استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
205

أيّده اللّٰه تعالىٰ أنّه قال: من ثقات الكاظم (عليه السلام) (1). و نقل في الخلاصة: أنّ ابن عقدة نقل عن علي بن الحسن أنّه ثقة (2)، فهو مؤيّد لقول المفيد؛ و أبو بصير قد تقدم القول فيه (3).

و الثالث: فيه جعفر بن حكيم (و الظاهر أنّه ابن محمد بن حكيم) (4) و هو مذكور في أصحاب الكاظم (عليه السلام) من كتاب الشيخ مهملًا (5)، و في الكشي روىٰ ما يقتضي أنّه ليس بشيء (6)؛ و جعفر بن محمّد بن أبي الصباح لم أره في الرجال؛ و إبراهيم بن عبد الحميد وثقه الشيخ في الفهرست (7)، و في رجال الكاظم من كتابه قال: إنّه واقفي (8). و النجاشي ذكره مهملا (9).

المتن:

في الأوّل كما ترى يدل علىٰ أنّ مسّ الكتاب علىٰ غير وضوء منهي عنه، و يستفاد منه حكم الجنابة بطريق أولىٰ، و ربما تناول قوله: علىٰ غير وضوء. الجنابة، و لا يخفىٰ ما فيه، و كأنّ الشيخ استدل به للتقريب الأول.

و الخبر الثاني: نحوه في الدلالة.

____________

(1) منهج المقال: 117، و هو في الإرشاد 2: 248.

(2) خلاصة العلّامة: 215/ 1.

(3) راجع ج 1 ص 72، 83 و ج 2 ص 90 94.

(4) ما بين القوسين ليس في «فض».

(5) رجال الطوسي: 345/ 1.

(6) رجال الكشي 2: 822/ 1031.

(7) الفهرست: 7/ 12.

(8) رجال الطوسي: 344/ 26.

(9) رجال النجاشي: 20/ 27.

206

و أمّا الثالث: فما قاله الشيخ فيه: من الحمل علىٰ الكراهة. لا يخلو من إجمال، لأنه إن أراد أن مسّ الخط و التعليق مكروه أشكل بأن قوله: «المصحف لا تمسه علىٰ غير طهر» إما أن يراد به الخط، أو المجموع من الورق و الخط، فإن كان الأوّل فهو محرم عند الشيخ، و إن كان الثاني فهو مكروه عند الشيخ أيضا، إلّا أنّ ذكر الآية في الرواية يقتضي أن مفادها الكراهة، و هو خلاف المعروف بين جماعة من الأصحاب (1).

و لو أُريد بها الأعم من التحريم و الكراهة علىٰ نحو من التوجيه لصحة الاستعمال، كان أيضاً خلاف المذكور في كلام من ذكرناه.

و لو أُريد بالمصحف الخط فيكون محرّماً و الآية إنّما ذكرت لأول الكلام، كان خلاف الظاهر من الرواية، بل هو مستلزم لخلل في الرواية غير خفي.

و ما وقع في كلام جماعة من الأصحاب: أنّ الآية تدل علىٰ التحريم بظاهرها. ففيه: أنّ الآية الشريفة يتوقف الاستدلال بها علىٰ أن يكون الضمير في «يَمَسُّهُ» عائد إلىٰ القرآن، لا إلىٰ الكتاب المكنون و هو اللوح المحفوظ علىٰ ما قيل مع أنّه أقرب، و علىٰ أن الجملة الخبرية في «لٰا يَمَسُّهُ» بمعنى الإنشاء، و علىٰ أن يراد بالطهارة الشرعية، و إثبات ما ذكر مشكل (2).

و قد قال بعض المفسرين: إنّ المعنىٰ: لا يطلع علىٰ اللوح المحفوظ إلّا الملائكة المطهرون عن الأدناس الجسمانية (3).

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 187، و العلّامة في المنتهىٰ 1: 87، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 49، و صاحب المدارك 1: 279.

(2) كما في الحبل المتين: 36.

(3) منهم أبو السعود في تفسيره 8: 200.

207

و نقل عن بعض الأصحاب أنّه ادعىٰ الإجماع علىٰ التحريم (1)، و العلّامة في المختلف نقل عن الشيخ في المبسوط كراهة مسّ كتابة القرآن للمحدث (2)، و حكاه شيخنا (قدس سره) عن ابن الجنيد (3)، و لعل الإجماع إن ثبت يكون متأخّرا عنهما، لكني لا أعلم لمن هو الآن.

و العجب من العلّامة في المختلف أنّه اختار عدم الجواز مستدلًا بالآية و رواية حريز المذكورة، و رواية أبي بصير كذلك، ثم قال: و هذا الحديث و إن كان في طريقه الحسين بن المختار و هو واقفي، إلّا أنّ ابن عقدة وثّقه (4).

و أنت خبير بأنّ توثيق ابن عقدة لا يفيد شيئا، كما صرّح به في الخلاصة (5)، و علىٰ تقدير ثبوت التوثيق فالخبر موثق و العلّامة لا يعمل به كما يعلم من عادته، إلّا أنّه في المختلف كثير الاضطراب في أمثال هذه المواضع، و لا يبعد أن يكون ذكر الأحاديث مؤيّداً للآية علىٰ ما ظنه.

فإن قلت: ما وجه التصريح في الخلاصة بما ذكرت، مع أنّه قال فيها: الحسين بن المختار من أصحاب أبي الحسن موسى (عليه السلام) واقفي، و قال ابن عقدة عن علي بن الحسن أنّه كوفي ثقة، و الاعتماد عندي علىٰ الأول (6). و هذا الكلام محتمل لأن يريد أنّ التوثيق لا ينافي الوقف.

____________

(1) صرح به الشيخ في الخلاف 1: 100، و المحقق في المعتبر 1: 187، و هو ظاهر التبيان 9: 510، و صريح روض الجنان: 49.

(2) المختلف 1: 137.

(3) مدارك الأحكام 1: 279.

(4) المختلف 1: 138.

(5) انظر خلاصة العلّامة: 44 45/ 49، 50.

(6) خلاصة العلّامة: 215/ 1.

208

قلت: إذا لاحظ الناظر كلامه يرىٰ صريحاً في خلافه، و لو نوقش فالظاهر يفيد ما ذكرناه، و الأمر سهل بالنسبة إلىٰ العلّامة.

و قد نقل في المختلف خبراً عن علي بن جعفر واصفاً له بالصحة، أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يحل له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو علىٰ غير وضوء؟ قال: «لا» قال العلّامة: و الظاهر أنّه نفىٰ الحل مع المباشرة للكتابة (1). و هذا الخبر رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن جعفر، و الطريق إليه صحيح (2)، إلّا أن ظاهره عدم حل الكتابة، و لمّا كان القول به غير معلوم، و الأخبار و الآية الشريفة بتقدير الدلالة لا تساعدان عليه، فالحمل علىٰ الكراهة ممكن.

و ما قاله العلّامة (رحمه الله) بعيد، و ما قاله بعض محققي المتأخّرين: من أنّه لم يقف في هذا الباب علىٰ حديث تركن النفس (3) إلىٰ سنده (4). غريب.

إذا عرفت هذا: فاعلم أنّ بعض الأصحاب ذكر أنّ المراد بالمسّ: الملاقاة بجزء من البشرة، و في الظفر و الشعر وجهان، و ذكر أيضاً أنّ المراد بكتابة القرآن صور الحروف، و منه التشديد و المدّ، لا الإعراب، و يعرف كون المكتوب قرآناً بكونه لا يحتمل إلّا ذلك، و بالنيّة، فإذا انتفىٰ الأمران فلا تحريم (5). و للمناقشة في المقام مجال، إلّا أن الاحتياط مطلوب.

____________

(1) المختلف 1: 139 بتفاوت يسير.

(2) التهذيب 1: 127/ 345، الوسائل 1: 384 أبواب الوضوء ب 12 ح 4.

(3) ليست في «رض».

(4) الحبل المتين: 36.

(5) مدارك الأحكام 1: 279 بتفاوت يسير.

209

اللغة:

قال في النهاية: مسست الشيء أمسّه إذا لمسته بيدك (1).

باب الجنب و الحائض يقرءان القرآن

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن، قال: «نعم يأكل و يشرب (و يقرأ و يذكر اللّٰه تعالىٰ) (2) ما شاء».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا بأس أن تتلو الحائض و الجنب القرآن».

أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته أ تقرأ النفساء و الحائض و الجنب و الرجل يتغوط، القرآن؟ قال (3): «يقرءون ما شاؤوا».

____________

(1) النهاية لابن الأثير 4: 329 (مس).

(2) في الاستبصار 1: 114/ 379: و يقرأ القرآن و يذكر اللّٰه عز و جل.

(3) في الاستبصار 1: 114/ 381: فقال.

210

سعد بن عبد اللّٰه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن النضر بن شعيب، عن عبد الغفار الجازي (1)، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال، قال: «الحائض تقرأ ما شاءت من القرآن».

السند

في الأوّل: موثق.

و في الثاني: لا ريب فيه كما تقدم.

و كذلك الثالث.

و الرابع: فيه النضر بن شعيب و هو غير مذكور في الرجال علىٰ ما رأيت، و عبد الغفار الجازيّ كما في هذه النسخة التي نقلت منها ثقة في النجاشي، إلّا أن فيه ابن حبيب الطائي الجازيّ (2).

و في الفهرست عبد الغفار الجازيّ (3). و في من لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) من كتاب الشيخ عبد الغفار الجازي (4)، و في رجال الصادق (عليه السلام) عبد الغفار ابن حبيب الحارثي (5)، و ذكر ابن داود أنّه رأى ذلك بخط الشيخ (رحمه الله) (6).

و أنت خبير بأنّ ذكر الشيخ للرجل في من لم يرو لا يخلو من غرابة، و لم ينبه علىٰ ذلك شيخنا أيّده اللّٰه في كتاب الرجال (7)، فربما يتخيل

____________

(1) في الاستبصار 1: 114/ 382: الحارثي.

(2) رجال النجاشي: 247/ 650.

(3) الفهرست: 122/ 544.

(4) رجال الطوسي: 488/ 71 و فيه: الجابرزي.

(5) رجال الطوسي: 237/ 228 و فيه: الجازي، و في الحاشية: في بعض النسخ: الحارثي.

(6) رجال ابن داود: 130/ 964.

(7) منهج المقال: 196.

211

التعدد، إلّا أنّ الاعتماد علىٰ ذلك من كلام الشيخ مشكل، و النجاشي صرح بأنّ الراوي عن عبد الغفار بن حبيب، النضر بن شعيب (1)، و الأمر و إن كان في الرواية سهل، إلّا أنّ القول فيه يظهر فائدته في غيرها.

و في فوائد شيخنا أيّده اللّٰه علىٰ الكتاب ما هذه صورته: قوله: عن عبد الغفار الحارثي، بعض الأصحاب جعله الجازي، و لم نره في شيء من نسخ الكتاب، و الظاهر أنّه بمعونة ما في الخلاصة هو الأظهر، ثم قال: إن الجازي هو الذي في كتاب الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام). انتهىٰ. و لا يخفىٰ عليك الحال.

