المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
103

فاصل يعتدّ به، فيبطل الوضوء مع الإخلال بها مطلقا.

و الثاني: المتابعة بهذا المعنى في حال الاختيار، فإن أخلّ بها معه أثم، و لا يبطل الوضوء إلّا بالجفاف، و مع الضرورة لا إثم بالتأخير و لا إبطال إلّا مع الجفاف.

و الأقوال الثلاثة للشيخ (رحمه اللّه) (1) فضلا عن غيره، فلا اعتبار بإنكار الشارح المحقّق (رحمه اللّه) الثالث (2).

و الموالاة بمعنى مراعاة الجفاف واجبة بحيث يبطل الوضوء به (إلّا مع التعذّر كشدّة الحر و قلّة الماء) أي مع اجتماعهما معا فيسقط اعتبار ذلك، و يجوز حينئذ تجديد ماء للمسح لمكان الضرورة و دفعا للحرج، و يستفاد من التقييد بالتعذّر أنّه لو أمكنه غمس يده في الماء و المبادرة إلى المسح قبل الجفاف، أو تأخير بعض اليد و المبادرة بعد الصبّ عليه إلى المسح به قبل الجفاف، تعيّن ذلك و بطل الوضوء بالإخلال به حيث يحصل الجفاف، و ربّما قيل بالانتقال على تقدير الجفاف على كلّ حال إلى التيمّم؛ لفقد شرط صحة الوضوء، و الأوّل أجود.

[الثامن: المباشرة]

(الثامن: المباشرة) لغسل الأعضاء و مسحها (بنفسه) (3) مع الإمكان (فلو وضّأه غيره لا لعذر) حاصل للموضّأ إلى ذلك (بطل) الوضوء إن كان الفاعل تولّى النيّة بمعنى وقوعه باطلا، و لو تولّى المكلّف به النيّة على وجه يصح بأن باشر غسل الجزء المقارن لها ثم ولّى الوضوء غيره بطل ما فعله المتولّي خاصة، إلّا مع جفاف ما صحّ منه فيبطل أيضا.

و على وجوب المباشرة بنفسه اختيارا و اشتراطها في صحة الوضوء إجماع الأصحاب، إلّا من شذّ منهم بحيث لا يؤثّر فيه.

و احترز بقوله: (لا لعذر) عن المضطرّ إليها، فإنّه يسوغ له التولية لما يعجز عنه، بل يجب، و يتولّى المعذور النيّة إذ لا عجز عنها مع بقاء التكليف.

____________

(1) الأوّل قاله في الجمل و العقود: 159، و الثاني في الخلاف 1: 93 المسألة 41، و الثالث في المبسوط 1: 23.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 198.

(3) في النسخ الثلاث للألفيّة: بنفسه اختيارا.

104

و لو نويا معا كان حسنا، و يشترط مطابقة نيّة كلّ منهما بحاله، فينوي المتولّي:

أوضئ، بالبناء للمعلوم، و المعذور: أوضَّأ، للمجهول، لا أتوضّأ.

و لو أمكن تقديم ما يغمس المعذور فيه الأعضاء لم تجز التولية، و لا يشترط العجز عن الكلّ، فيجوز أن يتبعّض. و يجب تحصيل المعين مع الحاجة إليه و لو بأجرة مقدورة، و تتحقّق توضئة الغير بصبّ الماء على العضو مع الاجتزاء بغسل ما أصابه، لا بصبّه في اليد ليغسل به المتوضئ و نحوه، فإنّه استعانة مكروهة مع الاختيار.

[التاسع: طهارة الماء]

(التاسع: طهارة الماء) في نفسه بأن لا يكون نجسا (و طهوريته) بأن يكون مطهّرا لغيره.

و احترز به عن المضاف عنده، و مثله المستعمل في الحدث الأكبر عند بعض الأصحاب. (1) و إنّما كان وصف الطهور مفيدا لهذه الفائدة الزائدة على طاهر؛ لأنّ فعولا للمبالغة، و لا تتحقّق هنا إلّا بذلك، و يشهد له أيضا النقل و الاستعمال:

قال اليزيدي: الطهور بالفتح من الأسماء المتعدّية و هو المطهر غيره (2).

و قريب منه قول الجوهري (3).

و من مثل الاستعمال قوله (عليه السلام): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (4).

و لو أراد الطاهر لم يختصّ به.

و مثله جوابه عن ماء البحر حين سئل عن الوضوء به بقوله: «هو الطهور ماؤه» (5).

و قد خالف في هذا الحكم بعض العامة، حيث زعم أنّ فعولا إنّما تفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما تقول: ضروب و أكول لزيادة الأكل و الضرب (6)، و ما تقدّم

____________

(1) كابن حمزة في الوسيلة: 74.

(2) هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوى، أبو محمّد اليزيدي، عالم بالعربيّة و الأدب، مؤدب المأمون، من كتبه (النوادر في اللغة). الأعلام للزركلي 8: 163.

(3) الصحاح 2: 727 «طهر».

(4) صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 371/ 522، مسند أحمد 2: 222 و 5: 861، سنن البيهقي 1: 213.

(5) سنن أبي داود 1: 64، سنن ابن ماجة 1: 136/ 387، سنن الدارمي 1: 186، مسند أحمد 2: 237 و 361.

(6) شرح فتح القدير 1: 60.

105

حجّة عليه.

و إنّما جمع المصنّف بين اشتراط طهارة الماء و طهوريّته، مع أنّ الطهوريّة أخصّ، و اشتراط الأخصّ يقتضي اشتراط الأعمّ؛ للتنبيه على انفكاك أحدهما عن الآخر، فإنّ الطالب ينبعث عزمه (1) عند الوقوف على لفظهما على فهم معناهما الموجب لمعرفة الفرق بينهما، و هو أمر مطلوب في هذا الباب.

و أجاب الشارح المحقّق بجوابين آخرين أيضا:

أحدهما: الاحتراز عن الماء المستعمل في الكبرى، و عن الماء المضاف.

أما الأوّل؛ فلمنع بعض الأصحاب من طهوريته، و لمّا لم ينصّ المصنّف على مذهبه فيه هنا أتى بما يجري على المذهبين، كما اشترط في الساتر كونه غير ميتة بعد اشتراط طهارته، و سيأتي.

و أما المضاف، فإنّه إن لم يطلق عليه اسم الماء حقيقة، لكن يطلق عليه اسمه مجازا، و المجاز يجوز الاحتراز عنه زيادة في البيان.

و الثاني:- و ذكر أنّه أمتنها- أنّ الأصحاب لمّا ذكروا اشتراط طهارة ماء الوضوء و فروع ذلك في بحث، و اشتراط طهوريّته و بيان ذلك في بحث، و كان المصنّف بصدد الإشارة إلى رءوس المباحث، لم يحسن منه رعاية الاختصار بحذف عنوان بعض المباحث بالكليّة (2).

و أنت خبير بأنّ الجواب الثاني- مع عدم مطابقته للسؤال، حيث إنّ حاصله أنّ الطهوريّة مغنية عن الطهارة، و قد أجاب عنه بالاحتراز بالطهوريّة عمّا ذكر، و هذا لا ينافي الاقتصار على الطهورية؛ لحصول الغرض بذلك- يرجع إلى الأوّل بنوع من البيان، فإنّ الاحتراز عمّا ذكر يقتضي دخوله في الطاهر دون المطهّر، و هو عين الانفكاك، و الأخير لا يخرج عنه أيضا؛ لأنّ حاصله أنّه جمع بينهما لينبّه على معنييهما، و الفرق بينهما و الإشارة إليهما حيث ذكرهما الأصحاب.

____________

(1) في «د» و «ه»: غرضه.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 200.

106

(و) كما يشترط طهورية الماء يجب أيضا على وجه الشرط (طهارة المحل)، و هو الأعضاء المغسولة و الممسوحة، من الخبث، بمعنى طهارة كلّ عضو أو جزء منه قبل الشروع في غسله للوضوء، فلا يكفي غسل واحد لهما؛ لتغاير السبب.

[العاشر: إباحته]

(العاشر: إباحته) أي إباحة الماء الذي يتوضَّأ به بالمعنى الأعم، و هو الإذن في استعماله بأن يكون مباحا بالمعنى الأخص، أو مملوكا، أو مأذونا فيه صريحا أو فحوى، لا بشاهد الحال.

(فلو كان مغصوبا) بأن يكون ملكا للغير، فاستعمله بدون إذنه (بطل) الوضوء مع علمه بالغصب و إن جهل الحكم التكليفي المتعلّق بالغصب كتحريم التصرّف في المغصوب، أو الحكم الوضعيّ كبطلان الطهارة به؛ للنهي المقتضي للفساد. و الجاهل بالحكم بمعنييه مخاطب بالتعلّم على الفور، فلا يعدّ تقصيره عذرا، و لو نسي الغصب حالة الفعل ففي إلحاقه بالعالم أو الجاهل و جهان، أجودهما الثاني.

أما الجاهل بأصل الغصب فيعذر، حتى لو علم به بعد غسل الأعضاء جاز المسح بما بقي من بلله؛ لأنّه في حكم التالف، كما لا يمنع من صحة الصلاة مع استصحابه و إن كان الأولى خلاف ذلك فيهما، و من الماء المغصوب ما استنبط من أرض مغصوبة، لا الوقف العام إذا استولى عليه شخص من المستحقين عدوانا و إن أثم.

[الحادي عشر: إجراؤه على العضو]

(الحادي عشر: إجراؤه على العضو) المغسول بنفسه أو بآلة ليتحقّق بذلك مسمّى الغسل، و أقلّه انتقال كلّ جزء من الماء عن محلّه إلى غيره. (فلو مسّه) أي مسّ العضو بالماء (في الغسل من غير جريان لم يجزئ) لعدم تحقّق مسمّى الغسل، و تمثيل من بالغ في وصف الغسل بالدهن مبالغة في تقليل الجريان على وجه التجوّز، و لا يريد به حقيقته المشتملة على عدم الجريان أصلا، أو أنّه تشبيه بحذف أداته.

(أما في المسح فيجزئ) الإمساس من غير جريان؛ لأنّ حقيقة المسح لا تتوقّف على الجريان بل تنافيه كما سيأتي.

107

و بقي في العبارة أمران:

أحدهما: أنّ المفهوم من إجزاء ذلك في المسح عدم تعيينه، بل الاستعمال يقتضي كونه الفرد الأضعف، فلو جرى الماء على العضو الممسوح أجزأ أيضا أو كان أكمل، كما يستفاد من لفظ الإجزاء في قسيمه، و بموافق هذا المفهوم صرّح المصنّف في الذكرى و قطع بإجزائه (1).

فعلى هذا يكون بين الغسل و المسح عموم و خصوص من وجه، يتحقّق الغسل وحده في جريان الماء الجديد على العضو، و المسح وحده مع عدم الجريان، و يتصادقان مع جريان بلل الوضوء على الممسوح.

و الحقّ اشتراط عدم الجريان في المسح مطلقا، و أنّ بين المفهومين تباينا كليّا؛ لدلالة الآية و الأخبار و الإجماع على اختصاص أعضاء الغسل به، و أعضاء المسح بالمسح.

و التفصيل قاطع للشركة، فلو أمكن اجتماعهما في مادّة أمكن غسل الممسوح، فيتحقّق الاشتراك.

و قد نقل العلّامة (2) و غيره (3) الإجماع على أنّ الغسل لا يجزئ عن المسح، و لا شكّ أنّ الماء الجاري على العضو على ذلك الوجه غسل لتحقّق مفهومه فيه، فيجوز سوق الإجماع إلى عدم إجزائه.

لا يقال: الفرد المجزئ في المسح مع الجريان هو جريان الماء الممسوح به، و هو الحاصل ببلل الوضوء، لا إجزاء غسل موضع المسح، و فرق بين الأمرين.

لأنّا نقول: تحقّق مسمّى الغسل لا يتوقّف على كونه بماء جديد، بل هو أعمّ منه، ألا ترى إلى أنّه إذا صبّ الماء على العضو و غسل به جزءا منه صار الماء الموجود على العضو بلل الوضوء.

ثم المكلّف حينئذ يتخيّر (4) بين أن يتكلّف إجراءه على جزء آخر من العضو،

____________

(1) الذكرى: 87.

(2) منتهى المطلب 2: 54، تذكرة الفقهاء 1: 167- 165، المسألة 49.

(3) كالشيخ الطوسي في الخلاف 1: 84 المسألة 34.

(4) في «ق»: مخيّرا.

108

بل على جميع العضو إن أمكن، و بين أن يستأنف ماء آخر للباقي، و الغسل صادق على التقديرين، فدلّ ذلك على أنّ تحقّق مفهوم الغسل لا ينافيه كون الجريان ببلل الوضوء، فكذا في صورة المسح، و مرجع الأمر إلى وجوب تباين المفهومين، حذرا من الاشتراك المقتضي لقيام أحدهما مقام الآخر، و قد أجمع على عدمه كما تقدّم.

و احتجاج المصنّف على الإجزاء بتحقّق الامتثال بذلك و كون الغسل غير مقصود ضعيف؛ لأنّ الامتثال يتحقّق بالمسح لا بالغسل، كيف و هو أوّل المسألة، و عدم قصد الغسل مع وجوده لا يخرجه عن كونه غسلا؛ لأنّ الاسم تابع للحقيقة لا للنيّة.

الثاني: أنّ ضمير (فيجزئ) لا مرجع له في العبارة إلّا الإمساس من غير جريان المدلول عليه تضمّنا بالفعل، و هو قوله: (فلو مسّه) إلى آخره، حيث إنّ المصدر أحد مدلولي الفعل، و لا يتم ذلك أيضا على إطلاقه؛ لأنّ ذلك المسّ المضمر أعمّ من كونه بماء جديد و بغيره، و المراد بالمسح أحدهما خاصة، و لكن المخصّص هنا مقام المبحوث عنه و هو المسح، فإنّه قد علم عدم جواز استئناف الماء له، و مع ذلك فلا بدّ من تقييد الإمساس بإمرار الماسح على الممسوح، فلا يكفي مطلق الإمساس، كما نبّه عليه في الذكرى (1).

[الثاني عشر: إباحة المكان]

(الثاني عشر: إباحة المكان) الذي يتوضّأ فيه بأن يكون مملوكا، أو مأذونا فيه، أو غير مملوك لأحد.

(فلو توضّأ في مكان مغصوب) في حالة كونه (عالما) بالغصب (مختارا) في كونه، (بطل) الوضوء؛ للنهي عن الكون الذي هو من ضرورة الفعل المقتضي للفساد.

و احترز بالعالم بالغصب عن الجاهل به، فإنّ وضوءه صحيح؛ لعدم توجّه النهي إليه، لاستحالة تكليف الغافل، و جاهل الحكم قسم من العالم، و في الناسي الوجهان.

و بالمختار عن المضطر إلى الوضوء فيه بحبس و نحوه، فإنّ طهارته صحيحة؛ لعموم

____________

(1) الذكرى: 87.

