفراد مدلول الحصر، كما يعرف بأيسر نظر في الرواية.

و بالجملة: فالأولىٰ أن يقال: إنّ الحصر إضافي بالنسبة إلىٰ غير الماء الأكبر من المذي و نحوه، و حينئذ لا يضر بالحال، و قد قدّمنا القول في كلام عليّ (عليه السلام) (2) فيما سبق، فليتأملّ.

[الحديث 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللًا قليلًا، قال: «ليس بشيء إلّا أن يكون مريضاً فإنه يضعف فعليه الغسل».

فلا ينافي الخبر الأوّل أن الغسل يجب من الماء الأكبر، لأنه لا يمتنع أن يكون هذا الماء هو الماء الأكبر إلّا أنّه يخرج (قليلًا من

____________

(1) في «رض»: الخبر.

(2) في ص 56 57.

181

المريض) (1) لضعفه و قلة حركته، و لأجل ذلك فصّل (عليه السلام) في الخبر بين العليل و الصحيح.

و يزيد ذلك بيانا:

ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن ابن مسكان، عن عنبسة بن مصعب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل احتلم فلما أصبح نظر إلىٰ ثوبه فلم ير (2) شيئاً، قال: «يصلّي فيه» قلت: فرجل رأى في المنام أنّه احتلم فلمّا قام وجد بللًا قليلًا علىٰ طرف ذكره قال: «ليس عليه غسل، إن عليّاً (عليه السلام) كان يقول: إنما الغسل من الماء الأكبر».

السند

في الأول: ليس فيه ارتياب، و العباس فيه قد قدمنا عن الوالد (قدس سره) أنه كان يقطع بأنه ابن معروف (3)، و له مؤيّدات من الأخبار السابقة و اللاحقة، و ابن عامر أيضاً في حيّز الاحتمال، و شيخنا المحقّق ميرزا محمد أيّده اللّٰه قال في فوائده علىٰ الكتاب: و عندي أن احتمال كونه ابن عامر مثله يعني مثل ابن معروف أو أظهر، و لا يخفىٰ عليك الحال بعد ما قلنا (4).

و الثاني: فيه عنبسة بن مصعب و قد تقدم، و حسين بن عثمان مشترك بين ثقتين (5).

____________

(1) في الاستبصار 1: 109/ 363: من العليل قليلًا قليلًا.

(2) في الاستبصار 1: 110/ 364 زيادة: به.

(3) منتقىٰ الجمان 1: 172، و راجع ج 1 ص 64.

(4) في «رض»: قدمناه.

(5) هداية المحدثين: 195.

182

المتن:

لا يخلو من إشكال في الأول، لأنّ قوله (عليه السلام): «إلّا أن يكون مريضاً» إلىٰ آخره، يقتضي بظاهره أنّ المريض إذا رأى البلل القليل يجب عليه الغسل، و إن لم يكن الماء بصفة الماء الأكبر، و مخالفته للقواعد ظاهرة، إلّا أن يقال: إنّ المراد مع تحقّق وصف الماء الأكبر، و فيه: أنّ قوله: لضعفه، محتمل في نظري القاصر لأن يراد به ضعف الماء بسبب المرض، لا ما ظنّه الشيخ من أنّ المراد ضعف الإنسان و إن كان الضمير في ضعفه محتملًا للعود إلىٰ الإنسان، إلّا أنّ عوده إليه يوجب الإشكال من حيث إن الضعف إنّما يغتفر فيه عدم الدفق، كما تدل عليه بعض الأخبار، و الخبر المبحوث عنه تضمن الاحتلام و وجدان البلل القليل، و ليس فيه أنّ البلل القليل خرج بعد الانتباه، و لو كان المراد ذلك لزم أن يكون قوله (عليه السلام): «ليس بشيء» غير موافق لما قاله بعض المتأخّرين: من أنّ اعتبار الدفق إنّما هو مع الاشتباه (1)، أمّا مع التحقق فيجب الغسل كما حكيناه سابقا (2)، و إن كان في النظر القاصر أنّ كلام من ذكرناه لا يخلو من تأمّل كما أسلفناه (3).

و ربّما كان هذا الخبر غير موافق لهم بتقدير ما احتملناه، لأنّ الظاهر منه حينئذ أن البلل القليل ليس بصفة المني إلّا إذا كان الإنسان ضعيفاً فإنّ المنيّ يضعف، فدلّ علىٰ أنّ اعتبار الدفق إنّما هو علىٰ تقدير عدم النوم، و مع النوم و عدم العلم بالدفق ينظر بالأوصاف.

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 268.

(2) في ص 142.

(3) في ص 141 143.

183

نعم قد يشكل الخبر بأن القلة لا تنافي تحقق الأوصاف. و يمكن الجواب بأن القلة غالباً خلاف الوصف.

و قد يشكل الحال في الرواية علىٰ تقدير اعتبار الأوصاف بأن المريض إذا ضعف منيّه أو ضعف هو عن الدفق كيف يحكم بمجرد وجود الماء أن الغسل عليه واجب مع احتمال أن لا يكون منيّاً.