أمّا ما تخيّله بعض من أنّ النضر بن شعيب هو النضر بن سويد الثقة (2)، فلا أعلم وجهه.

المتن:

في الأخبار المذكورة ظاهر الدلالة علىٰ جواز القراءة للمذكورين، قيل: و هو مذهب الأكثر، و نقل عليه المرتضىٰ في الانتصار، و الشيخ في الخلاف، و المحقق في المعتبر الإجماع، و حكىٰ الشهيد في الذكرى عن سلّار في كتاب الأبواب تحريم القراءة مطلقا، و عن ابن البراج تحريم قراءة ما زاد علىٰ سبع آيات (3).

و في المختلف: الظاهر من كلام الشيخ في كتابي الأخبار التحريم (4).

____________

(1) رجال النجاشي: 247/ 650.

(2) مجمع الرجال للقُهپائي 6: 180.

(3) مدارك الأحكام 1: 284.

(4) المختلف 1: 172.

212

و سيأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ في بيان كلام الشيخ ما يوضح المرام.

[الحديث 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة قال: سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ فقال: «ما بينه و بين سبع آيات» و في رواية زرعة عن سماعة قال: «سبعين آية».

فلا ينافي هذا الخبر الأخبار الأوّلة من وجهين، أحدهما: أن نخصص الأخبار الأوّلة بهذا الخبر، فنقول: إنّ قولهم (عليهم السلام): «لا بأس بأن يقرأ ما شاء» من أيّ موضع شاء ما بينه و بين سبع آيات، أو سبعين آية، و الثاني: أن نحمل هذا الخبر علىٰ ضرب من الاستحباب دون الحظر و الإيجاب، و الأخبار الأوّلة نحملها علىٰ الجواز.

السند

قد كررنا القول في مثله بالنسبة إلىٰ عثمان بن عيسىٰ (1)، و زرعة لا طريق في المشيخة إليه، و الذي في الفهرست الطريق إلىٰ كتابه (2)، و كون الرواية من الكتاب غير معلومة.

المتن:

في الظن أنّه واحد، و إنّما اختلفت رواته، كما يعلم من قول الشيخ: و الثاني أن نحمل هذا الخبر. و إرادة الجنس بعيدة، مضافاً إلىٰ أنّ احتمال

____________

(1) راجع ج 1 ص 70 72.

(2) الفهرست: 75/ 303.

213

رواية سماعة للسبعة و السبعين معاً يأباه التأمّل في المساق، و من هنا يظهر أنّ ما في كلام جماعة من أصحاب الفروع: من أنّ المكروه قراءة ما زاد علىٰ سبع آيات أو (1) سبعين آية (2). لا يخلو من إجمال، إذ احتمال التخيير ممكن، و كذلك احتمال الترديد نظراً إلىٰ اختلاف الرواية من الرواة كما يعلم من هنا.

و العجب أنّ الشيخ (رحمه الله) كلامه هنا لا يكاد يشتبه علىٰ متأمّله أنّ مراده بقوله: ما بين سبع آيات أو سبعين آية في مقام التوجيه التردد في الرواية، و المتأخّرين الذين يظهر منهم اتباعه غالباً لم يتوجّهوا إلىٰ تحقيق الحال، حتى أن المحقق (رحمه الله) قال: ما زاد علىٰ سبع آيات مكروه و يتأكّد الكراهية فيما زاد علىٰ السبعين (3). و هذا كما ترى يقتضي أنّ السبعة و السبعين معاً واقعة، مع احتمال أن يقال: إنّ الواقع أحدهما من الإمام، و الاختلاف من الرواة.

نعم قد يحتمل أن يقال: لا منافاة بين السبعة و السبعين إذا نظرنا إلىٰ ما قاله المحقّق من أصل الكراهة في ما زاد علىٰ السبعة و تأكّدها في ما بعد السبعين، إلّا أنّ الترجيح لا بد من بيان الوجه فيه.

و الحال أنّ ظاهر كلام الشيخ التردد من جهة اختلاف الرواة، لأنه قال في الوجه كما ترى: أن نخص الأخبار الأوّلة بهذا الخبر. و هذا يعطي أن تخصيص الأخبار الأوّلة بهذا الخبر كاف في الجمع، و غير خفي أنّ الخبر لو تعدّد لاحتاج الجمع إلىٰ زيادة لا بد منها، و هي أن تخص الأخبار الأوّلة بما

____________

(1) في «رض»: و.

(2) منهم العلّامة في المختلف 1: 171، و الشهيد في المسالك 1: 52.

(3) شرائع الإسلام 1: 27.

214

بينه و بين سبع، و ما زاد مكروه إلىٰ السبعين، فما زاد أشد كراهة، و كلام الشيخ لا يدل عليه، فليتأملّ.

و أمّا الوجه الثاني: من كلام الشيخ فهو في حيّز الإجمال، إذ يحتمل أن يريد بقوله: أن نحمل هذا الخبر علىٰ الاستحباب، أنّه يستحب الاقتصار علىٰ السبعة أو السبعين، لا أنّه يجب الاقتصار و يحرم الزائد، و لا يخفىٰ أنّه يتوجه عليه كون الاستحباب لقراءة القرآن لا ريب فيه، و الإيجاب غير ظاهر الوجه.

إلّا أن يقال: إنّ الزائد عن السبع إذا حرم وجب الاقتصار علىٰ السبع، و هو الاحتمال الثاني من كلامه، إلّا أن قوله: دون الحظر، لا يلائم ذلك، إلّا بأن يقال: إنّ المراد دون الحظر في الزائد، و الإيجاب فيما دون ذلك. و غير خفي أنّ الاستحباب لا يوافق هذا المعنىٰ، لأنّ السبعة إذا كانت مستحبة فالزائد عنها ليس بمستحب، و الحال أنّ السبعين مستحبة أيضا، كما هو مفاد الرواية علىٰ ما فهمه المتأخرون (1).

و لو أُريد أنّ السبعة و السبعين مستحبة لم يتم قوله: دون الحظر و الإيجاب. لأنّ أخبار الجواز و خبر المنع تطابقا علىٰ جواز السبع و السبعين، و إرادة عدم إيجاب الاقتصار عليهما و تحريم ما زاد عليهما لا يلائمه قوله: و الأخبار الأولة علىٰ الجواز. كما لا يخفىٰ.

و لو أراد أنّ الأخبار الأوّلة نحملها علىٰ الجواز و هذا الخبر علىٰ الاستحباب دون الحظر و الإيجاب في الزائد و ما تضمنه الخبر من السبعة أو السبعين أشكل بأنّ الجواز إن أُريد به فيما زاد علىٰ أن يكون المراد به الإباحة لم يتم ذلك، لأنّ وصف القراءة به لا وجه له.

____________

(1) منهم العلّامة في المختلف 1: 173.

215

و إن أُريد بالجواز جواز قراءة الزائد و يستحب الاقتصار علىٰ السبع أو السبعين أشكل بما تقدم أيضاً، من عدم وجه الإباحة.

و لو أُريد بالجواز الاستحباب، لكنه أقل ثواباً من السبعة أو السبعين أمكن، كما هو مفاد كلام المحقق (1)، إلّا أنّ الشيخ أطلق الاستحباب في الخبر.

و الذي ينبغي: التفصيل بأنّ السبعة مستحبة، و ما زاد عنها مستحب أقل ثواباً، و الزائد عن السبعين مستحب لكن أقل ثوابا من الزائد علىٰ السبعة، و استفادة هذا من كلام الشيخ في غاية العسر.

و لعل في قوله: علىٰ ضرب من الاستحباب. إشارة إلىٰ ما قلناه في الجملة.

و من هنا يعلم أنّ ما قاله العلّامة في المختلف بعد ذكر رواية زرعة و الطعن في سندها: إنّه (عليه السلام) أمر الجنب بقراءة القرآن، و هو يدل علىٰ أقل مراتبه و هو الاستحباب، ثم قال: ما بينه و بين سبع آيات علىٰ معنىٰ خروج ما بعد ذلك عن الاستحباب بل يبقىٰ إمّا مباحاً أو مكروها (2). محل نظر لا يخفىٰ علىٰ المتدبر فيه، فينبغي النظر في المقام بعين العناية، فإنّه في الإجمال قد بلغ الغاية.

[الحديث 6 و 7]

قال: فأمّا العزائم التي فيها السجدة فلا يجوز لهما أن يقرءا علىٰ حال، يدل علىٰ ذلك

____________

(1) المعتبر 1: 190، و الشرائع 1: 27.

(2) المختلف 1: 172.

216

ما أخبرني (1) به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضّال، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عيسىٰ، عن حريز، عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الحائض و الجنب يقرءان شيئاً؟ قال: «نعم ما شاءا إلّا السجدة و يذكران اللّٰه علىٰ كل حال».

فأمّا ما رواه علي بن الحسن بن فضال (2)، عن عمرو بن عثمان، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن الطامث تسمع السجدة قال: «إن كانت من العزائم تسجد إذا سمعتها».

فلا ينافي الخبر الأول، لأنّه ليس فيه أنّه يجوز لها أن تقرأ العزائم، و إنّما قال: إذا سمعت العزائم تسجد، و ذلك أيضاً محمول علىٰ الاستحباب لأنّها علىٰ حال لا يجوز لها معها السجود.

السند

في الخبرين قد تكرّر القول فيه بما يغني عن الإعادة.

المتن:

في الأول: ادعىٰ الشيخ و من تأخّر عنه دلالتها علىٰ تحريم قراءة سورة السجدة كلها، علىٰ ما حكاه شيخنا (قدس سره) في فوائد الكتاب، ثم قال: إنّها إنّما تدل علىٰ قراءة لفظ السجدة أعني ما يوجب السجود، و هو

____________

(1) في الاستبصار 1: 115/ 384: ما أخبرنا.

(2) في الاستبصار 1: 115/ 385 لا يوجد: بن فضال.

217

المنقول عن المرتضىٰ رضى الله عنه.

و قد يقال: إنّ قوله: «إلّا السجدة» يدل علىٰ إرادة سورة السجدة أو آية السجدة، لأنّ نفس السجدة لمّا تعذر إرادتها حقيقة يراد سورتها أو آيتها، فما قاله (قدس سره)-: من أن المراد لفظ السجدة. محل كلام.

فإن قلت: كما قدّرت السورة و الآية، له أن يقدّر لفظة السجدة.

قلت: هذا لا ينفع في إثبات المطلوب، بل هو احتمال بتقدير تماميته يزيد الإشكال في دعوى أنّها إنّما تدل علىٰ ما ذكره (قدس سره) اللهم إلّا أنّ يقال: إن المتبادر من السجدة اللفظ الدال عليها، و فيه ما فيه، و يمكن أن يقال: إن ثبوت التحريم يتوقف علىٰ الدلالة، و مع الإجمال يشكل الحكم بتحريم السورة و الآية، للاقتصار علىٰ المتيقن و هو اللفظ، و ما عداه مشكوك فيه.

