استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
255

و الرابع: فيه محمد بن عيسىٰ الأشعري المعبّر عنه بقوله: عن أبيه، لأن أبا جعفر هو أحمد (بن محمد) (1) بن عيسىٰ، و علىٰ ما يظهر من الرجال أنّ محمّداً لا يزيد على (2) أنّ له شأناً في الجملة (3)، أمّا كونه ثقة فلا، و تصحيح العلّامة بعض الطرق الذي هو فيها (4) محل كلام كررنا فيه القول، و علىٰ ظاهر قواعدهم عدّ الحديث من الموثق.

و أما الخامس: فواضح الطريق.

و السادس: كذلك علىٰ ما قدمنا فيه القول بالنسبة إلىٰ محمد بن أبي حمزة (5).

المتن:

في الأول ظاهر، و ربما دل لفظ كان علىٰ المداومة، كما صرّح به ابن الأثير في أحكام الأحكام، حيث قال بعد رواية مثل هذا: عندهم يقال: كان يفعل كذا، إذا تكرر منه فعله و كان عادته، و قد يستعمل لإفادة مجرد الفعل و وقوعه من دون الدلالة علىٰ التكرار، و الأوّل أكثر في الاستعمال. انتهىٰ.

و الخبر الثاني: كالأوّل، و ذكر بعض محقّقي المعاصرين سلّمه اللّٰه أنّ في كلام بعض العامة أنّ معنىٰ الحديث أنّه (صلى الله عليه و آله) كان يتوضّأ بمدّ من ذلك الصاع، فيكون اغتساله بثلاثة أمداد، و فساده ظاهر (6)، انتهىٰ. و المذكور في

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «رض».

(2) في «فض» زيادة: إهمال.

(3) رجال النجاشي: 338/ 905.

(4) المختلف 1: 262.

(5) راجع ج 1 ص 140 141.

(6) حكاه الشيخ البهائي في الحبل المتين: 44.

256

كلام من رأينا كلامه من الأصحاب، استحباب أن يكون الوضوء بمدّ و الغسل بصاع (1).

و ما تضمنه حديث زرارة من أنّ الصاع أربعة أمداد و أنّ المدّ رطل و نصف، فيكون الصاع ستة أرطال بالمدني، علىٰ ما قاله الشيخ (رحمه الله) في غير هذا الكتاب، و سيأتي ما لا بدّ منه في الفطرة إن شاء اللّٰه.

و أمّا خبر المروزي، فلا يخفىٰ منافاته لما تقدم من الأخبار و للمشهور بين من رأينا كلامه، من كون الدانق ست حبّات، (2) إلىٰ آخره، إذ المنقول أنّه ثماني حبات (3)، و في المنتهىٰ في بحث الفطرة: الصاع أربعة أمداد، و المدّ رطلان و ربع بالعراقي، و هو مائتان و اثنان و تسعون (4) درهماً و نصف، و الدرهم ستة دوانيق، و الدانق ثماني (5) حبات من أوسط حبات الشعير، يكون مقدار الصاع تسعة أرطال بالعراقي، و ستة بالمدني، ذهب إليه علماؤنا أجمع (6) (7).

و ما قاله الشيخ في التوجيه واضح في عدم التمامية، و في فوائد شيخنا (قدس سره) علىٰ الكتاب علىٰ قوله: و تفسير المدّ برطل و ثلاثة أواق مطابق للخبر. فيه نظر، فإنّ المدّ إذا كان رطلًا و ثلاث أواق تكون الخمسة أمداد خمسة أرطال و خمسة عشر أوقية، و ذلك لا يطابق التقدير

____________

(1) المنتهىٰ 1: 86، المدارك 1: 302.

(2) بيان لحاصل خبر المروزي.

(3) كما في السرائر 1: 469.

(4) في المنتهىٰ: و سبعون.

(5) في المنتهىٰ: ثمانون.

(6) ليست في المنتهىٰ.

(7) المنتهىٰ 1: 537.

257

بستة أرطال، إلّا إذا كانت الخمسة عشر أوقية رطلًا، و هو بعيد. انتهىٰ.

و أنت خبير بأنّ الخمسة عشر أوقية إذا كانت رطلًا، فإمّا أن تكون الأرطال كلها كذلك، أو بعضها خمسة عشر، و الباقي اثنىٰ عشر أوقية، فإن كان الأول: احتمل جمع ما قاله الشيخ، و إن كان الثاني: فلا معنىٰ لاختلاف الرطل، و لا يبعد أن يكون مراد الشيخ أنّ الثلاث الأواق الزائدة لا تضر بحال المطلوب إرادته من الستة الأرطال، إذ هي يسيرة، و غير هذا لا يمكن إرادته كما لا يخفىٰ.

نعم: يتوجه علىٰ الشيخ ما في الرواية من الإشكالات غير هذا، كما أشرنا إلىٰ بعضها، و منها تفسير المدّ في خبر زرارة برطل و نصف، و هنا مفسّر برطل و ثلاث أواق، و ما قاله الشيخ: من أنّ تفسير سليمان المدّ بمأتين و ثمانين، إلىٰ آخره، قد اعترض عليه شيخنا (قدس سره) بأنّ المطابقة غير متحققة، فإن المدّ إذا كان وزن مائتين و ثمانين درهماً، تكون الأربعة أمداد ألفاً و مائة و عشرين، و ذلك ينقص عن وزن ستة أرطال المدينة بخمسين درهما. و الأمر كما قاله، و يزيد أنّ ما قاله الشيخ: إنّ لفظ خمسة أمداد وقعت وهماً من الراوي. يضر بحال ما تقدم من الشيخ، كما يعرف بأيسر نظر.

و بالجملة: فالكلام في الرواية لا يخلو من اختلال، و الشيخ قد مشىٰ علىٰ مسلك الراوي، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و أمّا الاحتمال الأخير الذي ذكره الشيخ ففي غاية البعد، إلّا أنّه قابل للتوجيه، و الخبران المستدل بهما لا يدلّان علىٰ أن المدّ لها، و الصاع له (صلى الله عليه و آله).

نعم روىٰ الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير،

258

عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه، أنّهما قالا: «توضّأ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بمدّ (1) و اغتسل بصاع» ثم قال: «اغتسل هو و زوجته بخمسة أمداد من إناء واحد» قال زرارة: فقلت: كيف صنع؟ قال: «بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها و أنقى فرجه، ثم ضربت فأنقت فرجها، ثم أفاض هو و أفاضت هي علىٰ نفسها حتى فرغا، و كان الذي اغتسل به رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أمداد، و الذي اغتسلت به مدّين، و إنّما أجزأ عنهما لأنّهما اشتركا جميعا، و من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع» (2).

و هذه الرواية لولا أنّي أشم منها رائحة التقية من حيث ذكر الوضوء أوّلا و ذكر غير ذلك أيضا، لكانت دالّة علىٰ أنّ مع المشاركة يزول استحباب الصاع.

ثم فيها دلالة علىٰ أُمور أُخر، منها: جواز المستعمل من الغير في الغسل في الجملة، فينفىٰ به بعض أقوال الأصحاب.

و منها: حصول إنقاء الفرج بشيء من الماء، بل قد يستفاد منها الاكتفاء في غسل المني مرّة واحدة.

و ما قاله في المنتهىٰ من أنّ التقدير لم يحصل بعد الاغتسال بل قبله، و ذلك يستلزم إدخال ما غسل الفرجين في المقدار (3). لا يخلو من غرابة، فإنّ ظاهر النص سقوط المقدار بالاجتماع، اللّهم إلّا أن يريد (4) مطلق المقدار من الصاع و غيره، و فيه: أنّ الخبر ظاهر في خلاف ما قاله.

____________

(1) ليست في النسخ، أثبتناه من التهذيب 1: 370/ 1130.

(2) التهذيب 1: 370/ 1130، الوسائل 2: 243 أبواب الجنابة ب 32 ح 5، بتفاوت يسير.

(3) المنتهىٰ 1: 86.

(4) في «رض»: يريدوا.

259

ثم إنّ الرطل العراقي علىٰ ما قاله العلّامة في المنتهىٰ في الزكاة: إنّه مائة و ثمانية و عشرون درهماً و أربعة أسباع درهم، إنّه تسعون (1) مثقالا، و المثقال درهم و ثلاثة أسباع درهم (2).

و نقل غيره أنّ الرطل مائة و ثلاثون درهما (3).

و الرطل المدني: قيل إنّه رطل و نصف عراقي (4). و سيجيء ذكر ما لا بدّ منه إن شاء اللّٰه في محله، و بالجملة فللكلام في المقام مجال واسع، و لعلّ في هذا القدر كفاية إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

[الحديث 7 و 8 و 9 و 10 و 11]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: الغسل من الجنابة و الوضوء يجزئ منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد».

عنه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و الحسن بن موسى الخشاب، عن يزيد بن إسحاق (5)، عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بللت يدك».

و ما يجري مجراها (6) من الأخبار: فإنها محمولة علىٰ الإجزاء

____________

(1) في المنتهىٰ: سبعون.

(2) المنتهىٰ 1: 497.

(3) نقله في المعتبر 1: 47.

(4) كما في الحبل المتين: 107.

(5) في الاستبصار 1: 122/ 415 زيادة: عن إسحاق.

(6) في الاستبصار 1: 122/ 415: مجراهما.

260

و الأوّلة علىٰ الفضل، إلّا أنّ مع ذلك فلا بدّ أن يجري الماء علىٰ الأعضاء ليكون غاسلًا و إن كان قليلًا مثل الدهن، فإنّه متى لم يجر لم يسمّ غاسلًا، و لا يكون ذلك مجزئاً.

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال: «الجنب ما جرى (1) عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه».

الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن جميل، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في الوضوء، قال: «إذا مسّ جلدك الماء فحسبك».

عنه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أسبغ الوضوء إن وجدت ماءً، و إلّا فإنّه يكفيك اليسير».

السند

في الأوّل: غياث بن كلوب، و لم يذكر أصحاب الرجال مدحه فضلًا عن كونه ثقة.

و الثاني: فيه يزيد بن إسحاق، و لم أفهم من كتب الرجال مدحه، فضلًا عن الثقة، إلّا أنّ جدي (قدس سره) في شرح الدراية يفهم منه توثيقه (2)، و كأنّه أخذه من تصحيح العلّامة طريق الصدوق إلىٰ هارون بن حمزة (3)، و هو فيه، و لا يخفىٰ عليك حقيقة الحال، و أمّا هارون بن حمزة فهو ثقة.

____________

(1) في «رض»: ما أجرى.

(2) شرح الدراية: 131.

(3) خلاصة العلّامة: 279.

261

و الثالث: لا يخفىٰ حسنه.

و الرابع و الخامس: لا ارتياب في صحتهما علىٰ ما قدّمناه.

