استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
305

عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: «تتزر بإزار إلىٰ الركبتين و تخرج سرّتها ثم له ما فوق الإزار».

عنه، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: «تتزر بإزار إلىٰ الركبتين و تخرج ساقيها و له ما فوق الإزار».

عنه، عن العباس بن عامر، عن حجاج الخشاب، قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحائض و النفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال (1): «تلبس درعا ثم تضطجع معه».

فالوجه في هذه الاخبار أحد شيئين، أحدهما: أن نحملها علىٰ ضرب من الاستحباب، و الأولة علىٰ الجواز و رفع الحظر، و الثاني: أن نحملها علىٰ ضرب من التقية لأنّها موافقة لمذاهب كثير من العامة.

فأمّا ما رواه علي بن الحسن، عن العباس بن عامر، و جعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ما يحلّ له من الطامث؟ قال: «لا شيء حتى تطهر».

فالوجه في قوله: «لا شيء» أن يكون محمولًا علىٰ أنّه لا شيء له من الوطء (2) و إن كان له ما دون ذلك، و الوجهان الأولان اللذان ذكرناهما في الأخبار المتقدمة ممكنان (3) أيضاً في هذا الخبر.

____________

(1) في الاستبصار 1: 129/ 444: فقال.

(2) في الاستبصار 1: 130/ 445 زيادة: في الفرج.

(3) في «فض»: فيمكنان، و في «رض»: يمكنان، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 130/ 445.

306

السند

في الجميع قد كرّرنا القول فيه في الكتاب بما يغني عن الإعادة، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ يعقوب بن سالم اتفق أن الشيخ ذكره بهذه الصورة: يعقوب بن سالم أخو أسباط السراج، في رجال الصادق (عليه السلام) من كتابه (1)، و في رجال الكاظم و الصادق (عليهما السلام) قال: يعقوب بن سالم الأحمر الكوفي (2).

و ذكر في النجاشي يعقوب بن (3) السراج و أنّه ثقة مع ذكره يعقوب بن سالم الأحمر و أنّه أخو أسباط و وثّقه (4)، و ظاهر الحال المغايرة.

و كلام الشيخ يوهم أنّ يعقوب بن سالم هو السرّاج، لكن الظنّ أنّ ذكر السراج سبق قلم من الشيخ.

و العجب أنّ جدّي (قدس سره) كتب في فوائد الخلاصة حيث قال العلّامة: إنّ يعقوب بن سالم أخو أسباط-: جعله أخا أسباط، يقتضي كون أسباط أشهر منه، مع أنّه لم يذكره يعني العلّامة في القسمين و لا غيره، مع أنّه كثير الرواية (5).

و الحال أنّ النجاشي ذكره (6)، و الشيخ في الفهرست (7) و كتاب

____________

(1) رجال الطوسي: 337/ 65.

(2) رجال الطوسي: 363/ 6، 336/ 54.

(3) ليست في النجاشي.

(4) رجال النجاشي: 451/ 1217 و 449/ 1212.

(5) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 23 (مخطوط).

(6) رجال النجاشي: 106/ 268.

(7) الفهرست: 38/ 112.

307

الرجال (1) إلّا أنّهما لم يتعرضا له بمدح و لا قدح، و العذر لجدّي (قدس سره) من جهة النجاشي واضح، إذ لم يكن عنده، أمّا غيره فلا عذر له.

المتن:

ما قاله الشيخ لا يخلو من وجه، إلّا أن حديث الخشاب يقتضي اختلاف مراتب الاستحباب كما لا يخفىٰ، و ما قدّمناه من جهة الإيقاب قد عرفت الحال فيه، فقول الشيخ: يحمل الأولة علىٰ الجواز و رفع الحظر، علىٰ الإطلاق مشكل.

و في المختلف استدل للمرتضىٰ رضى الله عنه بالرواية الأُولىٰ و الثانية، و زاد الاستدلال بالآية أعني قوله تعالىٰ «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» (2) و بقوله تعالىٰ «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ» (3) أي في زمن المحيض.

و أجاب العلّامة عن الآية الأُولىٰ بأنّ حقيقة القرب ليست مرادة بالإجماع، فيحمل علىٰ المجاز المتعارف و هو الجماع في القبل، لأنّ غيره نادر.

و عن الآية الثانية بأنّه يحتمل إرادة موضع الحيض بل هو المراد قطعا، فإنّ اعتزال النساء مطلقاً ليس مراداً، بل اعتزال الوطء في القبل.

و عن الحديث بالحمل علىٰ الكراهة (4).

و أنت خبير بأنّ ما ذكره في الآية الاولىٰ: من أنّ إرادة حقيقة القرب ليست مرادة. حق، أمّا الحمل علىٰ المجاز المتعارف و هو الوطء في القبل، لا يخلو من وجه.

____________

(1) رجال الطوسي: 153/ 220.

(2) البقرة: 222.

(3) البقرة: 222.

(4) المختلف 1: 186.

308

أمّا قوله في الآية الثانية: إنّ المراد موضع الحيض قطعاً. في الظاهر مجرد دعوى، فلا بد من بيان دليلها، و كون الاعتزال ليس مراداً، لا يدل علىٰ الاختصاص بالقبل.

و لعل الأولىٰ أن يقال: إنّ الظاهر من قوله تعالىٰ «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ.» (1) إرادة محل الحيض لا زمان الحيض، و بهذا يندفع بعض ما قدّمناه في الآية، و ذكر بعض المتأخّرين أيضاً أنّ قياس اللفظ يقتضيه، و لسلامته من الإضمار و التخصيص اللازمين بحمله علىٰ المصدر (2). و فيه بحث إلّا أنّ مقام التأييد واسع الباب.

و اعلم أنّ رواية الحلبي مروية في الفقيه بطريقه الصحيح (3)، و قد أجاب بعضهم عنها بأنّ دلالتها من باب مفهوم الخطاب و هو ضعيف (4). و اعترض عليه بأنّ الظاهر كون دلالتها من باب مفهوم الحصر (5). و لا يخلو من تأمّل.

و ما ذكره الشيخ في تأويل الخبر الأخير لا يخفىٰ أنّه لا يطابق الخبر، لأنّ قوله: «لا شيء» في جواب: ما يحل له؟ لا يقبل التأويل.

نعم الحمل علىٰ الكراهة أو التقية له وجه، و قد نقل أهل الخلاف في أحاديثهم أنّ عائشة قالت: كان يأمرني فأتّزر فيباشرني و أنا حائض (6)، و ذكر ابن الأثير في شرح الحديث أنّه دال علىٰ جواز المباشرة فوق الإزار،

____________

(1) البقرة: 222، و في النسخ هكذا: انما المحيض أذى فاعتزلوا النساء.

(2) المدارك 1: 351.

(3) الفقيه 1: 54/ 204، الوسائل 2: 323 أبواب الحيض ب 26 ح 1.

(4) كالمحقق الحلي في المعتبر 1: 225.

(5) كما في مدارك الأحكام 1: 353.

(6) صحيح البخاري 1: 82.

309

و أمّا تحت الإزار فقد اختلف الفقهاء فيه.

و ما تضمنه حديث أبي بصير من قوله: «تخرج ساقيها» يحتمل أن يكون سهواً، و إنّما هو: و تخرج سرّتها. كما في خبر الحلبي، و يحتمل الصحة بأن يراد بإخراج الساق عدم وصول المئزر إليه. و قوله: «و له ما فوق الإزار» ربما يدل علىٰ الاختصاص و يكون ما تحته من الساق ليس كذلك، و يحتمل غير ذلك، و الأمر سهل مع ضعف الرواية.

باب أقل الحيض و أكثره

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5]

قوله: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن علي بن أحمد بن أشيم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أدنىٰ ما يكون من الحيض، فقال (1) «أدناه (2) ثلاثة أيّام و أكثره عشرة».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيىٰ قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن أدنىٰ ما يكون من الحيض، فقال: «أدناه ثلاثة أيّام (3) و أبعده عشرة».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن

____________

(1) في النسخ: قال، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 130/ 446.

(2) ليست في النسخ، أثبتناه من الإستبصار 1: 130/ 446.

(3) ليست في النسخ، أثبتناه من الاستبصار 1: 130/ 447.

310

الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن يعقوب بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «أدنىٰ الحيض ثلاثة و أقصاه عشرة».

و أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و إذا رأت الدم قبل العشرة أيّام فهي من الحيضة الأُولىٰ، و إذا رأته بعد عشرة أيّام فهو من حيضة أُخرى مستقبلة».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن، عن الحسن بن علي بن زياد الخزّاز، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم و إذا رأت الصفرة و كم تدع الصلاة؟ فقال: «أقلّ الحيض ثلاثة و أكثره عشرة و تجمع بين الصلاتين».

السند

ليس فيه من يحتاج إلىٰ البيان بعد ما قدّمناه سوىٰ علي بن أحمد بن أشيم، و قد ذكره الشيخ في رجال الرضا (عليه السلام) من كتابه و قال: إنّه مجهول (1). و العلّامة ذكره كذلك، و قال: أنّ أشيم بفتح الهمزة و سكون الشين المعجمة و فتح الياء المنقطة تحتها نقطتين (2).

و النضر في الحديث الثالث هو ابن سويد، لرواية الحسين بن سعيد عنه، كما لا يخفىٰ علىٰ الممارس.

____________

(1) رجال الطوسي: 384/ 26، 66.

(2) خلاصة العلّامة: 232/ 5.

311

المتن:

في الجميع واضح الدلالة علىٰ أنّ أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة، سوىٰ خبر محمد بن مسلم فإنّ في دلالته علىٰ الأكثر نوع إجمال، و (1) استفادة الأكثر غير مستبعدة، إلّا أنّ الضرورة ليست داعية إلىٰ ذلك، أمّا استدلال العلّامة (رحمه الله) في المنتهىٰ بالحديث علىٰ أنّ أقل الطهر عشرة (2). فلا يخلو من وجه، لأنّ قوله: «و إذا رأته بعد عشرة أيّام» يفيد بظاهره أنّ العشرة غير الأُولىٰ بقرينة تنكير العشرة، غاية الأمر أنّ مبدأ العشرة غير معلوم، و هذا لا يضر بالحال، (هذا كله علىٰ تقدير متن الرواية هنا.

لكن الشيخ في التهذيب رواها في الحسن و متنها) (3) هكذا: «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولىٰ و إن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة» (4).

و التعريف في العشرة الثانية يشكل معه الحال في الاستدلال علىٰ أنّ أقل الطهر عشرة، إلّا أن يقال: إنّ عشرة الأُولىٰ هي عشرة الطهر، و المعنىٰ أنّ الدم قبل عشرة أيّام من الحيضة الأُولىٰ، و بعد العشرة من الحيضة الثانية، فتكون العشرة الثانية هي و الجميع هي الطهر، فلا يدل علىٰ أكثر الحيض حينئذ، و لا يتم استدلال العلّامة بها علىٰ أنّ ما تراه من الثلاثة إلىٰ العشرة ثم ينقطع حيض (5).

____________

(1) في «فض»: أي.

(2) المنتهىٰ 1: 99.

(3) ما بين القوسين ليس في «فض».

(4) التهذيب 1: 159/ 454، الوسائل 2: 299 أبواب الحيض ب 12 ح 1.

(5) المنتهىٰ 1: 98.