فإن قلت: ينبغي عدم التحريم أصلًا، للإجمال من حيث إنّ العلم بالأحكام لا بد منه، و الفرض عدمه، و احتمال إرادة اللفظ مساوٍ لغيره.

قلت: باب القول واسع، إلّا أنّ التسديد بالتبادر قريب، و ما قاله شيخنا (قدس سره)-: من أن المعروف من مذهب الأصحاب تحريم قراءة السور و أبعاضها (1). يقتضي عدم الخروج عنهم.

و في المعتبر قال المحقق بعد ذكر نحو ذلك: و رواه البزنطي في جامعه عن المثنّىٰ، عن الحسن الصيقل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2).

و ينقل دعوى الإجماع عن بعض الأصحاب في تحريم السورة بأجمعها (3).

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 278.

(2) المعتبر 1: 187.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 1: 134، و المدارك 1: 278 و الحبل المتين: 45.

218

و أمّا الخبر الثاني: فلا منافاة فيه للأول، لأنّه يجوز أن يكون قراءة السجدة محرمة علىٰ الحائض، و إذا سمعت يجب عليها السجود، كما قاله الشيخ (رحمه الله) إلّا أن قوله: و ذلك (1) أيضا محمول علىٰ الاستحباب، إلىٰ آخره محل كلام، لأنّ كونها علىٰ حال لا يجوز لها السجود ينافي الاستحباب.

و الجواب أنّ مراده علىٰ حال لا يجب عليها السجود، و العبارة غير وافية بالمراد، و من عجيب ما وقع للشيخ في التهذيب، أنّه قال في كتاب الطهارة بعد قول المفيد: إلّا أربع سور-: لأن في هذه السور سجوداً واجباً و لا يجوز السجود إلّا لطاهر من النجاسات بلا خلاف (2)، و في كتاب الصلاة ذكر ما يدل علىٰ الاستحباب (3)، كما هنا.

و سيأتي إنشاء اللّٰه في كتاب الصلاة من هذا الباب رواية عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال: «تقرأ و لا تسجد» و الشيخ حمل هذه الرواية علىٰ جواز الترك، و رواية قبلها دالة علىٰ السجود حملها علىٰ الاستحباب (4).

و فيه نظر: لأنّ جواز الترك إن أُريد به الإباحة فإشكاله واضح، و إن أُريد غيرها فلا ينافي الاستحباب، بل هو الاستحباب.

و في المختلف حمل الرواية المذكورة أخيراً علىٰ أنّ المراد لا تقرأ

____________

(1) في «رض»: بعد نحو ذلك.

(2) التهذيب 1: 129.

(3) التهذيب 2: 291، 292.

(4) راجع الاستبصار 1: 320 باب أنّ الحائض تسمع سجدة العزائم.

219

العزيمة التي تسجد فيها، و إطلاق (المسبّب علىٰ السبب) (1) مجازاً جائز (2). و له وجه.

و في كلام بعض محققي المتأخّرين سلّمه اللّٰه أنّه يجوز أن يكون الرواية علىٰ سبيل الإنكار، أي كيف تقرأ و لا تسجد؟! (3).

و في نظري القاصر أنّ هذا لا يتم، لأنّ السؤال عن الأمرين كما هو صريح الرواية، و الإنكار إنّما يتم علىٰ تقدير أن يكون السائل عالماً بجواز القراءة، و إنّما يسأل عن السجود كما لا يخفىٰ.

و للعلّامة (رحمه الله) كلام في المسألة يأتي ما فيه إنشاء اللّٰه تعالىٰ.

باب الجنب يدهن و يختضب و كذلك الحائض

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن أبي سعيد قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام)، أ يختضب الرجل و هو جنب؟ قال: «لا» قلت: فيجنب و هو مختضب؟ قال: «لا» ثمّ مكث قليلا ثم قال: «يا أبا سعيد أ فلا أدلّك علىٰ شيء تفعله؟» قلت: بلىٰ، قال: «إذا اختضبت بالحِنّاء و أخذ الحِنّاء مأخذه و بلغ فحينئذ فجامع».

و بهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد، عن عبد اللّٰه بن بحر، عن

____________

(1) في النسخ: السبب علىٰ المسبب، و ما أثبتناه من المصدر.

(2) المختلف 1: 185.

(3) الشيخ البهائي في مشرق الشمسين: 265.

220

كردين المسمعي، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «لا يختضب الرجل و هو جنب، و لا يغتسل و هو مختضب».

و أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد (1) بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب الأحمر، عن عامر بن جذاعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لا تختضب الحائض و لا الجنب، و لا تجنب و عليها الخضاب، و لا يجنب هو و عليه الخضاب، و لا يختضب و هو جنب».

السند

في الأول: فيه القاسم بن محمد، و هو الجوهري، لأن الراوي عنه الحسين بن سعيد في النجاشي (2) و كتاب الشيخ (3)، و هو واقفي، و قد تقدم فيه القول أيضاً (4)، و ما قاله ابن داود: من أنّه ثقة (5). لا أعلم وجهه.

و أبو سعيد لا يبعد أن يكون المكاري، و هو واقفي أيضاً و في النجاشي: أن الراوي عنه القاسم بن إسماعيل (6)، فقد يتخيل أن القاسم بن محمد موهوم، سيّما و القاسم بن إسماعيل يكنى أبا محمد، و كان الأصل المأخوذ منه القاسم أبي محمد، إلّا أن الأمر هنا سهل، مضافاً إلىٰ احتمال أبي سعيد غير من ذكرناه، و أيضاً فإن القاسم بن إسماعيل يروي عنه

____________

(1) كذا في النسخ و التهذيب 1: 181/ 520، و في الاستبصار 1: 116/ 388: أحمد.

(2) رجال النجاشي: 315/ 862.

(3) الفهرست: 127، رجال الطوسي: 490.

(4) راجع ج 1 ص 173، 270 271.

(5) رجال ابن داود: 154/ 1219.

(6) رجال النجاشي: 436/ 1169.

221

حميد، و هو بعيد عن مرتبة الحسين بن سعيد.

و الثاني: فيه عبد اللّٰه بن بحر، و هو ضعيف مرتفع القول، علىٰ ما قاله العلّامة (1)، و نقله ابن داود عن كتاب الشيخ فيمن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) (2).

و فيه أيضاً: كردويه المسمعي و قد تقدم القول فيه في أول الكتاب (3).

و الثالث: فيه غير من تقدم ذكره مراراً عامر بن جذاعة، و في الفهرست ذكره الشيخ مهملا (4)، و الكشي ذكر في حجر بن زائدة رواية أن عامر بن جذاعة من حواريّ محمد بن علي و جعفر بن محمد (5)، و نقل رواية أُخرى تتضمن القدح (6).

و العلّامة في الخلاصة نقل روايتي الكشي في عامر بن عبد اللّٰه بن جذاعة، و كأنّه ظن الاتحاد مع عامر بن جذاعة، و هو غير بعيد (7)، لأن النجاشي ذكر عامر بن عبد اللّٰه بن جذاعة (8) فقط، و الشيخ ذكر الاثنين، فالأول: في الفهرست (9)، و الثاني: في كتاب الرجال من أصحاب الصادق (عليه السلام) (10)، و الاعتماد علىٰ الشيخ واضح الإشكال، فما ذكره ابن داود

____________

(1) خلاصة العلّامة: 238/ 34.

(2) رجال ابن داود: 253/ 264.

(3) راجع ج 1 ص 267، 297.

(4) الفهرست: 122/ 545.

(5) رجال الكشي 1: 45، ذكرها في سلمان الفارسي، لا في حجر بن زائدة و الموجود فيها: عامر بن عبد اللّٰه بن جداعة.

(6) رجال الكشي 2: 708/ 764.

(7) خلاصة العلّامة: 124/ 1.

(8) رجال النجاشي: 293/ 794.

(9) الفهرست: 122/ 545.

(10) رجال الطوسي: 255/ 516.

222

من التعدد (1) غير واضح.

ثم: إنّ رواية الكشي المتضمنة لأنّ عامر بن جذاعة من الحواريين اعتمد عليها العلّامة، فقال في الخلاصة بعد ذكر الرواية: و روى يعني الكشي حديثاً مرسلًا ينافي ذلك، و التعديل أرجح (2).

و اعترض عليه جدّي (قدس سره) في فوائده علىٰ الخلاصة: بأنّ في حديث المدح علي بن سليمان، و أسباط بن سالم، و هما مجهولا العدالة، و حديث الجرح [المتضمن (3)] دعاء الصادق (عليه السلام) عليه بعدم المغفرة مرسلة الحسين بن سعيد، و هو لا يقصر عن مقامة التعديل، إن لم يرجح عليه، و بالجملة فحال الرجل مجهول، لعدم صحة الخبرين (4). انتهىٰ كلامه (قدس سره).

و الأمر كما قاله في جهالة العدالة، أمّا قوله: إنّ رواية الحسين بن سعيد لا تقصر عن مقاومة التعديل. فلا وجه له، كما لا يخفىٰ علىٰ المتأمّل.

ثم إنّ راوي حديث الذمّ علي بن محمد الراوي عنه الكشي (5)، و هو مشترك (6)، و كأنّ جدي (قدس سره) اعتمد علىٰ كونه الثقة، و هو أعلم بالحال.

المتن:

في الأول: ظاهر الدلالة علىٰ أنّ الحنّاء إذا أخذ مأخذه لا كراهة في

____________

(1) رجال ابن داود: 113/ 804، 251/ 247.

(2) خلاصة العلّامة: 124/ 1.

(3) في النسخ: تضمّن، غيّرناها لاستقامة العبارة.

(4) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 21 (مخطوط).

(5) رجال الكشي 2: 708/ 764.

(6) هداية المحدثين: 218.

223

المجامعة حينئذ، إذا كان النهي للكراهة بدون ذلك، إذ القائل بالتحريم غير منقول فيما وقفت عليه، بل الشيخ قائل هنا بالكراهة، علىٰ تقدير أن يكون ما يذكره هنا قولا، و قد نقل عنه أنّه قال بالكراهة أيضا في غير الكتاب (1)، و كذلك المفيد (2)، و المرتضىٰ (3).

و أمّا ابن بابويه: فإنّه قال: لا بأس أن يختضب الجنب و يجنب و هو مختضب (4). و لا يبعد أن يكون مراده ما تضمن الخبر، غير أنّ الخبر كما ترى خاص بالحنّاء في التعليل، فلا يبعد أن يكون صدره مراداً به الحنّاء، إلّا أنّ المصرح به في كلام بعض المتأخّرين أنّ الخضاب ما يتلوّن به من حنّاءٍ و غيره (5)، و سيأتي كلام بعض أهل اللغة، و علىٰ تقدير الشمول في الخضاب يحتمل أن يخص زوال الكراهة في الحنّاء بما ذكر في الخبر، و يبقى غير الحنّاء علىٰ الإطلاق.

و الخبر الثاني: يحتمل أن يخص كما خص الأول، أو يخص بغير الحنّاء و يبقى النهي فيه علىٰ إطلاقه، و كذلك الثالث.

