استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
355

في الصحيح عن محمد بن مسلم، و ذكر الرواية الأُولىٰ متناً (1). أمّا السند فلا أعلمه الآن كما قدّمت القول فيه (2)، و أنت خبير بأنّ الرواية تضمنت التفصيل فكيف يستدل بها علىٰ الجواز بالإطلاق؟ (و ذكر بعدها موثّقة علي ابن يقطين المذكورة هنا أخيراً» (3) و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقائق أحكامه.

باب المرأة ترى الدم أول مرة و تستمرّ بها

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن حسن بن علي، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة أيّام ثم تصلّي عشرين (4)، فإن استمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيّام و صلّت سبعة و عشرين يوما» قال الحسن (5): و قال ابن بكير: هذا ممّا لا يجدون منه بدّاً.

أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد و احمد ابني الحسن، عن أبيهما، عن عبد اللّٰه بن بكير، قال: «في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنّها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي

____________

(1) المدارك 1: 338.

(2) في ص 311 312.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض» و «د».

(4) في الاستبصار 1: 137/ 469 زيادة: يوماً.

(5) في الاستبصار 1: 137/ 469 زيادة: بن علي.

356

أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيّام فعلت ما تفعل المستحاضة ثم صلّت فمكثت تصلّي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرّة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة و تجلس أقل ما يكون من الطمث و هو ثلاثة أيّام، فإن دام عليها الحيض صلّت في وقت الصلاة التي صلّت و جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر و تركها الصلاة أقل ما يكون من الحيض».

و لا ينافي هذين الخبرين خبر يونس (1) الطويل الذي أوردناه في كتابنا (2) من أنّ من هذه حالتها (3) تترك الصلاة سبعة أيّام في الشهر و تصلي باقي الشهر، لأنّه يجوز أن يكون ذلك عبارة عمّا يصيب كل واحد من شهر إذا اجتمع شهران، فإنّها إذا تركت في الشهر الأوّل عشرة أيّام و في الثاني ثلاثة أيّام كان نصف ذلك نحواً من سبعة أيّام علىٰ التقريب، فيكون مطابقاً لما تضمنته رواية عبد اللّٰه بن بكير، و هو مطابق للأُصول كلّها.

السند

في الأول: يحتمل أن يكون موثّقا، لأنّ حسن بن علي إمّا ابن فضال علىٰ الظاهر، و إمّا الوشّاء علىٰ بُعدٍ، و احتمال غيرهما في غاية البُعد، إلّا احتمال ابن النعمان الثقة و لا يضر بالحال، و شيخنا (قدس سره) في المدارك جزم بأنّه الحسن بن علي بن فضال (4). و هو غير بعيد.

____________

(1) التهذيب 1: 381/ 1183، الوسائل 2: 288 أبواب الحيض ب 8 ح 3.

(2) في الاستبصار 1: 137/ 470 زيادة: الكبير.

(3) في الاستبصار 1: 137/ 470: حالها.

(4) المدارك 2: 16.

357

و الثاني: قد تكرّر القول في رجاله.

المتن:

لا تخفىٰ دلالة الخبر الأوّل علىٰ أنّ أوّل ما تترك الصلاة عشرة أيّام من الشهر ثم الثلاثة من الثاني، و الخبر الثاني دال علىٰ ذلك و زيادة الاستمرار علىٰ الثلاثة في جميع الأشهر الذي يستمرّ فيه الدم.

أمّا قول ابن بكير في الأوّل: و هذا ممّا لا يجدون منه بدّاً. محتمل أن يعود إلىٰ ما ذكر من أخذ العشرة من الأوّل و الثلاثة من الثاني.

و يحتمل أن يعود إلىٰ أنّ الثلاثة لا بدّ من أخذها إذا استمرّ الدم لا العشرة، و يؤيّد الثاني الخبر الثاني، و احتمال أن يراد أخذ عشرة من الأوّل و ثلاثة من الثاني دائماً ممكن لولا الترجيح بالخبر الثاني.

فإن قلت: أيّ فرق بين الاحتمال الأخير و الأوّل؟

قلت: الفرق هو أنّ الأوّل لمجرد أخذ العشرة في الأوّل و الثلاثة في الثاني (من دون التفات إلىٰ ما بعد ذلك، و الاحتمال الأخير أن تكون العشرة في الأوّل و الثلاثة في الثاني) (1) دائما مع الاستمرار.

و من هنا يعلم أنّ قول الشيخ: لأنّه يجوز أن يكون عبارة عمّا يصيب كل واحد من شهر، محل تأمّل، لأنّ الخبرين كما عرفت فيهما احتمالات بعضها ينافي ما قاله الشيخ، إلّا أن يريد الحكم بالنسبة إلىٰ الشهرين الأولين، و فيه: أنّ خبر يونس يدل علىٰ السبعة من كل شهر، علىٰ أنّ خبر يونس تضمن الستّة أو السبعة فلا وجه لعدم (2) التعرض لذلك.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «فض».

(2) في «رض» و «فض»: فلا وجه للتعرض.

358

و احتمال أن يقال: إنّ خبر يونس يؤيّد أنّ المراد عشرة من شهر و ثلاثة من آخر دائما فيتم مطلوب الشيخ.

فيه: أن خبر يونس إنّما يدل علىٰ مطلوب الشيخ و يبين بعد أن يعلم أنّ المراد ما قاله الشيخ، و هو عن ذلك بمراحل، إذا عرفت هذا (1) فما ذكره المتأخّرون تبعاً للشيخ من جواز أخذ عشرة من شهر و ثلاثة من آخر دائماً (2)، لا يخفىٰ ما فيه علىٰ تقدير الإغماض عن الأسانيد.

و المحقق قال في المعتبر بعد أن حكم بضعف الروايات: و الوجه عندي أن تتحيّض كل واحدة منهما يعني المبتدأة و المضطربة بالتفسير الذي ذكره ثلاثة أيّام، لأنّه المتيقّن في الحيض، و تصلّي و تصوم بقية الشهر استظهاراً و عملًا بالأصل في لزوم العبادة (3).

و هذا الكلام و إن كان لا يخلو من نظر، فإنّ الأصل في لزوم العبادة محل كلام، إلّا أنّ فيه اعترافاً بضعف الروايات.

و كذلك العلّامة في المختلف (4).

و في فوائد شيخنا أيّده اللّٰه علىٰ الكتاب ما هذه صورته بعد الروايتين: هذا إذا جاء علىٰ وجه يحكم بكونه حيضاً و دام، و إلّا احتمل أن تستظهر بيوم أو يومين، فتحتاط للصلاة في الأوّل، و في الشهر الثاني تترك الصلاة ثلاثة أيّام لا أكثر احتياطاً لها، حيث إنّ تركها في الأوّل عشرة، و قول

____________

(1) ليست في «فض» و «د».

(2) النهاية: 25، المهذب 1: 37، المدارك 2: 21.

(3) المعتبر 1: 210.

(4) المختلف 1: 203.

359

ابن بكير جاز أن يكون إشارة إلىٰ الحكمين جميعاً و إلى الأخذ فقط، و جاز إلىٰ الأخير من غير اعتبار نفي الزائد، هذا مع عدم النساء لها أو كنّ مختلفات. انتهىٰ. و لا يخفىٰ عليك حقيقة الحال.

ثم إنّ حديث يونس الذي أشار إليه الشيخ قد تضمن التخيير بين الستّة و السبعة من كل شهر، و لو لا ضعف سنده لنقلناه، غير أنّ جماعة من المتأخّرين حكموا به (1).

و نقل عن العلّامة في النهاية وجوب العمل بما يؤدّي اجتهادها إليه، لئلّا يلزم التخيير في السابع بين وجوب الصلاة و عدمه (2)، و اعترض عليه بأيّام الاستظهار (3).

و المحقق في المعتبر قال: إنّه لا مانع من ذلك، إذ قد يقع التخيير في الواجب كما يتخيّر المسافر بين الإتمام و القصر في مواضع التخيير (4).

و في نظري القاصر أنّ هذا غريب من المحقق، فإنّ تخيير المسافرين فردي الواجب، و التخيير هنا بين الفعل و الترك لا إلىٰ بدل، فتعريف الواجب لا ينطبق علىٰ الصلاة الواقعة، نعم أيّام الاستظهار مثله، و السكوت عن هذا بالنسبة إلىٰ تعريف الواجب إمّا للاعتراف به أو لغير ذلك، و قد يحتمل أن يجاب بأنّ التخيير في الاستظهار و عدمه، لا في فعل الصلاة، فإن اختارت الطهر كانت الصلاة واجبة و إلّا فلا، لا أنّ التخيير في الصلاة بين فعلها و عدمه، و هكذا في السادس و السابع من الشهر إن اختارت السابع

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 211 و الشهيد الأوّل في اللمعة (الروضة 1): 104.

(2) نقله عنه في المدارك 2: 21 و هو في نهاية الإحكام 1: 138.

(3) كما في المدارك 2: 21.

(4) المعتبر 1: 211.

360

وجبت الصلاة و إلّا فلا، و هذا و إن كان متكلّفا (1) إلّا أنّه لا يخرج الصلاة عن تعريف الصلاة (2) الواجب في الجملة، فليتأمّل.

و في فوائد شيخنا أيده اللّٰه أنّ العادة لما كانت أكثر ما تكون ستّة أو سبعة فجاز أن يكون ذلك لأنّ عادة نسائها دائرة بينهما، أو بناء ذلك علىٰ الظاهر من عادة نساء أهل المدينة، أو قراباتها، و جاز أن يكون ذلك أولىٰ فيما بعد الشهر و الشهرين، أو لم يكن وقع السؤال إلّا بعد مضيّ ذلك. انتهىٰ كلامه سلّمه اللّٰه فليتدبّر.

[الحديث 3 و 4]

قال: فأمّا ما رواه زرعة، عن سماعة قال: سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيّام أقرائها؟ قال: «أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كنّ نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام، و أقلّه ثلاثة أيّام».

و روى علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس، عن جميل بن دراج و محمد بن حمران جميعاً، عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر علىٰ ذلك بيوم».

فلا ينافي الأخبار الأوّلة فإنّ هذا حكم من لها نساء، فأمّا من ليس لها نساء أو كنّ مختلفات كان الحكم ما ذكرناه، و لأجل ذلك قال في آخر الخبر: «فإن كنّ نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام

____________

(1) كذا في النسخ، و الأولى: تكلفاً.

(2) ليست في «فض».

361

و أقله ثلاثة» فيُردّ حكمها عند ذلك إلىٰ ما تضمنته الأخبار الأوّلة.

السند

في الأوّل: مرسل في الكتاب إذ ليس في المشيخة طريق إليه.

و الثاني: تكرر القول في رجاله، سوىٰ محمد بن حمران و قد وثّقه النجاشي (1).

المتن:

ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من تأمّل علىٰ تقدير سلامة السند، لكن نقل عن الشيخ دعوى الإجماع علىٰ صحة الرواية الأُولىٰ (2)، ثم إنّ الثانية لا تخفىٰ دلالتها علىٰ الرجوع إلىٰ بعض نسائها، و الذي صرح به جماعة من المتأخّرين أنّ الرجوع إلىٰ نسائها مشروط بالاتفاق (3)، و مع الاتفاق لا وجه لذكر البعض، و ممّن ذكر الاتفاق المحقق في المعتبر فإنّه قال: إنّ رجوعها إلىٰ نسائها مشروط باتفاقهنّ (4). و كذلك في [الشرائع (5)].