312

نعم علىٰ بعض الاحتمالات قد يتم كلامه كما ذكرناه في حاشية التهذيب و لا يخلو من تأمّل علىٰ ما أظنه الآن، و اعتراض بعض محقّقي المتأخّرين سلّمه اللّٰه علىٰ العلّامة بتقدير ذكر الحديث علىٰ ما في التهذيب (1). له وجه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأصحاب قد اختلفوا في أن الثلاثة هل يشترط تواليها أم يكفي كونها في جملة العشرة، فالمنقول عن الشيخ قولان، أحدهما: اشتراط التوالي (2)، و إليه ذهب جماعة (3)، و ثانيهما: عدم الاشتراط، و هو منقول عن النهاية و ابن البراج (4).

و العلّامة في المختلف اختار التوالي، و احتج عليه بأنّ الصلاة ثابتة في الذمّة بيقين، فلا يسقط التكليف بها إلّا مع تيقّن السبب، و لا يقين بثبوته هنا، و لأنّ تقدير الحيض أمر شرعي غير معقول فيقف علىٰ مورد الشرع، و لم يثبت في المتفرق (5).

و قد مشىٰ شيخنا (قدس سره) في الاستدلال علىٰ منهج العلّامة في الاستدلال بهذا النحو قائلًا: إنّه لا يقين مع انتفاء التوالي (6).

و في نظري القاصر أنّه يتوجه علىٰ الاستدلال أن ثبوت العبادة بيقين إن كان مع وجود صفة الدم المذكور في الأخبار المعتبرة أن المرأة تترك الصلاة مع وجودها، فظاهر الدفع.

____________

(1) كالشيخ البهائي في الحبل المتين: 48.

(2) نقله عنه في المختلف 1: 192، و هو في الجمل و العقود: 163 و المبسوط 1: 42.

(3) منهم المحقق في الشرائع 1: 29 و الشهيد في الدروس 1: 97 و صاحب المدارك 1: 320.

(4) نقله عنهما في المختلف 1: 193 و هو في النهاية: 26 و المهذب 1: 34.

(5) المختلف 1: 193.

(6) المدارك 1: 320.

313

و قد صرّح به العلّامة و شيخنا (1) 0 في المبتدئة، حيث ذهبا إلىٰ أنّها تتحيّض برؤيته من دون انتظار ثلاثة أيّام، لعموم قوله (عليه السلام): «فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة».

قال شيخنا (قدس سره): و يشهد له صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أيّ ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة» و هذه كما ترى تدل علىٰ أنّ ثبوت العبادة بيقين غير معلوم.

و إن أراد مع عدم صفة الدم فلا ريب في انتفاء القول فيه.

نعم زاد شيخنا (قدس سره) في الاستدلال أنّ المتبادر من قولهم: أدنىٰ الحيض ثلاثة. التوالي (2)، و هذا لا يخلو من وجه و إن أمكن أن يقال: إنّهم قالوا أيضاً: و أكثره عشرة، و لا يعتبر التوالي قطعاً، و الفرق بين الثلاثة و العشرة غير واضح، إلّا بأن يقال: إنّ العشرة خرجت بالإجماع.

أمّا استدلال العلّامة بأنّ تقدير الحيض، إلىٰ آخره، فالذي يتوجه عليه غير محتاج إلىٰ البيان، إذ المتوالي أيّ بيان له من الشارع؟.

و ينقل عن الشيخ أنّه احتج لعدم اعتبار التوالي بالرواية المذكورة هنا عن محمد بن مسلم علىٰ ما في التهذيب من المتن (3)، و هو: «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولىٰ، و إن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة».

و أُجيب عن الرواية: بأنّ مقتضاها أنّ ما تراه في العشرة فهو من الحيضة الأُولىٰ، و لا نزاع فيه، لكن لا بد من تحقق الحيض أولا (4).

____________

(1) المختلف 1: 198، المدارك 1: 329.

(2) المدارك 1: 320.

(3) المدارك 1: 320.

(4) المدارك 1: 320.

314

(و قد يقال إنّ في الجواب تأمّلًا) (1) لأنّ الرواية إذا سلّم دلالتها علىٰ أن ما تراه في جملة العشرة فهو حيض بناء علىٰ أنّ معنىٰ الرواية هذا، فكلام الشيخ له وجه، لأنّ من أفراده أن ترى ثلاثة في جملة عشرة، و لو حملت الرواية علىٰ أنّ الثلاثة تحققت بالتوالي ثم ما تراه بعد ذلك إلىٰ العشرة فهو من الحيضة الأُولىٰ، لم يتم مراد الشيخ، إلّا أنّ ترجيح هذا المعنىٰ من أين؟ و الشيخ يكفيه الإطلاق في الاستدلال، إلّا علىٰ الاحتمال الذي قدّمناه، فإنّ الاستدلال بها يحتمل، كما لا يخفىٰ علىٰ المتأمّل.

و الأولى في الجواب أنّ يقال: إن الظاهر من الرواية حصول الثلاثة المتوالية لا مجرد وجود الدم بصفة الحيض.

و قد يناقش في هذا: بأنّ التوالي كيف يعلم من الرواية؟

و يجاب: بأنّ قوله: فهو من الاولىٰ. يشعر به، إلّا أن يقال: إنّ القائل بعدم التوالي يجوّز كون الثلاثة في جملة خمسة، و حينئذ يتحقق الحيضة الأُولىٰ، فليتأمّل.

و العلّامة نقل الاستدلال للشيخ برواية مرسلة رواها يونس عن بعض رجاله (2). و لا أرىٰ في ذكرها مع الإرسال فائدة.

نعم ينبغي أن يعلم أن جدّي (قدس سره) قال في شرح الإرشاد: و علىٰ هذا القول يعني عدم اعتبار التوالي لو رأت الأوّل و الخامس و العاشر، فالثلاثة حيض لا غير، فإذا رأت الدم يوماً و انقطع فإن كان يغمس القطنة وجب الغسل، لأنّه إن كان حيضاً فقد وجب الغسل للحكم بأنّ أيّام النقاء طهر، و إن لم يكن حيضاً فهو استحاضة، و الغامس منها يوجب الغسل،

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «فض».

(2) المختلف 1: 193.

315

و إن لم يغمسها وجب الوضوء خاصة لاحتمال كونه استحاضة، فإن رأته مرّة ثانية يوما مثلًا (1) و انقطع فكذلك، فإذا رأته ثالثة في العشرة ثبت أن الأوّل حيض، و تبيّن بطلان ما فعلت بالوضوء، إذ قد ثبت أنّ الدم حيض يوجب انقطاعه الغسل (2). انتهىٰ.

و في نظري القاصر أنّ هذا الكلام من جدّي (قدس سره) إلزام للشيخ و من يقول بمقالته، من حيث إنّ القائلين بعدم التوالي يلزمهم أن لا يتحقق الفرق بين أقل الحيض و أكثره في صورة رؤية الدم أول يوم و الخامس و العاشر إذا كان الجميع حيضا، و لو كان الثلاثة فقط هي الحيض لزم الإشكال الذي ذكره، (لا أنّ) (3) القائل به معترف بما ذكره، فإنّ الإجماع مدّعى علىٰ أنّ الطهر لا يكون أقل من عشرة أيّام.

و صرّح جماعة من الأصحاب منهم المحقق في المعتبر (4) و العلّامة في المنتهىٰ: بأنّ المرأة لو رأت ثلاثة ثم رأت العاشر كان الجميع حيضا (5).

و من هنا يعلم أنّ ما اعترض به بعض المتأخّرين، و تبعه شيخنا (قدس سره) علىٰ جدّي (قدس سره)-: من أنّ مقتضىٰ كلامه أنّ أيّام النقاء المتخلّلة بين أيّام رؤية الدم يكون طهراً، و هو خلاف الإجماع (6). لا وجه له بعد ما قلناه، غاية الأمر أنّ قول جدّي (قدس سره) يوهم ذلك.

و أمّا ما قد يتخيل من عدم تحقق الأقل. فيدفعه أنّ الشيخ و من معه (7)

____________

(1) ليست في «فض».

(2) روض الجنان: 63.

(3) بدل ما بين القوسين في «د»: إذ.

(4) المعتبر 1: 203.

(5) المنتهىٰ 1: 98.

(6) المدارك 1: 321.

(7) راجع ص 285.

316

لا يقولون بتعيّن عدم التوالي، بل إنّ التوالي ليس بشرط، فالأقل عندهم يتحقق مع التوالي و عدمه، و الإلزام من جدّي (قدس سره) لهم أن يخرجوا عنه بأنه لا يحكم بالحيض إلّا بتمام العشرة، و فيها لا يحكم بالحيض بل يحكم بأفعال المستحاضة أو غير ذلك.

ثم قد يتوجه علىٰ جدّي (قدس سره) أنّ قوله: و إن لم يغمسها وجب الوضوء خاصة. محل بحث، لأنّ الحيض لا يعتبر فيه الكثرة فاحتماله موجود، و إذا وجب الغسل مع الكثرة وجب مع القلة، و الفرق غير ظاهر الوجه، و بالجملة فالكلام محل إبهام إلّا أنّ مقصوده ما سمعته علىٰ ما أظن.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للأصحاب خلافاً علىٰ القول بالتوالي، و الأكثر علىٰ الاكتفاء برؤية الدم في كل يوم من الأيّام الثلاثة وقتاً ما عملًا بالعموم (1).

و قيل: يشترط اتصاله في مجموع الأيّام الثلاثة (2). و ذهب بعض إلىٰ اعتبار حصوله في أول اليوم الأوّل و آخر الآخر و في أيّ جزء كان من الوسط (3). و لم أقف علىٰ أدلّة القولين.

بقي في المقام شيء، و هو أنّ ما أوردناه علىٰ العلّامة و شيخنا (قدس سره) من جهة استدلالهم المذكور (4) بأنّ ما دل علىٰ اعتبار أوصاف الدم و كون وجدانها موجباً لترك العبادة إلزامي لهم بما ذكروه من الأخبار في المبتدئة.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في ذلك لم يحضرني الآن صحته،

____________

(1) المدارك 1: 322.

(2) جامع المقاصد 1: 287.

(3) نفىٰ عنه البُعد في حبل المتين: 47.

(4) في ص 285.

317

و صحيح منصور بن حازم المذكور من شيخنا (قدس سره)- (1) لم أقف الآن عليه، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقيقة الحال.

اللغة:

قال ابن الأثير في أحكام الأحكام: يقال: حاضت المرأة و تحيّضت تحيض حيضا و محاضا (2) و محيضا، إذا سال الدم منها في نوبة معلومة، و إذا استمر من غير نوبة قيل: استحيضت فهي مستحاضة.

و من هنا يعلم أنّ قوله في حديث محمد بن مسلم الأخير سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم و إذا رأت الصفرة و كم تدع الصلاة؟ يمكن أن يراد به المستحاضة بالمعنى الذي ذكره ابن الأثير، و إن أمكن التوجيه علىٰ تقدير إرادة المستحاضة و هي من يسيل دمها متجاوزاً أيّام الحيض بنوع من التقريب، لكنه بعيد عن المساق.

و في القاموس: المستحاضة من يسيل دمها لا من الحيض (3). و هذا المعنىٰ غير مراد من الحديث في الظاهر.

[الحديث 6]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّ أكثر ما يكون الحيض ثمان و أدنى ما يكون ثلاثة».

____________

(1) المدارك 1: 329.

(2) في «رض»: محياضاً.

(3) القاموس المحيط 2: 341.

318

فهذا الخبر لا ينافي ما قدمناه من الأخبار، لإجماع الطائفة علىٰ خلافه، و أنّ أحداً من أصحابنا لم يعتبر في أقصى مدّة أيّام الحيض أقل من عشرة أيّام، و لو سلّم لجاز أن نحمله علىٰ امرأة كانت عادتها ثمانية أيّام ثم استحيضت فإن أكثر ما يجب عليها أن تترك الصلاة أيّام عادتها و هي ثمانية أيّام علىٰ ما بيّناه في كتاب تهذيب الأحكام (1).