و لا يخفىٰ أنّ الأوّل فيه اختصاص أيضاً بالجنب، و من هنا يعلم ما في إطلاق الشيخ الكراهة من التأمّل، و سيأتي الكلام فيه أيضاً.

و قد تقدم النقل عن المفيد أنّه علّل الكراهة بمنع وصول الماء إلىٰ ظاهر الجوارح التي عليها الخضاب (6)، و كذلك تقدم قول المعتبر: من أن المفيد كأنّه ناظر إلىٰ أنّ اللون عرض لا ينتقل، فيلزم حصول أجزاء من

____________

(1) نقله عنهم في المنتهىٰ 1: 89، و هو في المبسوط 1: 29، و المقنعة: 58.

(2) نقله عنهم في المنتهىٰ 1: 89، و هو في المبسوط 1: 29، و المقنعة: 58.

(3) نقله عنهم في المنتهىٰ 1: 89، و هو في المبسوط 1: 29، و المقنعة: 58.

(4) الفقيه 1: 48.

(5) جامع المقاصد 1: 268، مدارك الأحكام 1: 288.

(6) المقنعة: 58.

224

الخضاب في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها، لكنها حقيقة لا تمنع الماء منعا تامّاً فكرهت لذلك (1).

اللغة:

قال في القاموس: خَضَبَه يَخْضِبُه: لَوّنَه: كخضّبه، وَ كف و امرأةٌ خضيب، و بَنانٌ مخضوبٌ و خضيب و مخضّب (2)، و يستفاد منه أن الخضاب يتناول الشعر و غيره، و الحنّاء و غيرها، إلّا أن يقال: إن الخضاب مع الإطلاق لا يتناول غير الشعر، و فيه ما فيه، فليتأمّل.

[الحديث 4 و 5 و 6 و 7 و 8]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبي المغراء، عن سماعة (3) قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الجنب و الحائض أ يختضبان؟ قال: «لا بأس».

عنه، عن فضالة، عن أبي المغراء (4)، عن العبد الصالح (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يختضب و هو جنب؟ قال: «لا بأس» و عن المرأة تختضب و هي حائض؟ قال: «ليس به بأس».

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا بأس بأن يختضب الرجل و يجنب و هو مختضب، و لا بأس بأن يتنوّر الجنب و يحتجم و يذبح، و لا يدهن

____________

(1) المعتبر 1: 192.

(2) القاموس المحيط 1: 64 (خضب).

(3) في الاستبصار 1: 116/ 389، 390: عن علي، زيادة من «ج».

(4) في الاستبصار 1: 116/ 389، 390: عن علي، زيادة من «ج».

225

و لا يذوق شيئاً حتى يغسل يده و يتمضمض، فإنّ يخاف منه الوَضَح».

فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار: أن نحمل الأوّلة علىٰ ضرب من الكراهية دون الحظر، لئلّا يتناقض الأخبار، و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد ابن الحسن بن علّان، عن جعفر (بن محمد) (1) بن يونس، أن أباه كتب إلىٰ أبي الحسن (عليه السلام) يسأله (2) عن الجنب، يختضب أو يجنب و هو مختضب، فكتب: «لا أحب له».

فجاء هذا الخبر صريحاً بالكراهية دون الحظر.

الحسين بن سعيد، عن عبد اللّٰه بن بحر، عن حريز، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، الجنب يدهن ثم يغتسل قال: «لا».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية، حسب ما ذكرناه في رواية السكوني.

السند

في الأول: موثّق علىٰ ما قدّمناه، و أبو المغراء اسمه حميد ابن المثنىٰ.

و في الثاني: صحيح كذلك.

و الثالث: معلوم الحال.

و الرابع: فيه محمد بن الحسن بن علّان، و لم أره في الرجال، و أمّا

____________

(1) ليس في «رض» و الاستبصار 1: 117/ 392.

(2) في الاستبصار 1: 117/ 392 لا يوجد: يسأله.

226

جعفر بن محمد بن يونس فالشيخ وثّقه في رجال الجواد (عليه السلام) (1)، و في رجال الهادي (عليه السلام) ذكره مهملًا (2).

و ما في الخلاصة: من أنّه من رجال الرضا (عليه السلام) (3). لم أقف عليه في كتاب الشيخ، و الرواية عن أبي الحسن لا تدل عليه، لأنّ الأب هو الكاتب، نعم الظاهر أنّ جهالة الأب لا تضر بالحال.

و الخامس: فيه عبد اللّٰه بن بحر، و قد تقدم ضعفه.

المتن:

ما قاله الشيخ في الأوّل و الثاني من حمل الأخبار الأولة علىٰ الكراهة قد يتوجه عليه أنّ الخبر الذي في صدر الباب مفصّل فليحمل المجمل عليه، كما أشرنا إليه سابقا، و الجواب أنّ الإجمال في الخبر المذكور بالنسبة إلىٰ أنّه لا بد من زيادة تقييد يوجب نوع إشكال، و الكراهة المذكورة في كلام الشيخ و إن كانت لا تخلو من تأمّل أيضاً، فإن ظاهرها ثبوت الكراهة و إن أخذت الحنّاء مأخذها (و إشكالها واضح، و حملها علىٰ اختلاف المراتب شدةً و ضعفاً ممكن، لولا أنّ ظاهر الخبر انتفاء الكراهة إذا أخذت الحنّاء مأخذها) (4) و لعلّ الشيخ ملتفت إلىٰ هذا في الكراهة إلّا أنّ عدم تعرضه لما قلناه لا وجه له.

ثم إنّ خبر السكوني يحتمل التعليل بخوف الوَضَح أن يعود بجميع

____________

(1) رجال الطوسي: 399/ 1.

(2) رجال الطوسي: 412/ 6.

(3) خلاصة العلّامة: 31/ 3.

(4) ما بين القوسين ليس في «د».

227

ما ذكر في الخبر، و يحتمل الاختصاص، بقوله: «و لا يذوق شيئاً» و يحتمل العود إلىٰ قوله: «و لا يدّهن» أيضاً.

و ما قاله الشيخ في خبر حريز: من الحمل علىٰ الكراهة لمعارضة خبر السكوني. فيه أنّ النهي عن الادّهان في الخبرين، و المعارض حينئذ (1) منتف، و لعلّ مراده أنّ بعض المذكور في الخبر إذا كان مكروها كان جميعه (2) كذلك، و فيه ما فيه، إلّا أنّ الأمر سهل.

إذا عرفت هذا: فاعلم أنّ شيخنا (قدس سره) قال: إنّ ابن بابويه روىٰ في الفقيه في الحسن، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنّه قال: «لا بأس بأن يختضب الرجل و هو جنب» قال: و هذه الرواية أجود ما وصل إلينا في هذه المسألة (3). انتهىٰ.

و الذي رأيته في الفقيه أنّه قال: قال الحلبي: و حدثني من سمعه يقول: «إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله» ثم ذكر أحكاماً كثيرة، مثل من أجنب في يوم و ليلة مراراً أجزأه غسل واحد، و أنّه لا بأس أن يقرأ الرجل القرآن، و غير ذلك، و قال في الآخر: و لا بأس أن يختضب الجنب إلىٰ آخره (4). و الذي يظهر أنّه ليس من الرواية و يؤيّده: أن الشيخ روىٰ خبر الحلبي في الارتماس فقط، و قول شيخنا (قدس سره) إنّ الرواية أجود ما وصل إليه. فيه، أن الرواية حسنة، و رواية أبي المغراء عن العبد الصالح (عليه السلام) هنا صحيحة، فالاعتماد عليها أولىٰ.

____________

(1) ليست في «رض».

(2) في «فض»: جمعه.

(3) مدارك الأحكام 1: 289.

(4) الفقيه 1: 48/ 191، الوسائل 2: 233 أبواب الجنابة ب 26 ح 15.

228

اللغة:

قال في القاموس: الوَضَح محرّكة: البرص (1). و في النهاية كذلك في جملة معاني الوَضَح (2).

باب الجنب هل عليه مضمضة و استنشاق أم لا؟

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّٰه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا يجنب الأنف و الفم، لأنّهما سائلان».

عنه، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ليس عليك مضمضة و لا استنشاق، لأنّهما من الجوف».

عنه، عن أبي يحيىٰ الواسطي، عن بعض أصحابه، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الجنب يتمضمض و يستنشق؟ قال: «لا، إنّما يجنب الظاهر».

أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن راشد، قال: قال الفقيه العسكري (عليه السلام): «ليس في الغسل و لا في الوضوء مضمضة و لا استنشاق».

____________

(1) القاموس المحيط 1: 264 (الوضح).

(2) النهاية لابن الأثير 5: 195 (وضح).

229

السند:

في الأول: فيه موسى بن سعدان، و هو ضعيف في الحديث، كما في النجاشي (1).

و الثاني: فيه أبو بكر الحضرمي، و قد تقدم القول فيه (2).

و الثالث: فيه مع الإرسال أبو يحيىٰ الواسطي و ليس بثقة، و لا يبعد أن يكون هو سهيل بن زياد، إلّا أنّ الشيخ في الفهرست ذكر في الكنىٰ أبا يحيىٰ الواسطي و لم يذكر الاسم (3)، غير أنّ الراوي عنه في الاسم و الكنية أحمد بن أبي عبد اللّٰه، فالاتحاد قريب، و إن كان في كتاب الرجال ذكر أبا يحيىٰ الواسطي فيمن لم يرو عن الأئمّة (عليهم السلام) و الراوي عنه محمد بن أحمد ابن يحيىٰ (4)، إذ لا مانع من ذلك، بل في كتاب الرجال اتفق أنّه ذكر سهيل ابن زياد روىٰ عنه البرقي (5)، و في الكنىٰ قال: إنّ الراوي عن أبي يحيىٰ، محمد بن أحمد بن يحيىٰ (6)، و أمثال هذا من الشيخ كثير.

و الرابع: فيه الحسن بن راشد و قد ضعف في الرجال (7)، و محمد بن عيسىٰ قد قدمنا فيه قولا (8).

____________

(1) رجال النجاشي: 404/ 1072.

(2) في ص 84 86.

(3) الفهرست: 186/ 824.

(4) رجال الطوسي: 521/ 30.

(5) رجال الطوسي: 476/ 10.

(6) رجال الطوسي: 521/ 30.

(7) رجال النجاشي: 38/ 76، و خلاصة العلّامة: 213/ 9.

(8) راجع ج 1 ص 75 82.

230

ثم إنّ ضمير عنه في الحديث الثاني لا يخلو من اشتباه.

و في فوائد شيخنا (قدس سره) علىٰ الكتاب ما هذا لفظه: و لعلّه راجع إلىٰ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، فإنّ من قبله لا يروي عن علي بن الحكم، و قد روىٰ الشيخ في التهذيب هذه الرواية عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم. انتهىٰ.

