المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
153

الباء في العبارة على معنى (مع).

و لمّا فرغ من ذكر النجاسات العشر، و ذكر مطهّرها القوي- و هو الماء- أخذ في بقيّة أقسام المطهّر لبعض النجاسات دون بعض، و قد ذكر منها المسحات في الاستنجاء، و ثلاث بالأرض، فقال:

(و قد تطهّر الأرض) و أتى ب(قد) الدالة على التقليل في هذا المقام؛ للتنبيه على قلّة مطهّرها في جنب مطهّر الماء، فإنّ الأرض إنّما تطهّر أسفل النعل و القدم؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفّه فإنّ التراب له طهور» (1)، و قول الباقر (عليه السلام) في العذرة يطؤها برجله: «يمسحها حتى يذهب أثرها (2)».

و يشترط طهارة الأرض، و سلامتها من رطوبة تخرجها عن اسمها أو توجب تعدّي الرطوبة، و زوال عين النجاسة بالمشي أو المسح.

و لا فرق بين ذات الجرم و غيرها، و لا بين الرطبة و الجافّة، و لا بين التراب و غيره من أصناف الأرض كالحجر و إن ورد التراب في بعض الأخبار (3)، و لا بين النعل و الخفّ و غيرهما ممّا ينتعل و لو من خشب كالقبقاب.

و خشبة الزمن (4) ملحقة بالنعل أو القدم، و لا يلحق بهما أسفل العصا و كعب الرمح و ما شاكل ذلك، و إنّما يطهر منهما ما استتر بالأرض حالة الاعتماد عليهما، فلا تطهر حافاتهما.

(و) كذا تطهّر (الشمس) ما أشرقت عليه و جفّفته من النجاسة التي لا جرم لها الكائنة على الأرض و نباتها، و كلّ ما لا ينقل عادة من الأخشاب و الأبواب المثبتة في البناء و الأوتاد المستدخلة فيه، و الثمار الكائنة على الأشجار، و نحو ذلك، و تطهّر من المنقول عادة شيئين لا غيرهما: الحصر، و البواري.

____________

(1) سنن أبي داود 1: 267/ 385، مستدرك الصحيحين 1: 166، عوالي اللآلي 3: 60/ 178.

(2) التهذيب 1: 275/ 809.

(3) الفقيه: 1: 60/ 223، التهذيب 1: 404/ 1264.

(4) الزمانة: العاهة، و رجل زمن: أي مبتلى بيّن الزمانة. الصحاح 5: 2131، لسان العرب 13: 199، المصباح المنير 1: 310.

154

و احترزنا بالإشراق عن الحرارة، فإنّها لا تطهّر ما تجفّفه من النجاسات اتّفاقا، و لقول الصادق (عليه السلام): «ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر» (1)، و اقتصارا بالرخصة على موضع اليقين و مدلول النص، لكن متى أشرقت الشمس على شيء رطب طهر ظاهره و باطنه إذا جفّ الجميع بسببها، مع اتّصال النجاسة و اتّحاد الاسم كالأرض التي دخلت فيها النجاسة.

و احترزنا باتّصال النجاسة عن وجهي الحائط إذا كانت النجاسة فيهما غير خارقة له و أشرقت على أحدهما، فإنّه لا يطهر الآخر؛ لعدم الاتّصاف و إن اتّحد الاسم.

و باتّحاد الاسم عن الأرض و الحائط النجسين إذا أشرقت على أحدهما و إن كانت نجاستهما متصلة، و مثله الباريتان النجستان إذا كانت إحداهما فوق الأخرى و أشرقت الشمس على العليا، فإنّها تطهر ظاهرا و باطنا دون الأخرى.

(و) كذا تطهِّر (النار) ما أحالته رمادا أو دخانا أو فحما على أحد الوجهين، لا خزفا على أصحهما، خلافا للشيخ و العلّامة على أحد قوليهما حيث أجرياه مجري الرماد (2).

و يندفع بعدم خروج الخزف عن مسمّى الأرض، كما لا يخرج الحجر عن مسمّاها مع أنّه أقوى تصلّبا منه، و هما متساويان في علّة الصلابة، و من ثمّ جاز السجود عليهما مع اختصاص محلّه بالأرض التي لا تخرج بالاستحالة و نباتها بشرطية.

(و الاستحالة) و هي التي تبدّل الصورة النوعيّة و انتقال الماهيّة إلى صورة أخرى، و اكتساب اسم مباين للأوّل، و ذلك كاستحالة النطفة حيوانا طاهرا، و استحالة العذرة و شبهها ترابا، لكن لو كانت رطبة و نجّست التراب ثم استحالت لم يطهر التراب المتنجّس بطهرها، فلو امتزجت بقيت الأجزاء الترابية على النجاسة، و المستحيلة أيضا؛ لاشتباهها بها، إلّا أنّها تصير منجّسة لا نجسة، فتقبل التطهير.

و صيرورة الماء النجس بولا لحيوان مأكول اللحم أو جزء من الخضراوات المستقيّة

____________

(1) التهذيب 1: 273/ 804 و 2: 377/ 1572، الاستبصار 1: 193/ 677 و فيها عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(2) الخلاف 1: 499 المسألة 239 كتاب الصلاة، نهاية الإحكام 1: 291.

155

به، و الغذاء النجس روثا له أو لبنا، و مثله ما لو أكله النحل أو شربه و استحال عسلا.

نعم لو علم بقاء عين النجاسة على موضع الملاقاة و أصاب به مكانا رطبا، و لو من المعسلة نجس، و لم يطهر باستحالة المنقول كالتراب المتقدّم.

و استحالة الميتة و العذرة و نحوهما دودا، و استحالة الخمر خلًّا و لو بعلاج مع عدم نجاسته من خارج، و بطهره يطهر إناؤه.

و من النجاسة الخارجة صيرورة الدبس النجس خلا، فإنّه لا يطهر بذلك اقتصارا على مورد النصّ، مع احتماله؛ لتحقّق الاستحالة (1). و استحالة الدم قيحا، و الكلب و الخنزير ملحا على الأصح، و اعتبر بعض الأصحاب كريّة ماء المملحة (2)، و هو حسن بالنظر إلى نجاسة أرضها بدون الكريّة، فلا تطهر بطهر المستحيل ملحا، فينجس منها الملاقي للأرض.

و أما نجاسة الجميع فليس بواضح؛ لأنّ الاستحالة كما تطهّر أجزاء الكلب و الخنزير كذلك تطهّر الماء النجس، و منع جماعة من الأصحاب- منهم المحقّق في المعتبر- من طهارة هذا النوع أصلا (3)، و في الفرق بين نجاسة الكلب هنا و نجاسة الدبس السابق نظر.

نعم لو قيل: إنّ طهارة الخمر المنقلب خلا بالانقلاب لا بالاستحالة- كما ذكره المصنّف في بعض نسخ الرسالة (4)- تحقّق الفرق.

و كما تكون الاستحالة مطهّرة قد تكون منجّسة، كما إذا استحال الماء الطاهر بولا لذي النفس غير المأكول.

____________

(1) لتحقّق الاستحالة: لم ترد في «د» و «ع».

(2) كالمحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 222.

(3) المعتبر 1: 451، منتهى المطلب 3: 287.

(4) اختلفت نسخ الألفيّة في وجود كلمة (و الانقلاب) و عدمها، فلم ترد في «ش 3»، و وردت في «ش 1» و «ش 2».

و أشار الكركي إلى ذلك قائلًا- في شرح الألفيّة (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 3: 220-: كان في الأصل المقابل بخطّ ولد المصنّف بعد النقص: و الانقلاب و الانتقال، ثم ضرب على (الانقلاب) و كتب (صح)، و كأنّه اكتفى بالاستحالة عنه.

156

(و النقص) فإنّه مطهّر للعصير العنبي إذا ذهب ثلثاه، و للبئر بالنزح المعتبر في تطهيره، و في معناه غور مائها أجمع فإنّه مسقط لحكم النجاسة لو عادت.

(و الانتقال) فإنّه مطهّر للكافر إذا انتقل إلى الإسلام، و الدم النجس و نحوه إذا انتقل إلى باطن ما لا نفس له كالبعوض و البرغوث.

و من المطهّرات الغيبة في الآدمي، بمعنى أنّه لو كان نجسا و غاب عن عين من علم بنجاسته زمانا يحتمل فيه إزالة النجاسة، ثم رآه بعد ذلك و قد زالت عنه عين النجاسة أو لم يكن لها جرم، فإنّه يحكم بطهارته؛ عملا بالظاهر من أنّ المسلم لا يبقى على النجاسة.

و يشترط علمه بها، و أهليّته لإزالتها بكونه مميّزا معتقدا وجوب إزالتها أو استحبابها. و اعتبر المصنّف في الذكرى كونه مكلّفا؛ ليكون المقتضي لطهارته ظاهرا تنزّه المسلم عن النجاسة (1)، (و) لو أخبر بالإزالة قبل مطلقا.

(لا الغيبة في الحيوان) فإنّها ليست مطهّرة، (بل يكفي) في طهارته (زوال العين) النجسة عنه (في غير الآدميّ مطلقا)، سواء غاب أم لم يغب. و يمكن أن يكون الإطلاق حالا من الآدمي، أي سواء كان صغيرا أم كبيرا، فإنّه لا يطهر بزوال عين النجاسة عنه و إن كان الصغير مشاركا لباقي الحيوانات في كثير من الأحكام.

(و يجب العصر) فيما يمكن عصره، كالثياب إذا غسلت (في غير) الماء (الكثير).

و المراد بالعصر: الاجتهاد في إخراج الماء النجس من المحل بكبسه أو ليّه أو دقّة و تغميزه إذا كان غليظا كالحشايا، و لو لم يقبل العصر مع ثبوت الماء النجس فيه كالقرطاس لم يطهر بالقليل، و لا يطهر ما يشترط فيه العصر بدونه و إن تركه حتى جفّ.

و العصر معتبر في سائر النجاسات (إلّا في بول الرضيع)، و هو الذكر الذي لم يغتذ بالطعام بحيث يغلب على اللبن أو يساويه، و لم يتجاوز سنّه الحولين، فإنّه يكفي صبّ الماء عليه بحيث يصيب الماء ما أصابه البول و إن لم ينفصل عنه. و لا يلحق به الصبية

____________

(1) الذكرى: 16.

157

و لا الخنثى المشكل؛ اقتصارا بالرخصة على مورد النصّ (1).

(و) يجب (الغسلتان في غيره) أي في غير بول الرضيع من النجاسات إذا غسلت في غير الكثير، فيدخل فيه البول مطلقا عدا ما استثنى، و النصّ بالمرّتين ورد في البول (2)، و الحق المصنّف (3) و جماعة (4) به غيره من النجاسات؛ لأنّها أقوى منه، فيدخل من باب مفهوم الموافقة لا من باب القياس، و في الدليل نظر.

و من ثمّ ذهب الفاضل إلى عدم وجوب التعدد في غير البول؛ لأنّ إيجاب الماهية يقتضي إيجادها من غير دلالة على تكرار (5).

(و) يجب (الثلاث) غسلات (في غسل الميّت) و ذكره ها هنا- و إن كان من الأغسال الحدثيّة عند المصنّف و أكثر الجماعة- لأنّ له حظّا من الأغسال الخبثيّة، لأنّ نجاسته حدثيّة من وجه و خبثيّة من آخر، فناسب استطراده هنا و ذكر أحكامه، كما هي عادة المصنّف في إدراج الأحكام في الرسالة لمناسبات تخصّها. و لا يخفى أنّ ذلك في إزالة النجاسة الحكميّة الذاتيّة، أما العرضيّة التي على الميّت فهي كباقي النجاسات، فتدخل في قوله:

(و الغسلتان في غيره) و يجب تقديم إزالتها على إزالة الحكميّة.

و يعتبر في الثلاث كونها (بالسدر و الكافور و القراح) أي بمصاحبة شيء من الخليطين في الأوليين، فالباء في السدر للمصاحبة، و الكافور معطوف عليه، فهي مقدّرة فيه.

و أما القراح فلا يستقيم فيه ذلك؛ لأنّ المراد به الماء الخالص من مخالطة أحدهما، و هو نفس آلة الغسل، فليس معه شيء يصاحبه.

فيمكن كون الباء المقدّرة فيه للاستعانة، كما هو الأصل في الباء الداخلة على آلة الفعل، و يسوّغ ذلك كون الباء فيه في قوّة الملفوظة، فتكون في قوة المتعددة، فلا يضر

____________

(1) الكافي: 3: 56/ 6، التهذيب 1: 249/ 715، الاستبصار 1: 173/ 602.

(2) التهذيب 1: 251/ 721.

(3) الذكرى: 15، الدروس 1: 125.

(4) منهم العلّامة في منتهى المطلب 3: 264 و تحرير الأحكام: 24، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 173.

(5) المختلف 1: 340 المسألة 261.

158

اختلاف معانيها. أو مبني على جواز استعمال المشترك في معنييه و إن لم نجوّزه حقيقة فلا أقلّ من كونه مجازا، و هو سائغ (1) أيضا أو يحمل القراح على أنّه مبتدأ محذوف الخبر، قصد باستئناف جملته الإعراض عمّا قبله؛ لعدم المناسبة.

و يمكن كون الباء في الأوليين بمعنى (مع) أي بالماء مع السدر و مع الكافور، و الماء مستفاد من تغسيله، فإنّه لا يتم حقيقة بدون الماء. أو على حذف المضاف، و هو الماء، أي بماء السدر و بماء الكافور، و يمكن صحة القراح على هذا الوجه بتقدير إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع عند من جوّزه، و يؤوّل بما أوّل به عند من منعه.

و القراح، بفتح القاف لغة: هو الخالص الذي لا يشوبه شيء (2).

و المراد هنا: الخالص من أحد الخليطين، لا من كلّ شيء، فيصح تغسيله بالماء الكدر و نحوه، ما دام إطلاق اسم الماء عليه باقيا.

و إنّما أطلق عليه القراح ليتميّز عن قسيميه، فهو قراح بالإضافة إليهما. و في خبر سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام): «اغسله بماء و سدر، ثم بماء و كافور، ثم بماء» (3)، فجعل بدل القراح الماء المطلق، و توهّم خلاف ذلك فاسد.