المتن:

في الأولين ما قاله الشيخ لا يخلو من وجه، غير أنّ ما ذكره من اعتبار الجريان يريد به و لو بمعاون، كما ذكره المتأخرين (1)، و قد قدّمنا فيه القول، و إن أمكن المناقشة في قول الشيخ: إنّه لو لم يجر لم يسمّ غاسلًا.

و ما استدل به (رحمه الله) من الخبرين لا يخلو من تأمّل، أمّا الأوّل: فلأنّ دلالته من حيث المفهوم، و بتقدير تماميته ظاهر، و منطوق الثاني خلافه، إلّا أن يقال: إنّ الثاني مجمل و الأوّل مبيّن، فيحمل عليه. و فيه ما فيه، و أما الثاني: فغير خفيّ دلالته علىٰ خلاف مطلوب الشيخ.

و بالجملة: فيما قدمناه كفاية بالنسبة إلىٰ ما هو المقصود هنا، نعم ينبغي أن يعلم أنّ الشيخ (رحمه الله) أجمل المقام، فإنّ الأخبار الأوّلة الدالة علىٰ الصاع للغسل لا ريب أنّها للاستحباب، و هذه الأخبار منها ما هو دالّ علىٰ إجزاء ما يبلّ الجسد، و هذا لا ريب أنّه لا يعارض الاستحباب، و ما دل منها علىٰ اعتبار الجريان، (ينبغي أن يذكر في مقام المعارضة لما دل علىٰ إجزاء مثل الدهن، ثم يحمل علىٰ الجريان) (2) و لو بمعاون، أو بيّن أنّ الدهن مبالغة، و الحال في كلام الشيخ ما ترى.

ثم إنّ الأخبار المذكورة فيها إطلاق و فيها تقييد بالنسبة إلىٰ الغسل، لكنّ الأصحاب لم يذكروا الفرق بين الأغسال علىٰ ما رأيت.

____________

(1) منهم الشهيد في المسالك 1: 41، و صاحب المدارك 1: 291.

(2) ما بين القوسين ساقط من «رض».

262

باب وجوب الترتيب في غسل الجنابة

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن (1) (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: «تغسل يدك اليمنىٰ من المرفق إلىٰ أصابعك، و تبول إن قدرت علىٰ البول، ثم تدخل يدك في الإناء، ثم اغسل ما أصابك منه، ثم أفض علىٰ رأسك و جسدك، و لا وضوء فيه».

و بهذا الاسناد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان و فضالة، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن غسل الجنابة فقال: «تبدأ بكفيك، ثم تغسل فرجك، ثم تصبّ علىٰ رأسك ثلاثاً، ثم تصبّ علىٰ سائر جسدك مرّتين، فما يجري (2) عليه الماء فقد طهر».

أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن علي بن إسماعيل، عن حماد (بن عيسىٰ) (3)، عن حريز، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من اغتسل من جنابة و لم يغسل رأسه، ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدّاً من إعادة الغسل».

____________

(1) في الاستبصار 1: 123/ 419 زيادة: الرضا.

(2) في الاستبصار 1: 123/ 420: جرىٰ.

(3) ليس في «رض».

263

السند

في الأوّل و الثاني: لا ارتياب فيه، و أحمد بن محمد في الأوّل الراوي عنه الحسين هو ابن أبي نصر.

و الثالث: فيه علي بن إسماعيل و قد كرّرنا القول في شأنه (1).

المتن:

في الأخبار الثلاثة لا يدل علىٰ الترتيب المذكور في كلام المتأخّرين، من الترتيب بين الجانبين أيضا (2)، و في فوائد شيخنا أيّده اللّٰه علىٰ الكتاب: بل مقتضىٰ صحيحتي أحمد بن محمد و محمد بن مسلم، عدم وجوب ذلك، فإنّه لو كان واجباً لذكر في جواب السؤال، و في معناهما روايات، منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و صحيحة يعقوب ابن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام)، و هو ظاهر اختيار الصدوقين و ابن الجنيد، تمسكاً بمقتضىٰ الأخبار الصحيحة المطابقة لمقتضىٰ الأصل و ظاهر القرآن.

نعم في حسنة زرارة، قال: قلت: كيف يغتسل الرجل (3) الجنب؟ فقال: «إن لم يكن أصاب كفّه شيء (4) غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه

____________

(1) في ص 167، 169، 224 225.

(2) المحقق في المعتبر 1: 182، و العلّامة في المنتهىٰ 1: 83، و الشهيد الأوّل في الدروس 1: 96.

(3) ليست في «رض» و «د».

(4) في التهذيب 1: 133/ 368: مَنيّ.

264

فأنقاه بثلاث غرف، ثم صبّ علىٰ رأسه ثلاث أكفّ، ثم صبّ علىٰ منكبه الأيمن مرّتين، و علىٰ منكبه الأيسر مرّتين، فما جرىٰ عليه الماء فقد أجزأه» (1) و قوله: «ثم صبّ علىٰ منكبه الأيمن» يشعر بتقديمه، لكن لا يعارض بمثله الأخبار المتقدمة، و أين هذا من الترتيب المشهور، و الرجحان المطلق ممّا لا نزاع فيه، فيمكن الجمع بالاستحباب و الأولوّية. انتهىٰ كلامه أيّده اللّٰه.

و ما قاله متوجه، غير أنّ ما ذكره: من أنّ الترتيب لو كان واجباً لذكر في جواب السؤال. يشكل، بأنّ هذا بعينه وارد في صحيح أحمد بن محمد، فإنّ قوله «ثم أفض علىٰ رأسك و جسدك» لا يفيد الترتيب بين الرأس و البدن، و الحال أنّه لا قائل به، و لو سلّم إرادته من حيث إنّ الظاهر من قوله: «ثم أفض علىٰ رأسك» البدأة به، أشكل في صحيح زرارة الذي ذكره، فإنّ فيه بعد ذكر المضمضة و الاستنشاق «ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلىٰ قدميك» فما هو الجواب عن هذا فهو الجواب عن الجانب الآخر.

فإن قيل: الجواب عمّا ذكرت هو الإجماع مع الأخبار.

قلت: الإجماع مدعى أيضاً من الجانب الآخر، و خلاف معلوم النسب لا يضر بالحال، و دلالة خبر زرارة الذي نقل أيضاً مساعد.

فإن قيل: ناقل الإجماع علىٰ الترتيب المشهور هو الشيخ، و الإجماع المنقول بخبر الواحد محل كلام.

قلنا: لا ارتياب عند الأصحاب في قبول الإجماع المنقول بخبر الواحد.

____________

(1) الكافي 3: 43/ 3، التهذيب 1: 133/ 368، الوسائل 2: 229 أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

265

و هذا الكلام إنّما أوردناه لبيان حقيقة الحال و دفع ما عساه يقال، و الحق في المقام: أنّ نقل الإجماع بخبر الواحد لا يخرج عن كونه خبراً، بل هو قريب من المرسل، غاية الأمر أنّا لو سلّمنا أنّه مسند فهو حجّة كحجّية (1) الخبر، فدليل العمل بخبر الواحد دليله، و إن أمكن الفرق بأنّ العادة قاضية بامتناع تحقيق (2) الإجماع في زمن مدعية، إلّا أنّ إنكار ذلك إذا وقع من العدل مشكل (3).

ثم إنّ الإجماع المنقول إذا رجع إلىٰ الخبر كان مع المعارض حكمه حكم الخبر في الترجيح بالضبط و نحوه، و لا ريب أنّ ناقل الإجماع إذا علم منه مخالفة نفسه أشكل الحكم بضبطه، إلّا أن يقال: إنّ مخالفة نفسه قرينة علىٰ إرادته غير معنىٰ الإجماع منه، و فيه: أنّ هذا يضر بالحال أيضا، لأنه نوع من التدليس، كيف و من لم يطلع علىٰ خلاف (4) نفسه ينسىٰ علىٰ [الظاهر (5)] نقل الإجماع، و وجوب التتبّع ليصير من قبيل العام المخصوص لا وجه له، إلّا أن يقال: إنّه إذا علم الخلاف يبين إرادة غير المعنىٰ الحقيقي، و بدونه فلا، و أنت خبير بما في هذا من التكلف، و عدم المناسبة لصون الأحكام الشرعية عن التخليط.

و إذا عرفت هذا كلّه فاعلم أنّ الحال إذا رجع إلىٰ التعارض و الترجيح، فالإحالة علىٰ الفكر في حقائق الأُمور أولىٰ.

____________

(1) في «رض»: لحجيّة.

(2) في «رض»: تحقق.

(3) في «رض» و «فض» زيادة: و عدم الموافق علىٰ هذا إلّا من قلّ غير أن الضرورة غير داعية إلىٰ نفيه لانتفاء الثمرة، كما ستعلمه.

(4) في «فض»: خلافه.

(5) في النسخ: ظاهر، و الأنسب ما أثبتناه.

266

ثم إنّ الأخبار المعتبرة لا ينكر إفادتها ما قاله شيخنا أيّده اللّٰه- (1) و كذلك (2) كان الوالد (قدس سره) يقول. و شيخنا (قدس سره) صرّح به في فوائد الكتاب، إلّا أنّ القول بأنّه لو وجب الترتيب بين الجانبين لذكر في جواب السؤال، مع الإجمال الواقع في بعضها لا يخلو من إشكال، و قد قدّمنا ما يصلح للجواب عن ذلك في مواضع.

و الحاصل: أنّ كل مطلق و مقيد لا يخرج عن هذا، و لو لا التسديد الذي قدمناه ما صح حمل مطلق علىٰ مقيد.

و ما تضمنه الخبر الأوّل من قوله: «تغسل يدك» و دلالة الثاني علىٰ غَسل الكفّين قد قدّمنا القول فيه، كما ذكرنا حكم البول المذكور في الأول.

و ما تضمنه الخبر الثاني من الصب علىٰ الرأس ثلاثاً يحتمل أن يراد به الغسل ثلاثاً، و يحتمل الصب ثلاثا و الغَسل مرّة، و دلالة الخبر الثالث علىٰ وجوب تقديم الرأس ظاهرة.

اللغة:

قال ابن الأثير: إفاضة الماء علىٰ الشيء إفراغه عليه، يقال: فاض الماء إذا جرىٰ، و فاض الدمع إذا سال. و قال ابن الأثير في أحكام الأحكام: الأصل في «سائر» أن يستعمل بمعنى البقية، و قالوا: هو مأخوذ من السور، قال الشنفري:

إذا احتملوا رأسي و في الرأس أكثري * * * و غودر عند الملتقى ثم سائري

(3)

____________

(1) المتقدم في ص: 259 264.

(2) في «فض»: و لذلك.

(3) الأغاني 21: 182 و فيه: إذا احتملت.

267

أي بقيّتي، و قد ذكر في أوهام الخواص أنّ جعلها بمعنى جميع من ذلك، و في الصحاح ما يفيد جوازه (1).