و شيخنا المحقّق ميرزا محمد أيّده اللّٰه قال في فوائده علىٰ الكتاب أيضاً: قد روىٰ الشيخ هذه الرواية عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، و الظاهر أنّه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، فكأنّه هنا [لمّا وقع] (1) نظره إلىٰ أحمد بن محمد توهم (هذا فقال: عنه) (2). انتهىٰ.

و لكل من الكلامين وجه، إلّا أنّه ربما يرجّح كلام شيخنا (قدس سره) ضمير عنه في الخبر الثالث، فإن الراوي عن أبي يحيىٰ: أحمد بن أبي عبد اللّٰه، و هو في مرتبة محمد بن الحسين، و إن أمكن أقربية المرتبة كما يعلم من الرجال.

المتن:

في الخبرين الأولين: ربما كان ظاهره نفي وجوب المضمضة و الاستنشاق، من حيث قوله (عليه السلام) في الأول: «لا يجنب الأنف و الفم» و في الثاني: «لأنهما من الجوف» و الخبر الثالث و إن دل بظاهره علىٰ نفي الوجوب و الاستحباب، إلّا أن الحمل علىٰ نفي الوجوب لا بد منه، لضرورة

____________

(1) في «فض»: لم وقع، و في «رض»: لم رفع، و في «د»: ثمّ وقع، و الظاهر ما أثبتناه.

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

231

الجمع، و إن كان الخبر الآتي (1) في المعارضة لا يصلح لذلك كما ترى، إلّا أنّ بعض صحيح الأخبار تدل علىٰ مقتضاه، كما سنذكره إن شاء اللّٰه.

و ما قد يقال: من أنّ ذكر الوضوء في الخبر يؤيّد أنّ المراد نفي (2) الوجوب لما تقدم من استحبابه فيه بمقتضىٰ الأخبار، ففيه نظر، يعلم من مراجعة ما تقدم، إلّا أنّ بعض الأصحاب نقل الإجماع علىٰ استحباب المضمضة و الاستنشاق في الوضوء (3)، علىٰ ما وجدته الآن، و ربما يستفاد من بعض الأخبار الصحيحة في الصوم استحباب المضمضة في الوضوء (4)، و حينئذ يتم التوجيه.

و نقل شيخنا (قدس سره) أيضاً الإجماع علىٰ استحباب المضمضة و الاستنشاق في الغسل (5)، و حينئذ ربما يسهل الخطب، و رأيت في كتب بعض أهل الخلاف نقل الوجوب عن أبي حنيفة في المضمضة و الاستنشاق في الغسل (6)، و عليه فدلالة الأخبار علىٰ نفي الوجوب بالنسبة إلىٰ أبي حنيفة قريب الاحتمال، كما لا يخفىٰ.

[الحديث 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن حماد، عن شعيب، عن

____________

(1) في «رض»: التالي.

(2) ليست في «رض».

(3) منهم الشيخ في الخلاف 1: 75، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 554، و العلّامة في المنتهىٰ 1: 50.

(4) الوسائل 10: 70 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23.

(5) مدارك الأحكام 1: 302.

(6) عمدة القارئ 3: 194.

232

أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجنابة، قال: «تصبّ علىٰ يديك الماء، فتغسل كفّيك، ثم تدخل يدك فتغسل فرجك، ثم تمضمض و تستنشق و تصبّ الماء علىٰ رأسك ثلاث مرّات، و تغسل وجهك و تفيض علىٰ جسدك الماء».

فالوجه فيه: أن نحمله علىٰ (ضرب من) (1) الاستحباب دون الوجوب، لئلّا تتناقض الأخبار.

السند

فيه أبو بصير، و الظاهر أنّه يحيىٰ بن القاسم، بقرينة رواية شعيب عنه، و في فوائد شيخنا أيّده اللّٰه علىٰ الكتاب: أبو بصير هذا هو يحيىٰ ابن القاسم، و فيه ضعف، و قد روىٰ هذا المعنىٰ زرارة في الصحيح و لا بأس بالاستحباب. انتهىٰ.

و ما ذكره أيّده اللّٰه من ضعف يحيىٰ بن القاسم، فقد قدمنا فيه القول (2)، و رواية زرارة سنذكرها إن شاء اللّٰه.

المتن:

ظاهره أنّ السؤال عن واجب الغسل و مقدّماته، بقرينة ذكر غَسل الكفّين (3)، و يحتمل أن يكون الإمام (عليه السلام) زاد في بيان الغُسل المقدمات، و السؤال ليس إلّا عن الكيفية، و علىٰ التقديرين قد اشتمل الحديث علىٰ

____________

(1) ما بين القوسين ليس في الاستبصار 1: 118/ 398.

(2) راجع ج 1 ص 72، 83، 125.

(3) في «فض» زيادة: و غَسل الفرج.

233

ما هو مستحب قطعاً و هو غَسل الكفين، و واجب قطعا و هو غَسل الرأس، و ما هو محتمل للوجوب و الاستحباب و هو غَسل الفرج، فإنّه إن كان عليه شيء من النجاسة وجب غسله في الجملة، و إن لم يكن احتمل استحباب الغَسل، لظاهر إطلاق الخبر.

و أمّا المضمضة و الاستنشاق: فقد سمعت من دعوى الإجماع (علىٰ الاستحباب) (1) فيهما، و يؤيّده عدم ظهور الحديث في الوجوب، حيث اشتمل علىٰ الواجب و المستحب، و إن أمكن أن يقال بوجوب غير ما ثبت استحبابه، و فيه كلام، و لو لا أنّ الخبر ليس له صلاحية الاستدلال لأمكن أن يذكر فيه أحكام.

و أمّا خبر زرارة المتقدمة إليه الإشارة: فقد رواه الشيخ في التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجنابة، قال: «تبدأ فتغسل كفّيك، ثم تفرغ بيمينك علىٰ شمالك فتغسل فرجك، ثم تمضمض و استنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلىٰ قدميك، ليس قبله و لا بعده وضوء، وكل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته، و لو (أنّ رجلًا) (2) جنباً ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده» (3).

و هذه الرواية كما ترى يجري فيها ما ذكرناه في خبر أبي بصير.

(فإن قلت: خبر أبي بصير) (4) إنّما يدل علىٰ المضمضة و الاستنشاق في الغُسل المرتب، و مدعىٰ الشيخ (5) علىٰ ظاهر العموم للمرتب و غيره.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «رض».

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

(3) التهذيب 1: 148/ 422، الوسائل 2: 230 أبواب الجنابة ب 24 ح 5.

(4) ما بين القوسين ساقط من «رض».

(5) ليست في «رض».

234

قلت: الأمر كما ذكرت، إلّا أن الذي رأيته دعوى الإجماع علىٰ الاستحباب في الغسل مطلقا، فإن تم الإجماع، و إلّا أمكن ما ذكرت، و لم أر الآن من نبّه علىٰ ذلك.

و في نظري القاصر: أنّ صحيح (1) زرارة لا يخلو من دلالة علىٰ الاختصاص بالمرتّب، إلّا أن يقال: إنّ قوله: «و لو أن رجلًا جنباً» إلىٰ آخره، ليس منفكاً عما تقدّم في صدره من المضمضة و الاستنشاق، بل قد يدعىٰ ظهور أنّ المراد: مَن فَعَل ما ذكر أوّلًا في الخبر و ارتمس أجزأه، إلّا أنّ مجال الاحتمال واسع، و لو تحقق الظهور لا يضر بحال الاستدلال، غير أنّ في البين توقفا، فالعمدة علىٰ (2) الإجماع.

فإن قلت: قوله في الحديث: «و إن لم يدلك جسده» يدل علىٰ أنّ الارتماس اتي به لبيان هذا، و فيه إشارة إلىٰ أنّ دلك الجسد في المرتب يفعل، و حينئذ لا تعلق له بما تقدم من المستحبات.

قلت: بل الظاهر بما ذكرت استحباب السابق، إذ لم يستثن سوىٰ دلك الجسد.

و ينبغي أن يعلم أنّ بعض محققي المعاصرين سلّمه اللّٰه تعالىٰ نقل عن العلّامة إطلاق غَسل اليدين بحيث يشتمل الغَسل المرتب و غيره، ثم قال: و هو محتمل (3). و أنت خبير بأنّ الأخبار لا تعطي ذلك، إلّا بمعونة ما قررناه في خبر زرارة، و إلّا فمجرد الاحتمال لا وجه له بدون البيان.

ثم إنّ ظاهر خبر زرارة غَسل الكفّين، و في صحيح يعقوب بن

____________

(1) في «رض»: خبر.

(2) في «رض»: في.

(3) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 39.

235

يقطين (1) علىٰ ما نقله شيخنا (قدس سره) ما يدل علىٰ الغَسل من المرفقين (2).

و الشيخ روىٰ في التهذيب عن الشيخ المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)، عن غسل الجنابة فقال: «تغسل يدك اليمنىٰ من المرفقين إلىٰ أصابعك» إلىٰ آخره (3).

و الظاهر أنّ المراد غَسل اليدين معاً بمعونة ذكر المرفقين، إلّا علىٰ احتمال ما.

و ربما يقال: يحمل مطلق خبر زرارة و غيره ممّا يدل علىٰ الكفّين علىٰ مقيد غيره.

و فيه أنّ خبر زرارة و نحوه لا إطلاق فيهما، بل الظاهر منهما نفس الكفّين.

و يمكن القول بالتخيير في المستحب بين الكفّين و المرفقين، و الثاني أفضل، إلّا أنّ المشهور استحباب الغَسل من الزندين فقط (4).

و لا يبعد الاختصاص بالماء القليل، كما يستفاد من الأخبار.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ قوله (عليه السلام): «كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته» ربما كان المراد به إمرار اليد مع الماء، بمعونة قوله في الارتماس: «و إن لم يدلك جسده».

و يحتمل أن يراد به مجرد إيصال الماء من دون كثرة، لكن لا بد من

____________

(1) التهذيب 1: 142/ 402، الوسائل 2: 246 أبواب الجنابة ب 34 ح 1.

(2) مدارك الأحكام 1: 294.

(3) التهذيب 1: 131/ 363، الوسائل 2: 230 أبواب الجنابة ب 26 ح 6.

(4) كما في مدارك الأحكام 1: 302.

236

صدق الغسل عرفاً علىٰ ما قاله بعض (1).

و صرّح جماعة بأنّه إنّما يتحقق بجريان الماء علىٰ البشرة و لو بمعاون (2)، و في الأخبار ما يدل علىٰ الجريان.

و ما تضمنه خبر زرارة ربما يرجح إرادة إمرار اليد بدلالة (3) معتبر الأخبار كما سيأتي في الترتيب علىٰ الجريان، إلّا أن يقال: إنّ الجريان و لو بمعاون، كما صرّح به الجماعة، لا ينافيه ما في خبر زرارة، و حينئذ لا بعد في أن يقال: إنّ الأخبار متوافقة علىٰ اعتبار الجريان المذكور.