و كيف يصحّ إزالة النجاسات الخبثيّة و يرفع به الحدث القويّ، و لا يصحّ تغسيل الميّت به مع ضعف حدثيّته و خبثيّته معا، بل التحقيق الذي ينبغي إرادته منه أنّه الماء الذي لا يشترط مصاحبته لشيء، سواء كان خالصا من المصاحبة أم مصاحبا لغيره، فيدخل فيه اما المصاحب ليسير التراب و الماء الذي فيه بقايا السدر.

و الكافور أيضا، فإنّه كما يطهّر من الحدث و الخبث أيضا كذلك يطهّر الميّت.

و ينبّه على ذلك أيضا جواز تغسيل الميّت ارتماسا في الماء الكثير، فإنّه لو لم يكن ذلك لم يصح؛ لتحقّق المصاحبة لهما في غسل القراح، خصوصا في الماء الواقف، فتدبّر

____________

(1) في «ش»: شائع.

(2) الصحاح 1: 396، القاموس المحيط 1: 251، تاج العروس 4: 169 «قرح».

(3) التهذيب 1: 446/ 1443.

159

ذلك فإنّه مهمّ.

و يعتبر في السدر و الكافور مسمّاه، و أن لا يخرج الماء به عن الإطلاق.

و قوله (مرتبا) بفتح التاء: اسم مفعول حال من غسل الميّت، أي يجب تغسيله ثلاثا كذلك في حال كونه مرتّبا كما ذكر، يبدأ بماء السدر، ثم بماء الكافور، ثم بالقراح.

و يجوز كونه بكسر التاء: اسم فاعل حال من الغاسل، أي مرتّبا له كما ذكر.

و يعتبر في كلّ غسلة كونه (كالجنابة) أي كغسل الجنابة، فيغسل رأسه و رقبته أوّلا، ثم جانبه الأيمن، ثم جانبه الأيسر.

ففي تشبيهه بالجنابة فائدة أخرى غير فائدة الترتيب الأوّل، و ليس المشبّه هو الترتيب الأوّل؛ لعدم إفادته الترتيب بين الغسلات، و عدم دلالة سابق العبارة عليه، لأنّ الواو لا تفيد الترتيب عند المحققين.

(و يجزئ نيّة واحدة لها) أي للأغسال الثلاثة، بأن ينوي عند أوّل غسل السدر؛ لأنّها في قوّة غسل واحد و إن تعدد باعتبار كيفيته، و الأجود تعدّد النيّات بتعدّد الأغسال؛ (1) لاختلافها اسما و معنى.

و من ثمّ لو تعذّر بعض أغساله يمّم عنه، مع أنّ بعض الغسل لا يتيمّم عنه. و لو كان الجميع غسلا واحدا لم يجب أيضا تغسيله لو وجد من الماء ما يغسّله مرّة واحدة منها؛ لأنّ الغسل الواحد لا يتبعّض، و الاتّفاق على وجوبه.

ثم إن اتّحد الغاسل اختصّ بالنيّة، و إن اشتراك جماعة في غسله و اشتركوا في الصبّ وجبت على الجميع، و لو كان بعضهم يصب الماء و الباقي يقلّب وجبت على الصابّ؛ لأنّه الغاسل حقيقة، و استقرب المصنّف في الذكرى إجزاءها من كلّ منهما (2). و إن ترتّبوا، بأن غسل كلّ واحد منهم بعضا، اعتبرت النيّة من كلّ واحد عند ابتداء فعله، و يحتمل الاكتفاء بنيّة الأوّل.

(و) يجب (الثلاث بالقراح لو تعذّر الخليط) على أصح القولين؛ لقوله صلّى اللّه

____________

(1) في «ق»: الغسلات.

(2) الذكرى: 44.

160

عليه و آله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (1)، و لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، و للمصنّف قول بالاجتزاء بغسل واحد (2)، ضعيف، و المائز بين الأغسال الثلاثة النيّة، فيجب أن يقصد تغسيله بالقراح موضع ماء السدر، و كذا في ماء الكافور.

و كما لا تسقط الغسلتان بفوات ما يطرح فيهما لا تسقط إحداهما بفقد خليطها، و لا تتغيّر غسلة الخليط عن محلّها.

و لو انعكس الفرض بأن كان المفقود ماء غسلتين مع وجود الخليط، قدّم السدر؛ لوجوب البدء به، و اختار المصنّف في الذكرى القراح (3) و لو وجد الماء لغسلتين قدّم الكافور على القراح، و على ما اختاره يقدّم السدر على الكافور، و احتمل في الذكرى تقديم الكافور (4).

(و الثلاث بالتعفير) أي مع التعفير، و هو مأخوذ من العفر بفتح العين و الفاء و هو التراب، أي الدلك به (أوّلا) قبل غسلتي الماء (في) نجاسة (الولوغ) و هو لغة: شرب الكلب ممّا في الإناء بلسانه. (5) و الحق به لطعه الإناء بلسانه؛ لأنّه أقوى في وصول الأجزاء اللعابيّة إليه. و لا يلحق به باقي نجاساته، بل هي كغيرها.

و الحكم مخصوص بالإناء، و اكتفى المصنّف بالولوغ عن التصريح به؛ لدلالته عليه لغة، كما قلناه، فليس في تركه إخلال كما زعمه الشارح (6)، فلا يوهم موافقة بعض العامة في تعميم وجوب التعفير لغير الإناء، و لا قائل به من الأصحاب.

و إطلاق الغسل على التراب إما حقيقة شرعية، أو مجاز من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ.

و لا يجب مزج التراب بالماء، كما ذهب إليه بعض الأصحاب (7)؛ تحصيلا لحقيقة الغسل، بل لو مزجه حتى خرج به عن اسم التراب لم يجزئ.

____________

(1) مجمع الزوائد 1: 158، نصب الراية 3: 3، عوالي اللآلي 4: 58/ 206.

(2) الذكرى: 45.

(3) الذكرى: 45.

(4) الذكرى: 45.

(5) الصحاح 4: 1329.

(6) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 226.

(7) كابن إدريس في السرائر 1: 91.

161

و عبارة الرسالة لا تدل على أحد الأمرين، إذ لم يصرّح بكون مجموع الغسلة الأولى بالتراب، و المصاحبة أعم منه، لكنه لا يقول بهذا القول في غيرها.

و لا يطهر الإناء بدون التعفير مع إمكان التراب و عدم فساد المحلّ به، و مع عدمهما قيل: يجزئ مشابهه كالأشنان و الدقيق (1)، و الأولى عدمه؛ لعدم النصّ، و بطلان القياس، و عدم ثبوت التعليل، فيبقى على النجاسة إلى أن يحصل المطهّر.

و كذا لو فقد البدل و المبدل منه، و قيل: ينتقل إلى الماء فيغسل ثلاثا (2).

و يشترط طهارة التراب كما يشترط طهارة الماء؛ لأنّه أحد المطهّرين.

و لو تكرّر الولوغ تداخل، و كذا لو جامعه نجاسة أخرى لا تزيد عليه عددا، و في الأثناء يستأنف. و لو جامعه ما يزيد على عدده دخلت غسلاته المائيّة في الأزيد، و وجب التعفير قبل الآخرتين. و لو كان الإناء ممّا يعصر كالمتخذ من جلد يدخله الماء، فلا بدّ من عصره بعده التعفير في غير الكثير، و فيه يسقط العصر و العدد بعد التعفير.

و غسالة الولوغ كغيرها من النجاسات، فلا يجب لها تعفير، سواء كان قبل التعفير أم بعده. خلافا للشارح المحقق حيث أوجبه للإناء الذي أصابه قبل التعفير؛ استنادا إلى أنّها نجاسة الولوغ (3)، و هو لا يستلزم المدّعي.

(و السبع) بالماء من غير تعفير (في) ولوغ (الخنزير) في الإناء، دون باقي نجاساته، فإنّها كباقي النجاسات، كنجاسة الكلب بغير الولوغ.

(و) كذا يجب السبع في غسل الإناء من نجاسة (الخمر) على المشهور.

(و) كذا في (4) نجاسة (الفأرة) بالهمز، المستندة إلى موتها، و لا فرق فيها بين الجرذ بضم الجيم و فتح الراء: و هو نوع منها، و بين غيره. و المستند في الخمر و الفأرة مع شهرته ضعيف، و الاكتفاء بالمرّة قويّ و إن كان المشهور أولي.

(و الغسالة) و هي الماء المنفصل عن المحل المغسول، حكمها في الطهارة و النجاسة

____________

(1) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 14.

(2) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 14.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 229.

(4) في: لم ترد في «ش» و «د».

162

(كالمحلّ) المغسول (قبلها) أي قبل الغسالة المتحقّقة بالانفصال، فإن كان المحلّ قبل تحقّقها بالانفصال عنه طاهرا، و هو بعد استيفاء العدد المعتبر، فهي طاهرة، و إن كان نجسا فهي نجسة، و يجب الغسل منها بقدر ما يجب غسل المحلّ الذي انفصلت عنه قبلها، فإن كانت الأخيرة كفي غسل الملاقي لها مرّة، أو الأولى وجب كمال العدد.

و قيل: حكمها كالمحل بعدها (1)، فإن كانت من الأخيرة فهي طاهرة، و ممّا قبلها فهي نجسة، لكن يجب الغسل منها بعدد ما يغسل المحلّ بعد الفراغ منها.

و قيل: حكمها كالمحلّ قبل الغسل (2)، فيجب لها ما يجب للمحلّ الذي انفصلت عنه قبل غسله.

و قيل: بعد الغسل (3)، فهي طاهرة مطلقا.

و قيل: هي نجسة مطلقا و إن حكم بطهر المحل (4).

فهذه خمسة أقوال حرّرناها بأدلّتها و ذكرنا القائل بها في شرح الإرشاد (5)، فلا عبرة بإنكار الشارح المحقّق لما عدا ثلاثة منها (6).

و يتفرّع على هذه الأقوال ما لو أصابت هذه الغسالة شيئا آخر، فلو أصابت الثانية ممّا وجب غسله مرّتين، غسل المتنجّس بها مرّة علي الأوّل، و مرّتين على الثالث، و كان طاهرا على الثاني و الرابع.

و ما اختاره (رحمه اللّه) اشتمل على دعويين:

إحداهما: أنّ ماء الغسالة نجس.

و الثانية: أنّ نجاسته ليست على حدّ النجاسة الاولي مطلقا.

____________

(1) قاله الشيخ في الخلاف 1: 179 المسألة 135 كتاب الطهارة.

(2) قاله فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1: 19، و نسبة ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع 1: 119 إلى عدّة من الأصحاب.

(3) قاله السّيد المرتضى في المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 215، و ابن إدريس في السرائر 1: 180- 181.

(4) قاله المحقق في المعتبر 1: 90، و العلّامة في المختلف 1: 71 المسألة 37.

(5) روض الجنان: 158.

(6) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 231.

163

و وجه الاولي: أنّه ماء قليل لاقى نجاسة فينجس، عدا ما استثني منه كماء الاستنجاء، و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «الماء الذي يغسل به الثوب و يغتسل به من الجنابة لا يتوضّأ منه». (1)

و وجه الثانية: أنّ المحل المغسول تضعف نجاسته بعد كلّ غسلة و إن لم يطهر، و لهذا يكفيه من العدد ما لا يكفي قبل ذلك، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لأنّ نجاستها مسبّبة عنه، فلا يزيد حكمها عليه؛ لئلّا يلزم زيادة الفرع على أصله.

و يظهر من المصنّف في الذكرى الميل إلى الرابع (2)، و هو مذهب الشيخ و المرتضى و جماعة من الأصحاب (3). و الحجة عليه أنّه لو حكم بنجاسة القليل الوارد لم يكن لوروده أثر، و متى لم يكن له أثر لم يشترط الورود، فيطهر النجس و إن ورد على القليل.

و هذا الدليل كما يدل على عدم النجاسة، يدل على عدم اشتراط ورود الماء على المحلّ.

و خالف المرتضى في الثاني، و لا دليل عليه من جهة الاعتبار، بل من جهة النقل، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الماء حتى يغسلها، فإنّه لا يدرى أين باتت يده» (4)، إذا لو لم يشترط ورود الماء على النجاسة لم يكن للنهي معني.

و احتجّ المرتضى على الأوّل بأنّه لو حكم بنجاسته لم يطهر المحلّ بالغسل العددي، و التالي باطل بالإجماع، و الملازمة واضحة، و يلزم أن لا ينجس بخروجه بطريق أولى؛ لأنّه مفارق للنجس، فإذا لم يؤثّر فيه حال اجتماعه معه فلأن لا يؤثر بعد مفارقته أولي، فيضعف جواب العلّامة في المختلف بالتزام الحكم بنجاسته و طهارة

____________

(1) التهذيب 1: 221/ 630، الاستبصار 1: 27/ 71.

(2) الذكرى: 9.

(3) الخلاف 1: 181 المسألة 137، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 215 المسألة 3.

(4) سنن الدارقطني 1: 49- 50/ 2 و 3.

164

الثوب بعد الانفصال. (1)

و الجواب عن حجّة الأوّل منع الكبرى، بل هي عين المتنازع، فكيف تؤخذ دليلا؟! و أين الدليل عليها؟ و الخبر أعمّ من الدعوى، فإنّ المنع من الوضوء به أعمّ من نجاسته، فلا يستلزمها، إذ العامّ لا يدل على الخاصّ.

و قد كان على المصنّف أن يستثني ماء الاستنجاء، فإنّه غسالة طاهرة مع عدم تغييره بالنجاسة و عدم ملاقاته لنجاسة خارجة عن حقيقة الحدث أو عن محلّه.

(و عفي عمّا لا يرقأ) أي ما لا ينقطع (من الدم) كدم القروح و الجروح المستمرة. و في حكم عدم الانقطاع رقوة فترة لا تسع الصلاة و إن كانت العبارة تقتضي عدم العفو هنا.

و مستند الرخصة قول الباقر (عليه السلام) لأبي بصير حين قال له: إنّ قائدي أخبرني أنّك تصلّي و في ثوبك دم، فقال: «إنّ بي دماميل و لست أغسل ثوبي حتى تبرأ» (2).

و هذا الخبر يدل على عموم العفو إلى أن تبرأ، سواء كان لها فترة أم لا و هو حسن و إن كان ما اختاره المصنّف أحوط.

و بالغ العلامّة فأوجب طهارة الثوب مع الإمكان مطلقا؛ محتجا بزوال المشقة (3)، و الخبر حجّة عليه.

