استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
405

و ذكر العلّامة في الخلاصة زياد بن عيسىٰ (1)، كما ذكر الشيخ ذلك في رجال الصادق (عليه السلام) (2).

و النجاشي في ترجمة أبي عبيدة زاد عما قدمناه عنه: و قال سعد بن عبد اللّٰه الأشعري: و من أصحاب أبي جعفر أبو عبيدة و هو زياد بن أبي رجاء كوفي ثقة صحيح، و اسم أبي رجاء منذر، و قيل: زياد بن أخزم و لم يصح (3).

و أظن أنّ العلّامة أخذ ما قاله في زياد بن أبي رجاء من هذا الكلام، و لكن التغاير الموجب لذكر الرّجلين بعد ذكر النجاشي لكلام سعد بن عبد اللّٰه في ترجمة زياد بن عيسىٰ لا وجه له، إلّا من حيث إنّ الشيخ ذكرهما، و هذا كثير الوقوع من الشيخ في الرجل الواحد إذا اختلفت صفاته بوجه ما، و لا يخفىٰ أنّ الأمر هنا سهل، غير أن ما ذكرناه للتنبيه علىٰ أمثاله و غرابة وقوعه من النجاشي مع العلم بكمال حاله.

المتن:

ظاهر الصدوق في الفقيه العمل بمقتضاه المستفاد من ظاهره و هو قضاء الركعة من المغرب دون جميع الصلاة، فإنّه قال: فإن صلّت المرأة من الظهر ركعتين ثم رأت الدم قامت من مجلسها و ليس عليها إذا طهرت قضاء الركعتين، فإن كانت في صلاة المغرب و قد صلّت منها ركعتين قامت من مجلسها فإذا طهرت قضت الركعة (4).

____________

(1) خلاصة العلّامة: 74/ 4.

(2) رجال الطوسي: 198/ 34.

(3) رجال النجاشي: 170/ 449.

(4) الفقيه 1: 52.

406

و ما قاله الشيخ في توجيه الخبر لا يخلو من إجمال في أمرين:

أحدهما: أنّ مراده بقضاء الركعة هل هو قضاء جميع الصلاة و التعبير بالركعة مجاز؛ كما ذكره العلّامة في المختلف جواباً عن الاستدلال بالرواية للصدوق (1)، (أو المراد قضاء الركعة فقط بحصول التفريط، فيكون موافقا للصدوق) (2).

و ثانيهما: أنّ قوله: يتوجه إلىٰ من دخل في الصلاة في أوّل وقتها. و قوله: متوجه إلىٰ من دخل في الصلاة عند تضيق الوقت. محتمل لأن يراد بالوقت المختص أو الأعم منه و من المشترك، أو يريد به ما تضمنه خبر الفضل بن يونس السابق.

و لا يبعد أن يكون مراده في الأوّل قضاء جميع الصلاة، و قول الصدوق إن لم يكن صرَّح به في غير الفقيه لا يخلو الجزم به من تأمّل، لأنّ عبارته في الفقيه ليست نصّاً في قضاء الركعة فقط، بل أتى بمضمون الرواية، و الاحتمال في الرواية واقع في عبارته، غاية الأمر أنّ العدول عن ظاهرها لا بدّ له من مقتض.

و العلّامة في المختلف اقتصر علىٰ نقل عبارة الفقيه، و أنّ مؤلّفه عوّل في الحكم علىٰ رواية أبي الورد (3)، و أجاب بما قدّمناه، و لم يذكر الدليل علىٰ خلاف مضمون الرواية المحوج إلىٰ حملها علىٰ التجوز، و لعله اعتمد علىٰ معلومية ذلك.

و أمّا الإجمال من الجهة الثانية فلا يبعد أن يكون المراد فيه ما قدّمه،

____________

(1) المختلف 1: 207.

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

(3) المختلف 1: 207.

407

و الاعتماد عليه هو الموجب لعدم البيان.

و قد يقال عليه: إنّ الخبر الحسن دالّ علىٰ أنّ تأخير الصلاة عن وقتها إلىٰ وقت اخرىٰ يوجب قضاء تلك الصلاة مع عدم فعلها، فينافي ما سبق في رواية الفضل من اعتبار مضي أربعة أقدام، فإنّ وقت الصلاة الثانية قد يدخل قبل مضي الأربعة، فلا وجه لعدم تعرض الشيخ لذلك، و لعلّه اعتمد علىٰ تفصيله السابق، و إن كان في التحقيق أنّه لما ذكرناه غير موافق، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بالحقائق.

باب المرأة تحيض في يوم من أيّام شهر رمضان

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في المرأة يطلع الفجر و هي حائض في شهر رمضان فإذا أصبحت طهرت و قد أكلت ثم صلّت الظهر و العصر كيف تصنع في ذلك اليوم الذي طهرت فيه؟ قال: «تصوم و لا تعتد به».

و عنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن صفوان بن يحيىٰ، عن عيص بن القاسم البجلي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس قال: «تفطر حين تطمث».

عنه، عن الحسن بن علي الوشاء، عن جميل بن دراج و محمد ابن حمران، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أيّ

408

ساعة رأت المرأة الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت، و إذا (1) رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم و الليل (2)».

السند

في الأوّل: معدود من الموثق عند بعض الأصحاب، و فيه تأمّل قد قدّمنا وجهه.

و الثاني: ضمير «عنه» فيه راجع إلىٰ علي بن الحسن علىٰ الظاهر من الممارسة، و بقية الرجال المذكورين لا ارتياب في ثقتهم و جلالة شأنهم.

و ضمير «عنه» في الثالث كالثاني، و رجاله كذلك، و محمد بن حمران (3) لا يضرّ اشتراكه بين الثقة و غيره (4).

المتن:

في الأوّل: ظاهر الدلالة علىٰ أن الحائض إذا طهرت بعد طلوع الفجر و قد مضى جزء من النهار في الحيض و أكلت لا يعتدّ بصومها مع وجوب الإمساك، أمّا قوله: ثم صلت الظهر و العصر، فلا مدخل له في الحكم، و لا يفيد شيئاً لكونه من السائل. و قوله: فإذا أصبحت طهرت، كأنّ المراد به إذا اتضح الفجر، و يحتمل أن يراد به الفجر الأوّل من الطلوع و الفجر الثاني

____________

(1) في النسخ: و إن، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 146/ 499.

(2) في النسخ: و الليلة، و ما أثبتاه من الاستبصار 1: 146/ 499.

(3) في «فض» زيادة: من جهة أحمد بن عبدون و علي بن الزبير. و توجد هذه الزيادة في حاشية «رض» من دون إشارة إلىٰ موضعها.

(4) في حاشية «رض» يوجد هكذا: لا يتوجه أن ذكر ذلك لا وجه له لأنه معلوم، لأن الغرض التنبّه علىٰ الاشتراك فتدبّر. منه سلّمه اللّٰه تعالىٰ.

409

من الإصباح، و السؤال حينئذ عن الأكل بعد الطهر، و فيه ما لا يخفىٰ.

و الثاني: صريح الدلالة علىٰ أن الحيض موجب للإفطار.

و الثالث: كذلك، إلّا أن ألفاظه لا تخلو من حزازة و النقل بالمعنى، و لعل قوله: «الصائمة إذا طمثت» بيان للمرأة و الدم، يعني إن المرأة إذا كانت صائمة و حصل الدم من الطمث وجب الإفطار، لكن تقدير الكلام حينئذ يحتاج إلىٰ مزيد تكلّف، و الأمر سهل.

ثم إنّ الخبر الأوّل كما ترى يدل علىٰ أنّ وجود الدم في الجزء الأوّل من النهار ثم زواله يقتضي وجوب الصوم و عدم الاعتداد به، و الخبر الثاني يدل علىٰ أنّ حصول الطمث ابتداءً يوجب الإفطار، و كذلك الثالث، و التغاير في المدلول موجود، و العنوان مجمل، لكن التسديد ممكن بأن يراد عدم صحة الصوم مع الحيض إجمالًا و إن كان العنوان يفيد بظاهره غير مدلول الخبر الأوّل، و مثل هذا في كلام الشيخ كثير.

و ما تضمنه الثالث من قوله: «و إذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم و الليلة» محمول علىٰ غيره من الأخبار المفصّلة.

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل و تشرب، و إن عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل و لتعتد بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل و تشرب».

فهذا الخبر و هم من الراوي، لأنّه إذا كان رؤية الدم هو المفطر

410

فلا يجوز لها أن تعتد (بصوم) (1) ذلك اليوم، و إنّما يستحب لها أن تمسك بقية النهار تأديباً إذا رأت الدم بعد الزوال.

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط، عن محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال؟ قال: «تفطر، و إذا كان بعد العصر أو بعد الزوال فلتمض علىٰ صومها و لتقض ذلك اليوم».

السند

في الأوّل: تكرّر القول فيه.

و كذلك الثاني: إلّا أنّ محمد بن حمران فيه هو الثقة بقرينة رواية علي بن أسباط عنه كما يستفاد من النجاشي (2).

المتن:

في الأوّل: ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من غرابة، أمّا أوّلًا: فلأنّ الوهم من الراوي في مثل هذا لا وجه له، و إرادة غير معنىٰ الوهم مضر بحال الراوي، فإن كان الالتفات من الشيخ لردّ الخبر توهّم الراوي لا بالقدح فيه: فهو محل كلام، لأنّ اشتراط الضبط في الراوي يخالف ما قاله، إلّا أن يراد

____________

(1) أثبتناه من الاستبصار 1: 146/ 500.

(2) رجال النجاشي: 359/ 965.

411

بالوهم نادراً فلا يقدح في الضبط، و فيه: أنّ مثل هذا الحكم المستفاد من الرواية لا يتصور من الوهم النادر كما يعلم بالتأمّل؛ و إن كان التفات الشيخ إلىٰ القدح في الراوي، فليست عادة الشيخ في الردّ إلّا بعد العجز عن الحمل؛ و إن كان في الردّ بضعف السند تأمّل، لما عرف من الشيخ و غيره من المتقدّمين أنّ الاعتماد علىٰ الأخبار ليس من جهة الإسناد كما سلكه المتأخّرون.

و أمّا ثانياً: فقوله: إذا كان رؤية الدم هو المفطر، لا يصلح لإثبات و هم الراوي، فإنّ تعارض الأخبار في هذا الموضع و غيره لا يوجب احتمال الوهم، لدلالة بعض الأخبار علىٰ غير مدلول البعض الآخر.

و أمّا ثالثاً: فما ذكره من أنّه يستحب الإمساك تأديباً، إلىٰ آخره، إن أراد به الجمع بين الأخبار أمكن، إلّا أن الظاهر إيراده لإثبات الوهم، و إن أراد به إثبات الوهم مع أنّه وجه للجمع أشكل بأنّ الخبر المستدل به لا يدل علىٰ الغسل الوارد في الخبر الأوّل، و قد يمكن تسديد هذا بما لا يخفىٰ.