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة، معه أُمّ إسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها و تركت رأسها قال لها: «إذا أردت أن تركبي فاغسلي رأسك» ففعلت ذلك فعلمت بذلك أُمّ إسماعيل فحلقت رأسها، فلمّا كان من قابل انتهىٰ أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إلىٰ ذلك الموضع (2) فقالت له أُمّ إسماعيل: أيّ موضع هذا؟ فقال لها: «الموضع الذي أحبط اللّٰه فيه حجّك عام أوّل».

فهذا الخبر يوشك أن يكون قد و هم الراوي فيه، و لم يضبطه فاشتبه عليه الأمر، لأنّه لا يمتنع أن يكون سمع أن يقول لها [أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) (3)]: اغسلي رأسك فإذا أردت الركوب فاغسلي جسدك، فرواه بالعكس من ذلك، و الذي يدل علىٰ ذلك: أنّ راوي هذا الخبر و هو هشام بن سالم روىٰ هذا الخبر بعينه علىٰ ما قلناه:

روىٰ ذلك الحسين بن سعيد، عن النضر، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت علىٰ أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فسطاطه و هو يكلم امرأة فأبطأت عليه، فقال: «ادنه، هذه أُمّ إسماعيل جاءت و أنا

____________

(1) الصحاح 2: 692 (سير).

(2) في الاستبصار 1: 124/ 422: المكان.

(3) ما بين المعقوفين أثبتناه من الإستبصار 1: 124/ 422.

268

أزعم أن هذا المكان الذي أحبط اللّٰه فيه حجّها عام أول، كنت أردت الإحرام، فقلت: ضعوا لي الماء في الخباء فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبت منها، فقلت: اغسلي رأسك و امسحيه مسحاً شديداً لا تعلم به مولاتك فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك و لا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك، فدخلت فسطاط مولاتها فدنت (1) تتناول شيئاً فمسّت مولاتها رأسها فإذاً لزوجة الماء فحلقت رأسها و ضربتها، فقلت لها (2) المكان الذي أحبط اللّٰه فيه حجّك».

السند:

في الخبرين لا ارتياب فيه.

المتن:

ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من وجه، و إن بَعَّدَه احتمال أن يكون الرواية الأُولىٰ مشافهة و الثانية بواسطة، فلا تدل علىٰ مطلوب الشيخ، مضافاً إلىٰ أنّ التخالف غير محصور فيما قاله الشيخ كما يظهر من ملاحظة الروايتين.

ثم إنّ (مثل هؤلاء الرواة الإثبات) (3) يستبعد منهم عدم الضبط، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و لا يخفىٰ أنّ دلالة الخبرين علىٰ إبطال الحج علىٰ وجه المبالغة (4) لنقصان الثواب.

____________

(1) في الاستبصار 1: 124/ 423: فذهبت.

(2) في الاستبصار 1: 124/ 423 زيادة: هذا.

(3) في «فض» هكذا: مثلها و لا الرواية الإتيان، و في «رض»: مثل هذه الرواة.

(4) في «فض» ما يمكن أن يقرء: المتابعة.

269

و أنت خبير بأنّه يستفاد من خبر هشام عدم وجوب الموالاة في الغسل كما هو المشهور بين الأصحاب، بل قيل: إنّه متفق عليه (1)، و استدل علىٰ عدم الوجوب بصدق الامتثال بدونها، و بصحيح إبراهيم ابن عمر اليماني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن عليّاً (عليه السلام) لم ير بأساً أن يغسل الجنب رأسه غدوة و سائر جسده عند الصلاة» (2).

و لا يذهب عليك أنّ ظاهر الحديث المستدل به مع هذه الرواية عدم صحة غَسل بعض الرأس مع أنّ إطلاق عدم وجوب الموالاة يقتضي الصحة، مضافا إلىٰ إطلاق الأمر الذي قالوه، و لم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.

أمّا ما قد يقال: من أنّ بعض الاستدلال في الوضوء يتناول الغسل. فجوابه الخروج بالدليل، فليتأملّ.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ خبر محمد بن مسلم و غيره من الأخبار الدالة علىٰ تقديم الرأس لا يخلو من إجمال في حقيقة الرأس، فيحتمل أن يراد به منابت الشعر خاصة، و يحتمل إرادة المنابت مع الرقبة. و ذكر شيخنا (قدس سره)-: أنّ صحيح يعقوب بن يقطين يدل علىٰ أنّ الرأس المنابت خاصة (3)، و الرواية لم يحضرني الآن سندها، لكن متنها: «ثم يصب الماء علىٰ رأسه و علىٰ وجهه و علىٰ جسده كله» و كان وجه استفادة ما قاله من ذكر الوجه بعد الرأس، و لا يخفىٰ عليك الحال بسبب بقاء نوع إجمال.

____________

(1) قال به الشيخ البهائي في الحبل المتين: 41.

(2) الكافي 3: 44/ 8، التهذيب 1: 134/ 372، الوسائل 2: 238 أبواب الجنابة ب 29 ح 3.

(3) مدارك الأحكام 1: 294.

270

و في حسنة زرارة: «ثم صبّ علىٰ رأسه ثلاث أكفّ، ثم صبّ علىٰ منكبه الأيمن» (1) و ظاهرها يقتضي دخول الرقبة و الوجه في الرأس. و صرح جدي (قدس سره) في الروضة بأنّ الرأس و الرقبة عضو واحد (2). و لا يبعد استفادة ذلك من الروايات، و يكون ذكر الوجه بينهما في صحيح يعقوب تنصيصاً (3) عليه لا لكونه خارجا عن الرأس، و مع ذلك فالحكم لا يخلو من إشكال.

و رواية هشام لا صراحة فيها بكون الرأس هو المنابت كما لا يخفىٰ.

و ثمرة ما ذكرنا في الرأس تظهر في الموالاة التي أشرنا إليها سابقاً، فلا ينبغي الغفلة عن جميع ذلك، فإني لم أره محرّراً في كلام المتأخّرين، و اللّٰه أعلم بالحال.

اللغة:

قال في النهاية: الفُسطاط بالضم و الكسر المدينة، و قال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر (4). و في القاموس من جملة معانيه: السرادق من الأبنية (5). و قيل: إنّ المراد به بيت من الشعر (6).

و الخباء بكسر الخاء المعجمة: خيمة من وبر أو صوف و لا يكون من شَعر و هو علىٰ عمودين أو ثلاثة، و ما فوق ذلك فهو بيت، كذا نقل عن الصحاح (7).

____________

(1) المتقدمة في ص 239.

(2) الروضة البهية 1: 94.

(3) في «فض»: بنفسها.

(4) النهاية لابن الأثير 3: 445.

(5) القاموس المحيط 2: 391.

(6) الصحاح 3:/ 1150.

(7) نقله عنه في الحبل المتين: 41، و هو في الصحاح 6: 2325.

271

و الهاء في قوله: «ادنه» هاء السكت. و أبطأت أي توقّفت و لم أسرع. و قوله: «فاستخففتها» قيل: المراد به وجدتها خفيفة علىٰ طبعي (1).

بقي شيء و هو أنّ قوله (عليه السلام): «لا تعلم به مولاتك» يجوز نصبه بأن مقدّرة أي لئلّا تعلم، و الضمير المجرور يعود إلىٰ الغسل، و يمكن أن يكون مرفوعا بأن يكون جملة «لا تعلم» نعتاً للمسح و المجرور عائد إليه، و الفعل في قوله: «فتستريب مولاتك» منصوب بفاء السببية بعد النهي، كما ذكر في الحبل المتين (2)، فليتأملّ.

[الحديث 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».

فلا ينافي ما قدمناه من وجوب الترتيب، لأنّ المرتمس يترتب حكماً و إن لم يترتب فعلًا، لأنّه إذا خرج من الماء حكم له أوّلًا بطهارة رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر فيكون علىٰ هذا التقدير مرتّبا، و يجوز أن يكون عند الارتماس يسقط مراعاة الترتيب كما يسقط عند غسل الجنابة فرض الوضوء.

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن

____________

(1) الحبل المتين: 41.

(2) الحبل المتين: 41.

272

جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر علىٰ ما سوىٰ ذلك؟ قال: «إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك».

فهذا الخبر أيضاً يحتمل أن يكون إنّما أجاز له إذا غسل هو الأعضاء عند نزول المطر عليه علىٰ ما يجب ترتيبها، و يحتمل أن يكون القول فيه ما قلناه في الخبر الأوّل من أنّه مترتّب حكماً لا فعلًا، أو يكون هذا حكم يخصّه دون من يريد الغسل بوضع الماء علىٰ جسده.

السند

في الأوّل حسن، و في الثاني صحيح.

المتن:

في الأوّل: ظاهر في أن الارتماس يقوم مقام الترتيب، و ما ذكره الشيخ من أنّه إذا خرج من الماء إلىٰ آخره، غير واضح الوجه، بل الوجه الثاني هو الظاهر من الرواية، و قد تقدم في باب المضمضة (1) عن التهذيب خبراً صحيحاً عن زرارة، و فيه: «و لو أنّ رجلًا جنباً ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده» (2).

و هو ربما يدل علىٰ إجزاء الارتماس عن الترتيب، و احتمال أن يراد الإجزاء فيه بالنسبة إلىٰ عدم دلك الجسد و إن أمكن، إلّا أنّا بيّنا سابقاً

____________

(1) راجع: ص 211.

(2) التهذيب 1: 148/ 422، الوسائل 2: 230 أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

273

احتمالا لا ينافي إبقاءه علىٰ الإطلاق من وجه آخر (1).

و في فوائد شيخنا (قدس سره) علىٰ الكتاب ما هذا لفظه: أقول: إنّ الذي دلت عليه الرواية الصحيحة السند المعتبرة فيمن لا يحضره الفقيه أنّ الغسل يتحقق بالارتماسة الواحدة، و أمّا أنّ غسل الارتماس يترتب في نفسه بالمعنى الذي ذكره الشيخ في هذا الكتاب، أو أنّ المغتسِل يعتقد الترتيب كما ذكره بعض آخر فليس في الأدلّة الشرعية ما يدل عليه، فإثباته مجازفة. انتهىٰ.

و أشار (قدس سره) برواية الفقيه إلىٰ ما رواه عن الحلبي (2)، و طريقه إليه صحيح علىٰ ما بيّناه في حاشيته، و ما ذكره (قدس سره) عن البعض: من اعتقاد الترتيب، فقد حكي عن الشيخ في المبسوط أنّه نقل عن بعض الأصحاب أنّ غسل الارتماس يترتب حكماً (3).

قال في الذكرى: و ما قاله الشيخ يحتمل أمرين: أحدهما: و هو الذي عقله عنه الفاضل إنّه يعتقد الترتيب حال الارتماس، و يظهر ذلك من المعتبر حيث قال: و قال بعض الأصحاب يرتب حكما. فذكره بصيغة الفعل المتعدي و فيه ضمير يعود إلىٰ المغتسِل.