(و عمّا نقص) من الدم (عن سعة درهم بغليّ) بإسكان الغين و تخفيف اللام، نسبة إلى رأس البغل، قيل: ضربه للثاني في ولايته. أو بفتحها و تشديد اللام، منسوب إلى (بغل) قرية بالجامعين، كان يوجد بها دراهم تقرب سعتها من أخمص الراحة (4)، و هو المنخفض من الكفّ، و قدّر الدرهم به و بعقد الإبهام العليا و بالوسطى. و لا منافاة؛ لإمكان اختلافها سعة و ضيقا كما هو الواقع.

و إنّما يعفي من ذلك عن الدم المسفوح، غير الدماء الثلاثة، و دم نجس العين

____________

(1) المختلف 1: 72 المسألة 37 كتاب الطهارة.

(2) الكافي 3: 58/ 1، التهذيب 1: 258/ 747، الاستبصار 1: 177/ 616.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 71- 73، المسألة 23.

(4) معجم البلدان 2: 96.

165

و لو بالعرض كالموت.

و لا فرق بين المجتمع منه و المتفرّق، فيقدّر كذلك مجتمعا على أصح الأقوال.

و لا فرق في ذلك بين الثوب و البدن، فيضم الموجود فيهما و في الثياب المتعدّدة بعضه إلي بعض. و قيل: لكلّ واحد حكم نفسه. (1)

و لو أصاب وجهي الثوب، فإن كان بالتفشّي فواحد مطلقا- و قيّده المصنّف في الذكرى برقّة الثوب- (2) و إلّا فدمان. و ذو البطانة متعدّد، فيضم ما في أحدهما إلى الآخر و إن كان بالتفشّي.

و لو أصاب الدم المعفوّ عنه مائع طاهر، و لم يبلغ المجموع الدرهم، ففي بقائه على العفو و عدمه قولان، اختار المصنّف أوّلهما في الذكرى (3)، و ثانيهما في البيان (4).

و الأجود الأوّل؛ لأنّ المنجّس بشيء لا يزيد عليه، غايته أن يساويه، إذ لا يزيد الفرع على أصله.

و وجه الثاني: كون الرطوبة المنجّسة ليست دما مسفوحا.

(و عن نجاسة ثوب المربيّة للصبيّ حيث لا) تقدر على ثوب (غيره) و لو بشراء أو استئجار أو إعارة (5)، و في حكم الصبيّ هنا الصبيّة، لأنّ مورد الرواية المولود (6)، و هو شامل لهما. و لو تعدّد الولد فكذلك؛ لصدق اسم المولود و زيادة المشقّة، مع احتمال العدم؛ لكثرة النجاسة حينئذ.

و الحق بعض الأصحاب بها المربّي؛ للاشتراك في العلّة، و هي المشقّة الحاصلة من تكثّر النجاسة على تقدير غسلة للصلوات (7) و فيه منع التعليل، فإنّه ليس منصوصا بل مستنبطا، فلا يصحّ قياسه.

____________

(1) قاله الشيخ في المبسوط 1: 36.

(2) الذكرى: 16.

(3) الذكرى: 16.

(4) البيان: 95.

(5) في «ق» و «د»: عارية.

(6) الفقيه 1: 41/ 161، التهذيب 1: 250/ 719.

(7) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 2: 493- 494، المسألة 131، و الشهيد في الذكرى: 17 و البيان: 95.

166

و احترز بالثوب عمّا لو تعدّد و لو بالقوة، كما مرّ، فلا تلحقها الرخصة حينئذ؛ لزوال المشقة بالإبدال، وقوفا مع ظاهر النصّ (1). هذا إذا لم تحتج إلى لبسها دفعة للبرد و نحوه، و إلّا فكالواحد.

و مورد الرواية تنجّس الثوب ببوله، فتقصر الرخصة عليه وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، فلا يتعدّى إلى نجاسته بغير الصبيّ، و لا بنجاسته بغيره كدمه. و في شموله لغائطه قول مشهور؛ إمّا لاشتراكهما في عموميّة البلوى، أو لأنّ البول شامل به؛ بناء على ما هو المعروف في قواعد العرب من ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به، و فيهما منع.

و الحكم مختصّ بالثوب، كما ورد به النصّ (2) و دلّت عليه العبارة، فيجب غسل بدنها بحسب المكنة.

و هذه الرخصة حاصلة (و إن وجب غسله في اليوم (3) مرّة) لثبوتها في النجاسة الحاصلة فيه بعد الطهارة. و (اليوم) هنا يشمل الليلة، إمّا تبعا أو لغة. و الأفضل جعل الغسل آخر النهار لتصلّي فيه الظهرين و العشائين في وقت متقارب، و لو أخلّت بغسله فجميع صلاتها الواقعة بالنجاسة باطلة؛ لعدم الأولوية و إن كان قد يصح بعضها لو فعلته.

(و عن نجاسة ما) أي الشيء الذي (لا تتمّ الصلاة فيه وحده) بأن لا يمكن ستر عورة الرجل به كالتّكة و القلنسوة و الخفّ و إن كانت نجاسته مغلّظة، لا إن كان نفسه نجاسة كجلد الميتة.

و الأصل فيه قول الصادق (عليه السلام): «كلّ ما كان على الإنسان أو معه ممّا لا يجوز الصلاة فيه فلا بأس أن يصلّي فيه و إن كان فيه قذر، مثل القلنسوة و التّكة و النعل و الخفّين و ما أشبه ذلك» (4).

____________

(1) التهذيب 1: 250/ 719.

(2) التهذيب 1: 250/ 719.

(3) بعد كلمة (اليوم) ورد في «ع»: (و الليلة). و عليها علامة تدلّ على أنّها نسخة بدل. و الظاهر عدم وجودها في نسخة الألفيّة التي اعتمدها المصنّف، لذلك نراه يقول: و اليوم هنا يشمل الليلة إما تبعا أو لغة.

(4) التهذيب 1: 275/ 810.

167

و المراد بالصلاة التي لا تتمّ فيه جنس الصلاة الاختياريّة، فلو وقع فيه فرد من أفرادها كفي في المنع، فيكفي ستره لعورة الرجل و إن لم يستر المرأة. و قد علم من عموم الرواية أنّه لا فرق في ذلك بين أن يكون من الملابس أو غيرها، و لا في الملابس بين كونها في محالّها أولا، خلافا لبعض الأصحاب حيث قصر الرخصة على الملابس في محالّها (1)، و الخبر حجّة عليه.

(و عن النجاسة) الكائنة في الثوب و البدن (مطلقا) من أي أنواع النجاسة كانت (مع تعذّر الإزالة) فتجوز الصلاة في الثوب النجس حينئذ و إن أمكن نزعه و الصلاة عاريا، خلافا للأكثر حيث أوجب الصلاة عاريا (2).

و يستفاد من كون الصلاة فيه رخصة جواز تركها و الصلاة عاريا فيتخيّر بينهما، و هو كذلك. لكن الصلاة فيه أفضل؛ للأمر به في خبر علىّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام) (3).

و لأنّ فوات وصف في الستر أولي من فواته جملة، و لا ستلزامه كمال أفعال الصلاة، فإنّ الصلاة عاريا توجب الإيماء على وجه. و لأنّ شرطية الستر أقوى من شرطية الطهارة. و لو لا دعوى العلّامة في المنتهي الإجماع على جواز الصلاة عاريا (4)، أمكن القول بتحتّم الصلاة فيه.

و لو خاف البرد و نحوه من نزعه تعيّنت الصلاة فيه، و لا إعادة على التقديرين؛ لأنّ امتثال الأمر يقتضي الإجزاء.

____________

(1) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 2: 481- 482، المسألة 127 و منتهي المطلب 3/ 260.

(2) كالشيخ في المبسوط 1: 39 و الخلاف 1: 474 المسألة 218، و ابن إدريس في السرائر 1: 186.

(3) التهذيب 2: 224/ 884، الاستبصار 1: 169/ 585.

(4) منتهي المطلب 3: 304.

168

[المقدمة الثالثة: ستر العورتين للرجل]

(المقدمة الثالثة: ستر العورتين للرجل) و هما القبل و الدبر. و المراد بالقبل: القضيب و الأنثيان، و بالدبر: المخرج دون الأليتين.

(و ستر جميع البدن) للمرأة (عدا الوجه) و هو ما يجب غسله في الوضوء أصالة (و الكفين) من الزندين (و ظاهر القدمين) و حدّها مفصل الساق (لها) أي للمرأة الحرّة و إن لم يسبق لها ذكر صريح، لدلالة سبق ذكر الرجل عليها على وجه يظهر منه المراد، و ذكر الأمة فيما يأتي على الحرّة.

و مقتضى إطلاق الكفّين عدم الفرق بين ظاهر هما و باطنهما، و تقييده بظاهر القدمين مخرج لباطنهما، و هو المناسب لكون بدنها عورة إلّا ما أخرجه الدليل. و ليس فيه ما يدل على الباطن صريحا. و أضافهما بعض الأصحاب إلى الظاهر، و كذا الخلاف في العقبين.

و يجب ستر شيء من حدّ (1) الوجه و باقي المستثنيات من باب المقدّمة؛ لعدم المفصل المحسوس، فيتوقّف الواجب عليه.

(و) جميع البدن- عدا المستثنيات- عورة (للخنثى) المشكل أيضا، ليحصل بسترها يقين البراءة. و يحتمل إلحاقها بالرجل؛ لأصالة البراءة من التكليف بالزائد عن المتيقّن

____________

(1) حدّ: لم ترد في «ع».

169

وجوب ستره.

(و الأولى) للمرأة (ستر شعرها و أذنيها؛ للرواية) التي رواها الفضيل عن الباقر (عليه السلام) قال: «صلّت فاطمة (عليها السلام) خمارها (1) على رأسها، ليس عليها أكثر ممّا وارث به شعرها و أذنيها» (2).

و في التعبير ب(الأولى) إشارة إلى عدم الحكم بالوجوب، و في الذكرى قرّب الوجوب (3)، و هو الوجه؛ لأنّ بدنها كلّه عورة، كما دلّت عليه الرواية (4)، إلّا ما أخرجه الدليل الخاص.

(أما الأمة المحضة) و هي التي لم يتحرّر منها شيء و إن تشبثت بالحرية، فيدخل فيها القنّة، و المدبّرة قبل وفاة السيّد، و المكاتبة المشروطة، و المطلقة التي لم تؤدّ شيئا من مال الكتابة (فلا يجب عليها ستر رأسها) و هو هنا العنق و ما فوقه و إن وجب عليها ستر جزء من أسفل العنق. و إنّما يجب عليها ستر ما عدا الرأس، و ما استثني للحرّة.

و احترز ب(المحضة) عن من تحرّر منها شيء، فإنّها كالحرّة تغليبا؛ لحرمة الحريّة.

و لو أعتقت أو بعضها في أثناء الصلاة وجب عليها ستره، و لو افتقر إلى فعل كثير استأنفت مع سعة الوقت و لو لركعة بعد الإبطال و أتمّت لا معها.

[يعتبر في الساتر للعورة أمور خمسة]

(و يعتبر في الساتر) للعورة (أمور خمسة):

[الأوّل: أن يكون طاهرا من النجاسة]

(الأوّل: أن يكون طاهرا) من النجاسة، (إلّا ما استثني) فيما سلف، و هو المتنجّس بما نقص عن سعة الدرهم من الدم، و ثوب صاحب القروح و الجروح و المربية، و ما تعذّر تطهيره. و أمّا ما لا تتمّ الصلاة فيه وحده فخارج بقيد الساتر، فلو كان نجسا بغير ذلك لم تصحّ فيه الصلاة.

[الثاني: أن لا يكون ميتة]

(الثاني: أن لا يكون ميتة) و إنّما ذكر هذا الشرط مع دخوله في شرط الطهارة؛

____________

(1) الخمار: ثوب تغطّي به المرأة رأسها. المصباح المنير 1: 181.

(2) الفقيه 1: 167/ 785.

(3) الذكرى: 140.

(4) التهذيب 2: 217/ 853، الإستبصار 1: 388/ 1478.

170

للتنبيه على انفكاكهما عند بعض الأصحاب، و هو ابن الجنيد، فإنّه و إن طهّر جلد الميتة بالدبغ لكن منع من الصلاة فيه (1)، فأشار بتخصيصه إلى أنّ عدم جواز الصلاة فيه موضع وفاق و إن حكم بطهره.

و ذكر بعض الشرّاح أنّه احترز به عن ميتة السمك، فإنّها طاهرة و لا يجوز الستر بجلدها في الصلاة (2).

و يشكل بمنع كون السمك ممّا تمتنع الصلاة في جلده و إن كان ميتة؛ لأنّه طاهر في حال الحياة و لا ينجس بالموت إذ لا نفس له.

و بأنّ المصنّف (3) (رحمه اللّه) و أكثر الأصحاب جوّز و الصلاة في جلد الخزّ و إن كان غير مذكّي مع أنّ لحمه غير مأكول (4)، فجوازها في جلد السمك أولي.

و قد وهم الشارح المحقّق هنا في ردّه لهذا القول، حيث حكي عن المصنّف في الذكرى أنّه نقل عن المعتبر إجماع الأصحاب على جواز الصلاة في جلد السمك و إن كان ميتة (5). و الحال أنّ المصنّف لم ينقل ذلك عن المعتبر، و لا هو موجود في المعتبر، و إنّما الذي نقله عن المعتبر و الموجود فيه الإجماع على جواز الصلاة في وبر الخزّ و إن كان ميتة؛ لأنّه طاهر في حال الحياة و لم ينجس بالموت (6).

و لكن عبارة الذكرى توهم كون البحث ثمّة عن السمك، و عند الاعتبار و مراجعة المعتبر ينجلي لك الحال.

و أمّا جلد السمك فلم يذكراه في الكتابين، و إنّما ذكرا بعد دعوى الإجماع على جواز الصلاة في وبر الخز مطلقا خلافا في جوازها في جلده ثم اختارا الجواز و لم يقيّداه

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف 1: 342 المسألة 262.

(2) حكاه المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 236 عن بعض من لا تحصيل له.

(3) الذكرى: 144، البيان: 120.

(4) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 262، و العلّامة في تذكرة الفقهاء 2: 468- 469، المسألة 122، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 78.

(5) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 236.

(6) المعتبر 2: 84، الذكرى: 144.

171

بكونه مذكّى، لكن شرطا تذكيته في مواضع أخر، و الظاهر أنّ هذا الإطلاق مبني عليه.