أمّا ما تضمنه الخبر الأوّل من الاعتداد بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل و تشرب فلا يخلو توجيهه من عسر، و لعلّ المراد بالاعتداد حصول ثواب الصوم، و قوله: «ما لم تأكل و تشرب» يراد به حينئذ أنّ ثواب الصوم الكامل ما لم تأكل و تشرب، و مع الأكل و الشرب لا يحصل الثواب الكامل.

و ما قد يقال: إنّ الرواية الأخيرة تدل علىٰ المضيّ في صومها و الأمر للوجوب، و مطلوب الشيخ الاستحباب، فله وجه، غير أنّي لم أعلم الآن القائل بالوجوب.

أمّا ما يستفاد من الرواية الاولىٰ في قوله: «ما لم تأكل و تشرب» من

412

أن الأكل و الشرب يقتضيان (1) عدم الاعتداد بالصوم فهو لا يخلو من إجمال، لأن الأكل و الشرب إن جاز فعلهما فلا وجه للاعتداد بالصوم، و إن لم يجز فعلهما لم يتم التعبير بقوله: «ما لم تأكل و تشرب» إلّا أنّ يقال: إنّ المراد ما لم تفطر، و علىٰ كل حال لا ينافي الإجمال ما قدمناه.

و غير بعيد أن يستفاد إرادة الاستحباب من قوله: «ما لم تأكل و تشرب» فيقال: إن المرأة المبحوث عنها في الرواية إذا اغتسلت و لم تأكل و لم تشرب حصل لها ثواب الصوم، و إن أكلت و شربت لم يحصل ذلك.

و لا يشكل بأنّ ترك الأكل و الشرب بعد فعلهما مستحب تأديباً، فيكون الثواب عليه حاصلا.

لإمكان أن يقال: إنّ الثواب الكامل مع عدم الأكل و الشرب، و كلام الشيخ كما ترى غير واف بتحقيق المقام.

و لا يخفىٰ ما في الحديث الأخير من قوله (عليه السلام): «بعد العصر أو بعد الزوال» من الخفاء في وجه ذكر الأمرين، و لعلّه يتضح بأدنى تأمّل.

باب المرأة الجنب تحيض عليها غسل واحد أم غسلان

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن إسماعيل، عن حماد بن عيسىٰ، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و هي جنب أجزأها غسل واحد».

____________

(1) في «رض» مقتضيان.

413

عنه، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أصاب من امرأته ثم حاضت قبل أن تغتسل قال: «تجعله غسلًا واحداً».

عنه، عن العباس بن عامر، عن حجاج الخشاب قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل وقع علىٰ امرأته فطمثت بعد ما فرغ أ تجعله غسلًا واحداً إذا طهرت أو تغتسل مرّتين؟ قال: «تجعله غسلًا واحداً عند طهرها».

السند

في الجميع تكرّر القول في رجاله، غير أنّ محمد بن إسماعيل في الأوّل مشترك بين الثقة و غيره (1)، و إن كان ليس بالبعيد: ابن بزيع، و لا فائدة هنا لتحقيق الأمر إلّا بتقدير كون الخبر من الموثّق و عمل به.

و ضمير عنه في الثاني إلىٰ علي بن الحسن، فإنّه الراوي عن علي بن أسباط بعض كتبه كما في النجاشي (2) (و هذا يؤنس بما أسلفناه في الباب السابق من رجوع ضمير «عنه» عن عبد الرحمن بن أبي نجران إلىٰ علىٰ بن الحسن) (3) (4).

و ضمير عنه في الثالث كذلك.

____________

(1) هداية المحدثين: 227 229.

(2) رجال النجاشي: 252/ 663.

(3) ما بين القوسين ليس في «رض».

(4) راجع ص 375.

414

المتن:

في الأخبار الثلاثة صريح في إجزاء غسل واحد، إلّا أنّ الواحد مجمل، فيحتمل أن يراد به أحد الغسلين إذا قصد يجزئ عن الآخر، و يحتمل أن يراد غسل واحد يكفي فيه القربة و يجزئ عنهما، لأنّها قدر مشترك، و فيه نوع تأمل يظهر ممّا نذكره، و يحتمل أن يراد بالواحد السابق سببه فيتعين و يجزئ عن اللاحق، و ترجيح أحد الاحتمالات لا يخلو من إشكال، و الاستدلال بالإطلاق علىٰ جواز الجميع لأنّ مفاد مثل هذا الإطلاق العموم لا يخلو من وجه لو صلحت الأخبار للاعتماد.

و الذي وقفت عليه في غير الكتاب من الروايات ما رواه الكليني في الحسن عن زرارة قال: «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة، و الجمعة، و عرفة، و النحر، و الحلق، و الذبح، و الزيارة، و إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها (1) غسل واحد» قال: ثم قال: «و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها، و إحرامها، و جمعتها، و غسلها من حيضها و عيدها (2)» (3). و قد رواها الشيخ في التهذيب من غير إضمار (4)، لكن في الطريق علي بن السندي، و لا ريب أنّ الإضمار لا يضر بالحال كما أسلفنا الوجه فيه (5)، غير أنّ حسنها يمنع من العمل بها عند من يتوقف عمله علىٰ الصحيح.

____________

(1) كذا في النسخ، و في المصدر: أجزأها عنك.

(2) في النسخ: أو عيدها، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) الكافي 3: 41/ 1، الوسائل 2: 261 أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

(4) التهذيب 1: 107/ 279.

(5) راجع ج 1 ص 72.

415

و قد نقل شيخنا (قدس سره) عن ابن إدريس في سرائره، أنّه ذكرها في جملة الأحاديث المنتزعة من كتب المشيخة، فنقلها من كتاب حريز، و قال نقلًا من الكتاب المذكور: و قال زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا اغتسلت» إلىٰ آخر الرواية (1).

ثم إنّ ابن إدريس ذكر أنّ كتاب حريز أصل معتمد، و هذا يقتضي صحة الرواية. و مفادها كما ترى تداخل الأغسال مع الاختلاف في الوجوب و الندب، و الحقوق في الخبر لا يبعد تناولها للمندوب، بل الظاهر من الرواية ذلك، و احتمال كونه كلاماً مستقلا لبيان تداخل الواجبة حيث إنّ السابق لتداخل الواجب و المندوب ممكن، إلّا أنّه خلاف الظاهر.

و ما قيل: من أنّ المراد بالواحد الوحدة النوعية. فالسياق يدفعه و الاعتبار الصحيح يمنعه، و لا يخفىٰ أنّ المستفاد من الرواية الاجتزاء (2) بغسل واحد علىٰ تقدير الاختلاف في الوجوب و الندب (3)، لا أنّ جميع المندوبات حاصلة مع غسل الجنابة، فإنّ غسل النحر و عرفة لا يجتمعان، و حينئذ فالمقصود في الخبر الاكتفاء بغسل واحد علىٰ تقدير التعدّد بأيّ وجه اتفق.

و يستفاد منه أنّ الاكتفاء بالغسل الواحد علىٰ تقدير وجوب الأغسال مع الاختلاف بطريق أولىٰ علىٰ قاعدة الأصحاب في مفهوم الموافقة، إلّا أنّ فيه بحثاً قدمناه، و لعلّ الأولىٰ الاستدلال علىٰ ذلك بالخبر من حيث قوله: «و إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق» إلىٰ آخره. و احتمال أن يكون المراد

____________

(1) المدارك 1: 195 و هو في مستطرفات السرائر: 75.

(2) في «فض»: الإجزاء.

(3) في «فض» زيادة: الجميع.

416

بالحقوق المذكورة في الرواية هي المجتمعة من الوجوب و الندب علىٰ تقدير صدق الحقوق علىٰ المندوبات كما يستفاد من ظاهر الخبر بعيد.

و من هنا يعلم أنّ قول شيخنا (قدس سره) بعد ذكر رواية زرارة: إنّها نصّ في المطلوب (1). محل بحث، فسيأتي إن شاء اللّٰه في باب غسل الأموات ما يدل علىٰ التداخل (2)، و إن كان فيه نوع كلام نذكره في محله إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و روى الصدوق في باب الصوم مرسلًا: إنّ من جامع في أوّل شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج من شهر رمضان عليه أن يغتسل و يقضي صومه و صلاته، إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة (3). و فيه تأييده.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للأصحاب اختلافاً في مسألة التداخل، و اضطراباً في الاستدلال، حيث ضويقوا من جهة القول بنيّة الوجه في العبادة، فقال بعض بالتداخل مطلقا (4). و قيل: إن نوىٰ الجميع أجزأ غسل واحد، و إن نوىٰ البعض اختص (5). قال في الذكرى: و من قال برفع المندوب الحدث فلا إشكال عنده في التداخل (6).

و في كلام بعض: إنّ الأغسال إذا كانت كلها واجبة فالمكتفي بالقربة قال بالتداخل، إذ المقصود رفع الحدث أو الاستباحة و هو شيء واحد، و من لم يكتف بالقربة و أوجب نيّة الرفع أو الاستباحة فصّل بأنّه إن نوىٰ

____________

(1) المدارك 1: 195.

(2) يأتي في ج 3 ص 328.

(3) الفقيه 2: 74/ 321.

(4) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 19، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 1: 79.

(5) انظر المعتبر 1: 361، 362.

(6) الذكرى 1: 205.

417

أحدهما فلا يخلو إمّا أن لا يعيّن رفع أحد الأحداث أو يعيّن، فإن كان الأوّل تداخلت، و إن كان الثاني فإن لم يكن معها غسل الجنابة أو كان و ساوىٰ غيره في عدم الوضوء كفىٰ عن الباقي، و إن اشترط الوضوء في غيره و كان المعيّن هو الجنابة أجزأ عن غيره عند بعض، و إن كان غيره هو المعيّن ففيه قولان، و قيل: هما احتمالان: الإجزاء لأنّه غسل صحيح نوىٰ به الاستباحة فيجزي، و العدم، لعدم تأثير الوضوء في غسل الجنابة، و توقف بعض (1).

و في مدارك شيخنا (قدس سره) أنّ الأظهر التداخل مع الاقتصار علىٰ نية القربة، و كذا مع ضم الرفع أو الاستباحة، يعني علىٰ تقدير أن تكون الأغسال كلها واجبة، ثم قال (قدس سره)-: و لو عيّن أحد الأحداث فإن كان المعيّن هو الجنابة فالمشهور إجزاؤه عن غيره، بل قيل: إنّه متفق عليه، و إن كان غيره ففيه قولان (2). انتهىٰ.

ثم علىٰ تقدير الاختلاف بالوجوب و الندب قيل: إن نوىٰ الواجب ارتفع حدثه، و في الإجزاء عن المندوب قولان: قول بالإجزاء للرواية، و قول بالعدم لاشتراط نيّة الوجه؛ و قرّب بعض صحة المندوب، لعدم اشتراط خلوّ المكلّف من الحدث الأكبر كما في غسل الإحرام للحائض (3)، و في الذكرى: الأقرب تفريعاً علىٰ القول بأنّ المندوب لا يرفع الحدث صحّته من كل محدث لحصول الغاية (4).