و نقل عن العلّامة في النهاية أنّه قال: لو كنّ عشراً فاتفق فيهن تسع رجعت إلىٰ الأقران (6). و رجّح جدي (قدس سره)- (7) و قبله الشهيد (8) اعتبار

____________

(1) رجال النجاشي: 359/ 965.

(2) نقله عنه في روض الجنان: 68، و مدارك الأحكام 2: 17 و هو في الخلاف 1: 234.

(3) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: 68، و صاحب المدارك 2: 17.

(4) المعتبر 1: 208.

(5) الشرائع 1: 32، و بدل ما بين المعقوفين في النسخ: الرابع، و الظاهر ما أثبتناه.

(6) نقله عنه في المدارك 2: 17 و هو في نهاية الإحكام 1: 139.

(7) روض الجنان: 68.

(8) الذكرى 1: 245.

362

الأغلب. و لا يذهب عليك أنّ الرواية الأُولىٰ إذا (1) عمل بها لما نقل من دعوى الإجماع فمفادها أنّ مع الاختلاف ينقل حكمها، و الرواية الثانية مفادها البعض مطلقا.

و بالجملة: فالبحث في (2) هذا الحكم قليل الفائدة، نعم ينبغي أن يعلم أنّ المتبادر من نسائها الأقارب، و ذكر بعض المتأخّرين أنّ الأقارب من الأبوين أو الأب، و لا يعتبر العصبة، لأنّ المعتبر الطبيعة و هي جاذبة من الطرفين (3) ثّم إنّه ينقل عن الشيخ في المبسوط و جماعة من الأصحاب أنّهم قالوا: أو عادة ذوات نسائها من بلدها (4).

و المحقق في المعتبر قال: و نحن نطالب بدليله فإنّه لم يثبت، و لو قال: كما يغلب في الظن أنّها كنسائها مع اتفاقهنّ يغلب في الأقران. منعنا ذلك، فإنّ ذوات القرابة بينها (و بينهنّ) (5) مشابهة في الطباع و الجنسية و الأصل فقوّى الظنّ مع الاتفاق بمساواتها لهنّ، و لا كذلك الأقران (6).

و اعترضه (7) الشهيد في الذكرى: بأنّ لفظ «نسائها» في الرواية دال عليه، لأنّ الإضافة تصدق بأدنى ملابسة، و لما لابستها في السنّ و البلد صدق عليهن النساء، و أمّا المشاكلة فمن السنّ و اتحاد البلد يحصل غالباً. انتهىٰ (8).

____________

(1) في «رض»: لو.

(2) ليست في «فض».

(3) المدارك 2: 15.

(4) كما في المدارك 2: 17 و هو في المبسوط 1: 46.

(5) أثبتناه من المعتبر 1: 208.

(6) المعتبر 1: 208، بتفاوت يسير.

(7) في «رض»: و اعترض.

(8) الذكرى 1: 247.

363

و لا يخفىٰ عليك الحال بعد ما قدمناه من المتبادر، أمّا إلزامه بالقول بأحد الأمرين إمّا البلد أو السن لصدق الملابسة و لا قائل به فجوابه سهل بعد القول بأنّه لا قائل به، إذ الإجماع أخرجه.

هذا، و أنت خبير بأنّ الرواية الثانية ليس فيها تقييد بالمبتدئة، و المذكور في كلام المتأخّرين الاختصاص بها بعد فقد التمييز (1) و الأوّل لا يصلح لأن يقيّدها، أو ذكر المبتدأة من كلام الراوي، فليتأمّل.

باب الحبلىٰ ترى الدم

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) في الحبلىٰ ترى الدم قال: «تدع الصلاة فإنّه ربما بقي في الرحم الدم و لم يخرج و ذلك الهِراقة».

و بهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد، عن النضر و فضالة بن أيوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه سُئل عن الحبلىٰ ترى الدم أ تترك الصلاة؟ قال: «نعم، إنّ الحبلىٰ ربما قذفت بالدم».

عنه، عن حماد، عن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الحُبلىٰ ترى الدم؟ قال: «نعم إنّه ربما قذفت المرأة بالدم و هي حبلىٰ».

____________

(1) المعتبر 1: 207، روض الجنان: 67، 68، المدارك 2: 16.

364

عنه، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المرأة الحُبلىٰ ترى الدم و هي حامل، كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر، هل تترك الصلاة؟ قال: «تترك إن دام».

عنه، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة، قال: سألته عن امرأة رأت الدم في الحَبَل قال: «تقعد أيّامها التي كانت تحيض، فإذا زاد الدم علىٰ الأيام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيّام ثم هي مستحاضة».

عنه، عن صفوان، قال: سألت أبا الحسن (1) (عليه السلام) عن الحبلىٰ ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة أيّام تصلي؟ قال: «تمسك عن الصلاة».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلاء القلّاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الحبلىٰ ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيماً في كل شهر؟ قال: «تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها فإذا طهرت صلت».

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه إلّا من جهة الإرسال.

و الثاني: صحيح كذلك، و ابن سنان فيه هو عبد اللّٰه، لا محمد، كما يشهد به التتبّع، لأنّ كل موضع يذكر فيه محمد فهو يروي عن الصادق

____________

(1) في الاستبصار 1: 139/ 478 زيادة: الرضا.

365

بواسطة، و ذكر الشيخ (رحمه الله) في كتاب الرجال جماعة قال: إنّهم لم يرووا عن الصادق (عليه السلام) إلّا بواسطة و عدّ من جملتهم محمد بن سنان (1).

ثم إنّ محمد بن سنان الضعيف ليس أخا عبد اللّٰه كما توهّمه بعض ليكونا في مرتبة واحدة، و علىٰ تقدير الاخوّة اتحاد المرتبة غير لازم، كما لا يخفىٰ.

و الشيخ في كتاب الرجال ذكر محمداً في رجال الرضا (عليه السلام) (2) و ذكر في رجال الصادق (عليه السلام) محمد بن سنان بن طريف الهاشمي قال: و أخوه عبد اللّٰه (3). و الظاهر أنّ محمد المذكور ليس هو المتقدّم، لأنّ المتقدّم قال النجاشي: إنّه أبو جعفر الزاهري (4). و ليس في أجداده طريف، و عبد اللّٰه ابن سنان هو ابن طريف مولى بني هاشم كما ذكره النجاشي (5)، فإذن لعبد اللّٰه أخ يقال له محمد، و هو مهمل في رجال الصادق و محمد بن سنان الضعيف في رجال الرضا (عليه السلام) لا غير.

فما وقع لبعض المتأخّرين من الالتباس، حيث ظنّ أنّ محمد بن سنان الضعيف هو المذكور في رجال الصادق (عليه السلام)، فيجوز أن يروي عن الصادق (عليه السلام)، و يشكل الحال، ثم دَفَعه بأنّ الشيخ [سها (6)] في ما ذكره. لا يخفىٰ دفعه بعد ما قررناه، غاية الأمر أنّه يحتمل أن يقال: إنّ عبد اللّٰه إذا كان له أخ مهمل في الرجال من أصحاب الصادق (عليه السلام) فيجوز أن يكون هو

____________

(1) رجال الطوسي: 340/ 10.

(2) رجال الطوسي: 386/ 7.

(3) رجال الطوسي: 288/ 129.

(4) رجال النجاشي: 328/ 888.

(5) رجال النجاشي: 214/ 558.

(6) في النسخ: ينهى، و الظاهر ما أثبتناه.

366

الراوي، و يساوي الضعيف لكونه مهملا، و جوابه أنّ الإطلاق في مثل ابن سنان إنّما ينصرف إلىٰ المشهور، كما يعرف بتتبع إطلاق الرجال.

فإن قلت: قد نقل العلّامة في الخلاصة عن المفيد في إرشاده توثيق محمد بن سنان (1)، و الحال أنّ الشيخ قال في باب المهور من التهذيب: محمد بن سنان مطعون عليه ضعيف جدّاً (2). و النجاشي قال في ترجمة ميّاح: إنّ له كتاباً يعرف برسالة ميّاح، و طريقها أضعف منها و هو محمد بن سنان (3)، و غير ذلك من الأقوال فيه كما يعلم من كتب الرجال (4).

قلت: الأمر فيه لا يخلو من ارتياب، فإنّ غاية ما يمكن الجمع بأنه كان ثقة و تغيّر كما يظهر من كتب الرجال (5)، إلّا أنّ عدم وقوف المفيد علىٰ تغيّره و الحكم بثقته في غاية البُعد، بل مقطوع بنفيه، و كون الجرح عنده لم يتحقق من مثل ما ورد فيه لعدم ثبوته أقوى إشكالًا، فإنّ مثل النجاشي المتأخّر يستبعد الثبوت عنده حينئذ، و كذلك الشيخ.

ثم إنّ رواية الثقات عن محمد بن سنان كما يستفاد من الأخبار أغرب، و قد صرح الكشي بما هذا لفظه: قال أبو عمرو: و قد روىٰ عنه يعني محمد ابن سنان الفضل، و أبوه، و يونس، و محمد بن عيسىٰ العبيدي، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، و الحسن و الحسين ابنا سعيد الأهوازيان، و أيوب ابن نوح، و غيرهم من العدول و الثقات من أهل العلم (6)، لكن لا يخفىٰ أنّ

____________

(1) خلاصة العلّامة: 251 و هو في الإرشاد 2: 248.

(2) التهذيب 7: 361.

(3) رجال النجاشي: 424/ 1140.

(4) انظر منهج المقال: 298.

(5) كما في منهج المقال: 298.

(6) رجال الكشي 2: 796/ 979.

367

الرواية عنه يحتمل أن تكون لاعتمادهم علىٰ أصله، أو في حال تقية.

و بالجملة: فالكلام في الرجل واسع المجال، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

و أمّا الثالث: فالظاهر أنّه ضعيف، لأنّ أبا بصير هو الضعيف بقرينة رواية شعيب عنه و هو العقرقوفي.

و الرابع: صحيح و إن كان في عبد الرحمن بن الحجاج كلام، لما وجدته في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (1) و بعض الأخبار في الكشي (2)، إلّا أن توثيق النجاشي له مكرّراً من دون ذكر شيء (3) أقوى، كما كرّرنا فيه القول.

و الخامس: ضعيف.

و السادس: صحيح، و كذا السابع، كل ذلك بعد ملاحظة ما قدّمناه.

المتن:

في الجميع دال علىٰ أنّ الحيض يجامع الحمل، غير أنّ الخبر الأوّل مطلق في الحبلىٰ المتقدم لها عادة و غيرها، و كذلك الثاني و الثالث.

أمّا الرابع: فيدل علىٰ من تقدمت لها عادة مستقرّة في الجملة، و قوله (عليه السلام) فيه: «إذا دام» محتمل لأن يراد به التوالي، و يحتمل أن يراد به وجوده في العادة ابتداءً و انتهاءً، فلو انقطع في أثنائها ربما يشكل الحال، إلّا أنّ إطلاق الأخبار الأُول ربما دفع الإشكال، و احتمال تقييدها بالرابع ممكن.