[الثالث: أن لا يكون جلد غير المأكول أو صوفه أو وبره أو شعره]

(الثالث: أن لا يكون جلد غير المأكول) لحمه و إن ذكّي و دبغ (أو صوفه أو وبره أو شعره)؛ لقول الصادق (عليه السلام): «كلّ شيء حرم أكله فالصلاة في وبره و جلده و شعره و بوله و روثه و كلّ شيء منه فاسدة، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره» (1).

و يستثني من ذلك شعر الآدميّ، خصوصا شعر المصلّي نفسه؛ لعموم البلوى به، و جواز الصلاة فيه متّصلا فكذا منفصلا؛ عملا بالاستصحاب، و لمكاتبة علي بن الريّان عن أبي الحسن (عليه السلام) (2).

هذا كلّه إذا لم يكن لباسا و لا جزء منه بحيث يدخل في نسجه، و إلّا منع منه كغيره.

و الحكم شامل لجميع أفراد الحيوان ممّا لا يؤكل لحمه (إلا الخزّ) و هو دابة ذات أربع تصاد من الماء لا تعيش بدونه.

و لا يشترط في جواز الصلاة في وبره التذكية إجماعا كما مرّ، و هل يجوز في جلده؟ قولان، أصحهما الجواز. و على تقديره (3) هل يشترط تذكيته بإخراجه من الماء حيّا كالسمك؟ قولان، أجودهما اشتراطها؛ لرواية ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (4).

و في بعض نسخ الرسالة تقييد الخز بقوله (الخالص) (5) و احترز به عن المغشوش بوبر الأرانب و الثعالب و نحوهما ممّا لا تصحّ الصلاة فيه، فإنّ الصلاة فيه باطلة.

أما المغشوش بالحرير بحيث لا يستهلكه الحرير فجائز، إذ المحرّم إنّما هو الحرير المحض.

____________

(1) الكافي 3: 397/ 1، التهذيب 2: 209/ 818، الاستبصار 1: 383/ 1454.

(2) التهذيب 2: 367/ 1526.

(3) في «ش» و «ق»: تقدير الجواز.

(4) الكافي 3: 399/ 11، التهذيب 2: 211/ 828.

(5): كما في نسختي «ش 1» و «ش 3».

172

(و) كذا يستثني منه (السنجاب) فإنّ الصلاة في جلده و وبره جائزة أيضا على أصح القولين. و يشترط في الصحة تذكيته بالذبح؛ لأنّه ذو نفس قطعا، و الدباغ غير مطهّر عندنا، و على تقدير حصولها تكره الصلاة فيه، بل ذهب أكثر الأصحاب إلى المنع (1).

قال المصنّف في الذكرى: و قد اشتهر بين التجّار و المسافرين أنّه غير مذكّى، و لا عبرة بذلك؛ حملا لتصرّف المسلمين على ما هو الأغلب (2)، انتهى.

و لأنّ متعلّق الشهادة إذا كان غير محصور لم تسمع، نعم لو علم ذلك حرم استعماله.

[الرابع: أن لا يكون مغصوبا]

(الرابع: أن لا يكون مغصوبا) فتبطل الصلاة فيه مع العلم بالغصب و إن جهل الحكم؛ للنهي عن التصرّف في المغصوب المقتضي للبطلان.

هذا إذا كان ساترا؛ ليرجع النهي إلى شرط الصلاة، و مثله ما لو قام فوقه أو سجد عليه.

و لو كان المغصوب غير ساتر كالخاتم، ففي صحة الصلاة فيه و جهان، و الأكثر على إلحاقه بالساتر؛ للنهي عن الحركات الواقعة فيه حيث تستلزم التصرّف في المغصوب، و هي أجزاء الصلاة فتفسد.

و لأنّه مأمور بإبانة المغصوب عنه، و برّده إلى مالكه. فإن افتقر إلى فعل كثير كان مضادّا للصلاة، و الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه فتفسد.

و في الدليلين نظر و إن كان ذلك أحوط.

و لضعف أدلّة البطلان ذهب المحقّق في المعتبر إلى الصحة هنا (3)، و قوّاه المصنف في الذكرى (4).

و لو نسي الحكم فكذلك، و في ناسي أصل الغصب أوجه تأتي إن شاء اللّه تعالى (5).

____________

(1) كالشيخ في النهاية: 587، و ابن إدريس في السرائر 1: 262، و العلّامة في المختلف 2: 94 المسألة 35.

(2) الذكرى: 144.

(3) المعتبر 2: 92.

(4) الذكرى: 146.

(5) تأتي في الصفحة: 304.

173

[الخامس: أن لا يكون حريرا محضا للرجل]

(الخامس: أن لا يكون حريرا محضا للرجل) لتحريم لبسه عليه في غير الصلاة، ففيها أولى.

و احترز بالمحض عن الممتزج بغيره كالقطن و الكتّان فإنّه جائز له، سواء كان الخليط أقلّ من الحرير أن أكثره، ما لم يستهلكه الحرير بحيث يطلق عليه اسمه عرفا، إلّا أن يكون الإطلاق مجرّد اقتراح مع تحقّق الخليط المعتبر.

(و الخنثى) كالرجل هنا؛ لاحتمال الرجوليّة، و أخذا بمجامع الاحتياط، مع احتمال عدم تحريمه عليه؛ لأصالة البراءة، فإنّ التحريم معلّق في النصّ (1) على الذكور.

و لا فرق في بطلان الصلاة فيه بين كونه ساترا أم لا و إن كان السياق في الساتر، و هذا إنّما هو (في غير الحرب أو الضرورة).

أما الحرب؛ فلما يحصل به من قوّة القلب و إرهاب العدو، و هما مطلوبان شرعا، و للنّص (2).

و أما الضرورة فكدفع البرد و القمّل، و قد أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعض أصحابه بلبسه للقمّل (3).

و يجوز ركوبه و افتراشه و النوم عليه، و غير ذلك ممّا لا يعدّ لبسا؛ للرواية (4).

و استثني من اللباس ما لا يزيد على أربع أصابع مضمومة ككفّ الثوب به، و جعله في رءوس الأكمام و الذيل، و ما لا تمم الصلاة فيه منفردا كالتكّة و القلنسوة على كراهية.

و خرج بالرجل المرأة، فيجوز لبسه لها في حال الصلاة و غيرها على المشهور، و الصبيّ؛ لعدم التكليف في حقّه، و التحريم من باب خطاب الشرع. و لا يحرم على الوليّ تمكينه منه؛ لأنّه فرع تحريم اللبس.

(و) كذا يشترط أن (لا) يكون الساتر بل الملبوس مطلقا (ذهبا لهما) أي للرجل

____________

(1) الكافي 3: 399/ 10، التهذيب 2: 207/ 812، الإستبصار 1: 385/ 1462.

(2) الكافي 6: 453/ 3، الفقيه 1: 171/ 807، التهذيب 2: 208/ 816، الاستبصار 1: 386/ 1466.

(3) صحيح البخاري 7: 195، صحيح مسلم 3: 1646- 1647/ 2076، سنن أبي داود 4: 329/ 4056، سنن الترمذي 3: 132/ 1776، مسند أحمد 3: 122، 192، 252، سنن النسائي 8: 202.

(4) الكافي 6: 477/ 8، قرب الاسناد: 86، التهذيب 2: 373/ 1553.

174

و الخنثى. و لا فرق في ذلك بين المحض و المموّه به و إن قلّ، نعم لو تقادم عهده حتى اندرس و زال مسمّاه جاز لبسه، كما ذكره المصنّف في الذكرى (1).

(و) كذا (لا يجوز) أن يصلّي الإنسان (في ساتر ظهر القدم، إلّا أن يكون له ساق و إن قصرت) بحيث تتجاوز مفصل القدم و لو يسيرا، و النهي مشروط بأمرين: ستر ظهر القدم، و عدم الساق. فالخفّ و النعل العربيّة لا خلاف في جواز الصلاة فيهما، بل هي في النعل أفضل.

و يجتمع الشرطان في الشمشك (2)- بضم الشين و كسر الميم- فيحرم فيه على المشهور بين الأصحاب، و مستندهم فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)؛ فإنّهم لم يصلّوا في هذا النوع، و لا نقله عنهم ناقل، و لو وقع لنقل، مع عموم البلوى به.

و لا يخفى ضعف هذا المستند، فإنّه شهادة على النفي غير المحصور، فلا تسمع.

و من الذي أحاط علما بأنّهم كانوا لا يصلّون في هذا النوع؟! و لو سلّم لم يكن دليلا على عدم الجواز؛ لجواز كونه غير معتاد لهم، بل الظاهر هو ذلك. حتى لو علم أنّهم كانوا لا يصلّون فيه عمدا، لم يكن دليلا على التحريم، و لو تمّ ذلك لزم تحريم الصلاة في كلّ ما لم يصلّوا في نوعه، و هو ضعيف.

فالقول بالجواز أقوى على كراهية؛ خروجا من خلاف الجماعة.

____________

(1) الذكرى: 146.

(2) الشمشك: قيل إنّه المشاية البغدادية. مجمع البحرين 5: 277 «شمشك».

175

[المقدّمة الرابعة: مراعاة الوقت]

(المقدّمة الرابعة: مراعاة الوقت) (و هو هنا) أي بالنسبة إلى اليوميّة، (لخمس) صلوات بحسب تعدّد اليوميّة، و سيأتي في الخاتمة بيان أوقات باقي الصلوات الواجبة.

(فللظهر زوال الشمس المعلوم بظهور الظلّ في جانب المشرق) فإنّ الظلّ يقابل ذا النور، فإذا كانت الشمس في جانب المشرق كان ظلّ الشاخص الذي يقطع عليه في جهة المغرب. فإذا كانت في وسط السماء على دائرة نصف النهار، كان ظلّ الشخص على خط نصف النهار من الشمال، أو من الجنوب إن كان له ظلّ.

فإذا زالت، بأنّ مالت عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب، مال ظلّ الشاخص إلى جانب المشرق إن كان له ظلّ و حدث من ذلك الجانب إن لم يكن.

و عبارة الرسالة شاملة للظلّ الحادث و الزائد، فإنّ كلا الظلّين يظهر عند الزوال في جانب المشرق.

فتشمل هذه العلامة سائر البلاد في جميع الفصول، لكن ظهور الظلّ في جانب المشرق إنّما يعلم في أوّله كذلك عند إخراج خط نصف النهار على سطح الأرض بنحو الدائرة الهنديّة، أو ربع الدائرة، أو الأسطرلاب.

فإذا وصل ظلّ الشاخص إليه كانت الشمس على دائرة نصف النهار لم تزل بعد، فإذا خرج الظلّ عنه إلى جهة المشرق فقد تحقّق زوالها، و هو ميلها عن تلك الدائرة

176

إلى جهة المغرب.

و أمّا ما ذكره الأصحاب عن علمه بزيادة الظلّ بعد نقصه، أو حدوثه بعد عدمه (1)، فلا يتوقف إلّا على نصب الشاخص كيف اتّفق، لكن تبيّن الزوال بالأوّل قبل الثاني بزمان كثير. فإنّ تحقّق الزيادة بعد انتهاء النقصان لا يظهر إلّا بعد مضي نحو ساعة من أوّل الوقت، بخلاف ما لو اخرج خط نصف النهار على سطح مستو، كما لا يخفى على من مارس ذلك.

و اعلم أنّ الظّل الباقي للشخص عند الزوال يختلف باختلاف البلاد و الفصول بحسب قرب الشمس من مسامة رأس الشخص و بعدها عنه، فكلّما كانت الشمس في البروج الجنوبيّة- و هو فصل الشتاء و الخريف- كان الظّل الموجود أطول ممّا لو كانت في البروج الشماليّة كالربيع و الصيف في الربع المسكون.

و كلّما قربت الشمس من مسامتة الرأس كان الظلّ أقصر، و يتصوّر عدمه أصلا إذا كانت الشمس على رأس الشخص، و ذلك في خط الاستواء عند الاعتدالين الربيعيّ و الخريفيّ و فيما خرج عنه إلى جهة الشمال إذا ساوي عرض البلدة مقدار ميل الشمس عن دائرة معدل النهار.

و قد ذكر المصنّف (2) و جماعة من المتأخرين أنّ ذلك يكون بمكّة و صنعاء في يوم واحد، و هو أطول أيام السنة عند نزول الشمس في السرطان (3)، و هو فاسد قطعا؛ لأنّ الشمس يكون لها في ذلك الوقت ظلّ جنوبي خصوصا بصنعاء؛ لنقصان عرضه عن الميل الأعظم للشمس.

و نقل المصنّف في الذكرى في المسألة قولا آخر، و هو أنّ ذلك يكون بالبلدتين قبل الانتهاء بستة و عشرين يوما، و يستمر إلى الانتهاء، و بعده إلى ستة و عشرين يوما آخر، فيكون مدّة ذلك اثنين و خمسين يوما (4).

____________

(1) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 2: 301 المسألة 24 كتاب الصلاة، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 12.

(2) الذكرى: 117.

(3) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 2: 300- 301، المسألة 24، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 12.

(4) الذكرى: 117.

177

و هذا أيضا غلط فاحش، فإنّ الشمس إنّما تسامت الرأس يوما واحدا، ثم تميل عنه.

و الذي دلّت عليه البراهين المقرّرة في محلّها من هذا العلم، و صرّح به أهل هذه الصنعة كالمحقّق نصير الدين الطوسي و غيره، أنّ الشمس تسامت رءوس أهل مكّة و صنعاء مرّتين في السنة.

لكن ليس ذلك في يوم واحد؛ لشدّة ما بين البلدين من الاختلاف في العروض، و إنّما يكون في صنعاء عند كون الشمس في الدرجة الثامنة من برج الثور صاعدة، ثم تميل عنه نحو الشمال، و يحدث لها ظلّ جنوبي إلى أن ينتهي و ترجع إلى الدرجة الثالثة و العشرين من برج الأسد بحيث يساوي ميلها لعرض البلد و هو أربع عشرة درجة و أربعون دقيقة.

و أين ذلك من مناسبة ميل الشمس الأعظم في أطول الأيّام، و هو أربع و عشرون درجة مجبورة الدقائق.

و أمّا مكّة فعرضها إحدى و عشرون درجة و أربعون دقيقة، فمسامتة الشمس لرؤوس أهلها تكون أيضا قبل انتهاء الميل بأيام كثيرة، و ذلك حين يكون مناسبا لعرضها، فتسامت رءوس أهلها مرّتين أيضا صاعدة و راجعة.

