المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
203

المشهور بين الأصحاب (1)، و للشيخ قول بوجوب الصلاة عليهما إلى أربع جهات (2)، و الأوّل أقوى.

و لو قدر العامّي على التعلّم مع سعة الوقت فلا إشكال في بطلان صلاته، و قد تقدّم.

و أما العالم الممنوع لعارض، فقد اختلف أيضا في جواز تقليده أو صلاته إلى أربع جهات، و قد اختلف فيه كلام المصنّف و العلّامة:

فذهب المصنّف في البيان (3) و العلّامة في المختلف (4) و القواعد (5) إلى الأوّل كما في هذه الرسالة؛ لمشاركته للجاهل في المعني، بل للأعمى فإنّه غير مقصّر، و المانع غير مستند إليه، فهو أولي بالحكم من الجاهل المقصّر في التعلّم إلى أن ضاق الوقت.

و ذهب المصنّف في الذكرى (6) و العلّامة في كثير من كتبه إلى الثاني (7)؛ بناء على أنّ القدرة على أصل الاجتهاد حاصلة، و العارض سريع الزوال.

و في صلاحيته للدلالة نظر؛ لظهور العجز في الحال الذي هو محلّ التكليف، و القدرة على الاجتهاد مع المانع غير مفيدة، و سرعة الزوال غير صالحة للتعليل مع المخاطبة بالصلاة حالة العذر.

نعم، في مرسلة خداش عن الصادق (عليه السلام) ما يدلّ عليه (8)، لكنّها لا تصلح للدلالة، فكان ما اختاره هنا أوضح. و من هنا ظهر أنّ ما اختاره المصنّف من جواز تقليد العارف بالأمارات عند خفائها، قول معروف قد ذهب إليه المصنّف في غير الرسالة (9)

____________

(1) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 3: 22- 25، المسألة 144، و نهاية الإحكام 1: 398، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 70.

(2) الخلاف 1: 302 المسألة 49 كتاب الصلاة.

(3) البيان: 116.

(4) المختلف 2: 83 المسألة 27 كتاب الصلاة.

(5) القواعد: 1: 253.

(6) الذكرى: 164.

(7) كتذكرة الفقهاء 3: 28 المسألة 147 و المختلف 2: 84- 85 المسألة 28، و منتهي المطلب 1: 219.

(8) التهذيب 2: 45/ 144، الاستبصار 1: 295/ 1085.

(9) الذكرى: 164، البيان: 117، الدروس 1: 159.

204

و غيره (1)، فما أورده عليه الشارح المحقّق (2) غير وارد.

[الثاني: توجه المصلّي إلى أربع جهات]

(الثاني: توجّهه) أي المصلّي (إلى أربع جهات) بأن يصلّى الصلاة الواحدة أربع مرّات إلى أربع جهات (إن جهلها) أى القبلة بكلّ وجهه، بأن لم يقدر على العين و لا على الأمارات، و لا وجد من يقلّده حيث يسوغ له التقليد.

و لا يحسن عود ضمير (جهلها) إلى الأمارات؛ لاستلزامه صلاة من لا يعلمها إلى أربع جهات (3).

و من جملة أفراده الأعمى و العاجز عن التعلّم مع ضيق الوقت، و المصنّف لا يرى صلاتهما إلى الأربع. و لأنّه يناقض الحكم السابق، اللهم إلّا أن يحمل على جهلها بكلّ وجه حتى بالتقليد، فيصحّ عوده إليها من غير تناقض، لكنّه لا يوافق نظم العبارة، لأنّه جعل المعتبر فيها أمرين: أحدهما الصلاة إليها إن علمها، و الثاني أن الصلاة إلى الأربع إن جهلها.

و كيف كان فالعبارة صحيحة المعني خالية عن التناقض، لا كما زعمه الشارح المحقّق حيث أعاد الضمير إلى الأمارات، و جعلها متناولة للعامّي بشرطه و الأعمي، و إنّما يقتضي صلاتهما إلى الأربع و صلاة العاجز عنها لمانع كالغيم بالتقليد، و الأمر فيه على العكس، و نحن قد بيّناها بما يرفع هذه الشبهة و إن كان نظم العبارة لا يخلو من سماجة ما، حيث جعل العلم بها قسما أوّلا في قوله: (و إلّا عوّل على أماراتها) ثم أتي بهذا القسم في الثاني، لكنّه أسهل من فسادها المعنويّ، كما ذكره الشارح، و قد أغرب في تقريرها شارح آخر (4) بما لا يستحق الحكاية.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا تعذّر على المصلّى معرفة القبلة و التقليد لأهله، وجب عليه أن يصلّى كلّ صلاة أربع مرّات إلى أربع جهات، حتى لو اجتمع عليه في وقت

____________

(1) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 79، و العلّامة الحلّي في المختلف 2: 88 المسألة 30 كتاب الصلاة.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 244.

(3) في «ق» و «د»: الأربع.

(4) هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 106.

205

واحد فرضان كالظهرين لم يصح الدخول في الثاني حتى يفرغ من فعل الأوّل على الوجه المذكور، فتكون هذه الأربع بمنزلة مرّة واحدة للعالم بالقبلة، فلو فرض ضيق الوقت إلّا عن قدر أربع صلوات لمن عليه الفرضان اختصت به الثانية كالعصر؛ لأنّ ذلك قدر أدائها بحسب هذه الحالة.

و إنّما يجب الفرضان لو أدرك مع ذلك قدر ركعة من الأخرى فصاعدا، فحينئذ يزاحم الأولي و يصلّيها أربع مرّات، ثم يصلّي الثانية إلى جهة لضيق الوقت إلّا عنها.

و هل يجب في الأربع جهات كونها متقاطعة على زوايا قوائم؟ الظاهر ذلك؛ لأنّه المتعارف منها، و لأنّه موافق للحكمة في وجوب الأربع، فإنّ الصلاة إذا فعلت على هذه الحالة فهي إما إلى القبلة، أو منحرفة عنها انحرافا لا يبلغ حدّ اليمين و اليسار.

و ما بين القبلة و بينهما قبلة للمضطر، فلو أوقع الأربع على غير هذه الصورة أمكن فرض القبلة على وجه يخرج عمّا صلّاه إلى حدّ اليمين أو اليسار، كما لا يخفى.

و احتمل المصنّف في البيان الاجتزاء بأربع كيف اتّفق؛ محتجّا بأنّ الفرض إصابة جهة القبلة لا عينها، و هو حاصل، و قطع باشتراط التباعد في الجهات بحيث لا يكون بين الجهة الأولي و الثانية ما يعدّ قبلة واحدة (1).

و يضعف الاحتمال بمنع إصابة الجهة بالصلاة إلى الأربع كيف اتّفق (2)؛ لأنّ القبلة لا تنحصر في الجهات الأربع عندنا و لا في عشرة.

كيف، و المصنّف قد ذكر في هذه الرسالة ست جهات مع خروج كثير من البلاد الإسلامية عنها كمصر و ما والاها و المغرب المشهور و الروم و سمرقند، و غيرها ممّا يكثر عدّه. و إنّما اكتفي الشارع بالصلاة إلى الأربع لا لاستلزامه إصابة العين أو الجهة، بل لما ذكرناه من أنّها إذا وقعت على الاستقامة استلزمت إمّا الإصابة، أو الانحراف إلى ما لا يبلغ حدّ اليمين أو اليسار.

و إنّما يتوجّه ما ذكر على مذهب بعض العامّة حيث جعل المشرق قبلة أهل المغرب

____________

(1) البيان: 117.

(2) في «ش»: اتفق، و عدم إمكان دفع احتمال كون القبلة المطلوبة بين الجهتين و إن تقاربتا.

206

و إن صلّوا إلى منتهي خطّه، و المغرب قبلة أهل المشرق كذلك، و كذا القول في الجنوب و الشمال، فالجهة عندهم منحصرة في الأربع جهات (1)، و أما عندنا فلا يتوجّه ذلك كما قد تحرّر.

و إنّما تجب الصلاة إلى الأربع مع سعة الوقت لها (و لو ضاق الوقت) عنها أتي بالممكن، فإن ضاق (إلّا عن جهة واحدة أجزأت) و يتخيّر في المأتيّ بها، و لو تحرّى كان أولي.

و إنما يجزئ ما دون الأربع مع تعذّرها إذا لم يكن التعذّر مستندا إلى تقصيره، و إلّا ففي الإجزاء نظر:

من أنّ المجموع قائم مقام صلاة واحدة، فلا يتحقّق وقوع ركعة منها في الوقت الموجب لصحة الصلاة إلّا بإدراك ما أقلّه ثلاث صلوات و ركعة من الرابعة، فالتقصير (2) إلى ما دون ذلك كالتقصير في إدراك ركعة من الصلاة حالة العلم بالقبلة.

و من عدم المساواة لها في كلّ وجه، و إلّا لما وجبت الصلاة بإدراك قدرها إلى جهة، بل ثلاث جهات، و هو خلاف المفروض. و من هنا توجّه أنّه لو أدرك من عليه الفرضان قدر جهتين يصلّى كلّ واحدة إلى جهة من غير أن يخصّصها بالثانية؛ لأنّ ذلك من مواضع الضرورة المسوّغة للاجتزاء بالصلاة إلى جهة واحدة و إن كان ما تقدّم من الاختصاص أوجه.

و تطّرد الصلاة إلى أربع على الوجه المتقدّم في جميع الصلوات حتى الجنازة، و كذا تغسيل الميّت، أمّا احتضاره و دفنه فلا، و كذا الذبح و التخلّي، أمّا الاجتهاد فواجب في الجميع عند وجوبها.

(فهذه) إشارة إلى المذكور سابقا (ستّون فرضا) من فروض الصلاة (مقدّمة) عليها، واجبة (حضرا و سفرا) لا يختلف الحال فيهما. و يصدق وجوبها على المكلّف في الجملة (و إن كان بعضها بدلا عن بعض، كأنواع الطهارة) فإنّ فروضها جميعا لا تجتمع على

____________

(1) انظر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 2: 12.

(2) في «د»: فإنّ التقصير.

207

المكلّف في حالة واحدة، بل غاية ما يجتمع عليه فروض اثنين منها، لكن ذلك لا ينافي وجوبها في الجملة.