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) المدارك 1: 194.

(3) انظر المعتبر 1: 361.

(4) ذكرى الشيعة 1: 206.

418

و نقل عن المبسوط القول بعدم الإجزاء عن أحدهما (1).

و علىٰ تقدير نيّة الجميع قيل: بعدم الإجزاء، لاعتبار نيّة السبب، و تضادّ وجهي الوجوب و الندب، فإن نوىٰ الندب لزم عدم ارتفاع الحدث لعدم رفعه بالمندوب، و إن نوىٰ الوجوب لزم نيّة وجوب ما ليس بواجب، و إن نواهما لزم الجمع بين الضدّين و ترجّح أحدهما من غير مرجّح (2).

و يظهر من البعض إجزاء نيّة الوجوب عن الندب، لأنّ نيّة الوجوب تستلزم نيّة الندب، لاشتراكهما في رجحان الفعل، و لا يضر اعتقاد منع الترك لأنّه مؤكِّد (3).

و في نهاية العلّامة: لو نوىٰ المجنب رفع الحدث أو الاستباحة ترتفع جميع الأحداث و يجزئ عن جميع الأغسال الواجبة، و كذا لو نوىٰ الجنابة، ثم قال: و الأقوى عدم رفع الجنابة مع نيّة الحيض، لأنه أدون، ثم قال: يحتمل قوة الحيض لاحتياجه إلىٰ الطهارتين؛ و في النهاية أيضا: لو اجتمعت الأغسال المندوبة احتمل التداخل لقول، أحدهما (عليهما السلام): «إذا اجتمعت» إلىٰ آخره، فحينئذ يكتفىٰ بنيّة مطلقة (4).

و في المنتهىٰ قال بتداخل الأغسال المندوبة (5). و في الإرشاد نفىٰ التداخل (6)، و ظاهره الإطلاق، إلّا أنّ فيه احتمالًا يعرف من مراجعة عبارته.

و بالجملة: فالأقوال متكثرة في المسألة، و التوجيهات المنقولة إجمالًا

____________

(1) المبسوط 1: 40.

(2) انظر مختلف الشيعة 1: 156، روض الجنان: 18.

(3) انظر ذكرى الشيعة 1: 205.

(4) نهاية الإحكام 1: 112 113.

(5) منتهىٰ المطلب 1: 132.

(6) الإرشاد 1: 221.

419

لا تخلو من نظر في مواضع، و أظن أنّ الوجه في النظر منكشف.

و الذي يخطر في البال بعد ما قدمناه من جهة دلالة رواية زرارة أنّ التوقف في التداخل مطلقا لا وجه له، و الشك الذي حصل للبعض من جهة نيّة الوجه (1) يمكن دفعه بأنّ دليل وجوب نيّة الوجه الذي ذكره القائلون بذلك علىٰ تقدير تماميّته لا يمنع التخصيص بما دلّت عليه الرواية، و العقل لا يدفع مدلول الرواية لتكون مخالفة لدليل العقل فتطرح.

و ما عساه يقال: إنّ اجتماع الضدّين إذا كان محالًا فلا بدّ من عدم العمل بالرواية.

جوابه: أنّ التضادّ إنّما يتحقق لو اعتبرنا نيّة الوجه، و قد نفينا ذلك في الذي نحن فيه، فالإشكال من حيث نيّة الوجه أمره سهل.

غاية الأمر إنّ الحكم بالتداخل مع ثبوت أن كل سبب يقتضي وجوب مسبّبه، و التداخل خلاف الأصل محل بحث.

فإن قلت: قد ثبت في الأحكام الشرعية تعدّد الأسباب مع الاكتفاء بالمسبّب الواحد كالوضوء و الغسل إذا تعدّد سببهما مع الاتحاد نوعاً في الثاني كالجنابة مثلًا، و الأعم من ذلك كأسباب الوضوء.

قلت: لا ريب فيما ذكرت، إلّا أنّ الإجماع و غيره قد ثبت فيما ذكرت، و الكلام فيما فيه الخلاف.

و ليس لأحد أن يقول: إنّ المقصود من الشارع فعل الغسل بإجراء الماء علىٰ البدن بالنحو المقرّر، و هو حاصل بالغسل الواحد، كالوضوء علىٰ تقدير تعدّد السبب، و الغسل علىٰ تقدير الاتحاد النوعي.

____________

(1) انظر المعتبر 1: 361.

420

لإمكان الجواب بأنّ العلم بكون ما ذكر هو المقصود غير حاصل، و مجرّد الاحتمال لا يكفي في إثبات الحكم شرعاً.

و من هنا يعلم أنّ ما قاله شيخنا (قدس سره) في الاستدلال علىٰ التداخل مع كون الأغسال كلّها واجبة: بصدق الامتثال بالفعل، مضافاً إلىٰ رواية زرارة (1). محل بحث.

أمّا أوّلًا: فلأنّ تحقق الامتثال أصل المدّعىٰ، مضافاً إلىٰ معارضة أصالة عدم التداخل.

و أمّا ثانياً: فلأنّ الرواية فيها احتمال (2) أسلفناه لا تخلو معه من إشكال في الدلالة، مضافاً إلىٰ أن مورد الاستدلال علىٰ تقدير الاكتفاء بالقربة، و كذا مع ضم الرفع أو الاستباحة و الحكم في الرواية من جهة قوله: «و إذا اجتمعت» إلىٰ آخره، لا يختص بحالة القربة و الرفع أو الاستباحة، بل لو قلنا بنيّة الوجه كذلك.

نعم علىٰ تقدير اعتبار التعيين للسبب قد يتوقف في التداخل، و إن كان مدلول الرواية يتناوله أيضاً، إلّا أنّ يقال: إن الغسل الواحد في الرواية مجمل، فلا يتم الاستدلال بها مع الإجمال، و فيه: أنّ الإجمال هنا لا يضرّ بالحال، لأنّه من قبيل المطلق المفيد فائدة العموم، فيتناول الغسل الواحد الحاصل في ضمن الأغسال و غيره بأن يقصد به مجرّد القربة.

فإن قلت: أيّ فرق بين الغسل الحاصل في الضمن و بين غيره؟.

قلت: الفرق من حيث إنّ الحاصل في الضمن يقصد فيه التعيين (3)

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 194.

(2) في «رض» زيادة: ما.

(3) في «رض»: التعيّن.

421

بسبب السبب الخاص، و غيره لا يقصد فيه ذلك، فليتأمّل.

و ممّا يؤيّد التداخل مرسلة جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال: «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه ذلك اليوم» (1) و لا يبعد أن يكون المراد باللزوم في الخبر ما يتناول المندوب، بل ربما يدّعىٰ اختصاصه بالمندوب، كما يعرف من تأمّل الرواية.

أمّا الاستدلال علىٰ التداخل بما دل من الأخبار علىٰ أنّ غسل الجنابة و الحيض واحد فلا وجه له، لأنّ الظاهر من الأخبار الاتحاد في الكيفية.

و ما يوجد في كلام بعض: من أنّ الأغسال علىٰ تقدير الاجتماع لا تصير من قبيل تعدّد الأسباب بل هو سبب واحد، فالظاهر أنّ المراد به علىٰ تقدير العمل بالرواية الدالة علىٰ التداخل، و حاصل التوجيه أنّ ما يظن من تعدّد الأسباب يندفع باحتمال كون السبب واحداً، و أثر هذا هيّن، إلّا أن يقال: إنّ مراد القائل كون التداخل يجعل ثواب فعلين في فعل واحد.

و أنت خبير بأنّ غاية ما تدل عليه الرواية حصول الامتثال بغسل واحد، أمّا حصول ثواب فعلين بفعل واحد فإثباته مشكل.

نعم علىٰ تقدير اجتماع الواجب (و الندب كما هو مفاد الرواية صريحا في صدرها، يمكن أن يوجّه ما قيل، و لا يبعد أن يتكلّف التوجيه مع تعدد الواجب) (2) إلّا أنّ الفائدة قليلة.

و بالجملة: فالظاهر من الرواية إجزاء غسل واحد عن المأمور به، و إثبات ما عدا ذلك لا يخرج عن ربقة التكلّف.

____________

(1) الكافي 3: 41/ 2، الوسائل 2: 263 أبواب الجنابة ب 43 ح 2، بتفاوت يسير.

(2) ما بين القوسين ليس في «رض».

422

و من هنا يعلم أن ما قاله شيخنا (قدس سره) من أنّ معنىٰ تداخل الواجب و المستحب تأدّي إحدىٰ الوظيفتين بفعل الأُخرىٰ، كما تتأدّىٰ صلاة التحية بقضاء الفريضة، و صوم الأيّام المسنون صومها بقضاء الواجب (1). محل بحث، لأنّ مفاد الكلام يعطي فهم إرادة الغسل الواحد من أحد الأغسال، و قد عرفت إجمال الرواية عن إفادة هذا، بل فيها احتمال ظهور إرادة الإتيان بكيفيّة الغسل متقرّباً من دون التفات إلىٰ إحدىٰ الوظيفتين، فليتأمّل.

و العجب أنّه (قدس سره) قال بعد ما قدمناه: لظهور تعلّق الغرض بمجرّد إيجاد الماهيّة علىٰ أيّ وجه اتفق (2). فإنّ هذا الكلام لا يوافق أوّل الكلام من تأدّي إحدىٰ الوظيفتين بالأُخرىٰ.

و في المقام أبحاث سيأتي بعضها إن شاء اللّٰه في باب تغسيل الميت، حيث إنّ في أخبار الباب ما يتضمن التداخل في الجملة، فمن ثَم كان الأولىٰ التأخير إلىٰ بابه، و اللّٰه تعالىٰ أعلم بحقائق الأُمور.

[الحديث 4 و 5]

قال: فاما ما رواه علىٰ بن الحسن، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّٰه (و أبي الحسن) (3) (عليهما السلام) قالا في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة قال: «غسل الجنابة عليها واجب».

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين، أحدهما: أن نحمله علىٰ

____________

(1) المدارك 1: 196.

(2) المدارك 1: 196 الهامش رقم 6.

(3) ما بين القوسين ليس في «فض».

423

ضرب من الاستحباب. و الثاني: أن يكون ذلك إخباراً عن كيفيّة الغسل، لأنّ غسل الحائض مثل غسل الجنابة علىٰ السواء، فكأنّه قال: الذي يجب عليها أن تغتسل مثل غسل الجنابة، و لم يقل: إنّ غسل الجنابة واجب و يلزمها مع ذلك غسل الحيض، و الذي يكشف عمّا ذكرناه أوّلًا من الاستحباب:

ما رواه علي بن الحسن، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل، قال: «إن شاءت أن تغتسل فعلت، و إن لم تفعل فليس عليها شيء، فإذا طهرت اغتسلت غسلًا واحداً للحيض و الجنابة».