و يمكن الجواب بأن النص إذا ثبت لا بعد فيه، و غير بعيد أن يوجّه توجيه الشيخ بدلالة الأخبار الآتية و إن بعد عن ظاهر الخبر المذكور، غير أن الإشكال قد يبقىٰ من حيث إن مدلول الخبرين الآتيين لا تفصيل فيهما بالوصف، و لعل المراد تحقق الوصف كما يدل عليه بعض الاعتبارات الآتية في الخبرين. و بالجملة فالمقام لا يخلو من إشكال، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

[الحديث 8 و 9]

قال: و يدلّ علىٰ أن حكم العليل مفارق لحكم الصحيح أيضا: ما رواه محمد بن عليّ بن محبوب، عن العباس، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن حريز، عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يرىٰ في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ و ينظر فلا يرىٰ شيئاً ثم يمكث الهوينا (1) بعد فيخرج، قال: «إن كان مريضاً فليغتسل و إن لم يكن مريضاً فلا شيء عليه» قال: قلت له: فما الفرق (2) بينهما قال: «لأن الرجل إذا كان صحيحاً جاء الماء بدفقة قوية، و إن كان مريضاً لم يجيء إلّا بعد».

____________

(1) في الاستبصار 1: 110/ 365: الهوين.

(2) في الاستبصار 1: 110/ 365: فما فرق، و في «رض»: ما الفرق.

184

عنه، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن داود بن مهزيار، عن عليّ بن إسماعيل، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجلٌ رأى في منامه فوجد اللذة و الشهوة ثمّ قام فلم يَرَ في ثوبه شيئاً، قال، فقال: «إن كان مريضاً فعليه الغسل، و إن كان صحيحاً فلا شيء عليه».

السند

في الأوّل: واضح بعد ما قدّمناه.

و الثاني: ضمير عنه فيه يرجع إلىٰ محمد بن علي بن محبوب في الظاهر من عادة الشيخ، إلّا أن في رواية محمد بن علي بن محبوب عن موسى بن جعفر بن وهب نوع تأمّل، لأن الراوي عنه في الرجال محمد بن يحيىٰ العطار، عن محمد بن أحمد بن قتادة؛ و أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر (1)، و محمد بن عليّ بن محبوب في مرتبة محمد بن يحيىٰ و أحمد بن إدريس في الجملة، إلّا أن باب الإمكان واسع، و يتفق ذلك كما يتفق في كثير من النظائر يعرفها الممارس.

ثم إنّ موسى بن جعفر غير ثقة و لا فيه مدح أيضا؛ و داود بن مهزيار مذكور مهملًا في رجال الجواد (عليه السلام) من كتاب الشيخ (2)؛ و عليّ بن إسماعيل لا يخلو من جهالة، و توهم الاشتراك بين من هو ثقة و غيره يدفعه مراجعة كتاب شيخنا أيده اللّٰه في الرجال (3).

____________

(1) رجال النجاشي: 406/ 1076.

(2) رجال الطوسي: 401/ 2.

(3) منهج المقال: 226.

185

المتن:

في الأوّل: قد قدّمنا ما فيه كفاية عن الإعادة (1)، و الذي ينبغي بيانه هنا أن ظاهر الخبر أن المريض يفارق الصحيح بتأخّر نزول منيّه عن حصول الشهوة، و ربما يستفاد منه أن الماء يجيء بغير دفق قويّ لا أنّه بغير دفق أصلًا، و إنّما يستفاد ذلك منه لأنه جعل الدفقة القوية للصحيح، و المريض لا يجيء ماؤه إلّا بعد، و هذه المقابلة غير وافية كما لا يخفىٰ، بل الظاهر أن المراد بالتأخّر عدم الدفق المذكور للصحيح، و لمّا كان وصف القوة في الصحيح أمكن أن يكون في المريض الدفق الضعيف (2) و إن احتمل أن لا يكون في المريض دفق أصلًا.

و من هنا يعلم أن ما قاله شيخنا (قدس سره) بعد قول المحقق: و إن كان مريضاً كفت الشهوة و فتور الجسد من أنّه يدلّ علىٰ عدم اعتبار الدفق في المريض صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور، ثمّ قال: و نحوه روىٰ معاوية بن عمار في الصحيح (3). و عنى بها ما تقدم من رواية معاوية المتقدمة. محل بحث قد سمعت كلامنا فيها (4).

و بالجملة: فاعتبار عدم الدفق لا صراحة للخبرين (5) فيه، نعم ربما يلوح منهما ذلك، و اللّٰه تعالىٰ أعلم.

و أمّا الخبر الثاني: فالإشكال فيه أن ظاهره عدم وجدان شيء في

____________

(1) في ص 164، 165.

(2) في «رض» زيادة: و عدمه.

(3) مدارك الأحكام 1: 268.

(4) راجع ص 163 165.

(5) في «رض»: لأحد الخبرين.

186

الثوب و الحكم بوجوب الغسل، إلّا أن شيخنا أيّده اللّٰه في فوائد الكتاب قال: إنّه ينبغي حمل هذه الرواية علىٰ مفاد المتقدمة: من أنّه يرىٰ بعد ما يمكث، ثم قال: و الكل علىٰ ما إذا كان فيه نوع اشتباه، و إلّا فيجب الغسل مع كونه منياً علىٰ كل حال. انتهىٰ. و أنت خبير بما في المقام بعد ملاحظة ما قدمناه.

اللغة:

قال في النهاية: في صفته (عليه السلام): يمشي هوناً. الهون: الرفق و اللين و التثبّت، و في رواية: كان يمشي الهُوَيْنا، تصغير الهُونىٰ تأنيث الأهون، و هو من الأول (1).