و الخامس: و فيه زيادة بيان الاستظهار.

____________

(1) الغيبة للشيخ: 210.

(2) رجال الكشي 2: 740/ 829، 830.

(3) رجال النجاشي: 237/ 630.

368

و السادس: صريح في التناول لكون العدد المذكور عادة قبل الحمل و عدمه، و كونه من كلام السائل لا يضرّ بعد ترك الاستفصال من الإمام (عليه السلام).

و السابع: لا يفيد تقييداً كما لا يخفىٰ علىٰ من راجع ما ذكرناه مراراً.

و من هنا يعلم أنّ استدلال جماعة من القائلين بمجامعة الحيض للحبل بالأخبار من غير تنبيه علىٰ ما ذكرناه غير لائق، و منهم شيخنا (قدس سره)- (1) و العلّامة في المختلف (2)، و نقل في المختلف القول عن ابن بابويه و السيد المرتضىٰ في المسائل الناصرية (3)، و زاد شيخنا (قدس سره) رواية في الحسن رواها الكليني (رحمه الله) عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): جعلت فداك، الحبلىٰ ربما طمثت؟ قال: «نعم، و ذلك أنّ الولد في بطن امّه غذاؤه الدم فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفعته، و إذا دفعته حرُمت عليها الصلاة» (4).

و ربما كان في الحديث الأوّل إيماء إلىٰ هذا، إلّا أن قوله: «و لم يخرج» أظنّه بزيادة الواو، و «ثم» عوض «لم» و يجوز أن يكون المراد لم يخرج قبل الحمل، و الأمر سهل.

اللغة:

في النهاية: في حديث أُمّ سلمة أنّ امرأة كانت تهراق الدم، إلىٰ أن قال: و هَراقَه يُهَريقُه بفتح الهاء هِراقَةً (5). و في القاموس: هَراقَ الماء يُهَريقه

____________

(1) المدارك 2: 10 11.

(2) المختلف 1: 195 و هو في الفقيه 1: 51 و الناصرية (الجوامع الفقهية): 191.

(3) المختلف 1: 195 و هو في الفقيه 1: 51 و الناصرية (الجوامع الفقهية): 191.

(4) الكافي 3: 97/ 6، المدارك 2: 11، الوسائل 2: 333 أبواب الحيض ب 30 ح 14.

(5) النهاية لابن الأثير 5: 260 (هرق).

369

بفتح الهاء هِراقةً، بالكسر إلىٰ أن قال: صبه (1).

[الحديث 8 و 9 و 10]

قال: فأمّا ما رواه أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن حميد ابن المثنىٰ قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الحبلىٰ ترى الدفقة و الدفقتين (2) في الأيّام و في الشهر و في (3) الشهرين؟ فقال: «تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة».

و ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أنّه (4) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ما كان اللّٰه ليجعل حيضاً مع حبل، يعني (5) إذا رأت المرأة الدم و هي حامل لا تدع الصلاة إلّا أن ترى علىٰ رأس الولد إذا ضربها الطلق (6) و رأت الدم تركت الصلاة».

فهذان الخبران لا ينافيان الأخبار المتقدّمة، لأنّ الخبر الأوّل قال: سألته عن الحبلىٰ ترى الدفقة و الدفقتين في الأيّام و في الشهر فقال له: «تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة» فذلك صحيح، لأنّ ذلك ليس بأقل الحيض، لأنا قد بيّنا أنّ أقل أيّام (7) الحيض ثلاثة أيّام (8)، و إذا لم تر

____________

(1) القاموس المحيط 3: 300 (هراق).

(2) في الاستبصار 1: 139/ 480 زيادة: من الدم.

(3) في الاستبصار 1: 139/ 480 لا يوجد: في.

(4) ليست في «فض».

(5) في «فض»: بمعنى.

(6) في «فض»: المطلق.

(7) ليست في «فض».

(8) في ص 283.

370

إلّا دفقة أو دفقتين فليس بدم حيض لا يجوز لها ترك الصلاة و الصوم.

و أمّا الخبر الثاني و هو قوله (عليه السلام): لم يجعل اللّٰه الحبل مع الحيض، فالوجه فيه أنّه لا يكون ذلك (1) مع الحبلىٰ (2) المستبين حملها، و إنّما يكون الحيض ما لم يستبن الحمل فإذا استبان فقد ارتفع الحيض، و لأجل ذلك اعتبرنا أنّه متى تأخّر عن عادتها بعشرين يوماً فليس ذلك بدم حيض.

يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني به الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ أُمّ ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال: «إذا رأت الحامل الدم بعد ما مضى (3) عشرون يوماً من الوقت الذي (كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي) (4) كانت تقعد (5) فيه فإنّ ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث، فتتوضّأ (6) و تحتشي بكرسف و تصلّي، و إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل (7)، أو في الوقت من ذلك الشهر فإنّه من

____________

(1) أثبتناه من الاستبصار 1: 140/ 481.

(2) في النسخ: الحبل، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 140/ 481.

(3) في «فض»: يمضي.

(4) ما بين القوسين ليس في «رض».

(5) في «فض»: تفور.

(6) في الاستبصار 1: 140/ 482: فلتتوضأ.

(7) في الاستبصار 1: 140/ 482: القليل.

371

الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد أيّامها التي كانت تعقد في حيضها، فإن انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصلّ، و إن (1) لم ينقطع الدم عنها إلّا بعد ما تمضي من (2) الأيّام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل و تحتشي و تستثفر و تصلّي الظهر و العصر. ثم لتنظر فإن (3) كان الدم في ما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضّأ و لتصلّ عند كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فإن طرحت الكرسف عنها و سال الدم وجب عليها الغسل، و إن طرحت الكرسف عنها و لم يسل الدم فلتتوضّأ و لتصلِّ و لا غسل عليها» قال: «فإذا (4) كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيباً لا يرقىٰ فإنّ عليها أن تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرّات ثم تحتشي و تصلّي: تغتسل للفجر، و تغتسل للظهر و العصر، و تغتسل للمغرب و العشاء الآخرة» قال: «و كذا (5) تفعل المستحاضة فإذا (6) فعلت ذلك أذهب اللّٰه بالدم عنها».

السند

في الأوّل: ليس فيه ارتياب، فإنّ (7) علي بن الحكم بتقدير الاشتراك

____________

(1) في الاستبصار 1: 140/ 482: فإن.

(2) في الاستبصار 1: 140/ 482 لا يوجد: من.

(3) في «فض»: و إن.

(4) في الاستبصار 1: 140/ 482: فإن.

(5) في الاستبصار 1: 140/ 482: و كذلك.

(6) في الاستبصار 1: 140/ 482: فإنها إذا.

(7) في «فض»: و إن.

372

هو الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عنه، و أحمد بن محمد هو ابن عيسىٰ، و حميد بن المثنىٰ هو أبو المعزى ثقة ثقة في النجاشي (1)، و وثّقه أيضاً ابن بابويه في الفقيه (2).

و الثاني: واضح الحال بالنوفلي و السكوني.

و الثالث: صحيح، و في الإيضاح: نُعَيم بضم النون و فتح العين (3).

المتن:

في الأوّل: غير خفي في عدم المعارضة كما ذكره الشيخ.

و أمّا الثاني: فما قاله الشيخ غير واضح الوجه، و الأخبار الأوّلة صريحة في وجود الحيض مع الحمل، غاية الأمر أنّه لا بدّ فيها ممّا ذكرناه. و قول الشيخ: و لأجل ذلك اعتبرنا أنّه متى تأخّر. يدل علىٰ أنّه متى لم يتأخّر يكون حيضا، فهو اعتراف بوجود الحيض مع الحمل، إلّا أنّ مراد الشيخ أنّه إذا لم يتأخّر لم يمكن حمل، و الدليل لا يساعد عليه، فإن رواية الصحاف صريحة في تحقق الحيض مع الحمل، غاية الأمر أنّها تدل علىٰ أنّ الحامل متى تأخّر الدم عن عادتها التي كانت ترى فيها الدم قبل الحمل بعشرين يوماً لا يكون الدم حيضا، و هذا لا ينفي حيض الحامل.

و قوله في الرواية: فإذا رأت قبل الوقت بقليل أو فيه (4) من ذلك الشهر فإنّه من الحيضة، صريح في مجامعة الحيض للحمل.

____________

(1) رجال النجاشي: 133/ 340.

(2) مشيخة الفقيه (الفقيه 4): 65.

(3) إيضاح الاشتباه: 155.

(4) في الاستبصار 1: 140/ 482: في الوقت.

373

و في نظري القاصر أن الرواية مؤيّدة لما أسلفناه من أنّ الأخبار المطلقة تحمل علىٰ المقيّدة، فلا يتم إطلاق القول بحيض الحامل، كما لا يتم القول الذي يقوله الشيخ باعتبار مضي عشرين يوما نظراً إلىٰ الرواية علىٰ الإطلاق، فإنّ قوله (عليه السلام) فيها أخيراً: «فإن لم ينقطع عنها إلّا بعد ما تمضي الأيّام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل» إلىٰ آخره، يقتضي أنّه لو انقطع أكثر من ذلك لا يكون حيضا.

و الحال إنّ أوّلها أفاد مضي عشرين فالتدافع حاصل، إلّا أن يقال: إن مفهوم الأخير مقيد المنطوق الأوّل الدال علىٰ العشرين. و فيه: أن مفهوم الأوّل أيضا لا بدّ من تقييده، و هذا يوجب نوع ريبه في الرواية لولا ما قلناه.

و من هنا يعلم أن ما قاله شيخنا المحقق أيّده اللّٰه في فوائد الكتاب: من أنّه لا يخفىٰ بُعد التوجيه، و أنّ مفاد الرواية أن دم الحيض من الحامل إنّما يكون في العادة أو قبلها بيسير، دون ما بعدها أو قبلها بيوم أو يومين أو نحو ذلك. محل نظر، فإنّ الرواية كما ترى صريحة في اعتقاد التأخّر بيوم أو يومين، بل أوّلها يقتضي أنّ المضرّ التأخّر بعشرين، و المفهوم فيه أنّ ما دون العشرين لا يضر، غاية الأمر أنّه يقيد، و يحصل الإشكال الذي ذكرناه.

و ممّا ذكرناه يعلم أنّ ما في الحبل المتين، من أن قول الشيخ في النهاية بأنّ ما تراه الحامل في أيّام عادتها حيض، و ما تراه بعد العادة بعشرين يوماً ليس بحيض، و أنّ حديث الحسين بن نعيم يدل عليه، و ليس في الأحاديث المعتبرة ما ينافيه (1). محل بحث أمّا أولًا: فلما ذكرناه من المعارضة في نفس الرواية المحتاج إلىٰ تكلّف تامّ.

____________

(1) الحبل المتين: 47 و هو في النهاية: 25.

374

و أمّا ثانياً: فلأن الأخبار المعتبرة قد دلت علىٰ أنّ المرأة إذا رأت في أيّامها التي كانت ترى الدم فيها فهو حيض، و مفهوم رواية الحسين أنّ الدم لو تأخّر أقل من عشرين فهو حيض، فالمنافاة حاصلة لولا دلالة آخرها بنوع من التقريب، و إن كان في الظنّ أنّه غير واف إلّا أنّه يدفع قول الشيخ باعتبار العشرين، و عدم الالتفات إلىٰ تحقيق دفع التعارض بين مفاهيم الأخبار غير لائق.

