المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
53

قام به أحد وجب على من قصر عن مرتبة الاستدلال الرجوع، و إن أخلّ به الجميع اشتركوا جميعا في الإخلال بالواجب (1)، و يستثني منه من عجز عن بلوغ تلك المرتبة يقينا؛ لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، و تفصيل ذلك يتوقف على بسط كلام لا يليق بهذا المقام.

و على القولين فالتفقه واجب في الجملة إجماعا، فترك الاشتغال بالتفقه و الإكباب على تقليد الموتى باطل بالإجماع، و ما يتناقلونه بينهم من جواز تقليد الميّت باطل مردود عليهم، و لا طريق لهم في إسناده إلى أحد من علمائنا الذين يعتمد عليهم، و إنّما هو نقل مرسل لا يجوز التعويل على مثله. و على تقدير إسناده الصحيح لا يمكن المصير إليه إلّا إذا أسند إلى مجتهد حيّ يجد له موافقا عليه من الأموات على وجه لا يستلزم خرق الإجماع، و أما إسناده إلى الميّت فجواز العمل به يتوقّف على جواز النقل عن الميّت، فلو توقّف جواز النقل عن الميّت على هذا النقل لزم الدور.

الثاني: على تقدير التنزّل، و جواز الأخذ عن الميّت يكون مساويا للمجتهد الحي أو أضعف حالا منه

، و قد تقدّم أنّ المجتهد الحي مع تعدّده يتعيّن على المستفتي تقليد الأعلم إلى آخر ما فصل، و ذلك يقتضي وجوب العمل بقول أعلم المجتهدين الأموات من عصر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى زماننا هذا مع اتّحاد قوله، و إلّا تعيّن العمل على آخر أقواله و هو الذي مات عليه، و العلم بذلك كاد أن يلحق بالمحالات، فلو جوّزنا العمل بقول أي ميّت كان من المجتهدين لزم منه أن يكون الميّت أعلى منزله و أحسن حالا من الحيّ، و هو خلاف الإجماع، بل يلزم على ذلك القول بوجوب الرجوع إلى الأعلم من الأموات و إن كان الحي موجودا إذا كان الميّت أعلم منه؛ لأنّ ذلك هو مقتضى إلحاقه بالحي، و ذلك كلّه باطل بالإجماع.

الثالث: أنّ جواز الرجوع إلى الميّت بالوسائط مشروط بعدالة الوسائط إجماعا

، و ذلك يتوقّف على سقوط السعي على التفقّه عنهم و جواز القعود عنه و الاتّكال على

____________

(1) منهم السيّد المرتضى في الذريعة 2: 796- 797، و المحقّق الحلّي في معارج الأصول: 197، و الماتن الشهيد الأول في الذكرى: 2.

54

أقوال الميّت، و قد تقدّم الإجماع على خلافه، فترك الاشتغال بالتفقّه عند عدم العلم بالقائم به المؤدي لفرض الكفاية موجب لإخلال أهل العصر بالواجب المخلّ بالعدالة، فينسد عنهم باب التقليد.

لا يقال: يمكن فرض ذلك في الشيخ الكبير العاجز يقينا عن الوصول إلى تلك المرتبة و نحوه، و في المشتغل بطلب العلم قبل وصوله، فإنّ الإخلال بالواجب منتف عنهما، فيمكن اتّصافهما بالعدالة، و يتصور الرجوع إليهما في أخذ الأحكام عن الميّت.

لأنا نقول: إنّ الحال و إن بلغ هذا الحدّ لا يسوّغ الفتوى و نقل الأحكام، بل غايته جواز عمله هو لنفسه بأقوال الموتى، فإنّ الإجماع واقع على أنّه لا يجوز الفتوى و الحكم للقاصر عن درجة الاجتهاد، مع أنّ جواز عمل المتّصف بهذا الوصف لنفسه بقول الميّت موضع نظر، بل قيل: إنّه يجب عليه الأخذ بالاحتياط التام و الوقوف على مواضع الإجماع ما أمكن، فالاستناد إلى مثل ذلك إحالة على غير الواقع.

قال المحقّق الشارح في حاشية الشرائع: إنّ من هذا شأنه يأتي بالصلاة عند ضيق الوقت على حسب الممكن، كما يقال في من لا يحسن القراءة و لا الذكر: يقف عند ضيق الوقت بقدر زمان القراءة ثم يركع، و على هذا النهج حكم سائر التكاليف (1).

انتهى.

و نحن قد أردنا لهذه المسألة رسالة مفيدة (2)، فليقف عليها من أراد تحقيق الحال.

و لمّا كان حكم المصنّف بوجوب تقديم المعارف المذكورة على الصلاة و أخذ أفعالها بأحد الوجهين أعمّ من كونه مع ذلك شرطا في الصحة، بحيث يلزم من الإخلال به بطلان الصلاة، أو واجبا مطلقا بحيث يستلزم تركه مجرّد الإثم، نبّه على الشرطية بقوله (فمن لم يعتقد ما ذكرناه) من المعارف المتقدّمة بالدليل، (و لم يأخذ كما وصفناه) له، و هو أخذ المجتهد بالدليل على كلّ فعل من أفعالها، أو بالتقليد فيها للمجتهد أن

____________

(1) حاشية الشرائع (مخطوط): 139.

(2) هي رسالة تقليد الميّت المطبوعة ضمن المجموعة الأولى من رسائله.

55

لم يكن مجتهدا، (فلا صلاة له) أي فصلاته باطلة؛ لأنّ نفي الحقيقة هنا غير مراد، فيحمل على أقرب المجازات إليه، و هو عدم الصحة.

و أورد عليه النقض بصلاة المخالف إذا استبصر، فإنّه لا يجب عليه قضاؤها، و لو كانت فاسدة لم يتمّ ذلك (1).

و أجاب المصنّف بإمكان حمل النفي على المشترك بين نفي الكمال و الصحة، و أقل أحوال استعمال المشترك في كلا معنييه أنّه مجاز (2).

و الحقّ أنّ السؤال ساقط من أصله؛ لما عرفت من أنّ صلاة المخالف فاسدة و إن استبصر، و أنّ عدم وجوب القضاء لا يدل على الصحة، فنفي الصحة هنا على ظاهره مراد من غير اشتراك.

(ثم الصلاة إمّا واجبة أو مندوبة، و بحثنا هنا) أي في هذه الرسالة (في) الصلاة (الواجبة) لا غير، و قد تقدّم منه الإعلام بذلك في قوله: (في فرض الصلاة)، لكن أعاده ليترتّب عليه ما بعده من التقسيم.

(و أصنافها) أي الصلاة الواجبة (سبعة: اليوميّة)، و هي الصلوات الخمس الواقعة في كلّ يوم و ليلة، و لذلك نسبت إليه. (و) صلاة (الجمعة) بناء على أنّها فرض مستقل، لا ظهر مقصورة كما يظهر من بعض الأخبار. (3) (و العيدان) المعهودان، أعني الفطر و الأضحى. (و الآيات) الشاملة للكسوفين و الزلزلة و غيرها. (و) صلاة (الأموات، و) صلاة (الطواف، و الملتزم) من الصلاة (بالنذر و شبهه) من العهد و اليمين، و باقي الأسباب العارضة كالاستئجار و التحمّل عن الأب، و هذا اصطلاح خاص؛ لشبه النذر غير المعهود في كلامهم.

و جعل أصناف الواجبة سبعة أولى من جعلها تسعة كما صنع العلّامة (4)

____________

(1) عبارة (و لو كانت فاسدة لم يتم ذلك) وردت في حاشية «ع» على أنّها نسخة بدل، و كتب الناسخ فوقها عبارة: ليست هذه الحاشية في أكثر النسخ، و الظاهر أنّ النسخة التي انتسخت هذه منها كانت هذه العبارة مضروبا عليها فيها.

(2) حكاه عنه المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (رسائل المحقق الكركي) 3: 178.

(3) الكافي: 3: 419/ 6، الفقيه 1: 266/ 1217، التهذيب 3: 21/ 77.

(4) قواعد الأحكام 1: 245، نهاية الإحكام 1: 308، تذكرة الفقهاء 2: 259 المسألة 1.

56

و غيره (1) بجعل الكسوف و الزلزلة و الآيات ثلاثة أقسام، فإنّ الآيات تشتمل على الثلاثة، و الكيفية متحدة، فجعلها قسما واحدا أولى.

و كذلك جعل القضاء من الملتزم أولى من جعله من جملة اليوميّة، فإنّ ما استدرك منها في غير وقته ليس هو الأوّل و إنّما هو فعل مثله كما سيأتي، و موجبه تأخير الصلاة عن وقتها لعذر أو غيره، و إن كان نسيانا فيدخل في الملتزم.

و في جعل الجنازة أحد الأصناف، إشارة إلى أنّ إطلاق الصلاة عليها بطريق الحقيقة. و فيه بحث ناشىء من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (2)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب (3)»، و «لا صلاة إلّا بطهور (4)»، فجعلها حقيقة لغوية مجازا شرعيا أولى من عكسه، كما اختاره جماعة من الأصحاب (5).

(و ما يتعلّق بها) أي بالصلاة الواجبة (قسمان: فرض) كالقراءة و الركوع و السجود، (و نفل) كالقنوت و تكبير الركوع و السجود.

(و الغرض هنا) في هذه الرسالة (حصر الفرض) دون النفل المتعلّق بالفرض، (و للنفل) المتعلّق بالفرض و المستقل بنفسه كالصلوات المندوبة (رسالة منفردة) عملها المصنّف (قدّس سرّه)، و هي الموسومة ب «الرسالة النفليّة».

____________

(1) كالمحقّق في المعتبر 2: 10.

(2) نصب الراية لأحاديث الهداية 1: 307، تفسير القرطبي 19: 62، التمهيد 10: 212.

(3) سنن ابن ماجة 1: 273/ 837، سنن البيهقي 2: 167.

(4) سنن ابن ماجة 1: 100/ 271، سنن الترمذي 1: 3/ 1.

(5) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 2: 9.

57

[الفصل الأوّل] [في المقدّمات]

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

[الفصل الأوّل] [في المقدمات] و لمّا فرغ من المقدّمة أخذ في الفصول الموعود بها، فقال (الفصل الأوّل). و كان حقّه عطفه بالواو على قوله في أوّل الرسالة: (أما المقدّمة)، كما هو حقّ التفصيل بعد الإجمال، و كذا الكلام في الفصل الثاني و الثالث، لكن حذفه لفظا- و إن استحقّه المقام- قاعدة مطّردة شائعة في الكلام، ذكره ابن هشام في المغني و خرّج منه قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاعِمَةٌ (1) أي وجوه، عطفا على وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خٰاشِعَةٌ، (2) و قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ (3) فيمن فتح الهمزة، أي و أنّ الدين، عطفا على أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ (4).

و حكي عن أبي زيد: أكلت خبزا لحما تمرا، على حذف الواو، و مثله كثير (5).

و قد تقدّم أنّ الفصل لغة: هو الحاجز بين الشيئين (6)، و منه فصل الربيع؛ لأنّه يحجز بين الشتاء و الصيف. و كان حقّه أن يوصل ب(بين) فيقال: فصل بين كذا و كذا،

____________

(1) الغاشية: 8.

(2) الغاشية: 2.

(3) آل عمران: 19.

(4) آل عمران: 18.

(5) مغني اللبيب 2: 635.

(6) القاموس المحيط 4: 30، تاج العروس 15: 573 «فصل». و تقدّم في الصفحة: 14.

60

إلّا أنّ المصنّفين يضمّنونه معنى الباب فيصلونه ب(في)، فيقولون: فصل في كذا كما يقولون باب، أو أنّهم نقلوه عن ذلك المعني و جعلوه علما على البحث المخصوص مع مراعاة المناسبة في النقل.

(في المقدّمات) و المراد بها هنا شروط الصلاة، (و هي ست) باعتبار ما جعله و حسن عنده، و ليس الحصر استقرائيّا؛ لأنّ ما ذكر في المقدّمة من وجوب المعارف و الأخذ بالوجه المذكور شرط أيضا، و يمكن جعله استقرائيّا بعد إخراج الفردين.

61

[المقدّمة] [ (الأولى: الطهارة)]

(الأولى: الطهارة) و بدأ بها؛ لعموم اشتراط الصلاة بها، و كثرة أحكامها.

و هي لغة: النزاهة (1)، قال اللّه تعالى يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ (2). و قد تطلق على إزالة الخبث كقوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (3) و على رفع الحدث و إباحة الصلاة و منه قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4)، و هذا المعنى هو المراد هنا كما نبّه عليه بقوله:

(و هي اسم لما يبيح الصلاة من الوضوء و الغسل و التيمّم)، فقوله: (اسم لما يبيح الصلاة) كالجنس يندرج فيه طهارة الثوب و البدن من الخبث و ستر العورتين، و يخرج عنه ما لا يبيح بوجه و إن كان بصورة الطهارة، كوضوء الحائض فليس بطهارة؛ كما دلّ عليه قول الصادق (عليه السلام): «أما الطهر فلا، و لكنها تتوضأ» (5)، و إدخاله في التقاسيم توسّع.

و قوله: (من الوضوء و الغسل و التيمّم) كالفصل، يخرج به ما عدا الأنواع الثلاثة،

____________

(1) الصحاح 2: 727، كتاب العين 4: 19، لسان العرب 4: 506 «طهر».

(2) آل عمران: 42.

(3) المدّثر: 4.

(4) المائدة: 6.

(5) الكافي 3: 100- 101/ 1.

62

و إنّما اختار المبيح على الرافع ليشمل أقسام الطهارة، فإنّ منها ما يبيح و لا يرفع، و كلّ رافع مبيح. و أراد بالإباحة: ما يعمّ الناقصة و التامة، فيدخل وضوء الحائض و غسلها؛ لأنّ كلّ واحد منهما طهارة مع أنّه جزء المبيح.

و إنّما خصّ الصلاة بالإباحة دون غيرها من أفراد العبادة و دون العبادة المطلقة؛ لأنّ مطلق العبادة لا يتوقّف على الطهارة، و بعض أفرادها قد يكون كذلك، و قد يتوقّف عليها بوجه كالصوم المتوقف على الكبرى، و الطواف المتوقف واجبه عليها خاصة، و المسّ مختلف في توقّفه. بخلاف الصلاة فإنّ واجبها و مندوبها مشروط بها إن لم تجعل الجنازة صلاة حقيقة كما يقتضيه البحث، و إلّا فوجه التخصيص عموم البلوى بها و كونها الفرد الأكمل.