باب (2) الرجل يرىٰ في ثوبه المني و لم يذكر الاحتلام

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يرىٰ في ثيابه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه أنّه قد احتلم قال: «فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته».

و روى أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينام و لم ير في نومه أنّه احتلم فوجد

____________

(1) النهاية لابن الأثير 5: 284 (هون).

(2) في «رض»: زيادة: أنّ.

187

في ثوبه و علىٰ فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: «نعم».

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب (1)، عن علي بن السندي، عن حماد بن عيسىٰ، عن شعيب، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيب ثوبه (2) منياً و لم يعلم أنّه احتلم قال: «ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضّأ».

فلا ينافي الخبرين الأوّلين، لأن الوجه في الجمع بينهما أن الثوب الذي لا يشاركه في استعماله غيره متى وجد عليه منيّاً وجب عليه الغسل و إعادة الصلاة إن كان قد صلىٰ، لجواز أن يكون قد نسي الاحتلام، فأمّا ما يشاركه فيه غيره فلا يوجب عليه الغسل إلّا إذا تيقن الاحتلام.

السند

في الأوّل: موثق عند المتأخّرين، و الحسن فيه أخو الحسين.

و في الثاني: عثمان بن عيسىٰ، و قد قدّمنا القول فيه (3).

و الثالث: فيه جهالة عليّ بن السندي، و ما وقع في الكشي: من أنه علي بن إسماعيل و توثيقه (4) كما حكاه في الخلاصة (5). يدفعه ما حققه شيخنا أيّده اللّٰه في كتابه (6)؛ و أبو بصير قد قدّمنا حاله (7).

____________

(1) في الاستبصار 1: 111/ 369 زيادة: عن علي بن محبوب.

(2) في الاستبصار 1: 111/ 369: بثوبه.

(3) راجع ج 1 ص 70 72.

(4) رجال الكشي 2: 860/ 1119، و الموجود فيه: علي بن السدي.

(5) خلاصة العلّامة: 96/ 28. و فيه: علي بن السري الكرخي.

(6) منهج المقال: 233.

(7) راجع ص 90 94 و ج 1 ص 72، 83.

188

المتن:

في الأولين ظاهر الدلالة علىٰ وجوب الغسل، و الخبر الأخير ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من نظر، لأن الحديث تضمّن أنّه يتوضّأ، فإن أُريد بالوضوء: الشرعي، لا يوافق قول الشيخ، إلّا أن يحمل الوضوء علىٰ ما بعد النوم، و الظاهر الإطلاق، و لعلّ الخبر لا يمنع من الحمل المذكور و إن بَعُد؛ و إن أُريد بالوضوء الاستنجاء كان أشكل، إلّا أن الظاهر من إطلاق الوضوء: الأوّل.

و ما قاله الشيخ، من أنّه إذا شاركه فيه غيره لا يجب عليه الغسل. محتمل لأن يريد بالمشاركة النوم فيه مع الغير مجتمعين كالكساء الذي يفرش أو يلتحف به، أو يراد به ما يتناوب عليه مع غيره.

و العلّامة في المختلف نقل عن الشيخ في النهاية أنّه قال: إذا انتبه فرأى علىٰ ثوبه أو فراشه منيّاً و لم يذكر الاحتلام وجب عليه الغسل، فإن قام من موضعه ثم رأى بعد ذلك، فإن كان ذلك الثوب أو الفراش مما يستعمله غيره لم يجب عليه الغسل، و إن كان ممّا لا يستعمله غيره وجب عليه الغسل (1). و هذا الكلام يعطي تحقق الاشتراك بالنوبة.

و وجه عدم وجوب الغسل مع الاشتراك ظاهر، كما ذكره الشيخ؛ لتعيّن براءة الذمة، فلا يخرج عنه بالشك، و يدلُّ عليه صحيح بعض الأخبار الدالة علىٰ أنّه لا ينقض اليقين بالشك (2).

و ظاهر بعض الأصحاب القول بوجوب الغسل علىٰ ذي النوبة (3)،

____________

(1) المختلف 1: 170، و هو في النهاية: 20.

(2) التهذيب 1: 8/ 11، الوسائل 1: 245 أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

(3) قال به الشهيد الأول في الدروس 1: 95.

189

و فيه ما فيه، و قد ذكرت ما يتفرع علىٰ هذا في حواشي المختلف.

أمّا ما ذكره الشيخ: من أن الثوب المختص يجب علىٰ صاحبه الغسل. يشكل بما ذكره بعض المتأخّرين: من أنّه لو احتمل كون المني الموجود من غيره لم يجب عليه الغسل (1). و الحق أن هذا يندفع بأن يراد بالاختصاص ما يخرج هذا، إلّا أن يقال: إن مثل هذا لا يتوجه فيه صدق الاشتراك، و لا واسطة، و الأمر سهل إذا علم المراد.

فإن قلت: كيف يتصور ما ذكرت؟

قلت: قد يتفق أن يرىٰ علىٰ ثوبه منياً في جانب منه و يكون قد نام قريباً ممن يحتمل حصوله منه.

نعم: قد يحصل الإشكال في مشاركة من يحتمل بلوغه بالاحتلام، كابن ثلاثة عشر و أربعة عشر، فإن احتمال كون المني من المذكور يقتضي عدم وجوب الغسل علىٰ الرجل، و عدم تحقق البلوغ يقتضي الانحصار في الرجل، إلّا أن هذا يمكن الجواب عنه، كما لا يخفىٰ.