109

«و ما استكرهوا عليه» (1).

و يظهر من المحقّق في المعتبر عدم اشتراط إباحة مكان الطهارة مطلقا و إن حصل الإثم، و إن اشترط ذلك في مكان المصلّي فارقا بينهما بأنّ الكون ليس جزء من الطهارة و لا شرطا فيها، و ليس كذلك الصلاة، فإنّ القيام جزء من الصلاة، و هو منهيّ عنه؛ لأنّه استقلال في المكان المنهيّ عن الاستقلال فيه، و كذا السجود، و إذا بطل القيام و السجود- و هما ركنان- بطلت الصلاة (2).

و يضعّف بأنّ جنس الكون من ضرورات الأفعال، و إن لم يكن الكون الخاص- و هو السكون و نحوه- شرطا، فالنهي عنه يقتضي النهي عن الأفعال التي لا تتمّ إلّا به.

و المراد بالمكان هنا: ما يشغله الإنسان من الحيّز أو يستقر عليه و لو بواسطة أو وسائط، فيدخل فيه الهواء المغصوب و إن كان الاستقرار على موضع مباح، و كذا الفراش المغصوب و الخفّ و نحوهما، و بالعكس.

(و متى عرض له شكّ في أثنائه) في شيء من أفعاله حتى النيّة؛ لأنّها من فعل القلب (أعاده) أي المشكوك فيه (و ما بعده) من الأفعال إلى آخر الوضوء؛ تحصيلا للترتيب.

و ضمير (أعاده) لا مرجع له في العبارة صريحا، لكن لمّا كان عروض الشكّ مستلزما لمشكوك فيه صحّ عود الضمير إلى المدلول عليه بالالتزام، و هو الفعل المشكوك فيه.

و يفهم من قوله: (في أثنائه) أنّه لو عرض الشكّ بعد الفراغ منه و إن لم ينتقل عن محلّه لم يلتفت، بل يبني على وقوع ما شكّ فيه، و هو كذلك. هذا كلّه إذا لم يكثر شكّه عرفا، و إلّا بنى على فعل المشكوك فيه كالصلاة.

____________

(1) الخصال 2: 417/ 9، سنن ابن ماجة 1: 659/ 2043.

(2) المعتبر 2: 109.

110

[واجبات الغسل]

(و واجب الغسل اثنا عشر):

[الأوّل: النيّة]

(الأوّل: النيّة) و قد تقدّم بيانها (1)، و يجب كونها (مقارنة) لأوّل العبادة، فتكون هنا مقارنة (لجزء من الرأس) الشامل للرقبة و ما فوقها (إن كان) المغتسل (مرتّبا) غسله، و هو الذي يغسل رأسه أوّلا، ثم جانبه الأيمن، ثم الأيسر.

و يجوز كون اسم (كان) هو الغسل و (مرتّبا) مبنيا للمجهول.

لكن الأوّل أولى؛ رعاية للمطابقة بينه و بين قسيمه الآتي.

و لا تجب مقارنة النيّة هنا للجزء الأعلى من الرأس، كما في الوضوء؛ لعدم وجوب مراعاة الترتيب في نفس العضو هنا بخلافه ثمّ.

(و) يجب كون النيّة مقارنة (لجميع البدن إن كان مرتمسا) أي داخلا في الماء دفعة واحدة عرفيّة.

و معنى المقارنة لجميع البدن: أن يقارن لجزء منه؛ لأنّه حينئذ كالعضو الواحد، ثم يتبعه الباقي من بدنه بغير مهلة؛ لتتحقّق الوحدة العرفيّة، لا أنّه يجعل جميع بدنه مقارنا

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 80.

111

للنيّة، كما يجعل الجزء من الرأس مقارنا؛ لتعذّر ذلك غالبا، خصوصا في ذي الشعر الكثيف، فإنّ تخلّله يتوقّف على زمان ينافي الوحدة الحقيقيّة: لكن لمّا كان الواجب هنا مراعاة الوحدة عرفا و التعجيل بإتباع الباقي، و كان جميع أجزاء البدن سواء في النيّة، تجوّز المصنّف في جعل النيّة مقارنة لجميع البدن، و إنّما الحقيقة مقارنتها لجزء منه مع إتباعه الباقي بسرعة.

و ربما تكلّف بعضهم استفادة إرادة الجزء هنا من العبارة بجعل (جميع) معطوفا على (الرأس)، ليصير التقدير: لجزء من الرأس إن كان مرتّبا، و لجزء من جميع البدن إن كان مرتمسا.

و هو فاسد؛ لأنّه لو كان كذلك لوجب حذف اللام؛ لفساد اللفظ حينئذ به، إذ يصير التقدير: و لجزء من جميع البدن. و إنّما يجب أن يقول: و جميع البدن، أو و من جميع البدن، و إنّما هو معطوف على الجزء، فلا تكون المقارنة لجزء موجودة في العبارة، و تنزيله على حذف المضاف بين اللام و المضاف إليه لا دلالة في العبارة عليه.

و الموافق لنظم العبارة على هذا التقدير أن يكون الجزء المحذوف موصوفا بكونه كائنا من جميع البدن يتعلّق به الجار، لا مضافا. و لو أراد هذا المعنى لكان يكفيه أن يقول:

و من جميع البدن إن كان مرتمسا، و لا يحتاج إلى حذف شيء، بل العذر له في إطلاق المقارنة على جميع البدن ما ذكرناه، فإنّ غسل جميع بدنه لمّا كان موصوفا بالوحدة كان جميعه كأنّه كالجزء الواحد في غسل الترتيب، حيث إنّه يغسل إذا قارن به دفعة و إن كانت الدفعة هنا حقيقيّة و في الارتماس عرفيّة، أو أنّ جميع أجزاء البدن لمّا كانت سواء في جواز إيقاع النيّة عندها أطلق المقارنة لها. و لا بعد في إرادة هذا المعنى و إن تأخّر بعض أجزاء البدن عن النيّة؛ لأنّ الوحدة ملحوظة على كلّ حال.

و قد الحق جماعة من الأصحاب (1) بالارتماس الوقوف تحت المجري الكبير و المطر الغزير إذا حصل غسل جميع البدن منه بسرعة لا تنافي الوحدة عرفا، فيسقط الترتيب،

____________

(1) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 29، و العلّامة في المختلف 1: 174 المسألة 122 و تذكرة الفقهاء 1: 232 المسألة 67- 226.

112

و تكفي المقارنة فيه لجزء من البدن أيضا، و إن كان غسل الترتيب هو الأفضل، و يليه الارتماس، و قد يتعيّن الترتيب حيث لا يجد من الماء ما يغمسه كذلك، و قد يتعيّن الارتماس حيث يضيق الوقت عن الترتيب، و قد يتخيّر بين الثلاثة حيث لا مانع.

و الأصح أنّ الارتماس ليس فرعا على الترتيب لا حكما و لا نيّة، فلو وجد المرتمس لمعة لم يصبها الماء بعد زمان يصدق عليه الانفصال و منافاة الوحدة العرفيّة وجب إعادة الغسل من رأس.

و لا يجب استصحاب النيّة فعلا إلى آخر الغسل، بل الواجب كونها (مستدامة الحكم إلى آخره) بأن لا يحدث نيّة تنافي النيّة الأولى كما مرّ.

(و صفته) النيّة (أغتسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى اللّه) و قد استفيد من النيّة وجوب التعرّض لما يعتبر فيها من الأمور، و هو الاستباحة و الوجه و القربة، و لا ريب أنّ اعتبار ذلك هو الأولى و إن كان في أدلة وجوب اعتبار جميعها نظر.

(و يجوز للمختار) و هو من ليس بذي حدث دائم (ضمّ الرفع) إلى الاستباحة، بأن يجمع بينهما في النيّة تأكيدا، أو ليدل كلّ منهما على معناه مطابقة، و إن كانا متلازمين في حقّه.

(و) كذا يجوز له (الاجتزاء به) أى بالرفع وحده. و يفهم منه أنّ دائم الحدث- و هو هنا المستحاضة التي يغمس دمها القطنة، إذ الكلام في الحدث الأكبر- ليس لها أن تنوي سوى الاستباحة، و هو يخالف ما تقدّم في الوضوء من أنّ له الجمع بينهما، كما نبّه عليه بقوله: (أو نواهما جاز) و لا فرق بين الحدثين، و لكن نيّتها هناك ملحقة في بعض النسخ، فكأنّه أغفل إلحاق ما يدل عليها هنا أيضا.

أو يقال: إنّ تخصيص المختار هنا من حيث إنّ له أن يختار كلّ واحد من الثلاثة، و هو يدلّ على أنّ دائم الحدث ليس له الثلاثة، أعمّ من ثبوت اثنين منها له أو واحد، فلا ينافي حينئذ جواز الجمع بينهما، نعم ليس له الاقتصار على نيّة الرفع.

و إنّما قيّدنا المختار هنا بكونه ليس بذي حدث دائم بالنسبة إلى الحدث الأكبر، بحيث انحصر في المستحاضة؛ لدلالة المقام عليه، فإنّ حدث الغسل هو الأكبر، فإطلاقه في

113

مقامه محمول عليه، كما أنّ إطلاقه في مقام الوضوء ينصرف إلى موجبه.

و أيضا لا تستقيم إرادة العموم، فإنّ الحدث الأصغر لا يمنع دوامه حالة الغسل من جواز نيّة الرفع بالغسل في غير غسل الجنابة؛ لأنّ المرتفع إنّما هو الحدث الأكبر، و ما تجدّد من الحدث الأصغر يوجب الوضوء بعده.

نعم، في غسل الجنابة يأتي ذلك؛ لبطلانه بتخلّل الحدث الأصغر كما سيأتي، فيقتصر على نيّة الاستباحة أو نيّتهما.

و لكن يبقي في المسألة بحث، و هو أنّه مع دوام الحدث الأصغر لا إشكال في صحة الغسل بالنسبة إلى صلاة واحدة بعده، لكن على القول بأنّه لا أثر لهذا الحدث في حقّ المختار أو بإيجابه الوضوء بعده لا كلام في حكمه، و على القول بوجوب إعادته في حقّ المختار يتّجه هنا وجوب الوضوء بعده للصلاة و إن لم يجب في غير هذه الصورة؛ لأنّ الأصل في الحدث أن يوجب شيئا من الطهارات كما سيأتي، و لمّا امتنع هاهنا إعادة الغسل لعدم الفائدة وجب الوضوء بعده، و كان كدائم الحدث الأصغر بالنسبة إلى الوضوء، هذا بالنسبة إلى الصلاة الاولى.

و أما بالنسبة إلى غيرها، فيشكل الحكم على القول بأنّ الحدث الأصغر في أثناء الغسل يبطله؛ إذ يحتمل هنا أن يقال: يلزمه الغسل و الوضوء لكلّ صلاة؛ لأنّ قضية الدليل بطلان الغسل الأوّل كما يبطل الوضوء، لكن اغتفر ذلك للصلاة الواحدة، فيجب إعادته، كما تجب إعادة الوضوء للصلاة الأخرى، و ينوي في الثاني الاستباحة كالأوّل.

و يحتمل أن يجتزئ هنا بالوضوء لكلّ صلاة لا غير إلى أن يحصل ما يوجب الغسل؛ لتحقّق الاستباحة بالنسبة إلى الحدث الأكبر السابق، و لم يحصل بعد ما يوجب الغسل.

و يظهر من الشارح المحقّق اختيار هذا الاحتمال و لو على القول بإبطال الحدث الأصغر الغسل إذا وقع في أثنائه (1) و إن لم يكن ذلك مذهبه، و في الحكم إشكال،

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 202.

114

و الذي يناسب هذا القول اختصاص صحة الغسل بالصلاة الأولى كالوضوء.

و لقائل أن يقول: أحد الأمرين لازم، و هو إمّا إيجاب إعادة الغسل هنا لكلّ صلاة، أو إيجاب الوضوء خاصة، أما إيجابهما معا فلا. و إنما كان كذلك؛ لأنّ الغسل- و الحال هذه- إن بطل بالحدث المتخلّل فاللازم إعادته لا غير و دخول الوضوء فيه، و اغتفار ما يتجدّد من الحدث بعد ذلك كما يغتفر في الوضوء، و حينئذ فيجب الغسل لكلّ صلاة.

و أمّا أن يغتفر هذا الحدث بالنسبة إلى الغسل، و يحكم بوجوب الوضوء له، فلا وجه حينئذ لإعادة الغسل؛ لأنّ الموجب لإعادته إنّما هو الحذر من الجمع بينه و بين الوضوء، بناء على أنّ غسل الجنابة لا وضوء معه، فإذا حكم بوجوب الوضوء زال المحذور، فصحّ الغسل بالنسبة إلى الحدث الأكبر، و عمل الأصغر عمله، فيجب الوضوء لكلّ صلاة خاصّة.

و حينئذ فاحتمال وجوب الوضوء و الغسل لكلّ صلاة لا وجه له على القول بإبطال الحدث الأصغر الغسل في حالة الاختيار، و على القول بعدم تأثيره لا إشكال في عدم الوضوء بالنسبة إلى الحدث الواقع في أثناء الغسل.

أما الواقع بعده و قبل الصلاة فيحتمل أيضا أن يغتفر؛ لأنّ غسل الجنابة منزّل منزلة الوضوء و زيادة بالنسبة إلى الحدث الأصغر.

و كما يكتفي بوضوء واحد لكلّ صلاة، فكذا ما قام مقامه، و حينئذ فيكفي الغسل للصلاة الاولى، ثم يتوضّأ لكلّ صلاة من الباقيات. و يحتمل أن يجب الوضوء بعد الغسل للصلاة الأولى؛ لأنّ الأصل في الحدث الأصغر أن يوجب الوضوء، لكن تخلّف ذلك في الواقع في أثناء غسل الجنابة و قبله؛ لدخوله في الأكبر أو سقوط أثره معه، فيبقى الباقي- و هو المتأخّر- على الأصل، فيجب الوضوء لكلّ صلاة مضافا إلى الغسل أوّلا خاصة.

و أمّا على القول الثالث- و هو أنّ الحدث الأصغر الواقع في أثناء الغسل يوجب الوضوء بعده لا غير- يجب هنا الوضوء بعده للواقع حالته و بعده، سواء دام أم لم يدم.

115

و لا إشكال حينئذ، و إنّما يجيء الإشكال على القولين، و لم أقف في هذه المسألة على كلام لأحد سبق، و اللّه أعلم.

[الثاني: غسل الرأس و الرقبة]

(الثاني: غسل الرأس و الرقبة) و ما بينهما من أجزاء الوجه و الأذنين، فإنّ هذه الجملة في الغسل عضو واحد يجب غسله أوّلا، و لا ترتيب بين أجزائه، كما لا ترتيب بين أجزاء العضو الواحد في الغسل مطلقا و إن وجب بين الأعضاء.