الثاني: أنّ الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس، و تظهر الفائدة لو وجد لمعة مغفلة فإنّه يأتي بها و بما بعدها (4). انتهىٰ.

و لا يخفىٰ عليك حال الكلام من جميع جهاته، فإنّه مجرد كلام من

____________

(1) راجع: ص 212.

(2) الفقيه 1: 48/ 191.

(3) حكاه عنه في المدارك 1: 296، و هو في المبسوط 1: 29.

(4) ذكرى الشيعة 2: 223 224.

274

غير التفات إلىٰ تحقيق أصله، و هم أعلم بما قالوه.

ثم إنّ الخبر الثاني قد نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه ألحق فيه بالارتماس الوقوف تحت المجرىٰ و المطر الغزيرين (1)، و احتج بهذا الخبر. و في المختلف حكىٰ عن ابن إدريس أنّه قال: يسقط الترتيب مع الارتماس لا مع الوقوف تحت المطر و المجرى (2).

و في مدارك شيخنا (قدس سره) أنّ حديث علي بن جعفر قاصر عن إفادة ما ادعاه الشيخ (3).

و بعض محققي المتأخّرين سلّمه اللّٰه وجّه استدلال الشيخ بالرواية بأن قوله (عليه السلام): «إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك» مطلق، فإذا كان الاغتسال علىٰ نوعين، غسل ترتيب و غسل ارتماس، فالحديث يدل علىٰ أن أيّ هذين النوعين حصل بالوقوف تحت المطر أجزأ، فدليل الشيخ غير قاصر (4).

و قد ذكرت في حاشية الفقيه و حاشية المختلف كلاماً طويلًا في المقام، و الذي يقال هنا: إن وجه القصور هو أن معاد الأخبار إجزاء الارتماس عن الترتيب، و الارتماس ليس له حقيقة شرعية و لا لغوية يرجع إليها، بل المرجع إلىٰ العرف، فالحديث بمجرّده لا يستفاد منه العموم إلّا مع تحقق النوعين في مدلوله، و العرف لا يساعد عليه كما لا يخفىٰ علىٰ من راجع وجدانه.

____________

(1) نقله عنه في مدارك الأحكام 1: 297، و هو المبسوط 1: 29.

(2) المختلف 1: 174، و هو في السرائر 1: 135.

(3) مدارك الأحكام 1: 297.

(4) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 41.

275

و ما وقع للعلّامة في الحديث غريب كما يعلمه من وقف علىٰ كلامنا و كلامه، و لو لا خوف الخروج عما نحن بصدده لذكرناه.

و لا يخفىٰ عليك ما في قول الشيخ بعد ذكر خبر علي بن جعفر، فإنّ مقتضىٰ قوله أوّلًا: إنّه إنّما أجاز له إذا غسل هو الأعضاء علىٰ ما يجب ترتيبها. أن يكون قوله (عليه السلام) في الرواية: «إن كان يغسله» إلىٰ آخره، يراد به أنّ ماء المطر إذا فعل به الغاسل كما يفعل بغير ماء المطر أجزأه، و هذا لا يخلو من إجمال، لأنه إمّا أن يراد القصد إلىٰ الترتيب أو القصد مع المباشرة بدلك الجسد، و المتقدم من الشيخ أن المرتمس بمجرد خروج العضو يحصل له الترتيب لا بغيره من القصد، إلا أن يقال: إنّ ذلك في الارتماس لا في الترتيب. و فيه أنّه جعل الارتماس مرتباً حكماً، فلا بد من المغايرة، و تحقّقها بأيّ نوع في حيّز الإجمال، بل ظاهر الأوّل الحصر في نوع.

ثم قول الشيخ ثانياً: و يحتمل أن يكون القول فيه ما قلناه في الخبر الأوّل إلىٰ آخره، إن أراد به ما ذكره من أنّه إذا خرج من الماء لم (1) يختلف الحكم الأوّل و الثاني إلّا بأن يقال: إن الثاني ليس بارتماس. و الظاهر خلافه، و قوله (عليه السلام) حينئذ: «إن كان يغسله اغتساله» يبقىٰ علىٰ إجماله.

و قول الشيخ ثالثا: أو يكون هذا حكم يخصه. لا أعلم وجه مغايرته للسابق بعد التأمّل بقدر الإمكان، علىٰ أن في قوله (عليه السلام): «إن كان يغسله» احتمالات بالنسبة إلىٰ الضمير (و الفاعل، و بسبب) (2) ذلك فالقصور في الاستدلال به للارتماس لا يكاد ينكره من أنعم نظره في حقيقة الحال،

____________

(1) ليست في «رض».

(2) ما بين القوسين في «رض»: و الفاعل سبب.

276

و لم يسلك في تحقيق هذه المطالب مسلك الإجمال، و علىٰ اللّٰه سبحانه في أُمورنا كلّها الاتّكال.

باب سقوط فرض الوضوء عند الغسل من الجنابة

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن يعقوب بن شعيب، عن حريز، أو عمّن رواه، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أهل الكوفة يروون عن علي 7 أنّه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة قال: «كذبوا علىٰ عليٍّ 7 ما وجدوا ذلك في كتاب علي 7، قال اللّٰه تعالىٰ (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (1)».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الحميد بن عواض، عن محمد ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الغسل يجزئ عن الوضوء، و أيّ وضوء أطهر من الغسل».

عنه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد (2) بن أبي عمير، عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كل غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة».

____________

(1) المائدة: 6.

(2) في الاستبصار 1: 126/ 428 لا يوجد: محمّد.

277

السند

في الأوّل: فيه الإرسال، و الظاهر أنّ قوله: أو عمّن رواه. ترديد من يعقوب في أنّ الراوي عن محمد بن مسلم حريز أو غيره، و يحتمل غير ذلك، لكنه في غاية البعد.

و الثاني: ليس فيه ارتياب علىٰ ما قدّمناه، و عبد الحميد ثقة، و قد ضبط ابن داود: غواض بالغين و الضاد المعجمتين (1).

و الثالث: ليس فيه إلّا الإرسال، و كونه من ابن أبي عمير كرّرنا فيه الكلام (2) (3).

المتن:

في الأوّل: ظاهر في نفي الوضوء مع غسل الجنابة مطلقا و إن كان أوله يفيد نفي الوضوء قبله، إلّا أنّ قوله (عليه السلام): «قال اللّٰه تعالىٰ «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا»» يقتضي أنّ مفاد الآية الاكتفاء بالغسل عن الوضوء.

و احتمال أن يقال: إنّ الخبر يدل علىٰ نفي الوجوب قبل، أو قبل و بعد للآية لا علىٰ نفي أصل المشروعية، ستسمع القول في دفعه (4).

و ما تضمنه الخبر من قوله: «ما وجدوا» إلىٰ آخره، لا يخلو من شيء، و الأمر سهل بعد ضعف الخبر.

____________

(1) رجال ابن داود: 127/ 940.

(2) في «رض»: القول.

(3) راجع ج 1 ص 99 101.

(4) في ص 260.

278

و الثاني: ظاهر الدلالة علىٰ نفي الوضوء مع الغسل، و المتبادر من الغسل فيه غسل الجنابة، لشيوع ثبوت الوضوء معه بين المخالفين و نفيه عند غيرهم.

و الوالد (قدس سره) قرّب ذلك بأنّ التعريف فيه ليس للعموم، إذ هو من المفرد المحلّىٰ، و إنّما يأتي العموم في مثله نظراً إلىٰ أنّ غيره من المعاني ينافي الحكمة، إذ العهد إلىٰ معلوم غير ظاهر، و غير المعلوم لا يليق بالحكمة، فلم يبق إلّا الاستغراق (1)؛ أمّا في ما نحن فيه فالمعلومية حاصلة كما ذكرناه.

و شيخنا (قدس سره) وجّه العموم بما ذكرناه، و أيّده بالتعليل الموجود في الخبر قال: إذ لا خصوصية لغسل الجنابة بهذا الوصف (2). و لا يخفىٰ عليك الحال.

و أمّا الخبر الثالث: فهو ظاهر في نفي الوضوء قبل غسل الجنابة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث السابق في أوّل باب وجوب الترتيب عن أحمد بن محمد، يؤيّد ما دل علىٰ عدم الوضوء مع غسل الجنابة، قال (عليه السلام): «و لا وضوء فيه» (3).

و روى الشيخ في التهذيب عن الشيخ، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن يعقوب ابن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل (عليه السلام)؟ فقال: «الجنب.» و ساق الحديث إلىٰ أن قال: «و لا وضوء فيه» (4).

____________

(1) منتقىٰ الجمان 1: 184.

(2) مدارك الأحكام 1: 360.

(3) راجع ص 238.

(4) التهذيب 1: 142/ 402، الوسائل 2: 246 أبواب الجنابة ب 34 ح 1.

279

و روى أيضاً عن حكم بن حكيم المعدود في الصحيح ما يؤيّد ذلك (1)، و بالجملة فالأمر في ذلك يكاد أن يلحق بالضروريات.

و ينبغي أن يعلم أنّ العلّامة في المختلف نقل رواية عدّها في الحسن، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «في كل غسل وضوء إلّا الجنابة» (2).

و الذي وقفت عليه في الأُصول الجامعة للحديث ما رواه الشيخ هنا، و في التهذيب عن ابن أبي عمير عن رجل إلىٰ آخر الرواية السابقة (3).

و في التهذيب روىٰ عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، أو غيره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «في كل غسل وضوء إلّا الجنابة» (4).

و رواية العلّامة لم أقف عليها، و شيخنا (قدس سره) حكم بأنّ الرواية واحدة، و أنّه لا وجه لعدّ العلّامة (رحمه الله) روايتين (5).

و أنت خبير بأنّ الاتحاد محل كلام لاختلاف المتن، و ما أشار إليه من ذكر العلّامة روايتين، أراد به أنّه في المختلف ذكر رواية ابن أبي عمير المرسلة قبل الرواية الحسنة (6).

و قد اتفق للمحقق أنّه أجاب عن رواية حماد أو غيره في المعتبر علىٰ ما نقله شيخنا (قدس سره) بأنّها غير صريحة في وجوب الوضوء مع غير غسل

____________

(1) التهذيب 1: 139/ 392، الوسائل 2: 247 أبواب الجنابة ب 34 ح 4.

(2) المختلف 1: 178، الوسائل 2: 248 أبواب الجنابة ب 35 ح 2.

(3) التهذيب 1: 139/ 391، الوسائل 2: 248 أبواب الجنابة ب 35 ح 1.

(4) التهذيب 1: 143/ 403، الوسائل 2: 248 أبواب الجنابة ب 35 ح 2.

(5) مدارك الأحكام 1: 358.

(6) المختلف 1: 178.