السند

واضح لا ارتياب فيه.

المتن:

ما ذكره الشيخ فيه في غاية التكلّف بسبب البعد عن ظاهر الحديث، و أظنّ أنّ الأقرب إلىٰ مدلوله إرادة: أكثر عادات النساء الثمانية، فقوله (عليه السلام): «إنّ أكثر ما يكون الحيض» إلىٰ آخره، يراد به أنّ غالب العادات ثمانية أيّام، و هو كذلك.

ثم إنّ قول الشيخ: فإنّ أكثر ما يجب عليها أن تترك الصلاة أيّام عادتها، إلىٰ آخره، لا يخلو من إجمال، فإنّ المشهور كون الانقطاع علىٰ العاشر يوجب كون الجميع حيضاً و إن كان في استفادة هذا الحكم من الأخبار نظر.

و يمكن توجيه كلام الشيخ بأنّ مراده أنّ وجوب الترك لا يتحقق إلّا في الثمانية لكن إذا انقطع علىٰ العاشر تبيّن بطلان ما فعلت من

____________

(1) التهذيب 1: 157/ 450، الوسائل 2: 297 أبواب الحيض ب 10 ح 14.

319

العبادة، و أمّا أيّام الاستظهار فلا يشكل الحال فيها، فإنّ جواز ترك العبادة أيام الاستظهار لا ينافي قوله: يجب عليها أن تترك أيّام عادتها، كما لا يخفىٰ.

باب أقلّ الطهر

[الحديث 1]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يكون القرء أقلّ من عشرة أيّام (1)، فما زاد أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلىٰ أن ترى الدم».

السند

لا ارتياب فيه.

المتن:

لا يخلو من إجمال بالنظر إلىٰ تركيب لفظه، و يخطر في البال أنّ قوله: «فما زاد» كلام مستأنف في الجملة، و المعنىٰ أنّ ما زاد عن الأقل من عشرة أقل ما يكون عشرة، لأنّ مراتب الزيادة عن الأقل من عشرة كثيرة فبيّن (عليه السلام) أنّ أقلها عشرة.

و في كلام بعض محقّقي المعاصرين سلّمه اللّٰه ما هذه صورته: قوله (عليه السلام): «فما زاد» المتبادر منه إرادة أنّه لا يكون أقل من عشرة فصاعداً،

____________

(1) ليست في الاستبصار 1: 131/ 452.

320

و لا يخلو من إشكال بحسب المعنىٰ، فلعلّ التقدير: فالقرء ما زاد، علىٰ أن يكون الفاء فصيحة، أي إذا كان كذلك فالقرء ما زاد علىٰ أقل من عشرة، و قوله (عليه السلام): «أقل ما يكون عشرة» إلىٰ آخره لعله إنّما ذكره (عليه السلام) للتوضيح و دفع ما عساه يتوهم من أنّ المراد بالقرء المعنىٰ الآخر، و لفظ يكون تامة، و عشرة بالرفع خبر (1). انتهىٰ. و لا يخفىٰ عليك حقيقة الحال.

اللغة:

قال في النهاية: فيه «دَعي الصلاة أيّام أقرائك» و قد تكرّرت هذه اللفظة في الحديث مفردة و مجموعة، و المفردة بفتح القاف، و تجمع علىٰ أقراء و قروء، و هو من الأضداد يقع علىٰ الطهر، و إليه ذهب الشافعي و أهل الحجاز، و علىٰ الحيض، و إليه ذهب أبو حنيفة و أهل العراق، و الأصل في القرء الوقت المعلوم، فلذلك وقع علىٰ الضدّين لأنّ لكل منهما وقتاً، و أقرأت المرأة: إذا حاضت و إذا طهرت (2).

[الحديث 2 و 3]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن يونس ابن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة قال: «تدع الصلاة» قلت: فإنّها ترى الطهر ثلاثة أيّام أو أربعة أيّام قال: «تصلي» قلت: فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة

____________

(1) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 48.

(2) النهاية لابن الأثير 4: 32.

321

[أيّام (1)] قال: «تدع الصلاة» قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيّام أو أربعة [أيام (2)] قال: «تصلي» قلت: فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة [أيام (3)] قال: «تدع الصلاة، تصنع ما بينها و بين شهر فإن انقطع عنها، و إلّا فهي بمنزلة المستحاضة».

و ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن السندي بن محمد البزاز، عن يونس بن يعقوب، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم خمسة أيّام و الطهر خمسة أيّام و ترى الدم أربعة أيّام و الطهر ستة أيام، فقال: «إن رأت الدم لم تصلِّ و إن رأت الطهر صلّت ما بينهما و بين ثلاثين يوماً، فإذا تمّت ثلاثون يوماً فرأت الدم دماً صبيباً (4) اغتسلت و استثفرت (5) و احتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فإذا رأت صفرة توضّأت».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما علىٰ امرأة اختلطت عادتها في الحيض و تغيّرت عن أوقاتها و كذلك أيّام أقرائها و اشتبه عليها صفة الدم فلا (6) يتميز لها دم الحيض من غيره، فإنّه إذا كان كذلك ففرضها إذا رأت الدم أن تترك الصلاة، و إذا رأت الطهر صلّت إلىٰ أن تعرف عادتها، و يحتمل أن يكون هذا حكم امرأة مستحاضة اختلطت عليها أيّام الحيض، و تغيّرت عادتها، و استمر بها الدم و تشتبه (7) صفة الدم

____________

(1) أثبتناه من الاستبصار 1: 131/ 453.

(2) أثبتناه من الاستبصار 1: 131/ 453.

(3) أثبتناه من الاستبصار 1: 131/ 453.

(4) في الاستبصار 1: 132/ 454: صبياً.

(5) في الاستبصار 1: 132/ 454: استشفرت.

(6) في الاستبصار 1: 132/ 454: و لا.

(7) في «رض» و «د»: و اشتبهت، و في «فض»: و سهت. و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 132/ 454.

322

فترى ما يشبه دم الحيض ثلاثة [أيام أو (1)] أربعة أيّام، و ترى ما يشبه دم الاستحاضة مثل ذلك، و لم يتحصل لها العلم بواحد منهما، فإنّ فرضها أن تترك الصلاة كل ما رأت ما يشبه دم الحيض، و تصلّي كل ما رأت ما يشبه دم الاستحاضة إلىٰ شهر، و تعمل بعد ذلك ما تعمله المستحاضة، و يكون قوله: رأت الطهر ثلاثة أيام أو أربعة أيّام. عبارة عمّا يشبه دم الاستحاضة لأن الاستحاضة بحكم الطهر، و لأجل ذلك قال في الخبر: «ثم تعمل ما تعمله (2) المستحاضة» و ذلك لا يكون إلّا مع استمرار الدم، و قد دل علىٰ ذلك الخبر الذي أوردناه في كتابنا الكبير عن غير واحد سألوا أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحيض و السنّة فيه (3).

السند

في الأوّل: موثق بيونس (بن يعقوب) (4) فإنّ النجاشي قال: إنّه كان أخصّ بأبي عبد اللّٰه و أبي الحسن (عليهما السلام)، و كان يتوكّل لأبي الحسن (عليه السلام)، و مات بالمدينة في أيّام الرضا (عليه السلام) فتولّى أمره، و كان حَظيّا عندهم موثّقاً، و قد قال بعبد اللّٰه و رجع (5).

و الشيخ أيضاً في كتاب الرجال ذكره في رجال الكاظم (عليه السلام) و أنّه ثقة (6).

____________

(1) ما بين أثبتناه من الإستبصار 1: 132/ 454.

(2) في النسخ: تعمل، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 132/ 454.

(3) التهذيب 1: 381/ 1183، الوسائل 2: 281 أبواب الحيض ب 5 ح 1.

(4) ما بين القوسين ليس في «فض».

(5) رجال النجاشي: 446/ 1207، بتفاوت يسير.

(6) رجال الطوسي: 363/ 4.

323

و ابن بابويه في أسانيد الفقيه ذكر أنّه فطحي و لم يذكر الرجوع (1).

و ربما يحصل المعارضة لقول النجاشي بالرجوع، إلّا أن يحمل كلام الصدوق علىٰ ما قيل، و علىٰ كل حال لا يفيد هذا فائدة.

و العلّامة في الخلاصة قال: و روى الكشي أحاديث حسنة تدل علىٰ حسن عقيدة هذا الرجل و الذي أعتمد عليه قبول روايته (2).

و هذا لا يخلو من غرابة، أمّا أوّلًا: فلأنّ الأخبار التي رواها الكشي ليس فيها حسن و لا صحيح، إلّا أن يريد غير المعنىٰ المصطلح عليه.

و أما ثانياً: فلأن قبول روايته مع كونه فطحيّاً دون غيره كما يظهر منه (رحمه الله) غير ظاهر الوجه، و الرجوع غير معلوم التاريخ، لتعلم الرواية قبل أو بعد، و هو أعلم بمراده.

و أما الثاني: ففيه أبو بصير، و قد تقدّم القول فيه (3)، و السندي بن محمد ثقة و يسمى أبان (4) إلّا أن وصفه بالبزّاز لم أره في الرجال.

المتن:

في الخبرين لا يخلو من غرابة، و ظاهر الصدوق في الفقيه العمل بمضمون الرواية الثانية، فإنّه نقل متنها في الكتاب.

و ما ذكره الشيخ في التوجيه الأوّل ظاهره أنّه فهم من الروايتين أن الدم كان يوجد ثلاثة أيّام أو أربعة ثم ينقطع و هكذا، و الذي يقتضيه آخر

____________

(1) مشيخة الفقيه (الفقيه 4): 105.

(2) خلاصة العلّامة: 185/ 2.

(3) راجع ص 90 94 و ج 1 ص 72، 83.

(4) في النسخ: بنان، و ما أثبتناه من رجال النجاشي: 187/ 497، و خلاصة العلّامة: 82/ 2.

324

الرواية الاولىٰ من قوله: «فإن انقطع عنها و إلّا فهي مستحاضة» أنّ الدم مستمر، و إنّما كانت تراه بصفة دم الحيض أيّاماً و بصفة دم الاستحاضة أيّاماً كما يقتضيه التوجيه الثاني من الشيخ، و إن أشكل التوجيه الثاني أيضا بأنّ الشيخ فهم من قوله (عليه السلام): ثم تعمل ما تعمله المستحاضة، أنّ المراد في الأيّام التي يشبه دمها دم الاستحاضة.

و الذي أفهمه أنّ المراد كونها تعمل بعد الثلاثين إذا استمرّ الدم.

و في المعتبر قال المحقق بعد نقل كلام الشيخ في هذا الكتاب: و هذا تأويل لا بأس به، ثم قال: و لا يقال: إنّ الطهر لا يكون أقل من عشرة، لأنّا نقول: هذا حق، لكن ليس هذا طهراً علىٰ اليقين و لا حيضاً، بل هو دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط (1). انتهىٰ.

و لا يخفىٰ عليك أنّ قوله: تعمل فيه بالاحتياط. خلاف مدلول الرواية.

و من العجب أن العلّامة في المختلف بعد نقل قول ابن بابويه، و أنّه مناسب لما ذكره الشيخ في النهاية، قال: و الظاهر أنّ مراد ابن بابويه و الشيخ أنها ترى الدم بصفة دم الحيض أربعة أيّام، و الطهر الذي هو النقاء خمسة، و ترى تتمة العشرة أو الشهر بصفة دم الاستحاضة، فإنها تتحيّض بما هو صفة دم الحيض و لا يحمل ذلك علىٰ ظاهره (2).