و إنّما عرّف مطلق الطهارة و لم يقتصر على تعريف الواجبة كما صنع في الصلاة؛ لتأدّي الصلاة الواجبة بالطهارة المندوبة على بعض الوجوه، فهي شرط للصلاة و إن كانت مندوبة على وجه.

و أشار بكونه اسما لما يبيح- بحيث يدخل فيه الثلاثة- إلى أنّ مقولية الطهارة على أنواعها الثلاثة بالتواطؤ أو التشكيك، لا بالاشتراك اللفظيّ و لا بالحقيقة و المجاز؛ لأنّه جعل الثلاثة مشتركة في معنى واحد و هو المبيح.

و في التعريف إشارة إلى العلل الأربع: المادة، و الصورة بالترتيب المذكور، و الغاية: و هي إباحة الصلاة، و الفاعل مدلول عليه التزاما.

و بقي في التعريف أمور:

الأوّل: أنّه ينتقض عكسا بخروج الوضوء المجدّد منه، و وضوء النوم، و جماع المحتلم، و غيرها ممّا لا يبيح الصلاة

و لا مدخل له فيها، مع أنّه من جملة أفراد الطهارة، و اشتهارها في التقاسيم واضح.

الثاني: إن أريد بالإباحة التامة، خرج وضوء الحائض و غسلها

كما مرّ. و إن أريد به ما يعمّ الناقصة، دخل فيه أبعاض الثلاثة، فإنّ لها مدخلا في الإباحة.

الثالث: إن كان المعرّف الطهارة الشرعيّة، لم يفتقر إلى قيد الإباحة

؛ لأنّها لا تكون

63

إلّا كذلك، كما تقدّم من وقوع الاصطلاح عليه. و إن أريد الأعم، و هو اللغوية، استعمل المجاز الشرعيّ.

الرابع: أنّ الأقسام الثلاثة أنواع الطهارة

، فتعريفها بها تعريف للجنس بالنوع، و هو معيب؛ لتوقّف معرفة النوع على الجنس، فلو توقّف الجنس عليه دار.

الخامس: إن أراد ما يبيح الصلاة بالفعل، خرج منه الطهارة في غير وقت الصلاة

بحيث لا يمكن فعلها في ذلك الوقت، و ما لو تطهّر لأجل الطواف مثلا مع ضيق وقته بحيث لا يسوغ له الاشتغال بالصلاة لذلك.

و إن أراد ما هو الأعم منه و من القوة، بمعنى أنّه لو تجرّد عن الموانع و حصّل الشرائط أباح، ارتكب المجاز بغير قرينة.

و يمكن الجواب عن الجميع بشيء واحد، و هو أنّ قوله: (و هي اسم) إشارة إلى أنّ التعريف لفظيّ- و هو تبديل لفظ بلفظ أجلى منه من غير اعتبار الاطّراد و الانعكاس- لا صناعي، فمهما وقع فيه من المحترزات فهو تبرّع غير لازم.

و قد يتكلّف للجواب عن الأوّل على تقدير إرادة الصناعي بحمل الإباحة على ما يعمّ القوة القريبة، على معنى أنّه لو أتى ببقيّة الشروط المعتبرة حصلت، فيندرج فيه الأغسال المسنونة و الوضوء المجدّد و غيره. إلّا أنّ ذلك خروج عمّا يجب اعتباره في التعريفات الصناعيّة من التحرّز عن المجاز و الاشتراك المخلّ بالفهم؛ لعدم القرينة الدالّة على المراد.

و عن الثاني: باختيار إرادة الأعم، و الأبعاض خارجة بالتخصيص بالثلاثة، فإنّ الأبعاض لا تدخل فيها و إن توقّف تحقّقها عليها.

و عن الثالث: بأنّ المراد الشرعيّة، و قيد الإباحة لإخراج بعض الاصطلاحات الشرعيّة على إطلاقها على الأعم من المبيح.

و عن الرابع: بأنّ معرفة النوع قد تكون ناقصة لا تتوقّف على معرفة الجنس، و معرفة الجنس تستفاد من معرفة النوع الناقصة، فلا دور.

و عن الخامس: بالتزام إباحة الصلاة بتلك الطهارة و إن لم يجز فعلها لمانع آخر، فإنّ

64

عدم جواز فعلها أعم من كونه لفقد شرط مخصوص.

و هذه التكلّفات مشتركة بين أكثر التعريفات، سيّما تعريف الطهارة.

[موجبات الوضوء]

(و موجبات الوضوء) في الجملة، أعم من إيجابها الوضوء خاصة أو هو مع الغسل، (أحد عشر).

و المراد بالموجبات: الأسباب المستلزمة للطهارة وجوبا أو ندبا، و سمّاها موجبات باعتبار وجودها عند تكليف المكلّف بعبادة مشروطة بالطهارة.

و إنّما عبّر بالموجبات دون الأسباب كما صنع غيره؛ (1) لمناسبة الرسالة، فإنّ الموجب أخصّ من السبب مطلقا، إذ يصدق على الأحداث السببية عند وجودها حال براءة ذمة المكلّف من مشروط بالطهارة، و لا تصدق الموجبة، بل تصدق السببية مع الصغر و الجنون، فإنّ المسبب قد يتخلّف عن السبب؛ لفقد شرط أو وجود مانع، فإذا حصل الشرط أو زال المانع عمل السبب عمله، فيجب الوضوء و الغسل عند البلوغ للسبب الحاصل قبله.

و قد يطلق على هذه الأحداث اسم النواقض باعتبار تعقّبها لطهارة سابقة، و هي أخصّ من الأسباب أيضا مطلقا؛ لاجتماعهما في حدث يعقب طهارة، و تختلف الأسباب فيما عدا ذلك، و بينها و بين الموجبات عموم من وجه؛ لصدق الناقض بدون الموجب في حدث يعقب طهارة صحيحة مع خلوّ ذمة المكلّف من مشروط بها، و يصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاة واجبة من غير سبق طهارة.

و لا يرد أنّ الوجوب حاصل من قبل، حيث لم يكن متطهّرا، فتعليق الوجوب على الحدث الطارئ مستلزم لتحصيل الحاصل، أو اجتماع علّتين على معلول شخصي؛

____________

(1) كالعلّامة في إرشاد الأذهان 1: 221 و قواعد الأحكام 1: 179.

65

لأنّ علل الشرع معرّفات، و كلّ واحد من السابق و اللاحق لو انفرد لكان موجبا، و قد علم من حدودها أنّ إطلاق اسم الموجب و الناقض على جميع الأحداث بطريق المجاز من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ. و في الموجب مجاز آخر، فإنّ الموجب حقيقة هو اللّه تعالى، و التعبير عنها بالأسباب أنسب.

و الوضوء بضم الواو: اسم للفعل المخصوص، مأخوذ من الوضاءة، بالمدّ: و هي النظافة و النظارة، و هو اسم مصدر؛ لأنّ قياس المصدر التوضّؤ كالتعلّم و التكلّم (1)، و بالفتح: اسم للماء الذي يتوضّأ به.

إذا تقرّر ذلك فأحد الموجبات الأحد عشر خروج (البول و الغائط و الريح من المعتاد (2)) لخروجه، و هو الموضع الطبيعي، و وصفه بالاعتياد توضيح لا تخصيص، إذ لا يشترط في سببية الخارج منه الاعتياد إجماعا، و لو خرج من غيره اعتبر في نقضه الاعتياد مع عدم انسداد الطبيعي، و يمكن استفاده ذلك أيضا من العبارة بجعل الاعتياد أعم من الموضّح و المخصّص.

و يتحقّق الاعتياد بالخروج منه مرّتين متواليتين، فيوجب الوضوء في الثالثة، و لو استفيد الاعتياد من العرف بغير ذلك رجع إليه، و لا فرق بين ما فوق المعدة و تحتها.

و يستفاد من الحصر في الثلاثة عدم الوجوب بالخارج غيرها من حبّ ودود و غيرهما مع عدم مصاحبته لشيء من الثلاثة، و معها ينتقض لا باعتباره بل باعتبار ما خرج معه.

و إنّما ينقض الخارج مع انفصاله عن الباطن، فلو خرجت المقعدة ملطّخة بالغائط ثم عادت و لمّا ينفصل، لم يجب الوضوء على أصح القولين.

(و النوم الغالب) غلبة معطّلة، لا مطلق الغلبة (على الحاستين)، و هما السمع و البصر. و خصّهما من بين الحواس الخمس مع اشتراط زوال الجميع؛ لأنّهما أقوى الحواس، فغلبته عليهما يقتضي غلبته على باقي الحواس. و لو قال: المزيل للإحساس، كان أشمل و أدلّ على المراد.

____________

(1) و التكلّم: لم ترد في «ق».

(2) في «ش 1»: الموضع المعتاد.

66

و تعتبر الغلبة على الحاستين (تحقيقا) على تقدير سلامتهما من الآفة و عدم المانع، (أو تقديرا) على تقدير وجود المانع.

(و المزيل للعقل) و هو الجنون و الإغماء، و في حكمه السكر فإنّه مغطّ للعقل لا مزيل.

و الفرق بين النوم و الإغماء: أنّ النوم مغطّ للعقل خاصة و معطّل للحواس، و الإغماء معطّل لهما، و بتعطيله الحواسّ فارق السكر، و بتغطية السكر على العقل خاصة فارق الجنون.

و من هنا يعلم أنّ قول المصنّف: (و المزيل للعقل) لا يخلو من تسامح، و لو أبدل المزيل بالمغطّي كان أولى؛ لدخول المزيل بطريق أولى و إن لم يتناوله كما زعم بعضهم من أنّ الجميع إنّما يفيد التغطية خاصة.

و جعل هذه الأشياء موجبات أولى من جعلها أسبابا و إن كان جعل غيرها أسبابا أولى؛ لأنّها أمور عدميّة، فإنّ النوم عبارة عن تعطّل الحواس الظاهرة بسبب استيلاء الرطوبة الفاضلة على الدماغ، و ظاهر أنّه أمر عدميّ، و عدميّة الثلاثة الباقية قد علمت من خواصها، و السبب وصف وجوديّ منضبط دلّ الدليل على كونه معرّفا لحكم شرعيّ، فلا تكون هذه الأشياء أسبابا حقيقة، و هذه الخمسة موجبات للوضوء خاصة.

(و الحيض، و الاستحاضة) بأقسامها الثلاثة (و النفاس) بكسر النون. و المراد أنّ الموجب خروج هذه الدماء الثلاثة، إذ لا يعقل كونها أنفسها هي الموجبة، كما مرّ في خروج الفضلتين، خصوصا عند من عبّر بالأسباب، إذ ليست نفسها أوصافا.

(و مسّ ميّت الآدميّ) في حال كونه (نجسا) بأن يكون قد برد جسمه بالموت و لمّا يغسّل غسلا صحيحا حيث يفتقر إليه.

فيدخل فيه من لم يغسّل بعد البرد، و من غسّل فاسدا، و من غسّله كافر، و الكافر مطلقا، و المُيمّم و لو عن بعض الغسلات، و من فقد الخليطان أو أحدهما لغسله، و من تقدّم غسله على موته؛ لاستحقاقه القتل، ثم مات أو قتل بغير السبب الذي اغتسل له.

و الضابط في ذلك وجوب التغسيل لو أمكن قبل الدفن، أو كونه كافرا.

67

و يخرج منه من لم يبرد بعد موته و إن وجب غسل العضو اللامس على أصح القولين، و من كمل غسله الصحيح لا من كمل غسل عضو منه فمسّ ذلك العضو على الأقوى، و من قتل بالسبب الذي اغتسل له، و من غسّل مُحرِما بغير الكافور، و الشهيد، و المعصوم.

و في حكم الميّت القطعة ذات العظم، و الحق المصنّف بها العظم المجرّد (1).

و احترز ب(الآدميّ) عن ميتة ما سواه من الحيوانات إذا كان له نفس، فلا يجب بمسّها غسل، بل يجب غسل العضو اللامس مع الرطوبة إجماعا، و عدمها على قول.

و المراد بميتة الآدمي: من كمل له من حين انعقاده إلى حين موته أربعة أشهر فصاعدا، فالسقط قبل ذلك لا يسمّى ميّتا، و لا يوجب مسّه غسلا.

(و تيقّن الحدث و الشكّ في الوضوء) و إطلاق الموجب على ذلك مجاز، فإنّ الموجب هو الحدث السابق المتيقّن، و هو أحد الأعداد، و الشكّ في الطهارة اقتضى الرجوع إلى الأصل و الأخذ بالاستصحاب.

(و تيقنهما) أي تيقّن الحدث و الوضوء (و الشكّ في اللاحق) منهما للآخر، فإنّه يجب عليه الوضوء؛ لاحتمال كون اللاحق الحدث. هذا مع عدم علمه بحاله قبلهما، أو علمه بها مع احتمال تجديد الطهارة.

أما لو علم بحاله قبلهما بالطهارة أو الحدث، و لم يحتمل التجديد، فإن استفاد من التعاقب و الاتّحاد حكما، بني عليه و لم يكن من الشكّ في شيء، فيلزمه حكم الحالة المتقدّمة من طهارة أو حدث؛ لتيقّنه نقضها بالضد، و لحوق الضد الآخر و هو الفرد الموافق للحالة السابقة، و كذا القول مع تعدّد الطهارة و الحدث مع القيدين. و إن لم يتحقّق التعاقب، و لا احتمل التجديد بأن جوّز وقوع الحدث عقيب الحدث، و لم يجوّز وقوع الوضوء عقيب الوضوء، بني على الطهارة على التقديرين.

____________

(1) الدروس 1: 117، الذكرى: 79.

68

أما مع فرض علمه بكونه متطهّرا قبلهما؛ فلاقتضائه توسّط الحدث بين الطهارتين؛ لأنّ التقدير نفي احتمال التجديد، فيكون الآن متطهّرا.

و أما مع فرض علمه بكونه محدثا؛ فلتيقّنه الانتقال عن حكم الحدث إلى الطهارة الرافعة، و شكّه في نقض هذه الطهارة؛ لاحتمال وقوع الحدث المتيقّن عقيب الحدث السابق عليهما.