السند

في الأوّل: فيه عثمان بن عيسىٰ و قد قدّمنا حاله (1)، و أنّه لا وجه لعدّ حديثه من الموثّق إذا سلم غيره من رجال السند من منافيات الوصف بالموثق.

و الثاني: تكرّر القول فيه أيضا.

المتن:

لا يخفىٰ أنّ الظاهر من الأوّل كون الغسل من الجنابة واجب علىٰ الحائض، و هذا لا ينافي الاكتفاء بغسل واحد عن الجنابة و الحيض، إذ مفاد

____________

(1) راجع ج 1 ص 70 72.

424

الأخبار الأوّلة الاكتفاء بغسل واحد لا عدم وجوب الأغسال جميعها، و حينئذ لا مانع من وجوب الجميع و سقوط الواجب بفعل غسل واحد.

فما قاله الشيخ من الجمع، محل بحث:

أمّا أوّلًا: فلأنّ الاستحباب لا وجه له بعد التصريح بالوجوب، و إمكان حمله علىٰ ظاهره بما قلناه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ (1) الاستحباب علىٰ ما يأتي من الرواية المستدلّ بها يراد به استحباب غسل الجنابة حال الحيض، و كلام الشيخ أوّلًا يفيد استحباب غسل الجنابة مع غسل الحيض.

و ما عساه يقال: إنّ الرواية الأخيرة لا تأبىٰ (إرادة ما يفيده) (2) أوّل الكلام، إذ يجوز أن يكون المقصود بقوله: «إن شاءت أن تغتسل فعلت» بعد الطهر، و فعل غسل الحيض.

يمكن الجواب عنه: بأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في الرواية: «فإذا طهرت» خلاف ما ذكر.

و الحق أنّ كلام الشيخ أوّلًا مجمل، و إرادة مفاد الرواية غير بعيدة، فلا إشكال من هذا الوجه.

إنّما الإشكال بأنّ مفاد الأخبار السابقة الاجتزاء بغسل واحد، فعلى تقدير أن يراد أحد الأغسال أو غيرها بأن يوقع لا بقصد أحدها بل (3) لمجرّد الامتثال يحتمل الاستحباب في فعل غسل الحيض علىٰ تقدير قصد الجنابة بالغسل أوّلًا، و يحتمل الاستحباب في الجنابة علىٰ تقدير قصد غسل

____________

(1) في «رض» زيادة: الحمل علىٰ.

(2) في «رض»: إفادة ما يريده.

(3) ليست في «رض».

425

الحيض، إذ احتمال إرادة قصد غسل الحيض أوّلًا بخصوصه لا دليل عليه في المقام، و الرواية المستدل بها إنّما يقتضي ظاهرها ما قدّمناه، و القول به استحبابا لم أعلم مشارك الشيخ فيه الآن.

و أمّا الوجه الثاني من توجيه الشيخ فهو من الغرابة بمكان.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ مفاد الخبر الأوّل بظاهره أنّ غسل الجنابة واجب مع الحيض و قد عرفت ما ذكرناه، لكن إذا قلنا: بأنّ غسل الجنابة واجب لنفسه، فالمانع من إيقاعه حال الحيض غير معلوم إلّا من جهة عدم الصلاحية للرفع أو الاستباحة، و المطلوب منه الرفع.

و أنت خبير بأنّ ملاحظة الأمرين تقتضي الخروج عن الوجوب لنفسه، إلّا أن يقال: بأنّ معنىٰ الوجوب لنفسه عدم اختصاصه بحالة وجوب المشروط بالطهارة، و هذا لا ينافي اعتبار الصلاحية للدخول به في العبادة، و لم أقف علىٰ شيء شافٍ في تحقيق الحال بالنسبة إلىٰ تفسير الوجوب لنفسه.

و علىٰ الاحتمال الذي ذكرناه فالخبر (الأخير) (1) لا يخلو من دلالة علىٰ أن الغسل من الجنابة بتقدير الوجوب لنفسه موسّع حيث قال فيه (عليه السلام): «إن شاءت أن تغتسل فعلت، و إن لم تفعل فليس عليها شيء، فإذا طهرت اغتسلت غسلًا واحداً» فإنّ هذا يعطي لمن تأمّله أن غسل الجنابة لو قدّمته حال الحيض كفاها و يكون الغسل بعد الطهر للحيض، و لو لم تغتسل كفاها الغسل الواحد عن الأمرين، فينبغي تأمّل جميع ذلك، و إن كانت الثمرة بالنسبة إلىٰ عدم صحّة الروايتين قليلة، إلّا أن كلامنا علىٰ تقدير العمل.

____________

(1) في «رض»: الأوّل.

426

و قد نقل العلّامة في المختلف عن الشيخ أنّه قال: إذا اغتسل و نوى به غسل الجنابة دون غسل الجمعة أجزأه عنهما، و لو لم ينوِ غسل الجنابة و لا الجمعة لم يجز عن واحد منهما، و لو نوىٰ غسل الجمعة دون الجنابة لم يجز عن واحد منهما.

ثم قال العلّامة: و الوجه عندي أن نقول: إن كانت نيّة السبب شرطاً في الغسل لم يجزه غسل الجنابة عن الجمعة، لأنّه نوىٰ الجنابة خاصّة فلا يقع عن غيره فيبقىٰ في العهدة، و إن لم تكن شرطاً فإذا نوىٰ غسلًا مطلقاً و نوى الوجوب أو الندب أجزأ عن الجنابة إن نوىٰ الوجوب، و عن الجمعة إن نوىٰ الندب، قال: و قوله يعني الشيخ-: إنّه لا يجزيه عن الجمعة. غير معتمد، بل الوجه أنّه يقع عن الجمعة، لنا أنّه نوىٰ غسلًا مندوباً و يصح منه إيقاعه، فيكون صحيحا كغيره من العبادات الواقعة علىٰ الوجه المطلوب.

و حكىٰ العلامة احتجاج الشيخ لما قاله بأنّ غسل [الجمعة (1)] إنّما يراد للتنظيف و زيادة التطهير، و من حيث هو جنب لا يصح منه ذلك، و أجاب بالمنع من الغاية التي ذكرها و هي زيادة التطهير إن عنىٰ به رفع الحدث، و إن أراد به النظافة فهو مسلّم، لكنه يصحّ من الجنب كما يصحّ غسل الإحرام من الحائض (2). انتهىٰ.

و لقائل أن يقول: إنّ الكلام من الشيخ و العلّامة بعد ورود خبر زرارة لا يخلو من غرابة، و كذلك (3) عدم التفات العلّامة إلىٰ نقله في المسألة،

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ، الجنابة، و الصحيح ما أثبتاه من المصدر.

(2) المختلف 1: 156 و 157 و هو في الخلاف 1: 221 و 222.

(3) في «فض»: و لذلك.

427

و قوله: إن كانت نيّة السبب شرطاً، إلىٰ آخره، فيه: أنّ نيّة السبب (1) قد دلّ الدليل و هو الخبر الدال علىٰ التداخل بإطلاقه علىٰ عدم ضرورتها بالحال لو وقعت.

و ما قاله من جهة غسل الجمعة في الاستدلال: من أنّه نوىٰ غسلًا مندوباً، إلىٰ آخره، ليس علىٰ ما ينبغي، فإنّ ثبوت الندبيّة في حال الحيض مصادرة، بل الأولىٰ الاستدلال بالعمومات الدالّة علىٰ استحباب غسل الجمعة المتناولة لحالة الحيض و غيره.

أمّا ما أجاب به عن حجة الشيخ فهو موجّه.

باب مقدار الماء الذي تغتسل به الحائض

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن المثنىٰ الحناط (2)، عن الحسن الصيقل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الطامث تغتسل بتسعة أرطال من ماء».

و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحائض ما بلغ من (3) بلل الماء من شعرها أجزأها».

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب بن يزيد،

____________

(1) في «فض» زيادة: بها.

(2) في الاستبصار 1: 147/ 507: الخيّاط.

(3) ليست في الاستبصار 1: 148/ 508.

428

عن محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحائض كم يكفيها من الماء؟ فقال: «فرق».

فهذا الخبر و الخبر الأوّل محمولان علىٰ الإسباغ و الفضل، و الخبر الثاني علىٰ الإجزاء دون الفضل.

السند

في الأوّل: فيه المثنىٰ الحنّاط، و الموجود في الرجال المثنىٰ (1) بن عبد السلام، و قد نقل الكشي عن محمد بن مسعود عن علي بن الحسن أنّه قال: إن المثنىٰ بن عبد السلام حنّاط لا بأس به (2). و في الرجال أيضا المثنىٰ ابن الوليد الحنّاط ذكره النجاشي (3)، و الشيخ في الفهرست من غير توثيق و لا مدح (4). و العلّامة في الخلاصة ذكر المثنىٰ بن الوليد، و قال عن الكشي ما نقلناه في ابن عبد السلام (5)، و لا يخلو من غرابة.

و لعلّ العلّامة ظن الاتحاد في ابن عبد السلام و ابن الوليد (6)، و الحال أنّ النجاشي ذكرهما (7)، و اعتماد العلّامة علىٰ النجاشي في الخلاصة كما يظهر من الملاحظة، و علىٰ كل حال فالمثنّىٰ قد عرفت حقيقته.

____________

(1) كما في رجال النجاشي: 415/ 1107، و رجال بن داود: 158/ 1259، و خلاصة العلّامة: 168/ 1.

(2) رجال الكشي 3: 629/ 623.

(3) رجال النجاشي: 414/ 1106.

(4) الفهرست: 167/ 736.

(5) خلاصة العلّامة: 168/ 2.

(6) خلاصة العلّامة: 168/ 1، 2.

(7) رجال النجاشي: 414/ 1106، 415/ 1107.

429

و أمّا الحسن الصيقل فالموجود في الرجال الحسن بن زياد الصيقل ذكره الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام)، و كذلك ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) (1)، و هو مهمل في الموضعين.

و ما يوجد في كلام المتأخّرين: من أنّ الحسن بن زياد العطار الثقة هو الصيقل. لا أعلم وجهه، و في بعض الأسانيد أبو القاسم الصيقل، و في بعضها أبو إسماعيل.

و ذكر شيخنا المحقق أيّده اللّٰه في كتاب الرجال أنّ هذا يؤيّد عدم الاتحاد مع العطّار (2). و لم يظهر لي وجه ذلك.

نعم ذكر الشيخ في كتابه: أنّ كنية الحسن بن زياد الصيقل أبو الوليد (3). و هذا ربما يقتضي المغايرة للموجود في الأسانيد.

و الثاني: ليس فيه ارتياب.