ثم إنّه ذكر احتجاج الشيخ و ابن بابويه بالروايتين المبحوث عنهما و لم يذكر الجواب عنهما، (فإن كان) (3) ذلك بناءً منه علىٰ تأويل كلامهما،

____________

(1) المعتبر 1: 207.

(2) المختلف 1: 204 و هو في الفقيه 1: 54، و النهاية: 24.

(3) في «رض»: فإنّ كل.

325

فيكون التأويل في الروايتين أيضا، فهو بمراحل عن الروايتين، و بالجملة فالكلام في الروايتين لا يخلو من خطر، و لعل من لا يعمل بالموثق في راحة من تكلّف التوجيه.

و أمّا الحديث الذي رواه الشيخ في كتابه الكبير (1) فالأمر في دلالته أشكل من التوجيه، كما يعلمه من راجعه، و لو لا أنّ سنده غير سليم حيث رواه محمد بن عيسىٰ، عن يونس، عن غير واحد، لنقلته هنا.

و ينبغي أن يعلم أنّ ظاهر الخبر الثاني حيث قال فيه: «فرأت الدم (2) صبيباً اغتسلت و استثفرت (3) و احتشت بالكرسف في وقت كل صلاة» وجوب جميع ما ذكر (4) في وقت كل صلاة، و الحال أنّ الغسل لا يجب كذلك، بل و لا غيره.

و يمكن الجواب بأنّ الخبر في حيّز الإجمال، و المبيّن غيره من الأخبار، كما أنّ قوله: «فإذا رأت صفرة توضّأت» لا يخلو من إشكال أيضاً، إلّا أنّ ضعف الرواية يسهل الخطب.

اللغة:

قال في النهاية: في الحديث أنّه أمر المستحاضة أن تستثفر، هو أن تشد فخذها (5) بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا و توُثِق طرفيها في شيء

____________

(1) التهذيب 1: 381/ 1183، الوسائل 2: 276 أبواب الحيض ب 3 ح 4.

(2) في الاستبصار 1: 132/ 454 زيادة: دماً.

(3) في الاستبصار 1: 132/ 454: و استشفرت.

(4) في «فض» زيادة: و.

(5) في النهاية: فرجها.

326

تشدّه علىٰ وسطها فتمنع بذلك سيل الدم، مأخوذ من ثَفَر الدابة الذي جعل (1) تحت ذنبها (2).

باب ما يجب علىٰ من وطئ امرأة حائضا من الكفّارة

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد ابن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن عبد اللّٰه ابن سنان، عن حفص، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عمّن أتى امرأته و هي طامث، قال: «يتصدق بدينار و يستغفر اللّٰه تعالىٰ».

و أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عيسىٰ، عن النضر بن سويد، عن يحيىٰ بن عمران الحلبي، عن عبد اللّٰه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبد اللّٰه ابن زرارة، عن محمد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي: عن الرجل يقع علىٰ امرأته و هي حائض ما عليه؟ قال: «يتصدق علىٰ مسكين بقدر شُعبة».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن صفوان، عن أبان، عن

____________

(1) في النهاية: يجعل.

(2) النهاية لابن الأثير 1: 214 (ثفر).

327

عبد الكريم بن عمر و قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أتى جاريته و هي طامث، قال: «يستغفر اللّٰه» قال عبد الكريم فإنّ الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار؟ قال (1) (عليه السلام): «فليتصدّق علىٰ عشرة مساكين».

قال (2) محمد بن الحسن (3): الوجه (4) في الجمع بين هذه الأخبار أن نحمل الوطء إذا كان في أول الحيض يلزمه دينار، و إذا كان في وسطه نصف دينار، و إذا كان في آخره ربع دينار، و ربما كان (قيمته مقدار الصدقة) (5) علىٰ عشرة مساكين، و متىٰ عجز عن ذلك أجزأه الصدقة علىٰ مسكين (6) بقدر شبعه، لتلائم الأخبار.

و الذي يدل علىٰ هذا التفصيل:

ما أخبرني به الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد (7) بن يحيىٰ، عن بعض أصحابه (8)، عن الطيالسي، عن أحمد بن محمد، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في كفارة الطمث أنه: «يتصدق إذا كان في أوله بدينار، و في أوسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار» قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفّر؟

____________

(1) في الاستبصار 1: 133/ 458: فقال أبو عبد اللّٰه.

(2) في الاستبصار 1: 133/ 458 زيادة: الشيخ أبو جعفر.

(3) في الاستبصار 1: 133/ 458 زيادة: (رحمه الله).

(4) في الاستبصار 1: 133/ 458: فالوجه.

(5) في «فض» و «د»: قيمة مقدار الصدقة، و في «رض»: مقدار قيمة الصدقة، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 133/ 458.

(6) في الاستبصار 1: 133/ 458 زيادة: واحد.

(7) في الاستبصار 1: 134/ 459 زيادة: بن أحمد.

(8) في الاستبصار 1: 134/ 459: أصحابنا.

328

قال: «فليتصدّق علىٰ مسكين واحد، و إلّا استغفر اللّٰه و لا يعود، فإنّ الاستغفار توبة و كفّارة لكل من لم يجد السبيل إلىٰ شيء من الكفارة».

السند

في الأوّل: قد تكرر القول في رجاله، غير أنّ الحسن بن علي الوشّاء قد وقع للعلّامة فيه شيء لم يتقدّم ذكره و لا بأس بالتنبيه عليه، فاعلم أنّ النجاشي قال: قال أبو عمرو: يكنى بأبي محمد الوشّاء، و هو ابن بنت إلياس الصيرفي خزاز من أصحاب الرضا (عليه السلام) (1).

و العلّامة في الخلاصة قال: قال الكشي: يكنى بأبي محمد الوشاء و هو ابن بنت إلياس الصيرفي خيّران من أصحاب الرضا (عليه السلام) (2). و قال في باب إلياس: إنّه خيّر (3).

و في الظنّ أنّ قول العلّامة: خيّران. تصحيف لفظ خزاز في كلام النجاشي، إما لكونه منقولًا عن الكشي، أو أنّه من كلامه، و العلّامة أخذ كلامه من النجاشي و لسرعة (4) العجلة فعل ما فعل، أو أنّه نقله من الكشي و هو مصحّف (5) فيه ثم سرىٰ الوهم إلىٰ أن قال في اليأس: إنّه خيّر (6). فليتأملّ.

____________

(1) رجال النجاشي: 39/ 80.

(2) خلاصة العلّامة: 41/ 16، إلّا أنّ فيه: خيّر من أصحاب الرضا (عليه السلام)، و في حاشية الكتاب: في نسخة: خيران.

(3) خلاصة العلّامة: 23/ 2.

(4) في «فض»: و السرعة.

(5) في «رض»: تصحيف.

(6) خلاصة العلّامة: 41/ 16.

329

ثم إنّ حفص المذكور في السند مشترك بين من هو ثقة و غيره (1).

و الثاني: رجاله قد تكرّر أيضا القول فيهم بما يغني عن الإعادة، و يحيى بن عمران الحلبي ثقة.

و الثالث: كذلك.

و الرابع: فيه عبد الكريم بن عمرو (2) في النسخ التي رأيناها، و في (3) التهذيب عبد الملك بن عمرو (4).

و قال (5) شيخنا أيّده اللّٰه في فوائده: و كلاهما موجودان في الرجال، و عبد الكريم واقفي. انتهىٰ. و الذي في النجاشي كما قال أيّده اللّٰه و فيه: أنّه ثقة ثقة و كان واقفيا (6). و كذلك في الكشي عن أشياخ حمدويه (7)، و نقل في الخلاصة عن الشيخ أنّه قال ذلك أيضا (8).

و أمّا عبد الملك بن عمرو فقد روىٰ الكشي عن حمدويه، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك ابن عمرو، قال: قال (9) أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّي لأدعو (10) لك حتى اسمّي دابّتك» أو قال: «أدعو لدابّتك» (11).

____________

(1) هداية المحدثين: 46.

(2) في «رض» زيادة: و.

(3) في «رض»: في.

(4) التهذيب 1: 164/ 470، الوسائل 2: 574 أبواب الحيض ب 28 ح 2.

(5) في «فض»: قال.

(6) رجال النجاشي: 245/ 645.

(7) رجال الكشي 2: 687/ 730.

(8) خلاصة العلّامة: 115/ 7.

(9) في المصدر زيادة: لي.

(10) في المصدر زيادة: اللّٰه.

(11) رجال الكشي 2: 687/ 730.

330

و لجدّي (قدس سره) في فوائد الخلاصة علىٰ هذا الحديث ما هذه صورته: السند صحيح و لكنه ينتهي إلىٰ الممدوح، فهو شهادة لنفسه، (و مع ذلك) (1) فهو مرجّح بسبب المدح، فيلحق بالحسن لولا ما ذكرناه (2). انتهىٰ.

و قد يقال: إنّه لولا ما قاله لكان أعلىٰ من الحسن، و إن أمكن المناقشة في ذلك، إلّا أنّ الأمر سهل، حيث إن الراوي غير معلوم الحال.

و الخامس: فيه مع الإرسال الطيالسي، و لا يبعد أن يكون محمد بن خالد، و هو مذكور في رجال الشيخ فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام) مهملًا، و ذكر أنّ الراوي عنه سعد بن عبد اللّٰه و علي بن الحسن بن فضال (3)، و المرتبة قريبة، و في الخلاصة لم يذكره في بابه، و لكن في ترجمة صائد النهدي: محمد بن خالد لا يحضرني حاله (4).

و قد يأتي الطيالسي للحسن بن أبي العرندس، و هو مذكور في رجال الكاظم (عليه السلام) من كتاب الشيخ مهملا (5).

و داود بن فرقد هو داود بن أبي يزيد، كما صرّح به الشيخ في هذا الكتاب، و هو ثقة. و النجاشي صرّح بأن فرقد يكنى أبا يزيد (6). و الشيخ في كتاب الرجال ذكره في رجال الصادق (عليه السلام) بهذه الصورة: داود بن فرقد

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «رض».

(2) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 26 (مخطوط).

(3) رجال الطوسي: 493/ 11.

(4) خلاصة العلّامة: 230/ 1.

(5) رجال الطوسي: 348/ 22.

(6) رجال النجاشي: 158/ 418.

331

أبو يزيد (1). و ابن داود قال: إنّ داود يكنى أبا زيد و فرقد أبا يزيد (2).

و بالجملة: فالأسانيد كلّها غير سليمة.

المتن:

في الأخبار المذكورة غير الرابع و الخامس كما ترى تضمّن الدينار و النصف و الصدقة علىٰ مسكين بقدر شبعه.

[و الرابع (3)]: تضمّن نفي النصف و الدينار و الأمر بالصدقة علىٰ عشرة مساكين، و هو كالصريح في عدم وجوب الدينار و النصف، فإمّا أن يحمل علىٰ الاستحباب في الجميع كما قد يستفاد من الأخبار حيث لم يتعيّن المقدار، و يكون المنفي في الرابع التعين، أو يحمل علىٰ التقية ما دل علىٰ الدينار و النصف، فقد صرّح بعض العامة بما هذه صورته: و يستحب لمن وطئ في الحيض عالماً بالحال و التحريم أن يتصدّق بدينار خالص إن كان في أوله و قوّته، و نصف دينار إن كان في ضعفه (4).