لا يقال: إنّ تيقّن الحدث مكافئ لتيقّن الطهارة فيتعارضان، و يرجع الأمر إلى تيقّنهما مع الشكّ في الحال، فتجب الطهارة كما أطلقه المصنّف.

لأنا نقول: إنّ التكافؤ هنا ممنوع؛ لأنّ الطهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث؛ لما قلناه من عدم فرض التجديد. و أما الحدث فغير معلوم نقضه للطهارة؛ لاحتمال أن يقع بعد الحدث كما قلناه، إذ الفرض عدم اشتراط التعاقب، فلا يزول المعلوم بالاحتمال، بل يرجع إلى يقين الطهارة مع الشكّ في الحدث.

و بما فصّلناه يعلم أنّ إطلاق الحكم بوجوب الطهارة في هذه المسألة- كما ذكره المصنّف و أكثر الأصحاب (1)- غير جيّد. و كذا الحكم باستصحاب حاله المعلوم قبلهما، كما اختاره العلّامة (2). و كذا الحكم بأخذه بضدّ ما علمه من حاله، كما مال إليه المحقّق في المعتبر. (3) و مع ذلك كلّه فمختار المصنّف (رحمه اللّه) هو الأقوى، و قد أفردنا لتحقيق المسألة محلا آخر (4).

(و تنقضه الجنابة) بفتح الجيم، أي تنقض الوضوء لو كان المجنب على وضوء (و إن لم توجبه) لأنّ غسلها كاف عنه إجماعا، بخلاف غيرها من موجبات أغسال الأحياء.

و أشار بذلك إلى أنّها ليست معدودة من الموجبات الأحد عشر و إن أمكن عدّها في النواقض عند من عبّر بها، فبين النواقض و الموجبات حينئذ عموم من وجه؛ لصدق

____________

(1) كابن بابويه في المقنع: 7، و ابن إدريس في السرائر 1: 104، و المحقّق الحلّي في المختصر النافع: 31.

(2) مختلف الشيعة 1: 142 المسألة 94، قواعد الأحكام 1: 205، تذكرة الفقهاء 1: 211 المسألة 61، نهاية الإحكام 1: 60.

(3) المعتبر 1: 171.

(4) هي رسالة التيقّن بالطهارة و الحدث و الشك في المتأخّر منهما، المطبوعة ضمن المجموعة الأولى من رسائله.

69

الناقض بدون الموجب في الجنابة إذا نقضت الوضوء و لم توجبه في مطلق الحدث المتعقّب لطهارة صحيحة مع خلوّ ذمة المكلّف من مشروط بها، و لصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الموجب للوضوء الحاصل عقيب التكليف في صلاة واجبة من غير سبق طهارة، و يصدقان معا في الحدث المتعقّب لطهارة شرعيّة مع اشتغال ذمة المكلّف بمشروط بها.

[موجبات الغسل]

و لمّا فرغ من موجبات الوضوء الأحد عشر شرع في بيان موجبات الغسل، و هي ستة كما بيّنه (1) بقوله:

(و يجب بها) أي بالجنابة بنوعيها، و هي لغة: البعد (2)، و شرعا: الحدث الحاصل من نزول المنيّ مطلقا، أو غيبوبة الحشفة أو ما في حكمها في قبل أو دبر.

(الغسل، و بالدماء الثلاثة) المعهودة بالذكر سابقا، و هي الحيض و الاستحاضة و النفاس (إلّا قليل الاستحاضة) و هو القدر الذي لا يغمس القطنة، فإنّه يوجب الوضوء خاصة، كما دلّ عليه إطلاق الاستحاضة في موجبات الوضوء، و لا يحتاج إلى استثناء الاستحاضة المتوسطة و هي التي تغمس القطنة و لا تسيل عنها بالنسبة إلى ما عدا الصبح؛ لأنّ هذا القسم موجب للغسل في الجملة و إن كان غير موجب له على بعض الوجوه، إذ لو أريد الاحتراز عن ذلك وجب استثناء الكثيرة أيضا بالنسبة إلى العصر و العشاء، فإنّها توجب الوضوء خاصة.

(و) يجب الغسل (بالمسّ) المذكور سابقا، و هو مسّ ميّت الآدمي نجسا على ما فصل.

(و الموت) المعهود ذهنا، و هو موت الآدميّ المسلم و من بحكمه، من غير الفرق الأربع و هي: النواصب، و الخوارج، و الغلاة، و المجسّمة. فلا يصح تغسيل أحدها فضلا عن الوجوب، و يمكن كون اللام للعهد الذكري المدلول عليه ب(ميّت الآدميّ نجسا) و يستثني منه الفرق المذكورة، و الأوّل أجود.

____________

(1) في «ق» و «د»: نبّه.

(2) الصحاح: 1: 103، النهاية 1: 302، تاج العروس 1: 379 «جنب».

70

[يجب التيمّم بموجبات الوضوء و الغسل عند تعذّرهما]

(و يجب التيمّم بموجباتهما) أي موجبات الوضوء و الغسل (عند تعذّرهما) (1) فموجباته سبعة عشر، هذا كلّه في الموجبات بأصل الشرع.

(و قد تجب الثلاثة) أي الوضوء و الغسل و التيمّم، بسبب عارض من قبل المكلّف، و ذلك (بنذر أو عهد أو يمين) إما بأن ينذر كلّ واحد منها بلفظ على حدة، أو بلفظ يشملها كنذر الطهارة ملاحظا إطلاقها على أنواعها الثلاثة.

أما لو نذر الطهارة مطلقا، ففي تخيّره بين الثلاثة، أو حمله على المائيّة خاصة، أو الترابية، أوجه، منشؤها الشكّ في أنّ مقوليّة الطهارة على الأفراد الثلاثة هل هو بطريق الاشتراك، أو التواطؤ، أو الحقيقة و المجاز بمعنى أنّه حقيقة في المائية مجاز في الترابية، أو التشكيك؟

فعلى الأوّلين الأوّل، و على الثالث الثاني، و على الأخير يحتمل الأخير و هو انصرافه إلى فرده الأضعف و هو التيمّم؛ لأصالة البراءة من الزائد، و إلي الأقوى؛ لأنّه المتيقّن.

و الأصح أنّه كالأوّلين، لكن إنّما يجزئ التيمّم فيهما مع تعذر الآخرين.

و يضعّف الثالث بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الصعيد طهور المسلم» (2)، و «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا» (3)، و غيرهما من الأحاديث الدالة على إطلاق الطهارة على التيمّم. و كلّ من أدخل التيمّم في تعريف الطهارة جعله منها حقيقة، و الأولى باشتراك الثلاثة في معنى مشترك بينها، و هو صلاحية الإباحة للصلاة و لو بالقوة القريبة كما مرّ، و هو ينفي الاشتراك اللفظيّ.

نعم، يقع الشكّ بين الآخرين؛ لاشتراكهما في هذا المعنى. و الظاهر أنّ مقوليّتها على الثلاثة بالتشكيك، و على فردي المائيّة بالتواطؤ.

و يشترط في انعقاد نذر كلّ واحد منها رجحانه قبل النذر بأن يكون واجبا أو مندوبا، فالوضوء ينعقد نذره دائما؛ لاستحباب فعله أو وجوبه كذلك.

____________

(1) في هامش «ع»: بأن يكون الماء مفقودا «بخطّه».

(2) سنن الدارقطني 1: 187/ 4، مجمع الزوائد 1: 261، كنز العمّال 9: 401/ 26690.

(3) صحيح مسلم 1: 371/ 522، عوالي اللآلي 2: 13/ 26.

71

ثم إن أطلق كان وقته طول العمر، و يتضيّق عند ظنّ الوفاة. و إن قيّده بوقت و اتّفق فيه محدثا فظاهر، و إلّا وجب التجديد، و لو لم يشرع التجديد لم يجب الوضوء و لا الحدث؛ لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط.

و أما الغسل فإن أطلقه أو قيّده بأحد أسبابه الراجحة انعقد، و إلّا فلا، فيوقعه مع الإطلاق على وجه راجح، و في إجزاء الواجب نظر.

و أما التيمّم فلمّا كانت مشروعيّته مشروطة بعدم الماء أو عدم التمكن من استعماله، اشترط ذلك في انعقاد نذره، فيتوقع مع الإطلاق، و يبطل مع التعيين حيث لا يتعذّر استعمال المائية في الزمان المعيّن، و لا يجب عليه تحصيل سببه بالحدث، كما مرّ.

و يشترط في صحة نذره إطلاقه، أو تقييده بأحد أسبابه الراجحة، ففي بدل الوضوء يشترط كون الوضوء رافعا، و في الغسل يختصّ بالواجب و غسل الإحرام، و العهد و اليمين في ذلك كالنذر.

و إنّما أتي ب(قد) التقليلية في مثل هذا التركيب؛ لقلّة وقوع هذه الأسباب بالإضافة إلى الأسباب الأصلية، فإنّ أكثرها جبليّة لا ينفك المكلّف عنها غالبا، و لا يختصّ العارض بالنذر و أخويه بل بها.

(أو تحمّل عن الغير)، كالمصلّي عن الأب ما يجب عليه تحمّله، فإنّه يجب عليه الطهارة له، و كذا المستأجر على عبادة تتوقّف على الطهارة، أو استؤجر على الطهارة نفسها، كما لو نذرها ناذر و مات بعد انعقاد نذره و قبل فعلها، فإنّه يجب فعلها عنه كالصلاة و غيرها.

و في هذا المقام بحث، و هو أنّ المصنّف (رحمه اللّه) جعل ما وجب من الطهارة بالنذر و ما بعده قسيما لما وجب منها بسبب الأحداث المذكورة، و هو يقتضي أنّ موجب ما وجب بالنذر و شبهه ليس هو الحدث المذكور، و إلّا كانت القسمة متداخلة، و إنّما الموجب النذر أو ما بعده.

و هذا أسلوب خاص مغاير لما ذكره الأصحاب في تقاسيم الطهارة حيث جعلوا الواجب منها ما كانت غايته واجبة، كالصلاة و الطواف الواجبين، و مسّ خط المصحف

72

إن وجب، ثم قالوا: و قد تجب الطهارة بنذر و شبهه، بمعنى أنّ الطهارة قد تجب لا لأجل الصلاة و نحوها بل لأجل النذر و إن لم يكن مخاطبا بعبادة مشروطة به.

و على اصطلاح المصنّف هنا يفسّر الوضوء الواجب بالنذر و شبهه بما لا يستند وجوبه إلى الأحداث المذكورة، بل يجب مع عدم حصولها، كالمجدّد. و الغسل الواجب بالنذر أيضا بما لا تكون أحد الموجبات الخمسة حاصلة عنده، فتختصّ بالأغسال المسنونة.

و التيمّم بما لا تكون بدلا من أحدهما، بحيث يكون واجبا بسبب الحدث الموجب، و إنّما يتفق ذلك في غسل مسنون يشرع التيمّم بدلا عنه، كغسل الإحرام.

و يفسّر الواجب منها بسبب التحمّل بما لو نذر الأب طهارة و مات قبل فعلها، أو نذرها ناذر كذلك فاستؤجر المتحمّل على فعلها، فإنّها تجب عليه و إن لم يكن أحد الموجبات واقعا منه.

أما المتحمّل للصلاة عن الأب و المستأجر عليها أو على مشروط بالطهارة، فلا يتمّ الحكم بكونها عديلة لما وجب منها بسبب الموجبات، أعني الأحداث المذكورة، فإنّ الطهارة لا تجب على متحمّل الصلاة و شبهها إلّا مع اتصافه بأحد الأحداث الموجبة لها، إذ الاستئجار على الصلاة يقتضي إيقاعها على طهارة و إن لم يكن لأجلها، فلا يتم حينئذ التفسير الذي قدّمناه، جريا على ما فهمه الشرّاح.

و على ما ذكروه في غير هذه الرسالة يفسّر الواجب من الطهارة بالنذر بما نذر منها في غير وقت عبادة واجبة مشروطة بالطهارة و إن كان محدثا.

و يمكن ردّ العبارتين إلى أمر واحد؛ بناء على ما تقدّم من أنّ الأسباب المذكورة إنّما تكون موجبة للطهارة إذا حصلت في وقت عبادة مشروطة بها كالصلاة، و ما وقع منها قبل الوقت مثلا لا يسمّى موجبا.

و حينئذ فيختص كلام المصنّف في الطهارة الواجبة (1) بما كان سببها واقعا في وقت الصلاة؛ ليتحقّق كونه موجبا، و يوافق غرض الرسالة من قصرها على الواجب. و أمّا

____________

(1) في «د»: الواجبة بأصل الشرع.

73

ما وقع من السبب قبل الوقت، فلمّا لم يكن موجبا (1) أمكن فرض نذر الطهارة عنده، و الحكم بوجوبها بالسبب العارض.

و حينئذ فلا فرق بين الاصطلاحين، لكن لا يخفى ما في الوقوف على معنى الموجب في هذه الأسباب و تخصيص الأعداد المذكورة به من الإخلال، فإنّه يوجب خلوّ الرسالة من حكم ما وقع منها في غير وقت الصلاة، و هو مستهجن.

و لو قيل: إنّه يريد بالموجبات الأسباب المذكورة حيث وقعت، و سمّاها موجبات باعتبار وقوعها في وقت العبادة الواجبة المشروطة بها، زال الإخلال و عاد الإشكال و تغاير الاصطلاح، و الأمر في ذلك سهل إن شاء اللّه تعالى.

(و الغاية) و هي العلّة التي يوجد الشيء لأجلها (في الثلاثة): و هي الوضوء و الغسل و التيمم، هي:

(الصلاة) واجبة كانت أو مندوبة.

(و الطواف) كذلك.

(و مسّ خطّ المصحف) واجبا كان المسّ، كما لو توقّف إصلاح غلطه عليه، أو بنذر و شبهه. أم لا، بمعنى توقّف إباحة المسّ على الطهارة، فإن أراده تطهّر، فهو غاية لها و إن لم يجب.