و الذي حقّقه أهل هذا الشأن أنّ ذلك يكون عند الصعود في الدرجة الثامنة من الجوزاء، و عند الهبوط في الدرجة الثالثة و العشرين من السرطان؛ لمساواة الميل في الموضعين لعرض مكّة، و فيما بين هاتين الدرجتين من الأيام إلى تمام الانتهاء يكون ظلّ الشمس جنوبيا.

و الأولى التمثيل لأطول أيام السنة بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّ عرضها يناسب الميل الأعظم للشمس و إن خالفه بدقائق لا يكاد تظهر للحسّ، فتدبّر هذه الجملة و اتّبع طريق الرشاد، و فقنا اللّه و إياك للسداد.

و قد أشبعنا القول في هذه المسألة في شرح الإرشاد (1)، فراجعه فإنّك لا تجده في غيره من الكتب.

____________

(1) روض الجنان: 176- 177.

178

و إنّما بدأ المصنّف بوقت الظهر؛ لأنّها الفرد الأشرف، و الصلاة الوسطى على أصح الأقوال. و نقل الشيخ رحمة اللّه عليه إجماعنا (1)، و رواه عن الصادقين (عليهما السلام) (2).

(و للعصر الفراغ من الظهر و لو تقديرا) أي على تقدير أن لا يصلّي الظهر في أوّل الوقت، يكون وقتها المختص بها ما لو قدر وقوعها فيه تامة الأفعال و الشروط بحسب الواجب في ذلك الوقت شرعا لوسعها. و يختلف ذلك باختلاف الوقت في القصر و التمام، و الحال في الخوف و الأمن و السرعة و البطء، و استجماع شروط الصلاة بعد دخول الوقت و فقدها.

فإذا مضى هذا المقدار اشترك الوقت بينها و بين العصر، إلّا أنّ هذه قبل هذه.

و إنّما تظهر فائدة الاشتراك و الاختصاص فيما لو صلّى العصر قبل الظهر ناسيا و لم يذكر حتى فرغ منها، فإن وقعت في المشترك أو دخل و هو فيها صحّت، و إن وقعت بأسرها في المختص بالظهر بطلت.

و لو ذكر في الأثناء عدل إلى الظهر و صحّت على التقديرين، و كذا القول في العشائين.

و لو فرض شروعه في الظهر أوّل الوقت و سهوه عن بعض الأفعال، فإن كان ممّا يتلافى بعد الصلاة، فلا بدّ من اعتبار وقته، و إلّا لم تجب حتى يمضي مقدار وقته. و في اعتبار وقت صلاة الاحتياط لو شكّ في الظهر بما يوجبه و جهان، أمّا سجود السهو فلا.

(و للمغرب) غيبوبة الشمس، و علامتها (ذهاب الحمرة المشرقية) بحيث لا يبقى منها في الجانب الشرقي الذي ينتهي إلى قمّة رأس الإنسان شيء، و إنّما كان ذلك علامة لها مع النّص الصحيح (3)؛ لأنّ الاعتبار في طلوعها و غروبها لمّا كان بالأفق الحقيقي لا المحسوس و كان طلوعها يتحقّق قبل بروزها للعين بزمان طويل غالبا، فكذا غروبها

____________

(1) الخلاف 1: 294 المسألة 40 كتاب الصلاة.

(2) الكافي 3: 271/ 1، الفقيه 1: 124/ 600، معاني الأخبار: 331/ 1، التهذيب 2: 241/ 954.

(3) الكافي 3: 278/ 1، التهذيب 2: 29/ 83، الاستبصار 1: 265/ 959.

179

يكون متأخّرا عن خفائها عن العين بسبب اختلاف الأرض و كرّيّة الماء.

و قد نبّه على ذلك مولانا الباقر (عليه السلام) في قوله: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها» (1).

و الصادق (عليه السلام) في قوله: «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق إذا جاوزت قمة الرأس إلى ناحية المغرب، فقد وجب الإفطار و سقط القرص» (2).

و هذه إشارة شريفة إلى أنّ سقوط القرص هو المراد من الغروب، لكن علامته ذلك.

(و للعشاء الفراغ منها) كما مرّ في الظهر بالنسبة إلى حال المصلّي في استجماع الشرائط و عدمه.

(و لو تقديرا) أي على تقدير أن لا يصلّي المغرب في أوّل الوقت، يقدّر لها من أوّله مقدار فعلها على حسب حاله فتختص بها، ثم يشترك الوقت بين الفرضين، و جميع ما تقدّم في الظهرين آت هنا.

و يزيد هنا أنّه لو صلّى العشاء في وقت المغرب تماما تامة الأفعال ناسيا صحّت؛ لدخول المشترك و هو فيها.

نعم، لو فرض أنّ العشاء مقصورة أو تامة، و لكن نسي بعض الأفعال منها بحيث تقع الأربع في مقدار وقت ثلاث ركعات أو أقلّ بطلت، لوقوعها بأسرها في الوقت المختصّ بالمغرب.

(و تأخيرها) أي العشاء (إلى ذهاب الحمرة المغربية أفضل) للنصّ الوارد في ذلك (3)، و خروجا من خلاف جماعة من الأصحاب حيث أوجبوا التأخير (4).

____________

(1) الكافي 3: 278/ 2، التهذيب 2: 29/ 84، الإستبصار 1: 265/ 957.

(2) الكافي 3: 279/ 4، التهذيب 4: 185/ 516.

(3) الفقيه 1: 141/ 657، التهذيب 2: 30/ 88، الاستبصار 1: 264/ 953.

(4) كالشيخ المفيد في المقنعة: 93، و الشيخ الطوسي في النهاية: 59 و المبسوط 1: 75، و سلّار في المراسم: 62.

180

و ليس حكمه بأفضلية تأخير العشاء منافيا لغرض الرسالة من قصرها على الواجبات؛ لأنّ تأخيرها لا يخرجها عن أصل الوجوب، و لا عن الوقت الذي يجب مراعاته، و هو من أعظم الشروط، بل يؤكده، غايته أن يكون هذا الفرد أفضل ممّا قبله.

و لا يلزم من ذلك ندبيّته، بل هو أفضل الفردين الواجبين.

و إنّما لم يذكر تأخير العصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله، مع أنّه أولى أيضا؛ لاتّفاق الأصحاب هناك على جواز تقديم العصر على المثل و إن كان الأفضل تأخيرها.

فليس في ذلك أولويّة التأخير أمر أزيد على الاستحباب، بخلاف ما هنا، فإنّ فيه خروجا من خلاف جماعة من الأصحاب و إن اشترك الحكمان في عدم خروج الوقت و الفرض عن أصل الوجوب.

(و للصبح الفجر المعترض) فوق الأفق، و هو المسمّى بالفجر الثاني، و بالصادق؛ لأنّه صدقك عن الصبح. و احترز به عمّا يخرج قبله مستطيلا، و يعبّر عنه بالفجر الأوّل و الكاذب.

(و يمتد وقت الظهرين) و هما الظهر و العصر، سمّاها باسم أحدهما تغليبا، و هي قاعدة مطّردة عند تساوي الفردين بالخفّة و الثقل و التذكير و التأنيث، و إلّا تعيّن الأخفّ و المذكّر، كالحسنين و الأبوين.

(إلى دخول) وقت (العشائين) لا على معنى اشتراكهما في الوقت إلى آخره، كما يذهب إليه الصدوق؛ (1) لأنّ المصنّف لا يرى ذلك، بل يقول باختصاص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها، كما يختصّ الظهر من أوّله بذلك.

بل المراد أنّ هذه الجملة المعبّر عنها ب(الظهرين) يمتد وقتها إلى أوّل وقت الجملة المسمّاة ب(العشائين) و هو أوّل وقت المغرب، بمعنى أنّه لو بقي من آخر الوقت مقدار ثماني ركعات و صلّى الظهرين فيها، كانتا واقعتين في آخر الوقت، بحيث يكون آخره مطابقا لآخرهما.

____________

(1) الهداية: 29، المقنع: 27.

181

و ذلك لا ينافي اختصاص بعض أجزاء هذه الجملة من هذا الوقت بشيء منه، و ينبّه علي ذلك أنّ المصنّف قد صرّح باختصاص المغرب من أوّل الوقت بمقدار أدائها، ثم ذكر أنّ وقت الظهرين يمتدّ إلى دخول وقت العشائين، مع أنّ وقت العشاء لا يدخل حتى يمضي مقدار ثلاث ركعات بعد تحصيل الشرائط المفقودة.

و إنّما أطلق ذلك؛ لما بيّناه من أنّ هذه الجملة- أعني (العشائين)- إذا دخل وقت أولهما و اتصل به وقت الباقي، صدق دخول وقت المجموع من حيث هو مجموع و إن لم يدخل وقت كلّ واحد من أفراد المجموع.

و حينئذ فلا يحتاج إلى تكلّف تجوّز في العبارة بأنّ وقت العشاء لمّا كان آئلا إلى الدخول بعد الغروب أطلق عليه الدخول؛ لكونه يؤول إليه، كما اعتذر به المصنّف في حاشيته (1)، فإنّ ذلك مع مجازيّته لا يحسم مادة الإشكال.

(و) كذلك يمتد (وقت العشائين إلى نصف الليل) و إن اختصّت العشاء من آخر الوقت بمقدار أدائها، و التقريب ما تقدّم.

(و) يمتدّ (وقت) صلاة (الصبح إلى طلوعها) أي طلوع الشمس. و أعاد الضمير عليها و إن لم يكن سبق لها ذكر؛ لظهور الأمر و أمن اللبس، و مناسبته لقوله تعالى:

حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ (2) بعود ضمير تَوٰارَتْ إلى الشمس على أحد التفسيرين و إن لم يسبق لها ذكر في السورة.

و يمكن على بعد عود الضمير إلى الشمس المذكورة في أوّل الباب في قوله:

(فللظهر زوال الشمس) لكن الأوّل أقرب.

____________

(1) قال الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي في شرحه للألفيّة ورقة 79 «مخطوط» عن هذه الحاشية: الظاهر أنّ الحواشي ليست له، بل جمعها بعض تلاميذه و إن كان غالب معانيها له.

(2) ص: 32.

182

[المقدّمة الخامسة: المكان]

(المقدّمة الخامسة: المكان) الذي يصلّي فيه و هو الفراغ الذي يشغله المصلّي بالكون فيه، أو يستقرّ عليه بواسطة أو وسائط.

و بالجمع بين القيدين يمتاز عمّا اصطلح عليه المتكلّمون من معناه، و بالقيد الأخير يمتاز عن معناه المشهور بينهم، فالمكان الشرعيّ أعمّ منه (1).

و قد يطلق شرعا على ما يلاقي بدنه و ثوبه، كما يقتضيه قولهم: يشترط طهارة المكان، و الظاهر أنّ إطلاق المكان على هذا المعنى مجاز لا حقيقة؛ لئلّا يلزم منه بطلان صلاة ملاصق الحائط و الثوب المغصوبين و غيرهما و لو في حال من الأحوال بحيث لا يستلزم التصرّف فيه.

و ربّما أطلق بعض الأصحاب المكان على هذا المعنى أيضا، و أبطل الصلاة فيما ذكر (2)، و هو يناسب تعريف المكان على بعض مصطلحات الحكماء، كما فسّروه بأنّه السطح الباطن للجسم الحاوي المماسّ للسطح الظاهر من الجسم المحوي.

و على كلّ تقدير، فصلاة المصلّي تحت سقف مغصوب أو خيمة مغصوبة، مع إباحة مكانهما و عدم المماسّة لهما، صحيحة من حيث المكان.

____________

(1) منه: لم ترد في «ش» و «د».

(2) هو فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد: 1: 86.

183

أمّا من حيث استلزام ذلك التصرّف في مال الغير، فيبني على أنّ النهي مع خروجه عن جزء الصلاة و شرطها هل يفسد الصلاة أم لا؟ و له تحقيق في موضع آخر.

[المكان بأي معنى فسّر يعتبر فيه أمران]

(و) إذا تقرّر ذلك، فالمكان بأي معنى فسّر (يعتبر (1) فيه أمران):

[الأوّل: كونه غير مغصوب]

(الأوّل: كونه غير مغصوب) بأن يكون مملوكا، أو مأذونا فيه صريحا كالإذن في الكون أو الصلاة فيه، أو فحوى كإدخال الضيف منزله، أو بشاهد الحال كما إذا كان هناك قرينة تشهد بعدم كراهة المالك للصلاة فيه و إن لم يكن معروفا، كما في الصحاري الخالية من أمارات الضرر و نهي المالك، و الأماكن المأذون في غشيانها و لو على وجه مخصوص إذا اتّصف به المصلّي كالحمّامات (2) و الخانات و الأرحبة.

و لو علم الكراهة من صاحب الصحراء و نظائرها امتنعت الصلاة، و لو جهل بني على شاهد الحال. و لا يقدح في الجواز كون الصحراء لمولّى عليه؛ لإمكان شهادة الحال من الولي، إذ لا بدّ من وجود وليّ و لو أنّه الإمام (عليه السلام).

و إنّما يكون عدم الغصب في المكان شرطا، بحيث تبطل الصلاة في المغصوب، مع العلم بالغصب و إن جهل الحكم. و مع الاختيار فلو جهل الغصب صحّت صلاته؛ لاستحالة تكليف الغافل.

و كذا لو كان مضطرّا كالمحبوس فيه، و من يخاف على نفسه الضرر بخروجه منه، و في ناسي الغصب أوجه يأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى.

و لا فرق بين غصب العين أو المنفعة، كادّعاء الاستئجار كذبا، و إخراج روشن (3) أو ساباط (4) في موضع يمنع منه.

و الفرق بين غصب العين و المنفعة في صورة دعوى الاستئجار مع أنّه مستلزم للتصرّف في العين، أنّ غصب العين هو الاستيلاء عليها بحيث يرفع يد المالك عنها

____________

(1) في النسخ الخطّية الثلاث التي اعتمدناها في تصحيح الألفيّة: يشترط.

(2) في «د» و «ق»: كما في الحمامات.

(3) الروشن: الكوَّة. الصحاح 5: 2124، القاموس المحيط 4: 229، تاج العروس 18: 23 «رشن».

(4) الساباط: سقيفة بين حائطين تحتها طريق. الصحاح 3: 1129، القاموس المحيط 2: 376، تاج العروس 10: 274 «سبط».

184

عدوانا، بخلاف غصب المنفعة بدعوى الاستئجار و الوصية بها، فإنّه و إن كان يتصرّف في العين، لكنه لا يمنع المالك من الانتفاع بها على وجه لا ينافي دعواه كالبيع و الهبة.