و الثالث: كذلك، إلّا من جهة محمد بن الفضيل، فإنّه مشترك بين الثقة و غيره (4)، و ربما يظن عدم الاشتراك، بل هو من المهملين أو ضعيف، لأنّ الثقة من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و يعقوب بن يزيد من أصحاب الرضا و الجواد (5) (عليهما السلام) و الأمر سهل. و لا يخفىٰ تأييد السند لما قدّمناه: من أنّ يعقوب بن يزيد يروي عنه محمد بن علي بن محبوب، فالإطلاق في الاسم ينصرف إليه في الظاهر.

____________

(1) رجال الطوسي: 115/ 20، 166/ 13.

(2) منهج المقال: 99.

(3) رجال الطوسي: 183/ 299.

(4) هداية المحدثين: 249.

(5) ليست في «رض».

430

المتن:

ما ذكره الشيخ من أنّ الخبر الثاني محمول علىٰ الإجزاء كأنّه لظنّ المنافاة.

و قد يقال: إنّه لا ينافي مضمون الخبرين، لأنّ مورده بيان الاكتفاء في غَسل الشعر بوصول البلل من الماء إليه، و هذا يجامع كثرة الماء و قلّته.

و لا يخفىٰ أنّ الظاهر من الخبر ما ظنّه الشيخ، غير أنّه كان عليه أن يبيّن الوجه في مدلول الأوّل و الأخير لما تسمعه من تفسير الفرق، و لعلّ التفسير لو تحقق لحمل علىٰ الأكمل.

و قد يشكل بأنّ الظاهر من قوله: كم يكفيها؟ أنّه لبيان أقلّ المجزي، و مقام الاستحباب واسع الباب.

اللغة:

قال في القاموس: الفرق مكيال المدينة يسع ثلاثة آصُعٍ، و يحرّك و هو أفصح، أو يسع ستّة عشر رطلًا أو أربعة أرباع، و الجمع فُرقان (1). و في النهاية: الفَرَق بالتحريك مكيال يسع ستّة عشر رطلًا، و هي اثنىٰ عشر مدّاً، أو ثلاثة آصُع عند أهل الحجاز، و قيل: الفَرَق خمسة أقساط، و القسط نصف صاع، فأمّا الفَرْق بالسكون فمائة و عشرون رطلًا (2). و لا يخفىٰ أن التفسير بالنصف صاع أقرب إلىٰ مدلول الخبر، نظراً إلىٰ ما قدّمناه من لفظ: يكفيها، و علىٰ هذا لا يتمّ إطلاق الشيخ إلّا علىٰ أنّ النصف صاع زائد علىٰ

____________

(1) القاموس المحيط 3: 283، 284.

(2) النهاية لابن الأثير 3: 437.

431

ما يجزئ في الغسل، و حينئذ يكون الصاع أكمل، بعكس التفسير الآخر للفرق.

باب في أنّ (1) الحيض و العدّة إلىٰ النساء

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين ابن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن جميل بن دراج، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «العدّة و الحيض إلىٰ النساء».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسىٰ، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال: «كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى علىٰ ما ادّعت، فإن شهدن فصدّقت و إلّا فهي كاذبة».

فالوجه في الجمع بينهما أنّ المرأة إذا كانت مأمونة قُبِل قولها في الحيض و العدّة، و إذا كانت متّهمة كلّف نسوة غيرها علىٰ ما تضمنه الخبر.

السند

في الأوّل: واضح بعد ما قدّمناه.

____________

(1) في الاستبصار 1: 148 لا يوجد: أنّ.

432

و الثاني: فيه إسماعيل بن أبي زياد، و هو مشترك بين العامي المشهور و بين ثقة (1)، و لا يبعد أن يكون هو العامي، لظاهر الرواية عن علي بهذا النحو، و قد يوجد رواية الثقة بهذا النحو أيضاً، لكنه نادر.

المتن:

في الأوّل: يدل بظاهره علىٰ قبول قول المرأة في العدّة سواء في ذلك الحيض و الأشهر، و كذلك في الحيض فيحرم علىٰ الزوج وطؤها بمجرّد قولها، و كذلك سائر ما يتوقف علىٰ الطهر، و قد استدل بعض الأصحاب علىٰ ما قلناه بالرواية.

ثم إنّ متنها المذكور هو الموجود في التهذيب و الكتاب، و في التهذيب أسنادها عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن جميل ابن دراج، عن زرارة (2).

و روى الشيخ في كتاب الطلاق من التهذيب عن محمد بن يعقوب، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «العدة و الحيض للنساء إذا ادّعت صدّقت» (3) و لا يبعد أن يكون الرواية واحدة، و لفظ: «إذا ادّعت صدّقت» ساقط منها، و لا ريب في وضوح الدلالة مع الزيادة علىٰ قبول قول المرأة في الحيض و العدّة.

و أمّا الثاني: فالذي يظهر منه أنّ الوجه في عدم قبول قولها بمجرّد ادّعاء خلاف الغالب من النساء، و حينئذ يقيّد إطلاق الأُولىٰ علىٰ تقدير

____________

(1) هداية المحدثين: 180.

(2) التهذيب 1: 398/ 1243، الوسائل 2: 358 أبواب الحيض ب 47 ح 2 ذ. ح.

(3) التهذيب 8: 165/ 575، الوسائل 2: 358 أبواب الحيض ب 47 ح 1.

433

العمل بالثانية بما لا ينافي الغالب من عادات النساء، فما ذكره الشيخ من التهمة و كونها مأمونة لا يخلو من نظر بعد احتمال ما ذكرناه و إن أمكن إرجاعه إلىٰ ما قلناه بتقريبٍ ما.

و ذكر بعض الأصحاب أنّ قبول قول المرأة في العدّة و الحيض إنّما يقبل في الزمان المحتمل و إن بعد (1). و كأنّ الوجه فيه ما ذكرناه، إلّا أنّ قوله: و إن بعد. لا يلائمه، و سيأتي إن شاء اللّٰه القول في ذلك في بابه.

و ينبغي أن يعلم أن بعض الأصحاب استدل علىٰ قبول قول المرأة في الحيض بقوله تعالىٰ «وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ» (2) و وجّه الاستدلال بأنّه لولا وجوب القبول لما حرم الكتمان؛ و اعترض عليه بالمنع من الملازمة، و لعلّ لتكليفها بإظهار ذلك ثمرة لا نعلمها، كما يجب علىٰ الشاهد عدم كتمان الشهادة و إن علم عدم قبول الحاكم لها (3).

و في نظري القاصر أنّ الآية تحتمل احتمالًا ظاهراً أن يراد بما خلق اللّٰه في أرحامهنّ من الولد.

باب الاستظهار للمستحاضة

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين ابن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم، عن أبان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المستحاضة تقعد أيّام

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) البقرة: 228.

(3) الشيخ البهائي في الحبل المتين: 52.

434

قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإن هي رأت طهراً اغتسلت، و إن هي لم تَرَ طهراً اغتسلت و احتشت فلا تزال تصلّي بذلك الغسل حتى يظهر الدم علىٰ الكرسف، فإذا (1) ظهر (2) أعادت الغسل و أعادت الكرسف».

عنه، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تحيض ثم تطهر و ربما رأت بعد ذلك الشيء (3) من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها فقال: «تستظهر بعد أيّامها بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم تصلّي».

سعد بن عبد اللّٰه (عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ) (4) عن أبي جعفر، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الحائض كم تستظهر؟ فقال: «تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الطامث كم حدّ جلوسها؟ فقال: «تنتظر عدّة ما كانت تحيض ثم تستظهر بثلاثة أيّام ثم هي مستحاضة».

السند

في الأوّل: القاسم، و هو علىٰ الظاهر أنّه ابن محمد الجوهري، و قد تكرر القول فيه (5).

____________

(1) في «رض»: فإن.

(2) في الاستبصار 1: 149/ 512 زيادة: الدم.

(3) ليست في «فض».

(4) ما بين القوسين ليس في الاستبصار 1: 149/ 514.

(5) راجع ص 117 116 و ج 1 ص 173، 270.

435

و إسماعيل الجعفي يحتمل أن يكون ابن جابر، و في رجال الصادق (عليه السلام) من كتاب الشيخ: إسماعيل بن حازم (1) الجعفي (2). لكن الرواية كما ترى عن أبي جعفر (عليه السلام) فاحتماله منتف، نعم في رجال الباقر (عليه السلام) من كتاب الشيخ: إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي (3). و ليس بثقة، و احتماله قائم.

ثم إنّ إسماعيل بن جابر وثّقه الشيخ في كتاب الرجال (4)، و النجاشي ذكره من غير توثيق (5)، و الكشي ذكر فيه ما يقتضي الذم (6). إلّا أنّها مدفوعة بما ذكره شيخنا أيّده اللّٰه في كتاب الرجال (7)، أما ما في بعض نسخ كتاب الشيخ من الخثعمي بدل الجعفي (8)، و كذلك نقله ابن داود عن كتاب الشيخ (9) فالاعتبار يقتضي أنّ الصحيح الجعفي، و الخثعمي تصحيف.

و الثاني: فيه عثمان بن عيسىٰ، و ضمير «عنه» راجع إلىٰ الحسين بن سعيد، كما صرح به في التهذيب (10) (11)، و سعيد بن يسار ثقة (12).

و أمّا الثالث: فلا يخلو من تشويش علىٰ ما رأيناه من النسخ، و لا يبعد أن يكون لفظ «عن» في قوله: عن ابن أبي نصر. زائدة،

____________

(1) في «رض»: جابر.

(2) رجال الطوسي: 147/ 97.

(3) رجال الطوسي: 104/ 15، و كذا في أصحاب الصادق (عليه السلام): 147/ 84.

(4) رجال الطوسي: 105/ 18.

(5) رجال النجاشي: 32/ 71.

(6) رجال الكشي 2: 450/ 349 و 350.

(7) منهج المقال: 56.

(8) رجال الطوسي: 105/ 18، 147/ 93.

(9) رجال ابن داود: 50/ 179.

(10) التهذيب 1: 172/ 490.

(11) في «فض» زيادة: و غيره.

(12) وثّقه النجاشي في رجاله: 181/ 478.

436

و الصحيح عن أبي جعفر ابن أبي نصر، أو أنّ الأصل عن أحمد بن محمد ابن عيسىٰ أبي جعفر، و يحتمل أن يكون المراد بأبي جعفر الجواد (عليه السلام)، و الواو ساقطة قبل عن ابن أبي نصر، و لا يخلو من بُعدٍ بَعد التأمّل في مساق الرواية.

و الرابع: فيه محمد بن خالد و أظنه البرقي، و فيه كلام (1)، و احتمال غيره بعيد؛ و محمد بن عمرو بن سعيد هو ابن الزيّات الثقة.

المتن:

في الأوّل: ظاهر في أنّ المراد بقوله: «فإن هي رأت طهراً اغتسلت» أن يراد بالطهر النقاء من الدم بالكلية، كما يدل عليه قوله: «و إن لم تر طهراً اغتسلت» إلىٰ آخره، فإنّ هذا يقتضي وجود الدم، و يحتمل أن يراد بالطهر عدم دم الحيض إلّا أنّ التأمّل فيما ذكرناه يدفعه.