و هذا أسلوب خاصّ جيّد غير ما ذكره الأصحاب من أنّ الثلاثة تجب لكذا و تستحب لكذا، و لكن فيه خروج عن مصطلح الرسالة من قصرها على واجبات الصلاة. و ممّا ينبّه على إرادة الأعم من الواجب- زيادة على ما تقرّر من المعنى المطابق- ذكر مسّ خطّ المصحف، و دخول المسجدين، و اللبث في غيرهما، و غير ذلك ممّا لا تعلّق له بواجبات الصلاة.

و اعلم أنّ غاية الصلاة و الطواف ليست متفقة عند المصنّف (رحمه اللّه) و أكثر الأصحاب، فإنّ الطهارة شرط في صحة مندوب الصلاة إجماعا، و في كمال الطواف المندوب عند الأكثر، و عبارة الرسالة لا تنافي ذلك، فإنّهما غاية للثلاثة في الجملة.

____________

(1) في «د» موجبا بأصل الشرع.

74

ثم غاية الطهارة قد تكون مشتركة بين الثلاثة، و قد تختص بأحدها، أو باثنين منها.

و حيث ذكر الغاية المشتركة شرع في ذكر المختصّة، فقال:

(و يختص الأخيران)، و هما الغسل و التيمّم (بغاية دخول المجنب و شبهه)، و هو الحائض و النفساء مع انقطاع دمهما دون غيرهم من ذوي الأحداث الكبرى.

(المسجدين) و هما: المسجد الحرام، و مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، سواء حصل معه لبث أم لا. و من ثمّ أطلق الدخول الشامل للّبث و غيره؛ لأنّ اللبث داخل في الدخول بطريق أولى، كما ذكره الشارح المحقّق (1).

(و اللبث فيما عداهما) من المساجد، دون مجرّد الدخول الذي ليس معه لبث، كما لو كان للمسجد بابان، فمرّ من أحدهما إلى الآخر، فإنّه لا يتوقّف عليهما.

و الأولى إلحاق المشاهد المشرّفة بالمساجد في ذلك؛ لاشتمالها على فائدة المسجدية، و زيادة الشرف بالنسبة إليه. و وجه العدم خروجها عن حقيقة المساجد، و مباينتها لها في بعض الأحكام قطعا.

(و قراءة العزيمة) و المراد بها الجنس؛ ليشمل العزائم الأربع، و هي سور السجدات الواجبة. و أبعاضها بحكمها، حتى البسملة إذا قصدها لأحدها و إن كانت الأبعاض ليست داخلة في مفهوم العزيمة. و لو قال: و قراءة شيء من العزائم، كان أشمل.

و تسمّيتها عزيمة باعتبار إيجاب اللّه تعالى السجود عند قراءة ما يوجبه منها، كما هو أحد معنييها، لا بالمعنى المقابل للرخصة، و هو ما جاز فعله مع عدم قيام المانع منه. و إطلاق العزيمة عليها بذلك المعنى من بين الواجبات بنوع من المجاز، و رعاية لحقّ هذا الواجب.

(و يختص الغسل بالصوم)، واجبا كان أو مندوبا (للجنب) و هو من صادف حدث جنابته (2) جزء من الليل يسع الغسل، لا من صادف سبب جنابته الليل، كما ذكره الشارح (3)، فإنّ من أجنب نهارا و لم يغتسل حتى ضاق الليل إلّا عن غسله كان الصوم

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 186.

(2) في «ق»: صادفت جنابته.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 187.

75

غاية لغسله، و إطلاق السبب- الذي هو نزول الماء أو غيبوبة الحشفة- على الحدث- الذي هو المانع من الدخول في العبادة المخصوصة- مجاز من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب.

و اعلم أنّ الصوم لا يكون غاية لغسل الجنابة، إلّا مع تضيّق الليل بحيث لا يبقى منه إلّا قدر فعله علماء أو ظنا، فلو أوقعه المكلّف قبل ذلك لم يكن الصوم غاية؛ لعدم المخاطبة به حينئذ، فإنّ ضيق الوقت إلّا عن قدر الغسل في حكم دخول وقت الصلاة الموجب للغسل، فقبله لا تكون الصلاة المؤقتة غاية له.

و لا فرق في ذلك بين أن نقول: إنّ غسل الجنابة واجب لغيره كما هو الأصح، أو لنفسه. فلو أراد تقديمه على الوقت المذكور، و لم يكن مخاطبا بعبادة واجبة مشروطة به، نوى الندب. و لو قلنا بوجوبه لنفسه نوى الوجوب و ارتفع حدثه على التقديرين، كما يرفع الوضوء الحدث المتقدّم على الوقت، عدا ما استثني منه.

(و) في حكم الجنب (ذات الدم) و هي الحائض و النفساء إذا انقطع دمهما قبل الفجر بمقدار الغسل، و المستحاضة غير القليلة الدم. و إنّما أطلق القول فيها، بحيث يشمل المستحاضة القليلة الدم؛ اتّكالا على ما فصّله قبل.

و القول بأنّ المراد بذات الدم المستحاضة دون أختيها- بناء على أنّ الغسل إنّما يجب عليهما بعد انقطاع دمهما، و حينئذ لا يصدق عليهما كونهما كذلك؛ لزوال المعنى المشتقّ منه (1)- حقيق بالإعراض عنه، فإنّ الإجماع واقع منّا على عدم اشتراط بقاء المعنى المشتقّ منه في صدق الاشتقاق حقيقة، كما لا خلاف في وجوب الغسل عليهما للصوم، فلا وجه للإخلال بذكره.

(و الأولى التيمّم) للصوم (مع تعذّر الغسل) على الجنب و ذات الدم؛ لعموم فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا* (2) و للإجماع على كون حدث الجنابة مانعا من الصوم، فيتحقّق المانع إلى أن يحصل المزيل و هو الغسل، أو ما يقوم مقامه في الإباحة و هو

____________

(1) قاله ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 35- 36.

(2) النساء: 43.

76

التيمّم، عملا بالاستصحاب، فبعد التيمّم يتحقّق الإذن إجماعا و قبله مشكوك فيه، فيتحقّق فيه المنع؛ لتحقّق المانع الشكّ في الإباحة بدونه.

و ليكن قبل الفجر كالغسل، و الظاهر وجوب البقاء عليه إلى أن يطلع الفجر؛ لأنّ النوم ناقض للتيمّم كنقض الجنابة الغسل، فكما لا يجوز تعمّد الجنابة باقيا عليها إلى طلوع الفجر، كذا لا يجوز نقض التيمّم و العود إلى حكم الجنابة قبله، إلّا أن يتحقّق الانتباه قبل الفجر بحيث يتيمّم ثانيا، فإنّه يجوز حينئذ له النوم، كما يجوز له من دون أن يتيمّم. و لانتفاء فائدة التيمّم لو جاز نقضه قبل الفجر و البقاء عليه؛ لأنّ الحدث بعده يعيد حكم الجنابة كما كان. نعم لو غلب عليه النوم على وجه لا يمكنه دفعه فلا حرج، ثم إن انتبه قبل الفجر جدّده، و إلّا فلا.

و وجه عدم وجوب البقاء عليه أنّ انتقاضه بالنوم لا يحصل إلّا بعد تحقّقه، و حينئذ لا حرج؛ لاستحالة تكليف الغافل، و لأنّ نقض التيمّم لو كان كنقض الغسل بالجنابة لزم وجوب الاستمرار عليه طول النهار، إذ لا يجوز تعمّد الجنابة نهارا.

و يضعّف بأنّ النهي يتوجّه إلى توجيه النفس إلى النوم و تهيئة أسبابه و مقدّماته، كما يحرم فعل مقدّمات الجنابة المسببة عنها و إن كان قبل حصولها لا يتحقق، و عند حصولها في الآن المقارن لها لا تكليف؛ للعجز عن دفعها، و نقضه نهارا خارج بالإجماع، فيبقى الباقي، و لو لا الإجماع لكانت المعارضة في محلّها.

و يفهم من قوله: (و الأولى) عدم تعيين التيمّم، بل هو احتياط، و يدل على إرادة الاحتياط أيضا جعله الصوم غاية مختصة بالغسل، فليس فيه رجوع عن قريب كما ادّعاه الشارح (1).

و وجه عدم الوجوب أصالة عدمه، إذ لا دليل عليه ظاهرا، فإنّ الآية في سياق الصلاة، و لا نزاع في وجوب التيمّم بدلا عن الغسل لها، و قد تقدّم ما يصلح وجها للوجوب، و قد قرّبه المصنّف في البيان. (2).

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 188.

(2) البيان: 36.

77

(و يختص التيمّم بخروج الجنب و الحائض من المسجدين) المعهودين إذا احتلم فيهما أو حاضت المرأة، كما هو مورد النصّ (1)، أو أجنب فيهما أو خارجهما ثم دخل عمدا أو نسيانا و إن أثم في الأوّلين.

و إنّما عدل عن مورد النصّ؛ لعدم الفرق في تحريم قطع جزء منهما بغير غسل أو تيمّم بدلا عنه بين كون الجنابة عن احتلام أو غيره، و ذكر الاحتلام في الخبر تبعا للواقعة، و يستفاد الباقي من دليل خارجي، و ربّما استفيد منه أيضا بناء على عدم تعقّل خصوصيّة الاحتلام، و الأوّل أجود.

و ربّما قصره بعض الأصحاب على المحتلم (2)، اقتصارا على مورد النصّ الخاص (3)، و هو ضعيف. و إلحاق المصنّف الحائض إذا أصابها الحيض به للنصّ، و هو تعبّد محض، إذ لا يتصوّر فيها الطهارة.

و نفي المحقّق (رحمه اللّه) الوجوب عن الحائض و حكم بالاستحباب، بناء على أنّه لا سبيل لها إلى الطهارة. (4) و ردّه المصنّف بأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، و عارضة باعترافه بالاستحباب (5).

و يشكل بأنّ المحقّق طعن في الرواية بالقطع، فلا حجّة فيها، و يرجع إلي الاجتهاد، و دليل الاستحباب يتجوّز فيه بخلاف الوجوب.

و الظاهر أنّ النفساء كالحائض هنا دون المستحاضة، بل إما أن تكون كالجنب؛ لقبولها الطهارة، أو يجوز لها الخروج من غير تيمّم؛ بناء على أنّ حدث الاستحاضة لا يمنع من دخول المساجد مع أمن التلويث.

و إطلاق الحكم بوجوب التيمّم للخروج من المسجدين من غير تقييد بإمكان الغسل و عدمه، مستند إلى إطلاق النصّ بالأمر به، و قد اقتصر عليه جماعة من

____________

(1) الكافي 3: 73/ 14.

(2) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 189، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 78.

(3) التهذيب 1: 407/ 1280.

(4) المغتبر 1: 223.

(5) الذكرى: 25.

78

الأصحاب مطلقا. (1)

و الحقّ تقييده بعدم إمكان الغسل داخل المسجدين، بحيث لا يستلزم قطع جزء منه بغير طهارة. و عدم استلزامه تلويث المسجد بالنجاسة، كما لو كان الماء كثيرا. و عدم زيادة زمانه على زمان التيمّم، جمعا بين ما أطلق في هذا الخبر، و ما قيّد في النصوص الكثيرة من الكتاب و السنّة، بل الإجماع على عدم صحة التيمّم للقادر على المائية، و الخبر مبنيّ على الغالب من عدم إمكان الغسل في المسجدين بهذه الشروط، بل لا يكاد يتفق بغيرها أيضا، إلّا على احتمال لا يكاد يتصور في نظر العالم بحالهما، و ذلك كاف في الإطلاق و الاتكال في الفرد النادر على ما علم من الكتاب و السنّة.

و إنّما خصّ الحكم بالمسجدين؛ لأنّ الاجتياز في غيرهما غير مشروط بالطهارة، فيبادر إلى الخروج عند العلم بالحدث، و استقرب المصنّف في الذكرى الاستحباب؛ للقرب إلى الطهارة، و عدم زيادة الكون فيها على الكون له في المسجدين (2).

و لينو في التيمّم للخروج من المسجدين استباحة، و لا ريب في حصولها به، لكن هل يبيح غيره من الغايات المشروطة بالغسل كالصلاة؟ قيل: لا (3)؛ لحكمهم بوجوب الخروج عقيبه بغير فصل متحرّيا أقرب الطّرق، فلو أباح غير الخروج لأباح المكث، و لوجوبه على الحائض التي لا يتصور فيها الإباحة، و خصوصا على القول بتعيّنه مع القدرة على الغسل جامعا للشرائط المتقدّمة، فعلى هذا لا ينوي فيه البدلية، و على ما اخترناه قد يتصور فيه الإباحة على وجه.

و تحقيق المقام أن نقول: لا يخلو إما أن يكون الغسل ممكنا في المسجد بالشرائط الثلاثة، أم لا.

و على التقديرين فإما أن يمكن الاغتسال خارج المسجد، بأن لا يكون المجنب.

متضرّرا بالغسل، و لا فاقدا للماء على وجه تسقط عنه المخاطبة به لو خرج، أم لا.

____________

(1) كابن إدريس في السرائر 1: 117، و المحقّق الحلّي في المختصر النافع: 32، و العلّامة في إرشاد الأذهان 1: 221.

(2) الذكرى: 25.

(3) قاله المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 78- 79.

79

فإن كان الغسل داخله ممكنا، و قلنا بتقديم التيمّم عليه، تعيّن القول بعدم إباحته للصلاة خارج المسجد؛ للإجماع على عدم إباحة الصلاة بالتيمّم مع إمكان الغسل.

و إن قلنا بتقديم الغسل، و لكن لم يمكن تحصيله في المسجد، و أمكن خارجه، لم يتصور إباحته أيضا؛ لوجوب المبادرة بالخروج من المسجد، إذ لا يجوز اللبث فيه للقادر على الغسل. و إنّما وجب التيمّم للخروج؛ لعدم إمكان الغسل حينئذ، و تحريم قطع جزء منه إلّا بالغسل أو بدله، فتمتنع الصلاة في المسجد لذلك، و بعد الخروج يتمكن من الغسل فيفسد التيمّم.

و إن كان الغسل غير مقدور خارج المسجد، فالوجه كون هذا التيمّم مبيحا للصلاة و غيرها ممّا إباحته مشروطة بالتيمّم؛ لوجود المقتضي للإباحة، و فقد المانع.