و لا فرق في فساد الصلاة في المغصوب بين الغاصب و غيره، حتى الصحاري المغصوبة و إن كانت الصلاة فيه جائزة قبل الغصب عند أكثر الأصحاب (1)، خلافا للمرتضى (رحمه اللّه) حيث جوّز الصلاة في الصحاري لغير الغاصب؛ استصحابا لما كان عليه قبل الغصب (2).

و يلحق بالصلاة كلّ ما ناسبها من الأفعال التي من ضرورتها المكان و إن لم يشترط فيها الاستقرار كالطهارة، و أداء الزكاة، و قراءة القرآن المنذورة.

أمّا الصوم في المكان المغصوب فقطع العلّامة بجوازه فيه؛ لعدم كونه فعلا (3)، فلا مدخل للكون فيه.

و يمكن تأتّي الكلام فيه باعتبار النيّة، فإنّها فعل يتوقّف على المكان كالقراءة و إن افترقا بكون أحدهما فعل القلب و الآخر فعل اللسان، و على تفسيره بأنّه توطين النفس على ترك المفطرات، فجميعه فعل محض.

و قد ناقش المحقّق في المعتبر في إلحاق الطهارة بالصلاة، فارقا بينهما بأنّ الكون ليس جزء من الطهارة و لا شرطا فيها، بخلاف الصلاة (4). و اللازم من ذلك الحكم بصحة جميع ما ذكر غير الصلاة؛ لمساواتها الطهارة في عدم اعتبار الكون فيها.

و أجاب المصنّف بأنّ الأفعال المخصوصة من ضرورتها المكان، فالأمر بها أمر بالكون، و هو منهيّ عنه، فيفسد (5).

(و) كذا يعتبر في المكان (طهارته) لا مطلقا، بل على وجه مخصوص.

____________

(1) منهم المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 109، و العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 397- 399، المسألة 83، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 116.

(2) حكاه عنه الشهيد في الذكرى: 150.

(3) نهاية الإحكام 1: 342.

(4) المعتبر 2: 109.

(5) الذكرى: 150.

185

(و) ذلك أنّه (تجوز) الصلاة (في) المكان (النجس بحيث لا تتعدّى النجاسة إلى المصلّي أو محمولة) و هو ما يستقلّ به و ينقله. فيخرج الثوب الطويل الموضوع بعضه على الأرض بحيث لا يحصل فيه الوصف و في ذلك البعض نجاسة، فإنّ الصلاة فيه صحيحة و إن كان ذلك البعض يتحرّك بحركته؛ لعدم كونه محمولا.

و من هذا الباب ما لو كان في وسطه حبل و طرفه نجس، أو مشدود في نجاسة بحيث لا يكون محمولا.

و يستثني من ذلك تعدّي النجاسة إلى ما لا تتمّ الصلاة فيه منفردا، فلا تضرّ و إن كانت مغلّظة، و مثله النجاسة المعفوّ عنها كدون الدرهم من الدم و إن تعدّى إلى محمولة.

و يمكن كون اللام في (النجاسة) للعهد الذكري، أي النجاسة المعتبرة إزالتها في صحة الصلاة، و قد تقدّم الكلام فيها.

و يعتبر ذلك في جميع أجزاء المكان (إلّا في مسجد الجبهة) و هو القدر المعتبر في السجود منها (فيشرط) طهارته (مطلقا) سواء كانت النجاسة متعدّية أم لا.

و لا يشترط طهارة القدر الزائد من الجبهة على الواجب، و هو ما يحصل به مسمّى السجود عندنا، أو قدر الدرهم عند المصنّف (رحمه اللّه) (1).

و اعتبر بعض الأصحاب طهارة موضع الأعضاء السبعة (2)، و المرتضى (رحمه اللّه) طهارة جميع محلّ (3) المصلّي (4)، و الأصحّ المشهور.

و لقد كان ينبغي أن يجعل المصنّف طهارة المكان واجبا ثانيا غير مندرج في عدم الغصب، كما صنع في كثير من الأبواب الماضية، لكنه أخلّ بكثير من هذه المعتبرات رعاية للعدد الذي يريد حصره.

____________

(1) الذكرى: 150.

(2) كأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 140- 141.

(3) محل: لم ترد في «ع» و «ش».

(4) حكاه عنه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1: 90، و الشهيد في الذكرى: 150، و الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 143- 144.

186

[الثاني: كون المسجد أرضا، أو نباتها غير مأكول أو ملبوس عادة]

(الثاني: كون المسجد) بفتح الجيم: و هو موضع الجبهة. و اللام فيه للعهد الذكرى، لسبقه عن قريب.

(أرضا، أو نباتها) الموصوف بكونه (غير مأكول أو ملبوس عادة) و هو إجماع منّا، و الأخبار به متظافرة عن أهل البيت (عليهم السلام)، و قد قال الصادق (عليه السلام) حين سأله هشام عن علّة ذلك: «إنّ السجود خضوع للّه عزّ و جلّ، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل أو يلبس؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّ و جل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها (1).

و دخل في اسم الأرض جميع أجزائها و أصنافها من حجر، و مدر، و رمل، و خزف، و غيرها.

و المعتبر في المأكول و الملبوس نوعه و إن لم يؤكل بالفعل، كما لو افتقر في أكله و لبسه إلى عمل من طبخ و عزل و نسج و خياطة، و نحوها.

فلا يجوز السجود على الحنطة و إن لم تطحن؛ لأنّها مأكولة بالقوة.

و كذا لا يجوز على القطن و الكتان قبل غزلهما، إذ لو اعتبر في ذلك الفعل لزم جواز السجود على الثوب غير المخيط و إن فصل و خيط بعضه على وجه لا يصلح للّبس عادة.

و كذا القول في المأكول كالدقيق و العجين و الحبوب المفتقرة إلى الطبخ.

و خالف بعض الأصحاب في كثير من هذه الموارد، فجوّز العلّامة السجود على القطن و الكتان قبل غزلهما، و على الحنطة و الشعير قبل طحنهما (2).

و لا يعتبر في العادة عمومها في جميع البلاد، فإنّ اتفاق ذلك نادر، بل متى غلب في قطر عمّ التحريم، مع احتمال اختصاص كلّ قطر بما تقتضيه عادته (3).

____________

(1) الفقيه 1: 177/ 840، علل الشرائع 1: 341/ 1.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 436- 437، المسألة 102، نهاية الإحكام 1: 362.

(3) في «ع»: يقتضيه عادة.

187

و لو كان لشيء حالتان، يؤكل في إحداهما دون الأخرى، كقشر اللوز، لم يجز السجود عليه حالة صلاحيته للأكل، و جاز في الأخرى؛ إذ ربّما صار في تلك الحالة من جملة الخشب التي لا يعقل كونها من نوع المأكول.

188

[المقدّمة السادسة: القبلة]

(المقدّمة السادسة: القبلة) (و يعتبر فيها أمران):

[الأوّل: توجّه المصلّي إليها إن علمها)]

(الأوّل: توجّه المصلّي إليها إن علمها) بالمشاهدة أو بمحراب معصوم.

(و إلّا) هذه هنا هي المركبة من (إن) الشرطية و (لا) النافية، أي و إن لم يعلمها (عوّل على أماراتها) الموضوعة لمعرفة جهتها المذكورة في كتب الفقه و غيرها.

و في هذه العبارة إجمال، و خلاصة المسألة: أنّ المصلّي متى أمكنه العلم بعين الكعبة، كأهل مكة و من بها، تعيّن عليه مسامتة عينها و إن توقّف ذلك على الصعود إلى سطح و نحوه، بل إلى بعض أبي قبيس لمن كان بالأبطح.

و إن لم يقدر على مسامتة عينها، فإن قدر على التعويل على محراب صلّى فيه معصوم، كمسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مسجد الكوفة و البصرة تعيّن اتباعه، و لم يجز له الاجتهاد فيه على وجه يخالفه مطلقا.

و إن لم يقدر عليه ففرضه استقبال جهة الكعبة لا عينها؛ لتعذّرها مع البعد.

و قد اختلف كلام الأصحاب في تعريف جهة القبلة، فعرّفها المصنّف في الذكرى بأنّها السمت الذي يظنّ كون الكعبة فيه، لا مطلق الجهة (1).

و ليس المراد بالسمت هنا خط يخرج من وجه المصلّى إلى الكعبة، أو نقطة من دائرة

____________

(1) الذكرى: 162.

189

الأفق إذا واجهها الإنسان كان مواجها للكعبة، كما هو تعريفه الاصطلاحي؛ لأنّ ذلك أمر ضيّق يتوقّف على مقدّمات دقيقة لا يكلّف بها كلّ أحد، و النصوص دالّة على ما هو أوسع من ذلك.

بل الظاهر من سياق كلامه أنّه يريد به جهة مخصوصة بحيث يظن كون الكعبة فيها، لا السمت بمعنييه.

و معنى كون الكعبة في تلك الجهة اشتمال الجهة عليها و إن كانت أوسع منها بكثير، و ضابطه أن لا يقطع بخروج الكعبة عنها.

و إنّما اعتبرنا ذلك؛ لأنّ السمت بالمعني اللغوي أو الاصطلاحي إذا وجب اعتباره و الصلاة إلى ما يظن كون الكعبة فيه، لم يجز التحوّل عنه و لا بمقدار ذبابة؛ لأنّ ذلك في البعد يؤدي إلى الخروج عن الخط الأوّل عند وصوله إلى قرب مكة بفراسخ. فإن كان الأوّل موجبا لظنّ كون الكعبة فيه- كما هو المفروض- لم يكن الآخر مطابقا للظنّ، و يؤيّد ذلك أنّ الجهة- التي هي فرض البعيد- أوسع مجالا من العين بكثير، و العلامات المنصوبة لها نصّا و استنباطا تقتضي سعته أيضا.

و لو عوّل على ظاهر التعريف نافى جميع ذلك.

و قد عرّفها الشارح المحقّق بأنّها ما تسامت الكعبة عن جانبيها، بحيث لو خرج خطّ مستقيم من موقف المستقبل تلقاء وجهه وقع على خطّ جهة الكعبة بالاستقامة، بحيث يحدث عن جنبيه زاويتان قائمتان. فلو وقع الخط الخارج من موقف المصليّ لا بالاستقامة، بحيث تكون إحدى الزاويتين حادّة و الأخرى منفرجة، لم يكن مستقبلا لجهة الكعبة. (1)

و قد سبقه إلى نحو هذا التعريف صاحب التنقيح (2).

و فيه: أنّ الخطّ الخارج عن جانبي الكعبة لم يبيّن قدره إلى أين ينتهي، فإن كان امتداده إلى منتهى الجهتين- كما صرّح به بعضهم- فظاهر فساده؛ لا ستلزامه كون

____________

(1) شرح الألفيّة (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 3: 241- 242.

(2) التنقيح الرائع 1: 178.

190

أهل الدنيا صلاتهم إلى جهتين خاصة متقابلتين.

و إن أراد امتداده قدرا مخصوصا بحسب الإقليم الذي لا تتفاوت فيه القبلة، لم يتمّ من جهة أخرى، و هو أنّ موقف المصلّى لو كان على نقطة واحدة بحيث لا يتجاوزها، كانت الجهة أضيق من العين. و الأمر بالعكس قطعا، فإنّ الالتفات اليسير لا يقطع الصلاة، مع أنّ اليسير منه إذا خرج منه خطّ و اتصل بالخطّ الأوّل كان أحد الخطّين مائلا.

و لأنّ العلامات المنصوبة من قبل الشارع و المنصوصة للدلالة على الجهة كالجدي، لا يتعيّن جعلها على نقطة معيّنة من المنكب. بحيث لا يجوز غيرها، بل يجوز جعله خلف المنكب و الصلاة، ثم جعله كذلك مع انحراف يسير بحيث لا يخرج عن كونه علامة.

و حينئذ فيختلف الخطّان، فليفرض خروجهما من موقف واحد، فإذا اتّصلا بالخطّ المفروض عن جانبي الكعبة، حدث من ذلك مثلث قاعدته الخطّ المنتهى إليه.

و حينئذ فنقول: الزاويتان الداخلتان الحادثتان من وقوع الخطّين على الثالث إما حادّتان، أو إحداهما حادّة و الأخرى قائمة. و لا يجوز أن تكونا قائمتين؛ لما برهن عليه في محلّه من أنّ مجموع زوايا المثلث الثلاث مساوية لقائمتين، فيلزم منه بطلان الصلاة إلى إحدى النقطتين أو النظرين؛ لعدم المسامتة.

و قريب منه الاعتبار باستقبال نجم كسهيل مثلا، فإنّ مطلعة مختلف في الشام غالبا و إن قدّر في أرض معتدلة و ما بين العينين مع ضيقه يقبل التعدد، و من المعلوم أنّ أدنى انحراف يوجب زيادته مع البعد.

و أشد ما يقال في تعريف الجهة: أنّها القدر الذي يجوز على كلّ جزء منه أن يسامت الكعبة، بحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموع القدر، لأمارة يجوز التعويل عليها شرعا.

و حينئذ فيسلم من جميع ما ورد، و يلزم منه كون الجهة أوسع من العين، كما لا يخفى.

191

و احترزنا بالقيد الأخير عن المتحيّر في الجهة؛ لعدم علمه بالعلامات، أو لفقدها كحالة الغيم، فإنّه يجوز على كلّ جزء من جميع الجهات كون الكعبة مسامتة له، فلو لا القيد لزم الاكتفاء بصلاته إلى أي جزء شاء من الجهات الأربع.

و كذا المتحيّر في جهتين أو ثلاث مع علمه بانتفائها عمّا زاد على ذلك، فإنّه يجوز على ما تحيّر فيه كون الكعبة فيه. و الواجب عليه الصلاة إلى أربع جهات أو ثلاث أو أقل على حسب تحيّره، فلو لا القيد الأخير لانتقض التعريف في طرده، فتدبّر هذه الجملة، فإنّها من المهمّات.

و بقي في عبارة المصنّف أمور:

أحدها: أنّ الظاهر من سياق الكلام و مدلول المقام، أنّ الضمير المجرور في قوله:

(فيها) يعود إلى القبلة، و كذا الضمير في قوله: (توجّه المصلّي إليها إن علمها).

و في كون الأمرين معتبرين في نفس القبلة تجوّز، و إنّما اعتبارهما حقيقة في الصلاة، أما القبلة- التي هي عين الكعبة أو جهتها- فلا اعتبار فيها لشيء منهما.