و المراد بالستّين على ما يقتضيه الظاهر، و نقل عن المصنّف في حاشية الرسالة واجبات الطهارات الثلاث و هي ست و ثلاثون، و إزالة النجاسات و هي عشرة، فتتعدّد الواجبات بتعدّدها، و واجبات الساتر و هي خمسة، و في الوقت خمسة و هي مراعاته في كلّ واحدة من الصلوات الخمس، فتتعدّد بتعدّدها كإزالة النجاسة.

و لا يقدح عدم اجتماع الواجبات في الصلاة الواحدة؛ لأنّ غرض المصنّف حصر الألف في جملة الصلوات الخمس، لا في كلّ واحدة منها.

و في المكان أمران، و في القبلة أمران، و جملة ذلك ستون فرضا.

و لقد أغرب الشارح المحقّق حيث جعلها واجبات الطهارات المذكورة، و واجبات الساتر و المكان و القبلة، و ذلك خمسة و أربعون. و جعل مراعاة الوقت أمرا واحدا، و لم يجعل نفس إزالة النجاسات العشر من العدد، بل جعل في مقدّمتها خمسة فروض:

الأوّل: إزالتها بماء طهور.

الثاني: ستر العورة للمتخلّي.

الثالث: انحرافه بها عن القبلة.

الرابع: العصر في غير الكثير.

الخامس: رعاية ما يجب من العدد بحسب النجاسة.

و جعل في مقدّمة الرسالة تسعة:

الأوّل: وجوب اليوميّة بالنصّ و الإجماع.

الثاني: كفر مستحل تركها.

الثالث: وجوبها على كلّ مكلّف إلى آخره.

الرابع: وجوب تقديم الإسلام على فعلها.

الخامس: وجوب تقديم المعارف عليها.

208

السادس: كون تلك المعارف بالدليل.

السابع: وجوب الأخذ بالاستدلال لأهله.

الثامن: وجوب الاستفتاء للقاصر.

التاسع: وجوب الإعادة على من لم يفعل ذينك الأمرين (1).

و هذا التوجيه فيه- مع مخالفته للمنقول عن المصنّف- أمور:

أحدها: أنّه جعل- فيما تقدّم- المقدّمة ليست من المقصود بالذات، و معلوم أنّ المقصود بالذات هو ذكر فروض الصلاة، فجعلها مشتملة على تسعة فروض ينافي كونها خارجة عن المقصود بالذات. فالتوجيهان متنافيان، لكنه المطابق لمقتضي الحال، و لعادة المصنّفين جعل المقدّمة خارجة عن المقصود بالذات؛ لأنّ القصد منها ذكر تعريف الفنّ و موضوعه و غايته و ما ناسبها من الترغيب و الترهيب. و حينئذ فلا تكون مشتملة على شيء من المقصود بالذات و إن كان بعض ما ذكر في المقدّمة يناسب كونه من الواجبات المقدّمة حينئذ، كالإسلام، و الأخذ بالاستدلال أو التقليد لأهلهما.

ثانيها: أنّ كثيرا ممّا عدّه في المقدّمة لا يناسب كونه من الفروض التي يجب على المكلّف تقديمها على الصلاة، ككون وجوبها ثابتا بالنصّ و الإجماع، و كون مستحلّ تركها كافرا. فإنّ من لا يخطر بباله ذلك- ككثير من العامّة- تصحّ صلاتهم بدون معرفتهما مع القيام بباقي الواجبات، و كذلك معرفة وجوبها على كلّ بالغ عاقل، و وجوب الإعادة على من أخلَّ بالاعتقاد و الأخذ بأحد الطريقين و إن كان الأخذ بذلك موجبا للإعادة، كما لا يخفي.

ثالثها: أنّ ما ذكره من العدد في إزالة النجاسات يرجع إلى الإزالة، فهو بيان لكيفيتها، فذكرها مغن عن ذكر التفصيل. و لمّا كان الواجب إزالة كلّ واحد من النجاسات المتغايرة صدق تعدّد الواجب بتعدد المزال كما مرّ. غاية ما في الباب أنّ للإزالة المتعدّدة شرائط و كيفيّة، إلّا أنّه لا يوجب إدخالها في العدد، خصوصا مع فساد

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 245.

209

الأمر على تقديره، فإنّه إنّما يتمّ لو صحّ معه ما في المقدّمة، و الواقع خلافه.

رابعها: أنّه على تقدير الاعتناء بإدخالها لا يتوجّه دخول جميع ما ذكر، فإنّ وجوب ستر العورة على المتخلي و انحرافه بها عن القبلة لا مدخل لهما في مقدّمات الصلاة، و لا ارتباط لهما بها، بل هي مع الإتيان بباقي الواجبات صحيحة و إن أخلّ بهما و أثم، و إنّما يحتمل إدخال الثلاثة الأخرى، و بها خاصّة لا يلتئم العدد.

خامسها: أنّ النظر إلى أكون مراعاة الوقت أمرا واحدا و إن اختلفت كيفيته يوجب جعل الإزالة أيضا كذلك؛ لأنّ مرجعها إلى أمر واحد، و هو طهارة الثوب و البدن و إن اختلفت الكيفية. و هكذا مراعاة الوقت مرجعها إلى إيقاع الصلاة في وقتها و إن اختلفت الأوقات، فجعل أحدها متّحدا و الآخر متعدّدا غير واضح.

نعم، يبقي هنا أن يقال: الحكم بتعدّد فروض الوقت بسبب تعدّده يوجب تعدّد فروض إزالة النجاسة بحسب اختلاف كيفيتها، فإنّ الطهارة بالعصر غير الطهارة بغيره، و كذلك الصبّ مغاير للغسلتين.

و يجاب بأنّ رعاية ذلك و إن أمكنت، لكن لا ينتظم معها العدد بعد إبطال ما قد بطل منه، و يكفي في المصير إلى ما تقدّم صحته بنوع من الاعتبار.

210

[أحكام القصر]

و لمّا ذكر السفر هنا بسبب العدد استطرد ذكر شيء من أحكام الصلاة المتعلّقة به و إن كان ذكرها بعد فصل المقارنات أولي بسبب آخر، و لذلك لم يذكر القصر بسبب الخوف؛ لعدم مناسبته للمقام، بل أخّره إلى أن اقتضي المقام ذكره بنوع من اللطف، كما هو واقع في تضاعيف هذه الرسالة لمن تدبّرها.

و أشار بعطفه على ما تقدّم بقوله (ثم) المفيدة للتعقيب المتراخي، إلى عدم الارتباط الحقيقي بين المبحثين و افتراق حكم المعطوف و المعطوف عليه؛ ليؤمن اللبس، و المعطوف هنا هو قوله (شمول السفر للوقت) أي لوقت الفريضة، فاللام للعهد الذكري المتقدّم، أو بدل من المضاف إليه.

و المراد ب(شمول السفر للوقت) أن يسافر في مجموع وقت العبادة، بحيث لا يمضي من أوّل وقتها مقدار فعل الصلاة مع شرائطها المفقودة، و لا يبقي من آخر الوقت الذي انتهى السفر فيه مقدار الصلاة كذلك، أو ما يقوم مقامها كإدراك ركعة.

فالسفر الشامل للوقت على هذا الوجه (موجب) إيجابا عينيا (قصر رباعيّته) أي رباعيّة الوقت المذكور، أو رباعيّة السفر.

و احترز بالرباعيّة عن المغرب و الصبح فإنّه لا قصر فيهما.

و بالإضافة إلى الوقت أو السفر عن رباعيّة الحضر إذا فاتت و أراد قضاءها سفرا فإنّه

211

يقتضيها تماما؛ لأنّها ليست رباعيّة السفر، و هو ظاهر، و لا الوقت؛ لأنّ الوقت المحدث عنه مشمول بالسفر، فتكون رباعيّته رباعية سفر أيضا فيجب قصرها.

و احترز بشمول السفر للوقت عمّا لو سافر بعد دخوله و مضى مقدار الصلاة جامعة لشرائطها، أو انتهى السفر و قد بقي من الوقت مقدار ذلك، بل مقدار ركعة كذلك، فإنّه يجب عليه الإتمام في الموضعين على أصح الأقوال.

و المعتبر من الوقت في الحالين ما يحصل قبل بلوغ خفاء الأذان و الجدران، فلو أنشأ السفر في أوّل الوقت أو قبله، و لم يبلغ ذلك حتى مضى مقدار الصلاة أتمّ في السفر.

و كذا لو بلغ ذلك المحلّ و وسع زمان قطع الباقي من المسافة قدر ذلك في الوقت فإنّه يتمّ؛ لأنّ ذلك في حكم البلد.

و إنّما لم يتعرّض المصنّف لبيان هذه الشرائط إيثارا للاختصار و اعتبارا بالاشتهار، و نبّه بقوله: (موجب) على أنّ القصر مع الشرائط عزيمة لا رخصة عندنا، فلا يجوز العدول إلى التمام، فيعيد الصلاة لو فعل ذلك عامدا مطلقا، و يعذر الجاهل، و في الناسي قولان، أصحهما الإعادة في الوقت خاصة.

و وجوب القصر متعيّن (في غير الأربعة) المعهودة شرعا، فاللام فيه للعهد الذهني، و هي: مسجد مكّة و المدينة، و جامع الكوفة، و الحائر الحسينيّ (عليه السلام): و هو ما دار عليه سور الحضرة الشريفة. ففي هذه الأربعة لا يتحتّم التقصير في السفر بل يتخيّر بينه و بين إتمام الصلاة، و هو أفضل، هذا مع سعة الوقت بحيث يتمكّن من الأمرين فيه.

فلو ضاق إلّا عن القصر، كما لو أدرك من آخر وقت الظهرين مقدار أربع ركعات تعيّن القصر؛ ليجمع بين الفرضين أداء، مع احتمال بقاء التخيير فيقضي الظهر لو اختار الإتمام، و مستند ذلك الأخبار المتضافرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام). و ليس في عبارة الرسالة ما يدلّ على حكم الصلاة في الأربعة، بل مقتضاها بقاء التمام؛ لأنّها كالمستثناة من وجوب القصر، و الموجب لذلك الإيجاز.