و ربما كان في قول الراوي في الحديث الرابع: إنّ الناس يقولون، إلىٰ آخره، إشارة إلىٰ أهل الخلاف.

أمّا ما قاله الشيخ في الجمع: من الربع دينار. ففيه أنّه لم يتقدم ما يدل علىٰ الربع، و كأنّه اعتمد علىٰ الخبر الآتي، و لا يخفىٰ عليك الحال.

فإن قلت: الشيخ إنّما ذكر الربع دينار لما تضمّنه الخبر الرابع من

____________

(1) رجال الطوسي: 189/ 4.

(2) رجال ابن داود: 91/ 592.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ: و الخامس، و الظاهر ما أثبتناه.

(4) انظر المجموع 2: 359.

332

الصدقة علىٰ عشرة مساكين ظنّاً منه أنّ الربع قيمته تفي بذلك، كما ينبه عليه قوله: و ربما كانت قيمة مقدار الصدقة.

قلت: كلام الشيخ لا يخلو من إجمال، إذ لم يعلم عوده إلىٰ ماذا (1)، فيحتمل أن يعود إلىٰ المجموع من الدينار أو النصف أو الربع، و المراد أنّ الصدقة علىٰ عشرة تتحقّق في بعض الأحيان (2) بكل ما ذكر، و يحتمل أن يعود إلىٰ الربع، و لا ريب أنّه من البُعد بمكان، سيّما و قوله: و متىٰ عجز عن ذلك. لا يلائمه، إذ لو عاد إلىٰ الربع يصير المعنىٰ: متى عجز عن هذا القدر أجزأه الصدقة علىٰ مسكين. و أنت خبير بما فيه.

ثم إنّ الخبر الذي استدل به (يدل علىٰ أنّ الصدقة علىٰ مسكين بعد العجز عن المذكور جميعه، فيؤيّد عدم العود إلىٰ الربع، و الحاصل أنّ الحديث المستدل به)] (3) محتمل (4) لأن يراد به أنّ من عجز عن [الدينار (5) يتصدّق علىٰ مسكين، و من عجز عن النصف كذلك، و من عجز عن الربع كذلك، و لو فرض اجتماع الثلاثة علىٰ الفاعل فإشكال، غير أنّ عدم صحة الرواية تخفّف الإشكال، و إنّما ذكرنا ما ذكرناه ليعلم أن كلام الشيخ غير واف بتحقيق الحال، و لا فيه كمال الجمع بين الأخبار، و لو قيل بالاستحباب سهل الخطب، و سيأتي من الأخبار ما يؤيد ذلك.

و في المعتبر بعد أن ذكر الأخبار: و لا يمنعنا ضعف طريقها عن تنزيلها علىٰ الاستحباب، لاتفاق الأصحاب علىٰ اختصاصها بالمصلحة

____________

(1) في «فض»: إذا.

(2) في «فض»: الأخبار.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

(4) في «فض»: محمل.

(5) في النسخ: الدرهم. و الظاهر ما أثبتناه.

333

الراجحة إمّا وجوباً أو (1) استحباباً، فنحن بالتحقيق عاملون بالإجماع لا بالرواية (2). و هذا الكلام كما ترى غير مفيد بعد الترديد بين الاستحباب و الوجوب.

و ينقل عن السيد المرتضىٰ في الانتصار أنّه قال: يمكن أن يكون الوجه في ترتيب هذه الكفّارة أنّ الواطئ في أول الحيض لا مشقّة عليه في تركه الجماع (3) لقرب عهده فغلظت كفّارته، و الواطئ في آخره مشقّته شديدة لتطاول عهده فكفّارته أنقص، و كفّارة الواطي في نصفه متوسطة (4).

و نقل عن الراوندي القول (5) بالتفصيل بالمضطر و غيره و الشاب و غيره (6)، و لا نعلم وجهه.

و ذكر بعض المتأخّرين أنّ الأوّل و الوسط و الآخر يختلف بحسب عادة المرأة، فالأول لذات الثلاثة اليوم الأوّل، و لذات الأربعة هو مع ثلث الثاني، و لذات الخمسة هو مع ثلثيه، و لذات الستّة اليومان الأولان، و علىٰ هذا القياس الوسط و الأخير (7).

و نقل في المختلف عن سلار قولا (8) غير واضح الوجه.

قيل: و الدينار: المثقال الخالص من الذهب المضروب، و قيمته عشرة

____________

(1) في المعتبر 1: 232: و إما.

(2) المعتبر 1: 232.

(3) في «رض»: للجماع.

(4) نقله عنه في المدارك 1: 354 و هو في الانتصار: 34.

(5) في «رض»: أنّه قال.

(6) نقله عنه في الذكرى 1: 271.

(7) المدارك 1: 354.

(8) المختلف 1: 188 و هو في المراسم: 44.

334

دراهم، و جزم العلّامة: بعدم إجزاء القيمة، و مصرف هذه الكفّارة مصرف غيرها (1). و اللّٰه أعلم بالحال.

اللغة: الشبْع بالفتح و كعِنَب ضدّ الجوع، و الشبْع بالكسر و كعِنَب اسم ما أشبَعَك، و شُبْعَةٌ من طعام بالضم قدر ما يُشْبَع به مرّة، قاله في القاموس (2).

[الحديث 6 و 7 و 8]

قال: فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن صفوان، عن عيص ابن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل (وقع علىٰ) (3) امرأته و هي طامث، قال: «لا يلتمس بعد (4) ذلك فقد نهىٰ اللّٰه تعالىٰ أن يقربها» قلت: فإن فعل عليه (5) كفّارة؟ قال: «لا أعلم فيه شيئاً يستغفر اللّٰه».

و ما رواه علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن الحسن، عن أبيه، عن أبي جميلة، عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن وقوع الرجل علىٰ امرأته و هي طامث خطأ؟ قال: «ليس عليه شيء و قد عصىٰ ربه».

____________

(1) قال به في المدارك 1: 355، و هو في المنتهىٰ 1: 117 و التحرير 1: 15.

(2) القاموس المحيط 3: 44 (شبع).

(3) في الاستبصار 1: 134/ 460: واقع.

(4) في الاستبصار 1: 134/ 460: فعل.

(5) في الاستبصار 1: 134/ 460: أ عليه.

335

عنه، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حماد بن عيسىٰ، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الحائض يأتيها زوجها؟ قال: «ليس عليه شيء يستغفر اللّٰه و لا يعود».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها علىٰ أنّه إذا لم يعلم الرجل من حالها أنّها كانت حائضاً لم يلزمه شيء، فأمّا مع علمه بذلك فإنّه يلزمه الكفّارة حسب (1) ما ذكرناه، و ليس لأحد أن يقول: لا يمكن هذا التأويل لأنّه لو كانت هذه الأخبار محمولة علىٰ حال النسيان لما قال (عليه السلام): «يستغفر ربه ممّا فعل» و لا أنّه «عصىٰ ربه» لأنّه لا يمتنع إطلاق القول عليه بأنه عصىٰ و لا الحثّ علىٰ الاستغفار من حيث إنّه فرّط في السؤال عن حالها و هل هي طامث أم لا؟ مع علمه أنّها (2) لو كانت طامثاً لحرم عليه وطؤها، فبهذا التفريط يكون عاصياً و يجب (3) الاستغفار، و الذي يكشف عن هذا التأويل خبر ليث المرادي المتقدم (4) ذكره قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن وقوع الرجل علىٰ امرأته و هي طامث خطاءً، فقيّد السؤال بأنّ مواقعته لها كانت (5) خطاءً، فأجابه (عليه السلام): «ليس عليه شيء و قد عصىٰ ربه».

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب.

____________

(1) في «رض»: حيث.

(2) في النسخ: بها، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 134/ 462.

(3) في الاستبصار 1: 134/ 462 زيادة: عليه.

(4) في الاستبصار 1: 134/ 462: المقدم.

(5) ليست في النسخ، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 134/ 462.

336

و الثاني: فيه الطريق إلىٰ علي بن الحسن و قد تقدم مراراً (1)، و فيه أبو جميلة و هو ضعيف، و أما محمد بن الحسن فالظاهر أنّه ابن فضال (و يحتمل أن يكون محمد بن الحسن بن سعيد، و علىٰ كل حال فالرجل ضعيف) (2) و احتمال ثقة غيرهما ممكن، لكن لا يفيد كما لا يخفىٰ، علىٰ أنّه بعيد.

و الثالث: حال رجاله لا يخفىٰ بعد ما قدّمناه، غير أنّ أحمد بن الحسن علىٰ الظاهر ابن فضال، و يحتمل أن يكون أحمد بن الحسن بن سعيد، و هو ضعيف.

المتن:

في الأوّل: ظاهره العموم من حيث عدم الاستفصال من الإمام (عليه السلام) عن العمد و غيره، و حينئذ يؤيّد حمل ما دلّ علىٰ الكفّارة علىٰ الاستحباب، و يكون قوله (عليه السلام): «لا أعلم فيه شيئا» يراد به عدم العلم بوجوب شيء، و لا يعترض: بأنّ نفي العلم بشيء أعم من الواجب و المستحب، لإمكان الجواب بأنّ إثبات الاستحباب للعارض.

ثم إنّ الخبر قد يستفاد منه أنّ النهي عن القرب يراد به الجماع، فيؤيّد ما قاله العلّامة كما نقلناه عنه سابقا. و فيه: أنّه لا مانع من إرادة النهي عن القرب الشامل للجماع و غيره، فليتأملّ. أمّا حمل الشيخ فلا يخفىٰ ما فيه بالنسبة إلىٰ هذا الخبر.

و أمّا الخبر الثاني: ففيه دلالة علىٰ ما قاله، فيمكن أن يقال: بحمل

____________

(1) راجع ص 65 و ج 1 ص 140.

(2) ما بين القوسين ليس في «فض» و «د».

337

المطلق علىٰ المقيّد، إلّا أنّ التقييد بالخطاء من كلام السائل، و تأثيره في تقييد الأخبار لا يخلو من نظر، بل الظاهر أنّه لا وجه له، لأنّ السؤال إذا وقع عن أحد الأفراد لا يفيد تخصيصاً، و التقرير من الإمام (عليه السلام) في مثل هذا لا يحوم حوله التوجيه، كما لا يخفىٰ علىٰ من أمعن نظره.

و كذلك القول في الخبر الثالث.

فإن قلت: الخبر الثالث لا ريب أنّه يفيد العموم بسبب ترك الاستفصال من الإمام (عليه السلام).

قلت: الأمر كما ذكرت، إلّا أنّه ربما يدّعىٰ أنّه لا يخرج عن قبول التقييد بغير العمد، لدلالة الأخبار السابقة علىٰ الكفّارة، فتحمل علىٰ العمد و هذا علىٰ الخطاء، غير أن الحمل علىٰ الاستحباب ممكن، فالترجيح يتوقف علىٰ موجبه.

و ما قاله الشيخ لا يخلو من نظر في مواضع:

الأوّل: قوله: إنّا نحملها علىٰ أنّه إذا لم يعلم الرجل من حالها أنّها كانت حائضا.

و فيه: أنّ الحمل علىٰ عدم العلم بالتحريم أقرب من الوجه المذكور، لأنّ قوله: فأمّا مع علمه فإنّه يلزمه الكفّارة. لا يتم علىٰ الإطلاق، إذ مع الجهل بالتحريم لا يخلو وجوب الكفّارة من نظر.