و من هنا يعلم أيضا أنّ ما قاله شيخنا (قدس سره) في المدارك: من أنّ الشيخ قال في النهاية و كتابي الأخبار: ما تجده المرأة الحامل في أيّام عادتها يحكم بكونه حيضا، و ما تراه بعد عادتها بعشرين يوماً فليس بحيض (1). لا وجه له، فإنّ الشيخ في هذا الكتاب قائل بعدم حيض الحامل إذا استبان.

و ما قاله شيخنا (قدس سره) نقلًا عن الشيخ في الخلاف: من أنّ الدم حيض قبل أن يستبين لا بعده و نقل فيه الإجماع (2). ثم قال: احتجّ الشيخ علىٰ القول الثاني بصحيحة الحسين بن نعيم، إلىٰ أن قال: و هي مع صحتها صريحة في المدّعىٰ، فيتعين العمل بها (3). لا وجه له أيضا، فإنّ الرواية في غاية الغموض بعد ما ذكرناه.

علىٰ أنّ القول الثاني هو الذي نسبه إلىٰ كتابي الأخبار، و قد علمت قول الشيخ هنا، و الحال أنّ شيخنا (قدس سره) قال بعد ذلك: و أمّا قول الثالث فلم أقف له علىٰ مستند (4). و ظاهر الحال من القول الثالث الاستبانة و عدمها، و الشيخ هنا مستدل بالرواية. و لو أُريد بالقول الثاني هو قول الشيخ الثاني أعني الاستبانة و عدمها زاد المحذور.

____________

(1) المدارك 2: 10، و هو في النهاية: 25، و التهذيب 1: 388 و الخلاف 1: 239.

(2) المدارك 2: 10، و هو في النهاية: 25، و التهذيب 1: 388 و الخلاف 1: 239.

(3) المدارك 2: 10، و هو في النهاية: 25، و التهذيب 1: 388 و الخلاف 1: 239.

(4) المدارك 2: 10، و هو في النهاية: 25، و التهذيب 1: 388 و الخلاف 1: 239.

375

و بالجملة: فتحقيق الأقوال و الأدلّة منتف، و الأصل في ذلك العلّامة في المختلف، فإنّه نقل أولًا قولي الشيخ في الخلاف و النهاية (1)، فالأوّل: أنّ الحمل إن استبان فلا حيض و إن لم يستبن فالحيض واقع، و الثاني: اعتبار أيّام العادة، ثم قال: احتجّ الشيخ علىٰ قوله بما رواه الحسين. و لم يبيّن أيّ قولٍ، فوقع الاشتباه.

إذا عرفت هذا فاعلم أن ما تضمّنته الرواية الاولىٰ من قوله: «تلك الهراقة» ينافي ما تضمنه الرواية من قوله: «و ذلك الهراقة» لأن الأُولىٰ أفادت أنّ الهراقة حيض و الثانية عدمه، و الشيخ لم يتعرض لبيان ذلك، و غاية ما يمكن من التوجيه اشتراك الهراقة بين الحيض و غيره، إلّا أنّ السرّ في الكلام غير ظاهر.

ثم ما تضمّنته الرواية الثانية من قوله: «إلّا أن ترى علىٰ رأس الولد» غير موافق لمراد الشيخ و لا لمذهبنا، أمّا الأوّل: فلأنّ الشيخ قائل بعدم الحيض مع تحقق الحمل، و قبل الولادة لا نفاس و لا حيض، فلا وجه لترك الصلاة، كما لا وجه لعدم تعرض الشيخ لبيانه.

و أمّا الثاني: فالمعروف من المذهب أنّه لا نفاس قبل الولادة، و غاية ما يمكن أن يوجّه بأنّ المراد به النفاس في أوّل خروج الولد كما هو مذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط علىٰ ما نقل عنه من أنّ النفاس يكون مع الولادة (2)، لا كما يقوله المرتضىٰ من أنّ النفاس عقيب الولادة (3)، و قد

____________

(1) المختلف 1: 194.

(2) نقله عنه في المختلف 1: 215 و هو في الخلاف 1: 246 و المبسوط 1: 68.

(3) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 191.

376

ينافي ما قلناه قوله (1): «إذا ضربها (2) الطلق» فإنّ الظاهر منه قبل خروج الولد، إلّا أنّ التوجيه ليس ببعيد. هذا علىٰ تقدير الاعتماد علىٰ تفسير الراوي.

و نقل العلّامة في المختلف عن ابن الجنيد القول بأنّه لا يجتمع حيض و حبل، و الاحتجاج بالروايتين المذكورتين، و أجاب عن الأُولىٰ بأنّه لم يحصل توالي ثلاثة أيّام، و عن الثانية بضعف السند (3)، و لم يتعرض لشيء، ممّا ذكرناه، هذا.

و أمّا رواية الحسين بن نعيم فبقي فيها أُمور وقعت في كلام الأعلام، و في نظري القاصر أنّها محل كلام، الأوّل: استدل الشهيد في الدروس و الذكرىٰ علىٰ ما نقله شيخنا (قدس سره) بالرواية علىٰ أنّ الاعتبار بقلّة الدم و كثرته بأوقات الصلاة (4). و قال جدّي (قدس سره) في فوائده علىٰ الروضة بعد حكايته ذلك: و نحن اعتبرناه فوجدناه دالّاً علىٰ عدم اعتباره صريحاً.

و الذي يخطر في البال أنّ الشهيد (رحمه الله) نظر في الرواية إلىٰ أنّ الأمر بالغسل و الوضوء في الرواية واقع، و هو للوجوب، و لمّا كان غير غسل الجنابة واجباً لغيره دلّ علىٰ أنّ الاعتبار بأوقات الصلاة، و جدّي (قدس سره) نظر إلىٰ أنّ قوله: «ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها و بين المغرب» يقتضي عدم دخول وقت المغرب، فلا يكون الأمر بالوضوء للوجوب و كذلك الغسل، و لا يذهب عليك أنّ الأمر إذا كان للوجوب فلتحمل الرواية علىٰ إرادة وقت المغرب، و العبارة و إن كانت لا تساعد عليه ظاهراً إلّا أنّ التأويل ممكن.

____________

(1) ليست في «فض».

(2) في «فض»: ضربه.

(3) المختلف 1: 195 196.

(4) المدارك 2: 36 و هو في الدروس 1: 99 100، الذكرى 1: 242 243.

377

و فيه: أنّ الأمر يجوز أن يكون للاستحباب، و قرينته عدم دخول الوقت، إلّا أنّ الخبر لا يكون صريحا كما قاله جدّي (قدس سره) فليتأمّل.

الثاني: استدل الشهيد (رحمه الله) بالخبر علىٰ أنّ المتوسّطة عليها غسل واحد (1)، ردّاً علىٰ من نفىٰ المتوسّطة و جعلها كثيرة. و اعترضه شيخنا (قدس سره) بأن موضع الدلالة فيها قوله (عليه السلام): «فإن طرحت الكرسف عنها و سال الدم وجب عليها الغسل» و هو غير محل النزاع، فإنّ موضع الخلاف ما لم يحصل السيلان، قال (قدس سره)-: مع أنّه لا إشعار في الخبر بكون الغسل للفجر، فحمله عليه تحكّم (2).

و الذي يخطر في البال أنّ كلا من الاستدلال و الاعتراض لا يخلو من تأمّل:

أمّا الأوّل: فلأنّ صريح الرواية أنّ السيلان لو حصل مع طرح الكرسف، و هذا خارج عن الأقوال بالكلّيّة.

و أمّا الثاني: فلأنّ مقتضاها الموافقة للشهيد، علىٰ أنّ الرواية دالّة علىٰ المتوسّطة لكنّها دلت علىٰ السيلان، و المتوسّطة هي التي تنفذ دمها من الكرسف و لم يسل: و قد عرفت انتفاء ذلك من الرواية.

ثم قول شيخنا (قدس سره)-: إنّه لا إشعار في الخبر بكون الغسل للفجر. ليس له وجه، بل الأولىٰ أن يقول: إنّه صريح في الغُسل للمغرب، كما لا يخفىٰ علىٰ من أعطىٰ الرواية حقّ النظر.

و الذي أظنّه أنّ هذا لا يضر بحال الاستدلال لو سلمت من غيره، لأنّ

____________

(1) الذكرى 1: 242.

(2) المدارك 2: 33.

378

ذكر غُسل الفجر للمتوسّطة في كلام الأصحاب (1) ليس علىٰ وجه التعيّن، ضرورة أنّ الدم بتقدير وجود شرط المتوسطة لا يلزم أن يكون عند الفجر، بل لو وجد عند الظهر أو العصر و غيرهما كذلك، كما أنّ الكثير لا يلزمها البدأة بالفجر فيما لو حصلت الكثرة عند الظهر أو العصر أو المغرب، غاية الأمر أنّه يلزم إشكال في المقام علىٰ تقدير ابتداء الدم من غير الفجر في الكثيرة بالنسبة إلىٰ الثلاثة الأغسال، و بيان ذلك لم أجده في كلام الأصحاب، و قد فصّلت ذلك في غير هذا الموضع.

و الظاهر أنّ الباعث للأصحاب علىٰ ذكر الفجر أوّلًا هو النص، لكن تعين مدلول النص دائماً لا يوافقه الاعتبار و التأمّل الصادق في مدلول معتبر الأخبار، و لعلّ التعبير بما تضمنته الرواية المبحوث عنها من قوله: «في كل يوم و ليلة ثلاث مرات» أولىٰ، و إن كان فيه الإشكال أيضا.

ثم إنّه يمكن توجيه كلام الشهيد بأنّ قوله (عليه السلام): «و سال الدم.» بمعنى الحال، أي و الحال أنّه سال الدم قبل الطرح، و يراد بالسيلان النفوذ فقط و يكون قوله (عليه السلام) في الكثيرة: «يسيل من خلف الكرسف صبيبا.» قرينة علىٰ أنّه في السابق نفذ من غير سيلان، و لا مانع من إطلاق السيلان بالاشتراك، إلّا أنّه لا يخفىٰ توقف التوجيه علىٰ الثبوت من غير الرواية، أمّا منها فالاحتمال لا يفيد إثبات المطلوب.

و الظاهر من الشهيد أنّه لم يعتمد علىٰ الرواية وحدها، بل في رواية لزرارة ما قد يظن منها ذلك، و إن كان الحق خلافه، و الغرض مجرّد التوجيه

____________

(1) منهم الحلّي في السرائر 1: 153، و العلّامة في المختلف 1: 209، و الشهيد الأوّل في الذكرى 1: 242.

379

لكلام مثل الشهيد، فإنّ الخبر بظاهره لا يدل علىٰ مطلوبه بأدنى تأمّل، فلا ينبغي الغفلة عن هذا و أشباهه.

الثالث: قوّى جدّي (قدس سره) في شرح الإرشاد أنّ حدث الاستحاضة كغيره من الأحداث، فمتىٰ حصل كفىٰ في وجوب موجبه (1)، كما اختاره الشهيد في البيان (2)، و قيل: المعتبر بالقلة و الكثرة في أوقات الصلاة (3). و تمسّك جدّي (قدس سره) بإطلاق الروايات المتضمنة لكون الاستحاضة موجبة للوضوء أو الغسل، و بقوله (عليه السلام) في الخبر المبحوث عنه: «فلتغتسل و تصلّي الظهرين ثم لتنظر.» (4).