و قوله (أداء و قضاء) حالان من الرباعية، و العامل فيهما المصدر، و هو القصر، و سوّغ كونه جامدا قبوله تأويل الاشتقاق، أي مؤدّاه و مقتضاه، مع أنّ ذلك للحال

212

أكثريّ لا كلّيّ، و يجوز كونهما منصوبين بنزع الخافض.

و يستفاد من تخصيصه القصر بغير الأربعة أنّ الغاية فيها إذا قضى في غيرها يقصر عينا، و هو أحد الأقوال في المسألة.

و القول الثاني: بقاؤه على التخيير؛ بناء على وجوب المطابقة بين القضاء و الأداء، رعاية لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فليقضها كما فاتته» (1)، و اختاره المصنّف في البيان (2).

و الثالث: قصرها مطلقا و إن قضيت فيها؛ وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين، و هو الأداء.

و اعلم أنّ شرائط وجوب القصر في السفر تسعة

، و أشار المصنّف إليها جميعا في هذه العبارة:

أحدها: كون السفر في مجموع وقت الصلاة أو ما هو في حكمه

، فلو حضر في بعضه فلا قصر، كما مرّ تفصيله.

و ثانيها: كون الفريضة مؤدّاة (3) في السفر

، و إن لم يفعل فلا قصر في فوائت الحضر و إن صلّيت سفرا، كالإتمام في فوائت السفر و إن قضيت في الحضر.

و ثالثها: أن لا يكون الفعل في أحد الأربعة

، و قد اندرجت هذه الشرائط في فقرة واحدة، و هي المتقدّمة.

و رابعها: قصد السفر

، فلا يقصر الهائم: و هو من ليس له مقصد معيّن، و لا طالب الآبق بحيث يرجع متى وجده و إن بلغ سفرهما المسافة، نعم يقصران في الرجوع مع بلوغها.

و خامسها: كون القصود مسافة.

و إلى هذين الشرطين أشار بقوله (بقصد ثمانية فراسخ) فالباء للسببية، و متعلّقها

____________

(1) الكافي 3: 435/ 7، التهذيب 3: 162/ 350، عوالي اللآلي 3: 107/ 150.

(2) البيان: 265.

(3) في «ع»: مأمورا بأدائها.

213

(موجب)، فهو ظرف لغو.

و المشهور أنّ الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربع آلاف ذراع، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا، و الإصبع سبع شعيرات متلاصقات بالسطح الأكبر، و عرض الشعيرة سبع شعرات من أوسط شعر البرذون بكسر الباء و فتح الذال.

و يكفي عن التقدير مسير يوم في الأرض المعتدلة، و النهار المعتدل، بالسير المعتدل للأثقال. و يثبت ذلك بشهادة عدلين، و بالاستفاضة.

و في حكم قصد المسافة قصد نصفها فصاعدا مع إرادة الرجوع ليومه أو ليلته، و كان عليه أن ينبّه على حكمه؛ لئلا يدخل في حكم التمام. و لا يكفي عنه كون ذلك يستلزم المسافة باعتبار اتّصال السفر و بلوغ القدر؛ لأنّ ذلك لو تمَّ لم يقيّد باليوم و لا بالأربعة، بل كان قاصد ثلاثة فراسخ ثلاث مرّات كذلك، بل أزيد، و هو ممتنع.

و يدخل في العبارة قاصد موضع يبلغ المسافة على أبعد الطريقين و إن قصد الترخّص، و مثله قاصد الترخّص خاصّة بالسفر على أشهر القولين.

و لا فرق في اشتراط قصد المسافة بين التابع و المتبوع، كما يقتضيه إطلاق العبارة.

فالزوجة و الخادم و الولد إن علموا مقصد المتبوع و قصدوه و لو بظنّ بقاء الاستيلاء و الصحبة ترخّصوا، لا إن جوّز العبد العتق أو البيع و الزوجة الطلاق؛ لظهور أمارة ذلك. و مثلهم الأسير و المأخوذ ظلما، فيقصر مع علمه بمقصد الأخذ و بلوغه المسافة و ظنّه بقاء الاستيلاء.

و مبدأ التقدير من آخر العمارة في البلد المتوسط فما دون، و من آخر محلّته في البلد المتّسع، و المرجع فيهما إلى العرف.

[سادسها: خفاء الجدران و الأذان من بلده أو ما في حكمها]

(و) سادسها (خفاء الجدران و الأذان) من بلده أو ما في حكمها، و أقام اللام مقام المضاف إليه.

و (الخفاء) في العبارة مجرور بالعطف على (قصد) و عطف الأذان بالواو الدالّة على الجمع المطلق دون (أو) للتنبيه على اشتراط خفائهما معا، فلا يكفي أحدهما على المشهور.

214

و المعتبر خفاء صورة الجدران لا شبحها، و سماع صوت الأذان و إن لم يميّز فصوله.

و يكفي اعتبار آخر الجدران و الأذان ما لم يخرج البلد في السعة عن العادة، فتعتبر المحلّة و يعتبر الأمران.

(و لو) كان (تقديرا) كما في الأعمى، و الأصّم، و المسافر ليلا و لا صوت هناك، و البلدة المرتفعة و المنخفضة، و الحائل المانع من الرؤية، و حلّة البدوي بالنسبة إلى الجدار، فيقدّر في هذه المواضع أن لو كان المانع مرتفعا و الخارج عن الاستواء معتدلا.

و كما يشترط في الترخّص خارجا بلوغ ذلك، كذلك يزول بإدراك أحدهما، فخفاؤهما شرط ذهابا و إيابا على أصحّ الأقوال.

[سابعها: عدم المعصية بالسفر]

(و) سابعها (عدم المعصية به) أي بالسفر. فلا يترخّص العاصي بسفره بأن كانت غاية سفره هي المعصية، كتابع الجائر في جوره، لا بمجرّد الرفقة أو ليعمل له عملا محلّلا، و قاطع الطريق، و التاجر في المحرّمات، و الساعي على ضرر مسلم، و العبد الآبق، و الزوجة الناشز. و في حكمه ما لو كانت الغاية مشتركة بين الطاعة و المعصية، كما لو قصد مع أحدها التجارة.

و الحق المصنّف (1) و غيره من الأصحاب تارك الجمعة بعد وجوبها، و الوقوف بعرفة كذلك، و الفارّ من الزحف، و من سلك طريقا مخوفا يغلب معه ظن العطب على النفس أو المال المجحف و إن كانت الغاية طاعة (2).

و يشكل الفرق بينها و بين تارك مطلق الواجب، كتعلّم العلم مع وجوبه عليه عينا أو كفاية، و منافاته للسفر، بل الوجوب هنا أقوى.

و كما تمنع المعصية القصر ابتداء تمنعه استدامة، فلو عرض قصدها في أثناء السفر الطاعة زال الترخّص حينئذ.

و ينعكس الحكم بانعكاس الفرض، لكن يشترط هنا كون الباقي إلى نهاية

____________

(1) الدروس 1: 210 الذكرى: 260.

(2) منهم الشيخ الطوسي من الخلاف 1: 587 المسألة 349 كتاب الصلاة، و العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 4: 400.

(المسألة 635 صلاة السفر، و المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 250.

215

المقصد مسافة.

و يكفي في العود كونه مسافة، لكن لا يضم إلى ما بقي من الذهاب لو قصر عنها، فيترخّص في العود خاصّة. و لو رجع إلى الطاعة بعد تجدّد قصد المعصية في الأثناء، في ضمّ ما بقي إلى ما مضى من الطاعة نظر، و استقرب المصنّف في الذكرى الضمّ؛ بناء على أنّ المانع كان هو المعصية و قد زالت (1).

و ثامنها: استمرار السفر

، فلو انقطع في أثنائه زال الحكم. و يحصل ذلك بانتفاء الوصول إلى أحد ثلاثة أشياء، أشار المصنّف إليها بقوله (و انتفاء) بالجر عطف على (عدم) لا على (المعصية) أي يجب القصر مع ما تقدّم من الشرائط بشرط انتفاء (الوصول) من المسافر، و اللّام عوض من المضاف إليه، أي وصوله (إلى بلده) و الضمير يعود على المسافر المدلول عليه بالمقام و الأحكام التزاما.

و المراد ببلده: ما له فيها ملك ما و لو شجرة واحدة لا تخرج عن حدود البلد الشرعيّة، و هي أوّل خفاء الأمرين السابقين.

و في حكمه اتّخاذ البلد دار إقامة على الدوام.

و يشترط فيهما: استيطانه ستة أشهر، يصلّي فيهما تماما بنيّة الإقامة و لو متفرّقة.

و دوام الملك و النيّة، فلو زالا زال الحكم، بخلاف ما لو آجر الملك أو أعاره أو غصب منه. و لو تعدّدت كفى استيطان الأوّل منها ما دام على ملكه، فلو خرج اعتبر استيطان آخر، و هكذا.

و ملك الرقبة، فلا تكفي الإجارة و لا الوقوف العامة مع دخوله في مقتضاها، نعم تكفي الخاصّة بناء على انتقال الملك إليه. و لا يشترط ملك مغرس الشجرة، و في الاكتفاء ببعضها وجه.

و يعتبر في الأشهر الهلاليّة إن اتّفق الابتداء من أوّلها إلى آخرها، و إلّا العدديّة، و لو اتّفق الوصف في بعضها فلكلّ حكمه، فيتمّ المنكسر خاصة ثلاثين.

____________

(1) الذكرى: 260.

216

و إذا تحقّقت هذه الشرائط انقطع السفر بالوصول إليها، و إلى ما في حكمها، كإدراك ما دون الخفاء.

(أو) بالوصول (إلى مقام) بضم الميم، و هو: موضع إقامة (عشرة) أيام تامة (منوية) في ابتدائها حقيقة أو حكما، كتعليق السفر على قضاء حاجة لا تنقضي في أقلّ من عشرة، و يلفّق من العشرة ما حصل بعد النيّة من اليوم و قبل الخروج من آخرها.