أما الأوّل فهو التيمّم الواقع في محلّه و هو تعذّر الغسل، و قد أجمع الأصحاب على أنّ التيمّم الواقع كذلك يبيح ما تبيحه الطهارة المائية، و المخالف في بعض الأفراد شاذّ معلوم النسب (1).

و أما الثاني؛ فلأنّ المانع من إباحة التيمّم كان قدرة المكلّف على الغسل، و التقدير عدمه. و حينئذ يمنع وجوب المبادرة إلى الخروج و تحرّي أقرب الطرق؛ لأنّ ذلك مشروط بإمكان الغسل خارج المسجد.

و بما قرّرناه يجمع بين حكم من ذكر من الأصحاب في هذه المسألة وجوب الخروج مبادرا من أقرب الطرق، و بين قولهم في باب التيمّم إنّه يستباح به ما يستباح بالطهارة المائية، فإنّ من جملة ما تبيحه المائية اللبث في المسجدين و غيرهما، فيصح حينئذ اللبث و الصلاة فيهما.

____________

(1) هو فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 66- 67.

80

[واجبات الوضوء]

(ثم واجب الوضوء) أي جنس الواجب (1)؛ ليصح تعدّده (اثنا عشر:)

[الأوّل: النيّة]

(الأوّل: النيّة) و هي لغة: مطلق العزم و الإرادة (2).

و شرعا: إرادة مقارنة للفعل على الوجه المأمور به شرعا.

و قد علم من ذلك وجوب إيقاعها هنا. (مقارنة لابتداء غسل الوجه)؛ لأنّه أوّل واجباته، و ليس وقتها منحصرا فيه، بل يجوز تقديمها عند غسل اليدين المستحب للوضوء، و عند المضمضة و الاستنشاق.

و لا يخرج ذكره لذلك الرسالة عن تخصيصها بالواجب؛ لأنّ ذلك واجب أيضا، غايته أنّها من العبادات الموسّعة، فأوّل وقتها أوّل غسل اليدين، و آخره ابتداء غسل الوجه. و إنما ترك التعرّض لذلك؛ لأنّ تلك المواضع التي شرع تقديمها عندها ليست من أحكام الرسالة، فترك ذكر النيّة عندها لذلك.

و المراد من النيّة: بعث النفس و القصد إلى إيقاع العبادة المخصوصة على وجه التقرّب إلى اللّه تعالى.

(و صفتها) حينئذ (أتوضّأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى اللّه) و قد علم من

____________

(1) في «د» الوضوء.

(2) العين 8: 394، الصحاح 6: 2516، تاج العروس 20: 266 «نوى».

81

الكلمات الموضوعة للدلالة على القدر الذي يستحضره ما يجب فيها، و هو قصد الفعل و نيّة الاستباحة للصلاة، أعني طلب رفع المنع من الصلاة المستندة إلى الحدث.

و في حكم استباحة الصلاة استباحة ما تتوقّف استباحته على الطهارة كالطواف و مسّ القرآن.

و تعليل الفعل بكونه يوقعه لوجوبه و التقرّب به إلى اللّه تعالى، بمعنى موافقة إرادته، أو طلب الرفعة عنده بواسطة نيل الثواب، تشبيها بالقرب المكاني.

و آثر هذه الصيغة؛ لورودها في الكتاب و السنّة كثيرا، كقوله تعالى وَ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ عِنْدَ اللّٰهِ وَ صَلَوٰاتِ الرَّسُولِ أَلٰا إِنَّهٰا قُرْبَةٌ لَهُمْ (1) و قوله في الحديث القدسي:

«ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالصلاة حتى أحبّه» (2)، و قوله (عليه السلام): «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه و هو ساجد». (3).

و حقيقة النيّة من جميع ذلك هو القصد إلى الفعل، و اعتبرت نيّة الاستباحة و الوجه؛ لأنّ الامتثال في العبادة إنّما يتحقّق بإيقاعها على الوجه المطلوب، و لا يتحقّق ذلك الوجه في الفعل المأتيّ به إلّا بالنيّة؛ لقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (4)، أي لأجلها، و فيه نظر حرّرناه في شرح الإرشاد (5).

و أما نيّة التقرّب فلا ريب في اعتبارها، و قد قال سبحانه وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (6)، و لا يتحقّق الإخلاص إلّا بها.

و هذا الكلام و إن كان عن أهل الكتاب، لكنه ثابت في حقّنا؛ لقوله تعالى وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (7)، أي المستمرة في جهة الصواب، كما ذكره المفسّرون (8)، فلا يصح

____________

(1) التوبة: 99.

(2) فتح الباري 11: 341، الفرق للقرافي 2: 130.

(3) سنن أبي داود 1: 545/ 875، مسند أحمد 2: 421، سنن النسائي 2: 226.

(4) المائدة: 6.

(5) روض الجنان: 28.

(6) البيّنة: 5.

(7) البيّنة: 5.

(8) التبيان 1: 389- 390، مجمع البيان 10: 522- 523.

82

النسخ عليها.

و لا ريب أنّ اعتبار ما ذكره المصنّف في هذه النيّة هو الأحوط.

و الواجب إحضار النيّة بالبال فعلا عند أوّل العبادة، و لا يجب استمرارها إلى آخرها؛ لتعذّره أو تعسّره على المكلّفين، (و) لكن (يجب استدامتها) و استمرارها (حكما إلى الفراغ) من الوضوء، بمعنى أن لا يحدث نيّة بعد النيّة الأولى تنافيها أو تنافي بعض لوازمها، كأن ينوي قطع الطهارة، أو الرياء ببعض الأفعال، أو التبرّد، أو التنظيف بغسل بعض الأعضاء.

فعلى هذا الاستدامة أمر عدمي، فمتى لم يحدث نيّة مخالفة فالنيّة الأولى بحالها.

و فسّرها المصنّف (رحمه اللّه) في الذكرى (1) و القواعد (2) بأمر وجودي، و هو البقاء على حكمها و العزم على مقتضاها، أو تجديد العزم عليها كلّما ذكر؛ مستدلا بأنّ مقتضى الدليل الدال على اعتبار النيّة في العبادات كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّما الأعمال بالنيّات» (3) وجوب استصحاب النيّة فعلا، لكن لمّا تعذّر في العبادة الطويلة أو تعسّر اكتفى بالاستدامة الحكمية.

و في دلالة الدليل على ذلك نظر؛ لأنّ المراد بالنيّة أما العزم على الفعل و إن تقدّم كما ذكره أهل اللغة، أو القصد المقارن كما اختاره الفقهاء حتى صار حقيقة شرعية فيه، و كلاهما لا يدل على اعتبار الاستمرار الفعلي.

و المراد بالأعمال المعهودة عند الشارع كالصلاة و الطواف (4)، و إطلاق ذلك على أجزائها مجاز لا يصار إليه هنا، مع أنّ مقتضى دليله وجوب الإتيان بالقدر الممكن فيها، إما باستصحابها فعلا، أو بالرجوع إليها بحسب الإمكان؛ لعدم الدليل الدالّ على وجوب الاستدامة بالمعنى المذكور، بحيث يجعلها بدلا عن النيّة، و لا ينتقل إلى

____________

(1) الذكرى: 81.

(2) القواعد و الفوائد 1: 93.

(3) سنن أبي داود 2: 651/ 2201، كنز العمّال 3: 793/ 8780.

(4) في «د»: و الطهارة.

83

غيرها و إن أمكن.

و الحقّ في توجيه الاستدامة الحكمية أنّ الواجب لمّا كان هو إيقاع العبادة على ذلك الوجه المخصوص، و كانت إرادة الضد منافية لإرادة الضد الآخر، اقتضى ذلك وجوب الاستمرار على ذلك الوجه المطلوب شرعا، و يتحقّق بعدم إحداث نيّة تنافي الأولى، فمتى لم ينو نيّة مخالفة حصل له ما نواه أوّلا؛ للامتثال، فلا يفتقر إلى تجديد العزم؛ لعدم الدليل عليه.

و قد بنى المصنّف (رحمه اللّه) التفسيرين على مسألة كلامية اختلف فيها، و هي أنّ الممكن الباقي هل هو مستغن عن المؤثّر، أو محتاج إليه؟ فعلى الأوّل يثبت التفسير الأوّل، و على الثاني الثاني.

و الظاهر أنّ هذا البناء لا حقيقة له:

أما أوّلا؛ فلعدم الدليل عليه.

و أما ثانيا؛ فلأنّ ذلك يقتضي وجوب استمرارها فعلا إلى آخر العبادة، لأنّها تصير حينئذ علّة للعبادة مؤثّرة، فيلزم حينئذ انتفاء صحة العبادة عند الذهول عنها و هو منتف إجماعا. و العزم على مقتضاها ليس هو عين النيّة الاولى، فلا يكون مؤثّرا في العبادة، إذ الدليل إنّما دلّ على اعتبار النيّة المعهودة، و تعذّرها يوجب الإتيان بالقدر الممكن منها و تجديدها كذلك، لا إقامة بدلها.

و أما ثالثا؛ فلما بيّناه من أنّ الدليل إنّما يدل على اعتبار النيّة في أوّل العبادة، فيستمر حكمها إلى أن يصرف القصد إلى ما يضادّها، فالتفسير الأوّل أجود.

إذا تقرّر ذلك، فلو نوى قطع الطهارة أو المنافي للنيّة بطلت النيّة بالنسبة إلى ما بقي من الأفعال لا الوضوء؛ لأنّه عبادة منفصلة الأجزاء شرعا، لا تتوقّف صحة بعضه على البعض الآخر مطلقا. و لهذا لو أخلّ بغسل بعض الأعضاء على الوجه المعتبر شرعا بطل ذلك العضو لا غير، فلو جدّده بحيث لا يخلّ بعضها بالموالاة صحّ، بخلاف الصلاة فإنّ أفعالها متّصلة مرتبطة، بحيث يؤدي إفساد بعضها عمدا إلى فساد الصلاة و بطلان ما تقدّم من الأفعال، فإذا أراد تمام الوضوء هنا و الموالاة باقية استأنف النيّة

84

لما بقي من الأفعال.

(و لو نوى المختار) و هو من ليس بذي حدث دائم (الرفع) أي رفع الحدث بدل نيّة الاستباحة (أو نواهما) أعني (1) الرفع و الاستباحة (جاز) لتلازمهما في غير دائم الحدث، إذ المراد من الحدث هنا: هو المانع من الدخول في العبادة، و هو أثر السبب الحاصل للمكلّف الذي يطلق عليه أيضا (2) اسم الحدث، لكنّه غير مراد هنا؛ لعدم إمكان رفعه، و إنّما المرتفع أثره، و هو المانع من الصلاة و نحوها.

و المراد بالاستباحة: رفع المنع من الصلاة، و هو أعم من رفع المانع، أعني الحدث؛ إذ قد يرتفع المنع و لا يرتفع المانع بالكليّة، كما في المتيمّم فإنّه يستبيح الصلاة مع عدم ارتفاع حدثه، و من ثمّ تجب عليه الطهارة المائيّة عند التمكّن منها، و لو كان الحدث مرتفعا لم تجب الطهارة المائية، و كما في دائم الحدث فإنّ الإباحة تحصل له بوضوء للصلاة الواحدة، مع بقاء أثر الحدث المتأخّر عن الطهارة، سواء قارنها أم تقدّم عليها، حتى لو فرض انقطاع الحدث بعد ذلك وجب عليه الطهارة للحدث المتأخّر عن الطهارة الأولى. فدلّ ذلك على عدم ارتفاع حدثه، و إنّما حصل له بالطهارة إباحة الصلاة خاصة.

و قد ظهر من ذلك الفرق بين الرفع و الاستباحة، و أنّهما متلازمان في حقّ المختار، فيتخيّر بين نيّة الرفع، أو الاستباحة، أو نيّتهما معا: إما تأكيدا، و إما للخروج من خلاف القائل بوجوب الجمع بينهما؛ بناء على عدم تلازمهما مطلقا، و إما لتحصيل نيّة كلّ واحد منهما مطابقة.

(أمّا المستحاضة و دائم الحدث فالاستباحة، أو هما لا غير) هذين الأمرين، أعني نيّة الاستباحة أو نيّتهما؛ لما قد عرفت من عدم ارتفاع حدث دائم الحدث، فلا تعقل نيّة رفعه مع عدم ارتفاعه، فينوي الاستباحة، و تحصل له و إن بقي أثر الحدث. و لو نواهما انصرف إلى السابق على الطهارة، و الاستباحة إلى المتأخّر عنها.

____________

(1) في «ق»: أي.

(2) أيضا: لم ترد في «ق» و «د».

85

و ذهب المصنّف في بعض تحقيقاته إلى الاكتفاء بنيّة رفع الحدث؛ بناء على أنّ المراد منه هو المانع، و لو لا ارتفاعه لما أبيحت الصلاة، أو بحمله على الحدث السابق، و المتأخّر من الحدث معفوّ عنه و إن لم ينو إباحته، بل لا يكاد يعقل نيّة الإباحة منه قبل وقوعه، و إنّما هو عفو من اللّه تعالى (1).

و هذا القول ليس بعيدا من الصواب، فإنّا لا نعقل من الحدث إلّا الحالة التي لا يصح معها الدخول في الصلاة، فمتى أبيحت الصلاة زالت تلك الحالة، فارتفع الحدث بالنسبة إلى هذه الصلاة، بمعنى زوال المانع و إن بقي في غيرها.

و أيضا فإنّ النيّة إنّما تؤثّر في الإباحة من الحدث السابق عليها كما قلناه، لا المتأخّر؛ إذ لم يعهد ذلك شرعا، و المتأخّر مغتفر في هذه الصلاة، و السابق لا مانع من رفعه بالنيّة، و أولى بالصحة ما لو نوى رفع الحدث الماضي؛ لإمكانه و اغتفار الطارئ.

فإن قيل: مع الإطلاق يكون الرفع مشتركا بين رفع الماضي و رفع الأثر المانع مطلقا، و صرف المشترك إلى أحد معنييه لا يجوز بغير قرينة؛ لأنّه صرف إلى بعض المعنى.

قلنا: الإطلاق ينصرف إلى رفع القدر المانع من الدخول في الصلاة الذي يمكن رفعه بالطهارة، و قد تقرّر أنّ ذلك ليس إلّا السابق، و لو سلّم أنّه الجميع لكان المرتفع القدر المشترك بينهما، لا أحدهما، و لا كلّ واحد منهما.