أما قوله: «و إن هي لم تر طهراً اغتسلت» فالظاهر أنّ المراد بالغسل غسل الحيض، كما يدل عليه قوله: «فلا تزال تصلّي حتى يظهر الدم علىٰ الكرسف» إلىٰ آخره.

و هذا يدل أيضاً علىٰ أنّ مجرّد الظهور علىٰ الكرسف يوجب الغسل، لكنه مجمل بالنسبة إلىٰ أنّ إعادة الغسل محتملة لما يقوله القائلون بالمتوسطة، و لما يقوله النافون لها و جعل هذا النوع من الكثيرة، إلّا أنّه لا يخفىٰ عدم الانطباق علىٰ القولين في ظاهر الحال، لأنّ المتوسطة في كلام القائلين وقع التعبير بغسل الغداة لها، و الكثيرة وقع التعبير بثلاثة أغسال.

____________

(1) ينشأ من قول النجاشي فيه: و كان ضعيفاً في الحديث. رجال النجاشي: 335/ 889.

437

و الحق ما قدّمناه من جهة المتوسطة، و أمّا الكثيرة فعلى تقدير إرادة وقت الصلاة كما قدّمنا إليه الإشارة، فالحديث لا يأبىٰ الرجوع إلىٰ ذلك، غاية الأمر أنّه مطلق بالنسبة إلىٰ عدم ذكر أوقات الصلاة، و لو لا ضعف الحديث لأمكن زيادة القول فيه، و المهمّ ما ذكرناه.

و الثاني: دالّ بتقدير العمل به علىٰ أن وجود الدم الرقيق بعد الاغتسال يقتضي الاستظهار، لكنّه من كلام السائل، فلا يفيد حكماً، و توهّم تقرير الإمام (عليه السلام) واضح الردّ.

و في صحيح الأخبار في التهذيب ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة فإن خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل، و إن لم تر شيئاً فلتغتسل، و إن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضّأ و لتصلّ» (1).

و قد ذكرت في حاشية التهذيب كلاماً في الحديث، و الملخّص منه أنّ الظاهر من قوله: «و إن لم تر شيئاً» إرادة الدم بقرينة قوله أوّلًا: «شيء من الدم» و كذلك قوله بعد: «و إن رأت بعد ذلك صفرة» و علىٰ هذا لا حاجة إلىٰ تكلّف الجمع بينه و بين ما دل علىٰ الاستظهار.

فإن قلت: حاصل ما ذكرت أن المرأة إذا رأت دم الحيض فلا تغتسل، و إن لم تر دم الحيض اغتسلت، و هذا ينافي ما دل علىٰ الاستظهار، فإنّه لا يشترط فيه عدم دم الحيض، كما يستفاد من خبر ابن نعيم السابق و غيره من الأخبار، كما يعلم من مراجعة التهذيب.

قلت: ليس الأمر كما ذكرت، بل (2) المقصود هنا إمكان حمل

____________

(1) التهذيب 1: 161/ 460، الوسائل 2: 308 أبواب الحيض ب 17 ح 1.

(2) ليست في «فض».

438

الحديث علىٰ ما لا ينافي جواز الاستظهار، فإنّ الأمر بالغسل في الحديث يقتضي عدمه، و إذا حمل علىٰ عدم الدم تم الحديث في عدم المنافاة للاستظهار، لا أنّ عدم الدم يوجب الغسل من غير استظهار، و ما قلته من أنّ المراد دم الحيض هو الموجب للإشكال.

نعم قد حكىٰ العلّامة في المختلف عن الشيخ أنّه قال: إذا انقطع الدم عن ذات العادة و كانت عادتها دون عشرة أيّام أدخلت قطنة، فإن خرجت نقيّة فقد طهرت و وجب عليها الغسل، و إن خرجت ملوّثة بالدم استظهرت بيوم أو يومين في ترك العبادة، و نقل عن ابن إدريس أنّه لا استظهار مع الانقطاع، بل إنّما يكون مع وجود الصفرة و الكدرة.

ثم إنّ العلّامة استدل علىٰ مختاره و هو قول الشيخ برواية محمد ابن مسلم المنقولة هنا من التهذيب، و رواية ابن أبي نصر المذكورة في الكتاب، و حكىٰ عن ابن إدريس الاحتجاج لقوله بأن الأصل وجوب العبادة، و أجاب العلّامة بأنّ الأصل براءة الذمة (1).

و في نظري القاصر أنّ الكلام أوّلًا و آخراً لا يخلو من نظر، أما الأوّل: فلأنّ الظاهر من كلام الشيخ المنقول أنّ خروج القطنة ملوّثة بالدم يقتضي الاستظهار، و كلام ابن إدريس مفاده أنّه لا استظهار مع الانقطاع، بل مع وجود الصفرة و الكدرة، و هذا كما ترى لا يقتضي المخالفة بين الكلامين إلّا من حيث ذكر ابن إدريس الصفرة، فكأن العلّامة ظنّ أن قول الشيخ يفيد كون الاستظهار مع الدم، و بدونه لا استظهار، و مع الصفرة لا دم فلا استظهار.

____________

(1) المختلف 1: 199.

439

و أنت خبير بأنّ الصفرة لا تنافي الدم، بل الدم ينقسم إلىٰ الأصفر و غيره، إلّا أن يقال: مع إطلاق الدم إنّما يراد غير الأصفر، و فيه ما لا يخفىٰ.

و أما الثاني: فلأن استدلال العلّامة بالرواية إن كان المراد إثبات الاستظهار مع وجود الدم فالرواية غير مقيّدة بالدم، بل الظاهر من قوله: «و إن لم تر شيئاً» نفي الدم بجميع صفاته، و لو حملت الرواية علىٰ أنّ الدم إذا وجد اقتضىٰ الاستظهار، و إن لم يوجد انتفىٰ، سواء كانت الصفرة أو لا زاد الإشكال بأنّ الظاهر من الدم دم الحيض، و اللازم حينئذ أنّه مع وجود دم الحيض تحقق الاستظهار، و مع عدم دم الحيض لا استظهار، و الحال أنّ القائل بهذا غير معلوم، و الأخبار المعتبرة لا تساعد عليه، بل تدل علىٰ نفيه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ احتجاج ابن إدريس لا أدري موافقته لدعواه، فإن الظاهر منها أنّه لا استظهار مع انقطاع الدم أصلًا، بل هو مع الصفرة و الكدرة، و الاستدلال حينئذ بأنّ الأصل وجوب العبادة إن أراد به مع عدم الصفرة و الكدرة كما هو ظاهر دعواه فالجواب من العلّامة بأنّ الأصل براءة الذمّة غير تامّ، لأن العلّامة قائل بعدم الاستظهار، فكيف يقول بالأصل المذكور؟ و إن أراد ابن إدريس غير ما ذكرناه فلا وجه له.

و بالجملة: فكلام العلّامة مجمل المرام علىٰ ما أظنّه، و لا يبعد أن يكون التفات العلّامة إلىٰ ما تضمنه الرواية من قوله: «و إن رأت بعد ذلك صفرة» فإنّ ظاهر هذا أنّ ما سبق إنّما كان دماً و لا يكون الصفرة دماً، و أنت خبير بما في هذا من التأمّل، علىٰ أنه يبقىٰ الإشكال في الاستدلال منه و من ابن إدريس، فليتأمّل.

و ينبغي أن يعلم أنّ الخبر الأخير دال علىٰ أنّ المرأة بعد الاستظهار

440

مستحاضة، و الخبر و إن لم يكن صالحاً للاعتماد عند بعض، إلّا أنّ له مؤيّدات دالّة علىٰ مدلوله، متطابقة الدلالة علىٰ أنّ ما بعد أيّام الاستظهار استحاضة، و ما يوجد في كلام المتأخّرين: من أنّ الدم إن انقطع علىٰ العشرة فالجميع حيض، و إن تجاوز فالعادة حيض فقط (1). لم أقف الآن علىٰ خبر صحيح يتضمنه.

و الوالد (قدس سره) كثيراً ما كان يقول ذلك، و يبني عليه إشكالات في مواضع أهمّها: الحج، و سيأتي إن شاء اللّٰه ذكر ما لا بدّ منه فيه.

و إذا تمهّد جميع ما ذكرناه، فليعلم أنّ للأصحاب اختلافاً في أن الاستظهار هل هو علىٰ سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فالموجبون (2) استدلوا بظواهر الأخبار الوارد فيها الأمر كصحيح محمد بن مسلم (3)، و القائلون بالاستحباب جمعوا بين الأخبار المشار إليها و غيرها مثل قوله (عليه السلام): «تحيّضي أيّام أقرائك» بالحمل علىٰ الاستحباب (4).

و قد يقال: إنّ ما دلّ علىٰ أنّ التحيّض لا يكون إلّا أيّام الأقراء غير موجود، و الأمر بالتحيّض أيّام الأقراء لا ينافي التحيّض في غيرها بدليل.

أو يقال: إنّ التحيّض أيّام الأقراء علىٰ الإطلاق، و أمّا غيرها فله شروط، و مثل هذا يصلح وجهاً للجمع.

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: 74.

(2) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 24، و في الجمل و العقود (الرسائل العشر): 163 و منهم ابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 149.

(3) المتقدم في ص 402.

(4) منهم المحقق في المعتبر 1: 215، و جامع المقاصد 1: 332، روض الجنان: 73. وسائل الشيعة 2: 288 أبواب الحيض ب 8 ح 3، الفروع من الكافي 3: 83/ 1، التهذيب 1: 381/ 1183.

441

نعم في صحيح معاوية بن عمار: «المستحاضة تنتظر أيّامها فلا تصلّ فيها و لا يقربها بعلها، فإذا جازت أيّامها و رأت دماً يثقب الكرسف اغتسلت» إلىٰ آخره (1). و هذا له نوع دلالة علىٰ عدم الوجوب، و احتمال القول فيه واسع المجال (2).

و ممّا يؤيّد الوجوب النهي عن الاغتسال في خبر محمد بن مسلم السابق نقله (3).

غير أنّ الحقّ رجحان الاستحباب، لثبوت التعارض، و قد ذكرت ما لا بد منه في حاشية التهذيب أيضا.

و ما يوجد في كلام بعض الأصحاب من أنّا إذا قلنا باستحباب الاستظهار، و اختارت فعل العبادة، ففي وصفها بالوجوب إشكال، لجواز تركها لا إلىٰ بدل، و لا شيء من الواجب كذلك (4). فقد قدمنا في هذا الكتاب كلاماً يصلح أن يكون جوابا (عن هذا) (5) و هو أنّ المستحب في الاختيار، فلو اختارت الطهر كانت العبادة (6) واجبة، و لا بعد فيه، هذا.