قال شيخنا (قدس سره)-: و يتفرّع علىٰ القولين ما لو كثر قبل الوقت (و طرأت القلة فعلى الأوّل يجب الغسل للكثرة المتقدمة، و علىٰ الثاني لا غسل عليها ما لم يوجد في الوقت) (5) متصلا (6).

و الذي يخطر في البال أنّ الاستدلال بإطلاق الروايات محل نظر، لأنّ مفاد الأخبار الجمع بين الصلاتين، فلو قلنا: إنّه متى حصل كفىٰ في وجوب موجبه، لم يتم لزوم الجمع، فإن الظاهر من الجمع لوجود الحدث المستمرّ، إلّا أن يقال: إنّ الاستمرار معتبر لكن لا مع الكثرة بل لا بدّ من وجود الدم، و أنت خبير بأنّ كلامهم لا يعطي ذلك.

ثم إنّ اعتبار أوقات الصلاة لو قلنا به لا وجه لوجوب ثلاثة أغسال

____________

(1) روض الجنان: 84.

(2) البيان: 67.

(3) قال به الشهيد في الدروس 1: 99 100 و الذكرىٰ 242: 243.

(4) روض الجنان: 85.

(5) ما بين القوسين ليس في «فض».

(6) المدارك 2: 36.

380

(بل الغسل تابع لوجود الدم الكثير، سواء كان في صلاة أو صلاتين أو أكثر. و الحال أنّ الخبر تضمّن ثلاثة أغسال) (1).

و لا يبعد أن يقال: إنّ مدلول الخبر ثلاثة أغسال في اليوم و الليلة علىٰ تقدير الاستمرار، و حينئذ مع الاستمرار تجب كل يوم و ليلة ثلاثة أغسال، فلو لم يستمر لم يجب الثلاثة سواء وجب واحد أو أكثر، و الخبر المبحوث إذا أعطاه المتأمّل حق النظر يرىٰ أنّه دال علىٰ اعتبار أوقات الصلاة، و ذكر الثلاثة الأغسال لوجود الدم وقت الصلاة المذكورة فيه، غاية الأمر أنّه قد يتوجه في الخبر نوع إشكال، فالنظر إلىٰ الاستدلال به علىٰ حكم الكثير، لأنّ قوله: «فإن لم ينقطع الدم عنها إلّا بعد ما تمضي الأيّام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل» إلىٰ آخره صريح في أنّ الغسل المأمور به غسل الحيض.

و قوله: «ثم لتنظر فيما بينها و بين المغرب» إلىٰ قوله: «فإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيباً لا يرقىٰ فإنّ عليها أن تغتسل» إلىٰ آخره، صريح في أنّ الأغسال ثلاث مرّات بعد غسل الحيض، و يكون مبدأ غسل الاستحاضة المغرب.

و حينئذ فاليوم و الليلة إمّا أن يراد به تلك الليلة مع اليوم الآتي، أو اليوم السابق الذي مبدؤه الظهر مع الليلة التي بعدها المعتبر فيها الدم فيما بينه و بين المغرب.

و الثاني لا وجه له، لأنّ الغسل الأوّل لم يكن للاستحاضة بل للحيض، فلا يدل علىٰ الأغسال الثلاثة للاستحاضة.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «رض».

381

و الأوّل يقتضي أنّ المبدأ المغرب، فلا يتم قول الأصحاب: إنّ المبدأ الفجر.

و الذي يقتضيه النظر أن قوله (عليه السلام): «فإن كان الدم إذا أمسكت» لا تعلق له بما تقدم من الحالة التي بينه و بين المغرب، بل هو بيان لحال المستحاضة من حيث هي، إلّا أنّ قوله: «فإنّ عليها أن تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرّات ثم تحتشي و تصلّي و تغتسل للفجر» إلىٰ آخره، لا يخلو من إجمال، إذ يحتمل أن يراد بقوله: «و تغتسل للفجر» إلىٰ آخره، بيان أغسال اليوم و الليلة علىٰ تقدير وجود الدم من الفجر.

و يحتمل أن يكون من (1) تتمّة بيان أحكام من نظرت ما بينها و بين المغرب، و يفيد أنّ الغسل لازم لها علىٰ الوجه المذكور في جميع الصلوات، فإذا بدأت الكثرة من المغرب و استمرت عليها الغسل للفجر بعد غسل المغرب و العشاء، و غسل للظهرين، و غسل للمغرب، و هكذا، و يؤيّده قوله: «و هكذا تفعل المستحاضة» فإنّ هذا يدل علىٰ أنّ الحكم المذكور للحائض المستمر دمها إلىٰ أن تصير مستحاضة، و حكم المستحاضة غير حكمها.

و إنّما قلنا: إنّه مؤيّد مع أنّه ظاهر في تعيّن الاحتمال لإمكان أن يقال: إنّ المراد: و هكذا حكم كل مستحاضة.

لكن لا يخفىٰ أنّ تحقيق الحال في هذا موقوف علىٰ ثبوت اعتبار أوقات الصلوات و الاستمرار، و إن لم يثبت ذلك فالخبر باق علىٰ إجماله، و لم أَرَ من أوضح الحال في جميع ما ذكرته، و لا أشار إلىٰ بعضه، و اللّٰه وليّ التوفيق.

____________

(1) في «رض»: في.

382

[الحديث 11]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبي المغراء (1)، عن إسحاق بن عمار، قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة الحبلىٰ ترى الدم اليوم و اليومين قال: «إن كان دماً عبيطاً فلا تصلّي ذلك (2) اليومين، و إن كان (3) صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين».

فلا ينافي (4) ما قدمناه من أنّ أقل الحيض ثلاثة أيّام، لأنّ الوجه فيه أن ترى اليوم و اليومين دماً متوالياً و ترى تمام الثلاثة في مدّة العشرة، لأن الحائض متى رأت الدم في مدّة العشرة أيّام ثلاثة أيّام كانت حائضا و إن لم يكن ذلك متوالياً حسب ما رويناه في كتاب تهذيب الأحكام في رواية يونس (5).

السند

ليس فيه ارتياب إلّا من جهة إسحاق بن عمار، حيث إنّ الشيخ قال: إنّه فطحي (6). فالحديث موثّق، و قد قدّمنا كلاماً في هذا (7)، و أنّه لا يبعد

____________

(1) في الاستبصار 1: 141/ 483، و رجال الطوسي: 179/ 248، و الفهرست: 60/ 226: أبو المعزى، و لعل الصحيح ما أثبتناه بتقديم الغين المعجمة علىٰ الراء المهملة. راجع رجال النجاشي: 133/ 340، و إيضاح الاشتباه: 138، و مجمع الرجال 2: 246.

(2) في الاستبصار 1: 141/ 483: ذينك.

(3) في الاستبصار 1: 141/ 483: كانت.

(4) في الاستبصار 1: 141/ 483 زيادة: هذا الخبر.

(5) التهذيب 1: 381/ 1183، الوسائل 2: 287 أبواب الحيض ب 8 ح 3.

(6) الفهرست: 15/ 52.

(7) ج 1 ص 108 111، 241 242.

383

كون الحديث صحيحا، و أبو المغراء اسمه حميد ابن المثنىٰ، و هو ثقة.

فإن قلت: قد ذكر النجاشي (1) أنّ الحسن بن سعيد شارك أخاه الحسين في كتبه و كان شريك أخيه في جميع رجاله إلّا زرعة بن [محمد (2)] الحضرمي و فضالة بن أيوب، فإنّ الحسين كان يروي عن أخيه عنهما. و هذه الرواية و كثير من أمثالها تقتضي رواية الحسين عن فضالة بغير واسطة.

قلت: الأمر كما ذكرت إلّا أنّ (النجاشي ذكر ذلك رواية عن غير معلوم الحال (3)، و العلّامة في كلامه ما يحتمل ان لا يكون منه علىٰ سبيل الجزم كما يعلم من مراجعته، علىٰ أنّ في قوله: زرعة بن مهران وهماً كما لا يخفىٰ، و علىٰ كل حال لا يبعد أن يقال: إنّ) (4) هذا لا يضرّ بالحال لعدالة الواسطة و معلوميّتها بالاختصاص.

و ما قد يتخيل: من أن الرواية إذا كانت بالواسطة فتركها نوع من التدليس.

يمكن الجواب عنه: بأنّ المعلوميّة اقتضت الترك، و إن كان في البين كلام، لأنّ ذكر فضالة في الرواية عن زرعة يقتضي عدم الالتفات إلىٰ المعلوميّة إلّا أن يفرق بين الرجلين، (و لا يخلو من إشكال، إلّا أنّ المتأخّرين لم يلتفتوا إلىٰ ذكر هذا علىٰ ما رأيت، و لعل الأمر ليس بعسر بعد ما سمعته.

____________

(1) في «د»: العلّامة.

(2) في النسخ: مهران، و الصحيح: محمد، كما أثبتناه و سيشير إليه راجع الخلاصة: 39.

(3) رجال النجاشي: 58/ 136، 137.

(4) ما بين القوسين ليس في «فض» و «رض».

384

و قد يقال: إنّ كلام النجاشي محتمل لأن يريد أنّ الحسين يروي عن جميع رجال الحسن إلّا في الرجلين) (1) المذكورين، فإنّه يروى عنهما بواسطة أخيه، لا أنّه لا يروي عنهما إلّا بواسطة أخيه، و يجوز أن يكون راوياً عنهما بغير واسطة إلّا في بعض الأخبار (2)، فإنّه يرجّح الرواية عنهما بواسطة، و هذا كثير في الرواية بالنسبة إلىٰ رواية الشخص تارة بواسطة و أُخرى بعدمها، فليتأمّل.

المتن:

ما ذكره الشيخ فيه و إن بَعُد، إلّا أنّه وجه للجمع إذا ثبت مذهب الشيخ بعدم اشتراط التوالي، و قد تقدم في خبر عبد الرحمن بن الحجاج اشتراط الدوام في الدم من الحبلىٰ، و بيّنا أنّ الظاهر منه اعتبار التوالي، فيفيد اختصاص الحبلىٰ بالتوالي إذا لم نقل به في غيرها، و كان علىٰ الشيخ التنبيه (عليه ببيان) (3) احتمال الدوام لغير التوالي، و لا يبعد توجيهه لو ثبتت الأدلة علىٰ عدم التوالي، و ما أشار إليه الشيخ من رواية يونس له وجه لو صحت الرواية.

و يمكن أن تحمل الرواية المبحوث عنها علىٰ أنّ الحبلىٰ تترك الصلاة (4) في اليوم و اليومين من غير انتظار مضي الثلاثة كما في بعض النساء، و هذا الوجه و إن بَعُد ليس بأبعد من توجيه الشيخ، و لا بدّ للعامل بالموثّق القائل بالتوالي من هذا التوجيه، إلّا أن يذكر غيره.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «رض».

(2) في «رض»: الأحيان.

(3) في «رض»: على بيان.

(4) في «فض»: الصلوات.

385

و ما تضمنه الحديث: من أنّه مع الصفرة تغتسل عند كل صلاتين. و لا ينافي ما دل علىٰ التفصيل بالقلة و عدمها، لإمكان حمل المطلق علىٰ المقيد.