ثم المشارك لو كان رجلًا و قلنا بأنه لا يجب الغسل علىٰ كل واحد لحصول الشك الذي لا يعارض اليقين فيجوز لهما أن يفعلا ما يفعله الطاهر، و قد اختلف في جواز ائتمام أحدهما بالآخر، و للكلام في المقام مجال واسع إلّا أن المهم ما ذكرناه.

باب الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج فينزل هو دونها

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ،

____________

(1) المدارك 1: 269.

190

عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أ عليها غسل إن هو انزل و لم تنزل هي؟ قال: «ليس عليها غسل و إن لم ينزل هو فليس عليه غسل».

أحمد بن محمد، عن البرقي رفعه قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل (1) فلا غسل عليهما، و إن انزل فعليه الغسل و لا غسل عليها».

محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف جعل علىٰ المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل، و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها فيما (2) دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: «لأنها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، و الآخر إنّما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لأنه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أو لم تمن».

السند

في الأوّل: لا يخلو من خلل، لأن محمد بن علي بن محبوب لا يروي عن محمد بن أبي عمير (بغير واسطة، و في التهذيب رواه محمد بن علي

____________

(1) في «فض»: لم تنزل.

(2) في الاستبصار 1: 112/ 372 لا يوجد: فيما.

191

ابن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير) (1)، فهو تام؛ و الشك في رواية أحمد عن ابن أبي عمير تقدم دفعه، و الوجود كثير، و علىٰ كل حال فالخبر لا ريب فيه.

و الثاني: غني عن البيان، مضافاً إلىٰ الشك في البرقي.

و الثالث: لا ريب فيه، و قد تقدم سنداً و متناً.

المتن:

في الخبر الأوّل: كما ترى يدلّ علىٰ الإصابة فيما دون الفرج، فكأن الشيخ ظن تناوله للدبر، و ربما يشكل الحال، بأن بعض الأصحاب ظن تناول الفرج للدبر، و سيأتي القول فيه (2).

أمّا الخبر الثاني: فصريح من وجه إلّا أن لفظة «فلم ينزل» لا يخلو من إجمال.

و الخبر الثالث: كأن الشيخ ظنّ منه أن قوله: «لأنه لم يدخله.» يريد به الإدخال في القبل و قد تقدم منّا فيه القول و من ثم أعاده الشيخ.

و ما قد يتخيل أن الشيخ ناظر إلىٰ قوله: و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها فيما دون الفرج. يدفعه أن هذا في حيّز الإجمال، و إن كان محذور عدم مطابقة الجواب للسؤال لا محيد (3) عنه، كما أشرنا إليه سابقا.

إذا عرفت هذا: فاعلم أن العلّامة في المختلف قال: إنّ ابن بابويه

____________

(1) ما بين القوسين ساقط من «فض».

(2) في ص 174 176.

(3) المحيد هو المحيص، النهاية لابن الأثير 1: 468 (حيص).

192

روىٰ في كتابه عدم إيجاب الغسل (1)، و هو اختيار الشيخ في الاستبصار و النهاية، و هو الظاهر من كلام سلّار، و قال في كتاب النكاح من المبسوط: الوطء في الدبر يتعلق به أحكام الوطء في الفرج، و عدّ منها وجوب الغسل، ثم اختار العلّامة الوجوب، و هو قول السيد المرتضىٰ (2).

و احتج العلّامة بوجوه: أحدها: قوله تعالىٰ «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» (3) و ثانيها: صحيح محمد بن مسلم السابق الدال علىٰ أنّه إذا أدخله وجب الغسل و المهر و الرجم، قال: و الإدخال صادق في الدبر كصدقه في القبل. و ثالثها: الرواية الآتية عن حفص بن سوقة المرسلة. و رابعها: صحيح زرارة السابق نقله في قضية الأنصار و المهاجرين، و قول علي (عليه السلام): «أ توجبون عليه الرجم و الحد و لا توجبون عليه صاعاً من ماء؟» قال: و وجه الاستدلال أنّه (عليه السلام) أنكر إيجاب الحد دون الغسل، و هو يدل علىٰ متابعته في الوجوب، و الحد يجب هنا فيجب الغسل. و ذكر خامساً لا يليق ذكره (4).

و في نظري القاصر إمكان أن يقال عليه:

أمّا علىٰ الأوّل: فإنّ صحيح الحلبي المذكور في أول الباب يدل بظاهره علىٰ أنّ الإصابة فيما دون الفرج من دون إنزال لا يوجب الغسل، فيقيّد مطلق القرآن أو يبيّن مجملة، و يحتمل أن يقال: يخص عامّه، بناءً علىٰ جواز تخصيص القرآن بالخبر، كما هو مذهبه، و كذلك تقييد مطلقه و إن لم أعلم الخلاف فيه الآن، إلّا أنّ الدليل نفياً و إثباتاً يأتي فيه كما يعلم

____________

(1) الفقيه 1: 47/ 185، الوسائل 2: 199 أبواب الجنابة ب 11 ح 1.

(2) المختلف 1: 162 و هو في النهاية: 19 و المراسم: 41 و المبسوط 4: 243 و حكاه عن المرتضىٰ في المعتبر 1: 180.

(3) المائدة: 6.

(4) المختلف 1: 163.

193

من الأُصول.