و في عطف المصنّف الرقبة على الرأس إشارة إلى أنّ الرأس ليس مقولا في باب الغسل على المجموع المذكور، بحيث يكون مشتركا اشتراكا لفظيّا بين هذا المعنى و بين منابت الشعر الخاصّ؛ لأنّ الاشتراك على خلاف الأصل، و المفهوم من الرأس حقيقة هو المعنى الثاني. و التجوّز في إطلاقه على الجميع- كما وقع في عبارة بعض الأصحاب حيث يجعلون أعضاء المغتسل ثلاثة: الرأس، و الجانبين (1)- أولى؛ لأنّ المجاز أرجح من الاشتراك. نعم لو ثبت الاشتراك أمكن تنزيل العبارة على كونه من باب عطف الجزاء على الكلّ، لا لكونه أشرف أفراده، بل لرفع توهم إرادة بعض معاني المشترك غير المقصود.

(و) يجب (تعاهد ما ظهر من الأذنين) و هو الصماخ (2)، دون ما بطن منهما، و المراد بالتعاهد: التحفّظ بالشيء و تجديد العهد به، و التعهّد بمعناه. قاله الجوهري و زاد: أنّ التعهّد أفصح من التعاهد، قال: لأنّ التعاهد إنّما يكون بين اثنين (3).

و نقل ابن هشام في المغني عن جماعة من أهل العربية منع التعاهد هنا، و نقل الجواز عن الخليل و يونس (4).

(و) كذا يجب (تخليل الشعر المانع) من وصول الماء إلى البشرة التي تحته، و المراد

____________

(1) كالشيخ في المبسوط 1: 29، و ابن إدريس في السرائر 1: 118، و المحقّق في المعتبر 1: 182.

(2) الصحاح 1: 426، القاموس المحيط 1: 273، تاج العروس 4: 288 «صمخ».

(3) الصحاح 2: 516 «عهد».

(4) مغني اللبيب: 522.

116

بتخليله: إدخال الماء خلاله على وجه الغسل بأن يجري على البشرة كما مرّ، و لا فرق في ذلك بين الشعر الخفيف و الكثيف.

و لا يجب غسل الشعر نفسه بالأصالة، و لا نقض ضفائر المرأة، إلّا أن يتوقّف عليه غسل البشرة، و الفرق بينه و بين الشعر في الوضوء النصّ (1).

[الثالث: غسل الجانب الأيمن]

(الثالث: غسل الجانب الأيمن) و المراد به ميامن المغتسل، و هي يده اليمنى، و رجله، و تمام شقّه الأيمن. هذا هو الواجب الأصلي، و يجب إدخال جزء من الأيسر حيث لا مفصل بينهما محسوس، و كذا من الرقبة معه، و منه و من الأيسر معها، كلّ ذلك من باب المقدّمة.

[الرابع: غسل الجانب الأيسر]

(الرابع: غسل الجانب الأيسر) كذلك (و يتخير في غسل العورتين) و هما القضيب و الأنثيان و حلقة الدبر، دون الأليتين،؛ (مع أي جانب شاء) من الجانبين؛ لأنّهما ليستا عضوا خارجا عن الجانبين و لا داخلتين فيهما بكلّ وجه.

و هذا التخيير لا يكاد يتحقّق في الدبر؛ لأنّ خروج الأليتين منهما و وجوب إدخال الحدّ المشترك مع كلّ جانب يأتي على الدبر و زيادة.

و أمّا القبل ففائدة التخيير فيه قليلة أيضا؛ لما قرّرناه من وجوب إدخال جزء منه مع كلّ جانب، فلا يبقى منه بعد تمام الملاحظة إلّا ما لا يكاد يفيد، و مع ذلك ليس على التخيير دليل واضح، إذ ليس في الدليل ما يدل على زيادة في الأعضاء على الجانبين.

و من ثمّ قال (و الأولى غسلهما مع الجانبين)، و هذه الأولويّة على جهة الاستحباب؛ لأنّ في غسلهما معهما معنى زائدا على الواجب.

[الخامس: تخليل ما لا يصل إليه الماء]

(الخامس: تخليل ما) أي الشيء الذي (لا يصل إليه الماء) أي إلى الشيء المغسول

____________

(1) أمالي الصدوق: 391/ 11، التهذيب 1: 135/ 373، سنن أبي داود 1: 171/ 248، سنن ابن ماجة 1: 597 196.

117

المدلول عليه بالالتزام، أو إلى البدن كذلك.

(بدونه) أى بدون التخليل، و لا يجوز عوده إلى الموصول المانع من وصول الماء؛ لأنّ وصول الماء إليه غير كاف في الغسل، إلّا بتكلّف و ضرب من المجاز. و لو قال:

تخليل ما لا يصل الماء إلى البشرة إلّا به، كان أجود.

و المراد بالمانع: نحو الشعر، و معاطف الأذنين و الإبطين و السرّة، و عكن (1) البطن في السمين، و ما تحت ثدي المرأة.

[السادس: عدم تخلّل حدث أصغر في أثنائه]

(السادس: عدم تخلّل حدث) أصغر (في أثنائه) أي في أثناء الغسل، فيبطل مع تخلّله على أصح الأقوال عنده إن كان غسل الجنابة؛ لأنّ غسلها يرفع الحدث الأكبر و الأصغر معا، على تقدير وجوده معه قبل الغسل، بمعنى دخوله في الأكبر و ارتفاعه برافعه، كما تتداخل الأسباب المتماثلة و ترفع بوضوء واحد أو غسل. فالغسل مؤثّر تام لرفعهما معا، و كلّ جزء منه مؤثّر ناقص في رفعهما، و لهذا لو بقيت لمعة من بدنه لم يرتفع الحدث.

و ليس المؤثر التام هو الجزء الأخير من البدن؛ لاستواء أجزاء البدن في انقض التأثير، و إنّما الجزء الأخير تمام المؤثّر. وفق بين المؤثر التام و تمام المؤثّر، فإذا فرض حدث أصغر في أثنائه، فلا بدّ لرفعه من مؤثّر تام، و هو إمّا غسل الجنابة بجميع أجزائه، أو الوضوء. و الثاني منتف في غسل الجنابة؛ للإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب له، و ما بقي من أجزاء الغسل مؤثّرا تاما لرفعه، فانحصر الأمر في إعادته من رأس.

فإن قلت: لا نسلّم أنّ للحدث أثرا مع الأكبر، بل أثره مرتفع معه أصلا إلى أن يكمل، و الغسل إنّما يرفع الحدث الأكبر خاصّة المنويّ، و رفعه يقتضي رفع الأصغر على جهة الاستتباع لا بالذات، و إلّا لوجبت نيّتهما من أوّل الغسل؛ لقوله صلّى اللّه

____________

(1) العكنة: الطيّ الذي في البطن من السمن، و الجمع: عكن و أعكان. انظر الصحاح 6: 2165، القاموس المحيط 4: 251، تاج العروس 18: 383 «عكن».

118

عليه و آله: «و إنّما لكلّ امرئ ما نوى (1)»، و هو باطل إجماعا.

قلت: كون الأحداث المذكورة سببا في إيجاب الطهارة أمر ثابت بالنصّ و الإجماع، سواء اتّحدت أم تعدّدت. و تداخلها مع اتّفاقها، أو دخول الأصغر تحت الأكبر على تقدير اجتماعهما لا يوجب سقوط ما يثبت لها من السببية، فتخيّل سقوط اعتبار الأصغر عند مجامعته للأكبر في غسل الجنابة مندفع بذلك.

و لأنّ التداخل لمّا ثبت للمتساويين قوّة و ضعفا كأحداث الوضوء، لم يبعد حينئذ دخول الأضعف تحت الأقوى حيث يرد به الشرع، كما في غسل الجنابة على تقدير مجامعته للحدث الأصغر. و تخيّل احتياجه إلى النّية على تقدير تأثيره عجيب، فإنّ نيّة جميع الأحداث المجتمعة المحكوم بتداخلها غير شرط في ارتفاعها إجماعا، و حديث «إنّما لكلّ امرئ ما نوى» لا يقولون به في تلك الأحداث.

و الجواب عنهما واحد، و هو خبر زرارة عن الصادق (عليه السلام): «إذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك حقّ واحد منها» إلى آخره (2).

و لأنّ القدر المشترك بينهما، و هو المنع من الصلاة، تكفي نيّة رفعه أو رفع أحدها، فإنّه أيضا يقتضي رفع المنع، و لا يتم إلّا بارتفاع الجميع، إذ ليس المراد ارتفاع حقيقة الخارج.

فإن قلت: تأثير الحدث الأصغر إنّما يقتضي وجوب الوضوء، لا إعادة الغسل، و إلّا لكان الحدث الأصغر من موجبات الغسل؛ لاشتراك الناقض و الموجب في المعنى.

قلت: هذا الكلام حقّ لو لا إجماع الأصحاب على عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة، و لو لا ذلك لما كان لنا عنه عدول، و من هنا ذهب السيّد المرتضى و المحقّق رحمهما اللّه إلى الاكتفاء بإكماله و الوضوء بعده (3)، و لكن لمّا انتفى القول بوجوب

____________

(1) نصب الراية 1: 302، فتح الباري 1: 11/ 1، كنز العمّال 3: 793/ 8779.

(2) الكافي 3: 41/ 1.

(3) حكاه عن السيّد المرتضى- و اختاره أيضا- المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 196.

119

الوضوء معه لم يبق لنا إلّا القول بالإعادة. و من ثمّ يكتفى بالوضوء لو عرض الحدث الأصغر في أثناء غسل يجامعه الوضوء، و بإعادته على تقدير تقدّمه عليه.

و توهّم أنّ إيجاب ذلك إعادة الغسل يوجب كونه موجبا للغسل، ضعيف؛ إذ لم يحصل مسمّى الغسل بعد حتى يقال: إنّه نقض الغسل، و إنّما استلزم إبطاله لبعض الغسل، و ذلك غير موجب لكونه موجبا للغسل. نعم لو فرض عروضه بعد إكمال الغسل لم ينقضه إجماعا، و إنّما يوجب الوضوء، فلا يتم النقض.

فإن قلت: كيف يتحقّق الإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب لغسل الجنابة مع مخالفة مثل هذين الإمامين و إيجابهما الوضوء بعده، فإذا كان الدليل ينساق إلى موافقتهما لا يسوغ العدول عنه.

قلت: هذا كلام متين، و ناهيك بهما سلفا، و لكن لمّا كانت الأخبار مطلقة، أو عامّة الدلالة على عدم مجامعة الوضوء له، و الإجماع منقول عليه في غير صورة النزاع، لا جرم لم يجز المصير إليهما، و تعيّن القول بالإعادة، و ليس في هذا المبحث أقوى شبهة من هذه، و لو لا ذكرناه كان هذا القول في غاية القوّة.

هذا غاية ما يقرّر به هذا القول، و قد ظهر من تضاعيفه ما يرد على القولين الآخرين.

و لقائل أن يقول: لا نسلّم الإجماع على عدم تحقّق الوضوء الواجب مع مطلق غسل الجنابة، كيف و هو محل النزاع، فإنّ ما ذكر فرد من أفراده، و هو موضع الخلاف.

سلّمنا، لكن وجوب الوضوء هنا ليس مجامعا للغسل بل لبعض الغسل، و الإجماع على الأوّل دون الثاني، فلا يصدق حينئذ على موضع النزاع اجتماع غسل الجنابة مع الوضوء. و لعلّ السر في ذلك ما مرّ من أنّ الحدث الأصغر يدخل مع الأكبر حيث يجتمعان، بمعنى أنّ الغسل كاف عنهما، فإذا مضى من الغسل شيء قبل الحدث الأصغر لم يدخل معه في رافعه، فيجب له الوضوء.

و يؤيّد ذلك أنّ النصّ الدالّ على التداخل إنّما دلّ على تداخل الطهارات لا الأحداث، كقوله (عليه السلام): «إذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك حقّ واحد منها»

120

إلى آخره، فإذا شرع في الغسل ثم طرأ الآخر لم يدخل معه و إن كان حكم الجنابة باقيا، و إنّما يتوجّه التداخل أن لو قلنا بتداخل الأحداث، و ليس كذلك.

و قد ظهر بذلك قوّة الاكتفاء بالوضوء بعد إكمال الغسل، و قد أفردنا لتحقيق هذه المسألة رسالة مفردة تشتمل على مباحث شريفة (1).

بقي في العبارة أمور:

الأوّل: إطلاقه الحدث

، مع أنّ الأكبر ليس موضع الإشكال، و لا المقصود بالمقال؛ لأنّه نفسه موجب للغسل من غير اعتبار إبطال ما مضى، بل المقصود تخلل الحدث الأصغر، و إنّما أطلقه لظهور المراد و صحة الإطلاق، فإنّ الأكبر مبطل للغسل و إن لم يكن موضع اشتباه.

الثاني: إطلاقه الغسل

بقوله: (في أثنائه) الشامل لغسل الجنابة و غيره، إذ ليس حكم الغسل في الرسالة مقصورا على الجنابة، كما ذكره غيره حيث يعقد باب الغسل للجنابة و يحيل غيره عليه.

و قد عرفت أنّ الحكم بالإعادة مقصور على غسل الجنابة، فإطلاقه غير جيد.

نعم، قال في الذكرى بعد أن ذكر أنّ موضع الخلاف غسل الجنابة: لو تخلّل الحدث الغسل المكمل بالوضوء أمكن المساواة في طرد الخلاف (2). فيمكن أن يكون هنا ترجّح عنده العموم، لكنّه في غاية البعد؛ لضعفه، و عدم التفات المصنّف و غيره من المحقّقين إليه.

الثالث: جعله عدم تخلّل الحدث من واجبات الغسل

، مع أنّه أمر عدميّ: إمّا على وجه من المناسبة، كإدخاله ما لشكّ الشكّ في الطهارة بعد تيقّن الحدث في موجبات الوضوء و نحوها. أو بمعنى أنّ الواجب عليه تحقيق حاله و التحفّظ من الحدث، ليلحق ذلك بالواجبات المخصوصة بأفعال المكلّفين، لا بالأعدام المحضة. و إنّما يتمّ ذلك أيضا على تقدير كون إبطال الغسل محرّما، و إلّا فغايته أنّه مبطل للغسل،

____________

(1) و هي رسالة الحدث الأصغر أثناء غسل الجنابة المطبوعة ضمن المجموعة الأولى من رسائله: 34- 35.

(2) الذكرى: 106.

121

و لا يلزم منه الوجوب.

و في تحريم قطعه نظر، كغيره من الطهارات. و وجه التحريم من حيث إنّه إبطال للعمل، و قد تنظّر فيه المصنّف في البيان مع نقله الإجماع على جواز إبطال الطهارة بعد إكمالها (1).

و حينئذ يمكن أن يقال بجواز قطعها قبله بطريق أولى؛ لأنّ الطهارة إنّما تصير عملا معتبرا في نظر الشارع بعد الفراغ منها، أما في أثنائها فلا؛ لعدم اعتبارها شرعا حينئذ.