الثاني: قوله: لأنّه لو كانت هذه الأخبار محمولة علىٰ حال النسيان، لا وجه له فإنّ النسيان لم يتقدم من الشيخ، بل كلامه إنّما كان في عدم العلم بكونها حائضاً، و إدراج النسيان لا يخلو من اضطراب في التوجيه.

الثالث: قوله: إنّ الاستغفار و العصيان لكونه فرّط في السؤال، فيه: أنّ السؤال غير واجب ليكون تركه تفريطاً موجباً للاستغفار، إلّا أن يقال: إنّ

338

الجماع لمّا كان مشروطاً بعدم الحيض فلا بدّ من العلم بالشرط قبله، فإذا لم يسأل فقد فرّط. و فيه: أنّه يجوز أن يكون الجماع جائزاً ما لم يعلم بالحيض، نعم لو قرب إبّان (1) الحيض أمكن أن يقال: بحصول الظن بالحيض فيحتاج إلىٰ السؤال. و فيه ما لا يخفىٰ (و لم أَرَ تحرير المقام في كلام الأصحاب) (2).

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبقىٰ في المسألة أُمور لا بدّ من التنبيه عليها:

الأوّل: قد قدّمنا في الأخبار السابقة أنّ النهي عن الإيقاب لا معارض له، غير أن الإيقاب محتمل لأن يراد به في القبل أو الدبر، فلا يكون نصّاً في المنع من الدبر، إلّا أن يقال: إنّه عام، لأنّ النهي عن إيجاد ماهيّة الإيقاب يقتضي عدم إيجادها في فرد، فيؤول إلىٰ العموم.

و من هنا يظهر أنّ ما قاله بعض محقّقي المعاصرين سلّمه اللّٰه-: من أنّ الحديث بظاهره يدل علىٰ المنع من وطء المرأة في دبرها. محل بحث أما أولًا: فلأنّ الدلالة إنّما تستفاد علىٰ الوطء في الحيض لا مطلقا، و أمّا ثانياً: فلأنّ التناول للدبر إنّما يتم بالتقريب الذي ذكرناه، و مع ذلك فيه نوع بحث، فليتأملّ.

الثاني: قال الشيخ في التهذيب بعد رواية عبيد اللّٰه الحلبي الدالة علىٰ أنّه يتصدّق علىٰ كل مسكين بقدر شبعه: إذا كانت قيمته ما يبلغ الكفّارة (3)، ثم قال: و الذي يكشف عن ذلك، و ذكر رواية عبد الملك بن عمرو الدالة

____________

(1) إبّان الشيء بالكسر: حينه القاموس المحيط 4: 196 (أبَنَهُ).

(2) بدل ما بين القوسين في «فض»: و لم أرَ تحرير الأصحاب، و في «رض»: و لم أرَ تحرير الأصحاب المقام في كلام.

(3) التهذيب 1: 163/ 469، الوسائل 2: 328 أبواب الحيض ب 28 ح 5.

339

علىٰ الصدقة علىٰ عشرة مساكين، ثم قال: هذا محمول علىٰ أنّه إذا كان الوطء في آخر الحيض، لأنّه لو كان في أوله أو في وسطه لما عدل عن كفّارة دينار أو نصف دينار، و لمّا كان آخر الحيض و رأىٰ أنّ (1) ما يلزمه من الكفّارة الاولىٰ أن يفضّه علىٰ عشرة مساكين أمره بذلك. انتهىٰ (2).

و أنت خبير بأنّ هذا الكلام يقتضي أن يكون ما قدّمناه في كلامه هنا: من أنّه مجمل، مندفعاً بأنّ مراده الربع، فهو مبيّن لكلامه هنا علىٰ تقدير الإجمال، لكن لا يخفىٰ أنّ الإيراد السابق يتوجّه علىٰ كلام التهذيب أيضاً، فإنّ دلالة الرواية علىٰ ما قاله في غاية البعد، كما يعرف بأيسر نظر، لكن منه يعلم أنّ ما قاله البعض: من عدم إجزاء القيمة (3). محل كلام، و قد تقدم نقله، إلّا أنّ الشأن في الثبوت، فينبغي تأمّل هذا كله.

(الثالث: ينقل عن المرتضىٰ و ابن إدريس دعوى الإجماع علىٰ وجوب الكفّارة (4). و في المعتبر قال:) (5) و أمّا احتجاج الشيخ و علم الهدىٰ بالإجماع فلا نعلمه، و كيف يتحقّق الإجماع فيما يتحقّق فيه الخلاف، و لو قال: المخالف معلوم، قلنا: لا نعلم أنّه لا مخالف غيره، و مع الاحتمال لا يبقىٰ وثوق بأنّ الحق في كلامه (6). انتهىٰ.

و لقائل أن يقول: إنّ مدّعي الإجماع إذا كان معلوم العدالة فاحتمال وجود مخالف غير المعلوم لا يوافق العدالة، و قد ادّعىٰ العدل عدم

____________

(1) ليست في التهذيب 1: 164/ 470.

(2) التهذيب 1: 164/ 470، الوسائل 2: 327 أبواب الحيض ب 28 ح 2.

(3) راجع ص 305.

(4) نقله عنهما في الحبل المتين: 51 و هو في الانتصار: 34 و السرائر 1: 144.

(5) ما بين القوسين ليس في «رض».

(6) المعتبر 1: 230 و هو في الخلاف 1: 225.

340

المخالف المضرّ بالإجماع، بل مثل هذا يوجب القدح في العدل، إذ هو في قوّة الإخبار عن العلم بقول المعصوم، فكيف يجوز عدمه عليه (1)، و مجرد الاستبعاد لا يضر بالحال علىٰ تقدير ثبوت العدالة.

و احتمال إرادة معنىٰ آخر من الإجماع كما ظنه الشهيد في الذكرى- (2) يشكل بأنّه لا يصلح لإثبات حجّية مثله، و مجرد التسديد غير كاف مع ما ذكرناه.

و الاحتمال هو أن يراد بالإجماع الشهرة، و أنت خبير بأنّ هذا لا يتمّ في مثل دعوى الشيخ الإجماع و المرتضىٰ الإجماع علىٰ خلافه.

و بالجملة: فإذا ثبت الإجماع علىٰ وجه النقل بخبر الواحد فالقائل بالاستحباب إن كان لمجرد الاحتمال الذي قاله المحقق فالأمر لا يخلو من إشكال، نعم يتم إشكال المحقق في مثل الشيخ فإنّه نقل الإجماع كما حكاه البعض عنه (3)، مع أنّ العلّامة نقل عنه في المختلف القول بالاستحباب و القول بالوجوب (4)، ثم ما قدّمناه عن المحقق سابقاً قد عرفت القول فيه، و منافرته لردّ الإجماع هنا غير خفيّة.

باب الرجل هل يجوز له وطء المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض قبل أن تغتسل أم لا؟

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن

____________

(1) في «فض» زيادة: و علىٰ هذا.

(2) انظر الذكرى 1: 49.

(3) كالمحقق في المعتبر 1: 230، و الشهيد في الذكرى 1: 271.

(4) المختلف 1: 186.

341

علي بن الحسن بن فضال، قال: حدثني أيوب بن نوح، عن الحسن ابن محبوب، عن علاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيّامها، فقال: «إن أصاب زوجها شبق فلتغسل فرجها ثم يمسّها زوجها إن شاء قبل أن تغتسل».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن (1)، عن أحمد و محمد ابني الحسن، عن أبيهما، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء».

السند

في الخبرين تكرّر القول في رجاله سوىٰ أنّه ينبغي أن يعلم أن العلّامة في الخلاصة قال في أيوب بن نوح: ثقة، له كتب و روايات و مسائل عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، و كان وكيلا لأبي الحسن و أبي محمد (عليهما السلام)، عظيم المنزلة عندهما، مأمونا شديد الورع كثير العبادة ثقة في رواياته (2).

و هذا التكرار في التوثيق لا يخلو من غرابة، و الظاهر أنّ سببه كون العلّامة نقل كلام الشيخ في الفهرست و كلام النجاشي، و لم يتفطّن لتكرار التوثيق، إلّا أنّ فيه زيادة عن عبارة الشيخ أيضاً، و كل هذا من شدّة العجلة.

و ما قاله العلّامة: من أنّ أيوب بن نوح وكيل لأبي محمد. هو عبارة النجاشي، و الشيخ لم يذكره في كتاب الرجال في رجال أبي محمد (عليه السلام)، بل ذكره في رجال الجواد (3) و الهادي (عليهما السلام) (4).

____________

(1) في الاستبصار 1: 135/ 464 زيادة: بن فضال.

(2) خلاصة العلّامة: 12/ 1.

(3) رجال الطوسي: 398/ 11.

(4) رجال الطوسي: 410/ 13.

342

ثم إنّ عبد اللّٰه بن بكير اتفق للعلّامة أنّه نقل عن الشيخ الطوسي أنّه فطحي المذهب إلّا أنّه ثقة، قال: و قال الكشي: قال محمد بن مسعود: عبد اللّٰه بن بكير و جماعة من الفطحيّة هم فقهاء أصحابنا، و ذكر جماعة منهم عمار الساباطي، و علي بن أسباط، و بنو الحسن بن علي بن فضال علي و أخواه، و قال في موضع آخر يعني الكشي-: إنّ عبد اللّٰه بن بكير ممّن أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و أقرّوا له بالفقه. فأنا أعتمد علىٰ روايته، و إن كان مذهبه فاسداً (1). انتهىٰ.

و كتب جدّي (قدس سره) علىٰ الخلاصة: هذا الرجل ضعيف، و قد عدّه جماعة في قسم الضعفاء و سيأتي في القسم الثاني، فلا وجه لذكره هنا، و كأن الحامل علىٰ ذكره حكم الشيخ بأنّه ثقة، و لكن قد ذكر من المضعفين في القسم الثاني [من (2)] هو أجلّ من هذا الرجل و أشهر (3). انتهىٰ.

و لا يخفىٰ ما في هذا الكلام، أمّا أوّلًا: فلأنّ الحكم بضعف عبد اللّٰه إن أُريد به عدم كونه إماميّا ثقة فهو صحيح، إلّا أن العلّامة اعتماده عليه للإجماع المنقول من الكشي، فله جهة ضعف و جهة قبول، و العلّامة لم يعتمد في القسم الأوّل علىٰ الإمامي الثقة كما يعلم من عادته. و أمّا ثانيا: فلأن المذكور في القسم الثاني عبد اللّٰه بن بكير الأرجاني، و الظاهر أنّه غيره، لأنّه قال فيه: إنّه مرتفع القول ضعيف (4). و عبد اللّٰه المذكور في القسم الأوّل قد وثّقه الشيخ في الفهرست (5). و قال في كتاب الرجال في

____________

(1) خلاصة العلّامة: 106/ 24.

(2) في النسخ: ما، و الأنسب ما أثبتناه.

(3) حواشي الشهيد الثاني علىٰ الخلاصة: 18 (مخطوط).

(4) خلاصة العلّامة: 238/ 32.

(5) الفهرست: 106/ 452.

343

أصحاب الصادق (عليه السلام): عبد اللّٰه بن بكير بن أعين الشيباني (1).

المتن:

في الأوّل: ظاهر الدلالة علىٰ جواز الوطء مع الشبق و غسل الفرج، غير أنّ الحديث كما ترى من جهة السند.

و قال شيخنا أيّده اللّٰه في فوائده علىٰ الكتاب: إنّ هذه الرواية في الكافي في كتاب النكاح مروية في الصحيح، و لم يحضرني الآن.