(أو) الوصول إلى مقام (ثلاثين) يوما (مطلقا) حال من (مقام). و معنى إطلاقه كونه بغير نيّة؛ لأنّها في معنى التقييد، و تعليق الحكم- و هو البقاء على القصر- على انتفاء الوصول إلى أحد هذه الثلاثة، يتمّ في الأوّل بغير إشكال؛ لأنّ مجرّد الوصول إلى البلد يوجب قطع السفر، و كذا في الثاني على تقدير تقدّم نيّة إقامة العشرة على الوصول إلى موضع الإقامة، فإنّ مجرد الوصول حينئذ يقطع السفر أيضا.

أمّا لو كانت نيّة الإقامة متجدّدة بعد الوصول، أشكل تعليق الحكم على انتفاء الوصول.

و كذا القول في الثالث، فإنّ الوصول إلى مقام الثلاثين المتردّد فيها غير كاف في قطع السفر أيضا، بل لا بدّ من مضي الثلاثين تامة.

و الطريق إلى دفع الإشكال: أنّ المصنّف علّق الحكم على الوصول إلى مكان تتحقّق فيه نيّة إقامة العشرة، أو تتحقّق فيه الإقامة ثلاثين يوما بغير نيّة الإقامة.

و ظاهر أنّ تعليق الحكم على أمر موصوف بوصف لا يتحقّق بدون الوصف، فكان الكلام في قوّة تعليق الحكم على نيّة الإقامة، على تقدير تأخيرها عن الوصول و على مضي الثلاثين.

و لا يتوهّم حينئذ أنّه يستغني عن قيد الوصول، حيث إنّ الاعتبار بالنيّة و مضي الثلاثين؛ لأنّ ذلك هو تمام السبب، و عنده يحصل الحكم. و لا يلزم من ذلك أن يكون سببا تاما، و إنّما السبب مركّب من الوصول و النيّة، فكان كلّ منهما جزء السبب التامّ.

ألا ترى أنّه لو نوى الإقامة قبل الوصول لم تؤثّر حتى يصل، فكما أنّ الحكم توقّف هناك على الجزء الثاني- و هو النيّة- توقّف هنا على الجزء الثاني أيضا، و هو الوصول،

217

فكانا معا سببا تاما و أحدهما جزأه.

و أمّا مقام الثلاثين فإنّه و إن كان لا يتحقّق بدون الوصول، فيكون متأخّرا عنه، إلّا أنّ الوصول أيضا جزء السبب الموجب للحكم، حيث لا يتحقّق الحال بدونه.

و هذا الشرط- أعني انتفاء الوصول إلى أحد الثلاثة- شرط استمرار الحكم، كالذي بعده و هو عدم كثرة السفر، و هما شرطان للقصر في الجملة، و إن خالفا ما تقدّم من الشرائط، فإنّ تلك شرائط ابتدائه، و هذان شرط دوامه، مع أنّ شرط انتفاء المعصية أيضا يأتي على الوجهين؛ لأنّها إن حصلت ابتداء منعت ابتداءه، و إن عرضت في أثناء السفر المباح منعت استدامته.

فكانت الشروط ثلاثة أنواع، و هي مشتركة في مطلق الشرطيّة و إن كان الطارئ بالمانع أشبه منه بالشرط، لكن قد وقع ذلك في عبارات الفقهاء وقوعا مستمرّا لا يختص بهذه الرسالة.

و قد اندفع بما قرّرناه إشكال الشارح المحقّق على العبارة (1) مع زيادة تحقيق في المقام،

و بقي في العبارة مباحث:

الأوّل: قد عرفت أنّ الوصول إلى بلد المسافر موجب لانقطاع سفره

، فعلى هذا لو كانت له عدّة مواطن في طريق مقصده انقطع سفره ببلوغ كلّ واحد منها، فيجب أن ينظر إلى المسافة التي بينها، فإن بلغت موجب التقصير قصّر في الطريق، و إلّا فلا.

و كذلك تعتبر المسافة بين الوطن و بين نهاية مقصده، فإن كان يبلغ المسافة قصّر، و إلّا فلا.

و لا يضمّ ذلك إلى العود و إن كان في نيّته الرجوع على غير طريق الوطن، و حينئذ فيتمّ من الوطن إلى المقصد و يقصّر راجعا إن بلغ المسافة؛ لأنّ لكلّ واحد من الذهاب و العود حكما برأسه، لا يضم أحدهما إلى الآخر، إلّا في موضع واحد، و هو من قصد أربعة فراسخ و أراد الرجوع ليومه.

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 252.

218

و لا فرق في ذلك بين أن يحصل بالانضمام للعود حكم لم يكن حاصلا بدونه، كما لو كان العود لا يبلغ المسافة، أو لا يحصل.

الثاني: لمّا كانت نيّة الإقامة قاطعة للسفر، سواء تقدّمت أم تأخّرت

، كان موضع الإقامة على تقدير تقدّم النيّة على السفر بحكم البلد، فيشترط في القصر بلوغ المسافة فيما بين مبدأ السفر و موضع الإقامة، و كذا القول فيما لو تعددت المواضع مع تقدّم النيّة في كلّ موطن على الخروج إليه و لو ممّا قبله.

و كذا تعتبر المسافة بينه و بين المقصد و إن لم ينو الإقامة فيه، فإن لم يبلغ المسافة أتمّ و إن كان يقصّر راجعا. و لو كانت نيّة الإقامة متجدّدة في المحلّ بعد الوصول إليه أتمّ فيه خاصة و قصّر في الطريق السابق عليه و إن لم يبلغ المسافة؛ لأنّها كانت مقصودة ابتداء، فلا يضرّ ما طرأ.

و الفائدة تظهر في عدم إعادة ما صلّاه قصرا، و قضاء ما تركه وفات وقته كذلك (1).

الثالث: مبدأ الترخّص في البلد المتعدّد كالمتّحد من موضع خفاء أحد الأمرين السابقين

، و هما الأذان و الجدران، فيزول الترخّص بإدراك أحدهما عند الوصول إلى كلّ موطن متعدّد، و يتوقّف على تجاوزه في الخروج، و هو واضح.

لكن هل يكون حكم موضع الإقامة عشرا- على تقدير تقدّم النيّة عليه- بحكم البلد، فينقطع السفر فيه بما ينقطع في البلد، و كذا في الخروج؟

يحتمل ذلك؛ لكونه بحكم البلد في تلك الأحكام، و كون ما دخل في هذه الحدود في حكم موضع الإقامة شرعا، بل هو العلّة في قطع السفر و عدم ابتدائه في الخروج بالنسبة إلى البلد و عدمه لتعليق الحكم في النصوص على السفر، و هو شامل لبلد الإقامة. و تخلّف الحكم على خلاف الأصل في البلد لا يوجب التعدية، و توقّف المصنّف في الذكرى في الوجهين (2).

و يمكن قويّا الفرق بين حالتي الدخول و الخروج، فإنّ مجرّد نيّة الإقامة في

____________

(1) و قضاء ما تركه وفات وقته كذلك؛ لم ترد في «ش» و «ق».

(2) الذكرى: 259.

219

محلّ لا يصيّره بحكم البلد، بل لا بدَّ مع ذلك من الصلاة تماما أومأ في حكمها، كما سيأتي (1).

و حينئذ فلا يلزم من النيّة و الوصول لحوق حكم البلد؛ لجواز أن يرجع إلى السفر قبل الصلاة، فيعود إليه حكمه و إن كان مقيما، و هذا ممّا يخالف حكم البلد. بخلاف ما لو خرج من موضع الإقامة بعد أن صلّى تماما، فإنّه حينئذ يصير في حكم البلد بكلّ وجه، فيتوجّه توقّف الترخّص على مجاوزة حدوده في الخروج دون الدخول.

الرابع: لا فرق في الحكم بانقطاع السفر عند الوصول إلى البلد بين أن يعزم على الإقامة فيه يسيرا أو لا، و لا بين أن يصلّي فيه و عدمه

، بل لو مرَّ عليه و إن لم ينزل انقطع سفره، و لو صلّى حينئذ ففرضه التمام، و يتوقّف عود الترخّص على قصد مسافة جديدة.

و هذا بخلاف الموضع الذي ينوي فيه الإقامة عشرة، فإنّه و إن وجب التمام بمجرّد النيّة، لكن يشترط في بقاء الحكم أن يصلّي فيه و لو صلاة واحدة على التمام، فلو رجع عن نيّة الإقامة قبل الصلاة عاد إلى القصر و إن لم يخرج، بل و إن أقام أياما بغير نيّة؛ لرواية أبي ولّاد الحنّاط عن الصادق (عليه السلام) (2).

و هل يلحق بها الصوم الواجب أو الندب على القول بعدم جوازه سفرا، و النافلة المقصورة، و ترك الصلاة إلى أن يخرج وقتها عمدا أو سهوا قبل الرجوع عن نيّة الإقامة؟

وجهان، أصحّهما الإلحاق. فمتى تحقّق أحد هذه صارت في حكم البلد و استمر على حكم التمام إلى أن يخرج إلى المسافة و إن رجع عن نيّة الإقامة، و لا فرق بين الخروج قبل إكمال العشرة و بعده.

الخامس: لو صلّى على التمام بعد نيّة الإقامة، ثم خرج إلى ما دون المسافة

عازما على العود و الإقامة في موضعها، أو غيرها ممّا يقصر عن المسافة عشرا مستأنفة و لو بعد التردّد مرّة أو مرارا، أتم ذاهبا و عائدا و في المقصد، و هو موضع وفاق.

____________

(1) في «ع»: سيجيء.

(2) التهذيب 3: 221/ 553، الاستبصار 1: 238/ 851.

220

و إن قصد العود من دون الإقامة، قال المصنّف: يقصّر في العود خاصة (1).

و الأصح اعتبار قصد المسافة، فإن تحقّق قصّر، و إلّا فلا، فإنّ الغرض أعمّ من ذلك.

و لو قصد عدم العود، أو لم يقصد العود، قال المصنّف و العلّامة: يقصّر بمجرّد الذهاب (2).

و فيه نظر؛ لأنّ المفروض كون الخروج إلى ما دون المسافة، و حينئذ فمفارقة موضع الإقامة أعمّ من أن يستلزم المسافة، مع كون المفروض عدمها. و قد تقدّم أنّ ما بقي من الذهاب لا يضمّ إلى العود، فالمعتبر حينئذ ما مرَّ من تحقّق قصد المسافة و عدمه.