و يمكن الفرق بين الحالين بأنّ الطهارة بعد الإكمال لا يبقي لها فعل يتوجه إليه الإبطال، بل ينقضي فعلها حين الفراغ منها، و إنّما الباقي أثرها و هو ليس بعمل، فلا يدخل في النهي عن إبطال العمل، بخلاف حالتها قبل إكمالها، فإنّ العمل حينئذ واقع بالفعل يتصور إبطاله، فمن ثمّ اختصّ بالإشكال.

[السابع: المباشرة بنفسه]

(السابع: المباشرة بنفسه) لغسل الأعضاء (اختيارا) أي في حالة كونه مختارا، و سوّغ مجيء المصدر حالا سهولة تأويله بالوصف، كقتل صبرا، و طلع بغتة، و جاء ركضا، و احترز بالاختيار عمّا لو اضطرّ إلى المساعد، فيجوز بل يجب و لو بأجرة مقدورة (2)، و يتولّى النيّة إلى آخر ما ذكر في الوضوء من أحكامه.

[الثامن: الترتيب]

(الثامن: الترتيب) بين الأعضاء الثلاثة (كما ذكر) أي كما وقع في الذكر، فإنّه بدأ بذكر الرأس و الرقبة، ثم بالجانب الأيمن، ثم بالأيسر.

و إنّما يجب الترتيب في غير الارتماس، فلا بدّ من التنبيه عليه؛ لأنّه قسم الغسل في صدر الباب إليه و إلى غيره.

و إنّما يجب الترتيب بين الأعضاء لا فيها، بخلاف الوضوء؛ لأصالة العدم، و عدم الدليل، بل في إثبات دليل الترتيب بين الأعضاء تكلّف لو لا الإجماع، و استقرب

____________

(1) البيان: 89.

(2) لم ترد في «ع» و «ش».

122

المصنّف في الذكرى استحباب البدأة بالأعلى فالأعلى تحفّظا من النسيان (1).

(و لا يجب) في الغسل (المتابعة) بالأصالة، سواء فسّرناها بمراعاة الجفاف، أم بالشروع في العضو عند الفراغ من الآخر بغير فصل يعتدّ به.

و احترزنا بالأصالة عن العارض، فإنّه قد يوجب المتابعة كضيق وقت عبادة واجبة مشروطة به، أو دوام الحدث كالمستحاضة أو خوف فجأة كذي الفترة لدائم الحدث، أو خوف فقد الماء بدونها، أو نذر و شبهه، فإنّ نذرها منعقد لرجحانها فضلا عن الإباحة؛ تحفّظا من طريان المفسد، و مبادرة إلى الواجب، و تأسيّا بصاحب الشرع و خلفائه (عليهم السلام)، و متى فرّقه لم يجب عليه تجديد النيّة للمتأخر من الأعضاء مع بقاء الاستدامة الحكميّة.

[التاسع: طهارة الماء و طهوريته]

(التاسع: طهارة الماء و طهوريته) و قد تقدّم الكلام فيهما.

(و طهارة المحل) و هو بدن المغتسل قبل الشروع في الغسل، لا بمعنى طهارة جميعه، بلى الجزء الذي يريد غسله، بمعنى أنّه يغسل كلّ جزء يتوقّف على طهارته من الخبث قبله و إن كان باقي بدنه نجسا، فإنّ غاية ذلك الإخلال بالمتابعة بسبب إزالة النجاسة في أثناء الغسل، و هو غير قادح في صحّة الغسل.

[العاشر: إباحته]

(العاشر: إباحته) أي الماء. فلو كان مغصوبا بطل الغسل به مع العلم، و جميع ما تقدّم في الوضوء آت هنا.

[الحادي عشر: إجراؤه على العضو]

(الحادي عشر: إجراؤه) على العضو (كغسل الوضوء)، فلو مسّ العضو بالماء من غير جريان لم يجزئ.

[الثاني عشر: إباحة المكان]

(الثاني عشر: إباحة المكان) المغتسل فيه، فلو كان مغصوبا مع العلم به و الاختيار بطل

____________

(1) الذكرى: 105.

123

كالوضوء من غير فرق في جميع هذه الواجبات، فما ذكر هناك وارد هنا.

(فلو شكّ) المغتسل (في) شيء من (أفعاله) أي أفعال الغسل (و هو على حاله) أي حال الغسل لم يفرغ منه بعد، و إن كان قد انتقل عن حالة العضو المشكوك فيه (فكالوضوء) فيعيد المشكوك فيه و ما بعده ما لم يكثر شكّه كما مرّ.

و لو كان الشكّ بعد الانصراف من الغسل لم يلتفت إن كان مرتمسا، أو من عادته المتابعة، أ الشكّ الشكّ في غير الجزء الأخير مع تحقّقه فعل الأخير؛ عملا بالظاهر، و إلّا فكالشكّ في الأثناء؛ لعدم تيقّن الإكمال، و أصالة عدم فعل المشكوك فيه.

و يحتمل وجوب العود إلى المشكوك فيه في غسل الترتيب مطلقا؛ لأصالة عدم فعله، و عدم الحكم بالإكمال مع الشكّ في شيء من سابق الأفعال؛ لأصالة عدم فعله، و بطلان الغسل الواقع بعده لعدم الترتيب.

124

[واجبات التيمّم]

(و واجب التيمّم اثنا عشر):

[الأوّل: النيّة]

(الأوّل: النيّة) و قد تقدّم تحقيقها، و يجب إيقاعها (مقارنة للضرب على الأرض) لأنّه أوّل أفعال التيمّم، (لا لمسح الجبهة) كما تقارنها في المائيّة.

و الفرق بين التيمّم و الطهارة المائيّة: أنّ أخذ الماء ليس شرطا في صحة الطهارة، بل لا فرق بين نقل الماء إلى الوجه و وضعه في الماء، فأوّل أفعال الطهارة المائية غسل جزء من الوجه أو الرأس، بخلاف التيمّم، فإنّ قصد الصعيد أحد واجباته، و هو سابق على مسح الجبهة، فتكون النيّة عنده؛ لأنّ المعتبر مقارنتها لأوّل العبادة.

و مما يدلّ على أنّ قصد الصعيد جزء من العبادة اتفاقهم على أنّه لو وضع جبهته على الأرض أو تعرّض لمهبّ الريح لم يجزئ، و ردّ بذلك على الفاضل حيث ذهب في النهاية إلى جواز تأخير النيّة إلى مسح الجبهة؛ تنزيلا للضرب منزلة أخذ الماء للطهارة (1)، و قد عرفت الفرق بينهما.

و فرّق المصنّف بينهما أيضا في سياق الردّ على الفاضل بأنّه لو أحدث بعد أخذ الماء

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 204.

125

لم يضرّ، بخلاف الحدث بعد الضرب.

و هو غير وارد عليه؛ لأنّ ذلك فرع النيّة، فلو جوّزنا تأخيرها إلى مسح الجبهة لم يؤثّر الحدث السابق عليها و إن تأخّر عن أخذ التراب، و إنّما يضرّ لو حتّمنا تقديمها.

و الفاضل حيث جوّز تأخيرها إلى مسح الجبهة جزم بمساواة التيمّم للطهارة المائيّة في ذلك، قال في النهاية: و لو أحدث بعد أخذ التراب لم يبطل ما فعله كما لو أحدث بعد أخذ الماء في كفّه (1).

و كيف كان فمختار المصنّف فيهما أصحّ، و إنّما الكلام على السند، و هو غير مساو.

و لا يجب استدامتها فعلا إلى آخر التيمّم، بل يكفي كونها (مستدامة الحكم) إلى آخره، و قد مرّ تفسير الاستدامة الحكمية.

(و صفته) (2) النيّة (أتيمّم بدلا من الوضوء أو الغسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى اللّه) و قد استفيد منها ما يعتبر فيها، و قد مرّ الكلام على الاستباحة و الوجوب و القربة (3).

و معنى (أتيمّم): أفعل الطهارة المخصوصة، و هي الضرب و (4) مسح الجبهة و اليدين بالصعيد، فإنّه و إن كان في اللغة اسما للقصد (5)، لكنّه قد نقل شرعا إلى نفس الفعل.

و يستفاد من قوله: (بدلا) وجوب التعرّض فيه للبدليّة عن الصغرى أو الكبرى، و لا يشترط تعيين شخصها كما يعلم من عدم تعرّضه له، فإنّه بصدد بيان الواجب الذي يكفي المكلّف.

و يستثني من وجوب التعرّض للبدليّة في الواجب التيمّم لخروج الجنب من المسجدين على مذهب المصنّف في هذه الرسالة، حيث جعل الخروج غاية للتيمّم

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 203.

(2) في النسخ الخطيّة الثلاث للألفيّة: و صورتها.

(3) مرّ في الصفحة: 81.

(4) الضرب و: لم ترد في «ش» و «ق» و «د».

(5) الصحاح 5: 2064، النهاية في غريب الحديث و الأثر 5: 300، تاج العروس 17: 777 «يمم».

126

خاصة (1). و إن قدر على الغسل فلا يجوز التعرّض فيه للبدليّة، و على ما اخترناه هو كغيره.

و ممّا يسقط فيه اعتبار البدليّة التيمّم لصلاة الجنازة و للنوم؛ لشرعيّتهما من دونه و مع وجود الماء، لكن هذان خارجان عن موضوع الرسالة، فلا يفتقر إلى استثنائهما.

و الاستباحة هنا متعيّنة (و لا مدخل للرفع هنا) للإجماع على كون التيمّم غير رافع للحدث، كما نقله المحقّق في المعتبر عن كافة العلماء (2). و متى لم يرفعه امتنعت نيّته؛ لامتناع نيّة الممتنع شرعا.

و إنّما يبيح التيمّم العبادة المشروطة، بمعنى زوال المنع من الصلاة مثلا الذي هو أثر الحدث، لا المانع الذي هو المؤثّر.

و لهذا ينتقض بالتمكن من استعمال الماء مع أنّه ليس من قبيل الأحداث، و إنّما يطهر به أثر الحدث السابق الذي كان قد تخلّف عن أثره بواسطة التيمّم.

و كذلك ادّعى المحقّق الإجماع على أنّ وجود الماء ليس حدثا (3)، و لأنّه لو كان حدثا لوجب استواء المتيمّمين في موجبه، ضرورة استوائهم فيه.

لكن هذا باطل؛ لأنّ المحدث لا يغتسل، و المجنب لا يتوضّأ. و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعمرو و قد تيمّم عن الجنابة من شدّة البرد: «صلّيت بأصحابك و أنت جنب» (4)، فلو ارتفع بالتيمّم لما سمّاه جنبا، كما لا يسمّي بذلك بعد الغسل.

و لو لو حظ هنا في التسمية عدم اشتراط بقاء المعنى المشتقّ منه في صحّة الاشتقاق، لساوى ما بعد التيمّم ما بعد الغسل، و انتفاؤه بعد الغسل موضع وفاق، فدلّ على عدم اعتبار ذلك المعنى شرعا، كما امتنع تسمية المسلم عن كفر كافرا.

و هذا الدليل كما يدلّ على عدم رفع التيمّم الحدث مطلقا كالمائيّة، كذلك يدلّ على عدم رفعه إلى غاية معيّنة، و هي إمّا الحدث، أو وجود الماء، أو رفعا متزلزلا مشروطا

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 73- 74.

(2) المعتبر 1: 394.

(3) المعتبر 1: 394.

(4) مسند أحمد بن حنبل 4: 203.

127

بعدم وجود أحدهما.

و أقوى هذه الأدلة الإجماع، و قد ضعف بها ما ذهب إليه المصنّف في قواعده من جواز نيّة رفع الحدث، بناء على أنّ التمكّن من استعمال الماء جاز أن يكون غاية للرفع، كما يكون طريان الحدث غاية له في التيمّم و غيره (1)، و في الدروس من جواز نيّة رفع الحدث الماضي كدائم الحدث (2).

و قد أجيب عن الأوّل بأنّه ليس رفع الحدث في الطهارة المائيّة مغيّى بغاية أصلا، و إنّما المانع- أعني الحدث الموجب للطهارة- مرتفع بها، و زائل بالكلّية حتى كأنّه لم يكن، ثم لا يعود ذلك المانع بعينه إلى الوجود مرّة أخرى، بل الحاصل بالحدث الطارئ مانع آخر غير الأوّل، غايته أنّه بمطل لفائدة الطهارة؛ لأنّه من نواقضها.

و لا كذلك التيمّم فإنّ إزالته المانع ليست إزالة كليّة، بل إلى أمد معيّن مضروب، و هو إما طروء حدث، أو التمكّن من استعمال الماء، فإذا وجد أحدهما عاد الأوّل بعينه حتى كأنّه لم يزل. و لهذا يجب الغسل على المتيّمم بدلا منه عند التمكّن، و لو كان رافعا لما وجب إلّا بحدث آخر موجب للغسل. (3)

و أنت خبير بأنّ هذا الجواب لا ينافي القول بكون الحدث مرتفعا به إلى غاية مضروبة مغيّاة بأحد الأمرين: إمّا التمكّن من استعمال الماء، أو الحدث. بل هو إلى الدلالة عليه أقرب، فالاعتماد حينئذ على الإجماع.

و أمّا حكمه في الدروس فهو مبنيّ على اتّحاد حكم المتيمّم و دائم الحدث، و الفرق بينهما واضح، فإنّ لدائم الحدث حدثا سابقا و مقارنا، و طهارته مائيّة صالحة لرفع الحدث حيث يمكن، و إمكانه في السابق خاصّة؛ لأنّ المقارن و المتأخّر يمتنع تأثير النيّة فيه، بخلاف المتيمّم فإنّه لا يصلح للرفع مطلقا كما قد عرفت، فظهر من ذلك أنّ حكم المصنّف في هذه الرسالة من عدم الرفع هنا مطلقا أقوى.

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 80.

(2) الدروس 1: 132.

(3) المجيب هو المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسالة) 3: 207- 208.

128

[الثاني: الضرب على الأرض]

(الثاني: الضرب على الأرض) فلا يكفي التعرّض لمهبّ الريح.

(بكلتا يديه) فلا تجزئ الواحدة.

(ببطونهما) فلا يجزئ الضرب بالظهر و لو من إحداهما.

كلّ ذلك (مع الاختيار) أما مع الاضطرار فيجوز بعض ما امتنع هنا كالواحدة حيث يتعذّر الضرب بهما، و الظهر حيث يتعذّر البطن، بل يسقط المسح بهما معا حيث يتعذّر و يمسح جبهته بالأرض.