أمّا شيخنا (قدس سره) في المدارك فقد أسند الرواية عن محمد بن مسلم إلىٰ الشيخ واصفاً لها بالصحة (2). و لم أقف عليها في التهذيب إلّا بهذا الطريق المذكور هنا، فلعلّها في غير محلّها.

و الخبر الثاني: يمكن حمله علىٰ الأوّل، لأنّ الثاني لا يخرج عن المطلق، و الأوّل عن المقيد، و احتمال أن يقال: بأنّ الأُولىٰ لرفع الكراهة و الثانية لبيان الجواز مع الكراهة. بعيد، و ستسمع الكلام في جمع الشيخ إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و المنقول عن الصدوق القول بالتحريم قبل الغسل (3).

و في الفقيه قد ذكر مضمون رواية محمد بن مسلم] (4) [و ظاهره (5) العمل بذلك، و لعلّ القول المنقول عنه في غير الفقيه.

قيل: و المشهور جواز وطء الحائض إذا طهرت قبل الغسل علىٰ

____________

(1) رجال الطوسي: 224/ 27.

(2) مدارك الأحكام 1: 338.

(3) نقله عنه في المعتبر 1: 235.

(4) الفقيه 1: 53.

(5) في «فض»: و ظاهر، و في «رض» و «د»: و ظاهرها، و الظاهر ما أثبتناه.

344

كراهة و استدل بأصالة الإباحة، و قوله تعالىٰ «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» (1) بالتخفيف كما قرأ به السبعة، أي يخرجن من الحيض، يقال: طهرت المرأة إذا انقطع حيضها، جعل سبحانه غاية التحريم انقطاع الدم، فيثبت الحل بعده عملًا بمفهوم الغاية، لأنّه حجّة، بل صرح الأُصوليّون بأنه أقوى من مفهوم الشرط.

و أمّا قراءة التشديد في: «و لا تقربوهن حتى يطّهّرن» فلا ينافي ذلك، لأنّ تَفَعَّل قد جاء بمعنى فَعَلَ كَتَبسَّم وَ تبيّن بمعنى بان و بسم، و الحمل علىٰ هذا المعنىٰ أولىٰ، صونا للقراءتين عن التنافي، أو يقال: إنّ النهي محمول علىٰ الكراهة توفيقاً بين القراءتين، فيكون المنهي عنه المباشرة بعد انقطاع الدم، لسبق العلم بالتحريم حال الدم من قوله تعالىٰ «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ» (2) (3).

و لي في هذا نوع تأمّل، لأنّ مراد هذا القائل أنّ قراءة التشديد تحمل علىٰ ظاهرها من دون جعلها بمعنى يَطْهُرن مخفّفاً، و يكون النهي للكراهة لئلّا ينافي قراءة يطهرن بالتخفيف، إذ مقتضاها الجواز إذا طَهُرن و الكراهة لا تنافي الجواز، فيتم عدم التنافي.

و فيه أولًا: أنّ التوفيق بين القراءتين لم يحصل، لأنّ قراءة التشديد يكون النهي فيها عن القرب بعد انقطاع الدم، و قراءة التخفيف تقتضي أنّ النهي عن القرب في حال الحيض، فيتغاير المعنىٰ و إن اتحد المآل و المفهوم من توافق القراءتين معنىً و مآلًا.

____________

(1) البقرة: 222.

(2) البقرة: 222.

(3) قال به صاحب المدارك 1: 336.

345

و ثانيا: أنّ التشديد إذا وقع بمعنى عدمه كان أقرب لتوافق القرائتين معنًى، من حيث كون النهي عن حالة المحيض في القرائتين، و يؤيّد بأنّ سبق العلم بالتحريم و إن حصل بالأمر بالاعتزال، إلّا أنّ تأكيده يفيد (1) المبالغة المطلوبة في عدم المباشرة، و إن كان التأسيس خيراً منه في بعض الأحيان، لا مطلقا.

و من هنا يعلم أنّ ما قاله المحقق في المعتبر: من أنّه لو قيل: قد قُرئ بالتضعيف في «يَطْهُرْنَ» قلنا: فيجب أن يحمل علىٰ الاستحباب توفيقاً بين القراءتين و دفعاً للتنافي بينهما (2). (إن كان غرضه ما قررناه أوّلًا كما هو الظاهر محل بحث، و يمكن الجواب بأنّ القراءتين إذا اتحدتا مآلًا كفىٰ و الأمر متحقق) (3).

ثم إنّ المستدل بما قدّمناه نفىٰ المعارضة بقوله تعالىٰ «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» (4) حيث شرط في إباحة الوطء التطهير الذي هو الغُسل، بأنّ مفهومه انتفاء رجحان الوطء مع عدم التطهير، و هو أعمّ من التحريم، فيحتمل الإباحة.

سلّمنا أنّ الأمر هنا للإباحة لكن يمنع إرادة الغُسل من التطهير بل يحمل علىٰ الطهر، لوروده بمعناه كما تقدم. أو علىٰ المعنىٰ اللغوي المحقق بغَسل الفرج.

سلّمنا أنّ المراد بالتطهير الغُسل، لكن نقول: مفهومان تعارضا، فإن

____________

(1) في «فض»: يقيد، و في «رض»: بعيد.

(2) المعتبر 1: 235.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

(4) البقرة: 222.

346

لم يترجّح أقواهما تساقطا و يبقى حكم الأصل سالماً من المعارض.

و في نظري القاصر أنّ هذا محل نظر، لأنّ ما ذكر من أنّ المفهوم انتفاء الرجحان مع عدم التحريم فيحتمل الإباحة إن كان مع قراءة التخفيف، و التشديد علىٰ تقدير كون تطهّر بمعنى طهر، فلا بد من إرادة الإباحة، لا مجرد احتمال الإباحة، و علىٰ تقدير إرادة الإباحة يكون تأكيداً، و التأسيس بأن يراد الرجحان علىٰ تقدير التطهير أولىٰ، و حينئذٍ فلا بد من بيان رجحان التأكيد علىٰ التأسيس، و التسليم المذكور يأتي فيه الكلام بعينه، و يزيد أنّ الحمل علىٰ المعنىٰ اللغوي يدل علىٰ زيادةٍ علىٰ الإباحة المستفادة من مفهوم الغاية، فلا يتّحد الحكم، و إن أُريد أنّ الطهارة بالمعنى اللغوي في الأوّل و الأخير و يكون تطهّر بمعنى طَهُر رجع إلىٰ الأوّل من جهة الاتّحاد و يخالف المطلوب أوّلًا من إرادة الخروج من الحيض.

ثم التسليم الثالث لا يتم، لأنّ التطهير إذا أُريد به الغُسل و الطهر الأوّل يراد به الخروج من الحيض فلا تعارض، و لو أُريد بالأوّل الغُسل لم يتم، كما لا يخفىٰ.

فإن قلت: علىٰ تقدير أن يراد الأوّل و يرجّح التأكيد علىٰ التأسيس لتوافق القراءتين أيّ مانع منه؟

قلت: ما ذكرت له وجه، إلّا أنّه لا بدّ من بيانه في المعارضة، علىٰ أنّه ربما يشكل بأنّ المتقدم كون قراءة التشديد محتملة لكونها بمعنى التخفيف، و لكون النهي بعد الخروج عن الحيض و النهي للكراهة، و علىٰ تقدير الأوّل يمكن تمام ما ذكرت، أمّا علىٰ التقدير الثاني فتكون الكراهة منتفية بعد الغُسل، فإمّا أن يباح الوطء بمعنى تساوي الطرفين، أو يكون راجحاً، لكن الثاني لا وجه له لعدم ما يدل عليه، فيكون مباحاً متساوي

347

الطرفين، و مفهوم الشرط يفيد الرجحان بعد الغُسل فلا يتمّ المطلوب.

و علىٰ تقدير أن يكون الأمر للإباحة يندفع هذا، لكن يلزم تعين إرادة مورد التسليم، و يلزم حصول التأكيد، و التأسيس خير منه، فيرجع الكلام الأوّل، و إرادة غَسل الفرج يزيد معها الإشكال.

ثم إنّ تعارض المفهومين إمّا أن يكون مع التغاير بإرادة الغُسل من التطهير، أو مع الاتحاد بأن يكون بمعنى طَهُر، فإن كان مع التغاير فالتعارض غير واضح، و إن كان مع الاتحاد فيحتاج إلىٰ الترجيح، و ينبغي تأمّل هذا كله، فإنّه حريٌّ بالتأمل التام، لأنّي لم أجده في كلام الأعلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جدي (قدس سره) في شرح الإرشاد أورد علىٰ الاستدلال أوّلًا: أنّ حمل التطهير علىٰ انقطاع الدم مع أنّه حقيقة شرعية في أحد الثلاثة يعني الوضوء و الغسل و التيمم لا يتم، و غاية ما ذكروه أن يكون ثابتاً في اللغة، و الحقائق الشرعية متقدمة.

و ثانياً: أنّ حمل قراءة التشديد علىٰ التخفيف حملًا علىٰ الشواهد المذكورة مع ما هو معلوم من قواعد العرب أنّ كثرة المباني تدل علىٰ زيادة المعاني، و هذا هو الكثير الشائع، و ما وقع نادر، مشكل أيضا.

و ثالثاً: أنّ صدر الآية و هو قوله تعالىٰ «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» إنّما دل علىٰ تحريم الوطء في وقت الحيض، و لا يلزم منه اختصاص التحريم بوقته، إذ لا يلزم من تحريم شيء في وقتٍ أو مكانٍ مخصوص اختصاص التحريم به، لأنّه أعم و لا دلالة للعام علىٰ أفراده المعيّنة.

و رابعاً: أنّ قولهم: قد تعارض مفهومان، إلىٰ آخره، لا يتم، لأنّه لو حمل الجميع علىٰ الطهارة الشرعية أعني الغُسل لم يقع تنافٍ أصلا

348

و استغنى عن التكلّف، و يؤيّده قوله في آخر الآية «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» (1) فإن الموصوف بالمحبة [من (2)] فعل الطهارة بالاختيار.

و خامساً: أن حمل قراءة التضعيف علىٰ الاستحباب بمعنى توقف الوطء علىٰ الغُسل استحباباً عدول عن الحقيقة، و الظاهر من صدر الآية النهي، و هو دال علىٰ التحريم (3). (انتهىٰ ملخّصاً) (4).

و قد ذكرت في حاشية الروضة إمكان الجواب عن الأوّل: بأنّه مبني علىٰ ثبوت الحقيقة الشرعية، و إثباتها مشكل، و يقال هنا أيضا: إنّ الاعتراف بإرادة الغُسل من التطهير لا يدل علىٰ ثبوت الحقيقة الشرعية، بل يجوز أن يكون مجازاً و قرينته تعارض المفهومين، إلّا أن يقال: إنّ احتمال إرادة غَسل الفرج ممكنة فلا يتم المطلوب، و فيه ما تقدم، إلّا أنّه لا يدفع الإيراد عند التحقيق، و لعلّ الأولىٰ الجواب بأنّ اللغة استعملت الطهارة بمعنى الغسل، كما في القاموس (5)، فليتأملّ.

و عن الثاني: بأنّه إنّما يتم إذا كان الحمل لغير ضرورة، و الحال أنّ ضرورة الجمع اقتضته، و أصل التجويز كاف للضرورة، و قد صرحوا بأنّ كثرة المباني إنّما تدل علىٰ زيادة المعاني غالباً.

و عن الثالث: بأنّ الاختصاص لا ريب فيه، إلّا أن يدل دليل علىٰ خلافه، و لا دليل هنا، و هذا واضح.

____________

(1) البقرة: 222.

(2) أثبتناه من روض الجنان: 79.

(3) روض الجنان: 79.