و أما تخصيص الحدث بنفس الأثر المانع و الاستباحة بالمنع و تجويز انفكاك أحدهما عن الآخر، فهو اصطلاح خاص، و ليس في الدليل النقلي ما يدلّ عليه، بل إنّما اقتضي كون المراد بالحدث هو الحالة المانعة من العبادة، و بالإباحة إزالتها و رفعها. غاية ما في الباب أنّها قد ترتفع مطلقا بالنسبة إلى جميع الصلوات، و قد ترفع بالنسبة إلى صلاة واحدة، و هذا لا يكفي في تخصيص كلّ قسم باسم بحيث لا ينصرف إلى غيره و إن كان الوقوف مع المشهور أولى.

و اعلم أنّ عطف دائم الحدث على المستحاضة من باب عطف العامّ على الخاصّ،

____________

(1) الذكرى: 81.

86

فإنّ المستحاضة بعض أفراد دائم الحدث، و خصّها بالذكر لمزيد الاهتمام بشأنها بسبب كثرة وقوعها و الحاجة إلى معرفة حكمها، بخلاف السلس و المبطون، و هذا القدر مسوّغ لتخصيص بعض أفراد العامّ مع ذكر العامّ الواجب.

[الثاني: غسل الوجه]

(الثاني: غسل الوجه) و حدّه (من قصاص) مثلث القاف، و هو منتهى منبت (شعر الرأس حقيقة)، كما في مستوي الخلقة (أو حكما) كما في الأنزع و الأغمّ، فإنّ حدّ وجههما من أعلا منبت شعر رأس مستوى الخلقة، (إلى محادر) بالدال المهملة؛ موضع انحدار (شعر الذقن) بالذال المعجمة و القاف المفتوحتين: مجمع اللحيين بفتح اللام، (طولا) أي في طول الوجه. و أطلق- على بعده- من أسفل إلى أعلى الطول؛ لمناسبة طول البدن، و إلّا فالطول هو البعد الزائد أو المفروض أوّلا، سواء كان من الأعلى أم لا.

و قد استفيد من رجوع الأنزع و الأغمّ إلى مستوى الخلقة عدم وجوب غسل النزعتين بالتحريك، و هما البياضان المكتنفان للناصية، كما لا يجب غسل الناصية.

و أما الأغمّ فيجب عليه غسل ظاهر الشعر الكائن على الجبهة؛ لانتقال اسم الوجه إليه، و غسل البشرة الظاهرة في خلال الشعر دون المستورة.

(و ما حواه الإبهام) بكسر الهمزة: و هي الإصبع الغليظة المتطرّفة، و جمعها أباهيم.

(و) الإصبع (الوسطى عرضا) أي في عرض الوجه.

(حقيقة) في مستوى الخلقة بالنسبة إلى الوجه و اليدين (أو حكما) كما في كبير الوجه و صغيره و طويل الأصابع و قصيرها، فإنّه يغسل من الوجه ما يغسله مستوي الخلقة، و يدخل في هذه الحدود شعر الحاجبين و الشارب و العنفقة و شعر الخدّين، فيجب غسل ظاهره.

و كذا يجب غسل ظاهر الأهداب، بالدال المهملة؛ و هي شعر الأجفان.

و العارضين: و هما الشعر المنحطّ عن القدر المحاذي للأذن، نابتا على اللحية من الجانبين، و الذقن تحتهما و هو مجمع اللحيين؛ لانتقال اسم الوجه إلى ذلك كلّه،

87

و لا يجب غسل ما تحته. نعم يجب غسل البشرة الظاهرة خلاله، كما مرّ.

و الأحوط غسل العذار: و هو ما حاذى الأذن يتصل أعلاه بالصدغ و أسفله بالعارض، و كذا غسل موضع التحذيف، بالذال المعجمة: و هو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين العذار و النزعة، سمّي بذلك لحذف النساء و المترفين الشعر منه.

(و يجب تخليل ما) أي الشعر الذي (يمنع وصول الماء) إلي ما تحته على وجه الغسل، (إذا خفّ) الشعر المانع، بأن كانت البشرة ترى من خلاله في مجلس التخاطب، و ربّما فسّر بما لا يعسر وصول الماء إلى منابته.

(أما الكثيف من الشعور) و هو ما قابل الخفيف بمعنييه، (فلا) يجب تخليله، بل يغسل ظاهره الكائن منه على الوجه خاصة؛ لانتقال اسم الوجه إليه.

و إنّما فسّرنا الموصول بالشعر مع أنّه أعم منه؛ لعدم استقامة المعنى مع إرادة العموم؛ لأنّ ما يمنع غير الشعر من خاتم و نحوه يجب تخليله مطلقا مع الإمكان، بل لا يكاد يطلق عليه اسم الخفة و مقابلها.

اللهم إلّا أن يقال: بأنّ مفهوم الشرط ليس بحجّة، و يكون حكم الشعر الخفيف مسكوتا عنه.

أو نقول: إنّ اقتصاره على إخراج الكثيف من الشعور يؤذن بتعميم الحكم في غيره، أو يوجب تدافع المفهومين، و يبقى حكم غير الشعر مسكوتا عنه.

و ربما أعيد ضمير (خفّ) إلى قوله: (تخليل)، بمعنى وجوب تخليل كلّ ما يمنع وصول الماء إلى ما تحته إذا خفّ تخليله، بمعنى انتفاء الضرر بتخليله.

و معنى تمام الكلام: أما الكثيف من الشعور فلا يجب تخليله مطلقا، سواء كان في تخليله ضرورة أم لا.

و فيه تفسير الخفّة في هذا الباب بغير المصطلح، فإنّ الواقع في عبارة القوم كونه من أوصاف الشعر، و تفسير الخفة بانتفاء الضرر مع أنّها أعمّ منه، و ليس في العبارة إشعار بالتخصيص، و جعل كثيف الشعر قسيما لما لا ضرر في تخليله، و المطابق كون القسيم ما فيه ضرر، و لا ريب أنّ اختلال العبارة بتلك الوجوه السابقة أولى بها من حملها على

88

هذا المعنى البعيد.

و كيف كان فالعبارة خالية عن المتانة و حسن التأدية للمعني المراد منها، و ما حكم به هنا من وجوب تخليل الشعر النابت على الوجه إذا خفّ بالمعني الأوّل هو أحوط القولين، و المشهور و الذي اختره المصنّف في غير هذه الرسالة عدم وجوب تخليل الشعر النابت على الوجه، سواء خفّ كلّه أم كثف أم تبعّض، لرجل كان أم لا مرأة (1)؛ لأنّ الوجه اسم لما يواجه به ظاهرا فلا يتبع به غيره، و لعموم قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة: «كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا أن يبحثوا عنه، لكن يجرى عليه الماء» (2) و المراد بما أحاط به الشعر من البشرة: ما لا يرى من خلاله في جميع كيفيات مجالس التخاطب، فلا اعتبار بإحاطته به في حالة دون أخرى ممّا يصدق عليه اسم المجالسة؛ لعدم تحقق الإحاطة حقيقة، إذ يصدق انتفاؤها أيضا، و ما يمكن سلب الاسم عنه فتسميته به مجازية، مع احتمال عدم اشتراط ذلك.

و اعلم أنّ الخلاف في غسل بشرة الخفيف إنّما هو في المستور منها كما بينّاه، لا في البشرة الظاهرة خلال الشعر على كلّ حال، بل يجب غسلها إجماعا؛ لعدم انتقال اسم الوجه عنها، و عدم إحاطة الشعر بها. فعلي هذا لا بدّ لخفيف الشعر من إدخال الماء إلى البشرة التي بين شعره، و غسل ما ظهر منها، و حينئذ فتقل فائدة الخلاف في ذلك.

(و تجب البدأة) في غسل الوجه (بالأعلى) إلى الذقن، فلو نكس بطل، خلافا للمرتضى. (3)

لنا: وصف الباقر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه غسل وجهه من أعلاه. (4)

____________

(1) الذكرى: 84.

(2) الفقيه 1: 28/ 88، التهذيب 1: 364/ 1106.

(3) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 143 و العلّامة في المختلف 1: 109، و أسنده صاحب الجواهر فيه 2: 148 إلى كتاب المصباح.

(4) الكافي 3: 24/ 1، الفقيه 1: 24/ 74، التهذيب 1: 55/ 157.

89

و للمرتضى إطلاق الآية (1)، و منعه العمل بخبر الواحد، فلا يقيّد المطلق الثابت، و حيث قلنا بالتعبّد به لزم الحكم بالتقييد.

و المعتبر في غسل الأعلى فالأعلى المفهوم العرفي، فلا يقدح فيه اليسير من بعض الجهات بحيث لا يخلّ بتسميته غسلا للأعلى عرفا، و لأنّ الوقوف على حدّه الحقيقي غير ممكن. و في الاكتفاء فيه بكون كلّ جزء من العضو لا يغسل قبل ما فوقه على خطّه و إن غسل ذلك الجزء قبل الأعلى من غير جهته، وجه وجيه.

(و لا يجب غسل فاضل اللحية عن الوجه) لخروجه عن المحدود، و لا فرق في ذلك بين الطول و العرض، و إنّما يجب غسل الشعر الكائن على الخدّين و نحوه و إن اتّصل بشعر اللحية و دخل في مسمّاها عرفا. و يستفاد من تقييد عدم الوجوب بالفاضل أنّ الجزء المتّصل بالوجه الذي لا يخرج عنه منها يجب غسله كشعر الوجه. و كما لا يجب غسل فاضل اللحية لا يجب إفاضة الماء على ظاهره؛ لعدم اتّصاف فاقد اللحية بنقض الوجه.

[الثالث: غسل اليدين]

(الثالث: غسل اليدين من المرفقين) بكسر الميم و فتح الفاء، و بالعكس، سمّي بذلك لأنّه يرتفق بهما في الاتّكاء و نحوه. و المراد بهما: العظمان المتداخلان، أعني طرف العضد و الذراع، لا نفس المفصل.

و كيفيّة الغسل وقوعه في حال كونه (مبتدئا بهما إلى رءوس الأصابع) في المشهور، فلا يجزئ النكس كالوجه.

و اعلم أنّه لا خلاف في وجوب غسل المرفقين مع اليدين، إنّما الخلاف في سببه هل هو النّص، بجعل إلى في الآية (2) بمعنى (مع) كقوله تعالى مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ* (3) و لأنّ الغاية تدخل في المغيّى حيث لا مفصل محسوس، و لدخول الحدّ المجانس في الابتداء و الانتهاء، كبعت الثوب من طرفه إلى طرفه الآخر، و للوضوء البيانيّ حيث

____________

(1) المائدة: 6.

(2) المائدة: 6.

(3) آل عمران: 52.

90

أدار (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الماء على مرفقيه مبتدئا بهما (1)، أو الاستنباط من باب مقدّمة الواجب بجعل الى للغاية، و هي لا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها و لا خروجه؛ لوروده معهما، و الأصح الأوّل.

و تظهر الفائدة في وجوب غسل جزء من العضد فوق المرفق حال اتّصاله، و عدم وجوب غسل رأس العضد لو قطعت من المرفق حال اتّصاله.

فإن قلنا بوجوب غسله استنباطا لم يجب غسل الأوّل؛ لأنّ نفس المرفق هو المقدّمة، فلا يتوقّف على مقدّمة أخرى، و يسقط غسل رأس العضد في الثاني لظهور طرف اليد، فتسقط المقدّمة.

و إن قلنا بالأصالة وجب الأمران؛ لكون الأوّل هو المقدّمة، و الثاني جزءا من محل الفرض، كما لو قطعت من الزند.

(و يجب تخليل ما يمنع وصول الماء) إلى البشرة (كالخاتم) بفتح التاء و كسرها، (و الشعر) و المراد بتخليله إدخال الماء خلاله على وجه يتحقّق معه مسمّى الغسل لجميع البشرة الكائنة تحته.

و لا فرق في وجوب تخليل الشعر هنا بين الخفيف و الكثيف؛ لعدم انتقال اسم اليد إليه، بخلاف شعر الوجه.

و يجب غسل هذا الشعر أيضا؛ لأنّه من توابع اليد، كما يجب غسل الظفر و إن خرج عن حدّ اليد، و غسل الإصبع و اللحم الزائدين في المرفق أو تحته، و اليد الزائدة كذلك و إن تميّزت عن الأصليّة، و كذا لو كانت فوق المرفق و لو تتميّز، و لو تميّزت حينئذ فالأصحّ عدم وجوب غسلها، وفاقا للمصنّف؛ حملا لليد على المعهود، و قبول انقسام اليد إليها و إلى غيرها أعمّ من الحقيقة.

و لو كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته على وجه الغسل وجب إزالته مع الإمكان، و لو ثقبت يده وجب إدخال الماء الثقب؛ لأنّه صار ظاهرا، جزم به

____________

(1) الكافي 3: 25- 26/ 5، التهذيب 1: 56/ 158، الاستبصار 1: 57/ 168.

91

المصنّف في الذكرى (1)، و هو يقتضي وجوب إدخال الماء في ثقب الأذن، و غسل باطنه في الغسل بطريق أولى، و لو التحم فلا ريب في السقوط.

(و البدأة ب) اليد (اليمنى) و هو موضع وفاق بين علمائنا، و الوضوء البيانيّ يدل عليه أيضا، و هما مبيّنان لإجمال الآية أو مقيّدان لإطلاقها، و من ثمّ وافق المرتضى عليه (2) مع أنّ حجّته لا تقتضيه.

[الرابع: مسح مقدَّم شعر الرأس]

(الرابع: مسح مقدَّم شعر الرأس) بضم الميم و تشديد الدال المفتوحة، نقيض المؤخّر بالتشديد، و المراد به المختص بمقدّم الرأس بحيث لا يخرج بمدّه عن حدّه المقدّم، فلا يجزئ المسح على شعر غير المقدّم و إن كان موضوعا عليه، و لا على شعره غير المختصّ به كالجزء من الطويل الخارج بمدّه عنه.

و هذا التحديد ثابت في حال كونه (حقيقة) في مستوي الخلقة بالنسبة إلى نبات شعر رأسه، بأن لا يكون أنزع قد انحسر الشعر عن بعض مقدّم رأسه، و لا أغمّ قد تجاوز شعر رأسه إلى جبهته و جبينه.