و بالجملة فالصلاة تماما بعد نيّة الإقامة يصير موضعها في حكم البلد، فيتوقّف القصر على قصد المسافة، و قد استوفينا أقسام المسألة في محلّ آخر.

و تاسعها: أن لا يكون سفره أكثر من حضره

، فإنّه يتمّ حينئذ، كما أشار إليه بقوله:

(ما لم يغلب السفر) على الحضر غلبة شرعيّة لا مطلق الغلبة؛ لئلا يدخل في الحكم من سافر عشرين يوما فصاعدا و أقام عشرا.

و ضابط الغلبة الشرعيّة الموجبة لانتفاء حكم القصر: أن يسافر ثلاث سفرات إلى مسافة، و لا يقيم بين السفرتين عشرة أيام في بلده مطلقا، و في غيرها مع النيّة، فيخرج حينئذ في الثلاثة متمّما، هذا هو الغالب.

و قد يفرض تحقّقها في أقل من ذلك بأن يسمّى المسافر مكاريا أو تاجرا أو بريدا أو ملّاحا، فإنّه حينئذ يتمّ و إن لم تتعدّد سفراته؛ لأنّ الحكم في النصوص معلّق على هذه الأسماء، لا على الكثرة و الغلبة المذكورين في كلام الأصحاب.

و حيث حكم بالتمام استمر عليه، (إلّا أن يقيم عشرا) في بلده و إن لم يكن بنيّة، أو في غيرها معها.

و يشترط فيها التوالي، بأن لا يفصل بينها بسفر إلى مسافة بالنسبة إلى بلده،

____________

(1) الذكرى: 258، البيان: 266.

(2) تذكرة الفقهاء 4: 413 المسألة 646، قواعد الأحكام 1: 326، البيان: 266.

221

أو بالخروج إلى موضع الخفاء في إقامة غير بلده، و لا يقدح الخروج إلى ما دون المسافة في الأوّل، فيلفّق ما حصل في البلد منها.

و في حكم العشرة القاطعة للكثرة إقامة عشرة أيام في غير البلد مترددّة بعد إقامة ثلاثين بالتردّد أيضا، كما اختاره المصنّف في الدروس (1).

و وجه ذلك ما تقدّم من أنّ الثلاثين المتردّدة في حكم نيّة إقامة العشرة بالنسبة إلى قطع السفر، فإنّه كما ينقطع بنيّة إقامة عشرة في غير البلد كذا ينقطع بالتردد ثلاثين يوما. و كما لا يقطع كثرة السفر مجرّد نيّة الإقامة بل لا بدّ من إكمال العشرة، كذا لا يقطعها ما هو بحكم النيّة، و هو التردّد ثلاثين يوما، فإنّه بحكم النيّة، لا بحكم إقامة العشرة. و حيث افتقرت نيّة الإقامة إلى العشرة بعدها فكذا ما هو بحكمها.

و ذهب بعض الأصحاب إلى الاكتفاء بالثلاثين في قطع الكثرة (2)، و هو ضعيف، و أضعف منه نسبته في المهذّب إلى المشهور (3)، مع أنّه غير معروف قبل ذلك فضلا عن الشهرة.

و اعلم أنّ الفاصل بين السفرات الثلاث إن تحقّق حسّا و شرعا، كالوصول إلى بلده، فلا ريب في صدق التعدّد و ترتّب الحكم.

و هل يتحقّق بالفاصل الشرعيّ خاصّة، كما لو تعدّدت مواطنه في السفرة المتّصلة حسّا، بحيث يكون بين كلّ موطنين مسافة، و كما لو نوى الإقامة في أثناء المسافة عشرا؟ و جهان.

و فصل المصنّف في الذكرى فحكم بالتعدّد في الثاني، سواء كان في نيّة الإقامة في ابتداء السفر أم عزم عليها بعد الوصول إلى موضعها، و شرط في التعدّد بالنسبة إلى الوطن كون عزمه على الوطن الأوّل خاصّة ثم يتجدّد العزم بعد وصوله إليه، فلو كان في نيّته ابتداء تجاوز الوطن الأوّل و الثاني لم يتعدّد.

____________

(1) الدروس 1: 212.

(2) منهم ابن فهد الحلّي في المقتصر: 93، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 513.

(3) المهذّب البارع 1: 486.

222

و الفرق بين موضع الإقامة و الوطن: أنّ نيّة الإقامة تقطع السفر حسّا و شرعا، و الخروج بعد ذلك سفرة جديدة. بخلاف الوطن، فإنّه مع عزم التجاوز فاصل شرعا لا حسّا (1).

و هو قريب، و لا إشكال مع صدق الاسم عرفا كما مرّ، فإنّه مناط الحكم.

و لو كان الخروج بعد أحد الأمرين إلى وطنه الأوّل بمعنى العود إليه، ففي احتسابه سفرة ثانية الوجهان.

فهذه نبذة من أحكام صلاة السفر، و جملة شروطها قد أدرجها المصنّف في هذه العبارة الجليلة، المشتملة على الألفاظ الموجزة الجزيلة، الآخذة بمجامع البلاغة و معاقد الفصاحة، و بها تمّ فصل المقدّمات.

____________

(1) الذكرى: 259.

223

[الفصل الثاني] [في الفروض المقارنات]

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

(الفصل الثاني) (في) الفروض (المقارنات) لذات الصلاة.

و المراد بها الأقوال و الأفعال التي تلتئم منها حقيقتها. و أطلق عليها المقارنة مع اقتضائها للمغايرة بين المقارن و المقارن به باعتبار مغايرة المجموع المركّب لأجزائه من حيث هي أجزاء، و جعل النيّة منها بناء على كونها جزء.

و الحقّ أنّها بالشرط أشبه منها بالجزء؛ لوجود خواصّ الشرط فيها، و اشتراطها بالشروط السابقة باعتبار المقارنة للتكبيرة لا باعتبار الجزئيّة و لو سلّم كونها لذاتها لا تدلّ على الجزئية؛ لاختلاف الشروط في الأحكام.

(و هي) أي المقارنات (ثمانية) بناء على وجوب التسليم

226

[الأولي: النيّة]

(الأولى: النيّة) و هي لغة: العزم على فعل شيء من الأفعال أو ما في حكمها و القصد إليه (1).

و لمّا كان القصد مقتضيا للتعلّق بمقصود معيّن كما يقتضيه فعل العاقل، بل من له تميّز في الجملة، و كان تعيين المقصود يتوقّف على حضور ذاته إجمالا بالبال؛ ليتميّز عن غيره بأوصافه الخاصّة، وجب إحضار ذات المقصود و صفاته أوّلا ثم القصد إليه. فإذا أراد المكلّف صلاة الظهر مثلا، وجب عليه إحضار ذات الصلاة و صفاتها من كونها ظهرا مؤدّاة واجبة، ثم يقصد فعلها تقرّبا إلى اللّه تعالى.

و هذه القيود ليست جزء من النيّة، فإنّها أمر واحد بسيط و هو القصد، و إنّما هي صفات معروضها، و هو الفعل المنويّ. و وجوب هذه الأشياء في النيّة لا ينافي ذلك، و من هنا أطلق المصنّف كونها واجبة فيها بقوله (و يجب فيها سبعة) أشياء:

[أحدها: القصد إلى التعيين]

أحدها (القصد إلى التعيين) من كونها ظهرا أو عصرا.

و لا يخفي ما في العبارة من الإجمال في تحقيق الحال، فإنّ القصد هو حقيقة النيّة لا واجب فيها كما قد عرفته، لكن لمّا كان القصد مصاحبا للفعل الموصوف بهذه الأوصاف، صدق تعلّق القصد بكلّ واحد من الأوصاف، و إن كان للتحقيق حكم

____________

(1) كتاب العين 8: 394، تاج العروس 20: 266 «نوى».

227

آخر، فالواجب الأوّل في الحقيقة تعيين المقصود لا غير.

[ثانيها: القصد إلى الوجوب]

(و) ثانيها: القصد إلى (الوجوب) و المراد به هنا (1): الوجوب الواقع في النيّة مميّزا، المعبّر عنه بقوله في النيّة المشهورة: (فرض) لا الوجوب المقترن بلام العلّة، و إنّما اعتبر ذلك لتتميّز الصلاة به عن المندوبة و إن كان من اليوميّة كالمعادة.

[ثالثها: الأداء]

(و) ثالثها (الأداء) و هو فعل الشيء في وقته المحدود إن كانت أداء (أو القضاء) و هو فعله بعد خروج وقته.

و قد يطلقان على مطلق الفعل فيقال: أدّيت ما عليّ، أي فعلته. و قال تعالى:

فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ (2) أي فعلت، و المراد هنا بهما المعنى الأوّل.

و إنّما وجب أحدهما ليتميّز عن الآخر، إذ يمكن قضاء الفريضة في كلّ وقت إلّا لعارض كضيق وقت الحاضرة، فلا بدّ من تمييز الفعل بأحدهما؛ لإمكان إيقاعه على الوجهين. و إن انتفى القضاء لعارض نادرا فإنّه غير قادح في إمكان إيقاعه على الوجهين، فيجب التعرّض للأداء و إن ضاق الوقت مع احتمال عدم وجوبه حينئذ.

و في بعض النسخ: (و القضاء) (3) معطوفا على (الأداء) بالواو، و المراد به أحدهما، فهي بمعنى (أو) و كأنّه أمن اللّبس حيث لا يتصوّر اجتماع الضدّين على الموضوع الواحد.

و رابعها: الوجوب المجعول عليه

المعبّر عنه بقوله: (لوجوبه) و إليه أشار المصنّف بالوجوب المطلق المتقدّم، فإنّه أشار به إلى الأمرين معا، كما نبّه عليه بقوله بعد:

(و صفتها) و ذكر مع الفرض لوجوبه. و الضمير يعود إلى النيّة الواجبة سابقا، فلو لا أنّه معدود من الواجب لزم المغايرة بين النيّة و صفتها، و إدخال قيد في الواجب ليس بواجب، و هو مناف لغرض الرسالة، و موجب لتهافت الكلام.