إلّا أنّه يمكن أنّ يدفع، بأن ما يأتي من الأخبار الدالة علىٰ كيفية الغسل يدلّ علىٰ أنّه يصبّ علىٰ سائر الجسد مرّتين، و هذا الحديث سنبينه علىٰ احتمال أن يراد بالمرّتين علىٰ اليمين و اليسار، كما هو المشهور في الترتيب، و يحتمل أن يحمل علىٰ الصبّ مرّتين لجميع البدن، و علىٰ التقديرين فالجريان و لو بمعاون بعيد الحصول.

و لا يخفىٰ أنّ مثل هذا في الوضوء أيضاً يأتي، إلّا أن يتكلف إرادة الغسل في الأغلب، و فيه ما فيه، (و لعلّ ما قدمناه من العرف يسهل الخطب، فتأمّل) (4) و قد نقل عن ابن الجنيد القول بإجزاء الدهن في الغسل (5).

و ما تضمنه خبر زرارة (6) من عدم الترتيب مطلقاً، المخالف لما عليه الأخبار من تقديم الرأس، و ما عليه المتأخّرون من الترتيب بين الأعضاء

____________

(1) انظر المدارك 1: 259، و جامع المقاصد 1: 262.

(2) منهم الشهيد في المسالك 1: 41، و صاحب المدارك 1: 291.

(3) في «رض» زيادة: بقية.

(4) ما بين القوسين ليس في «رض».

(5) حكاه عنه في الذكرى 2: 243.

(6) المتقدم في ص 211.

237

أيضاً (1)، يمكن أن يوجه بأنّه مطلق، و غيره مقيّد.

و ما عساه يقال: من أنّ مقام التعليم يأبىٰ تأخير البيان كما ذكره شيخنا (قدس سره) في فوائد الكتاب و غيرها يدفعه ما قدمناه.

فإن قلت: قوله في الحديث: «ثم تغسل جسدك» يدلّ علىٰ أنّ المراد به غير الرأس، إذ الجسد علىٰ مقتضىٰ بعض الأخبار المعتبرة الآتية غير الرأس، حيث قال فيها: «ثم أفض علىٰ رأسك و جسدك».

قلت: الذي يأتي يدل علىٰ أنّ الرأس إذا ذكر مع الجسد لا يكون داخلًا فيه، أما لو أُطلق ففي عدم تناوله تأمّل، و في القاموس: الجَسَد محرّكة: جسم الإنسان (2).

علىٰ أنّ الحديث إذا لم يدل علىٰ الرأس فهو أشكل، كما لا يخفىٰ، و بالجملة فإطلاقه قابل للتقييد.

و ما تضمنه الخبر المبحوث عنه من قوله: «ثم تفرغ بيمينك علىٰ شمالك» إلىٰ آخره، قد يدل علىٰ استحباب اختيار الشمال في غَسل الفرج، و دلالته علىٰ إجزاء الارتماس ظاهرة، لكنه خاص بالجنب، و قد ألحق الأصحاب غير غسل الجنابة، و سيأتي فيه القول إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

باب وجوب الاستبراء من الجنابة بالبول قبل الغسل

[الحديث 6 و 7 و 8 و 9 و 10]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 182، و الشهيد الأوّل في الذكرى 2: 245، و صاحب المدارك 1: 293.

(2) القاموس المحيط 1: 293 (جسد).

238

الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن عبد اللّٰه بن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل (1) أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء فقال: «يعيد الغسل» قلت: فالمرأة يخرج منها بعد الغسل، قال: «لا تعيد» قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: «لأنّ ما يخرج من المرأة إنّما هو ماء الرجل».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل عن الرجل، يغتسل ثم يجد بللًا و قد كان بال قبل أن يغتسل، قال: «إن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد الغسل».

الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللًا بعد ما يغتسل، قال: «يعيد الغسل، فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضّأ و يستنجي».

عنه، عن حماد، عن حريز، عن محمد، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شيء، قال: «يغتسل و يعيد الصلاة، إلّا أن يكون بال (2) قبل أن يغتسل، فإنّه لا يعيد غسله» قال محمد: و قال أبو جعفر: «من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثم يجد بللًا فقد انتقض غسله، و إن كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللًا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء».

____________

(1) كذا في النسخ، و في الاستبصار 1: 118/ 399: رجل.

(2) في الاستبصار 1: 119/ 402: قد بال.

239

عنه، عن فضالة، عن معاوية بن ميسرة، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، يقول: في رجل رأى بعد الغسل شيئاً، قال: «إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضّأ، و إن (1) لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل».

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب، إلّا في رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن عبد اللّٰه بن مسكان، فإنّ في التهذيب و الكافي: أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن عبد اللّٰه بن مسكان (2)؛ فالسند حينئذ ليس بصحيح، لاحتمال السقوط هنا سهوا، بل هو الظاهر.

و سليمان بن خالد و قد تقدم القول في حاله (3).

و نزيد هنا: أنّ سليمان ذكر النجاشي: أنّه خرج مع زيد فقطعت يده و مات في حياة أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، فتوجّع لفقده (4).

و ذكر في الخلاصة عن كتاب سعد: أنّ سليمان خرج مع زيد فأفلت فمنّ اللّٰه عليه و تاب و رجع (5).

و في النجاشي أيضاً: إنّه كان فقيهاً وجها (6).

____________

(1) في الاستبصار 1: 119/ 403 يوجد: كان.

(2) الكافي 3: 49/ 1، التهذيب 1: 143/ 404، الوسائل 2: 201 أبواب الجنابة ب 13 ذيل ح 1.

(3) راجع ج 1 ص 351.

(4) رجال النجاشي: 183/ 484.

(5) خلاصة العلّامة: 77/ 2.

(6) رجال النجاشي: 183/ 484.

240

و الشيخ (رحمه الله) ذكره في كتاب الرجال من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و أنّه خرج مع زيد فقطعت إصبعه معه، و لم يخرج من أصحاب أبي جعفر غيره (1).

و قال جدّي (قدس سره) في فوائد الخلاصة: سليمان بن خالد لم يوثقه النجاشي، و لا الشيخ، و لكن روىٰ الكشي عن حمدويه: أنّه سأل أيوب بن نوح عنه، أ ثقة هو؟ فقال: كما يكون الثقة. فالأصل في توثيقه أيوب بن نوح و ناهيك به (2). انتهىٰ.

و الذي في الكشي ما قاله (قدس سره) غير أنّ الرواية لا يدرىٰ قبل التوبة أو بعدها، إلّا أنّ يقال: إن خروجه غير معلوم بأيّ وجه. و فيه: أنّ قول سعد ظاهر في التوبة، و توثيق أيوب بن نوح و إن كان مطلقا، إلّا أنّ قول النجاشي يقيّده فليتأمّل.

و أمّا الثاني: فحسن.

و الثالث: موثق، كما تقدم.

و الرابع: صحيح، كما بيناه.

و الخامس: فيه معاوية بن ميسرة و ليس بثقة في الرجال، بل و لا فيها مدح له (3).

المتن:

في جميع الأخبار غير ظاهر الدلالة علىٰ الوجوب، كما ادعاه الشيخ،

____________

(1) رجال الطوسي: 207/ 76.

(2) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 12 (مخطوط).

(3) كما في رجال النجاشي: 410/ 1093، و رجال ابن داود: 191/ 1589.

241

لأنّ غاية ما يستفاد منها عدم إعادة الغَسل مع البول لا وجوب البول.

و ربما احتمل الاستدلال للوجوب بخبر أحمد بن محمد السابق نقله عن الشيخ في التهذيب، حيث قال فيه: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة، فقال: «تغسل يدك اليمنىٰ من المرفق (1) إلىٰ أصابعك، و تبول إن قدرت علىٰ البول» (2) فإنّ الجملة الخبرية بمعنى الأمر في هذه المواضع.

و فيه: أنّ الظاهر جريان الجملتين علىٰ وَتيرة واحدة، كما كرّرنا القول فيه، و لمّا كان غَسل اليد مستحباً فالبول مثله.

و ما عساه يقال: إنّ الغَسل إذا خرج بالإجماع لا يلزم خروج ما فيه الخلاف، فجوابه: استبعاد اختلاف الجمل.

و لزوم الإشكال بوجوب بعض مقتضيات الخبر، فلا يتم التوجيه. يمكن الجواب عنه: بأنّ العدول إلىٰ الأمر بقوله: «ثم اغسل ما أصابك منه، و أفض الماء (3) علىٰ رأسك» قرينة علىٰ استحباب ما قبله.

و قد يشكل: بأنّ تسليم كون الجملة الخبرية بمعنى الأمر يقتضي أن لا فرق بين الأمر و ما يقوم مقامه.

و ما قاله بعض محقّقي المعاصرين سلّمه اللّٰه في جواب الاعتراض بأنّ دلالة الجملة الخبرية في المقامات الطلبيّة علىٰ الوجوب ممّا لا ينبغي التوقف فيه: من أنّ قول علماء المعاني في العدول عن الطلبية إلىٰ الإخبارية لشدّة الاهتمام ليس منحصراً في ذلك، بل له أسباب أُخر (4).

____________

(1) في التهذيب 1: 131/ 363: المرفقين.

(2) في ص 212 213.

(3) ليست في التهذيب.

(4) الحبل المتين: 40.

242

لا يخلو من وجه، غير أنّا لو سلّمنا إرادة الاهتمام بالنحو الذي ذكروه، فالدلالة علىٰ الوجوب معارضة بما قدمناه، و حينئذ يحمل علىٰ الطلب الاستحبابي للمعارض، كما يقع بالأمر.

فإن قلت: الأمر يدل علىٰ الاستحباب، فلا بد للعدول عنه من أمر زائد عنه.

قلت: يحتمل تأكد الاستحباب.

و ما تضمنه الخبر المبحوث عنه من حكم المرأة لا يخلو من إجمال، فإنّ حصر ما يخرج منها في ماء الرجل (لا يوافقه الوجدان في بعض الأحيان) (1) إلّا أنّ يقال: إن الحديث يراد منه حال الاشتباه، (و قوله (عليه السلام) إنّما هو حال الاشتباه، و فيه ما فيه، و الإمام (عليه السلام) أعلم بالحال إن صح الخبر) (2).

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «د»: واضح الإشكال.

(2) بدل ما بين القوسين في «د»:

و الوجه فيه: أنّ ظاهر السؤال عن الرجل المجنب و المرأة المجنبة بالاحتلام في كل منهما، لقول السائل، قلت: فما الفرق، إلىٰ آخره، فإنّ السؤال من الفرق بين المرأة و الرجل إذا كانت جنابة الرجل بالاحتلام و جنابة المرأة بالجماع من دونه لا وجه [له] للظهور، أمّا على تقدير الاتحاد في الجنابة فيمكن توجه الجواب بأن العلم بكون الماء من ماء المرأة مع تحقق ماء الرجل أيضا غير حاصل، و مع الاشتباه لا يعاد الغسل، لكن التعبير بقوله (عليه السلام). إنّما هو إلىٰ آخره خفي المرام، و لا يبعد أن يقال إن المرأة لا يخرج [ماؤها] إلا دفعة واحدة فالخارج بعد إنّما هو ماء الرجل فلا استبراء فلا إعادة للغسل. و يحتمل أن يستفاد من الخبر نفي الاستبراء، و ما يقتضيه كلام المفيد من الاستبراء علىٰ المرأة لم نقف علىٰ [ما] يفيده صريحا، و الشيخ [استدل] له في التهذيب بالخبر المبحوث عنه و نحوه خبر آخر، و في الظن إمكان أن يقال: إن ظاهر الخبر سقوط الاستبراء لكون الماء من ماء الرجل و لو كان من ماء المرأة ففيها الاستبراء و حينئذ يدل علىٰ مطلوب الشيخ في الجملة بحيث يخرج كلامه عن الغرابة، و قد يمكن الدخل فيه باحتمال ما قدمناه من أن المرأة لا تمني بعد و الجواب لا بد فيه من مثل هذا إذ لولاه لم يطابق السؤال، إلا أن يقال: إن السؤال عن المرأة في قول و عدم الإنزال منها، و فيه ما فيه.