(4) ما بين القوسين ليس في «فض».

(5) القاموس المحيط 2: 82 (طهر).

349

و عن الرابع: أنّه موقوف علىٰ ثبوت الحقيقة الشرعية، و فيه ما فيه، و الحق اندفاع هذا بما قدّمناه من احتمال المجاز و قرينته ما ذكرناه.

و قد يقال: إنّ الاندفاع إنّما يتم لو تعين إرادة المعنىٰ الشرعي لدفع المنافاة، و الحال أنّه غير منحصر لما سبق من الاحتمالات، و بهذا قد يتوجه جواب ما قدّمناه أيضاً من إيراد نحو ما قاله جدّي (قدس سره) إلّا أنّ الحق وجود مخلص عنه باحتمال اندفاع التنافي بأيّ وجه كان، و ذلك كاف، فليتأملّ.

و عن الخامس: بأنّ العدول عن الحقيقة لا نزاع للخصم فيه، و إنّما الضرورة اقتضته، و في المقام مزيد بحث إلّا أن المهمّ ما ذكرناه.

اللغة:

الشبق شدّة الغلمة كما في الصحاح و القاموس (1)، ثم في القاموس غَلِمَ كفَرِحَ غُلمةً بالضم و اغتلم غُلِبَ شهوةً (2).

[الحديث 3 و 4 و 5 و 6]

قال: فأمّا ما رواه علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة كانت طامثاً فرأت الطهر أ يقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: «لا حتى تغتسل» قال: و سألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماءً يوماً أو يومين (3)، يحل (4) لزوجها أن يجامعها قبل أن

____________

(1) الصحاح 4: 1500 (شبق)، القاموس المحيط 3: 257 (شبق).

(2) القاموس المحيط 4: 158 (غلم).

(3) في الاستبصار 1: 136/ 465: اثنين، بدل يومين.

(4) في الاستبصار 1: 136/ 465: أ يحل.

350

تغتسل؟ قال: «لا يصلح حتى تغتسل».

و عنه، عن أيوب بن نوح و سندي بن محمد جميعاً، عن صفوان ابن يحيىٰ، عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضّأ من غير أن تغتسل فلزوجها (1) أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: «لا حتى تغتسل».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها علىٰ ضرب من الكراهية دون الحظر، و الأولة علىٰ الجواز، يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي ابن الحسن بن فضال، عن معاوية بن حكيم، و عمرو بن عثمان، عن عبد اللّٰه ابن المغيرة (2)، عن العبد الصالح (عليه السلام): «في المرأة إذا طهرت من الحيض و لم (3) تمسّ الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، و إن فعل فلا بأس به» و قال: «تمسّ الماء أحبّ إليّ».

و عنه، عن أيوب بن نوح (4)، عن محمد بن أبي حمزة، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الحائض ترى الطهر أ يقع بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: «لا بأس و بعد الغُسل أحب إليّ».

السند

في الجميع غير سليم، و قد كرّرنا القول في المهم من رجاله، غير أنّه

____________

(1) في الاستبصار 1: 136/ 466: أ فلزوجها.

(2) في الاستبصار 1: 136/ 467 زيادة: عمن سمعه.

(3) في الاستبصار 1: 136/ 467: فلم.

(4) في الاستبصار 1: 136/ 468 زيادة: عن أحمد، و كذا في «د».

351

ينبغي أن يعلم أنّ علي بن أسباط الواقع في الأوّل قال النجاشي في شأنه: إنّه كوفي ثقة و كان فطحياً، جرىٰ بينه و بين علي بن مهزيار رسائل في ذلك رجعوا فيها إلىٰ أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فرجع علي بن أسباط عن ذلك القول و تركه، و قد روىٰ عن الرضا (عليه السلام) من قبل ذلك، و كان أوثق الناس (1).

و قال الكشي: إنّه كان فطحيا، و لعلي بن مهزيار إليه رسالة في النقض عليه مقدار جزء صغير، قالوا: فلم ينجع ذلك و مات علىٰ مذهبه (2).

و أنت خبير بأنّ كلام الكشي لا يقتضي أنّ القول بعدم الرجوع (منه، بل أسنده إلىٰ الغير، و هو غير معلوم، و النجاشي قوله لا معارض له يعتدّ به، غير أنّ الروايات لا يعلم كونها بعد الرجوع) (3) أو قبله، أمّا لو روىٰ عن الرضا (عليه السلام) فهو قبل الرجوع علىٰ قول النجاشي، و حينئذٍ لو روىٰ عن الجواد يمكن القبول، إلّا أن يقال: إنّه روىٰ عن الرضا فقط قبل الرجوع، و بعده روىٰ عن الرضا و الجواد (عليهما السلام)، و هو بعيد.

أمّا ما يقال: من أنّه إذا روىٰ عن الجواد فالأصل عدم السبق. ففيه نظر واضح، و بالجملة فرواياته الخالية من القدح في غيره لا تخلو من إشكال.

أمّا قول ابن داود: إنّ الكشي قال بعدم رجوعه (4). فمن جملة الأوهام.

و أمّا سعيد بن يسار الواقع في الخبر الثاني فهو ثقة، و ضبط العلّامة

____________

(1) رجال النجاشي: 252/ 663.

(2) رجال الكشي 2: 835/ 1061.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

(4) رجال بن داود: 260/ 333.

352

في الإيضاح يسار بالياء المنقطة تحتها نقطتين و السين المهملة المخففة و الراء أخيراً (1).

المتن:

قد استدل القائل بتحريم الوطء قبل الغُسل بالخبر الأول و الثاني. كما حكاه في المختلف، و أجاب بالحمل علىٰ الاستحباب جمعاً بين الأدلّة و الروايتين (2)، و الشيخ ذكر الكراهة و المآل واحد، غير أنّه لا يخفىٰ أنّ الخبر الدال علىٰ التفصيل بالشبق و عدمه لا وجه لعدم التعرض له، بل إمّا أن يحمل مطلق الأخبار عليه، أو يقال مع الشبق لا كراهة، هذا علىٰ تقدير الإغماض عن الخبر الصحيح الذي ذكره شيخنا أيّده اللّٰه و لو التفتنا إليه فالمعارض لا يصلح لذلك لعدم المكافأة في الإسناد، و به يترجّح ما قاله الصدوق لولا احتمال ما (3) (4).

أمّا ما في ظاهر الخبر الأوّل من الدلالة علىٰ الكراهة من قوله: «لا يصلح» فهو مؤيّد.

و ما تضمنه الثاني من قوله: فتتوضّأ، لعلّ المراد به الاستنجاء، و يحتمل الوضوء الشرعي علىٰ بُعد.

ثم الخبر الأوّل المستدل به الشيخ علىٰ الجمع لا يخلو من إجمال بالنسبة إلىٰ قوله: فلم تمسّ الماء، إذ يحتمل أن يراد به غَسل الفرج و يفيد

____________

(1) إيضاح الاشتباه: 194.

(2) المختلف 1: 189، 190.

(3) في «فض»: احتماله.

(4) الفقيه 1: 53.

353

حينئذ أنّ غَسل الفرج أولىٰ، و بدونه يجوز الوطء علىٰ كراهية و معه تخفّ الكراهة و لا تزول إلّا بالغُسل، و يحتمل أن يراد به الغُسل.

فإن قلت: لا وجه لاحتمال غَسل الفرج بعد قوله: «فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل» لأنّه صريح في أنّ المراد لم تغتسل.

قلت: كلام الإمام (عليه السلام) لا تعلّق له بقول السائل، علىٰ معنىٰ أنّه لا يقيده، بل الجواب منه علّة بعد سؤاله عمّن لم تغسل فرجها أنّه لا يقع عليها حتى تغتسل، سواء مسّت الماء بغَسل الفرج أم لا.

و قوله (عليه السلام): «تمسّ الماء أحب إليّ» يراد به أنّ مع عدم الغُسل غَسل الفرج أحبّ إليّ، و إن احتمل أن يراد به الغسل في الثاني، إلّا أنّ الاحتمال الذي ذكرناه قائم، كما لا يخفىٰ علىٰ من أعطىٰ الرواية حق التأمّل.

و حينئذ فمطلوب الشيخ في الجمع مجمل، و كان حقه التفصيل بالشبق و عدمه، ثم غَسل الفرج و عدمه، و ترتيب الكراهة.

إذا عرفت هذا فاعلم أن العلّامة في المختلف نقل عن ابن بابويه القول بأنّه لا يجوز الوطء حتى تغتسل، فإن غلبته الشهوة أمرها بغَسل فرجها، و حكىٰ عنه الاستدلال مع الروايتين بالآية، و وجه الاستدلال بها أنّه تعالىٰ علّق الإتيان بفعل الطهارة و المراد بها الغُسل أو غَسل الفرج مع الشبق.

و أجاب عن الروايتين بما سمعته، و عن الآية بالمنع من إرادة فعل الطهارة من التطهير، فإنّ لقائل أن يقول: يحتمل أن يريد فإذا طَهُرنَ، لأنّ تفعّل بمعنى فعل، يقال: تطعّمت الطعام و طعمته بمعنى واحد، سلّمنا لكنه مستأنف و لا يكون شرطاً و لا غاية لزمان الحظر، سلّمنا لكن المراد به غَسل الفرج. انتهىٰ (1).

____________

(1) المختلف 1: 189 و 190 و هو في الفقيه 1: 53.

354

و في نظري القاصر أنّ الاستدلال من الصدوق يمكن أن يوجّه بأنّ التطهّر يدل بظاهره علىٰ الزيادة، و ليست إلّا الغُسل أو غَسل الفرج مع الشبق، كما تدل عليه الرواية لا من مجرّد الآية، كما هو واضح، و علىٰ هذا تكون الآية عنده لها ظهور في الزيادة مع بقاء نوع إجمال تبيّن بالخبر، أمّا كون الآية بمجرّدها تدل علىٰ ما قاله فدفعه أظهر من أن يخفىٰ علىٰ الصدوق، و جواب العلّامة حينئذ غير تامّ، أمّا أوّلًا: فلأنّ مجيء تطهّر بمعنى طهر لا ينافي ظهور دلالة تطهّر علىٰ الزيادة.

نعم لمّا تحققت المعارضة في الآيتين ذكر البعض مجيء تطهّر بمعنى طهر لتحقيق الجمع، و هذا أمر زائد علىٰ دلالة الظاهر، فكأنّ العلّامة نقل هذا في الجواب و لم يتفطّن للفرق بين الأمرين.

ثم احتمال الاستئناف الذي ذكره لم أفهم وجهه، لأنّ دلالة مفهوم الشرط حاصلة إن كان الاستئناف (1) أو عدمه، فإذا لوحظ أوّل الآية بالنسبة إلىٰ مفهوم الغاية حصل التعارض، و قوله: و لا يكون شرطاً و لا غاية. لا يخلو من غرابة علىٰ ما أظن، و هو أعلم بمراده.

ثم قوله: سلّمنا لكن المراد به غَسل الفرج. فيه: أنّ الجزم بإرادته غير معلوم الوجه مع احتمال غيره.

و بالجملة: فعدم تعرض العلّامة لرواية محمد بن مسلم الدالة علىٰ التفصيل في الاستدلال للصدوق هو الموجب للإشكال في جوابه.

بقي شيء و هو أنّ شيخنا (قدس سره) بعد أن ذكر الاستدلال علىٰ مختاره من الكراهة علىٰ الإطلاق بالآية قال: و يدلُّ علىٰ الجواز أيضا ما رواه الشيخ

____________

(1) في «رض»: بالاستيناف.