280

الجنابة (1). و صورة كلام المحقق هذه: لا يقال رواية ابن أبي عمير، عن حماد أو غيره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في كل غسل وضوء إلّا غسل الجنابة» يدل علىٰ الوجوب، لأنا نقول: لا يلزم من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجباً، بل من الجائز أن يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه، و غيره يجوز، و لا يلزم من الجواز الوجوب (2).

قال شيخنا (قدس سره) بعد نقل ذلك: و تبعه علىٰ ذلك العلّامة في المختلف، و جدّي في روض الجنان (3). و قد اكتفىٰ (قدس سره) بهذا الجواب، بعد أن ذكر أنّ الرواية مرسلة، و إن كان المرسِل لها ابن أبي عمير.

و في نظري القاصر أنّ المقام غير محرّر لهما (4)، لأنّ إنكار ظهور دلالة رواية ابن أبي عمير عن حماد أو غيره علىٰ الوجوب لا وجه له، و مجرد الاحتمال لو أثّر في الاستدلال لم يتمّ دليل أصلًا، بل المؤثِّر من الاحتمالات ما ينافي الظهور، و لو نظرنا إلىٰ المعارض الدال علىٰ عدم الوجوب في غير غسل الجنابة كان الدخل من جهة أُخرى.

و الظاهر من المحقق أنّ اعتقاده اتحاد رواية ابن أبي عمير عن رجل، مع روايته عن حماد أو غيره، ليكون الدّخل في متن الرواية الدال علىٰ أنّ كل غسل قبله وضوء، و وجه الدخل حينئذ أنّ قوله (عليه السلام): «كل غسل قبله وضوء» مع دلالة بعض الأدلة علىٰ عدم وجوب التقديم كما ظنه بعض، يدل علىٰ أنّ مفاد الحديث غير صريح في وجوب الوضوء، بل يجوز أن

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 359.

(2) المعتبر 1: 267.

(3) مدارك الأحكام 1: 359.

(4) ليست في «رض» و «د».

281

يراد به ما قاله المحقق، لكن لمّا جعل مورد كلامه علىٰ متن رواية ابن أبي عمير عن حماد توجّهت عليه المناقشة.

و العلّامة في المختلف لمّا ذكر الروايتين في بحث الجنابة للاستدلال بهما علىٰ عدم الوضوء مع غسل الجنابة بجعل الاولىٰ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن رجل؛ و الأُخرى في الحسن، عن حماد بن عثمان، لم يذكر ما أجاب به المحقق، و أعاد الرواية الأُولىٰ للاحتجاج علىٰ تقديم الوضوء للقائل به، و أجاب باحتمالها الاستحباب (1).

و هذا الجواب في ظاهر الحال لا يخلو من خلل؛ لأنّ الاستحباب إن كان لمعارضة الدليل الدال علىٰ جواز التأخير و هو ما ذكره من أصالة البراءة من وجوب التقديم؛ و لأن الوضوء يراد للصلاة فلا يجب قبلها؛ و لأنّه إذا اغتسل لغير الجنابة فقد فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. فالدخل فيه ممكن (2):

أمّا أوّلًا: فبأنّ أصالة البراءة يعارضها ظاهر الخبر، و لو لم يخرج عن أصالة البراءة بالظاهر لم يتم إثبات الأحكام غالباً.

و أمّا ثانياً: فلأنّ إرادة الوضوء لأجل الصلاة مطلقا غير مسلّم، إذ الإجماع منتف، لوجود القائل هنا، و لو سلّم نقول: علىٰ تقدير وجوب الصلاة يجب التقديم، إلّا أن يقال: إن القائل بهذا التفصيل غير معلوم، و سيأتي عن شيخنا المحقق أيّده اللّٰه كلام في تحقيق معنىٰ هذا الوضوء.

و أما ثالثاً: فلأن فعل المأمور به مطلقاً غير مسلّم الحصول كما لا يخفىٰ.

____________

(1) المختلف 1: 178.

(2) في «فض»: يمكن.

282

و إذا عرفت هذا فقول العلّامة: إنّ الحديث يحتمل الاستحباب. غير تامٍّ كما يعرف بأيسر نظر.

و في بحث غسل الأموات ذكر الحديث في الاستدلال لاستحباب الوضوء في غسل الميت بهذه الصورة: و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره (1). و هذا النقل يدل علىٰ أنّ ما ذكره في بحث الجنابة و وصفه بالحسن وَهْم علىٰ ما أظنّ.

و ما ذكره شيخنا (قدس سره)-: من أنّ العلّامة في المختلف تبع المحقق في الجواب، أظنّ أنّي وجدته فيه، لكني الآن لم أجده.

و أمّا ما قيل: من قبول مراسيل ابن أبي عمير فقد تقدّم فيه قول (2)، و نزيد هنا: أنّ ابن أبي عمير لو فرض أنّه لا يروي إلّا عن عدل أو ثقة لا يصلح حجّةً علىٰ غيره مع عدم العلم بالعدل ليعلم حاله من انتفاء الجارح أو وجوده، و لو صرّح بأنّه عدل فالقول فيه كذلك كما قرّر في الأُصول.

و العجب أنّ العلّامة في المنتهىٰ قال في بحث التطهير بالنار في رواية: إنها مرسلة و إن كان مرسلها ابن أبي عمير، إلّا أنّها معارضة بالأصل فلا تكون مقبولة (3). و أنت إذا لاحظت هذا الكلام لا يخفىٰ عليك حقيقة الحال.

أمّا ما قد يقال: من أنّ مراسيل ابن أبي عمير إن كان قبولها لأنّه لا يروي إلّا عن عدل، فلا يكون مرسلة. فجوابه سهل، لأنّ الإرسال بحسب الظاهر.

____________

(1) المختلف 1: 222.

(2) راجع ج 1 ص 99 101.

(3) المنتهىٰ 1: 180.

283

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته قلت: كيف أصنع إذا أجنبت؟ قال: «اغسل كفّك و فرجك و توضّأ وضوء الصلاة ثم اغتسل».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الاستحباب، و لا ينافي ذلك:

ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ مرسلًا بأنّ الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة.

لأنّ هذا خبر مرسل لم يسنده إلىٰ إمام، و لو سلّم لكان معناه أنّه إذا اعتقد أنّه فرض قبل الغسل فإنّه يكون مبدعا، و أمّا إذا توضّأ ندباً و استحباباً فليس بمبدع، فأمّا ما عدا غسل الجنابة من الأغسال فلا بد فيه من الوضوء قبل الغسل، و يدلُّ علىٰ ذلك قول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رواية ابن أبي عمير: «كل غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة».

السند

في الأوّل فيه أبو بكر الحضرمي و قد تكرّر القول فيه (1)؛ و الثاني فيه الإرسال كما قاله الشيخ؛ و الثالث قد سبق الكلام عليه.

____________

(1) راجع ص 84 86.

284

المتن:

ما قاله الشيخ في الأوّل من الحمل علىٰ الاستحباب في غاية البعد؛ و ما قاله شيخنا المحقق أيّده اللّٰه في فوائد الكتاب من أن الأولىٰ الحمل علىٰ التقية، حفظاً لظاهر الروايات الدالة علىٰ سقوط الوضوء مع غسل الجنابة لا يخلو من وجه، بل الظاهر رجحانه، و الأخبار لا تنافي الاستحباب، لأنّ ظاهرها نفي وجوب الوضوء كما يعلم من ملاحظتها، إلّا أنّ ظاهر التعليل في بعضها نفي مشروعية الوضوء.

و قد بالغ شيخنا (قدس سره) في فوائده علىٰ الكتاب فقال: إنّ الحمل ضعيف جدّاً، بل كاد أن يكون معلوم البطلان، لأنّ الأخبار الواردة بسقوط الوضوء مع غسل الجنابة مستفيضة، بل ربما بلغت حد التواتر المعنوي، مع مطابقتها للأصل و ظاهر القرآن، و هذه الرواية في غاية الضعف، فإن راويها و هو أبو بكر لم يثبت إيمانه فضلًا عن كونه ممّن يقبل خبره، فيتعين اطراح روايته، و لو كانت الرواية صحيحة لوجب حملها علىٰ التقية، أمّا استحباب الوضوء معه فمقطوع بعدمه. انتهىٰ.

و ما قاله (قدس سره) من عدم ثبوت إيمان أبي بكر لا يخلو من غرابة كما يعرف من كتب الحديث و الرجال و قد سبق فيه الكلام (1).

و قوله: إنّ الأخبار مطابقة للأصل و ظاهر القرآن. ففيه نوع تأمّل:

أمّا الأصل: فلأنّ أصالة عدم الاستحباب مع وجود ما يدل عليه علىٰ تقدير الصلاحية لإثبات الاستحباب لا يخلو من إشكال، إلّا أن يقال: إنّ مع احتمال التقية لا يخرج عن الأصل.

____________

(1) راجع ص 84 86.

285

و أمّا ظاهر القرآن: فاحتمال عموم آية الوضوء (1) للجنب قائم، و التقسيم لا ينافيه، لتحققه مع الغسل المقتضي لجعله قسما، و ادعاء رجحان إرادة الغسل من دون الوضوء محل كلام.

و الخبر السابق الدال علىٰ أنّ الآية تقتضي عدم الوضوء مع الغسل (2) ضعيف، إلّا أنّه يمكن ترجيح الظهور بوجه من الاعتبار، غير أنّ مجال البحث واسع، و بالجملة فالقطع بنفي احتمال الاستحباب محل كلام، نعم لو أعطىٰ المتأمّل الأخبار حق التأمّل لا يبعد نفي الاستحباب منها.

و لشيخنا المحقق أيّده اللّٰه احتمال لا بأس به في الرواية و هو أن يراد بالوضوء (3): غَسل اليد من المرفق، و هو و إن بَعُد من حيث ذكر غَسل الكفّين أوّلًا، إلّا أنّه قابل للتوجيه.

ثم إنّ التقية ليست من جهة الراوي ليظن عدم إيمانه، بل باعتبار نقل ذلك عن الإمام ليعلم المخالفون عدم المخالفة لمذهبهم، أو لحضور من يتّقىٰ غيره.

أمّا ما قاله الشيخ في الخبر الثاني (4) فبعيد أيضاً لكنه ممكن، و يحتمل أن يراد أنّ الوضوء قبله مشروع و بعده بدعة، و هذا أنسب بمراد الشيخ، و لا يستبعد فهم الشيخ ذلك كما يظهر من سياق كلامه، و في بعض الأخبار الوضوء بعد الغسل بدعة (5).

و أمّا حكم غير غسل الجنابة فقد تقدّم منّا فيه كلام، و نزيد هنا: أنّ

____________

(1) المائدة: 6.

(2) راجع ص 251.

(3) في النسخ زيادة: في، حذفناها لاستقامة المعنىٰ.

(4) راجع ص 258.

(5) التهذيب 1: 140/ 395، 396، الوسائل 2: 245 أبواب الجنابة ب 33 ح 5، 6.