أمّا ما يقتضيه الخبر من أنّ الدم إذا كان عبيطاً لا تصلّي، و إن كانت صفرة تصلّي بالغسل، قد يتوهم منه أن لا واسطة بين الدم العبيط و الصفرة و الحال أنّها موجودة، و يمكن التوجيه بأنّ الغرض من الصفرة عدم كون الدم عبيطاً، و لئن استبعد ذلك أمكن استفادة حكم الواسطة من دليل آخر، و عدم ذكر الإمام (عليه السلام) له في الرواية علىٰ نحو غيره من الأحكام الحاصلة من المقيد و المطلق و العام و الخاص، غير أنّ الحكمة لا نعلمها، و التوجيه واسع الباب.

اللغة:

قال في القاموس: دم عبيط بيّن العُبطة بالضم طريّ (1).

و في النهاية: فقأت لحماً عبيطاً، العبيط: الطَّريّ (2)، و في الحبل المتين: إنّه الخالص الطري (3).

باب الحائض تطهر عند وقت الصلاة

قال:

[الحديث 1 و 2 و 3]

أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن

____________

(1) القاموس المحيط 2: 386 (عبط).

(2) النهاية لابن الأثير 3: 172.

(3) الحبل المتين: 47.

386

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة، عن معمر بن يحيىٰ قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحائض تطهر عند العصر تصلّي الاولىٰ؟ قال: « [لا، إنّما] (1) تصلّي الصلاة التي تطهر عندها».

و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الفضل بن يونس، قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال: «إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلّي إلّا العصر، لأنّ وقت الظهر دخل عليها و هي في الدم، و خرج عنها الوقت و هي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلّي الظهر، و ما طرح اللّٰه عنها من الصلاة و هي في الدم أكثر» قال: «و إذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض الظهر، لأنّ وقت الظهر دخل عليها و هي طاهرة، و خرج عنها وقت الظهر و هي طاهرة، فضيّعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها».

أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط، عن علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر، قال: «تصلّي العصر وحدها، فإن ضيّعت فعليها صلاتان».

____________

(1) أثبتناه من الإستبصار 1: 141/ 484.

387

السند

في الأوّل: الحجال، و العلّامة في الخلاصة ذكر أنّ الحجال عبد اللّٰه ابن محمد (1). و في النجاشي: عبد اللّٰه بن محمد الأسدي مولاهم كوفي الحجال، إلىٰ أن قال: ثقة ثقة (2). و يؤيّد إرادة المذكور أنّ النجاشي قال في ترجمة ثعلبة بن ميمون: إنّ الراوي عنه عبد اللّٰه بن محمد الحجال (3).

و أمّا ثعلبة فقد قدّمنا فيه القول (4)، و ما قد يتخيّل من أنّ ثعلبة لا يتعيّن كونه ابن ميمون، ليدل علىٰ ما ذكر، جوابه يعلم من ممارسة الرجال.

و أمّا معمر بن يحيىٰ فهو و إن كان مشتركاً بين الثقة و غيره (5) إلّا أنّ الراوي عن الثقة ثعلبة، و قد ذكرنا ظهور ثعلبة في ابن ميمون، و في الإيضاح: مَعْمَر بفتح الميم و إسكان العين و تخفيف الميم (6).

و في الثاني: الفضل بن يونس، و النجاشي وثقه (7). و قال الشيخ: إنّه واقفي (8). و قد كرّرنا (9) القول في مثل هذا من حيث إنّ النجاشي مقدّم علىٰ جرح الشيخ، كما يقتضيه الاعتبار، و ما ظنّه بعض المتأخّرين من أنّه لا منافاة

____________

(1) خلاصة العلّامة: 105/ 18.

(2) رجال النجاشي: 226/ 595.

(3) رجال النجاشي: 117/ 302.

(4) راجع ج 1 ص 379 380.

(5) هداية المحدثين: 261.

(6) إيضاح الاشتباه: 303.

(7) رجال النجاشي: 309/ 844.

(8) رجال الطوسي: 357/ 2.

(9) في «فض»: ذكرنا، راجع ص: 78 و 79.

388

بين الوقف و التوثيق (1) يدفعه التأمّل في كتاب النجاشي و التدبر في تثبّت مؤلّفه و تحقيقه.

و الثالث: لا يخفىٰ حاله بعد ما تقدم.

المتن:

في الأوّل: ظاهره لا يخلو من إجمال: لأن الصلاة التي تطهر عندها محتملة لإرادة وقت الفضيلة أو وقت الإجزاء.

و الخبر الثاني: ظاهر الدلالة علىٰ أنّ الطهر إذا وقع بعد أربعة أقدام (لا تصلي إلّا العصر، و التعليل فيه يدل علىٰ أنّ الوقت يراد به الأربعة أقدام) (2) و حينئذ فهو بيّن الخبر الأوّل علىٰ تقدير العمل بهما.

فإن قلت: ما تضمنه الخبر الثاني من اعتبار أربعة أقدام لا يتمّ إرادة وقت الفضيلة منه و لا وقت الإجزاء، أمّا الأوّل: فلأنّ فضيلة الظهر لا تنحصر في الأربعة كما يستفاد من الأخبار و سيأتي، و أمّا الثاني: فلأن الإجزاء لا ريب في امتداد وقته.

قلت: لما ذكرتَ وجه إلّا أنّ إرادة الفضيلة لا ارتياب فيها، غاية الأمر أنّ الأخبار مختلفة في ذلك، (و هذا لا يضرّ بالحال علىٰ تقدير العمل بالخبر.

و ما ذكره بعض محققي المعاصرين سلّمه اللّٰه من أنّ خبر معمر بن يحيىٰ لعله محمول) (3) علىٰ ما إذا لم يبق من الوقت سوىٰ ما يخص

____________

(1) كالجزائري في الحاوي 3: 225.

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

389

العصر (1)، لا يخلو من وجه علىٰ تقدير عدم العمل بالخبر الثاني، لكن الخبر موثق علىٰ تقدير قبول قول الشيخ بالوقف، و المعلوم من عادة القائل العمل بالموثق، فعدم النظر إلىٰ الحديث و نقله لا يخلو من غرابة.

و في مدارك شيخنا (قدس سره) بعد نقل رواية معمر بن يحيىٰ: و يمكن حملها علىٰ (ما إذا لم تدرك من آخر الوقت إلّا مقدار أربع ركعات، فإنّه يختص بالعصر كما سيجيء بيانه (2). انتهىٰ.

و أشار بقوله كما سيجيء إلىٰ) (3) ما ذكره في المواقيت (4)، و المذكور فيها لا يخلو من نظر، كما ستعلمه إن شاء اللّٰه. و علىٰ تقدير تمامية دليل الاختصاص فعموم دليل الاشتراك بين الفرضين لا يمنع التخصيص.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه ربما يتناول إدراك الركعة من العصر، لأنّ قوله (عليه السلام): «إنّما تصلّي التي تطهر عندها» يتناول الجميع و البعض. و فيه: أنّ المتبادر جميع الوقت و سيجيء إنشاء اللّٰه تعالىٰ بيان ما لا بدّ منه في موضعه.

و ما تضمنه الخبر الثاني من قوله «و ما طرح اللّٰه عنها من الصلاة» إلىٰ آخره، لعلّ المراد به أنّ ما فاتها من الصلاة في حال الحيض أكثر من الصلاة الفائتة حال مضيّ أربعة أقدام.

ثم ما يفيده الخبر من حكم المرأة إذا رأت الدم بعد ما يمضي من الزوال أربعة أقدام، لو صح الحديث لا مجال للتوقف فيه بسبب الشك في

____________

(1) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 49.

(2) المدارك 1: 342.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

(4) المدارك 3: 92 94.

390

بعض المقدمات، و ستسمع القول في المسألة عن قريب إن شاء اللّٰه.

و ما تضمنه الخبر الثالث من قوله (عليه السلام): «فإن ضيّعت فعليها صلاتان» لعلّ المراد به أنّ دخول وقت العصر إن كان في غير زمان اشتغالها بمقدمات الصلاة، بل اتفق دخوله حال تركها كذلك فعليها صلاة الظهر و العصر، غير أنّ المقام لا يخلو بعد من إجمال، لأنّ وقت العصر الداخل إن كان المراد به المختص، يشكل الحال بأنّ عدم الاشتغال في المقدمات لا يقتضي وجوب قضاء الظهر مطلقا، بل إذا علم أن الوقت يتّسع فعل الظهر مع المقدمات أو فعل بعضها معها علىٰ المشهور، و إن كان المراد ما يعم المشترك يشكل الحكم بصلاة العصر وحدها، إلّا أن يقال: إنّ هذا الحكم مفاد الخبر الأوّل بإطلاقه. و فيه: أن الخبر الأوّل في ظاهره ما يدفع هذا الحكم بعد التأمّل فيه.

علىٰ أنّ مفاد الخبر المبحوث عنه أنّ عدم الاشتغال بالمقدمات المعتبر عنه بالتضييع علىٰ الظاهر من الكلام يفيد لزوم الصلاتين، و علىٰ تقدير إرادة المشترك يشكل فعل العصر وحدها علىٰ قول (1) المتأخّرين (2) و ظاهر الشيخ (3).

فإن قلت: ما وجه حمل قوله: «فإن ضيّعت» إلىٰ آخره، علىٰ ما ذكرت مع إمكان الحمل علىٰ أنها لو تركت الصلاة عليها القضاء؟

قلت: هذا الاحتمال يدفعه التأمّل الصادق في مدلول الخبر، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحال.

____________

(1) في «فض» و «د»: قوانين.

(2) منهم العلّامة في المنتهىٰ 1: 114، 210، و المحقّق في المعتبر 1: 237، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 146 147.

(3) المبسوط 1: 73، كتاب الخلاف 1: 173.

391

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه علي بن الحسن (1)، عن محمد بن الربيع، عن سيف ابن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا طهرت الحائض قبل العصر صلّت الظهر و العصر، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلّت العصر».

فلا ينافي الخبر الأوّل، لأن قوله: إذا طهرت قبل وقت العصر، يجوز أن يكون ذلك وقت الظهر فلأجل ذلك وجب عليها قضاء الظهر و العصر، و لو كان وقت العصر لا غير لما وجب عليها إلّا صلاة العصر.

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب، عن أبي همام، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) في الحائض إذا اغتسلت في وقت العصر: «تصلي العصر ثم تصلي الظهر».

فلا ينافي أيضا ما قدّمناه، لأنه إنّما أخبر عمّن تغتسل في وقت العصر، و يجوز أن يكون (2) طهرت في وقت الظهر و أخّرت الغسل إلىٰ أن اغتسلت في وقت قد يضيق للعصر، فلأجل ذلك أمرها بالظهر بعد أن تصلّي العصر.

السند

في الأوّل: قد تقدم القول في رجاله، سوىٰ محمد بن الربيع و هو مشترك في الرجال بين مهملين.

____________

(1) في الاستبصار 1: 142/ 487: الحسين.

(2) في الاستبصار زيادة: قد.