و في العبارة مباحث:

الأوّل: تعبيره- ككثير من الأصحاب و الأخبار- بالضرب المقتضي لمصاحبة الوضع

باعتماد يحصل به مسمّاه عرفا، يدلّ على عدم إجزاء الوضع المجرّد عنه. و الأمر فيه كذلك؛ تحقيقا لمسمّى الضرب المأمور به. و ما ورد في بعض الأخبار بلفظ الوضع (1) لا ينافيه؛ لأنّ الضرب وضع و زيادة، فكان أعمّ من الضرب، فيحمل على الخاص جمعا؛ لأنّ في العكس اطراح الخاص.

و مال المصنّف في الذكرى إلى عدم اشتراط الاعتماد؛ محتجا بأنّ الغرض قصد الصعيد، و هو حاصل بالوضع (2). و تبعه الشارح المحقّق؛ محتجّا بأنّ اختلاف الأخبار و كلام الأصحاب في التعبير بهما يدل على أنّ المراد بهما واحد (3).

و لا يخفى ما فيهما، فإنّ الأوّل عين المتنازع فيه، و كيف يكون مطلق القصد كافيا و قد دلّ الدليل على اشتراط وقوعه على وجه مخصوص.

و أما الثاني فقد عرفت جوابه، فإنّ الوحدة لا تتمّ بحمل الخاص على العام، و أيضا فإنّ مجرد الاختلاف لم يدلّ على كونهما واحدا، و إنّما دلّ على الوحدة وجوب تقرير النّصين ما أمكن، و إنّما يتمّ بحمل العامّ على الخاصّ دون العكس، فالدليل النقليّ

____________

(1) الفقيه 1: 57/ 212.

(2) الذكرى: 108.

(3) جامع المقاصد 1: 489.

129

لا يساعد على ما اختاراه.

الثاني: جعل النيّة مقارنة للضرب على الأرض

و جعله هو الواجب الثاني يدل على وجوب استحضارها قبل الوضع؛ لتتحقّق مقارنتها للضرب، فلا يكفي استحضارها حالة الوضع المستدام.

أمّا على ما اخترناه فظاهر؛ لأنّ الفعل الذي يقارن به النيّة هو الضرب لا الوضع، و المتأخّر عن النيّة بعد وصول اليد إلى الأرض لا يسمّى ضربا.

و أمّا على ما اختاره المصنّف و الشارح؛ فلأنّ الواجب مقارنة النيّة لأوّل العبادة، و هو هنا الوضع، و لم يحصل، و مثله نيّة السجود للسهو و الشكر و قضاء السجدة المنسيّة.

و يحتمل الاكتفاء في هذه الموارد باستدامة الوضع، و كذا في التيمّم إن لم يوجب الضرب؛ لأنّ الاستدامة أقوى من الابتداء، و الوضع المعتبر هو المتأخّر عن النيّة، كما لو نوى الوضوء أو الغسل و هو تحت الماء.

الثالث: لا ريب في وجوب مقارنة النيّة للضرب

، لكن هل تجب المقارنة لمجموع اليدين دفعة واحدة، أم يكفي مقارنتها لجزء من اليدين مع إتباعه مسح الباقي؟

ليس في عبارة المصنّف و غيره تصريح بأحد الأمرين، و لا شكّ أنّ الأوّل طريق اليقين، و به يتحقّق الخروج عن العهدة. غير أنّ الاكتفاء بالثاني لا يخلو من قوّة؛ لأنّ الدليل لا يدلّ على أزيد من كون النيّة مقارنة لأوّل العبادة، و هو أوّل جزء من الضرب، و لأنّ ذلك يتعذّر غالبا في الحجر، فإنّ تساوي سطوحه بحيث لا يشذّ عنه جزء من باطن اليد دفعة نادر، و كذا التراب الخالص من شائبة التبن اليسير و نحوه.

و لو بقي على استحضار النيّة إلى أن استوعب بالمسح بطن اليد كان أولى عند من اكتفى بالوضع، و على اعتبار الضرب لا يفيد؛ لزوال مسمّى الضرب بعد الوضع.

الرابع: التعبير بالأرض متناول جميع أصنافها

من التراب، و الحجر، و الرمل، و المدر، و أرض النورة، و الجصّ قبل الإحراق، و غيرها. فيصح التيمّم بهذه الأصناف

130

كلّها اختيارا على المشهور؛ لدخولها في اسم الصعيد المأمور بالتيمّم به في الآية (1)، لأنّ المراد به وجه الأرض، كما ذكره جماعة من أهل اللغة (2)، و شرط جماعة من الأصحاب في جواز التيمّم بغير التراب تعذّره (3)، و هو ضعيف.

و خرج بالأرض ما خرج عنها بالاستحالة، كالمعادن و الرماد.

[الثالث: مسح الجبهة]

(الثالث: مسح الجبهة) بباطن الكفين، و حدّها (من القصاص) المعهود سابقا، و هو منتهى منابت شعر الرأس (حقيقة) كما في مستوي الخلقة بالنسبة إلى نبات شعره. (أو حكما) كما في الأنزع و الأغمّ فإنهما يرجعان إلى مستوي الخلقة، فيمسحان ما يمسحه، فإنّ ما انحسر عنه الشعر من رأس الأنزع في حكم الرأس، كما أنّ ما نبت عليه شعر الأغم من الجبهة في حكمها.

(إلى طرف الأنف الأعلى) صفة للمضاف لا للمضاف إليه (و) انتهاء المسح (إلى) الطرف (الأسفل) من الأنف (أولى) و معني الأولويّة هنا أنّ فعله أفضل من تركه مراعاة للاحتياط، بسبب القول بوجوبه. لا أنّ فعله على وجه الاستحباب، فإنّ إيقاعه على ذلك الوجه غير مجزئ عند القائل بوجوبه، فلا يتمّ الاحتياط.

و حينئذ فليس في الأولوية خروج عن موضوع الرسالة، فإنّ الممسوح أمر كلّيّ بعض أفراده أفضل من بعض، فيكون من باب الوجوب التخييريّ ليتمّ الخروج من الخلاف، و جواز ترك الزائد لا إلى بدل لا يخرجه عن الوجوب، كما في الصلاة في أماكن التخيير.

لكن فيه: أنّ القائل بوجوب انتهاء المسح إلى أسفل الأنف غير معلوم، و دخوله في القول بوجوب استيعاب الوجه لا يقتضي تخصيصه بالذكر.

____________

(1) المائدة: 6.

(2) منهم ثعلب و الخليل و الفيروزآبادي. انظر: العين 1: 290، الصحاح 2: 498، القاموس المحيط 1: 318، تاج العروس 5: 61 «صعد».

(3) كالشيخ المفيد في المقنعة: 60، و الشيخ الطوسي في النهاية: 49، و سلّار في المراسم: 53، و ابن إدريس في السرائر 1: 137.

131

و يجب مسح الجبينين، و هما المحيطان بالجبهة عن يمين و شمال، يتصلان بالصدغين؛ لوجوده في بعض الأخبار (1)، و الزيادة غير المنافية مقبولة، و إدخال جزء من الحدّ المشترك من باب المقدّمة.

أمّا مسح الحاجبين فأوجبه الصدوق (2)، و نفى المصنّف في الذكرى عنه البأس (3)، و هو أولى.

و المشهور عدم وجوب استيعاب الوجه؛ لدلالة الباء في قوله تعالى:

وُجُوهَكُمْ (4) و الأخبار عليه (5).

و ذهب بعض الأصحاب إلى الوجوب (6) استنادا إلى أخبار ضعيفة (7)، و يمكن حملها على التقيّة أو الاستحباب.

و اختار المحقّق في المعتبر التخيير بين مسح جميع الوجه و بعضه تخييرا (8)، لكن لا ينقص عن الجبهة عملا بالأخبار من الجانبين (9).

[الرابع: مسح ظهر كفّه اليمنى]

(الرابع: مسح ظهر كفّه اليمنى) و حدّه (من الزند) بفتح الزاي، و هو موصل طرف الذراع من الكف (إلى أطراف الأصابع) على المشهور؛ لأنّ (10) اليد حقيقة في ذلك و إن كانت يقال على غيره، فيقتصر على المتعيّن؛ لأصالة عدم وجوب الزائد. و أوجب

____________

(1) التهذيب 1: 212/ 614، الاستبصار 1: 171/ 594.

(2) الفقيه 1: 57.

(3) الذكرى: 108.

(4) المائدة: 6.

(5) التهذيب 1: 207/ 598، الاستبصار 1: 170/ 591.

(6) ذهب إليه علي بن بابويه القمّي كما حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 384 و العلّامة في المختلف 1: 267 المسألة 199.

(7) التهذيب 1: 209/ 608، الاستبصار 1: 171/ 596.

(8) المعتبر 1: 386. و في هامش «ع» كتب الناسخ: هذا ليس في بعض النسخ، أعني قوله (تخيرا)، و في بعضها موجودة، إلّا أنّ الفقير وجدته بخط الشيخ زين الدين في آخر الأمر (قدّس سرّه).

(9) الكافي 3: 30/ 4، الفقيه 1: 56/ 212، التهذيب 1: 61/ 168.

(10) لأنّ. وجوب الزائد: لم ترد في «ع» و «د».

132

مستوعب الوجه مسح اليدين إلى المرفقين (1)، و الآية (2) و الأخبار (3) حجّة عليه.

[الخامس: مسح ظهر كفّه اليسرى]

(الخامس: مسح ظهر كفّه اليسرى كذلك) من الزند إلى أطراف الأصابع. و يجب إدخال جزء من الذراع من باب المقدّمة، و البدأة بالزند، و لو كان له يد زائدة وجب مسحها إن كانت في الزند أو ما تحته أو لم تتميّز عن الأصلية، و إلّا اقتصر على الأصلية.

[السادس: نزع الحائل]

(السادس: نزع الحائل) بين الماسح و الممسوح، أو بين الأرض و البشرة، حالة الضرب (كالخاتم) مع الإمكان، و مع عدمه- كالجبيرة- يمسح بها و عليها كالطهارة المائيّة.

[السابع: الترتيب]

(السابع: الترتيب) بين الأعضاء الممسوحة، (كما ذكر) في العبارة، يبدأ بالضرب، ثم يمسح الجبهة، ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى؛ للنصّ (4)، و الإجماع، و التأسّي. فلو أخلّ به استدرك ما يحصل معه الترتيب.

[الثامن: الموالاة]

(الثامن: الموالاة و هي المتابعة) بين الأعضاء، بحيث لا يقع بينها تراخ يعتدّ به.

و لا ريب في اعتبارها على القول بوجوب اعتبار ضيق الوقت في فعل التيمّم، و على غيره فللفاء المقتضية للتعقيب بغير مهلة في الآية (5). و كلّ من أوجب المتابعة بين الضرب و المسح أوجبه بين باقي المسحات، و للتأسّي.

و هل هي شرط في الصحة، فيبطل التيمّم بالإخلال بها، أم هي واجبة لا غير، فيأثم بتركها؟ وجهان.

____________

(1) هو علي بن بابويه القمّي كما حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 384 و العلّامة في المختلف 1: 267 المسألة 199.

(2) المائدة: 6.

(3) التهذيب 1: 208/ 602، الاستبصار 1: 170/ 592.

(4) التهذيب 1: 207/ 598، الإستبصار 1: 170/ 591.

(5) المائدة: 6.

133

و احترز بقوله (هنا) عن موالاة الوضوء فإنّه مراعاة الجفاف، و هي غير متصوّرة هنا.

[التاسع: طهارة التراب المضروب عليه]

(التاسع: طهارة التراب المضروب عليه) لوصف الصعيد بالطّيب، (1) و هو الطاهر.

فلا يجزئ النجس اختيارا و اضطرارا، سواء تعدّت نجاسته إلى الأعضاء أم لا.

و كان ينبغي تعميم العبارة بلفظ يشمل التراب و غيره، فإنّ التراب بعض أنواع ما يصح التيمّم به.

(و) كذا يجب طهارة (المحلّ) و هو الأعضاء الماسحة و الممسوحة مع الإمكان، سواء تعدّت النجاسة إلى التراب أم لا. و لو تعذّرت الإزالة، و لم تكن النجاسة حائلة بين الماسح و الممسوح، و لا متعدّية، جاز التيمّم. و مع التعدّي إلى التراب يصبر، كما لو لم يجد إلّا التراب النجس.

أمّا مع الحيلولة، فإن أمكن إزالة الحائل و لو بنجاسة أخرى كالبول، تعيّن. و مع التعذّر يتيمّم كذلك، و لكون النجاسة الحائلة كالجبيرة، و يظهر من الذكرى سقوط التيمّم هنا (2)، و ليس بواضح.

(و يجزئ الحجر) عن التراب و إن أمكن؛ لأنّه من أصناف الأرض إجماعا، كما نقله المحقّق في المعتبر (3)، فإنّه تراب اكتسب رطوبة و عملت فيه الحرارة فأفاداه استمساكا.

و يتناول الحجر جميع أنواعه من رخام، و برام، و غيرهما.

و ردّ بذلك على الشيخ (4) و جماعة حيث شرطوا في جواز استعماله فقد التراب (5).

و يضعّف بأنّه إن كان من الأرض جاز التيمّم عليه اختيارا، و إلّا لم يجز مطلقا كالمعدن.

و لا يرد الوحل؛ لخروجه بنصّ خاص (6).

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الذكرى: 109.

(3) المعتبر 1: 376.

(4) المبسوط 1: 32، النهاية: 49.

(5) كالمفيد في المقنعة: 60 و ابن إدريس في السرائر 1: 137.

(6) التهذيب 1: 189/ 543، الاستبصار 1: 156/ 537.

134

و في حكم الحجر الخزف، بل هو أولى بالجواز؛ لعدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض كالحجر و إن خرج عن اسم التراب، خلافا لبعض الأصحاب حيث منع من التيمّم به مع تجويزه الحجر (1)، و هو أقوى خروجا عن اسم التراب.

و الواجب في هذا النوع من الطهور الضرب عليه (و لا يشترط علوق شيء من التراب) على اليدين عندنا؛ لأنّ الصعيد وجه الأرض لا التراب، و لجواز التيمّم على الحجر (بل يستحب النفض) لما علق منه على اليدين إن اتّفق؛ لما روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نفض يديه. (2)

و ردّ بذلك على ابن الجنيد حيث اعتبر العلوق (3)؛ عملا بظاهر الآية (4)، حيث جعل المسح منه، و (من) للتبعيض. و ردّ بجواز كونها لابتداء الغاية، أو بعود الضمير إلى التيمّم، و بأنّ المسح به غير واجب إجماعا؛ للاتّفاق على جواز النفض، بل ربّما قيل بوجوبه تأسّيا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام).

و متى كان كذلك لم يكن للعلوق فائدة، بل هو دليل على عدم اشتراط العلوق، و هو السّر في قول المصنّف هنا: (بل يستحب النفض) فإنّه ذكر الاستحباب تنبيها على الرّد على من اشترط العلوق، لا لبيان الاستحباب في نفسه؛ لأنّه خروج عن موضوع الرسالة.