و وجه وجوب ذلك ما ذكره المتكلّمون من وجوب إيقاع الفعل على وجهه، ففي الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه كالأمر و الشكر، و كونه لطفا في التكليف

____________

(1) هنا: لم ترد في «ش» و «د».

(2) الجمعة: 10.

(3) كما في نسخة «ش 1».

228

العقلي و نحوها.

[خامسها: القربة]

(و) خامسها (القربة) و هي غاية الفعل المتعبّد به، و المراد بها القرب إلى رضي اللّه سبحانه أو إلى ثوابه؛ لتنزّهه تعالى عن الزمان و المكان. و آثر المصنّف و غيره هذه الصيغة مع افتقارها إلى التأويل و إيهامها غير المقصود؛ لورودها في الكتاب و السنّة، كقوله تعالى وَ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ عِنْدَ اللّٰهِ (وَ صَلَوٰاتِ الرَّسُولِ) أَلٰا إِنَّهٰا قُرْبَةٌ (1).

و قوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه (2)».

و قوله فيه: «ما يزال ابن آدم يتقرّب إليّ بالصلاة حتى أحبّه» (3) إلى آخره، كما مرَّ (4).

[سادسها: المقارنة للتحريمة]

(و) سادسها (المقارنة للتحريمة) بحيث لا يتخلّل بينهما زمان؛ و إنّما وجب ذلك، لأنّ النيّة هي القصد إلى الأمور المذكورة على ما ذكره المصنّف، أو إلى الأمر المتصف بها- كما حققناه- عند أوّل العبادة (5)، و أوّل الصلاة التحريمة، و أوجب المصنّف مقارنتها لمجموع التحريمة؛ لتوقف الدخول في الصلاة على تمام التكبير (6).

و من ثمّ لو تمكّن المتيمّم من استعمال الماء قبل تمامه وجب عليه استعماله، بخلاف ما لو وجده بعده، و لا ريب أنّه أحوط و إن كان دليله غير تامّ، إذ لا شكّ في أنّ التكبير جزء من الصلاة، فتكون النيّة مقارنة لأوّله، و ليست الجزئيّة مختصّة بآخره إجماعا.

و غاية ما يلزم من دليله أنّ التحريم إنّما يتحقق بالمجموع؛ لظاهر قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و تحريمها التكبير (7)»، فيكون آخر التكبير كاشفا عن الدخول في الصلاة من

____________

(1) التوبة: 99.

(2) الكافي 2: 352/ 7- 8، اتحاف السادة المتّقين 8: 477، عوالي اللآلي 1: 408/ 74.

(3) مجمع الزوائد 2: 247، اتحاف السادة المتّقين 9: 569، مسند أحمد 6: 256.

(4) تقدّم في بحث الوضوء مفصّلا الصفحة: 81.

(5) تقدّم في الصفحة: 80.

(6) الذكرى: 177.

(7) فتح الباري شرح صحيح البخاري 12: 408/ 6954، نصب الراية لأحاديث الهداية 19: 62، تفسير القرطبي 19: 62.

229

أوّله، جمعا بين كونه جزء، و كون التحريم به إنّما يتحقّق بإكماله؛ لأنّ تعليق الحكم على مجموع لا يتمّ إلّا بجميع أجزائه، خلاف الجزئيّة فإنّها لا تتوقّف على المجموع، بل جزء الجزء جزء.

و حيث قد عرفت أنّ النيّة أمر واحد بسيط، و هو القصد إلى الأمر المخصوص على وجه مخصوص، كانت المقارنة بذلك القصد المستلزم الحضور المقصود بالبال، و هذا معنى قولهم: إنّ المقارنة تكون بمجموع الأمور الأربعة.

و كيف كان فهو أمر سهل و تكليف هيّن، و فإنّ المعتبر لحظ الذهن له بأدنى مخيلة، و هذا القدر أمر لا ينفكّ منه جميع العقلاء، بل الأغبياء الجهلاء عند إرادتهم فعلا ما من الأفعال فإنّهم لا يفعلونه إلّا بقصد و تخصيص له من بين الأفعال، كما يشهد به الوجدان، مع أنّهم لا يتكلّفون لنيّته عند فعله. و القدر الذي تزيده نيّة الصلاة من المميّزات لا يوجب ذلك، إلّا بمعارضة الوهم أو الشيطان.

و من هنا قال بعض الفضلاء: لو كلّف اللّه تعالى الصلاة أو غيرها من العبادات بغير نيّة كان تكليف ما لا يطاق، و ما هذا شأنه لا حاجة إلى التعب في تحصيله، و هو كلام متين لمن تدبّره.

و ما يتّفق لبعض الناس من تجشّم الاستحضار، فهو مجرّد و هم أو معارضة شيطان، حتى ربّما (1) صيّر بعضهم هجنة (2) عند العقلاء و ضحكة للجهلاء، فالأصوب لهم البناء على الصحّة و الإعراض عن هذا الخيال و إن عزّهم (3) الخبيث بأنّ ذلك غير جائز، فإن أقلّ ما يجوّزه- مع سهولة الخطب و استلزام مخالفة الشيطان- أنّ الوقوف على ما يرضيه موجب للعسر و الحرج المنفيين عنّا إجماعا، فإذا لم يلتفت إلى ذلك مرّة بعد

____________

(1) في هامش «ع»: قوله: ربما- إلى قوله-: و ضحكة للجهلاء: كذا بخط الشارح (رحمه اللّه) صحيحا.

(2) الهجنة في الكلام: ما يلزمك منه عيب، تقول: لا تفعله فيكون عليك هجنة. العين 3: 392، تاج العروس 18: 582 «هجن».

(3) في هامش «ع»: عزّهم، بالعين المهملة و الزاي المعجمة، فكان بمعنى أنّه غلب عليهم، كما هو الظاهر من خطّ الشارح (رحمه اللّه) و وضعه التشديد على الزاي المعجمة و النقطة كذلك. و يحتمل أن يقرأ بالغين المعجمة و الراء المهملة احتمالا بعيدا.

230

اخرى انحسمت عنه مادّته أصلا و رأسا، كما ورد في الحديث عن الصادق (عليه السلام):

«إذا كثر عليك الوهم فأدرج صلاتك إدراجا، فإنّ للعين يوشك أن يدعك» (1).

و في حديث آخر: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة، فإنّه خبيث إذ طمّع طمع» (2).

و لو فرض صعوبة الاستحضار و تعسّره على بعض الناس بواسطة و هم و نحوه، سقط أيضا و كفت المقارنة بما أمكن.

[سابعها: الاستدامة للنيّة حكما لا فعلا إلى الفراغ]

(و) سابعها (الاستدامة) للنيّة (حكما) لا فعلا (إلى الفراغ) من الصلاة، بمعنى أن لا يحدث نيّة تنافي النيّة الأولى على أجود القولين و قد تقدّم الكلام فيها (3).

و اعلم أنّ شرّاح الرسالة قد اضطربوا في بيان السبعة المعتبرة في النيّة؛ لكون ظاهر العبارة أنّه لم يذكر إلّا ستّة، مع اتّفاقهم على أنّ الوجوب أمر واحد، لا كما بيّناه (4).

فالشارح المحقّق جعل الأداء و القضاء واجبين و إن لم يكن اجتماعهما في صلاة شخصيّة، و وجّه ذلك بأنّ الكلام في نيّة الصلاة المطلقة الشاملة للأداء و القضاء، و لمّا كانت أفراد الصلاة متعدّدة كانت قيود أفرادها كذلك، و اعتذر عن نسخته التي عطف فيها (القضاء) ب(أو) المقتضية لأحد الأمرين خاصة: بأنّ الغرض من ذلك التنبيه على أنّ هذا الواجب مغاير لغيره من الواجبات، حيث إنّها تجتمع في الصلاة الشخصيّة، و هو لا يجامع الأداء فيها (5).

و لا يخفى ما فيه من التكلّف، خصوصا على ما سيأتي من قول المصنّف (رحمه اللّه): (و صفتها أصلي) إلى آخره، فإنّ المراد: صفة ما قد بحث عنه و عدّد واجباته، و أراد التعبير عنها و لم يذكر إلّا أحد الأمرين و ذكر الوجوب المميّز بقوله: (فرض الظهر) و الوجوب المعلّل بقوله بعد ذلك: (لوجوبه).

____________

(1) الكافي 3: 359/ 8- 9.

(2) الكافي 3: 358/ 2، التهذيب 2: 188/ 747، الاستبصار 1: 374/ 1422.

(3) تقدّم في الصفحة: 82.

(4) تقدّم في الصفحة: 227.

(5) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 255.

231

فاللازم حينئذ من كونه واجبا- مع عدم عدّه في الواجبات مع قرب المسافة، و ترك ما قد جعله واجبا- فسادات متعدّدة.

و على تقدير عدم وجوبه يفسد من وجهين آخرين أحدهما: ذكر ما ليس من موضوع الرسالة، و إعادة الضمير إلى النيّة الواجبة بجميع قيودها.

و لا يخفى رداءة ذلك، مع أنّه قد صرّح في الذكرى عند البحث عن إجزاء هذه النيّة بأنّ وجه وجوب هذا القيد ما قاله المتكلّمون من وجوب إيقاع الواجب لوجوبه (1)، فكان ذلك أوفق لمذهبه و ترتيبه.

و زعم بعض الشرّاح أنّ أحد الواجبات هو القصد المطلق، و جعله مغايرا للتعيين و غيره من المميّزات، و حمل (إلى) على معنى (مع) (2).

و هو ظاهر الفساد بعد الإحاطة بما بيّناه سابقا، فإنّ القصد هو النيّة، و باقي الأمور التي جعل المصنّف القصد متعلّقا بها هي المقصود و مميّزاته، فلا يعقل كون القصد المطلق من واجبات النيّة، بل هذا كلام من لم يعلم حقيقة النيَّة.