(أو حكما) في غير المستوي كهذين، فيمسح الأغمّ على الشعر الكائن على ما يعدّ مقدّما لرأس مستوي الخلقة، لا على ما عليه الشعر مطلقا؛ لأنّ بعضه معدود من جملة الوجه.

و وجه كون ذلك مقدّم شعر الرأس حكما، أنّ الشائع المعروف حسّا كون الرأس هو ما ينبت عليه الشعر، و حيث لم يكن ذلك مرادا هنا؛ لعدم جواز المسح على الشعر الكائن على الجبهة و ما في حكمها، حاول المصنّف بيان المراد بقوله: (أو حكما) بمعنى أنّ بعض ما عليه الشعر للأغمّ الذي قد يفهم منه أنّه مقدّم شعر رأسه هو بحكم شعر المقدّم، و الباقي خارج عن الحكم. فلو اكتفى بقوله: (حقيقة) أو بلفظ يطلق عليها لم يعلم خروج شعر الأغمّ الخارج عن مستوي الخلقة؛ لعدم المفصل المعيّن الموجب

____________

(1) الذكرى: 85.

(2) الانتصار: 18.

92

لاختصاص اسم الرأس.

و أمّا الأنزع، فلمّا لم يكن على بعض مقدّم رأسه شعر، لم يدخل ذلك البعض في قوله: (مقدّم شعر الرأس) فإنّ الإطلاق ينصرف إلى الحقيقة، و لا شعر هنا، مع أنّ المسح عليه جائز، فنبّه على دخوله بقوله: (أو حكما) فإنّ بشرة الأنزع التي هي محل شعر مقدّم مستوي الخلقة في حكم شعر مقدّم رأسه و إن لم يكن إياه حقيقة، و قوله:

(أو بشرته) أي بشرة مقدّم شعر الرأس، و أراد بذلك إدخال محلوق الرأس و نحوه، فإنّه يمسح على بشرة شعر المقدّم.

و اعلم أنّ هذه العبارة من مشكلات الرسالة دلالة على المطلوب منها، و قد اضطربت فيها الأفهام تنزيلا و جرحا و تسديدا.

و تحرير القول فيها أنّ الرأس إن كان إنّما يطلق حقيقة على رأس مستوي الخلقة، و غيره يحال عليه كما هو الظاهر، فالأغمّ يعلم حكمه من قوله: (حقيقة) فإنّ ما زاد من شعره عن رأس مستوي الخلقة لا يسمّى شعر مقدّم رأسه حقيقة، فيخرج من العبارة، و يقتضي حينئذ أنّه لا يمسح إلّا على مقدّم شعر رأسه حقيقة، و هو ما ناسب شعر رأس مستوي الخلقة، فلا يفتقر إلى إدخاله في قوله: (حكما) لأنّه بالحقيقة ألصق، فإنّ الشعر النابت على الجبهة و الجبين لا يسمّى مقدّم شعر الرأس حقيقة و لا حكما، فهو خارج بأوّل الكلام.

و أما الأنزع فإنّه لمّا لم يكن على موضع نزعته شعر لم يدخل في قوله: (مقدّم شعر الرأس) لا مطلقا و لا بقيد الحقيقة؛ إذ ليس هناك شعر يدخل في نظائره، و جعل بشرته- التي لو قدّر مستوي الخلقة لكان عليها شعر- في حكم الشعر المقدّم، يوجب كون بشرة المحلوق في حكم المقدّم بطريق أولى؛ لأنّها منبت الشعر، و هو موجود فيها بالقوّة القريبة من الفعل، بل أصوله موجودة فيها، فكونها في حكم شعر المقدّم أولى من كون بشرة الأنزع في حكمه. فاللازم حينئذ إما ترك قوله: (أو بشرته) و يكتفى بقوله (أو حكما)، و يريد بذلك إدخال من ليس على مقدّم رأسه شعر، سواء كان لنزعة أم لحلق أم لغيرهما، أو يكتفي بذكر تلك البشرة عن الحكم.

93

فمن هنا جعل بعضهم في العبارة تكرارا (1)؛ بناء على أنّ قوله: (أو بشرته) مغن عن قوله (أو حكما).

و بعضهم اقتصر على استشكال إدخال الأنزع في الحكم دون الأغمّ؛ بناء على عدم تسمية بشرته شعرا، و لدخوله في قوله: (أو بشرته)، فإنّ مدلولها المطابقي يدخل الأنزع، و لا وجه لإدخاله في غيره، و كلا الأمرين مندفع عن العبارة:

أما الأوّل: فلأنّ ضمير قوله: (أو بشرته) يعود على مقدّم شعر الرأس كما سبق، و الأنزع لا مقدّم لشعر رأسه في النزعتين، فلا يدخل في بشرته، فلو لا قوله: (حكما) لخرج.

و إنّما يتمّ ذلك لو كان ضمير (بشرته) يعود على مقدّم الرأس من غير اعتبار الشعر، لكنّه غير صحيح، إذ ليس مقدّم الرأس مذكورا في العبارة حتى يعود عليه الضمير، و إنّما المذكور مقدّم شعر الرأس، و أحدهما غير الآخر، و متى انتفى الشعر عن مقدّم رأس الأصلع انتفت بشرته. و إنّما دخل في قوله: (أو حكما) فإنّ الصلعة في حكم شعر مقدّم الرأس من مستوي الخلقة. فيصير تقدير العبارة: يجب مسح مقدّم شعر الرأس حقيقة في من نبت على مقدّمه شعر و لم يتجاوز الغالب، أو حكما في الأنزع و الأغمّ باعتبار المنع في الزائد بالنسبة إليه أو بشرة مقدّم شعر الرأس عند حلقه، و نحوه.

و أما الثاني: فمبني كلامه على أنّ ضمير (بشرته) يعود على الرأس؛ لقربه، بمعنى وجوب مسح بشرة الرأس، فيدخل فيه الأنزع و محلوق الرأس. و يندفع بمنع صحّة عود الضمير على الرأس؛ لاستلزامه جواز المسح على أي جزء من بشرة الرأس حتى المؤخّر؛ إذ لا دلالة للّفظ حينئذ على اختصاصه بالمقدّم؛ لأنّه جعله قسيما لمقدّم الشعر، فلا يجب مشاركته في المقدميّة.

و حيث بطل عود الضمير على الرأس و على مقدّمه تعيّن عوده على مقدّم شعره،

____________

(1) حكاه عن كثير من الطلبة المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 195.

94

و حينئذ فلا يدخل الأنزع في قوله: (أو بشرته) إذ لا مقدّم لشعر رأسه على النزعة، فلا بشرة له، فتعيّن إدخاله في الحكم لئلا يلزم الإخلال بذكره.

و العجب من إدخال الأغمّ في الحكم دون الأنزع، مع أنّ الأغمّ ليس شعر رأسه المساوي لشعر المستوي في حكم شعر المقدّم، بل عينه، فهو بالحقيقة أولى، بخلاف الأنزع، فلو عكس الأمر و قيل: يدخل في الحكم الأنزع دون الأغم؛ لأنّ الزائد من شعره عن مستوي الخلقة ليس شعر مقدّم الرأس، فخرج من أوّل الأمر، كان أولى.

نعم، بقي في العبارة أن يقال: يمكن الاكتفاء بقوله: (حكما) عن قوله:

(أو بشرته)، فإنّ بشرة الأنزع إذا كانت في حكم شعر المقدّم كانت بشرة المحلوق أولى بالحكمية، فلا يحتاج إلى عبارة أخرى تدخلها، و قد سبق التنبيه عليه.

و يعتذر له بأنّ هذا المعني لخفائه و احتياجه إلى تكلّف في إلحاق البشرة بالشعر، أوجب التصريح بذكر البشرة، و هذا لا يفيد التكرار المحض، خصوصا مع كون الرسالة موضوعة لعامّة المكلّفين، المقتضي لتفصيل الحال دون الإجماع. و إنّما اضطررنا إلى إدخال الأنزع في الحكم مع خفائه؛ لعدم إمكان إدخاله في قوله: (أو بشرته) كما بيّناه، فاستقامت العبارة على نهج السداد و إن عسر منها تحقيق المراد.

و يجب أن يكون المسح (ببقيّة البلل) الكائن على أعضاء الوضوء الواجب غسلها أو المندوب، فلو استأنف له بللا خارجا عن ذلك و إن كان على أعضاء المسح لم يصح، و يتحقّق الاستئناف في ذلك بانتقال البلل الموجود على جزء من العضو الممسوح إلى جزء آخر بواسطة الماسح، فلو كان العضو رطبا و لم ينتقل البلل عنه بالمسح، لم يضرّ.

و يجزئ في المسح مسمّاه (و لو) كان (بإصبع) بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، بمعنى الاكتفاء بكون الإصبع آلة للمسح بحيث يحصل بها مسمّاه، لا كونه بقدر الإصبع عرضا. و هذا التقدير لأقل الواجب، فلو زاد عليه كان واجبا أيضا و إن وصف بالاستحباب، بمعنى كونه أفضل الواجبين. هذا إن أوقعه دفعة، و إلّا كان الزائد على المسمّى مستحبا؛ لجواز تركه لا إلى بدل، و أصالة عدم الوجوب، و عدم الدليل عليه.

95

و غاية المؤكد ثلاث أصابع، و يجوز الزيادة عليها ما لم يستوعب جميع الرأس، فيكره على الأصح، إلّا أن يعتقد شرعيته فيأثم خاصة، و قيل: يبطل المسح (1)، و قد أغرب الشارح المحقّق (رحمه اللّه) حيث جعل الزائد على الثلاث أصابع غير مشروع. (2).

و لا يتعيّن المسح من أعلى المقدّم و إن كان أفضل، بل يجوز ذلك (أو منكوسا) بأن يستقبل الشعر؛ لإطلاق الآية (3)، و الأخبار (4)، و صحيحة حمّاد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام): «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (5)، و أكثر الأصحاب على منع النكس (6)، حتى المرتضى رضي اللّه عنه مع تجويزه ذلك في غسل الوجه و اليدين؛ محتجا بتوقّف القطع برفع الحدث عليه (7)، و هو غريب.

و قد اختلف حكم المصنّف (رحمه اللّه) فيه فجوّزه هنا، و منعه في الدروس (8)، و توقّف في الذكرى (9).

الخامس: مسح بشرة الرجلين

(الخامس: مسح بشرة الرجلين) و على وجوبه إجماع الإماميّة، و أخبارهم به متواترة (10)، و القرآن ناطق به (11). أما على قراءة أرجلكم بالجرّ فظاهر؛ لعطفها على الرؤوس لفظا، و أما على النصب فبالعطف عليها محلا لا على الأيدي؛ للقرب.

____________

(1) قاله ابن الجنيد، كما حكاه عنه العلّامة في المختلف 1: 125 المسألة 77.

(2) شرح الألفيّة (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 3: 283.

(3) المائدة: 6.

(4) الكافي 3: 24/ 3، التهذيب 1: 58/ 162.

(5) التهذيب 1: 58/ 161، الاستبصار 1: 57/ 169.

(6) كالشيخ المفيد في المقنعة: 44، و الشيخ الطوسي في النهاية: 14، و ابن حمزة في الوسيلة: 50.

(7) الانتصار: 19.

(8) الدروس 1: 92.

(9) الذكرى: 86.

(10) انظر وسائل الشيعة 1: 418 باب (25) المسح على الرجلين.

(11) المائدة: 6.

96

و الفصل و الإخلال بالفصاحة بسبب الانتقال من جملة إلى أخرى قبل تمام الغرض، و حمل الجرّ على المجاورة، لم يرتضه محقّقو النحاة من المتقدّمين و المتأخّرين.

و من ثمّ تكلّف الزمخشريّ، و تبعه ابن هشام من المتأخّرين- بعد الاعتراف بفساد الجرّ على المجاورة- بحمل المسح على الغسل الخفيف، أو على مسح الخف (1).

و هو تكلّف ينادي على نفسه بالكساد، و يؤذن بعد الفساد بمحض العصبية و العناد، فإنّ مخالفة الأوضاع اللغوية و الشرعيّة، سيّما في كتاب اللّه سبحانه و تعالى، أقبح من مخالفة القواعد العربيّة.

و المراد بالبشرة: ظاهر جلد الإنسان، كما ذكره أهل اللغة (2).

و يستفاد من حصره المسح في بشرة الرجلين مع تخييره في الرأس بين مسح مقدّم شعره و بشرته، أنّه لا يجزئ المسح على الشعر في الرجلين و إن اختص بالظهر، بل يتحتّم [مسح] البشرة، و الأمر فيه كذلك.

و الفارق النصّ الدالّ بإطلاقه على وجوب مسح الرجلين، إذ الشعر لا يسمّى رجلا و لا جزء منها، مع التصريح في بعض الأخبار بجواز المسح على الشعر الرأس (3).

و إنّما لم يصرّح الأصحاب بالمنع من المسح على الشعر في الرجلين؛ لندور الشعر الحائل فيهما القاطع لخط المسح، فاكتفوا باستفادته من لفظ البشرة، فإنّها كالصريح إن لم تكنه.

و حدّ الرجل الممسوحة (من رءوس الأصابع إلى أصل السّاق) و هو المفصل الذي هو ملتقى السّاق و القدم، وفاقا للفاضل (رحمه اللّه) (4)، و أخذا بالاحتياط.

و المشهور بين الأصحاب، بل ادّعى عليه المصنّف في الذكري (5) و المحقّق في

____________

(1) شرح شذور الذهب: 331- 332.

(2) الصحاح 2: 590، القاموس المحيط 1: 386 «بشر».

(3) التهذيب 1: 91/ 241، الاستبصار 1: 60/ 176.

(4) منتهى المطلب 2: 69، قواعد الأحكام 1: 203، نهاية الإحكام 1: 44، المختلف 1: 125 المسألة 78.

(5) الذكرى: 88.

97

المعتبر (1) و الشيخ في التهذيب (2) الإجماع، على أنّ حدّ المسح قبّتا القدم عند معقد الشراك، و هما المراد بالكعبين لغة (3)، و شرعا.

و قد بالغ المصنّف في إنكار ما اختاره هنا في الذكرى، و جعله إحداث قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأمّة؛ لأنّ الخاصة أجمع و جماعة من العامة على أنّهما قبتا القدم، و الباقين على أنّهما العظمان الناتئان عن يمين الرجل و شماله عند أسفل الساق (4).