و ما أجاب به العلّامة عن الخبر المذكور من القول بالموجب و منع دلالته علىٰ صورة النزاع، فإنّ الدبر عندنا يسمىٰ فرجاً لغةً و عرفا، فأمّا لغة: فلأنّه مأخوذ من الانفراج، و أمّا عرفاً: فكذلك، لقوله تعالىٰ «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ»* (1) و أشار بذلك إلىٰ ذَكَر الرجل و سمّاه فرجاً، للمعنىٰ الذي هو الانفراج (2) ففيه نظر:

لأنّ دعوى كون اللغة و العرف تدلان علىٰ أنّ الدبر يقال له فرج، خلاف ما ذكره بعض أهل اللغة: أنّ الفرج عرفاً يقال للقبل من الرجل و المرأة، كما نقلناه سابقاً عن ابن الأثير في أحكام الأحكام (3)، و استدلال العلّامة علىٰ العرف بقوله تعالىٰ «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ»* لا يخلو من تأمّل، لأنّه إن أراد أنّ الآية تدل علىٰ إطلاق الفرج علىٰ الذكر فنحن نقول به، و إن أراد الإطلاق علىٰ الدبر فهو أعلم بالمراد.

فإن قلت: لعل المراد أنّ الآية تنفي الاختصاص بقبل المرأة، و إذا نفي الاختصاص شمل الدبر، كما نبه عليه قوله: و أشار بذلك إلىٰ ذكر الرجل.

قلت: أيّ ملازمة بين نفي الاختصاص و شمول الدبر؟ مع ما سمعته من الخلاف، علىٰ أنّ للقائل بالاختصاص بقبل المرأة أن يقول: إنّ الآية يحتمل فيها المجاز، و القرينة معه، و إن كان فيه نظر.

نعم يتوجه علىٰ العلّامة أنّ فهم الانفراج من إرادة الذَّكَر في الآية لو تم فهو انفراج القبل من المرأة بلا ريب، و من الرجل للآية، علىٰ أنّا قدّمنا

____________

(1) المؤمنون: 5، المعارج: 29.

(2) المختلف 1: 165 بتفاوت يسير.

(3) راجع ص: 169.

194

عن النهاية ما يدل علىٰ أن الفرج إنّما يسمىٰ فرجاً لأنه بين الرِّجلين (1)، إلّا أن يتكلف ما لا يخفىٰ.

و لو سلّم جميع ذلك من العلّامة، فالحديث الصحيح عن الحلبي تضمن إصابة ما دون الفرج (2)، و علىٰ تقدير إطلاق الفرج علىٰ الدبر كان حق السؤال ما دون الفرجين، و إرادة الجنس هنا بعيدة عن مساق الخبر و المعنىٰ، إلّا بتكلّف لا يليق ذكره.

و لئن سلّم جميع ذلك، فما تضمنه الخبر الصحيح، عن محمد بن إسماعيل من قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان وجب الغسل» (3) يدل بمفهومه علىٰ عدم إيجاب الغسل عند عدم الالتقاء، و المفهوم حجة، و حينئذ يخص العام و يقيد المطلق بالمفهوم.

و جواب العلّامة عن الرواية المذكورة: بأن دلالة المفهوم ضعيفة (4). محل بحث، لأنه قائل بحجّية مفهوم الشرط.

فإن قلت: لعل مراده بضعف المفهوم، أن دلالة المنطوق أقوى منه، فلا يصلح للتخصيص، لا أنّ المفهوم ضعيف مطلقا.

قلت: إذا سلّم حجية المفهوم لا يتم ما ذكرت.

نعم يحتمل أن يريد بالضعف، أن مفهوم الشرط إنّما يكون حجة إذا دل علىٰ النفي عما عداه، و لمّا كان الإجماع واقعاً علىٰ وجوب الغسل بالإنزال، علم أن الشرط ليس المقصود به النفي عما عداه، و علىٰ هذا

____________

(1) نهاية ابن الأثير 3: 423.

(2) المتقدم في ص 171 172.

(3) التهذيب 1: 118/ 311، الوسائل 2: 183 أبواب الجنابة ب 6 ح 2.

(4) المختلف 1: 165.

195

يكون قوله بعد ما حكيناه عنه-: و لأنه منفي بالإجماع فإن الإنزال إذا تحقق من غير التقاء وجب الغسل. بياناً لما ذكرناه، إلّا أن الإتيان بالواو لا يلائم ذلك، و لعلّه سهو.

يقال: إن مراده بضعف دلالة المفهوم أن قول السائل في الرواية بعد ما قدّمناه منها: قلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟. لا يخلو من تسامح، لأن غيبوبة الحشفة ليس هي التقاء الختانين، بل هي سبب التقاء الختانين، و يحتمل أن يكون المراد بالتقاء الختانين الغيبوبة مطلقا، فتكون العبارة كناية عن [ذلك (1)] أو علما عليه، و حينئذ يضعف المفهوم.

و فيه: أنّ حمل (2) السبب علىٰ المسبب سائغ شائع، و حينئذ فقول السائل من هذا القبيل.

ثم ما ذكره من جهة الإجماع علىٰ الإنزال لا يضرّ بالمفهوم، إذ غايته أن يخص المفهوم العام بالإجماع، و لا بعد فيه.

فإن قلت: كما خصّ المفهوم بالإجماع، كذلك يخص بما عدا الدبر، للخبر الدال علىٰ أن مجرد الإدخال كاف، و عموم الآية حينئذ يبقىٰ من غير تخصيص.