و توجيه الدلالة به: أنّه لو اشترط علوق شيء من التراب لم يستحب النفض، و التالي باطل؛ لثبوته من فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليه السلام)، فالمقدّم مثله في البطلان، فلا يكون العلوق شرطا، و هذا من لطائف الرسالة.

[العاشر: إباحته]

(العاشر: إباحته) أي إباحة التراب المضروب عليه بأن يكون مملوكا، أو مأذونا فيه

____________

(1) كالمحقّق في المعتبر 1: 375.

(2) سنن الدارقطني 1: 179/ 14.

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف 1: 270 المسألة: 201.

(4) المائدة: 6.

135

صريحا أو فحوى. و يكفي شاهد الحال، فيجوز التيمّم على جدار الغير و أرضه به، و لو علم الكراهة أو ظنّها امتنع.

[الحادي عشر: إباحة المكان]

(الحادي عشر: إباحة المكان) الذي يتيمّم فيه، فلو كان مغصوبا بطل و إن كان التيمّم على أرض مباحة، و الكلام هنا في المكان كما تقدّم في الوضوء.

[الثاني عشر: إمرار الكفّين معا على الوجه]

(الثاني عشر: إمرار الكفّين معا على الوجه) فلا يجزي المسح بإحداهما، خلافا لابن الجنيد حيث اكتفى باليد اليمنى؛ لصدق المسح. (1) و الدليل أعمّ من المدّعى، و الواجب حصول المسح بهما و إن لم يتساويا فيه. و يجب البدأة بالأعلى، فلو نكس فالأقرب المنع؛ عملا بالتيمّم البيانيّ، و التقريب ما تقدّم في الوضوء.

(و) يجب إمرار (بطن كلّ واحدة) من الكفّين (على ظهر الأخرى) حالة مسحها مع الإمكان، فإن تعذّر و لو بنجاسة أجزأ الظهر.

و ليس في هذه الأحكام تكرار؛ لما تقدّم في الثالث و الرابع و الخامس؛ إذ ليس في تلك بيان المحلّ الماسح من اليد و إن كان قد ذكر أنّ الضرب على الأرض ببطن اليدين، إذ لا يتعيّن ذلك للمسح من مجرد العبارة.

و قوله (مستوعبا للممسوح خاصة) صفة لمصدر محذوف تقديره: إمرارا مستوعبا، أو حال من الفاعل المدلول عليه بالإمرار، و العامل فيه المصدر المذكور.

ثم يمكن كونه حالا مبيّنة؛ لأنّ تخصيص الاستيعاب بالممسوح في قوّة قوله مقتصرا على استيعاب الممسوح، و هذا المعنى ليس مفهوما من الكلام السابق.

و يمكن كونه حالا مؤكّدة، كما ذكره الشارح المحقّق (2)؛ نظرا إلى صورة اللفط، فإنّ ظاهر الكلام السابق دالّ على استيعاب الممسوح.

و المراد بالممسوح الجنس، فيدل على استيعاب كلّ ممسوح دون العضو الماسح؛

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف 1: 274 المسألة 204.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 212.

136

لتحقّق الامتثال بدونه، و لعدم إمكان استيعاب الممسوح به دفعة واحدة غالبا، و استيعابه بعد الفراغ من الممسوح يوجب تكرارا في المسح لا دليل ع الشكّ (و الشكّ في أثنائه) أي في أثناء التيمّم (كالمبدل) فيعيد المشكوك فيه و ما بعده مراعيا للترتيب.

(و ينقضه) جميع نواقض المبدل، و يزيد عليه (التمكن من المبدل) أي من الطهارة التي هذا التيمّم بدل منها، فلو تمكن من الوضوء خاصة من عليه غير غسل الجنابة من الأغسال، و قد تيمّم عن الوضوء و الغسل، انتقض تيمّم الوضوء خاصة، و كذا لو تمكن من الغسل خاصة، و لو تمكن منهما انتقض التيمّمان دون من تمكن من غسل بعض الأعضاء، إذ ليس ذلك مبدلا.

و يشترط في استمرار الحكم بالنقض مع التمكّن كونه بمقدار زمان الطهارة أو اشتباه الحال، أمّا لو وجود الماء فشرع في الطهارة فحصل مانع من الإكمال، أو لم يشرع ثم حصل المانع من الابتداء قبل مضي زمان يمكنه إكمالها فيه، فإنّه يكشف عن عدم الانتقاض و إن كان قد حكم به في ظاهر الحال؛ لاستحالة التكليف بعبادة في وقت يقصر عنها.

و لا منافاة بين وجوب الجزم بنيّة الوجوب لو شرع و بين عدمه بعد ذلك؛ لأنّ التكليف مبنيّ على الظاهر إلى أن يثبت خلافه.

و مثله ما لو شرع المكلّف بالصلاة في أوّل الوقت، فإنّه لا يعلم بقاءه مكلّفا إلى آخر الصلاة مع وجوب الجزم عليه بالوجوب في النيّة.

و كذا الشارع في الحج عام الاستطاعة، مع تجويز تلف المال و عروض الحصر و الصدّ قبل فعل ما يقتضي الإجزاء.

فاستمرار الشرائط يكشف عن مطابقة الواقع للظاهر، و التكليف منوط بالظاهر.

و في إطلاق عبارات الأصحاب و الأخبار ما يدلّ على انتقاض التيمّم و إن لم يستمرّ المانع، و التحقيق ما هنا.

(ثم إن كان) التيمّم بدلا (عن الوضوء فضربة) واحدة، يقارن بها النيّة، و يمسح بها وجهه و يديه، كافية.

137

(و إن كان) التيمّم بدلا (عن) غسل (الجنابة) بل عن الغسل مطلقا (فضربتان):

إحداهما يمسح بها وجهه، و الأخرى يديه.

(و إن كان) التيمّم بدلا (عن غيرهما) أي غير الوضوء و الجنابة- و في بعض النسخ (غيرها) بغير ميم، أي غير الجنابة- (من الأغسال فتيمّمان): أحدهما بدل عن الغسل بضربتين، و الآخر بدل عن الوضوء بضربة.

و لا يخفى ما في العبارة من القصور، فإنّ تخصيص الجنابة بضربتين لا وجه له؛ لأنّ جميع الأغسال كذلك، و كذلك نسبة التيمّمين إلى غيرها من الأغسال، فإنّ نفس الأغسال ليس عنها إلّا تيمّم واحد بضربتين، و إنّما التيمّم الآخر بدل من الوضوء الذي يجامع الغسل.

و لا يجوز أن يراد بالأغسال هنا أسبابها، أعني الأحداث الموجبة لها، من باب حذف المضاف؛ لأنّ التيمّم إنّما يكون بدلا من الغسل نفسه أو الوضوء، لا من سببه.

و أيضا فيه إخلال بكيفيّة التيمّمين اللذين عن غير الجنابة هل هما بضربة، أم بضربتين، أم بالتفريق؟ و لا يستفاد من حكمه على بدل الوضوء بأنّه بضربة، و على بدل الجنابة بضربتين؛ لأنّ هذا الثالث قسيم الاثنين فيغايرهما.

و كان حقّ العبارة أن يقال: ثم إن كان بدلا من الوضوء فضربة، و إن كان عن الغسل فضربتان، و لغير الجنابة تيمّمان: أحدهما عن الوضوء، و الآخر عن الغسل.

(و للميّت ثلاثة) لأنّها بدل عن ثلاثة أغسال، و الأجود وجوب تعدّد النيّة بحسب تعدّدها، و على ما اختاره المصنّف من إجزاء نيّة واحدة للأغسال الثلاثة- كما سيأتي- (1) تجزي نيّة واحدة للتيمّمات بطريق أولى، و على هذا القول يتخيّر في إفراد كلّ نيّة و جمعها بنيّة واحدة في أوّلها.

و هل يجب غسل اليدين بعد كلّ مسح، بناء على تعدّي نجاسة الميّت إلى غيره و إن لم تكن رطوبة كما هو المختار؟

____________

(1) يأتي في الصفحة: 159.

138

يحتمل قويا ذلك؛ لأنّ النجس لا يفيد غيره طهارة، و المطهّر هنا هو المسح بباطن اليد المنسوب إلى التراب. و إن كان المطهّر ينسب إلى التراب فقط، فلكلّ واحد من اليد و الأرض مدخل في التطهير، و العدم مع عدم التعدّي إلى التراب؛ لأنّه المطهّر حقيقة و إن لم يمسح به.

و على القول بعدم تعدّي نجاسة الميّت مع اليبوسة لا إشكال في عدم وجوب تطهيرها؛ لعدم النجاسة، و هو اختيار الشارح المحقّق. (1)

و إذا تيمّم جاز أن يصلّى به صلوات متعدّدة ما لم يحدث أو يجد الماء (و لا يجب تعدّده بتعدّد الصلاة) عندنا إجماعا، و نبّه به على خلاف بعض العامّة، حيث أوجب لكلّ صلاة تيمما (2).

(و) لا يجوز التيمّم قبل دخول وقت العبادة المشروطة به إجماعا، بل (ينبغي إيقاعه مع ضيق الوقت) لا مع سعته، سواء رجا زوال العذر أم لا؛ تفصّيا من الخلاف، و عملا بالمشهور بين الأصحاب، بل كاد يكون إجماعا، فلا أقلّ من أن يكون أولى.

و يمكن كون ذلك في العبارة على وجه الوجوب، كما رجّحه المصنّف في الذكرى (3)، ناقلا فيها عن الشيخ (4) و المرتضى (5) دعوى الإجماع عليه. و المنقول منه بخبر الواحد حجّة، فضلا عن هذين الإمامين، و الأخبار الصحيحة دالّة عليه، فتعيّن المصير إليه.

و الأصح أنّ التضيّق إنّما هو شرط في ابتداء التيمّم لا في استدامته، فلو تيمّم لضيق وقت حاضرة و صلّاها، ثم دخل وقت أخرى و هو باق على التيمّم، جاز أن يصلّيها مع سعة الوقت. و كذا لو تيمّم مع سعة وقت الحاضرة لمشروط به مضيّق، جاز أن يصلّيها بعد ذلك مع سعة الوقت.

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقق الكركي) 3: 214.

(2) انظر الأم 1: 47، المجموع 2: 293- 294، مختصر المزني: 7، كفاية الأخيار 1: 39.

(3) الذكرى: 106- 107.

(4) المبسوط 1: 31، النهاية: 47- 48.

(5) الانتصار: 31، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية) 225 المسألة 51.

139

[المقدّمة الثانية: إزالة النجاسات العشر عن الثوب و البدن]

(المقدّمة الثانية: إزالة النجاسات العشر عن الثوب و البدن) و خصّهما بالذكر؛ لأنّ البحث عن مقدّمات الصلاة، و إلّا فيجب أيضا إزالتها عن المساجد و الضرائح المقدّسة، و عن الأواني لاستعمالها فيما يتوقّف على طهارتها، لكن ذلك كلّه خارج عن موضوع الرسالة، و إنّما يجب إزالة النجاسة عنهما على وجه مخصوص لا مطلقا، و إنّما أطلق هنا اتّكالا على ما يفصّله.

[النجاسات العشر]

(و) النجاسات العشر

[البول و الغائط من غير المأكول اللحم]

(هي البول و الغائط من غير) الحيوان (المأكول) اللحم (إذا كان له) أي للحيوان (نفس سائلة) أي دم يسيل إذا قطعت عروقه لا يرشح رشحا كدم السمك.

[الثالث: الدم]

(و) الثالث (الدم) الكائن (من) الحيوان (ذي النفس السائلة مطلقا) سواء كان مأكول اللحم أم لا، فمصدره أعمّ من مصدر البول و الغائط مطلقا.

[الرابع: المنيّ]

(و) الرابع (المنيّ منه) أي من ذي النفس مطلقا.

[الخامس: الميتة]

(و) الخامس (الميتة منه) أيضا، و أجزاؤها التي تحلّها الحياة، دون ما لا تحلّها كالصوف و الريش و العظم؛ لعدم صدق الاسم، إلّا أن يكون من نجس العين فبحكمه.

فهذه الثلاثة مشتركة في مصدر واحد، و هو الحيوان ذي النفس مطلقا.

و نجاسة الميتة حاصلة في جميع أفرادها، ثابتة فيها ما دامت كذلك، (ما لم يطهر) منها (المسلم) أي مدّة عدم طهره (خاصة) أي دون غيره من الميتات، فإنّها

140

لا تقبل التطهير.

و المراد بطهره: كونه في نفسه طاهرا لا يقبل التنجيس بالموت كالمعصوم، أو يقبل لكن لم تجتمع شرائط النجاسة فيه كالميّت الذي لم يبرد عند المصنّف، أو يقبل التنجيس لكن عرض له ما أوجب له عدم حصولها كالشهيد، أو حصلت له و لكن زالت عنه كالمغسَّل (1) غسلا صحيحا كاملا (2).

فالأجود على هذا قراءة (يطهر) بالتخفيف؛ لتندرج فيه الثلاثة الأولى، فإنّها طاهرة من غير تطهير، و كذلك من قدّم غسله على قتله، إذ لا مدّة لنجاستهم؛ لأنّهم لا ينجسون أصلا، فضلا عن أن يكون لنجاستهم مدّة ثم تنقضي بتطهّر هم المستفاد من قراءته مشدّدا.

و يخرج بالقيد من غسّله كافر، و من لم يكمل غسله مع توقّفها عليه، و من غسّل فاسدا أو لضرورة، و من قتل بغير السبب الذي اغتسل له أو مات.

و ب(المسلم) الكافر، و البهيمة. و في حكم المسلم طفله و مجنونة، و لقيط دار الإسلام أو دار الكفر و فيها مسلم صالح للاستيلاد. و ذكر المسلم لفائدة التنبيه على المحلّ القابل للطهارة من الميتات، و إلّا فقيد الطهر كاف في صرفه إلى من يقبل الطهارة.

و اعلم أنّ في تركيب العبارة إشكالا، فإنّ (ما) في قوله: (ما لم يطهر المسلم) ظرفية زمانية، إذا لا مجال لغيرها من معانيها هنا. و المعنى حينئذ: أنّ الميتة من ذي النفس نجسة مدّة لم يطهر المسلم، فإذا طهر زال الحكم المقرون بالمدّة، و هو نجاسة الميتة. و هذا المعنى لا يستقيم على ظاهره؛ لأنّ جميع الميتات لا تطهر عند طهر المسلم، و إنّما يطهر المسلم خاصة.

و حلّ الإشكال: أنّ الميتة هنا جنس، و المراد منها: جميع ما صدق عليه اسم الجنس، فهو في قوّة: كلّ ميتة بهذا الوصف نجسة، إذ لا يستثني منها فرد أصلا ما دام الميّت المسلم لم يحكم بطهره، فإذا حكم به ارتفع ذلك العموم بسبب ارتفاع هذا

____________

(1) في «ق»: كالمغتسل.

(2) في «ق» و «ش»: كاملا متقدّما على موته كالمأمور به ليقتل أم متأخّرا.