و كأنّ المصنّف (رحمه اللّه) هنا حاول الخروج من الخلاف؛ لسهولة الخطب، و عموم النفع بالرسالة.

و كيف كان فيجب إدخال الكعب في المسح كالمرفق، و إدخال جزء من الحدّ المشترك من الطرفين؛ لعدم المفصل المحسوس.

و لا يجب استيعاب القدم عرضا، بل يجزئ المسح عليه (بأقل اسمه) و هو موضع وفاق هنا كما نقله المحقّق في المعتبر (5)، و إنّما الخلاف في مسح الرأس، و لعلّ السر في مخالفة المصنّف بين العبارتين، حيث عبّر هناك بالإصبع (6)، و هنا بأقلّ اسمه، هو التنبيه على ذلك.

و كيف كان فالتعبير بأقلّ الاسم أجود من التعبير بالإصبع؛ لإيهامه كون أقلّه مقدار إصبع. و ليس كذلك، بل التعبير بها لعدم إمكان جعل آلة المسح أقلّ من الإصبع و إن جاز الاقتصار في المسح بها على أقلّ من عرضها، فالتمثيل بها من جهة كونها آلة للمسح لا مقدّرة له بقدرها.

و يجب كون المسح (بالبلل) المتخلّف على أعضاء الوضوء المغسولة كما تقدّم في مسح الرأس، و لا ينحصر في بلل اليدين كما يقتضيه إطلاق العبارة و رشاقتها، بل يجوز

____________

(1) المعتبر 1: 151.

(2) التهذيب 1: 75.

(3) الصحاح 1: 213، القاموس المحيط 1: 129 «كعب».

(4) الذكرى: 88.

(5) المعتبر 1: 150.

(6) تقدّم في الصفحة: 94.

98

أخذ البلل من غيرهما من محالّ الوضوء الواجبة و المندوبة لا من غيرها.

(فلو استأنف ماء لأحد المسحين) و هما مسح الرأس و مسح الرجلين. و إنّما أعاد مسح الرأس مع تقدّم ذكره؛ ليدل بالمطابقة على بطلان المسح بالبلل المستأنف، إذ إيجاب المسح بالبلل أعمّ من البطلان بتركه.

(بطل) المسح، المدلول على حصوله من ظاهر العبارة و إن لم يصرّح به. ثم إن استمرّ عليه حتى جفّ البلل عن جميع محالّ الوضوء بطل الوضوء أيضا؛ لعدم الموالاة لا للاستئناف، و إن استدرك المسح بالبلل قبل الجفاف أجزأ.

و معنى بطلان المسح هنا وقوعه باطلا ابتداء، لا بطلانه بعد صحته، و هو استعمال سائغ.

و الشارح المحقّق (رحمه اللّه) جعل ضمير (بطل) عائدا إلى الوضوء لا إلى المسح؛ مستدلا بعدم ذكر المسح سابقا. (1) و هو غريب، فإنّه مذكور عن قرب و بعد، بخلاف الوضوء فإنّه ليس مذكورا في الرمز، و كون البحث فيه مشترك بل المسح أولى به. و مع ذلك لا يستقيم في الوضوء، فإنّ بطلانه مشروط بعدم إعادة المسح على وجهه، بخلاف المسح فإنّه باطل مطلقا.

و الموقع في الوهم ذكر المصنّف استئناف الماء للمسح من دون التصريح بوقوعه بعد ذلك، و عود ضمير (بطل) إلى المسح المذكور في قوله: (أحد)، و ذكره أوّلا يقتضي حصوله؛ لأنّه البطلان لا ينسب إلّا إلى الواقع، مع أنّ دلالة المقام عليه واضحة.

(و) لا يتعيّن المسح بالبلل الكائن على الكفّين اختيارا، بل (يجوز الأخذ من شعر الوجه) و غيره، و المسح به مع الاختيار.

و يشمل قوله: (شعر الوجه) ما يجب غسله منه و ما يستحبّ، و هو أشمل من عبارة من عبّر بالأخذ من اللحية و أشفار العينين، و أخصر (2). و هذا الحكم قد علم من إطلاق الأمر بالمسح بالبلل سابقا، لكن أعاده للتصريح به بعد الإجمال.

____________

(1) شرح الألفيّة (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 3:، 197.

(2) كالمحقق الحلّي في الشرائع 1: 21.

99

(و ينبغي) على وجه الاستحباب (البدأة ب) الرجل (اليمنى احتياط) لا حتما.

أما عدم التحتّم؛ فلإطلاق الآية (1)، و لإخبار الصادق (عليه السلام) بمسح كلّ واحدة قبل الأخرى و مسحهما معا (2). و أما تقديم اليمني احتياطا مستحبّا؛ فللخروج من خلاف جماعة من الأصحاب حيث حكموا بوجوب تقديمها، و لم يكتفوا بالمعيّة فضلا عن تقديم اليسرى (3)، و من خلاف آخرين حيث جوّزوا المعيّة دون تقديم اليسرى (4)، و يظهر من المصنّف في الدروس اختياره (5).

و القول الأوسط هو الأوسط؛ لأنّ الوضوء البيانيّ الذي وصفه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّه «لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به» (6) إن كان وقع مرتّبا بين الرجلين لزم القول به، و إلّا تعيّن مقابله. و الثاني باطل إجماعا، فثبت الأوّل؛ لئلا يلزم الإجماع على الخطأ.

و هذا الاستدلال صالح لجميع ما اختلف فيه من كيفيات الوضوء كغسل الوجه من أعلاه، و اليدين من المرفقين، و تقديم اليمنى و غيرها.

لا يقال: هذا وارد في المسح، حيث إنّه يقتضي عدم إجزاء استقبال الشعر في الرأس؛ لتقريب الدليل، و قد حكم بجوازه.

لأنّا نقول: المسح خرج بدليل خاص، و هو صحيحة حماد (7)، فيبقى الباقي، و إخراج بعض مدلولات الدليل بأمر خارج لا يقتضي اطّراحه.

(و لا يجوز النكس) في مسح الرجلين بأن يمسح من الكعبين إلى رءوس الأصابع، (بل) يجب أن (يبدأ بالأصابع) و يختم بالكعبين؛ عملا بظاهر الآية بجعل إلى (8)

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الكافي 3: 31/ 7، التهذيب 1: 57/ 160، الاستبصار 1: 58/ 170.

(3) منهم الصدوق في الفقيه 1: 28 ذيل الحديث 88، و سلّار في المراسم: 38.

(4) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 44.

(5) الدروس 1: 92.

(6) الفقيه 1: 25/ 76.

(7) التهذيب 1: 58/ 161، الإستبصار 1: 57/ 169.

(8) المائدة: 6.

100

على بابها من الانتهاء، و هذا هو الذي اقتضى الفرق بين مسح الرأس و الرجلين، إذ ليس في الرأس تحديد، بخلاف الرجلين.

و يجاب بأنّ صحيحة حمّاد المتقدّمة الشاملة لمسح الرأس و الرجلين ناصّة على جواز النكس فيهما، فلو حملت الآية على الابتداء في المسح بالأصابع خاصّة لزم التنافي، مع إمكان الجمع بينهما بجعل إلى بمعنى (مع) كاليدين، أو بجعل الكعبين نهاية للممسوح لا المسح، فجواز النكس حينئذ أجود، نعم يكره خروجا من خلاف الجماعة.

و اعلم أنّه قد استفيد من الاكتفاء بمسمّى المسح، و كون مبدئه أحد الطرفين أما الأصابع أو الكعب، و انتهائه إلى الآخر، أنّ ظهر القدم الموازي للأصابع بأجمعه محلّ للمسح، و أنّ القدر الذي يطلق عليه الاسم يعتبر في عرض القدم، فعلى هذا يجوز المسح على أي إصبع شاء من أصابع الرجل إذا اتّصل خطّه بالكعب.

ثم إن قلنا بأنّه المفصل وجب الانتهاء إليه من أي جهاته الكائنة على ظهر القدم شاء، و على المختار من أنّه الناتئ في ظهر القدم يجب اتصال الخط إليه، فينحرف إليه لو جعل الخنصر مبدأ المسح، و من هنا يظهر أنّ مطلق الوصول بالمسح إلى المفصل ليس أحوط من القول الآخر.

[السادس: الترتيب]

(السادس: الترتيب) بين الأعضاء المغسولة و الممسوحة (كما ذكر) أي كما وقع في الذكر، و هو عبارة المصنّف، لا الذكر المعهود للترتيب، إذ لم يتقدّم لها ذكر.

فيبدأ بالنيّة، ثم يغسل الوجه مقارنا لها، ثم اليمنى (1)، ثم اليسرى، ثم يمسح الرأس، ثم الرجلين مرتّبا بينهما على ما اخترناه.

و على اعتبار الترتيب في الجملة إجماع علمائنا، و أكثر الجمهور (2)، و قد خالف

____________

(1) في «ع» و «ش»: باليد اليمنى.

(2) المهذّب 1: 19، المجموع 1: 441، مغني المحتاج 1: 54، السراج الوهّاج: 17، المغني لابن قدامة 1: 156، تفسير القرطبي 6: 98، التفسير الكبير 11: 153.

101

أبو حنيفة (1) و مالك (2) فجوّزا النكس فيه كيف فرض، فصوره سبعمائة و عشرون، كلّها مجزئة عندهما، و لا يجزئ منها عندنا إلّا واحدة، و لو أسقطنا الترتيب في غسل الرجلين صح في واحدة من مائة و عشرين.

و المعتبر في الترتيب تقديم المقدّم، لا عدم تأخيره، فلا تجزئ المعيّة، بل يحصل الوجه دخولا و اليمنى خروجا، فإن أعادها أو أخّر إخراج اليسرى عن إخراج اليمنى لحظة صحّ غسلها أيضا، و يجوز المسح بمائها؛ لعدم صدق التجديد عليه.

و لو كان في جار و تعاقبت عليه ثلاث جريات، أو في واقف و مضي عليه ثلاث آنات، قاصدا غسل كلّ عضو في آن، مرتّبا، صح الجميع أيضا. و لو ذهل عن القصد فالظاهر أنّه كذلك؛ لعدم اشتراط القصد الطارئ لغسل الأعضاء ما دامت الاستدامة الحكمية حاصلة.

و من هنا صح غسل الوجه داخلا فالأولى و اليمين خارجا؛ لتعذر الزمان و إن لم يقصده؛ لأنّ الاستدامة الحكميّة حاصلة، بناء على تفسيرها بأمر عدميّ، فلا تتوقف صحّة الغسل على نيّته، و كذا لو فسّرناها بأمر وجوديّ مع الذهول عنها حالة الإخراج.

أما لو قصد غسلهما معا حالة الوضع، و قصد بالإخراج عدم الغسل، كان من باب إبطال الاستدامة الحكميّة بالنسبة إلى اليد اليمنى، حيث صرّح بكون غسلها حالة الإخراج ليس لأجل الوضوء. فلا يحتسب له حينئذ إلّا الوجه من جهة النيّة، لا من حيث الدفعة و عدم نيّة الغسل حالة الإخراج.

و لو قصد غسلهما معا حالة الوضع، و ذهل عن النيّة حالة الإخراج، فالظاهر الصحة أيضا؛ لبطلان غسل اليد أوّلا، ثم حصوله لا بقصد ينافي الغرض، و النيّة الأولى اقتضت غسل كلّ عضو في محلّه ما لم يعرض لها مناف مبطل لها، أو لغسل عضو خاصّ حال غسله مع احتمال البطلان هنا؛ لاقتضاء قصد الغسل أوّلا عدمه ثانيا، و لا يخفى بطلان الملازمة.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 1: 55، بدائع الصنائع 1: 21- 22 الهداية 1: 13، شرح فتح القدير 1: 30.

(2) بداية المجتهد 1: 17، المدوّنة الكبرى 1: 14، مقدّمات ابن رشد 1: 54، بلغة السالك 1: 47.

102

و قد ظهر بذلك أنّ قول المصنّف في الذكرى: لو غسل الأعضاء معا صح الوجه خاصّة، فإن أعاده ثانيا فاليمنى، فإن أعاده ثالثا فاليسرى (1)، ليس على إطلاقه، بل ما فصّلناه أجود، و هو خيرة المعتبر. (2).

و أيضا لو كان عدم قصد الغسل للعضو الخاص مبطلا لغسله لما صحّ غسله في الدفعة التالية (3)؛ لأنّه إن كان ذاهلا عن قصد غسله صحّ في الصورتين من غير فرق، و إن كان قاصدا غسل ما بعده لا غير، بناء على توهمه انغساله قبل ذلك، فالحكم واحد أيضا.

[السابع: الموالاة]

(السابع: الموالاة: و هي متابعة الأفعال بحيث لا يجفّ) البلل عن جميع (السابق من الأعضاء) فيبطل الوضوء مع الجفاف لا بدونه على المشهور بين الأصحاب، و عليه دلّت الأخبار (4)، و اكتفى بعض الأصحاب بجفاف العضو السابق على ما هو فيه خاصة. (5)

و العبارة محتملة له بجعل (من) تبعيضية، غير أنّ الأوّل هو الموافق لمذهبه في غيرها (6).

و المعتبر في الجفاف الحسّي، لا التقديريّ، فلا اعتبار بتقدير الهواء حال كونه مفرطا بالرطوبة (7) بكونه معتدلا، و لا فرق في الحكم بين العامد و الناسي و الجاهل، و إن سلم الناسي من الإثم على تقدير الجفاف.

و في تفسير الموالاة هنا قولان آخران:

أحدهما: المتابعة بين الأعضاء، بحيث لا يجعل بين الانتقال من العضو إلى الآخر

____________

(1) الذكرى: 90- 91.

(2) المعتبر 1: 156.

(3) في هامش «ع»: كذا بخطّه، و في بعض النسخ بالثاء المثلثة أي الثالثة.

(4) التهذيب 1: 87/ 231، الاستبصار 1: 72/ 221.

(5) كالسيّد المرتضى في الناصريات (الجوامع الفقيه): 221، و ابن إدريس في السرائر 1: 103.

(6) الدروس 1: 93، البيان: 49.

(7) في «ش» و «د»: مفرط الرطوبة.