قلت: الفرق بين تخصيص الإجماع لعموم المفهوم، و بين غيره من الخبر و الآية، لأن كلا من الخبر و الآية عام و المفهوم عام، فإبقاء الكل علىٰ العموم لا يتم، و تخصيص العام بالعام كذلك.

نعم يمكن أن يقال: إن كلًّا من الآية و الخبر و المفهوم عام من وجه،

____________

(1) في النسخ: كذلك، غيّرناها لاستقامة العبارة.

(2) في «فض»: دلّ.

196

و خاص من وجه، فيخص كل عام من الجانبين، و فيه ما لا يخفىٰ علىٰ المتأمّل في حقيقة الحال.

و من هنا يعلم ما يتوجه علىٰ الثاني، فإنّا قد ذكرنا ما يتعلق به.

و أمّا علىٰ الثالث: فبأنّ الرواية لا تصلح للاستدلال بعد تحقق الإرسال، و ما قد يتخيل من أنّ الإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير يرفع وهن الإرسال، ففيه: ما قدمناه في أول الكتاب، و كلام الشيخ هنا أيضاً في ردّها يحقق ما قدمناه، و يؤكّد ما قاله سابقاً، فلا ينبغي الغفلة عنه.

و أمّا علىٰ الرابع: فلأنّ توجيه الاستدلال بتابعية الغسل للحد، فيه: أنّ التابعية إن أُريد بها اللزوم فدفعه واضح، إذ الغسل ليس بلازم للحد؛ و إن أُريد بالتابعية مجرد اتفاق حصوله عنده فلا يتم المطلوب.

فإن قلت: لو أُريد اللزوم فلا مانع منه، سوىٰ ما يتخيل من أنّ وجوب الحدّ لو لزمه الغسل لزم أنّ كل من وجب عليه الحدّ وجب عليه الغسل، و هو باطل بالاتفاق؛ و هذا سهل الدفع، لأنّا نقول: الحدّ المتعلق بالجماع، و هو حاصل في القبل و الدبر.

قلت: إن أردت بالحد ما ذكرت لا يتم الاستدلال بالحديث، لأنّه تضمن أنّ الأنصار قالت: الماء من الماء، و المهاجرين قالوا: إذا التقى الختانان، و أين هذا من الجماع علىٰ الإطلاق؟!.

فإن قلت: وجه استدلال العلّامة من حيث إنكار علي (عليه السلام) إيجاب الحدّ دون الغسل، و لو لا الارتباط به لما كان للإنكار معنىٰ.

قلت: بل المعنىٰ حاصل من جهة أنّهم أوجبوا الحدّ في التقاء الختانين و لم يوجبوا الغسل، فالإنكار علىٰ حد خاص، فينبغي تأمّل هذا كلّه فإنّه حريّ بالتأمّل التامّ، و باللّٰه سبحانه الاعتصام.

197

[الحديث 4]

قال (رحمه الله): فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقة، عمن أخبره، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) في (1) رجل أتى (2) أهله من خلفها، قال: «هو أحد المأتيين، فيه الغسل».

فلا ينافي الأخبار الأوّلة، لأن هذا الخبر مرسل مقطوع، مع أنه خبر واحد، و ما هذا حكمه لا يعارض (3) الأخبار المسندة، علىٰ أنه يمكن أن يكون ورد مورد التقية، لأنه موافق لمذهب العامة (4)، و لأن الذمة بريئة من وجوب الغسل، فلا يعلق عليها وجوب الغسل إلّا بدليل يوجب العلم، و هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لا يوجب العلم و لا العمل، فلا يجب العمل به.

السند

ما ذكره الشيخ فيه واضح، و كذلك تأييده لما قدمناه في أول الكتاب، من أن الإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عن الرجل لا يثمر عدم الالتفات إلىٰ من بعده و إن كان ضعيفا (5).

و ما قد يقال: إن ردّ الشيخ الخبر بالإرسال ليس علىٰ الإطلاق، بل مع كونه خبر واحد، يعني غير محفوف بالقرائن، كما يظهر منه في مواضع.

____________

(1) في الاستبصار 1: 112/ 373: عن.

(2) في الاستبصار 1: 112/ 373: يأتي.

(3) في الاستبصار 1: 112/ 373 زيادة: به.

(4) في الاستبصار 1: 112/ 373: لمذاهب بعض العامة.

(5) راجع ج 1 ص 59 62.

198

ففيه: أن الإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عن الرجل لو تم ما ظنّه بعض المتأخّرين لكان من أظهر القرائن.

و احتمال أن يقال: إن مراده هنا ليس علىٰ حد قوله في غيره من الأخبار من إرادة القرائن، بل أنّه خبر واحد. فيه: أنه لا معنىٰ له كما لا يخفىٰ. و أمّا حفص بن سوقة فهو ثقة كما في النجاشي (1).

المتن:

ما ذكره الشيخ فيه من الحمل علىٰ التقية لأنه موافق لمذهب العامة، ظاهر في أن أصحابنا لا يقولون بمضمونه.