141

الفرد منه، و هو المسلم المحكوم بطهره. و إخراج فرد المسلم منه و إن لم يصرّح به، لكن يستفاد من وصفه بالطهر، و كأنّ هذا اللفط في قوة الاستثناء من العموم المراد من اللفظ، أي إلّا أن يطهر المسلم، لكن كون (ما) استثنائيّة غير واقع و إن دلّ عليه المقام.

[السادس: الكلب]

(و) السادس (الكلب) البرّي، و على نجاسته إجماع الإماميّة، و قول النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله» (1)، دليل على النجاسة، و الأخبار به من طرقنا متضافرة (2).

و احترزنا بالبرّيّ عن كلب الماء، فإنّه طاهر وفاقا للمصنّف في الذكرى (3)، حملا للّفظ على المعهود الذي يتبادر إليه الذهن عند إطلاق اللفظ، فإنّ ذلك من علامات الحقيقة.

و قيل: هو نجس أيضا؛ لشمول اللفظ، و انقسام الكلب إليهما، و مورد التقسيم مشترك. (4).

و يندفع بأنّ الانقسام أعمّ من الحقيقة، بل ربّما كان إلى ما هو أعمّ منها و من المجاز، كما برهن عليه في محلّه.

[السابع و الثامن: الخنزير البرّيّ و الكافر]

(و) السابع و الثامن (أخواه) و هما: الخنزير البرّيّ دون البحري كما مرّ، و الكافر أصليّا كان أم مرتدّا أم منتحلا للإسلام، جاحدا لبعض ضروريّاته كالناصب، و هو من نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) أو لأحدهم، نطقا و تصريحا، أو لزوما ككراهة ذكرهم و نشر فضائلهم من حيث إنّها فضائلهم و العداوة لمحبّيهم بسبب محبّتهم.

أما تحقّقه ببغضهم (عليهم السلام) فلا إشكال فيه، أما ببغض محبيهم و عداوتهم لأجل ذلك؛ فلدلالته أيضا على بغض المحبوب، و قد روى الصدوق عن عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت؛ لأنك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمّدا و آل محمّد، و لكن الناصب من نصب لكم، و هو

____________

(1) صحيح مسلم 1: 234/ 91، 92، سنن أبي داود 1: 57/ 71، مسند أحمد 2: 427.

(2) التهذيب 1: 225/ 646، الاستبصار 1: 19/ 4.

(3) الذكرى: 14.

(4) السرائر 2: 220.

142

يعلم أنكم توالونا و أنكم من شيعتنا» (1)، و قيّدنا ذلك بالحيثية مع إطلاق الخبر؛ لإخراج بغضهم لنا بسبب تبرّأنا من أئمتهم و وقوعنا فيهم، فإنّ ذلك لا يعدّ نصبا كما لا يعدّ بغضا بغضنا لأمر آخر.

و الخوارج من جملة النواصب؛ لبغضهم لعليّ (عليه السلام)، بل بما هو أبلغ من بغضه، فعطفهم عليهم في كلام الأصحاب لاختصاصهم باسم خاصّ، بل بشريعة و أصول خاصّة، و يكفي في جواز ذلك كونه من باب عطف الخاصّ على العامّ لمزيد اهتمام. و روى الفضيل عن الباقر (عليه السلام) أنّه دخل عليه رجل فحيّاه و رحّب به، فلمّا قام قال: «هذا من الخوارج فما هو»؟ قلت: مشرك، فقال: «مشرك و اللّه، أي و اللّه مشرك» (2).

و من ضروب الكفّار المجسّمة و لو بالتسمية، و الحق بهم الشيخ المجبّرة (3)، و جماعة من الأصحاب: كلّ من خالف الحق (4)، و المشهور الأوّل.

و ولد الكافرين بحكمهما ما لم يسبه مسلم، و أجزاء هذه الثلاثة بحكمها و إن لم تحلّها الحياة، خلافا للمرتضى (5).

[التاسع: المسكر]

(و) التاسع (المسكر) المائع بالأصالة كالخمر و النبيذ، و على نجاسته إجماع الإماميّة، إلّا من شذ (6).

و احترزنا بالمائع عن نحو الحشيشة، و بالأصالة عن المائع المجمّد و الجامد المموع، فإنّهما كأصلهما.

[العاشر: حكم المسكر في النجاسة]

(و) العاشر (حكمه) أي حكم المسكر في النجاسة و إن لم يسكر، و هو شيئان:

____________

(1) علل الشرائع: 601/ 60.

(2) الكافي 2: 387/ 14.

(3) المبسوط 1: 14.

(4) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 84.

(5) الناصريات (الجوامع الفقهية): 218 المسألة 9.

(6) كابن أبي عقيل- حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 422- و الصدوق في الفقيه 1: 43 ذيل الحديث 167 و علل الشرائع:

357 باب 72.

143

أحدهما إجماعي، و هو الفقاع بضم الفاء، و هو كما روي عن أئمتنا (عليهم السلام):

«خمر مجهول» (1)، و «خميرة استصغرها الناس» (2).

و قد ورد النهي عنه معلّقا على التسمية، فيحرم ما أطلق عليه اسمه و إن لم يجمع خاصيّته الأصليّة و هو النشيش (3)، كالموجود منه في أسواق العامة، إلّا أن يعلم انتفاؤه عنه قطعا، كما لو شوهد الناس يضعون ماء الزبيب خاليا عن وصف الفقاع في إناء طاهر، ثم يطلقون عليه اسمه، فإنّه لا يحرم بذلك. نعم لو غابوا به عن العين بحيث احتمل تغييره، ثم وجدهم يطلقون عليه اسمه حرم أيضا.

و الثاني مشهوريّ، و هو العصير العنبيّ إذا غلى بأن يصير أعلاه أسفله، بنفسه أم بالنار، و اشتدّ بأن حصل له ثخانة ما.

و الحكم بنجاسته مشهور بين المتأخّرين، و ليس عليه نصّ ظاهر كما اعترف به المصنّف في البيان (4)، بل نسب النجاسة في الذكري إلى قليل من الأصحاب (5)، غير أنّ الباقين منهم لم يصرّحوا بالطهارة، فتحقّق القول في المسألة مشكوك فيه و إن ضعف طريق المشهور.

و غاية نجاسته ذهاب ثلثيه، أو صيرورته خلا.

و بطهره تطهر آلات طبخه، و أيدي مزاوليه و ثيابهم، و ما فيه من الأجسام الطاهرة بالأصل، كما يحكم بطهر آنية الخمر و ما فيها من الأجسام الموضوعة للعلاج و غيره بانقلابه خلًّا من باب مفهوم الموافقة، لا القياس الممتنع. و مثله طهارة الدلو، و الرّشاء (6)، و حافات البئر، و ثياب النازح بطهرها.

____________

(1) الكافي 6: 422/ 1، التهذيب 9: 124/ 539، الإستبصار 4: 95/ 368.

(2) الكافي 6: 423/ 9، التهذيب 9: 125/ 540، الاستبصار 4: 95/ 369.

(3) النشيش: الغليان، و في الحديث: النبيذ إذا نشّ فلا تشرب، أي إذا غلى. النهاية 5: 56، تاج العروس 9: 207.

(4) البيان: 91.

(5) الذكرى: 13.

(6) الرَّشاء: الحبل الذي يتوصّل به إلى الماء. النهاية في غريب الحديث و الأثر 2: 226 «رشا»، مجمع البحرين 1: 184 «رشا».

144

و السرّ في جميع ذلك أنّه لولا الحكم بطهر هذه الأشياء لزم بقاء أصولها على النجاسة، أو حرج و عسر كثير منفي بالآية (1) و الأخبار (2).

و اعلم أنّ من حكم بنجاسة العصير شرط فيها مجموع الوصفين، و هما الغليان و الاشتداد. و الحكم بتحريمه في النصّ (3) و الفتوى معلّق على مجرّد الغليان. و الظاهر أنّ بين الوصفين زمانا متحقّقا، خصوصا في الذي يغلي من نفسه أو بالشمس. فعلى هذا يحرم بعد الغليان، و لا ينجس إلّا أن يشتد فيصير له ثلاث حالات.

و الذي ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) في الذكرى و تبعه عليه الشارح المحقّق، أنّ الاشتداد مسبب عن مجرد الغليان، فالنجاسة و التحريم متلازمان (4)، لكن وجهه غير واضح.

و لا يلحق به عصير التمر و غيره إجماعا، و لا الزبيب على أصح القولين؛ للأصل، و ضعف متمسك القائل بالإلحاق.

إذا تقرّر ذلك، فيجب إزالة هذه النجاسات عمّا ذكر (بماء طهور) فالباء تتعلّق بالمصدر المصدّر به أوّل الباب، و هو (إزالة).

و يدخل في الطهور كونه طاهرا؛ لما عرفت من أنّ وصف الطهور أخص.

و هذا النوع من المطهّرات يأتي على جميع أنواع النجاسات، و قد يشاركه غيره في بعض النجاسات على بعض الوجوه، كما نبّه عليه بقوله (أو بثلاث مسحات فصاعدا) أي فاصعد على الثلاث صاعدا إن لم يحصل النقاء بها، فانتصابه بالمصدرية لفعل محذوف، و الفاء هي الداخلة على جواب الشرط مثلها في قولهم: فقط.

(بطاهر) أي بجسم طاهر؛ لأنّ النجس لا يطهّر غيره.

و هذه المسحات إنّما تقع بدلا اختيارا من الماء (في الاستنجاء) فالجار متعلّق بما دلّ عليه العطف ب(أو) من معنى التخيير، أي هذا التخيير في الاستنجاء، و هو استفعال

____________

(1) البقرة: 185، الحجّ: 78.

(2) الكافي 3: 13/ 7، التهذيب 1: 86/ 225.

(3) الكافي 6: 419/ 3، التهذيب 9: 120/ 514.

(4) الذكرى: 13، شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 216.

145

من النجو، و هو لغة: ما ارتفع من الأرض (1)، سمّي بذلك التطهير المخصوص؛ لأنّه يرفع أثر النجاسة. أو من نجوت الشجرة إذا قطعتها (2)؛ لأنّه يقطع أثرها.

و قوله (غير المتعدّي) منصوب بالاستثناء المتقدّم عن قوله (من الغائط)، و تقدير العبارة: في الاستنجاء من الغائط غير المتعدّي، أي إلّا أن يكون الغائط متعدّيا.

و لا يجوز كون (غير) مجرورا صفة للغائط؛ لفساد المعنى على تقديره، و إن كانت بحسب اللفظ (3) صفة له؛ لأنّه متقدّم على الموصوف.

و قد نصّ ابن مالك و غيره على أنّ النعت إذا تقدّم يصير المنعوت بعده بدلا منه (4)، و حينئذ يصير النعت في قوّة الطرح، و ذلك يفسد المعنى هنا؛ لأنّه يصير في قوّة الاستنجاء من الغائط، و هو غير كاف، إذ لا بدّ من قيد عدم التعدّي.

و لا يجوز كون (غير) استثناء من الاستنجاء، أو بنزع الخافض كما زعمه الشارح المحقّق (5)؛ لأنّ التعدّي من صفات الحدث لا الاستنجاء.

و حينئذ فيجب تعلّق الجار في قوله: (من الغائط) بالمتعدّي، و يفسد المعنى حينئذ؛ لأنّه لا يصير مستثنى من الاستنجاء إلّا هذا الفرد خاصّة، فيلزم جواز الاستنجاء بثلاث مسحات من البول، فإنّ المراد من الاستنجاء: إزالة النجاسة الحدثيّة المخصوصة، أعني البول و الغائط عن محلّها، فإنّ الاستنجاء: شامل للبول و الغائط، فإذا استثنى منه غير المتعدّي من الغائط بقي البول متعدّيا و غير متعدّ، و الغائط غير المتعدّي، و هو فاسد، و لا يجوز الجمع بين تعلّق من الغائط بالاستنجاء، و جعل غير المتعدّي استثناء من الاستنجاء؛ لأنّ في اسم الفاعل ضميرا يصير حينئذ عائدا إلى الاستنجاء، فيلزم كون التعدّي من صفات الاستنجاء، و ليس كذلك، بل هو من صفات الحدث المخصوص، و هو الغائط هنا.

____________

(1) المحيط في اللغة 7: 188.

(2) المحيط في اللغة 7: 189.

(3) في «ق»: الأصل.

(4) الوافي 3: 498، شرح الكافية لنجم الأئمة المحقّق الرضي 1: 317.

(5) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 218.

146

لا يقال: يلزم من جعله استثناء مقدّما من الغائط عود ضمير (المتعدّي) على متأخّر لفظا و رتبة؛ لأنّه ضمير الفاعل، و قد منع المحقّقون منه.

لأنا نقول: الاستثناء في قوّة المتأخّر؛ لأنّ مرتبة الاستثناء التأخّر عن المستثنى منه و إن تقدّم، مع أنّ عود الضمير على ما ذكر واقع لغة. و إن كان مرجوحا. و الكلام على نصب (غير) بنزع الخافض كالكلام على كونه استثناء من الاستنجاء، فإنّه إذا قيل في الاستنجاء من غير المتعدي من الغائط أو لغير المتعدّي منه، يوجب دخول الاستنجاء من البول في اللفظ، و التقريب ما تقدّم، فتدبّر هذا التركيب فإنّه من التركيب الغريب.

ثم اعلم أنّ هذه العبارة البديعة قد اشتملت على أكثر أحكام الاستنجاء، و نحن نشير إلى ما دلّت عليه منطوقا و مفهوما، و هو أمور:

الأوّل: يعلم من كون قسيم الماء هنا ثلاث مسحات

، أنّ الطهارة تحصل بالمسحات على الوجه المخصوص و إن كان ذلك رخصة، لا كما يقوله بعض العامّة من أنّه نجس معفوّ عنه. (1) و تظهر الفائدة في جواز حمل المصلّي إنسانا مستجمرا، فعلى الطهارة تصح دون العفو؛ لاختصاصه المكلّف نفسه.

الثاني: كون العدد ثلاث مسحات لا أقلّ و إن نقي المحل بدونها

، كما يستفاد من إطلاق العبارة، و هو أصحّ القولين في المسألة، و اكتفى الفاضل في المختلف بالمزيل للعين مطلقا (2)، و الأخبار الدالّة على الثلاث (3) حجّة عليه، و مطلق المزيل ليس هو المطهّر شرعا.

الثالث: إطلاق المسحات يؤذن بكون الحجر غير شرط

و إن ورد في بعض الأخبار (4)، فقد ورد أيضا إجزاء الخرق و نحوها (5)، فيجزئ ما صدق به المسحات الثلاث مع إفادتها فائدة الحجر في قلع النجاسة.

____________

(1) انظر المغني لابن قدامة 1: 764.

(2) المختلف 1: 102 المسألة 60.

(3) التهذيب 1: 50/ 144، الاستبصار 1: 55/ 160.

(4) التهذيب 1: 209/ 604.

(5) التهذيب 1: 209/ 606.