286

ما ذكره الشيخ: من أنّ الوضوء قبله (1). قد علمت سابقا كلام العلّامة في المختلف فيه (2).

و نقل في المختلف أيضا عن المبسوط أنّ فيه: و غسل الحائض كغسل الجنابة، و يزيد عليه وجوب تقديم الوضوء علىٰ الغسل (3).

و نقل عن أبي الصلاح أنّه قال: فما عدا غسل الجنابة الوضوء واجب في ابتدائه (4).

و قال المفيد: و كل غسل لغير جنابة فهو غير مجزٍ في الطهارة حتى يتطهّر معه الإنسان وضوء الصلاة قبل الغسل (5).

و قد احتجّ بعض الأصحاب علىٰ وجوب الوضوء مع غير غسل الجنابة مع الخبر الذي ذكره الشيخ بالآية الشريفة، فإنّ ظاهرها العموم إلّا ما خرج بالإجماع كالجنابة (6).

و اعترض عليه: بأنّ الآية ليست عامة، فإنّ «إذا» للإهمال كما صرح به في الأُصول (7). و فيه نظر، فإنّ المقام لا ينكر إفادته العموم كما في كثير من المواضع، و أمّا وجوب التقديم فقد قدّمنا ما فيه كفاية.

[الحديث 6 و 7 و 8 و 9]

قال: فأمّا ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن الحسن بن علي بن إبراهيم بن

____________

(1) راجع ص 258.

(2) راجع ص 253 256.

(3) المختلف 1: 180، و هو في المبسوط 1: 30.

(4) المختلف 1: 180، و هو في الكافي في الفقه: 134.

(5) المختلف 1: 180، و هو في المقنعة: 53.

(6) المختلف 1: 178.

(7) مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 126، 127.

287

محمد، عن جده إبراهيم بن محمد، أن محمّد (1) بن عبد الرحمن (2) الهمداني كتب إلىٰ أبي الحسن (الثالث) (3) (عليه السلام) يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة، فكتب: «لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة و لا غيره».

و عنه، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقه، عن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: «لا، ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل، و المرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو (4) غير ذلك، و ليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل».

سعد بن عبد اللّٰه، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن (الحسن ابن الحسين) (5) اللؤلؤي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن حماد ابن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يغتسل الجمعة أو غير ذلك أ يجزؤه عن الوضوء؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «و أيّ وضوء أطهر من الغسل».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها علىٰ أنها (6) إذا اجتمعت هذه أو شيء منها مع غسل الجنابة فإنه يسقط فرض الوضوء، و إذا انفردت

____________

(1) في النسخ زيادة: بن محمّد، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 426/ 431.

(2) في «فض» زيادة: محمّد.

(3) أثبتناه من الاستبصار 1: 126/ 431.

(4) في النسخ: و، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 127/ 432.

(5) في الاستبصار 1: 127/ 433: الحسين بن الحسن.

(6) في الاستبصار 1: 127/ 433: أنه.

288

هذه الأغسال أو شيء منها عن غسل الجنابة فإنّ الوضوء واجب قبلها حسب ما تقدم، و يزيد ذلك بياناً:

ما رواه الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن سليمان بن الحسن، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: «إذا أردت أن تغتسل يوم الجمعة فتوضّأ ثم اغتسل».

السند

في الأوّل: فيه جهالة.

و الثاني: موثّق.

و الثالث: فيه موسى بن جعفر بن وهب و هو مذكور في الفهرست، و كتاب الرجال فيمن لم يرو عن الأئمّة (عليهم السلام) مهملا؛ و الحسن بن الحسين اللؤلؤي و قد وثقه النجاشي (1)، و نقل الشيخ تضعيفه عن ابن بابويه (2)، و الظاهر أنّه من جهة استثنائه من الذين يروي عنهم محمد بن أحمد بن يحيىٰ، و في الظن أنّه لا يضر بالحال بعد توثيق النجاشي و تحقيقه، و قد تقدم أيضا القول فيه (3)، و الإرسال في الخبر ظاهر مع بقية رجاله.

و الرابع: فيه سليمان بن الحسن و هو مجهول الحال.

المتن:

ما ذكره الشيخ. فيه لا يخرج عن ربقة التكلّف التامّ.

____________

(1) رجال النجاشي: 40/ 83.

(2) رجال الطوسي: 469/ 45.

(3) في ص 98 99.

289

و في المختلف أجاب عن الحديث الأوّل بمنع صحة السند، قال: سلّمناه، لكنا نقول بموجبه، فإنّ غسل الجمعة كاف في الأمر بالغسل للجمعة، و ليس فيه دلالة علىٰ الاكتفاء به في الصلاة.

و اعترض علىٰ نفسه: بأنّه (عليه السلام) قال: «لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة و لا في غيره» فأسقط وضوء الصلاة عن المصلّي، و أجاب: بأنا لا نسلّم أنّ السقوط عن المصلّي، بل لِمَ لا يجوز أن يكون المراد: لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة إذا لم يكن وقت الصلاة.

ثم اعترض: بأنّ الحديث عام فتقييده بغير وقت الصلاة يخرجه عن حقيقته، و أجاب: بمنع العموم، لدليل آخر، و هو ما يدل علىٰ وجوب الوضوء لكل صلاة (1).

و أنت خبير بأنّه إذاً رجع الأمر للدليل علىٰ وجوب الوضوء لكل صلاة، و المتقدم منه هو الآية، و رواية ابن أبي عمير المرسلة المتقدمة (2) و رواية حماد بن عثمان المتقدمة (3) أيضاً عنه، و أنّه قبل الغسل ممنوع من الدخول في الصلاة فكذا بعده عملًا بالاستصحاب، و شيء من هذه الأدلة لا يسلم من جرح المناقشة.

أمّا الآية فبتقدير عمومها علىٰ ما قدمناه قابلة للتخصيص، و قد فرض أنّه سلّم صحة السند في الخبر، و معه لا مجال لإنكار القبول لتخصيص العموم.

و أمّا خبر ابن أبي عمير فبتقدير صحته يدل علىٰ أنّ كل غسل قبله

____________

(1) المختلف 1: 179.

(2) في ص 251.

(3) في ص 254.

290

وضوء، أمّا كونه للصلاة فغير معلوم، و حمله علىٰ أنّ الوضوء للصلاة يتوقف علىٰ الدليل، و كذلك خبر حماد.

و الدليل الأخير في غاية السقوط حينئذ، لأنّ ثبوت الحديث يقتضي صحة الدخول في الصلاة، و هو المطلوب.

و لعلّ الأولىٰ في الجواب أن يقال: إنّ [معنىٰ (1)] قوله: «لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة.» أنّه غير مرتبط به علىٰ وجه الشرطية فيه، أو يقال: إنّ الوضوء المستفاد ثبوته في الأغسال ليس للصلاة، إلّا أن في هذا تأمّلًا.

و أجاب العلّامة أيضاً عن الحديث الثاني: بأنّ معنىٰ إجزاء الغسل إسقاط التعبّد به، أمّا أنّه يجزئ عن الوضوء في الصلاة فلا، ثم اعترض علىٰ نفسه: بأنّ قوله «ليس (قبله و لا بعده) (2) أجزأه الغسل» يقتضي سلب الوجوب عند الصلاة، و بأنّ السؤال وقع عن غسل الجنابة و الجمعة و العيدين، و الجواب وقع عن الجميع بإسقاط الوضوء، و كما أنّ إسقاط الوضوء في الجنابة عن المريد للصلاة فكذا ما سواه (3).

و أجاب عن الأول: بأنّ المراد إجزاء الغسل في التعبّد به. و عن الثاني: بأنّ الغسل في الجنابة كاف في رفعها، و لا يلزم جواز الدخول في الصلاة إلّا بدليل من خارج، و قد بيناه في غسل الجنابة، فيبقىٰ الباقي علىٰ المنع (4).

و أنت خبير بما في الجواب عن الثاني من حيث إنّ اشتمال الخبر

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(2) في المختلف 1: 180: عليه قبل و لا بعد.

(3) المختلف 1: 180.

(4) المختلف 1: 180.

291

علىٰ جزئيات توجب المشاركة في الحكم، فإخراج بعضها دون البعض مشكل، إلّا أنّ مثل هذا كثير في الأخبار، و إن كان فيه نوع كلام.

و أجاب العلّامة عن الخبر الثالث: بنحو ما ذكر (1)، و لعل الجواب لا بأس به.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأخبار الدالة علىٰ سقوط الوضوء و إن كانت غير سليمة الإسناد، إلّا أنّ لها مؤيّدات من الأخبار غير ما سبق من رواية محمد بن مسلم الثانية في أوّل الباب، الدالة علىٰ أنّ أيّ وضوء أطهر من الغسل، فإنّ فيها احتمال العهد كما سبق ذكره.

و مثلها رواية صحيحة عن حكم بن حكيم في التهذيب معلّلة بأنّ أيّ وضوء أنقىٰ من الغسل (2).

بل الروايات الواردة في بيان غسل الاستحاضة و الحيض و النفاس، مؤيّدة أيضاً كصحيح معاوية بن عمار حيث قال فيها: «فإذا جازت أيّامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر، فإن كان لا يثقب توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء» (3) و صحيح ابن نعيم الصحاف (4)، و سيأتي إن شاء اللّٰه.

و في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «فلتغتسل و لتصلّ» (5).

و في صحيح عبد اللّٰه بن سنان: «إنّ غسل الجنابة و الحيض واحد» (6) و غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) المختلف 1: 180.

(2) التهذيب 1: 139/ 392، الوسائل 2: 245 أبواب الجنابة ب 34 ح 4.

(3) التهذيب 1: 170/ 484، الوسائل 2: 371 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.

(4) التهذيب 1: 168/ 482، الوسائل 2: 374 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 7.

(5) التهذيب 1: 176/ 503، الوسائل 2: 393 أبواب النفاس ب 5 ح 3.

(6) التهذيب 1: 395/ 1223، الوسائل 2: 316 أبواب الحيض ب 23 ح 7.

292

و معارضة ما دل علىٰ أنّ كل غسل قبله وضوء موقوفة علىٰ الصحة.

و إذا تمهّد هذا كله: فاعلم أنّ شيخنا المحقق أيّده اللّٰه قال في فوائد الكتاب: إنّ الرواية المتضمنة لأنّ كل غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة قاصرة بالإرسال، و إن كان المُرسِل ابن أبي عمير.

و احتمل في بعض الطرق كون الواسطة حماد بن عثمان الثقة، و لا تدل أيضاً علىٰ وجوب هذا الوضوء، بل علىٰ أنّ قبله وضوء في الجملة، فجاز أن يكون علىٰ سبيل الندب زيادةً في التطهير و رفعاً لاستبعاد أهل الخلاف، و لا يتأتّىٰ مثله في غسل الجنابة، لأنّ الآية ظاهرة في عدم الوضوء معه، بل ما تقدم من عدم الوضوء بعد الغسل.