ثم قوله: إلّا بدليل يوجب العلم. يدل علىٰ انتفاء الدليل المذكور، و هذا ينافي ما نقله العلّامة في المختلف عن السيد المرتضىٰ، حيث ذهب إلىٰ وجوب الغسل، إنّه قال:

لا أعلم خلافاً بين المسلمين في أن الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو أنثىٰ يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل علىٰ الفاعل و المفعول به، و إن لم يكن معه إنزال، و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلّا ذلك، و لا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم نحواً من ستين سنة يفتي إلّا بذلك، فهذه مسألة إجماعية (2) من الكل، و إن (3) شئت أن أقول: إنّه معلوم بالضرورة من دين الرسول (صلى الله عليه و آله) أنّه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم.

____________

(1) رجال النجاشي: 135/ 348.

(2) في النسخ: إجماع، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) في المصدر: و لو.

199

إلىٰ أن قال: و اتصل بي في هذه الأيام عن بعض الشيعة الإمامية أن الوطء في الدبر لا يوجب الغسل، تعويلًا علىٰ أن الأصل عدم الوجوب، أو علىٰ خبر يذكر أنّه موجود في منتخبات سعد أو غيرها، فهذا ممّا لا يلتفت إليه، أمّا الأول: فباطل، لأن الإجماع و القرآن و هو قوله تعالىٰ «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ»* يزيل حكمه، و أمّا الخبر فلا يعتمد عليه في معارضة الإجماع و القرآن (1). انتهىٰ المراد منه.

و لمتعجب أن يتعجّب ممّا وقع بين كلامي الشيخ و المرتضىٰ، و اللّٰه سبحانه المستعان، و عليه في الأُمور كلّها التكلان.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه اتفق للعلّامة الاستدلال علىٰ وجوب الغسل بالوطء في دبر الغلام بالإجماع المركّب (2)، و المحقق في الشرائع نقله عن المرتضىٰ رضي اللّٰه عنه و ردّه بأنّه لم يثبت (3)، و المتأخّرون عن الفاضلين قد اضطربوا في قول المحقق: إنّ الإجماع لم يثبت (4). مع أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند الأكثر، فكيف بنقل السيد.

و في نظري القاصر: أن أصل ذكر الاستدلال بالإجماع المركّب لا يخلو من إجمال، فضلًا عن تحقيق الحال بالنسبة إلىٰ النقل المذكور في المقال، و قد فصّلت المقام في حواشي المختلف، غير أني أذكر هنا ما لا بدّ منه.

و الحاصل: أن الإجماع المركب حقيقته في الأُصول: إطباق أهل الحلّ و العقد علىٰ قولين لا يتجاوزونهما إلىٰ ثالث، و فائدة هذا الإجماع

____________

(1) المختلف 1: 169.

(2) المختلف 1: 167.

(3) شرائع الإسلام 1: 26.

(4) انظر المسالك 1: 50، و المدارك 1: 275.

200

عدم جواز إحداث قول ثالث، أمّا الاستدلال به علىٰ حكم من الأحكام فغير واضح، لأنّا إذا أردنا في هذه المسألة المبحوث عنها أن نقول: كما يجب الغسل بوطء المرأة في دبرها يجب بالوطء في دبر الغلام، للإجماع المركب، و هو أنّ كل من أوجب ذلك أوجب هذا، و من نفاه نفىٰ. لكان من قبيل اللغو، فكيف يصدر من مثل السيّد؟! و العلّامة قد صرّح به في المختلف، فقال من جملة الوجوه: الثالث: الإجماع المركب، فإنّ كل قائل بوجوبه في دبر المرأة قائل بوجوبه في دبر الغلام (1). و أنت خبير بأنّ هذا لا يفيد المطلوب.

و الذي يمكن أن يقال في التوجيه أنّ الأدلّة لمّا دلت علىٰ المرأة لزم القول بمقتضاها، و الاختصاص بالمرأة لا يمكن، لأنّه خرق للإجماع المركب، و ذلك لا يجوز، فلا بدّ من القول به في الغلام، و حينئذ فالاستدلال بالإجماع المركب يراد به هذا المعنىٰ لا غير، و لما تقدم من السيد نقل الإجماع علىٰ وجوب الغسل بوطء المرأة في الدبر لزمه القول بالغلام، لكن لا يخفىٰ أنّ لزوم القول ليس استدلالًا بالإجماع المركب، و كأن المراد: خوفاً من خرق الإجماع المركب.

و أنت خبير بأنّ ظاهر كلام السيّد دعوى الإجماع علىٰ الذكر و الأُنثى كما نقله العلّامة (2)، فالإجماع بسيط، و علىٰ تقدير الإجماع المركب و تمام التوجيه السابق: من أنّ الدليل لمّا دل علىٰ المرأة لزم الحكم في الغلام، لا يكون المعصوم داخلًا يقيناً، و العبرة في الإجماع بدخوله.

و في نظري القاصر أنّ قول المحقق بعد النقل عن السيد الاستدلال

____________

(1) المختلف 1: 167.

(2) المختلف 1: 166.

201

بالإجماع المركب: و لم يثبت. مراده عدم تحقق معنىٰ الإجماع المعتبر فيه العلم بدخول المعصوم، لا أن نقل السيد الإجماع لم يثبت به الحكم، و بهذا يندفع ما قاله شيخنا (قدس سره) في المدارك: من أن حجّة السيد واضحة بعد ثبوتها، لكن المحقق اعترضها بأن الإجماع لم يثبت عنده، و ردّه المتأخّرون بأن الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة و كفى بالسيد ناقلا (1).