و لا يخفىٰ أنّ مفاد الأخبار المبحوث عنها كون الاستظهار بيوم أو يومين كما في الأوّل، و بيوم أو يومين أو ثلاثة كما في الثاني و الثالث، و بثلاثة كما في الرابع، و المنقول عن الشيخ في النهاية الاستظهار بيوم أو

____________

(1) التهذيب 1: 170/ 484، وسائل الشيعة 2: 371 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.

(2) ليست في «رض».

(3) في ص 402.

(4) مدارك الأحكام 1: 334.

(5) ما بين القوسين ليس في «رض».

(6) في «رض» و «د»: الصلاة.

442

يومين (1)، و كذلك عن ابن بابويه (2) و المفيد (3). و عن الجمل: أنّ القطنة إذا خرجت فهي بعد حائض تصبر حتى تنقىٰ (4). و عن المرتضىٰ في المصباح إلىٰ عشرة أيام (5). و قد عرفت دلالة الأخبار و صحة بعضها لا يخفىٰ بعد الاعتبار، و سيأتي ما يصلح دليلًا لبعض الأقوال. و علىٰ اللّٰه سبحانه الاتكال.

اللغة:

الاستظهار قال في المعتبر: هو طلب ظهور الحال في كون الدم حيضاً أو طهراً (6).

[الحديث 5 و 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن محمد ابن عمرو بن سعيد الزيات، عن يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاوز وقتها متى ينبغي لها أن تصلّي؟ قال: «تنتظر عدّتها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيّام، فإن رأت الدم دماً صبيباً فلتغتسل في كل وقت صلاة».

فالوجه في قوله (عليه السلام): «تستظهر بعشرة أيّام» أن نحمله علىٰ أنّ المعنىٰ إلىٰ عشرة أيّام، لأنّ ذلك أكثر أيّام الحيض، و إنّما يجب

____________

(1) حكاه عنه في المعتبر 1: 214، و هو في النهاية: 24.

(2) حكاه عنه في المعتبر 1: 214.

(3) حكاه عنه في المعتبر 1: 214.

(4) الجمل و العقود (الرسائل العشر) 163.

(5) نقله عنه في المعتبر 1: 214.

(6) في «فض»: زيادة: و علىٰ اللّٰه سبحانه الاتكال.

443

الاستظهار بيوم أو يومين إذا كانت العادة دون ذلك.

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني به الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن موسى بن الحسين (1)، عن أحمد ابن هلال، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في المرأة ترى الدم فقال: «إن كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، و إن كانت أيّامها عشرة لم تستظهر».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن داود مولى أبي المغراء، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة تحيض ثم يمضي وقت طهرها و هي ترى الدم، فقال: «تستظهر بيوم إن كان حيضها دون عشرة] (2) أيّام، و إن استمرّ الدم [بعد العشرة (3) فهي مستحاضة، فإن (4) انقطع الدم اغتسلت و صلّت».

السند

في الأوّل: موثق بيونس بن يعقوب (5).

و الثاني: فيه موسى بن الحسين كما ترى، و في التهذيب موسى بن

____________

(1) في الاستبصار 1: 150/ 517: الحسن.

(2) في النسخ: العشرة، و ما أثبتناه من الإستبصار 1: 150/ 518.

(3) ما بين المعقوفين ليس في النسخ، أثبتناه من الإستبصار 1: 150/ 518.

(4) في النسخ: و إن، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 150/ 518.

(5) فإنه فطحي ثقة، انظر رجال الكشي 2: 682/ 720، و رجال النجاشي: 446/ 1207.

444

الحسن (1) و هو الظاهر، لأنّ موسى بن الحسين غير موجود في الرجال، و إن كان هذا لا يضرّ بالحال كما لا يخفىٰ.

ثم إنّ موسى بن الحسن مشترك بين رجلين، أحدهما ثقة و الراوي عنه الحميري، و هو في مرتبة سعد بن عبد اللّٰه، و الآخر لم أعلم زمانه و ليس بثقة (2).

و أحمد بن هلال قد تقدم القول فيه (3)، و أنّ الشيخ ضعّفه (4) و فيه مع ما ذكر الإرسال.

و الثالث: فيه مع الإرسال داود مولى أبي المغراء، و لم أره الآن في الرجال.

المتن:

في الأوّل: ظاهر الدلالة علىٰ ما يقوله المرتضىٰ رضى الله عنه بعد إرادة الاستظهار إلىٰ عشرة (5) كما ذكره الشيخ، و إن كان في كلام الشيخ نظر، لأنّ الأخبار السابقة قد عرفت مفادها، و علىٰ تقدير حمل هذا الخبر كما ذكره لا تزول المعارضة للأخبار السابقة، من حيث إنّ الاستظهار إلىٰ العشرة قد يزيد علىٰ الثلاثة فيما إذا كانت العادة ستّة أيّام، فلا بد من البيان في دفع هذا التنافي، و عدمه من الشيخ غريب.

و لا يبعد أن يقال: إنّ الغالب في عادة النساء لمّا كان السبعة و الثمانية

____________

(1) التهذيب 1: 172/ 493.

(2) هداية المحدثين: 262.

(3) راجع ج 1 ص 204.

(4) في الفهرست: 36/ 97. و في أصحاب الهادي (عليه السلام) من كتاب الرجال: 410/ 20.

(5) نقله عنه في المعتبر 1: 214.

445

اقتضىٰ الإطلاق في الخبر الانصراف إلىٰ الغالب، و إن كان الحق إمكان المناقشة في هذا، و لو صحّ الخبر أمكن القول بمضمونه.

فإن قلت: حديث يونس بن يعقوب ما وجه التوقف فيه؟ مع أنّه ليس الارتياب إلّا من جهة يونس، حيث قيل: إنه كان فطحيا (1)، و الحال أنّه رجع عن ذلك (2).

قلت: التوقف ممّا ذكرت، إذ لم يعلم الرواية قبل الرجوع أم بعده، و قد ذكر شيخنا (قدس سره) رواية يونس من غير وصف بالموثق (3)، مع أنّ الظاهر كونها من الموثق فلا أدري الوجه في ذلك.

و الخبر الثاني: كلامنا فيه كالأول.

و كذلك الثالث، غير أنّ قوله فيه: «و إن استمر الدم فهي مستحاضة» لا يخلو من إجمال، و لعلّ المراد أن الدم إذا استمر بعد الاستظهار فهي مستحاضة كما يفيده غيره من الأخبار، و قد قدّمنا ما فيه من الإشكال.

و احتمال أن يراد أنّها تستظهر بيوم إن كان حيضها دون العشرة و إن استمرّ الدم بعد الاستظهار، فيكون قوله: «و إن» وصلياً، و قوله: «فهي مستحاضة» كلام مستأنف لبيان أنّ المستمرّ بها الدم مستحاضة لا أنّها حائض، بعيد عن ظاهر الرواية، بل لا وجه له عند التأمّل.

و ممّا يؤيّد الأوّل قوله: «و إن انقطع الدم اغتسلت» غاية الأمر أنّ هذا القول لا يخلو من إجمال أيضاً، إذ يحتمل أن يراد به إن انقطع الدم من أوّل الأمر فلا استظهار، و يحتمل أن يراد به أنّ الدم إذا انقطع بعد الاستمرار

____________

(1) كما في رجال الكشي 2: 682/ 720.

(2) راجع رجال النجاشي: 446/ 1207.

(3) مدارك الأحكام 1: 335.

446

و تجاوز العادة اغتسلت و صلّت بعد الاستظهار، و لا يخفىٰ قرب هذا المعنىٰ.

و لا يتوجه علىٰ ما قلناه من التأييد أنّه لا يتمّ علىٰ الاحتمالين، بل علىٰ واحد منهما. لإمكان الجواب بجريانه علىٰ الاحتمالين، كما يعرف بأدنى ملاحظة.

باب أكثر أيّام النفاس

[الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار و زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «النفساء تكفّ عن الصلاة أيّام أقرائها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد ابن أبي حمزة، عن يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «النفساء تجلس أيّام حيضها التي كانت تحيض ثم تستظهر و تغتسل و تصلّي».

و بهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيىٰ، عن أحمد ابن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «تقعد النفساء أيّامها التي كانت تقعد في الحيض و تستظهر بيومين».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن

447

سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد بن عمرو، عن (1) يونس قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر ممّا كانت ترى، قال: «فلتقعد أيّام قرئها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيّام، فإن رأت دماً صبيباً فلتغتسل عند وقت كل صلاة، و إن رأت صفرة فلتتوضّأ ثم لتصلّ».

قوله (عليه السلام): «تستظهر بعشرة أيّام» معناه إلىٰ عشرة أيّام، لأنّ حروف الصفات تقوم بعضها مقام بعض علىٰ ما بيّنا القول فيه.

و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد و محمد ابن خالد البرقي و العباس بن معروف، عن صفوان بن يحيىٰ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن امرأة نفست و بقيت ثلاثين ليلة أو أكثر و طهرت و صلّت ثم رأت دماً أو صفرة؟ فقال: «إن كان صفرة فلتغتسل و لتصلّ و لا تمسك عن الصلاة، و إن كان دماً ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيّام قرئها ثم لتغتسل و تصلّي».

أخبرني أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة و الفضيل، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «النفساء تكفّ عن الصلاة أيّام أقرائها التي كانت تمكث فيها (2) ثم تغتسل و تصلّي كما تغتسل المستحاضة».

و بهذا الاسناد عن علي بن الحسن، عن عمرو بن عثمان، عن

____________

(1) في الاستبصار 1: 151/ 522: بن، و ما هنا موافق للتهذيب 1: 176/ 502.

(2) ليست في النسخ، أثبتناها من الاستبصار 1: 152/ 524.

448

الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن مالك بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء يغشاها زوجها و هي في نفاسها من الدم؟ قال: «نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيّام عدّة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعدُ أن يغشاها زوجها يأمرها (1) فتغتسل ثم يغشاها إن أحبّ».

السند

في الأوّل: حسن.

و الثاني: فيه محمد بن أبي حمزة، و الظاهر أنّه الثقة، و احتمال المهمل المذكور في رجال الصادق (عليه السلام) من كتاب الشيخ (2) بعيد، و يونس ابن يعقوب قد تقدم القول (3) فيه.

و الثالث: موثق.

و الرابع: محمد بن عمرو فيه هو الزيّات، و يونس هو ابن يعقوب لتقدّم هذا عن قريب مفسَّراً، و ذكرنا الحال فيما تقدم (4).

و الخامس: صحيح كما قدمناه.

و السادس: تكرر بيان رجاله.

و السابع: فيه عمرو بن عثمان و هو الخزّاز الثقة، لأنّ الراوي عنه في النجاشي علي بن الحسن بن فضال (5). و مالك بن أعين مذكور في رجال

____________

(1) في الاستبصار 1: 152/ 525 زيادة: بالغسل.

(2) رجال الطوسي: 306/ 417.