و هذا كلّه يقتضي أنّ الوضوء ليس واجباً و لا له دخل في الاستباحة، و إلّا لم يتفاوت الحال بين فعله قبل و بعد، و أمّا الوضوء المندوب غير المبيح فيناسب اختصاص وقوعه بما قبل الغسل في الحائض و نحوها، بخلاف الوضوء المبيح، و أيضاً فإنّ هذا الوضوء لو كان واجباً لكان ينبغي أن يبيّن أنّه لو ترك قبل الغسل نسياناً يفعل بعده، أو يعاد الغسل، [و] (1) لم يبيّن ذلك في شيء من هذه الروايات، بل ظاهر إطلاق كون الوضوء بعد الغسل بدعة يقتضي عدمه حينئذ، و إعادة الغسل بعد الوضوء مع دخوله في ظاهر هذا الإطلاق لا أعرف به قائلًا، مع اقتضاء ظاهر روايات صحيحة انتفاء الوضوء مع الغسل مطلقاً. انتهىٰ كلامه أيّده اللّٰه.

و أنت إذا تأمّلته لا يخفىٰ عليك حقيقة الحال، و في ظنّي أنّ بعض الأصحاب قائل بأنّ الوضوء جزء الرافع (2)، هذا.

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(2) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 56، و العلّامة في المختلف 1: 208.

293

و ما ذكره الشيخ أخيراً بقوله: و يزيده بياناً. لا أعلم وجهه، بل الظاهر أنّه يزيده إجمالًا، فإنّ قوله بأنّ الوضوء واجب قبلها، إذا لم يكن فيها غسل الجنابة، ثم ذكره الرواية في غسل الجمعة، يقتضي وجوب الوضوء قبله، و الإشكال فيه ظاهر، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

باب الجنب ينتهي إلىٰ البئر أو الغدير و ليس معه ما يغرف به الماء

[الحديث 1]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيىٰ، عن منصور بن حازم، عن ابن أبي يعفور و عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا أتيت البئر و أنت جنب و لم تجد دلواً و لا شيئاً تغرف به فتيمم بالصعيد، فإنّ ربّ الماء و رب الصعيد واحد و لا تقع في البئر و لا تفسد علىٰ القوم ماءهم».

السند

قد تكرر القول فيه بما يغني عن الإعادة.

المتن:

استدل به القائلون بنجاسة البئر بالملاقاة في جملة روايات، و وجّهوا الاستدلال بأنّ الأمر بالتيمم واقع في الرواية، و التيمم مشروط بفقد الماء الطاهر، فلا يكون الماء طاهراً بتقدير وقوع الجنب في البئر و اغتساله، و بأن

294

النهي عن الإفساد و الوقوع المفهوم منه النجاسة كما اعترف به الخصم في أخبار الطهارة حيث ورد فيها الإفساد و حمل علىٰ النجاسة (1).

و أُجيب عن الاستدلال: بأنّ الخبر لا دلالة فيه علىٰ النجاسة بوجه، لأنّ الأمر بالتيمم لا ينحصر وجهه في نجاسة الماء، إذ من الجائز أن يكون لتغيير الماء و فساده علىٰ الشارب بنزول الجنب فيه، و عليه يحمل النهي الواقع فيه (2).

و ما ذكر: من أنّ الإفساد واقع في جهة الطهارة. فقد أجاب عنه الوالد (قدس سره) بالفرق بين الأمرين، فإنّ الإفساد الواقع في خبر الطهارة نكرة في سياق النفي فيعم، بخلاف الإفساد الواقع هنا، فإنّه لا عموم فيه (3).

و في نظري القاصر أنّ الاستدلال و الجواب لا يخلو من تأمّل و قد أوضحت الحال فيه في حاشية التهذيب، إلّا أنّي أذكر هنا مجمل الأمر، أما أولًا: فلأنّ مفاد الحديث النهي عن أمرين: الوقوع و الإفساد، و كون الإفساد بسبب الوقوع غير معلوم، و الاستدلال مبني عليه.

و أمّا ثانياً: فبأنّ النهي عن الإفساد نهي عن إيجاد الماهية في أيّ فرد من الأفراد فهي مستلزمة العموم، و الوالد (قدس سره) معترف في النهي بما ذكرناه (4) (5).

و أمّا ثالثاً: فلأنّ الظاهر من الرواية أنّ الماء ملك لقوم، و لا ريب أنّ التصرف في مال الغير مشروط بما لا يضر بحال الماء بالنسبة إلىٰ طبائعهم،

____________

(1) المعتبر: 1/ 56، ذكرى الشيعة 1: 87، المختلف 1: 26.

(2) مدارك الأحكام 1: 61.

(3) منتقىٰ الجمان: 1/ 59.

(4) منتقىٰ الجمان 1: 58.

(5) هنا زيادة غير واضحة في «د».

295

أو البئر مباح، و يراد بالقوم جميع المسلمين، و قد يشكل الحال بأنّ من لا يعلم لا حرج عليه و لا نفرة له، إلّا أن يقال: إنّ السبب لا يجوز فعله. و فيه ما فيه، و علىٰ كلّ حال فلا يمكن الرجوع إلىٰ ضابط في الإفساد جزماً يرجع إليه، فعلى تقدير عدم العموم في الإفساد يراد ما يتحقق به، و لا ريب أنّ إرادة غير النجاسة لا وجه لاختصاصه، بل الظاهر إمّا النجاسة أو هي و ما ضاهاها أو الحصر في غيرها محل كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث يدل بظاهره علىٰ ما قالوه: إنّ غسل الجنب في البئر يفسده، و الإفساد إمّا لسلب الطهوريّة أو سلب الطهارة، و بالأول قال جماعة (1) و صرّح جدي (قدس سره) بالثاني في شرح الإرشاد، فإنّه قال: و العلّة فيه أي في النزح نجاسة البئر بذلك و إن كان بدنه خالياً من نجاسة، و لا بعد فيه بعد ورود النص (2). و هذا غريب منه (قدس سره) فإنّ النص لا صراحة فيه، و مع الاحتمال كيف يتم ما ذكره.

أمّا ما ذكره بعض: من أن مقتضىٰ الخبر النهي عن الإفساد، فإذا كان الغسل مفسداً كان منهياً عنه، و مع النهي لا إفساد لفساد الغسل، فلا يتم الاستدلال بالرواية (3).

فقد أُجيب عنه: بأنّ النهي ليس عن العبادة، بل عن الوقوع في الماء و إفساده، و هو إنّما يتحقق بعد الحكم بطهر الجنب لا بمجرّد دخوله في البئر، فلا يضر هذا النهي لتأخّره و عدم كونه عن نفس العبادة. إلّا أن يقال: الوسيلة إلىٰ المحرّم محرّمة و إن كانت قبل زمانه (4). و فيه بحث ذكرناه في موضعه.

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 70، و العلّامة في المختلف 1: 55.

(2) روض الجنان: 154.

(3) جامع المقاصد 1: 143، و نقله عنه في مجمع الفائدة و البرهان 1: 275.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 1: 275، روض الجنان: 154.

296

و الذي يمكن أن يقال هنا: إنّ الغسل لا ريب أنّ نفسه هو المفسد، و الظاهر من النهي إنّما هو عن الاغتسال و إجراء الماء علىٰ العضو و الحركة و النية، فيكون النهي متوجّهاً إلىٰ الغسل و جزئه علىٰ تقدير دلالة الخبر.

و ينقل عن ابن إدريس أنّه خصّ الحكم بالارتماس مدّعياً عليه الإجماع (1).

و ذكر بعض المتأخّرين أنّ الجنب إذا اغتسل مرتمساً طهر بدنه من الحدث و نجس بالخبث، و إن اغتسل مرتّبا أجزأه غسل ما غسله قبل دخول الماء إلىٰ البئر (2). و هذا يقتضي أن يصير الماء مستعملًا بأول جزء من الغسل، و قد بيّنا في حاشية الفقيه ما يدل علىٰ أنّ المستعمل لا يتحقق بذلك، و قدّمنا أيضا في هذا الشرح ما يدل علىٰ ذلك.

و حكي جدّي (قدس سره) في شرح الإرشاد: أنّ مذهب العلّامة في المختلف و شيخه المحقق أنّ الحكم بالنزح لكونه مستعملًا فيكون لسلب الطهورية، قال: و يشكل بإطلاق النصوص و بحكم سلّار و ابن إدريس و جماعة من المتأخّرين بوجوب النزح مع طهورية المستعمل عندهم، و باستلزامه القول بعدم وجوب النزح، لأنّه فرّعه علىٰ القول بسقوط طهورية المستعمل، و هو لا يقول به، فيلزم عدم القول بالنزح، و الذي اختاره في المنتهىٰ هو التعبد (3) انتهىٰ.

و الذي في المختلف هذه صورته: بقي هنا بحث و هو أن يقال: إذا

____________

(1) نقله عنه في المختلف 1: 53، و هو في السرائر 1: 72 و 79.

(2) الشهيد الثاني في المسالك 1: 18.

(3) روض الجنان: 154.

297

كان البدن خاليا من نجاسة عينيّة فأيّ سبب أوجب نزح السبع و بأيّ اعتبار يفسد ماء البئر؟.

و الجواب أن يقال: اختلف علماؤنا في الماء المستعمل في الطهارة الكبرى هل يرتفع عنه حكم الطهورية لغيره أم لا؟ فبعض علمائنا أفتىٰ بالأول، و بعضهم أفتىٰ بالثاني، و سيأتي البحث فيه إنشاء اللّٰه، فالمقتضي للنزح كونه مستعملًا في الطهارة الكبرى و هذا إنّما يتمشىٰ عند الشيخين أمّا نحن فلا، و العجب أنّ ابن إدريس ذهب إلىٰ ما اخترناه من بقاء حكم الطهورية في المستعمل و أوجب النزح هنا، إذا عرفت هذا فالأقوىٰ عندي بناءً علىٰ قول الشيخين كون الماء طاهراً و إن ارتفع عنه حكم الطهورية (1). انتهىٰ.

و هذا الكلام يعطي خلاف ما قاله جدّي (قدس سره) و بالجملة فالأقوال في المسألة مضطربة كما يعلم من مراجعة كتب الأصحاب، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالصواب.

[الحديث 2]

قال: فأما ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن ابن مسكان، قال: حدثني محمد بن ميسر (2)، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلىٰ الماء القليل في الطريق و يريد أن يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان قال:

____________

(1) المختلف 1: 54.

(2) في الاستبصار 1: 128/ 436: محمد بن عيسىٰ، و ما هنا موافق للتهذيب 1: 149/ 425، و الكافي 3: 4/ 2.

298

«يضع يده و يتوضّأ و يغتسل، هذا ممّا قال اللّٰه تعالىٰ «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1)».