243

و ظاهر الخبر أيضاً أنّ خروج شيء هو المقتضي للغُسل إذا لم يبل، سواء تحقق كونه منياً، أو علم عدمه، أو اشتبه الحال، و في عبارات كثير من العلماء التعبير بالبلل المشتبه (1).

و الحديث الثاني: تضمن البلل، و القول فيه كالأول.

و كذلك الثالث: إلّا أنّ ما تضمنه من أنّه لو بال لا يعيد غسله و لكن يتوضّأ و يستنجي، يدل علىٰ نجاسة الخارج، و ربما يحصل التوقف في ذلك عند من لا يعمل بالموثق، من حيث عدم معلومية كون الماء من النجاسات.

و في كلام بعض المتأخرين: أنّ البلل المشتبه و المعلوم كونه ليس بولًا و لا غيره لا نزاع فيه، كما لا نزاع في أنّه لو علم أنّه بول أو مني يجب الوضوء أو الغسل، و أمّا إيجاب الغسل علىٰ تقدير الاشتباه بالمني، فهو المذكور في أكثر الكتب، و عليه يدل بعض الأخبار بالمفهوم، و البعض بالتصريح، و لكنه معارض ببعض الأخبار، و الأصل ينفيه، و كذلك الأخبار التي دلت علىٰ أنّ اليقين لا ينقضه الشك، و حصر الموجب في بعض الأخبار، فحمل الأخبار علىٰ ما هو غالب الظن أنّه مني أولىٰ، لترجيح الظاهر علىٰ الأصل، مع احتمال الاستحباب، سيما مع [عدم] الظن الغالب (2). انتهىٰ.

____________

(1) منهم الشيخ البهائي في الحبل المتين: 43.

(2) مجمع الفائدة 1: 138، و ما بين المعقوفين.

244

و أنت تعلم أنّ الأخبار المعتبرة لا دلالة فيها علىٰ المشتبه، و الحمل عليه كما ذكره جماعة من المتأخّرين (1)، محل بحث، إلّا أن يقال: إنّ الأخبار متناولة للمشتبه و المحقَّق، و لمّا خرج المحقَّق بقي المشتبه، و فيه كلام من حيث ما قاله المذكور كلامه، فإنّه متوجه لولا أنّ ظاهر الأخبار يفيد خلافه، و بالجملة فالمقام لا يخلو من إشكال، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و الخبر الرابع: كما ترى ظاهره إعادة الصلاة الواقعة بين رؤية البلل و الغسل، إلّا أنّ جماعة من المتأخّرين قالوا بعدم إعادة الصلاة، لأنّ هذا حدث جديد (2)، و حمل بعض الأصحاب الحديث علىٰ الاستحباب، أو علىٰ من صلّىٰ بعد وجدان البلل (3)، و فيه: أنّه احتمال بعيد من الرواية، و الاستحباب لا بد له من موجب مع ظهور الرواية، و كون البلل حدثا جديدا محل كلام.

و نقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب القول بوجوب إعادتها (4). و في الذكرى: لعل مستنده الحديث المتقدم عن محمد، و يمكن حمله علىٰ الاستحباب إلىٰ أن قال-: و ربما يخيل فساد الغسل الأوّل، لأنّ المني باق بحاله في مخرجه لا في مقرّه، كما قال بعض العامة، و هو خيال ضعيف، لأن المتعبد به هو الغسل ممّا خرج لا ممّا بقي، و لهذا لو حبسه لم يجب الغسل إلّا بعد خروجه عندنا و عند أكثرهم (5). انتهىٰ.

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 193، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 1: 138، و صاحب المدارك 1: 304.

(2) منهم المحقق في المعتبر 1: 193، و الشهيد في الذكرى 2: 236، و الشيخ البهائي في الحبل المتين: 44.

(3) كالشهيد في الذكرى 2: 236.

(4) السرائر 1: 123.

(5) الذكرى 2: 236.

245

و لقائل أن يقول: إنّ الموجب إذا كان حدثاً جديداً موجباً للغسل لم يتحقق شريطة المني الموجب للغسل و قد قرّروا ذلك في الغسل، إلّا أن يقال: إن الشرط في أوّل الخروج، و لا يخفىٰ أنّ الأمر سهل، و لعلّ التعلق بالرواية أولىٰ، و المعارض غير واضح، فليتأمّل.

فإن قلت: قوله في الرواية: قال محمد. هل هو متعلق بما سبق؟ فيكون السند واحداً في الخبرين، و هو صحيح، أم هو مرسل؟

قلت: الظاهر أنّ السند الأوّل لتمام الخبر (1)، و الاحتمال قائم، و محمد هو ابن مسلم علىٰ ما يظن، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

ثم الحديث دلالته علىٰ وجوب الوضوء من مجرد البول يتناول الاستبراء و عدمه، و لعلّه مقيد بما سبق من الأخبار الدالة علىٰ أنّ البلل بعد الاستبراء من البول لا يؤثّر شيئاً، إلّا أن يقال: إنّ تلك الأخبار في غير المجنب، و غير بعيد أن يكون إطلاق الاستبراء بعد البول يتناول الجنب، و في البين كلام يعرف بالنظر فيما سبق من الأخبار.

[الحديث 11 و 12 و 13 و 14]

قال: فأمّا ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن عبد اللّٰه ابن محمد الحجال (2)، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد اللّٰه بن هلال، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الرجل يجامع أهله، ثم يغتسل قبل أن يبول، ثم يخرج منه شيء بعد الغسل، فقال: «لا شيء عليه، إنّ ذلك ممّا وضعه اللّٰه عنه».

____________

(1) في «فض» و «د» زيادة: الأخير.

(2) كذا في النسخ و التهذيب 1: 145/ 411، و في الاستبصار 1: 119/ 404: الحجاج.

246

عنه، عن موسى بن الحسن، عن محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن زيد الشحام، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أجنب، ثم اغتسل قبل أن يبول، ثم رأى شيئاً، قال: «لا يعيد الغسل ليس ذلك الذي رأى شيئاً».

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين، أحدهما: أن يكون الغاسل قد اجتهد في البول فلم يتأتّ له، فحينئذ لم يلزمه إعادة الغسل، و الثاني: أن يكون ذلك مختصاً بمن فعل ذلك ناسيا.

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني (1) به الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن السندي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة فينسىٰ أن يبول حتى يغتسل، ثم يرىٰ بعد الغسل شيئا، أ يغتسل أيضاً؟ قال: «لا قد (تعصّرت و نزل) (2) من الحبائل».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن محمد بن عيسىٰ، عن أحمد بن هلال، قال: سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول، فكتب: «إنّ الغسل بعد البول، إلّا أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل».

فجاء هذا الخبر مفسِّرا للأحاديث كلّها بالوجه الذي ذكرناه من أنّه يختص ذلك بمن تركه ناسياً؛ فأمّا ما يتضمن خبر سماعة و محمد بن

____________

(1) في الاستبصار 1: 120/ 406: ما أخبرنا.

(2) في «فض»: تقصرت، و في «رض»: تعصّرت و أنزلت.

247

مسلم، من ذكر إعادة الوضوء، فمحمول علىٰ الاستحباب، و يجوز أن يكون المراد بما خرج بعد البول و الغسل ما ينقض الوضوء [فحينئذ يجب عليه الوضوء و لأجل ذلك قال (عليه السلام) (1):] «عليه الوضوء و الاستنجاء» في حديث سماعة، و ذلك لا يكون إلّا فيما ينقض الوضوء.

السند

في الأول: عبد اللّٰه بن هلال، و هو مجهول الحال.

و الثاني: فيه أبو جميلة، و حاله بالضعف لا يخفىٰ، و تقدم أيضاً قول في بقية الرجال.

و الثالث: فيه علي بن السندي، و قد ذكرنا القول فيه (2).

و في فوائد شيخنا أيّده اللّٰه علىٰ الكتاب: و إن كان هذا يعني علي ابن السندي هو علي بن إسماعيل علىٰ ما وصل إلينا من نسخ الكشي، و قد وثّقه نصر بن الصباح، فإنّ توثيقه لا يعتمد عليه، علىٰ أنّ العلّامة نقله علي بن السري، و هو يوجب نوع وهن، كما لا يخفىٰ. انتهىٰ.

و الرابع: فيه أحمد بن هلال، و الشيخ قد ضعفه (3)

المتن:

في الخبر الأوّل: لو صحّ سنده أمكن حمله علىٰ سقوط الوجوب،

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ هكذا: و لأجل قال، و الصواب ما أثبتناه من الاستبصار 1: 120/ 407.

(2) راجع ج 1 ص 331 و ج 2 ص 167، 169.

(3) الفهرست: 36/ 97.

248

و تحمل الأخبار الأولة علىٰ الاستحباب، كما سلفت إليه إشارة من كلام البعض، إلّا أنّ السند قد علمته، و مع الأخبار السابقة الشهرة، و إن كان فيها كلام، غير أنّ الأمر سهل.

و قد يمكن أن يراد من الحديث أنّه لا شيء عليه في عدم البول من الإثم، و إن كان الغسل لا بد من إعادته، إلّا أنّ ظاهر الخبر يأباه، و أن الاحتمال واسع الباب.

و أما الثاني: فلا مجال للحمل فيه إلّا علىٰ ما تكلّفه الشيخ، و فيه ما تعلمه، أما الوجه الأوّل من وجهي الشيخ: فقد ذكر شيخنا (قدس سره) في فوائده علىٰ الكتاب أنّه لا دليل عليه.

و شيخنا أيّده اللّٰه يفهم من بعض فوائده إمكان التوجيه له، بأنّ الاستبراء بالبول إذا وجب فمع العمد يخالف المأمور به، و مع النسيان يعذر.

و هذا الوجه ذكره أيّده اللّٰه في مقام الردّ علىٰ شيخنا (قدس سره) حيث قال في بعض الفوائد: التوجيه الثاني من وجهي الشيخ بأنّ السؤال فيها و إن وقع عن حكم الناسي، إلّا أنّ التعليل المستفاد من الجواب من قوله: «قد تعصّرت و نزل من الحبائل» يقتضي عدم الفرق بينه و بين غيره.