392

و يعقوب في الثاني محتمل لابن يزيد الثقة، و ابن يقطين المذكور في رجال الرضا (عليه السلام) مهملا (1)، إلّا أن المتكرّر في الكتاب رواية محمد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد، ففي باب صلاة المغمىٰ عليه: محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب بن يزيد (2)، و كذلك في باب صلاة الخوف (3)، و غير ذلك، و حينئذ فالظاهر ظهور ابن يزيد.

المتن:

في الأوّل: لا يخرج عن الإطلاق بالنسبة إلىٰ قوله: «إذا طهرت قبل العصر» إلّا أنّ قوله: «فإن طهرت في آخر وقت العصر» ربما يفيد تقييده بإدراك غير المختص بالعصر علىٰ تقدير أن يراد بآخر وقت العصر المختص كما هو الظاهر.

و الخبر المتقدم الدال علىٰ أنّ المرأة إذا رأت الطهر بعد أربعة أقدام تصلّي العصر فقط، صريح المنافاة لهذا الخبر حينئذ.

و الحمل المذكور من الشيخ علىٰ أنّ المراد وقت الظهر. إن أُريد به المختص بالظهر أشكل بأنّ الرواية تضمّنت آخر وقت العصر، فلو كان المراد وقت الظهر المختص بقي الوقت المشترك مسكوت الحكم، و المطلوب في الرواية بيانه. إلّا أن يقال بعدم معلوميّة إرادته من الإمام (عليه السلام).

و لو أراد الشيخ بوقت الظهر الأعم من المختص، بل وقت الفضيلة أو المشترك كما يقتضيه قوله: و لو كان وقت العصر لا غير، أشكل بما تقدم

____________

(1) رجال الطوسي: 395/ 12، 13.

(2) الاستبصار 1: 458/ 1777.

(3) الاستبصار 1: 456/ 1767.

393

من الخبر المتضمن لأربعة أقدام، فما ظنّه الشيخ من انتفاء المنافاة بجميع ما تقدم محل كلام، و من توقف عمله علىٰ الخبر الصحيح قد يخفّ عنه الإشكال.

(و أمّا الخبر الثاني:) (1) فما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من وجه، إلّا أنّ قوله: قد (تضيق العصر) (2). في الظاهر يريد به الوقت المختص بالعصر، و وجوب الصلاة حينئذ مبني علىٰ أنّ إدراك (3) شيء من الوقت يقتضي وجوب الصلاة، إذ الغسل في المختص لا بدّ أن يقصر الوقت معه عن الفعل، و الأخبار الدالة علىٰ ذلك لا يخلو من قصور في السند، إلّا أنّ العلّامة في المنتهىٰ قال: إنّه لا خلاف فيه بين أهل العلم (4). و لعل ضميمة هذا إلىٰ الأخبار تسهل الخطب، و سيأتي تفصيل القول في بابه إن شاء اللّٰه.

[الحديث 6 و 7 و 8 و 9]

قال: فأمّا ما رواه علي بن الحسن، عن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب و العشاء الآخرة، و إن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر و العصر».

عنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «فض» و «د».

(2) في «رض»: يضيق للعصر.

(3) في «رض»: من أدرك.

(4) المنتهىٰ 1: 209.

394

فلتصلّ الظهر و العصر، و إن طهرت من آخر الليل فلتصلّ المغرب و العشاء».

عنه، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن ثعلبة، عن معمر بن يحيىٰ، عن داود الزجاجي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة حائضا و طهرت قبل غروب الشمس صلّت الظهر و العصر، و إن طهرت من آخر الليل صلّت المغرب و العشاء الآخرة».

عنه، عن محمد بن علي، عن أبي جميلة. و محمد أخيه، عن أبيه، عن أبي جميلة، عن عمر بن حنظلة، عن الشيخ (عليه السلام) قال: «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب و العشاء الآخرة، و إن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر و العصر».

فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن نقول: إنّ المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس إلىٰ أن يمضي منه أربعة أقدام فإنّه يجب عليها قضاء الظهر و العصر معاً، و إذا طهرت بعد مضي أربعة أقدام فإنّه يجب عليها قضاء العصر لا غير، و يستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها إلىٰ مغيب الشمس، و كذلك يجب عليها قضاء المغرب و العشاء إلىٰ نصف الليل، و يستحب لها قضاؤهما إلىٰ عند طلوع الفجر، و علىٰ هذا الوجه لا تنافي بين الأخبار.

السند

في الأوّل: قد قدّمنا ما في طريق الشيخ إلىٰ علي بن الحسن من الجهالة، و كذلك ذكرنا حال محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة من أنّه لا يخلو من

395

مدح في الرجال، و أمّا محمد بن الفضيل فهو مشترك بين ثقة و غيره (1)، و أبو الصباح هو إبراهيم بن نعيم الثقة.

و الثاني: ضمير عنه فيه يرجع إلىٰ علي بن الحسن، و قد علمت حال الطريق إليه، و حال علي بن الحسن مشهور بالفطحية.

و الثالث: فيه مع ما تقدم عن قريب و بعيد داود الزجاجي و هو مذكور في رجال الباقر و الصادق (عليهما السلام) من كتاب الشيخ مهملا (2)، و الذي رأيته في النسخة بالدال المهملة، و في نسخة الاستبصار بالزاي، و الأمر سهل.

و الرابع: فيه مع ما تقدم محمد بن علي، و لا يبعد أن يكون ابن محبوب، إلّا أن احتمال غيره قائم، و محمد فيه معطوف علىٰ محمد بن علي، و ضمير أخيه لعلي، و محمد مذكور في الكشي عن محمد بن مسعود: أنّه من الفطحية من غير توثيق (3). و أبو جميلة هو المفضل بن صالح، و قد ضعّفه العلّامة في الخلاصة قائلا: إنّه كان يضع الحديث (4)، و عمر بن حنظلة قدمنا القول فيه (5).

المتن:

ما قاله الشيخ من الجمع لا يخلو من نظر، لأنّ مفاد الأخبار المذكورة لا يخرج من الإطلاق، و السابق من الأخبار مقيد، لكن التقييد خاص بالظهر و العصر، أمّا المغرب و العشاء فلا ذكر لهما فيها، فإن كان الشيخ نظر إلىٰ أنّ

____________

(1) هداية المحدثين: 249.

(2) رجال الطوسي: 120/ 6، 191/ 24.

(3) رجال الكشي 2: 635.

(4) خلاصة العلّامة: 258/ 2.

(5) في ص 55.

396

الحكم في الجميع واحد نظراً إلىٰ إمكان جريان التعليل، أشكل بأنّ التقييد (1) بنصف الليل لا يناسب ذلك، لأنّ وقت الظهر لا يعتبر آخره، كما صرح به الشيخ تبعاً للنص، و حينئذ لا يتم إطلاق القول في المغرب و العشاء، و لا مانع من حمل الأخبار فيهما علىٰ امتداد الوقت إلىٰ الفجر و يكون من [قبيل (2)] وقت المضطر، و سيأتي من الشيخ ذكر ذلك.

إلّا أن يقال: إنّ الأخبار إذا دلّت علىٰ اتحاد حكم المغرب و العشاء و الظهر و العصر كان الفرق بين كل من المغرب و العشاء و الظهر و العصر غير مناسب للحكمة من إطلاق الإمام (عليه السلام)، فلا بد علىٰ تقدير الاستحباب في الظهرين القول به في العشاءين، و فيه ما قدّمناه، فليتأمّل.

ثم ما ذكره الشيخ: من أنّ قضاء الظهر مستحب إلىٰ غياب الشمس. لا يخلو من تسامح، بل الظاهر أنّه لا يخلو من خلل، إذ الدليل علىٰ استحباب القضاء للظهر علىٰ تقدير إدراك المختص بالعصر غير واضح.

و لو حملت الأخبار الدالة علىٰ أنّ الطهر قبل الغروب يقتضي صلاة الفرضين علىٰ الاستحباب زاد الإشكال، أوّلًا: في ذكر الظهر فقط، و ثانياً: إنّ المطلوب وجوب قضاء العصر و استحباب قضاء الظهر، و بالجملة فالكلام واسع البحث و المحصّل ما قلناه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلّامة في المختلف نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال فيه: إذا طهرت بعد زوال الشمس إلىٰ دخول وقت العصر قضت الصلاتين معاً وجوباً، و يستحب لها قضاؤهما إذا طهرت قبل مغيب

____________

(1) في «رض»: التعليل.

(2) في النسخ: قبل، و الظاهر ما أثبتناه.

397

الشمس بمقدار ما تصلّي خمس ركعات. و كذلك نقل عن ابن البراج (1).

ثم قال العلّامة: و الصحيح أنّها إذا اتسع زمانها للطهارة و أداءِ خمس ركعات وجب عليها فعل الصلاتين معاً كما قال يعني الشيخ بعد ذلك: فإن لحقت قبل المغيب ما تصلّى فيه ركعة لزمها العصر. لنا ما رواه الشيخ، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و ذكر الرواية السابقة المشتمل سندها هنا علىٰ محمد بن الربيع.

ثم قال العلّامة عقيب الرواية: قال الشيخ عقيب الأخبار التي أوردها: و الذي أُعوّل عليه في الجمع أنّ المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس إلىٰ أن يمضي أربعة أقدام فإنّه يجب عليها قضاء الظهر و العصر معاً. إلىٰ آخر ما هنا، و إن كان ظاهر أوّل الكلام أنّه من غير الكتاب.

ثم إنّ كلام العلّامة لا يخلو من نظر في مواضع.

أمّا أولًا: فالاستدلال بالرواية لا يخفىٰ حاله.

و أمّا ثانياً: فعدم ذكر الأخبار المعارضة و الاقتصار علىٰ نقل كلام الشيخ أغرب.

و أمّا ثالثاً: فما ذكره من أنّ إدراك الركعة من الظهر يوجب إدراك الصلاة، لا يخلو دليله من الأخبار من قصور كما سبقت إليه الإشارة، و الإجماع في المقام منتف مع خلاف الشيخ، إلّا أن يكون الإجماع بعد الشيخ، و كلام المنتهىٰ السابق نقله يدل علىٰ خلاف ذلك (2)، و لا يخفىٰ أنّ كلام الشيخ يخالف القول في العصر أيضاً، كما يعلم بالتأمّل الصادق، و لم أر تحقيق الحال في المقام.

____________

(1) المختلف 1: 197، و هو في المبسوط 1: 45، و المهذب 1: 36.

(2) المتقدم في ص 361.

398

و العلّامة (رحمه الله) لم يلتفت إلىٰ تحقيق أمثال هذه المواضع، و الظاهر أنّ سبب ذلك العجلة كما هي عادته في مصنفاته.

باب المرأة تحيض بعد أن دخل عليها وقت الصلاة

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: في امرأة دخل وقت الصلاة و هي طاهرة فأخّرت الصلاة حتى حاضت قال: «تقضي إذا طهرت».

أحمد بن محمد، عن شاذان بن خليل النيسابوري، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس و لم تصلّ الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: «نعم».

السند

في الأوّل: قد تقدّم بيان رجاله، و أمّا محمد بن الوليد فهو الخزاز علىٰ الظاهر، لأنّ النجاشي قال: إنّه يروي عن يونس بن يعقوب. و لا يضر كون الراوي عنه في النجاشي أحمد بن محمد بن خالد (1)، لأنّ مرتبة علي ابن الحسن لا تأبىٰ ذلك. و ذكر الكشي إنّه فطحي في جملة آخرين (2). و النجاشي قال: إنّه ثقة عين (3)، و لم يذكر إنّه فطحي.