147

الرابع: يشمل إطلاقها استيعاب المحل بكلّ واحدة منها

و توزيعها على أجزائه بحيث تستوعبه الثلاثة، و لا خلاف في إجزاء الأوّل، و الأصحّ إجزاء الثاني أيضا؛ لحصول الامتثال، و هو مختار المصنّف صريحا في باقي كتبه (1).

الخامس: الاكتفاء بالماسح الواحد

إذا أمكن المسح به ثلاث مرّات فصاعدا، كالخرقة الواسعة، و الحجر ذي الشعب الثلاث، بل الواحدة إذا طهَّرت، و هو أشهر القولين و نفي عنه المصنّف في الذكرى الريب (2)، و منعه المحقّق في المعتبر و اعتبر ثلاث مواسح؛ للنصّ (3)، و هو أجود، و قد حررنا المسألة في شرح الإرشاد (4).

السادس: يستفاد من قوله [فصاعدا وجوب الزائد على الثلاث لو لم يحصل نقاء العين بها]

(فصاعدا) وجوب الزائد على الثلاث لو لم يحصل نقاء العين بها، و لا ينحصر حينئذ في عدد، بل ما يحصل به النقاء.

السابع: يدخل في قوله [بطاهر الحجر و الخرق و الخزف و غيرها ممّا يجمع الوصف]

(بطاهر) الحجر و الخرق (5) و الخزف و غيرها ممّا يجمع الوصف، و هذه الفائدة و إن دخلت في المسحات كما مرّ، لكن يستفاد أيضا من الظاهر.

الثامن: يدخل فيه الحجر الواحد إذا طهّر

و كان متسعا كما مرّ، و فائدة إعادة المسألتين كونهما مستفادتين مرّتين.

التاسع: يدخل فيه ما استعمل من الثلاث بعد النقاء بدونه

، فإنّه طاهر، فيجزئ تكرار المسح به لتحصل الثلاث إن قلنا بعدم وجوب تعدّد الماسح، و في غير هذا التطهير إن لم نقل به.

العاشر: يدخل فيه المنهيّ عن استعماله كالمطعوم، و العظم، و الروث إن تصوّر فيه قلع النجاسة

، فإنّ ذلك كلّه مطهّر و إن حرم استعماله، إذ لا منافاة بين التحريم و زوال النجاسة، كما لو أزال النجاسة بماء مغصوب.

____________

(1) الذكرى: 21، الدروس 1: 89، البيان: 42.

(2) الذكرى: 21.

(3) المعتبر 1: 131، التهذيب 1: 46/ 129، سنن البيهقي 1: 103.

(4) روض الجنان: 24- 25.

(5) و الخرق: لم ترد في «ق» و «د».

148

الحادي عشر: يدخل فيه الجلد الطاهر

، سواء كان مدبوغا أم لا، حتى جزء الحيوان الطاهر، فيصح الاستنجاء به مع قلعه للنجاسة، و منه أصابع المستنجي و نحوها.

الثاني عشر: يدخل فيه الجسم الرطب

، و في إجزائه إشكال؛ لتنجّس الرطوبة الكائنة عليه، فيصير كالنجاسة الخارجة، و قد صرّح العلّامة بالمنع منه (1)، اللهم إلّا أن تكون الرطوبة مضمحلة، بحيث لا تقبل الانفصال بوجه، فيقوى حينئذ الإجزاء.

الثالث عشر: قيل: يدخل فيه الصقيل

الذي يزلق عن النجاسة و يجب إخراجه. (2)

الرابع عشر: قيل: يدخل فيه أيضا الرخو

الذي لا يستقل بقلع النجاسة، و يجب إخراجه (3).

الخامس عشر: قيل: يدخل فيه التراب الذي يلتصق بالمحل و لا يقلع النجاسة

، و مثله الحجر الذي عليه تراب يلتصق به (4).

و يمكن خروج الثلاثة بأوّل الكلام، و هو قوله: (إزالة النجاسة بثلاث مسحات)، فإنّ هذه الثلاثة لا يتصور فيها الإزالة، فلا تدخل في العبارة.

السادس عشر: يدخل فيه أوراق المصحف، و تربة الحسين (عليه السلام) المحترمة، و نحوهما

. و هي لا تطهّر، بل يكفر مستعلمها مع علمه، فلا تتصوّر حينئذ الطهارة.

و يمكن إدخالها بحمله على الجاهل بها، إذا العالم خارج بإزالة النجاسة كما مرّ، إذ لا يتصوّر زوالها عنه، و إطلاق بعض الأصحاب كالشارح عدم طهارة المستجمر بها (5)، غير جيّد كإطلاق بعضهم إجزائها (6).

السابع عشر: يدخل فيه اللزج الذي لا يستقل بإزالة العين

، و الكلام فيه كالصقيل.

الثامن عشر: يدخل فيه الخشن الذي لا يحتمل المحل إجراءه عليه على وجه القلع للنجاسة

، و يجب الاحتراز عنهما كما مرّ، و يمكن خروجهما بما خرجت به

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 88 تذكرة الفقهاء 1: 126- 127 المسألة: 37، منتهي المطلب 1: 280.

(2): القائل هو المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 217.

(3): القائل هو المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 217.

(4): القائل هو المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 217.

(5) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 217.

(6) منهم ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 79.

149

الثلاثة السابقة.

التاسع عشر: يخرج منه النجس و لو في بعض المسحات

، حتى لو نقى المحل بالطاهر ثم أكمل العدد بنجس جافّ لم يطهر، و منه المستعمل قبل طهارته لو كان نجسا.

العشرون: يخرج منه إزالتها بمعونة ما لا يقبل الوصف بالطهارة

، كما لو أزال جرم الغائط و بقيت الرطوبة ثم جفّت بحرارة الشمس و الهواء، فإنّه لا يطهر؛ لعدم وصفه بالطّاهر.

الحادي و العشرون: يندرج في الاستنجاء إزالتها عن المخرج الطبيعيّ

، و غيره إذا انسد الطبيعيّ أو اعتاد الخارج من غيره، و ضابطه كونه ناقضا؛ لصدق الاستنجاء حينئذ.

الثاني و العشرون: يخرج به إزالة النجاسة عن غير المخرج بها

، فإنّه لا يطهر، خلافا للمرتضى حيث طهّر الصقيل بالمسح (1).

الثالث و العشرون: قد عرفت أنّ غير المتعدّي استثناء من الغائط

، و المراد بغير المتعدّي: ما لازم المخرج و حواشيه، و بالمتعدّي: ما جاوز ذلك و إن لم يبلغ الأليتين.

الرابع و العشرون: يخرج به ما يتعدّى المخرج من الغائط

، فإنّه لا يطهّره إلّا الماء عندنا؛ للنص (2)، و لعدم عموم البلوى به الذي هو مناط التخفيف.

الخامس و العشرون: يخرج بقوله [من الغائط البول]

(من الغائط) البول، فإنّه لا يطهّره شيء سوى الماء عندنا، و الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) متواترة به (3)، فلا يسمح الاستبعاد و توهّم كونه أولى بالتخفيف من الغائط.

السادس و العشرون: الغائط

لغة: ما انخفض من الأرض (4)، و منه الحديث، و هو أنّ رجلا قال للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه قل لأهل الغائط يحسنوا

____________

(1) حكاه عنه الشيخ في الخلاف 1: 479 المسألة 222، و المحقّق في المعتبر 1: 450، و العلّامة في المختلف 1: 332 المسألة 249.

(2) علل الشرائع: 286/ 1.

(3) التهذيب 1: 50/ 147، الاستبصار 1: 57/ 166.

(4) الصحاح 3: 1147، القاموس المحيط 2: 390، النهاية لابن الأثير 3: 395 «غيط».

150

مخالطتي (1)، أراد أهل الوادي الذي كان منزله.

و سمّي الحدث المعلوم غائطا باسم ما كان يفعل فيه؛ لأنّ الرجل من العرب كان إذا أراد الحاجة قصد الغائط، فاستعير اسمه لما حلّ به، استهجانا للتلفظ باسمه، قال اللّه تعالى أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ* (2) أي من الأرض المخصوصة، و أراد به الفعل.

السابع و العشرون: يعلم من حصر الإزالة في الاستنجاء المختص بالحدثين، عدم وجوب الاستنجاء للريح

، كما يقوله بعض العامّة (3)، و لا من الدود و الحصى الخاليين من النجاسة.

الثامن و العشرون: يعلم من تخصيصه الغائط عدم ثبوت الرخصة لو خرج معه دم أو عين نجاسة ابتلعها

، كعظم الميتة؛ لانتفاء كونه غائطا صرفا، بخلاف ما لو اغتذى بنجاسة فاستحالت غائطا، فإنّ الرخصة بحالها، و كذا لو أصابه نجاسة من خارج و إن كانت مماثلة، إلّا أن يكون من نفس الخارج على أصح الوجهين.

التاسع و العشرون: يعلم من إطلاق العبارة عدم الفرق بين الرجال و النساء في ثبوت الرخصة

، و إطلاق النصّ يقتضيه، و هو موضع وفاق.

الثلاثون: قد يدل سياق الكلام، و مقتضى المقام و هو اختصاص البحث بالواجبات، عدم دخول الأطفال في ذلك

؛ لعدم مخاطبتهم بالوجوب، لكن الإجماع، و إطلاق النصّ، و عموم المشقّة يقتضي إدخالهم في الحكم و إن لم يتعلّق به غرض الرسالة، فإنّ زوال النجاسة شرطها الشرعيّ من باب خطاب الوضع لا يختص بالمكلّفين، و أما وجوب الإزالة أو ندبها فمن باب خطاب الشرع، و فرق بين اللفظين واضح، و اللّه الموفق.

و ما أبدع هذه العبارة و أجمعها، و كم لها نظائر في هذه الرسالة قدّس اللّه روح واضعها.

____________

(1) الفائق 3: 79، النهاية في غريب الحديث و الأثر 3: 396. و في «ع»: مخاطبتي.

(2) المائدة: 6.

(3) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 1: 113.

151

و حيث ذكر أحكام الاستنجاء المقصودة بالذات من الرسالة، ناسب المقام أن يذكر أحكام الخلوة التي هي مقدّمات و لوازم ما يترتّب عليه الاستنجاء، استتباعا لطيفا، كما قد استعمله في هذه الرسالة كثيرا ليأتي على جميع ما ذكروه في باب الطهارة و الصلاة، فقال:

(و يجب على المتخلّي) و هو قاضي الحاجة، وصفه بذلك لوقوع الفعل غالبا في الخلوة.

(ستر العورة) التي يجب سترها في الصلاة، و سيأتي بيانها، عن ناظر يحرم اطّلاعه عليها. و إنما أطلق الوجوب اتّكالا له إلى ما هو الشائع الظاهر، و احترزنا بالوصف عن زوجة الرجل و مملوكته غير المزوّجة، و المعتدّة، و الطفل الذي لا يميّز العورة، بحيث يفرّق بينها و بين غيرها بزيادة توجيه النفس إليها.

(و انحرافه) أي انحراف المتخلّي (عن القبلة بها) أي بالعورة؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرّقوا أو غرّبوا» (1)، و المراد التوجّه إلى الجهة التي فيها المشرق أو المغرب، بحيث لا يصدق عليه التوجّه إلى عين الكعبة أو جهتها، على حدّ ما يعتبر في الصلاة.

و تعبير المصنّف بالانحراف عن القبلة يتناول عدم الاستقبال و الاستدبار معا؛ لأنّ الانحراف على الوجه الذي ذكرناه يوجب كون المتخلّي غير مستقبل و لا مستدبر، لأنّهما متقابلان، فالانحراف عن أحدهما يقتضي الانحراف عن الآخر.

و في تحقيق التقابل بين العورتين نظر واضح، بل الظاهر أنّ المستدبر بالبول يتحقّق منه الانحراف عن القبلة، فكان الأولى التصريح بإخراجه كالاستقبال.

و قد توهّم بعضهم من هذه العبارة الاكتفاء بإحراف العورة خاصّة و إن بقي الوجه مستقبلا أو مستدبرا؛ لتعليقه الانحراف على العورة (2). و هو فاسد؛ لأنّ الأمر في

____________

(1) التهذيب 1: 25/ 64، الاستبصار 1: 47/ 130.

(2) منهم ابن فهد الحلّي في الموجز (الرسائل العشر): 39، و المقداد السيوري في التنقيح الرائع 1: 69، و نسبه ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 80 إلى المشهور.

152

الأخبار معلّق بالمكلّف لا بالعورة، كما عرفته في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فلا تستقبل القبلة» إلى آخره، فإنّ المتعارف من الاستقبال و الاستدبار حين يتعلّق بالمكلّف أن يكون بوجهه و مقاديم بدنه على حدّ ما يعتبر في الصلاة أو يمتنع، فتحمل العبارة على ذلك، إذ ليست منافية له إن لم تكن مطابقة.

و أجاب الشارح المحقّق عن العبارة بأنّها تدل أيضا على ذلك، فإنّ الانحراف بها يقتضي لغة الانحراف معها، على حدّ قولك: ذهبت بزيد و انطلقت به، فإنّ المراد ذهابهما و انطلاقهما معا؛ حملا لباء التعدية على معنى (مع) (1).

و فيه نظر، فإنّ المحقّقين من أهل العربيّة كابن هشام و نقله عن سيبويه و غيره، على أنّ معنى التعدية بالهمزة و الباء واحد، فكما لا يقتضي قولك: أذهبت زيدا، ذهابك معه، لا يقتضيه قولك ذهبت بزيد، كما قال اللّه تعالى ذَهَبَ اللّٰهُ بِنُورِهِمْ (2) مع أنّ الذاهب هو النور خاصة» (3).

و الحقّ أن العبارة لا تدلّ على أحد المعنيين صريحا، بل تحتملهما، و أهل العربية قد اختلفوا في ذلك، فإنّ المبرد (4) و جماعة ذهبوا إلى ما اختاره الشارح. لكن الدليل الشرعي لا يدل إلّا على اعتبار الوجه و البدن، فيكون ذلك هو المخصّص للمعنى الأوّل، لا نفس التركيب.

بقي في المسألة بحث، و هو أنّ مقتضى العبارة على ذلك التقدير، و صريح الشارح، أنّ الواجب متابعة العورة للبدن في الانحراف عن القبلة، فلو انحرف بوجهه و بدنه و بقي الذكر منحرفا إلى القبلة لم يصحّ، و الأدلّة لا تدلّ على ذلك، بل إنّما تدلّ على أنّ المحرّم من ذلك القدر المعتبر في الصلاة، و الواجب خلافه، و لا تعرّض لها إلى العورة بنفي و لا إثبات، و الأصل يقتضي عدم تحريم ذلك، و بهذا يظهر ضعف حمل

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 219.

(2) البقرة: 17.

(3) مغني اللبيب 1: 102.

(4) انظر شرح الكافية لنجم الدين المحقّق الرضي 2: 274.