و هذا بخلاف ما تقدّم من الأمور المعتبرة في باقي الشرائط من المكان و الساتر و غيرهما، فإنّها معتبرة في نفس الشرائط، ككونه طاهرا مباحا، إلى غير ذلك. و ليس في نفس القبلة اعتبار شيء من هذين، إلّا أنّ باب التجوّز واسع.

و أجود وجوهه هنا أن يريد بالقبلة الاستقبال، فإنّ الشرط حقيقة في الصلاة ليس هو القبلة؛ لأنّها ليست من الأفعال الشرعيّة، و إنّما هو الاستقبال للقبلة لتلحق بموارد التكليف.

و حينئذ فاعتبار الأمرين فيه متوجّه.

أما الأوّل، فظاهر.

و أما الثاني، و هو التوجّه إلى الأربع مع جهلها؛ فلأنّه قائم مقامه، و كأنّ الصلاة المتكرّرة إلى الجهات موجبة للتوجّه إليها في إحداها، أو إلى ما يقوم مقامها، و هو الانحراف اليسير الذي لا يبلغ حدّ اليمين و اليسار، و سيأتي له زيادة تحقيق إن شاء اللّه تعالى.

192

و ثانيها: أنّ المفهوم من قوله: (توجّه المصلّي إليها إن علمها) كون المراد بها عين الكعبة، فإنّ ذلك هو الواجب عنده مع الإمكان. و إنّما تعتبر الجهة عند تعذّر العلم بالعين، و حينئذ فقوله: (و إلّا عوّل على أماراتها) يدلّ على كون الأمارات المذكورة دالّة على العين.

و ليس كذلك، و إنّما هي أمارات الجهة. و لو سلم أنّها أمارات العين بوجه، فليس في العبارة إشعار بالفرق بين القريب و البعيد بالنسبة إلى العين و الجهة. و اللازم على مذهبه التفصيل، كما مرّ.

و وجه العذر عنه أنّه لا حظ إيجاز العبارة- كما هي عادته في الرسالة- و أتى بعبارة تؤدّي الواجب بالنسبة إلى المصلّي و إن لم يحصل منها تفصيل المسألة؛ و ذلك لأنّ قسم العلم يتناول من في مكة و من قاربها ممّن لا يتعذّر عليه العلم بها لحبس أو مرض و نحوهما. و ترك التصريح بكون القبلة هي الكعبة؛ لظهور أمرها و أمن اللبس و حكم في صورة الجهل بها بالتعويل على الأمارات و هي مقيّدة للعلم بالقبلة، أي الشيء الذي يجب استقباله أعمّ من العين و الجهة، و الأمارات المذكورة محصّلة لها.

و لو ضويقنا في إرادة الكعبة فالأمارات المذكورة تؤدّي إلى الظن بكون الكعبة في سمته عند تحريرها على وجهها، و ليس المراد من الأمارات إلّا إفادة الظّن، فإنّ الأمارة هي الدليل الظنّي. و قد صرّح المصنّف في تعريفه للجهة- الذي حكيناه عنه- بكونها السمت الذي يظنّ كون الكعبة فيه (1)، فاعتبر حصول الظنّ للمصلّي بذلك، و هو مطابق للتعويل على الأمارة.

و التحقيق: أنّ الأمارات المذكورة و غيرها إذا حرزها العارف عرف بها جهة القبلة يقينا لا ظنّا، و قد يستفيد منها سمت العين ظنّا، كما يعرفه من يطّلع على مباحث القبلة في العلم المعدّلها، فإنّ ذلك ليس من وظائف الفقيه.

و ثالثها: أنّه جعل الواجب الثاني- و هو قوله: (توجّهه إلى أربع جهات إن جهلها)-

____________

(1) الذكرى: 162، و قد تقدّم في الصفحة: 188.

193

قسيما للأوّل و هو قوله: (توجّه إليها إن علما)، كما هو الظاهر من سياق الكلام و مرجع الضمائر، مع أنّه في الأوّل جعل العلم بها قسيما في قوله: (و إلّا عوّل على أماراتها) فإنّ المراد- كما مرّ-: و إن لم يعلمها عوّل إلى آخره، فلا يحسن نظم العبارة حينئذ.

و من ثمّ جعل الشارح المحقّق ضمير (جهلها) في الثاني عائدا إلى الأمارات لا قسيما للأوّل (1)، و الأجود عوده إلى القبلة كالأوّل، فيكون قسيما له، و سيأتي تحقيق ذلك و بيان المخرج من الفساد على وجه تنتظم معه العبارة.

و رابعها: أنّه يستفاد من قوله في القبلة: (و يعتبر فيها أمران)- و من جملة الأمر الأوّل التعويل على أماراتها- أنّ العلم بذلك واجب عينا على كلّ مكلّف، كما هو مبحث جميع مسائل الرسالة، و الأمر فيه كذلك، و قد صرّح المصنّف به في غيرها من كتبه (2).

و حينئذ فيجب معرفة أمارات القبلة للبعيد؛ لتوقّف صحة الواجب عينا- و هو الصلاة- عليه، فتبطل الصلاة مع الإخلال به و إن صلّى إليها من غير طريق شرعي، كما نبّه عليه في الأعمى إذا رجع إلى رأيه، بل يزيد الجاهل على الأعمى ببطلان صلاته و إن قلّد العدل العارف مع إمكان النظر في الأمارات و سعة الوقت، اللهم إلّا أن يعوّل على محراب مسجد أو قبور جماعة من المسلمين، فيكون ذلك كالنظر في الأمارات.

و كذا يجوز التعويل على ذلك للعالم بأدلّة القبلة مع عدم علمه بغلطه، و يجوز له الاجتهاد في التيامن و التياسر عنه، لا في محض الجهة الذي يقطع بعدم غفلة الناس عن الخطأ في مثله، بخلاف اليسير؛ لا مكانه، بل وقوعه بالفعل في كثير من البلاد مع مرور الأعصار و صلاة الخلق الكثير، و قد وقع ذلك في مسجد دمشق، و كثير من مساجد بلادنا، و بلاد خراسان.

و السّر في ذلك أنّ الخلق الكثير ربّما تركوا الاجتهاد في المحراب مع قدرتهم أو بعضهم عليه؛ لعدم وجوبه حينئذ عينا، و جواز تقليد المحراب، فيستمر لذلك الغلط

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 244.

(2) البيان: 115، الذكرى: 165، الدروس 1: 159.

194

الواقع من الواضع.

هذا كلّه في غير محراب صلّى فيه معصوم، فإنّ الاجتهاد فيه المفضي إلى مطلق المخالفة غير جائز. و في غير المحراب المجهول، كالذي لا يعلم واضعه، أو يكون في طريق يقلّ مرور المسلمين عليه، و مثله القبر و القبران للمسلمين، فإنّ الاعتماد على ذلك كلّه غير جائز.

و المراد بالأمارات التي يعوّل عليها عند تعذر العلم (كجعل الجدي خلف المنكب الأيمن) في حال استقامته، و هو كونه في غاية ارتفاعه أو انخفاضه.

و إنّما اشترطنا ذلك ليكون حينئذ على دائرة نصف النهار، فإنّ كلّ كوكب يكون في غاية ارتفاعه عليها و هي مارة بالقطبين الشمالي و الجنوبي و نقطة الشمال و الجنوب.

و حيث كان الأمر كذلك فالمعتبر وضع جزء شماليّ من دائرة نصف النهار خلف المنكب، سواء في ذلك الجدي و غيره، كجعل الفرقدين حال ارتفاعهما و انخفاضهما كذلك، و جعل القطب الشمالي- و هو نجم صغير بين الجدي و الفرقدين، لا يكاد يدركه إلّا قويّ البصر- كذلك؛ لاشتراك الجميع في المعنى.

و إنّما خصّ الجدي لوضوحه؛ و لأنّه مورد النّص.

(و) بجعل (المغرب و المشرق) الاعتداليين (على اليمين و اليسار) على طريق اللف و النشر المرتّب (للعراقي) و من ناسبه من ورائه أو قدّامه، و في حكم هذه الأمارة جعل الشمس عند الزوال على الحاجب الأيمن ممّا يلي الأنف.

و المراد بالمغرب و المشرق الاعتدالين نقطتاهما المتقاطعتان مع نقطتي الجنوب و الشمال على خطّين مستقيمين، بحيث يحدث عنهما أربع زوايا قوائم، و هذا هو المعروف من الجهات الأربع. و ما بين هذه الأربع لا يعدّ منها إلّا على وجه المجاز، و المصنّف لم يقيّد المشرقين في الرسالة بذلك لكن قيّدهما به في غيرها (1)، و هو أضبط، فإنّ إرادة غيرهما مما هو أعمّ يوجب اختلافا كثيرا في الجهة الواحدة، و هو غير جائز.

____________

(1) الذكرى: 163. البيان: 114.

195

و اعلم أنّ هذه العلامات الثلاث موجودة في كتب الأصحاب للعراقي بقول مطلق، و الموجود منها في النصوص هو الأوّل خاصة، و الباقي استخرجوه بالمقايسة عليها، و كذا باقي العلامات لأهل الجهات غير منصوص، و إنّما أخذوه من مقاييس الهيئة و نحوها من العلوم المفيدة لذلك، كما اعترف به المصنّف (1) و غيره. و أنت إذا تأمّلت هذه العلامات الثلاث وجدتها مختلفة اختلافا بيّنا على وجه يوجب العمل بإحداهما مخالفة الأخرى.

و توضيح ذلك أنّ العلامة الأولى إذا اعتبرها المصلّي، و جعل الجدي حال استقامته خلف المنكب الأيمن، و هو مجمع عظم العضد و الكتف، يكون منحرفا عن نقطة الجنوب نحو المغرب انحرافا بيّنا؛ لما مرّ من أنّ الكوكب في غاية ارتفاعه يكون على دائرة نصف النهار المارة بنقطتي الجنوب و الشمال، فيكون حينئذ جعل الجدي بين الكتفين موجبا لاستقبال نقطة الجنوب، و كون المغرب و المشرق على اليمين و اليسار. فإذا جعل الجدي خلف المنكب الأيمن، كان الوجه منحرفا عن نقطة الجنوب نحو المغرب.

و الثانية إن اعتبر فيها اعتدال الجهتين، اقتضت كون المصلّي عند جعلهما على اليمين و اليسار مستقبلا لنقطة الجنوب؛ لما مرّ من تقاطع الجهات الأربع على زوايا قوائم، فيختلف مدلولا العلامتين.

و إن اعتبرنا في المشرق و المغرب جزء مخصوصا منهما بحيث يناسب العلامة الأولى، لم يكن للثانية فائدة، بل ذلك غير مراد، فإنّ الأصحاب بين مطلق للجهتين- و ظاهر أنّه أعمّ من الجزء المفروض- و بين مقيّد لهما بالاعتدالين، فتلزم المخالفة.

و إن اعتبرتا عامّتين، و أريد بهما ما هو أوسع من الاعتدالين، كما هو المفهوم منهما عرفا، كانتا موافقتين للأولى تارة و مخالفتين لها أخرى. بل ربما أمكن مخالفتهما لها أضعاف ما تقتضيه حالة الاعتدال، بأن يجعل آخر جزء من المغرب إلى جهة الجنوب على يمينه، و آخر جزء من المشرق إلى جهة الشمال على يساره. و هذا غير مراد قطعا،

____________

(1) الذكرى: 162.

196

و لا صحيح في نفسه؛ لأنّه أبلغ في التشريق من قبلة الشام و مصر و غيرهما من البلاد الغربية، و هو غير جائز.

و أما الثالثة فهي مناسبة للثانية إذا اعتبر في الجهتين الاعتدال؛ لما أسلفناه من تقاطع الجهات الأربع، و أنّ دائرة نصف النهار التي يكون عليها الكوكب في غاية ارتفاعه مارة بنقطتي الجنوب و الشمال.

فإذا جعل الواقف المغرب و المشرق عن يمينه و يساره، استلزم كون نقطة الجنوب بين عينيه، فتكون دائرة نصف النهار مارة بين عينيه، فإذا وصلت الشمس إليها- و ذلك عند غاية ارتفاعها- تكون بين عينيه في بلد يزيد عرضها عن ميل الشمس كالعراق، فإن مالت نحو المغرب- و هو المراد بالزوال- صارت على طرف الحاجب الأيمن ممّا يلي الأنف.

و كما قد علم بذلك تساوي العلامتين علم أيضا أنّ قول الأصحاب: علامة الزوال جعل الشمس على الحاجب الأيمن لمستقبل قبلة العراق، لا يحتاج إلى التقييد بمن كان في مكة إذا استقبل الركن العراقي، بل عدم التقييد أجود؛ و ذلك لأنّ غاية قبلة العراقيّ من جهة اليسار أن يكون على خطّ الجنوب، و باعتبارها يعلم أوّل وقت الزوال، خصوصا مع إخراج خطّ نصف النهار على وجه الأرض لتتحقّق نقطة الجنوب.

و إن اعتبرت قبلته بغير هذه العلامة كالعلامة الأولى، كان وصول الشمس إلى الحاجب أبلغ في تحقّق الزوال بكثير، بل هو قريب من استقبال الركن العراقيّ، فكان الإطلاق أولى من التقييد.

فإنّ مستقبل الركن العراقيّ يكون منحرفا عن الجنوب انحرافا كثيرا، و وصول الشمس إلى سمته حينئذ يكون بعد الزوال بزمان طويل؛ و ذلك لأنّ زوايا الكعبة ليست مسامتة للجهات الأربع، بل للأهوية الأربعة، فالركن العراقي يسامت الصّبا و هو بين المشرق و الشمال، فاستقباله يوجب استدبار الصّبا، و هو يقتضي تغريبا بيّنا أزيد ممّا يقتضيه جعل الجدي على المنكب الأيمن، الذي هو أبعد علامات قبلة العراقي عن الجنوب.

197

فظهر أنّ إطلاق القبلة أولى من تقييدها بالركن العراقيّ، كما فعله العلّامة في المنتهى (1) و النهاية (2)، و تبعه عليه الشارح المحقّق (رحمه اللّه) (3).