____________

(1) رجال النجاشي: 345/ 931.

(2) رجال الكشي 2: 835/ 1062.

(3) رجال النجاشي: 345/ 931.

399

و العلّامة في الخلاصة قال بعد نقل كلام الكشي و كلام النجاشي (1): و الذي يظهر لي أنّه الذي ذكره الكشي.

و الشيخ في الفهرست ذكره مرّتين من غير ذكر التوثيق و أنّه فطحي (2)، و حينئذ يبقىٰ الكلام في ترجيح قول النجاشي علىٰ كلام الكشي لما يعلم من شأن النجاشي (في كتابه و زيادة تثبّته) (3).

و ما يوجد في كلام جماعة من الأصحاب أنّ الترجيح هنا لا حاجة إليه، لإمكان الجمع بين الثقة و كونه فطحيا، محل بحث لما ذكرناه، و الأمر هنا سهل، لضعف الخبر بغيره أو عدم صحته.

و الثاني: فيه شاذان بن الخليل، و هو مذكور في رجال الجواد (عليه السلام) من كتاب الشيخ مهملًا (4).

المتن:

في الخبرين لا يخلو من إجمال، أمّا الأوّل: فلأنّ دخول وقت الصلاة يحتمل (5) أن يراد به المختص أو المشترك أو هما، و قد تقدّم في خبر الفضل بن يونس أن المرأة إذا رأت الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض الظهر، لأن وقت الظهر دخل عليها و هي طاهرة و خرج عنها وقت الظهر و هي طاهرة

____________

(1) خلاصة العلّامة: 151/ 69.

(2) الفهرست: 148/ 625 و 154/ 684.

(3) في «فض»: في كفاية زيادة تثبته.

(4) رجال الطوسي: 402/ 1.

(5) ليست في «فض».

400

فضيّعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها (1).

و المستفاد من الرواية أنّه إذا لم يمض مقدار أربعة أقدام و رأت الدم لا يجب عليها قضاء الظهر، و الأربعة أقدام ليست وقت الظهر المختص دائماً، و لا المشترك علىٰ الإطلاق، و حينئذ بتقدير العمل بالخبرين لا بدّ من تقييد أحدهما بالآخر، و لا أدري الوجه في عدم تعرض الشيخ لذلك مع كونه مهماً بالنسبة إليه.

ثم إنّ خبر الفضل تضمن أنّ موجب القضاء كون المرأة ضيّعت، و التضييع محتمل لأن يراد به عدم فعل الصلاة بمجرّده، و يحتمل أن يراد به التخصيص بصورة التمكن من الشروط و الأفعال المعتبرة، إلّا أنّ الأوّل له ظهور من الرواية.

و الثاني فيه إطلاق من حيث إنّ قوله: بعد ما تزول الشمس. يتناول مضي أربعة أقدام و عدمه، فالتقييد بالخبر السابق كالأول لا بدّ منه.

و ربما يستفاد من حديث الفضل خروج وقت الظهر بالأربعة أقدام. و احتمال الاختصاص بالحائض ممكن، إلّا أنّ الشيخ قائل في بعض كتبه: بأنّ وقت الظهر يخرج بالأربعة أقدام لغير المضطرّ. لكن دليله محل كلام، و سيأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ إمكان حمل ما دل علىٰ خروج الوقت بذلك علىٰ تقدير سلامة سنده علىٰ خروج الفضيلة في الجملة.

و أمّا في خصوص الرواية المبحوث عنها فالأمر مشكل، غير أنّ عدم الصحة يخفّف الإشكال، و علىٰ تقدير الصحة يمكن القول بالاختصاص بموردها.

____________

(1) في ص 354 355.

401

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ شيخنا (قدس سره) قال في المدارك: إنّ وجوب القضاء إذا حصل العذر المانع من الصلاة بعد أن يمضي من الوقت مقدار الصلاة و شرائطها المفقودة من الطهارة و غيرها مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا، و يدلُّ عليه عموم ما دل علىٰ وجوب قضاء الفوائت، و رواية عبد الرحمن بن الحجاج، و ذكر الرواية الثانية، و موثقة يونس بن يعقوب و ذكر الاولىٰ، ثم قال: و أمّا سقوط القضاء إذا كان حصول العذر قبل أن يمضي من الوقت مقدار ذلك فهو مذهب الأكثر، و نقل عليه الشيخ في الخلاف الإجماع، و حكي عن ظاهر المرتضىٰ و ابن بابويه و ابن الجنيد اعتبار خلوّ أوّل الوقت من العذر بمقدار أكثر الصلاة، و لم نقف لهم علىٰ مستند، و الأصح السقوط مطلقاً، تمسكاً بمقتضىٰ الأصل (1). انتهىٰ.

و لقائل أن يقول: إن ما ذكره أولًا من أنّ عموم ما دل علىٰ وجوب قضاء الفوائت يقتضي وجوب قضاء الفرض الذي مضى مقداره مع شرائطه، يتناول صورة عدم اتّساع الوقت، لتحقق الفوات في الجميع، فلا بد لإخراج الثاني من دليل، إلّا أنّ الأصل يقتضي ما قاله، و احتمال أن يقال: إن المتبادر من الفوات ما كان مع التمكن من الفعل، يشكل بأنه (قدس سره) استدل بعموم قضاء الفوائت علىٰ وجوب قضاء عادم المطهِّر من الماء و التراب، و الحال أنّه غير متمكن من الفعل.

و لو أمكن التسديد بأنّ استدلاله هناك محل بحث، أمّا رفعه (2) للاستدلال هنا فلا، أمكن أن يقال: إنّ دعوى التبادر محل كلام أيضاً، علىٰ

____________

(1) مدارك الأحكام 3: 91 و انظر الخلاف 1: 274، و الجمل (رسائل الشريف المرتضىٰ 3): 38، و الفقيه 1: 52 و المقنع: 17، و المختلف 2: 452.

(2) كذا في النسخ.

402

أنّه ربما يدّعىٰ أنّ المتبادر من الفوات فوات جميع الوقت لا الأعم من الجميع و البعض.

و ما ذكره (قدس سره) ثانياً: من أنّه لم يقف لقول المذكورين علىٰ مستند. ربما يشكل بأنّ خبر الفضل بن يونس يدل علىٰ ذلك في الجملة عند من يعمل بالأخبار، إلّا أنّ التسديد هنا ممكن كما لا يخفىٰ.

أمّا استدلال العلّامة في المنتهىٰ علىٰ عدم وجوب القضاء إذا لم يمض مقدار الصلاة و شرائطها، بأنّ وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و هو منتف، لأنّ التكليف يستدعي وقتاً و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق (1). ففيه: أنّ القضاء فرض مستأنف كما حقق في الأُصول.

و اعلم أنّ شيخنا (قدس سره) اعترض علىٰ العلّامة بما ذكرناه (2) مع أنّه متوجه عليه، فإنّ القضاء إذا كان فرضاً مستأنفاً لا تعلّق له بالأداء، فالعمومات الدالة علىٰ وجوب قضاء الفوائت تتناول ما يمكن من أدائها و ما لم يمكن، فكيف لا يصلح العموم لإثبات ما يخرج عن الأصل، و يمكن التسديد بأنّ الغرض من الجواب نفي ما قاله العلّامة من ارتباط القضاء بالأداء إذا دل الدليل علىٰ القضاء و المقصود في الاستدلال عدم الدليل علىٰ القضاء (فالجواب كافٍ في المطلوب) (3) و عدم تناول العموم بجهة اخرىٰ، فليتأمّل.

[الحديث 3 و 4]

قال: فأمّا ما رواه ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي الورد

____________

(1) المنتهىٰ 1: 209.

(2) مدارك الأحكام 1: 341، و 3: 92.

(3) ما بين القوسين ليس في «فض» و «د».

403

قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر و قد صلّت ركعتين ثم ترى الدم قال: «تقوم من مسجدها و لا تقضي الركعتين» قال: «فإن رأت الدم و هي في صلاة المغرب و قد صلّت ركعتين فلتقم من مسجدها، فإذا طهرت فلتقض الركعة التي قد فاتتها من المغرب». (فما يتضمن هذا الخبر من إسقاط قضاء الركعتين من صلاة الظهر متوجه إلىٰ من دخل في الصلاة في أوّل وقتها) (1) لأنّ من ذلك حكمه لا يكون فرّط، و إذا لم يفرّط لم يلزمه القضاء، و ما يتضمن من الأمر بإعادة الركعة من المغرب متوجه إلىٰ من دخل في الصلاة عند تضيّق الوقت ثم حاضت، فيلزمها حينئذ ما فاتها.

و الذي يدل علىٰ أنّ ذلك يتوجه إلىٰ من فرّط:

ما أخبرني به الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا طهرت المرأة في وقت و أخّرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أُخرى ثم رأت دماً كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرّطت فيها».

السند

في الأوّل: فيه أبو الورد، و هو مذكور في رجال الباقر (عليه السلام) من كتاب الشيخ مهملًا (2)، و بقية رجال السند قد تقدّم القول فيهم؛ و علي بن رئاب ليس في جلالة قدره ارتياب.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «فض».

(2) رجال الطوسي: 122/ 5.

404

و الثاني: حسن، و ابن محبوب فيه هو الحسن، و أبو عبيدة اسمه زياد، و اختلف في اسم أبيه فقيل: ابن عيسىٰ (1). و قيل: ابن رجاء (2). و لا ريب في ثقته.

و قد يستغرب ما وقع في النجاشي من حيث إنّه قال: زياد بن عيسىٰ أبو عبيدة كوفي ثقة، إلىٰ أن قال: و أخته حمادة بنت رجاء، و قيل: بنت الحسن، روت عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قاله ابن نوح عن ابن سعيد (3).

و هذا كما ترى يقتضي أنّ أخته بنت رجاء، و زياداً ابن عيسىٰ. و عدم التنبيه علىٰ الوجه من مثل النجاشي هو الموجب للغرابة، و لا يبعد أن يقال: إنّ كلام النجاشي لا يقتضي تعين (4) كون الأخت من الأب بل يحتمل كونها من الأُم، أو أنّ النجاشي اعتمد في ترك البيان بمعلوميّة الحال.

و في رجال الباقر (عليه السلام) من كتاب الشيخ: زياد بن عيسىٰ أبو عبيدة الحذّاء، و قيل: زياد بن رجاء (5). و أضنّ أنّ وجه القول ما أشرنا إليه.

و العلّامة في الخلاصة قال: زياد بن أبي رجاء، و اسم أبي رجاء منذر، كوفي ثقة صحيح (6).

و في رجال الصادق و الباقر (عليهما السلام) من كتاب الشيخ زياد بن أبي رجاء الكوفي (7).

____________

(1) كما في رجال النجاشي: 170/ 448 و رجال الطوسي: 122/ 5.

(2) انظر منهج المقال: 151.

(3) رجال النجاشي: 170/ 449.

(4) في «رض» تعيين.

(5) رجال الطوسي: 122/ 5.

(6) خلاصة العلّامة: 74/ 3.

(7) رجال الطوسي: 122/ 5، 198/ 47.