ثم حقق شيخنا (قدس سره) أنّ توقف المحقّق ليس لعدم قبول خبر الواحد عنده، بل لاستبعاد تحقق الإجماع في مثل ذلك، لعدم العلم بدخول المعصوم.

و أنت خبير بأنّ هذا الكلام محل بحث، لأنّ العلم بدخول قول المعصوم إن كان في الإجماع غير المنقول بخبر الواحد فمسلّم و لا كلام فيه، و إن كان في المنقول بالخبر فالعلم بدخول المعصوم ليس بشرط، و إمكان علم الناقل لا مجال لإنكاره مع فرض العدالة.

نعم قد يستبعد ذلك، لا سيّما إذا خالف الناقل نفسه، أو خالفه غيره، و إن كان معلوم النسب، علىٰ أن المحقق يدعي الإجماع في المعتبر كثيراً، فكل ما يقول علىٰ السيد يقال عليه.

و الحق أن مراده ما قدّمناه، و إن كان المحقق قد يعترض علىٰ من يدعي الإجماع كما يعلم من المعتبر (2)، إلّا أنّه فارق بين الناقلين، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

باب الجنب لا يمسّ الدراهم عليها اسم اللّٰه تعالىٰ

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 275.

(2) منها ما اعترض علىٰ مدعي الإجماع بكفر ولد الزنا المعتبر 1: 98.

202

محمد بن يحيىٰ و أحمد بن إدريس جميعاً، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو (1) بن سعيد المدائني، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا يمس الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه تعالىٰ».

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين و علي بن السندي، عن صفوان بن يحيىٰ، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: سألته عن الجنب و الطامث يمسّان بأيديهما الدراهم البيض، قال: «لا بأس».

فلا ينافي الخبر الأول، لأنه لا يمتنع أن يكون إنّما أجاز له ذلك (2) إذا لم يكن عليها اسم اللّٰه تعالىٰ و إن كانت بيضاً، و في الأوّل نهىٰ عن مسّها إذا كان عليها شيء من ذلك.

السند

في الأول: موثّق بلا ريب.

و الثاني: كذلك عند المتأخرين (3)، و قد يظن أنّه صحيح، لأن إسحاق بن عمار لم يذكر النجاشي أنّه فطحي (4)، و قد قدّمنا ترجيح قول النجاشي علىٰ قول الشيخ في القدح.

____________

(1) في «فض» و «د»: عمر.

(2) أثبتناها من الاستبصار 1: 113/ 375.

(3) القائلين بأنّ إسحاق بن عمار فطحي ثقة، كابن داود في رجاله: 48/ 164.

(4) رجال النجاشي: 71/ 169.

203

المتن:

ما ذكره الشيخ من الجمع لا يخلو من وجه، و كأنّ المراد بالاسم في الخبر الأوّل ما يتناول الوصف المختص و غيره، إلّا أني لم أر الآن في كلام الأصحاب ما يكشف المراد.

و لا يخفىٰ أن ظاهر الخبر مسّ ما عليه اسم اللّٰه، و المحقق في المعتبر قال: و يحرم عليه مس اسم اللّٰه سبحانه، و لو كان علىٰ درهم أو دينار أو غيرهما، محتجّاً عليه برواية عمار، قال: و الرواية و إن كانت ضعيفة السند، لكن مضمونها مطابق لما يجب من تعظيم اللّٰه سبحانه (1).

و أنت خبير بأن إثبات التحريم بما قاله محل كلام، علىٰ أن قوله بضعف الرواية مع ما يظهر من أُصوله لا يخلو من شيء، و الجواب يعلم من كلام المحقق، (و قد أشرنا إلىٰ ذلك في غير هذا الموضع، و الجواب لا يتم تفصيله إلّا بمراجعة كلام المحقق) (2) في الأُصول (3).

باب أنّ الجنب لا يمسّ المصحف

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: كان إسماعيل بن

____________

(1) المعتبر 1: 187، 188.

(2) ما بين القوسين ليس في «د».

(3) معارج الأصول: 149.

204

أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عنده، فقال: «يا بُنَيّ اقرأ المصحف» فقال: إني لست علىٰ وضوء، فقال: «لا تمسّ الكتاب (1) و مُسّ الورق».

عنه، عن حماد بن عيسىٰ، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن قرأ في المصحف و هو علىٰ غير وضوء قال: «لا بأس و لا يمسّ الكتاب (2)».

فأمّا ما رواه علي بن الحسن بن فضال، عن جعفر بن محمد بن حكيم و جعفر بن محمد بن أبي الصباح جميعاً عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «المصحف لا تمسّه علىٰ غير طهر، و لا جنباً، و لا تمسّ خطه (3) و لا تعلّقه إن اللّٰه تعالىٰ يقول «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (4)».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الكراهية دون الحظر.

السند

في الأوّل: مرسل.

و الثاني: فيه الحسين بن المختار، و قال الشيخ: إنّه واقفي (5). و النجاشي لم يذكر ذلك و لا وثّقه (6)، و المفيد في إرشاده نقل عنه شيخنا

____________

(1) كذا في النسخ، و في الاستبصار 1: 113/ 376، 377: الكتابة.

(2) كذا في النسخ، و في الاستبصار 1: 113/ 376، 377: الكتابة.

(3) في النسخ: خيطه. و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 114/ 378.

(4) الواقعة: 79.

(5) رجال الطوسي: 346/ 3.

(6) رجال النجاشي: 54/ 123.