إذا تقرّر ذلك فنقول: قد ظهر لك اختلاف هذه العلامات الموجب لاختلاف جهة الكعبة بالنسبة إلى العراقي، و طريق الجمع بينها يحصل بأحد أمرين:

أحدهما:- و هو الموافق للأصول المقرّرة في استخراج سمت القبلة المترتّبة على اختلاف البلدان في العروض و الأطوال المبيّنة في الهيئة و غيرها- حمل العلامة الأولى على أوساط بلاد العراق، كالكوفة و بغداد و المشهدين و الحلّة، فإنّ سمت قبلتها يميل عن نقطة الجنوب نحو المغرب ميلا بيّنا؛ لزيادتها على مكّة المشرّفة طولا و عرضا، و هو موجب لذلك و موافق أيضا لمحراب مسجد الكوفة الذي قد صلّى فيه الأئمّة (عليهم السلام).

و حمل الثانية على أطراف العراق الغربية كالموصل و الجزيرة، فإنّها تقارب مكة في الطول مع كونها أعرض منها. و ذلك يقتضي كون قبلتها نقطة الجنوب، كما هو معلوم في محلّه و أحد الأقسام الثمانية لنسبة البلد المطلوب سمتها إلى مكّة.

و مثلها العلامة الثالثة التي ليست في الرسالة، و إنّما تركها المصنّف للاستغناء عنها بالثانية، و يبقى على هذا الوجه قبلة أطراف العراق الشرقيّة كالبصرة يقتضي زيادة انحراف نحو المغرب عن قبلة الوسط، و قريب منها بلاد خراسان و إن كان التحقيق احتياجهم إلى زيادة تغريب، لكنه لا يبلغ نقطة المغرب، بل تقرب من نصف ما بينها و بين نقطة الجنوب.

و الوجه الثاني من وجهي الجمع أن يسوغ الاعتماد على كلّ واحد من هذه العلامات في سائر بلاد العراق، و يغتفر هذا التفاوت في اعتبار الجهة، فإنّ مسامتة البعيد لا يؤثّر فيها هذا الاختلاف.

____________

(1) منتهى المطلب 1: 219.

(2) نهاية الإحكام 1: 394.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 242.

198

و يؤيده ما رواه محمّد بن مسلم- و هو كوفيّ- عن أحدهما (عليهما السلام) حين سأله عن القبلة، فقال: «ضع الجدي في قفاك و صلّ» (1)، فإنّ إطلاقه يقتضي التخيير في وضعه في القفا كيف اتفق و من جملته بل من أعدله جعله بين الكتفين، و هو حينئذ موافق للعلامة الثانية مع أنّ الكوفة من أوسط العراق، و هذا الوجه ليس ببعيد و إن كان الأوّل أقوى.

(و عكسه) أي عكس العراقي، أو عكس ما ذكر من العلامات (لمقابله) كالعدنيّ و شبهه من مقاريب بلاد اليمن، فإنّ قبلتها نقطة الشمال؛ لمناسبتها لمكّة في الطول و نقصانها عنها في العرض. و هذا بجعل الجدي معتدلا بين العينين، و هو مقابل العراقي على بعض الوجوه المتقدّمة، و ربّما قابل العراقي بالنسبة إلى العلامة الأولى بعض أهل الحبشة و النوبة.

(و كطلوع سهيل) و هو أوّل بروزه من الأفق (بين العينين، و الجدي) معتدلا (على الكتف اليسرى، و غيبوبة بنات نعش) الكبرى، و هي سبعة كواكب، أربعة منها نعش و ثلاث بنات، (خلف الاذن اليمنى).

و المراد جعل كلّ واحدة حال غيابها، و هو انحطاطها و دنوّها إلى جانب المغرب، خلف الاذن (للشاميّ) و هو من بدمشق و من والاها. و قد علم من هذه العلامات كون قبلة الشاميّ تميل عن نقطة الجنوب نحو المشرق يسيرا، و ذلك ظاهر بعد العلم بما أسلفناه، فإنّ استدبار الجدي و بنات نعش عند غاية ارتفاعها يوجب استقبال نقطة الجنوب، فجعل الجدي خلف الكتف اليسرى و بنات نعش حال غيبوبتها و تغريبها خلف الأذن اليمني يوجب التشريق.

و كذا القول في سهيل، فإنّه يطلع من أطراف المشرق، و يكون عند غاية ارتفاعه على دائرة نصف النهار مسامتا لنقطة الجنوب، فاستقباله عند طلوعه يقتضي التشريق.

و بالتحرير المستفاد من هذه العلامات و غيرها، ينحرف الشاميّ عن الجنوب نحو

____________

(1) التهذيب 2: 45/ 143.

199

المشرق قدر ثلث ما بين نقطتي الجنوب و المشرق، بحيث يكون ثلث القدر على يمينه و ثلثاه على يساره تقريبا.

و المقرّر في محلّه أنّ قبلة دمشق منحرفة عن نقطة الجنوب نحو المشرق واحدا و ثلاثين جزء من تسعين جزء، و كلّما غربت البلاد الشاميّة كان التشريق أكثر.

و بهذا يظهر فساد كثير من المحاريب الموضوعة لمساجد بلادنا؛ لأنّها موضوعة على نقطة الجنوب تقريبا، و هي قبلة العراق لا الشام، كما قد أوضحناه.

و قد علم من ذلك أنّ المراد بطلوع سهيل أوّل بروزه عن الأفق، كما فسّرناه به؛ لأنّ ذلك هو المفهوم من الطلوع، و ليطابق باقي العلامات. و توهم أنّ المراد به غاية ارتفاعه غلط فاحش؛ لأنّ استقباله حينئذ يكون علامة للعراقيّ لا الشاميّ، كما مرّ، مع أنّ ذلك لا يسمّى طلوعا عرفا و لا اصطلاحا.

و كذلك علم أنّ المراد بغيبوبة بنات نعش هو ميلها نحو المغرب بحيث تكون في قرب نصف مسافة التغريب، و هو ربع قوسها، لا نهاية انحطاطها، فإنّها حينئذ تكون على دائرة نصف النهار، كما تقدّم في الجدي حال انخفاضه. و حينئذ لا يكون خلف أذن الشامي اليمنى بل خلف ظهر العراقيّ، كما لا يخفى على من أحاط علما بما حرّرناه.

و هذا أمر يشهد به الوجدان فضلا عن التقرير، فتدبّر.

و اعلم أنّه يستفاد من قوله: إنّ العراقيّ يجعل الجدي خلف المنكب الأيمن، و الشاميّ خلف الكتف الأيسر: أنّ انحراف العراقيّ نحو المغرب يزيد يسيرا عن انحراف الشاميّ نحو المشرق؛ لأنّ الكتف أقرب إلى نقطة الشمال من المنكب، كما لا يخفى. و هو موافق للقواعد المثبتة لإخراج سمت القبلة، لكن هذا إنّما يتمّ في أواسط العراق- كما مرّ- لا في مطلق العراق، فإنّ انحراف الشاميّ أكثر من بعضه.

و ممّا حرّرناه من الكلام على العراق و الشام يعلم أنّ تعليق الحكم عليهما ليس على ما صدق عليه الاسمان، بحيث يحكم بالعلامات المذكورة للعراق لأطرافها الغربيّة مثلا، و بعلامات الشام إلى طرفها الشرقيّ المجاور للعراق، بل يحتاج في ذلك إلى فضل

200

اجتهاد و نظر في تلك الحدود.

فإنّ هذه ليست قواعد شرعيّة لا يجوز تجاوزها، و إنّما هي علامات مطلقة مستنبطة بالاعتبار، فلا يستغنى عنه، كما هو بيّن عند من تدبّر الحال.

و كذا القول في غيرهما من الجهات، و ما ذكره الفقهاء في ذلك قليل من كثير، مع إغفالهم لأكثر البلاد الإسلاميّة. و ذلك ليس بلازم لهم؛ لأنّه من وظيفة علم آخر، و من هنا ترى ما ذكروه مجملا يحتاج إلى البيان، أو مطلقا يحتاج إلى التقييد.

(و عكسه) أي عكس ما ذكر من علامات الشاميّ (لليمنيّ) فيجعل طلوع سهيل بين الكتفين، و الجدي معتدلا على طرف الحاجب الأيمن مما يلي الإذن. هذا هو الذي يقتضيه تحقيق المقابلة بينه و بين الشامي.

و هذا إنّما يتمّ في أطراف اليمن الشرقية كصنعاء و ما والاها، و أما مغاربها فهي مقابلة للعراقي، كما مرّ.

و قد ذكر المصنّف (1) و غيره من الأصحاب أنّ من علامات اليمنيّ جعل الجدي عند طلوعه بين العينين، و سهيل عند غاية ارتفاعه بين الكتفين (2)، و هو يقتضي مقابلته للعراقيّ لا للشاميّ، كما لا يخفى.

بل يوجد في كلامهم كون علامته جعل سهيل عند مغيبه بين الكتفين، و هو يقتضي انحرافا بيّنا عن نقطة الشمال نحو المشرق، فيقابل حينئذ أوساط العراق فما زاد فضلا عن مغاريبها، فيجتمع ممّا ذكروه أنّ سمته تارة يكون نقطة الشمال كما إذا جعل الجدي طالعا بين العينين، و تارة يميل عنها مشرقا، و اخرى مغربا.

و الكلام فيه كالكلام في علامة العراقيّ، و هو يزيدك بصيرة في احتياج كلامهم إلى التحرير.

(و جعل الثريا و العيوق) و هو نجم مضيء في طرف المجرّة يتلو الثريّا و يبعد عنها إلى

____________

(1) الذكرى: 163، البيان: 115.

(2) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 3: 12 المسألة 140 و نهاية الإحكام 1: 395، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 59.

201

جهة الشمال كبعدها عن نقطة المشرق، عند طلوعها (على اليمين و اليسار) على طريق اللف و النشر المرتّب، أي بجعل الثريا على اليمين و العيوق على اليسار (للمغربيّ) فقبلته ما بينهما.

و من إطلاق كون جهة المغربيّ هي ما بينهما يستفاد أنّ الجهة لا يؤثّر فيها التفاوت اليسير، مضافا إلى ما قد تكرّر في كلّ جهة، و هو يزيد ما فسّرت به من الخطّ المقاطع للخطّ المفروض على يمين الكعبة و يسارها على زوايا قوائم، فسادا.

و لو حمل ذلك على إرادة التنصيف بينهما، أشكل أيضا بأنّ بلاد المغرب متّسعة جدا لا تتمّ لجميع أقطارها هذه العلامة.

و اعلم أنّ المراد بالمغرب هنا ليس هو البلاد المشهورة في زماننا ببلاد المغرب كقرطبة و زويلة و تونس و قيروان و طرابلس الغرب، فإنّ هذه البلاد قبلتها تقرب من نقطة المشرق، بل بعضها يميل عنها نحو الجنوب، فهي بعيدة عمّا ذكروه.

و إنّما المراد بها بلاد الحبشة و النوبة و ما والاها، مع احتياجها أيضا في أقطارها إلى اجتهاد في التيامن و التياسر، كغيرها من البلاد المتّسعة.

و من أحاط علما بأصول الطريقة المفيدة لهذه المسألة، يتّضح لديه ما قيّدنا به ما أطلقوه و فصّلنا به ما أجملوه.

(و عكسه) أي عكس ما ذكر من علامات المغربيّ (للمشرقيّ) و هو الخراساني و من والاه، فإنّ المغربي يستقبل منتصف ما بين نقطتي المشرق و الشمال، و جهة الخراساني تقرب من منتصف ما بين نقطتي الجنوب و المغرب، و هما متقابلان.

بقي هنا بحث، و هو أنّ المصنّف (رحمه اللّه) جعل اليمنيّ مقابلا للشاميّ، و لم يجعل المغربي مقابلا للعراقي، حتى لزم من الرسالة ذكر ستّ جهات. و المتداول في كتب الأصحاب ذكر الأربعة لا غير (1)، و هو المناسب لأركان الكعبة المنسوبة إلى الجهات، فإنّ الركن العراقيّ- و هو الذي فيه الحجر- يقابل الركن المغربيّ. كما أنّ الركن

____________

(1) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 3: 12 المسألة 140 و نهاية الإحكام 1: 394، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 53.

202

الشاميّ يقابل الركن اليمنيّ، و هو أيضا يناسب ما نقلناه عنهم من علامات اليمنيّ فإنّها تقابل علامات العراقيّ.

و ما ذكره المصنّف هنا من عدم مقابلة العراقيّ للمغربيّ هو التحقيق، فإنّ العلامة الموضوعة للمغربيّ تقتضي كون المغرب المبحوث عنه مستقبلا لنفس الركن الغربي؛ لأنّ أركان الكعبة موضوعة على الأهوية الأربعة لا على الجهات، فيكون الركن العراقي من جهة الصبا كما أنّ الغربي على الدّبور.

و حينئذ فتكون جهة المغربيّ المذكور مقابلة للركن العراقيّ، و أهل العراق توجّههم ليس إلى نفس ركنهم بل إلى باب الكعبة، فلذلك كان انحرافهم عن أهل المغرب يسيرا، و لمّا كانت خراسان أشد تشريقا من العراق قربت قبلتهم إلى الركن العراقي فقابلت المغرب، فتدبّر ما ذكرناه لك في هذا الباب فإنّه لا تجده مفادا في كتاب.

(و إن فقد) المصلّى (الأمارات) الدالة على جهة القبلة المذكورة و غيرها؛ إما لعدم علمه بها أصلا كالأعمى و العامّي مع عدم إمكان التعلّم و ضيق وقت الصلاة، أو لمانع من الاطّلاع عليها و إن كانت معلومة له لو وجدها كغيم و حبس (قلّد) العدل العارف بها بيقين أو اجتهاد، سواء كان رجلا أم امرأة، حرا أم عبدا، فإنّه من باب الخبر لا الشهادة، و إلّا اعتبر التعدد.

و لو تعذّر العدل، ففي الرجوع إلى المستور، بل إلى الفاسق مع ظنّ صدقه، بل و إلى الكافر مع تعذّر المسلم، و جهان، أقربهما عند المصنّف في الذكرى ذلك في الأخيرين مع قطعه بالرجوع إلى الأوّل (1).

و يشكل بأنّ اشتراط العدالة يوجب عدم الرجوع إلى المجهول؛ لاستلزام الجهل بالشرط، و بالأمر بالتثبّت عند إخبار الفاسق، و بالنهي عن الركون إلى الكافر، و اختصاصه بحالة الاختيار لا دليل عليه، و حينئذ فتجب الصلاة إلى أربع جهات.

و ما اختاره المصنّف من جواز التقليد للأعمى و العاميّ مع أحد الشرطين هو

____________

(1) الذكرى: 164.