و اعتراض شيخنا أيّده اللّٰه كما ترى يقتضي الفرق، و قد يقال: إنّه لا ينحصر في النسيان، لأن عدم التكليف يتحقق في الجاهل أيضا، بناءً علىٰ عدم تكليفه. و لعلّ شيخنا أيّده اللّٰه أراد توجيه كلام الشيخ، و لعلّ (1) الشيخ يقول بالتكليف في غير الناسي، و مقام التوجيه واسع، غير أنّه قد

____________

(1) ليست في «د».

249

يستفاد منه ما أشرنا إليه من توجيه الوجه الأول، و هو عدم القدرة علىٰ البول، فإنّه لا ريب أنّ وجوب البول فرع القدرة، و كأنّ الشيخ ناظر في حمل الأخبار إلىٰ هذا في الوجه الأول، فليتأمّل.

فإن قلت: علىٰ تقدير التقصير و عدم جواز الغسل تنتفي الإعادة مع عدم البول حال كونه غير ناس و غير متعذر منه، و سواء وجد بللًا أم لا فما وجه ذكر الشيخ وجود البلل مع النسيان؟

قلت: لما ذكرت وجه، إلّا أنّ الشيخ مشىٰ مع الأخبار، فلا يبعد وقوفه علىٰ مضمونها، من أنّ الإعادة مع وجود البلل، غير أن مقتضىٰ قوله بوجوب البول، لزوم الإعادة من دونه مطلقا، و الله أعلم بالحال.

و يبقى الكلام هنا أنّ شيخنا أيّده اللّٰه قال في أول الفائدة: الوجه الأوّل لا دليل عليه، كما قال شيخنا (قدس سره) فربما ينكر علينا في أنّا استخرجنا من كلامه توجيهاً يصلح دليلًا له، و الحال أنّه نفاه، و لعلّ مراده لا دليل عليه من الأخبار و الاعتبارات الصالحة، و إن كان ما قلناه لا يخلو من وجه.

و نقل في توجيهه: أنّه إذا اجتهد و اخترط و لم يتأتّ له البول كان الظاهر عدم بقاء شيء في المجرىٰ، كما في البول، و أنّ التكليف بأكثر من ذلك كالحرج، و أنّ القائل بخلافه غير ظاهر، و أنت خبير بما في الوجوه من التكلّف.

و ما تضمنه خبر جميل من قوله: «قد تعصرت» إلىٰ آخره، لم أفهم معناه، و لا قول شيخنا (قدس سره) إنّه متناول للناسي و غيره (1)، فإن كان المراد أن نزول المني إلىٰ الخارج يقتضي عدم بقاء شيء منه، فالكلام لا يساعد

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 306.

250

عليه، و إن كان المراد أنّ السائل نسي البول، و لكنه استبرأ، فهو خلاف ظاهر الرواية، فلا ينبغي الغفلة عن ذلك.

و ما قد يقال: من أنّ الرواية إنّما تضمنت حكم النسيان من كلام السائل فلا اعتبار فيه. يمكن توجيهه بأنّ ظاهر إقرار الإمام (عليه السلام) يفيد المطلوب، و فيه ما فيه.

و بالجملة: فالأخبار مع اختلال (1) الأسانيد غير تامّة المعاني، و الأخبار المعتبرة قد سمعت القول فيها.

و ينبغي أن يعلم أنّ في البين أُموراً:

الأول: صريح كلام الشيخ هنا و في التهذيب القول بالنسيان (2)، و بين المتأخّرين ليس هذا مذكوراً في الأقسام، و لا أدري الوجه فيه.

الثاني: المعروف بين الأصحاب و نقل ابن إدريس فيه الإجماع علىٰ ما حكي (3) عنه، أنّ من ترك البول و الاستبراء يعيد الغسل، و الأخبار الدالّة علىٰ ذلك قد سمعتها.

و في الفقيه بعد أن أورد الخبر المتضمن لإعادة الغسل قال: و روى في حديث آخر: «إن كان قد رأى بللًا و لم يكن بال فليتوضّأ و لا يغتسل» قال مصنف الكتاب: إعادة الغسل أصل، و الخبر الثاني رخصة (4).

و استعمال الصدوق للرخصة في كتابه كثير، أمّا معناها فلا يخلو من إجمال، كما نبّهنا عليه في حاشيته، و إرادة المعنىٰ الأُصولي بعيدة من

____________

(1) في «رض»: اختلاف.

(2) التهذيب 1: 145.

(3) السرائر 1: 122، و حكاه عنه في الذكرى 2: 234.

(4) الفقيه 1: 47/ 187، الوسائل 2: 250 أبواب الجنابة ب 36 ح 1، 2.

251

كلامه، علىٰ أنّ الخبر الثاني لا يخفىٰ حاله.

الثالث: في كلام المحقق في بعض كتبه ما يعطي عدم إعادة الغسل لو حصل أحد الأمرين، من البول أو الاستبراء، سواء كان البول ممكناً أم لا (1). و قد يستبعد ذلك مع إطلاق الأخبار، و يقربه النظر فيما أسلفناه بعين الاعتبار.

الرابع: ما قاله الشيخ أخيراً: من أنّ خبر محمد بن مسلم الدال علىٰ إعادة الوضوء محمول علىٰ الاستحباب. يدل علىٰ أنّه فهم من الرواية حصول البول و الاستبراء، و قد علمت أنّ خبر سماعة تضمن الاستنجاء، فلا يتم ما فهمه الشيخ إلّا بتكلّف.

نعم: رواية محمد ربما كان ظاهرها ما قاله الشيخ أخيراً في الحمل علىٰ خروج ما ينقض الوضوء، و لعلّ مراده به عدم الاستبراء، فإنّ ذلك يوجب نقض ما خرج للوضوء، إلّا أنّ عبارة الشيخ لا تخلو من حزازة، و ربما ظهر منها أنّ مفاد الروايات مع الاشتباه، و قد سبق منا نوع كلام لا ينبغي الغفلة عنه.

و لشيخنا (قدس سره) هنا كلام في المدارك، ذكرنا ما فيه في موضع آخر، و حاصله: أنّه اعتمد في وجوب الوضوء إذا حصل البول من دون الاستبراء ثم وجد البلل علىٰ صحيح محمد المذكور هنا، و مفهوم حسنة حفص بن البختري: في الرجل يبول: «ينتره ثلاثاً، ثم إن [سال (2)] حتى يبلغ الساق فلا يبالي» (3).

____________

(1) المعتبر 1: 194.

(2) في النسخ: بال، و ما أثبتناه من المدارك 1: 306.

(3) التهذيب 1: 27/ 70، الوسائل 1: 283 أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 3.

252

ثم قال: (قدس سره) و لا ينافي ذلك ما رواه عبد اللّٰه بن [أبي] يعفور في الصحيح، أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضّأ و قام إلىٰ الصلاة فوجد بللًا، قال: «لا شيء عليه و لا يتوضّأ» (1) لأنّ هذه الرواية مطلقة و أخبارنا (2) مفصلة، و المفصل يحكّم علىٰ المطلق (3). انتهىٰ.

و أنت خبير بأن الإطلاق و التقييد ليس علىٰ الإطلاق، و التناول للبول بعد الجنابة محل كلام، و رواية محمد غير صريحة، فليتأمّل.

باب مقدار الماء الذي يجزئ في غسل الجنابة و الوضوء

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء، فقال: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يتوضّأ بمُدٍّ و يغتسل بصاع».

و بهذا الإسناد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يتوضّأ بمُدّ و يغتسل بصاع، و المُدّ رطل و نصف، و الصاع ستة أرطال».

أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن علي بن محمد، عن سليمان بن حفص المروزي، و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن

____________

(1) الفقيه 1: 38/ 147، الوسائل 1: 282 أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 1.

(2) في المدارك: و الرواية السابقة.

(3) مدارك الأحكام 1: 306.

253

محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن موسى بن عمر، عن سليمان بن حفص المروزي قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) «الغسل بصاع من ماء، و الوضوء بمدٍّ من ماء، و صاع النبي (صلى الله عليه و آله) خمسة أمداد، و المد مائتان و ثمانون درهما، و الدرهم ستة دوانيق، و الدانق وزن ستّ حبّات، و الحبّة وزن حبّتي شعير من أوساط الحب، لا من صغاره و لا من كباره».

و بهذا الاسناد، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أبي جعفر عن أبيه، عن زرعة، عن سماعة، قال: سألته عن الذي يجزئ من الماء للغسل فقال: «اغتسل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بصاع و توضّأ من مدٍّ (1)، و كان الصاع علىٰ عهده خمسة أمداد، و كان المدّ قدر رطل و ثلاث أواق».

قوله (عليه السلام) في هذا الخبر: «الصاع خمسة أمداد» و تفسير المدّ برطل و ثلاث أواق مطابق للخبر الذي رواه زرارة، لأنّه فسّر المدّ برطل و نصف، فالصاع يكون ستة أرطال، و ذلك مطابق لهذا المقدار (2)، فأمّا تفسير سليمان المروزي المدّ بمأتين و ثمانين درهماً فمطابق للخبرين، لأنّه يكون مقداره ستة أرطال بالمدني، و يكون قوله (عليه السلام): «خمسة أمداد» وهماً من الراوي، لأنّ المشهور من هذه الرواية أربعة أمداد، و يجوز أن يكون ذلك إخباراً عما كان يفعله النبي (صلى الله عليه و آله) إذا شارك في الاغتسال بعض أزواجه، يدل علىٰ ذلك

____________

(1) في الاستبصار 1: 121/ 411: بمد.

(2) في الاستبصار 1: 121/ 411 القدر.

254

ما رواه محمد (1) بن يحيىٰ، عن محمد بن الحسين (2)، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن وقت (3) غسل الجنابة كم يجزئ من الماء؟ قال: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يغتسل بخمسة أمداد بينه و بين صاحبته، و يغتسلان جميعاً من إناء واحد».

الحسين بن سعيد، عن النضر، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يغتسل بصاع، و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مدّ».

السند

في الأول: فيه ابن سنان، و هو محمد علىٰ الظاهر، كما قدمنا القول فيه (4)، و أبو بصير تكرّر أيضا (5).

و الثاني: لا ارتياب فيه.

و الثالث: علي بن محمد الواقع فيه لا يخلو من اشتباه، و في التهذيب رواية علي بن محمد عن رجل (6)، و أمّا سليمان بن حفص فهو مجهول الحال، و موسى بن عمر لا يبعد أن يكون ابن بزيع الثقة، إلّا أن باب الاحتمال فيه متّسع، و تحقيق الحال فيه هنا خال عن الفائدة.

____________

(1) في نسخة من الإستبصار 1: 122/ 412 زيادة: بن أحمد.

(2) في «رض»: الحسن.

(3) يقال لكلّ شيء محدود: موقّت، مجمع البحرين 2: 228 (وقت).

(4) راجع ج 1 ص 117 118.

(5) راجع ج 1 ص 72، 83، 345 و ج 2 ص 90 94.

(6) التهذيب 1: 136/ 374.