فالوجه في هذا الخبر هو أن يأخذ الماء من المستنقع بيده و لا ينزله بنفسه و يغتسل يصب الماء علىٰ البدن، و يكون قوله: و يداه قذرتان، إشارة إلىٰ ما عليها (2) من الوسخ دون النجاسة لأن النجاسة تفسد الماء (3) إذا كان قليلًا علىٰ ما قدّمنا القول فيه.

السند

حسن، و ابن مسكان هو عبد اللّٰه كما يعرف من ممارسة الرجال، ثم إنّ عبد اللّٰه بن مسكان نقل العلّامة في الخلاصة عن النجاشي: أن فيه روىٰ أنّه لم يسمع من الصادق (عليه السلام) إلّا حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» (4).

و هذا لم نجده في النجاشي، لكنه في الكشي بهذه الصورة: محمد ابن مسعود، قال: حدثني محمد بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسىٰ، عن يونس، قال: لم يسمع حريز بن عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه إلّا حديثاً أو حديثين، و كذلك عبد اللّٰه بن مسكان إلّا حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» انتهىٰ (5).

و الذي في كتب الحديث من روايات عبد اللّٰه بن مسكان بلفظ: قال

____________

(1) الحج: 78.

(2) في الاستبصار 1: 128/ 436: عليهما.

(3) في الاستبصار 1: 128/ 436 زيادة: علىٰ البدن.

(4) خلاصة العلّامة: 106/ 22.

(5) رجال الكشي 2: 680/ 716.

299

أبو عبد اللّٰه، و عن أبي عبد اللّٰه، كثير، ففي الكافي في باب المكارم (1)، و باب النهي عن الإشراف علىٰ قبر النبي (صلى الله عليه و آله) (2)، و باب الاغتسال (3)، و في باب طلب الرئاسة (4) بلفظ: سمعت عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول، و بلفظ «عن» في التهذيب في حديث: «إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كان أشدّ الناس توقّياً عن البول» (5).

و في هذا الكتاب في باب ولوغ الكلب (6)، و في باب الخروج إلىٰ الصفا من التهذيب، عن ابن مسكان قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) (7).

و بالجملة: فالرواية مع ما فيها من الإشكال بالنسبة إلىٰ رواية محمد بن عيسىٰ عن يونس يردّها وجود ما ذكرناه، و الإرسال في مثله في غاية البعد.

المتن:

ظاهره عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة، و يؤيّده ذكر الآية الشريفة، و لو حمل علىٰ القلّة الإضافية فيكون كرّاً لا يناسب ذكر الآية، و أظن أنّه لا بد من هذا الحمل.

و أمّا حمل الشيخ فلا يخلو من غرابة

____________

(1) الكافي 2: 56/ 2.

(2) الإشارة إلىٰ باب النهي عن الاشراف خطأ، و الصحيح: باب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام). الكافي 1: 452/ 1.

(3) الكافي 3: 139/ 2، الوسائل 2: 479 أبواب غسل الميت ب 2 ح 1.

(4) الكافي 2: 297/ 3، الوسائل 15: 350 أبواب جهاد النفس ب 50 ح 4.

(5) التهذيب 1: 33/ 87، الوسائل 1: 338 أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 2.

(6) الإستبصار 1: 19/ 43، الوسائل 1: 228 أبواب الأسآر ب 2 ح 6.

(7) التهذيب 5: 153/ 505، الوسائل 13: 493 أبواب السعي ب 14 ح 2.

300

أمّا أوّلًا: فلأنّ حمل القذر علىٰ الوسخ لا يناسب ذكر الآية.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الاغتسال خارج الماء مع عدم موافقته للآية إمّا أن يكون لأنّ الماء يصير مستعملًا بنزوله إليه، أو لكون البدن لا يخلو من نجاسة، و كلا الأمرين مشكل:

أمّا الأول: فلأنّ مجرد النزول لا يصيّره مستعملًا إلّا أن يحمل علىٰ النهي عن الغسل، و لا يظنّ أنّ قوله: و يغتسل، متعلق بقوله: و لا ينزله. بل هو كلام مستقل.

و أمّا الثاني: فلأنّ إطلاق استعمال الماء مع عدم ما يدل علىٰ أنّه لا ينبغي وصول الغسالة إليه غير لائق، إلّا أن يقال: إنّ السائل فهم ذلك، و علىٰ تقدير النهي عن الاغتسال فصيرورة الماء مستعملًا بمجرّد الغسل مشكل، فالإطلاق من الشيخ هو الموجب للغرابة، و إن كان تأويله لا يخلو من وجه، فليتأملّ.

أبواب الحيض و الاستحاضة و النفاس

باب ما للرجل من المرأة إذا كانت حائضا

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5]

قال: أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد و أحمد ابني الحسن، عن أبيهما، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن، عن محمد بن علي، عن

301

محمد بن إسماعيل، عن منصور (1) بزرج، عن إسحاق بن عمار، عن عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّا لصاحب المرأة الحائض منها قال: «كل شيء ما عدا القبل بعينه».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن، عن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج و هي حائض قال: «لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد (2)، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن إسماعيل، عن عمر ابن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما للرجل من الحائض؟ قال: «ما بين الفخذين».

و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عمر بن يزيد قال: قلت: لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما للرجل من الحائض؟ قال: «ما بين ألييها و لا يوقب».

السند

في الأوّل: قد تكرّر القول في رجاله و هو مرسل.

و الثاني: إلىٰ محمد بن علي مشترك في تكرّر القول، و أمّا محمد بن علي فلا يبعد أن يكون ابن محبوب، و محمد بن إسماعيل كأنه ابن بزيع.

____________

(1) في الاستبصار 1: 128/ 438 زيادة: بن يونس.

(2) في الاستبصار 1: 129/ 440 زيادة: البرقي، و الظاهر أنّه خطأ و المراد به احمد ابن محمد بن الحسن بن الوليد.

302

و أمّا منصور بزرج فالنجاشي وثقه (1) غير قائل إنّه واقفي. و الشيخ في رجال الكاظم (عليه السلام) من كتابه قال: إنّه واقفي (2). و قد توقف العلّامة في شأنه لذلك (3).

و بعض حكم بعدم المنافاة بين التوثيق و الوقف (4)، و قد كرّرنا ترجيح قول النجاشي، فتدبر، و إسحاق بن عمار تقدم فيه القول (5).

و عبد الكريم بن عمرو وثقه النجاشي، و قال إنّه كان واقفيا (6)، و الكشي روىٰ عن حمدويه قال: سمعت أشياخي يقولون: إنّ كراماً هو عبد الكريم بن عمرو واقفي (7).

و الثالث: رجاله غني عن القول بعد ما قدمناه.

و الرابع: فيه البرقي و قد تقدم فيه القول (8)، و إسماعيل غير معلوم الحال للاشتراك (9)، و عمر بن حنظلة تقدم (10).

و الخامس: ليس فيه ارتياب إلّا بالبرقي.

المتن:

ظاهر الدلالة في الأوّل علىٰ جواز مباشرة ما عدا موضع الدم،

____________

(1) رجال النجاشي: 413/ 1100.

(2) رجال الطوسي: 360/ 21.

(3) خلاصة العلّامة: 259.

(4) كالجزائري في الحاوي 3: 231.

(5) راجع ج 1 ص 241 242.

(6) رجال النجاشي: 245/ 645.

(7) رجال الكشي 2: 830/ 1049.

(8) راجع ج 1 ص 93 94.

(9) هداية المحدثين: 18.

(10) في ص 55.

303

و الثاني: كذلك، إلّا أنّه عام بالنسبة إلىٰ القبل. و الثالث: مجمل في الموضع، فيحتمل إرادة موضع الدم أو القبل. و الرابع: صريح في أنّ له ما بين الفخذين. و الخامس: واضح الدلالة علىٰ عدم جواز الإيقاب، فيمكن أن يخصّ به عموم غيره أو يقيد إطلاقه.

و العلّامة في المختلف استدل بالأول و الثاني و الثالث علىٰ عدم تحريم ما عدا القبل، و أضاف إلىٰ ذلك أولًا الاستدلال بقوله تعالىٰ «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» (1) السالم عن معارضة النهي المختص بالقبل في قوله تعالىٰ «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ» (2) أي في موضع الحيض (3). و لنا معه كلام في الآية ذكرته في حاشيته، و الحاصل أنّ الآية قابلة للبحث في مواضع:

أحدها: أنّ الحرث إنّما يؤتىٰ للزرع، و النسبة في الآية ظاهر الوجه، فلا يتم التناول للدبر.

و ثانيها: أنّ كلمة أنّىٰ قد وردت بمعنى أنّما المفيدة للعموم في المكان، و وردت بمعنى كيف كقوله تعالىٰ «أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ»* (4) فهي مشتركة، فلا تدل علىٰ المطلوب لأنّ عموم الكيفية لا تدل علىٰ تعدّد الأمكنة بل علىٰ تعدّد الهيئات.

و ثالثها: أن قوله تعالىٰ «وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» (5) قيل: المراد به طلب الولد (6).

____________

(1) البقرة: 223.

(2) البقرة: 222.

(3) المختلف 1: 185.

(4) آل عمران: 40، مريم: 8 و 20.

(5) البقرة: 223.

(6) حكاه الدرّ المنثور: 1، 267 عن عكرمة.

304

و رابعها: أن ما ذكره العلّامة من تفسير المحيض بالموضع (1) قد ورد تفسيره بوقت الحيض، و العلّامة نفسه ذكر ذلك (2).

ثم إنّ عدم التعرض لخبر الإيقاب لا وجه له من العلّامة و غيره من المتأخّرين حتى شيخنا (قدس سره) لما قدّمناه من إمكان التقييد، مع أنّ شيخنا حكم بصحة رواية النهي عن الإيقاب (3) إلّا أنّ القول بخصوص الإيقاب تحريماً لم أعلم بقائله الآن، بل المنقول عن السيد المرتضىٰ القول بتحريم الوطء في الدبر و أنّه لا يحل الاستمتاع إلّا بما فوق المئزر (4) و احتجّ له العلّامة و لم يذكر رواية الإيقاب (5). و سيأتي إن شاء اللّٰه ذلك.

اللغة:

قال في النهاية: الوقوب الدخول في كل شيء (6). و في القاموس: أوقب الشيء: أدخله في الوقبة (و قال: الوقبة الكوهكمري (7)) (8).

[الحديث 6 و 7 و 8 و 9]

قال: فأمّا ما رواه علي بن الحسن، عن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد اللّٰه الحلبي،

____________

(1) المختلف 1: 185، المنتهىٰ 1: 111.

(2) المختلف 1: 186.

(3) مدارك الأحكام 1: 352.

(4) المختلف 1: 186.

(5) المختلف 1: 186.

(6) النهاية لابن الأثير 5: 212.

(7) القاموس المحيط 1: 143.

(8) ما بين القوسين ليس في «فض».