(3) راجع ص: 445 و ج 1: 213.

(4) راجع ص: 445 و ج 1: 213.

(5) رجال النجاشي: 287/ 766.

449

الباقر و الصادق مهملًا، و باقي الرجال قد ذكرناه مكرّراً.

المتن:

في الجميع دالّ علىٰ أنّ النفساء ترجع إلىٰ عادتها في الحيض، غاية الأمر أنّ العادة تارةً تكون مستقيمة عدداً و وقتاً، و تارة لا تكون كذلك، فالأخبار من هذه الجهة مجملة، كما أنّها غير دالّة علىٰ حكم المبتدأة التي لم يتقرّر لها حيض في زمن معيّن، و ربما يظن أيضاً عدم تناولها للمضطربّة، إلّا أنّ للقول في ذلك مجالًا من حيث إن الاضطراب له أوجه، و لو أُريد بها من لم تعلم الوقت و العدد أمكن أن يقال بخروجها عن الأخبار.

و العجب من العلّامة في المختلف أنّه اختار أنّها ترجع إلىٰ عادتها في الحيض إن كانت ذات عادة، و إن كانت مبتدأة صبرت ثمانية عشر يوما.

ثم استدل علىٰ الأوّل ببعض الأخبار المبحوث عنها، ثم قال: و لأنّها مأمورة بالعبادة و إنّما تخرج عن العهدة بفعلها، أو بما ثبت أنّه مسقط، و لم يتحقق في الزائد علىٰ ما قلناه، فيبقىٰ في عهدة التكليف بالمقتضي السالم عن معارضة المسقط القطعي.

ثم ذكر احتجاج غيره بالأخبار الدال بعضها علىٰ قعود النفساء تسع عشرة، و بعضها علىٰ الثماني عشرة، و أجاب بأنها محمولة علىٰ المبتدأة (1).

و أنت خبير بما في الكلام أمّا أوّلًا: فلأنّ الأخبار قد سمعت القول فيها مجملا.

____________

(1) المختلف 1: 216.

450

و أما ثانياً: فما قاله: من أنّها مأمورة بالعبادة، إن أراد به الأمر في حال وجود الدم فمشكل بعد اقتضاء الأخبار سقوط العبادة عنها المقتضي لعدم يقين شغل الذمّة.

و احتمال أن يقال: إنّ الذمّة مشغولة بيقين قبل الدم، فإذا خرج منه ما تيقن عدم الاشتغال فيه، بقي ما شك في كونه مشتغلا.

فيه ما كرّرنا القول فيه في الكتاب و غيره: من أنّ اليقين يرتفع بالظن الحاصل من الأخبار فلا يحتاج إلىٰ ثبوت المسقط القطعي، كما يقتضيه كلام العلّامة.

إلّا أن يقال: إنّ الأخبار مع التعارض توجب الشك فلا يحصل الظن المخرج.

و فيه: أنّ الشك أيضاً يقتضي عدم يقين اشتغال الذمّة، إلّا أن يقال: بأنّ اليقين لا يزيله الشك كما هو مفاد الأخبار.

و الحق أنّ يقين اشتغال الذمّة غير حاصل، إذ الحاصل بالاستصحاب ليس إلّا الظن، فإذا حصل الشك بتعارض الأخبار أمكن أن يوجّه بقاء الظن بأنّ الشك لا يعارضه، و قد يتوجّه عليه أنّ الشك هنا تساوي الظنون، و في الحقيقة ليس هو الشك المقابل للظن، بل إنّما هو في قوة تعدّد الظنون مع عدم المرجّح، و قد اتفق للشيخ كلام في المقام في التهذيب ذكرنا ما فيه في حاشيته.

و بالجملة: فمرجع الكلام إلىٰ أنّ التكليف بالعبادة محقّق إلّا ما أخرجه الدليل، و نحن نقول: التكليف موقوف علىٰ الدليل بعد زواله، و يقين التكليف سابقاً لا يفيد لاحقاً بعد وجود الخلاف، فليتأمّل.

و أما ثالثاً: فما قاله العلّامة من أنّ الأخبار محمولة علىٰ المبتدأة. فيه

451

أنّ الأخبار تضمّنت ثمانية عشر و تسعة عشر، فالمطلوب غير حاصل من الأخبار، و ستسمع أيضاً القول فيها إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

ثم إنّ الأخبار المبحوث عنها تضمّنت الاستظهار علىٰ الإطلاق، فلا يبعد أن يكون كاستظهار الحائض و الاعتماد علىٰ بيانه فيها، نعم ما بعد الاستظهار علىٰ تقدير عدم وصول الدم إلىٰ العشرة فقط لا يخلو من إشكال في النفاس، لأنّ الحيض علىٰ تقدير القول فيه بما ذكروه فلزوم مثله في النفاس موقوف علىٰ اتفاق كلام القوم فيهما.

و في المنتهىٰ قال العلّامة في بحث النفاس: لو انقطع الدم بدون العشرة أدخلت قطنة فإذا خرجت نقيّة اغتسلت و صلّت، إلىٰ أن قال: و إن خرجت ملوّثة صبرت إلىٰ النقاء، أو يمضي مدّة الأكثر و هي عشرة أيّام إن كانت عادتها، و إلّا صبرت لو استمرّ بها الدم.

و بعض المتأخّرين غلط هنا فتوهم أنّ مع الاستمرار تصبر عشرة، و لا نعرف عليه دليلًا سوىٰ ما رواه يونس، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قوله: «تستظهر بعشرة أيّام» و ذلك غير دالّ علىٰ النزاع، إذ من المحتمل أن تكون عادتها ثمانية أيام أو تسعة أيّام، و يدلُّ علىٰ ما اخترناه الأحاديث التي قدّمناها، فإنها دالّة علىٰ إحالة النفساء علىٰ الحائض في الأيّام و الاستظهار (1). انتهىٰ.

و لا يذهب عليك أنّ إفادة الأخبار كون النفاس كالحيض من كلّ وجه لا يخلو من خفاء.

ثم ما أورده علىٰ بعض المتأخّرين في غير محلّه علىٰ ما أظنّ، لأنّا

____________

(1) المنتهىٰ 1: 125.

452

قدّمنا الأخبار الدالّة علىٰ أيّام الاستظهار، و ذكرنا أن ما يدلّ علىٰ العشرة يحتمل لإرادة الغالب من العادة.

و قول العلّامة في المنتهىٰ: إذ من المحتمل، إلىٰ آخره، غير تامّ، لأنّ الاعتبار بظاهر اللفظ، نعم إذا لوحظت جهة أُخرى أمكن، فليتأمّل.

و في شرح الإرشاد قال جدّي (قدس سره)-: و اعلم أنّ الأخبار الصحيحة لم تصرح برجوع المبتدأة و المضطربة إلىٰ عشرة، بل إنّما صرح فيها بأنّه أي النفاس لذات العادة عادتها في الحيض، و لكن فيها إشعار بذلك، لأنّه ورد في بعضها الاستظهار إلىٰ العشرة كالحائض، و لو كان أكثره أقل منها لم يستظهر إليها (1). انتهىٰ.

و لا يخلو من تأمّل، و قد ذكرت ذلك كلّه مفصلًا في حاشية الروضة، و مجمل الأمر ما ذكرناه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمّنته رواية عبد الرحمن بن الحجاج المعتبرة الإسناد، من أنّ النفساء التي مضى لها ثلاثون ليلة و أكثر ثم رأت دماً أو صفرة كان حكمها مع الصفرة أن تغتسل و تصلّي، و إن كان دماً ليس بصفرة تمسك عن الصلاة ثم تغتسل.

لا يخلو من إجمال، لأنّ ظاهر السؤال و إن كان عن النفساء، إلّا أنّ مضيّ الثلاثين قد صيّر لها حكماً آخر، فيحتمل أن يكون كلام الإمام (عليه السلام) عن حالها فيما بعد، فإن رأت صفرة اغتسلت و صلّت، و إن رأت دماً تمسك عن الصلاة أيّام أقرائها لكونه حيضا.

و يحتمل أن يعود إلىٰ الزمان الماضي و هو الثلاثون كما ظنّه الشيخ،

____________

(1) روض الجنان: 89.

453

حيث جعلها من الأدلة علىٰ حكم النفساء، لكن لا يخفىٰ أنّه لا يتمّ في قوله: «إن كانت صفرة فلتغتسل» و إن أمكن من جهة قوله: «و إن كان دما» إلىٰ آخره.

و في الظن أنّه لا مجال لغير الاحتمال الأوّل.

و لا يخفىٰ دلالة الخبر الأخير علىٰ عدم جواز الوطء في يوم الاستظهار، لكنه لا يصلح لإثبات الحكم، مضافاً إلىٰ نوع قصور في الدلالة، و في بعض الأخبار المعتبرة ما يدل علىٰ اختصاص المنع بأيّام الحيض، و قد ذكرت ذلك في محل آخر.

أمّا ما تضمنه الخبر الأخير من قوله: «منذ يوم وضعت» فالتسديد فيه سهل الأمر.

[الحديث 8 و 9 و 10 و 11 و 12 و 13]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) قال: «النفساء تقعد أربعين يوماً، فإن طهرت و إلّا اغتسلت و صلّت و يأتيها زوجها و كانت بمنزلة المستحاضة تصوم و تصلّي».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن محمد بن يحيىٰ الخثعمي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن النفساء (1)، فقال: «كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها و ما جرّبت (2)»

____________

(1) في الاستبصار 1: 152/ 527 لا يوجد: عن النفساء.

(2) في النسخ: و ما حرمت، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 152/ 527.

454

قلت: فلم تلد فيما مضى؟ قال: «بين الأربعين إلىٰ الخمسين (1)».

أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): كم تقعد النفساء حتى تصلّي؟ قال: «ثماني عشرة سبع عشرة ثم تغتسل و تحتشي و تصلّي».

علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «تقعد النفساء إذا لم ينقطع منها الدم الثلاثين أو أربعين يوماً إلىٰ الخمسين (2)».

الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «تقعد النفساء تسع عشرة ليلة، فإن رأت دماً صنعت كما تصنع المستحاضة».

و قد روينا عن ابن سنان ما ينافي هذا الخبر و أنّ أيّام النفاس مثل أيّام الحيض فتعارض الخبران.

الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء كم تقعد؟ فقال: «إنّ أسماء بنت عميس أمرها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أن تغتسل لثمان عشرة و لا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين».

فلا تنافي بين هذه الأخبار و بين الأخبار الأوّلة التي قدمناها، لأنّ لنا في الكلام علىٰ هذه الأخبار طرقاً: أحدها (3): أنّ هذه الأخبار أخبار آحاد مختلفة الألفاظ متضادّة المعاني لا يمكن العمل علىٰ جميعها

____________

(1) في «فض»: خمسين.

(2) في «فض»: خمسين.

(3) في الاستبصار 1: 153/ 531: فأحدها.