و تمادى الوهم ببعضهم حتى خفي عليه أمر الواجب السابع، فجعله هو القيام في النيَّة؛ لقول المصنّف فيما بعد: (القيام في الثلاثة المذكورة) (3). و لا أدري كيف صنع هذا المتوهّم بباقي الثلاثة؟! فإنّ واجباتها معدودة معلومة، و ليس القيام منها، فيلزمه أن يضيف إلى عدد كلّ منها القيام، و ذلك موجب لاختلال نظام الرسالة و فساد أعدادها المضبوطة آخر الفصل بسبب فهم فاسد.

(و صفتها) أي صفة النيّة المستجمعة للأمور المعتبرة فيها، (أصلّي فرض الظهر أداء لوجوبه قربة إلى اللّه) و الغرض بهذا اللفظ إيصال المعاني إلى أفهام المكلّفين و إن كان اللفظ غير معتبر.

و أشار المصنّف بقوله: (و صفتها) دون صورتها، إلى أنّ المعتبر ليس هو اللفظ

____________

(1) الذكرى: 176.

(2) هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 112.

(3) يأتي في الصفحة: 260.

232

المخصوص، بل الصفة المفهمة لمعناه، و أنّ الترتيب الواقع في الصورة غير شرط، فلو قدّم بعضها على بعض لم يضرّ. و تقديم بعضها على بعض في كلامهم لضرورة التعبير عنها بالألفاظ، إذ من ضرورتها ذلك؛ لعدم إمكان ذكرها جملة، فقول المكلّف:

(أصلّي) إشارة إلى القصد إلى الفعل المخصوص. و كان من حقّه التأخير إلى أن يستحضر في ذهنه الفعل بمشخّصاته؛ لتوقّف القصد على مقصود معلوم. لكن لمّا كان المعتبر في النيّة حضورها مع ما يعتبر معها في القلب دفعة، فلا فرق بين المتقدّم منها في اللفظ و المتأخّر، فهو و إن كان متقدّما لفظا فهو متأخّر معنى.

و (فرض الظهر) إشارة إلى الوجوب المميّز و التعيين.

و (أداء) إلى الأداء، و هو فعل الشيء في وقته المحدود له شرعا.

و (لوجوبه) إلى الوجوب المجعول عليه إشارة إلى وجه الفعل، و ينبغي إيقاع الفعل على وجهه المطلوب شرعا من وجوب أو ندب و إن كان الدليل على وجوب هذا القيد غير واضح.

و (قربة إلى اللّه) إلى غاية الفعل المتعبّد به، و انتصابها على المفعول لأجله.

و قد استشكل المصنّف (قدّس اللّه روحه) ذلك في الذكرى من حيث تعدّد المفعول له من غير توسّط حرف العطف، و زعم أنّ ذلك ممتنع مع اتّحاد المغيّى، بل يجب توسّط الحرف كما قال تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً (1)، و نقل عن بعض النحاة الاعتذار عن ذلك بأنّ الوجوب غاية لما قبله، و التقرّب غاية للوجوب، فتتعدّد الغاية بحسب تعدد المغيّى، فاستغنى عن الواو (2).

و في كلّ واحد من الإشكال و الجواب نظر، فإنّا نمنع أوّلا من تعدّد المفعول لأجله، فإنّه هو المصدر المنصوب المعلّل للحدث، شاركه وقتا و فاعلا، كقولك: جئتك رغبة، و لو قلت: جئتك للرغبة، لم يكن مفعولا لأجله اصطلاحا و إن كان علّة الحدث جامعا لباقي الشرائط، فحينئذ ليس هناك إلّا مفعولا واحدا و هو القربة.

____________

(1) الأنبياء: 90.

(2) الذكرى: 177.

233

و أيضا فشرط المفعول لأجله كونه فعلا لفاعل الفعل المعلّل به، كما قد عرفته في تعريفه، و صرّح به المحقّقون من أهل العربية، و لا شكّ أنّ فاعل الوجوب الذي توهّم كونه مفعولا لأجله هو اللّه تعالى؛ لأنّه أحد أحكام اللّه تعالى الخمسة الشرعيّة، و فاعل الفعل المعلّل- و هو الصلاة المشخصة- هو المكلّف، فلا يكون الوجوب مفعولا لأجله بالنسبة إليها و إن كان علّة.

نعم، المكلّف كما أنّه فاعل للصلاة فاعل للقربة أيضا، فكانت مفعولا لأجله؛ لجمعها الشرائط الخمسة كلّها.

بقي هنا لطيفة، و هي أنّ من القواعد المقرّرة في العربيّة أنّ علّة الحدث إذا لم تجمع الشرائط المذكورة وجب جرّها بحرف التعليل، كما في قوله تعالى وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا (1) فإنّ الركوب علّة لخلق هذه الأشياء، لكن فاعله ليس هو فاعل خلقها، فلذلك جاء به مجرورا بلام التعليل و عقّبه بقوله وَ زِينَةً بالنصب على المفعول له؛ لاتّحاد فاعل الخلق و التزيين و هو اللّه تعالى.

و من هنا ظهر لك السرّ في الإتيان بالوجوب في عبارة النيّة مجرورا باللام، و الإتيان بالقربة بعده منصوبة على المفعول لأجله؛ لاتّحاد فاعلها و فاعل الفعل الأوّل دون الوجوب مع تشاركهما في أصل العلّيّة. و ما أشدّ التناسب بين الآية الشريفة و ما نحن فيه، و ألطف الدلالة لذلك على عدم تعدّد المفعول لأجله.

ثم لو تنزّلنا و سلّمنا أنّ المفعول له متعدّد، منعنا من عدم جواز عطف أحدهما على الآخر بدون الواو، بل كما يجوز العطف به ملفوظا يجوز محذوفا، بل هو قاعدة مطّردة في هذا الباب و غيره، و قد ورد حذف حرف العطف في الشواهد الشعريّة و الآيات القرآنيّة، كما نصّ عليه ابن هشام في المغني و غيره (2)، و قد تقدّم منّا الإشارة إلى ذلك في صدر الكتاب عند الحاجة إليه (3)، و ظهر بما حقّقناه ما يحسم مادة الإشكال

____________

(1) النحل: 8.

(2) مغني اللبيب 2: 635.

(3) تقدّم في الصفحة: 59.

234

أصلا و رأسا.

و أما الجواب ففاسد من وجهين:

أحدهما: أنّ القربة إنّما هي غاية الفعل الواجب المتعبّد به الموصوف بالوجوب، لا الوجوب الذي هو مجرّد الوصف، فإنّ تقرّب المكلّف إنّما هو بما يفعله من الفعل لا بما لا يفعله، و هو الوجوب، فلا يجوز كون القربة غاية للوجوب.

الثاني: ما قد عرفته من أنّ شرط المفعول له اتّحاد فاعله و فاعل الحدث المعلّل، و الأمر هنا ليس كذلك فإنّ فاعل القربة هو المكلّف، و فاعل الوجوب هو اللّه تعالى، كما قد عرفته في بيان إبطال كون الوجوب غاية للفعل المتقدّم و مفعولا لأجله، فيبطل بذلك كون القربة غاية للوجوب كما زعمه المجيب.

إذا تقرّر ذلك فلنعد إلى النيّة فنقول: قد عرفت أنّ محلّ القصد إلى الفعل المعيّن يكون بعد حضوره بالبال، و أنّه لا ترتيب بين الأمور المعتبرة فيها، و أنّه لا يجب الجمع بين الوجوب المميّز و الغائي و إن كان أحوط.

فلو أنّ مكلّفا أحضر في ذهنه صلاة الظهر الواجبة المؤدّاة، ثم استحضر قصد فعلها للّه تعالى، كان ناويا، و لو أراد التعبير عن ذلك فليقل: صلاة الظهر الواجبة المؤدّاة أفعلها قربة إلى اللّه تعالى، أو للّه تعالى (1)، و لو قال: أصلّي فرض الظهر الواجب المؤدّى قربة إلى اللّه تعالى، كفى أيضا، و ارتفعت عنه كلفة الإعراب المتقدّم.

(و لو نوى القطع في أثناء الصلاة) بها في الحال، أو بعده في أثناء الصلاة، (أو) نوى (فعل المنافي) لها بالذات كالحدث و الكلام و الاستدبار، أو بالعرض كالذكر رياء فإنّه مناف لها بسبب الرياء و إن كانا من مكمّلاتها أو من أفعالها على وجه (بطلت) الصلاة بذلك كلّه (في قول) (2) لمنافاتها للاستدامة الحكميّة، فتبطل لضعف الباقي حكما بالنسبة إلى المنويّ فعلا، و لتنافي إرادتي الضدّين.

و لا يكفي تجديد النيّة بعد ذلك قبل فعل شيء منها كما في الوضوء؛ لأنّ الصلاة

____________

(1) أو للّه تعالى: لم ترد في «د» و «ق».

(2) اختاره الماتن في الذكرى: 178، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 223.

235

عبادة واحدة متّصلة، و محلّ النيّة أوّل العبادة، إلّا ما نصّ عليه كالعدول، بخلاف الوضوء فإنّه منفصل شرعا، و في حكم نيّة القطع التردد فيه.

و القول الآخر: عدم البطلان بهما (1)؛ بناء على منع تنافي إرادتي الضدّين، و إن تنافي معروضهما، و هي مسألة كلاميّة.

و فصل ثالث فأبطل الصلاة بنيّة القطع في الحال و فعل المنافي فيه، لا في المآل إذا رجع عن النيّة قبل الوصول إليه (2). و جعل المصنّف ما ذكره قولا يشعر بتوقّفه فيه، و قد اختاره في باقي كتبه (3).

(و الواجب) في النيّة (القصد) بل هي عين القصد.

(و لا عبرة) فيها (باللفظ بل يكره) اللفظ فيها مع اقترانه (4) بالقصد (لأنّه كلام لغير حاجة بعد الإقامة) و كلّ كلام يقع بعدها كذلك فهو مكروه، كما ورد به النقل (5).

و أشار بذلك إلى الردّ على ما يخطر لأهل الوساوس الشيطانيّة و الحماقة النفسانيّة من توهّم صعوبة استحضار النيّة بدون تجشّم المشاقّ القويّة و تكرير الألفاظ المعدّة للنيّة، بل مجرّد التلفّظ بها و لو مرّة واحدة، حتى صيّر الشيطان بعضهم هجنة عند العقلاء بل ضحكة للأغبياء الجهلاء.

و كيف يتصوّر العاقل المختار- الذي يصدر عنه في آناء الليل و أطراف النهار أفعال كثيرة مختلفة المقاصد، متباينة الغايات و الفوائد، و كلّها لا يوقعها إلّا بعزيمة جازمة و نيّة لازمة- أنّ القصد إلى فعل من الأفعال يتوقّف على التلفّظ بالقصد إليها؟! مع أنّه عبارة عن مجرّد توجّه الذهن إليها و بعث النفس عليها، و إنّما النيّة أمر مركوز في جبّلة العقلاء، بل كثير من المجانين الأغبياء لا يفعلون فعلا إلّا تبعا لقصودهم، و ليس النيّة إلّا ذلك، مع اعتبار نيّة القربة إلى اللّه تعالى بها و مقارنتها لأوّل العبادة، و ذلك لا يوجب

____________

(1) اختاره الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 307 المسألة 54 كتاب الصلاة.

(2) هو العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 3: 108 المسألة 205 كتاب الصلاة و قواعد الأحكام 1: 269.

(3) الذكرى: 178، البيان: 153، الدروس 1: 166.

(4) في «د» و «ق»: أقرانه.

(5) التهذيب 2: 55/ 191، الاستبصار 1: 301/ 1112.

236

اختصاصها بهذه الزيادة. و كفى زاجرا عنها أنّها من وساوس الشيطان، الذي قد أمرنا بالاستعاذة منه و من وسوسته في محكم القرآن. (1)

و قد تمادى هذا الوهم ببعض المتأخّرين حتى جعل التلفّظ بها غير مكروه، بل قد يكون واجبا مع توقّف الاستحضار عليها (2).

و هو بالإعراض عنه حقيق، فإنّ القصد إلى فعل من الأفعال لا يعقل توقّفه على اللفظ بوجه.

ما هذه إلّا غفلة محضة عن حقيقة النيّة، أو جهل بحالها. و ما أبعد هذه المقالة عن كلام اللّه سبحانه، و خلفائه (عليهم السلام)، و علمائنا السالفين:

قال اللّه سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (3)، عقّب غسل الوجه في الوضوء لإرادة القيام إلى الصلاة بالفاء المفيدة للتعقيب بغير مهلة (4)، من غير أن يجعل النيّة من أفعاله، أو يجعل لها وقتا يتخلّل بينهما، و كلّ ذلك يؤيّد ما قلناه.

و في حديث حمّاد المشهور عن الصادق (عليه السلام) حين سأله أن يعلّمه الصلاة إلى قوله: فقام (عليه السلام) و استقبل القبلة و قال بخشوع: «اللّه أكبر» (5). و لم يقل فكّر (6) في النيّة، و لا تلفّظ بها، و لا غير ذلك من هذه الخرافات المحدثة.

و قد ذكر المصنّف (رحمه اللّه) في الذكرى أنّ المتقدّمين من العلماء ما كانوا يذكرون النيّة في كتبهم الفقهيّة، بل يقولون: أوّل واجبات الوضوء- مثلا- غسل الوجه، و أوّل واجبات الصلاة تكبيرة الإحرام، و نحو ذلك. فلمّا خلف من بعدهم خلف أضاعوا

____________

(1) الأعراف: 200.

(2) هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 119.

(3) المائدة: 6.

(4) جملة (بالفاء المفيدة للتعقيب بغير مهلة) لم ترد في «د» و «ق»، و في «ع» وردت في الهامش و كتب عليها: كذا بخطّه (رحمه اللّه).

(5) الكافي 3: 311/ 8، الفقيه 1: 196/ 916، التهذيب 2: 81/ 301.

(6) في هامش «ع»: فكّر بالفاء، و الكاف المشدّدة، و الراء. كذا بخطّه (رحمه اللّه).

237

حدود الأحكام الشرعيّة و أغفلوا وظائف الطرق الفقهيّة، خاف عليهم علماؤهم، فنبّهوهم على وجوب النيّة، فآل الحال بهم إلى أن جهلوا معناها كما ترى، و اللّه المتسعان (1).

____________

(1) الذكرى: 80.

238

[الثانية: التحريمة]

(الثانية: التحريمة) و هي التكبيرة، سمّيت بذلك لتحريمها ما كان فعله جائزا قبلها، كالكلام و غيره من المنافيات. قال الجوهري: يقال: أحرم بالحج و العمرة؛ لأنّه يحرم عليه به ما كان حلالا قبله (1).

(و يجب فيها أحد عشر):

[الأوّل: التلفظ بها]

(الأوّل: التلفظ بها) فلا يجزي إجراؤها على القلب؛ لأنّها عبادة لفظيّة لا قلبيّة، و للتأسّي بصاحب الشرع (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

(و صورتها: اللّه أكبر، فلو أبدل الصيغة) المذكورة (بطلت) الصيغة، و يتحقّق إبدالها بتغيّرها مادة كإبدال (اللّه) ب(الرحمن) و نحوه، و (أكبر) ب(أعظم) و (أجلّ) و نحوهما، و صورة كتغيير ترتيبها المعيّن. و حيث حكم ببطلان التكبيرة فأعادها صحّت الثانية مع بقاء الاستحضار الفعليّ به للنّيّة أو تجدّده، و إلّا فلا.

[الثاني: عربيّتها]

(الثاني: عربيّتها) تأسّيا بصاحب الشرع (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث كبّر بها، و قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلي.» (2).

(فلو كبّر بالعجمية) و هي ما عدا العربية من اللغات (اختيارا بطل) تكبيره.

____________

(1) الصحاح 5: 1897 «صرم».

(2) صحيح البخاري 1: 162، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدارمي 1: 286.

239

و احترز بالاختيار عن المضطرّ لضيق وقت بحيث لا يمكنه التعلّم، فإنّه يكبّر بلغته، فإن تعدّدت تخيّر، و الأفضل تقديم السريانيّة و العبرانيّة على غيرهما، بل قيل بوجوبه حينئذ.

[الثالث: الموالاة]

(الثالث: الموالاة) بين الكلمتين (فلو فصل) بينهما (بما يعدّ فصلا) من كلام أو سكوت (بطل). و المرجع في تحقّق الفصل السكوتيّ إلى العرف؛ فلذلك علّق الحكم على الاعتداد به. و لا فرق في الفاصل اللفظيّ بين المنافي للتكبير و المناسب كقوله: اللّه تعالى أكبر.

[الرابع: مقارنتها للنيّة]

(الرابع: مقارنتها للنيّة، فلو فصل) بينهما (بطل) لأنّ حقيقة النيّة شرعا هي القصد المقارن، فمع الفصل يكون عزما لا نيّة. و قد تقدّم هذا الباب في واجبات النيّة (1)، و قد كان يستغني عن إعادته مرّة أخرى؛ لاستلزام وجوب مقارنة النيّة للتحريمة مقارنتها لها.

لكنّه لما كان بصدد تعداد الواجبات و جمعها حسب ما يتّفق؛ ليوافق الغرض المقصود، أعاده هنا، فإنّ الوجوب في الحقيقة حاصل بذلك لكلّ من النيّة و التحريمة و إن تلازما. و سيأتيك أنّه ترك عدد جملة من الواجبات كان ذكر كلّ منها مكان هذا أولى، و الأمر سهل.

[الخامس، و السادس: عدم المدّ بين الحروف في غير موضعه]

(الخامس، و السادس: عدم المدّ بين الحروف) في غير موضعه (فلو مدّ همزة اللّه بحيث يصير) اللفظ (استفهاما) إذا قصده، أو تصوّره إذا لم يقصده (بطل).

أما مع قصد الاستفهام فظاهر؛ لمنافاته للإخبار المقصود من الصيغة على ما يظهر من كلامهم، أو للإنشاء الحاصل من اللفظ و إن كان بصورة الخبر، كما يحتمله اللفظ.

و أما مع عدم قصده فيحتما قويّا كونه كذلك؛ لما ذكر (2) من العلّة، إذ لا يشترط في دلالة الألفاط على معانيها الدالة عليها القصد، و مقتضى إطلاق الحكم هنا يشمله.

و يحتمل عدم البطلان هنا؛ لأنّ ذلك كإشباع الحركة.

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 80.

(2) في «ع»: مرّ.

240

و المراد بصيرورته مع المدّ بصورة الاستفهام أنّ همزة الاستفهام إذا اتّصلت بهمزة التعريف الواقع في الاسم يجوز قلب الثانية ألفا، قاعدة مطّردة في اجتماع الهمزتين المتوافقتين في الحركة أوّل الكلمة، فتصير الهمزة الاولى ممدودة، فإذا مدّت همزة اللّه صارت كذلك.

(و كذا) يبطل التكبير (لو مدّ أكبر بحيث) يخرج عن وزن أفعل، و (يصير جمعا) لكبر بفتح الكاف و الباء، و هو الطبل له وجه واحد (1)، مع قصده، و مع عدمه الوجهان، و الوجه البطلان، و لو كان الإشباع فيهما يسيرا لا يبلغ الألف لم يضرّ و إن كان مكروها.

و احترز بالمدّين المذكورين عن مدّ اللام الثانية من الجلالة، فإنّه لا يضر و إن طال، بل لا بدّ فيه من مدّ طبيعيّ؛ لأنّ بعده ألف و إن لم يكن ثابتا في الرسم.

و كان حقّه التنبيه عليه على الخصوص لئلا يدخل في قوله: (عدم المدّ بين الحروف) فإنّ مجرّد ذكر المدّين لا ينفي ما عداهما، و نحن قد احترزنا عنه بقولنا: في غير موضعه (2).

و بقي في التكبير مدّ رابع يمكن وقوعه، و هو مدّ همزة أكبر بحيث يصير بصورة الاستفهام، فإنّه مبطل أيضا؛ بناء على البطلان بصورة الاستفهام و إن لم يقصد، و إنّما ترك المصنّف التنبيه عليه؛ لأنّ الاستفهام له صدر الكلام فلا يقع في أثنائه، و لكن الصورة ممكنة.

و إنّما جمع المصنّف هنا بين الواجبين، أعني الخامس و السادس؛ لتقاربهما بسبب اشتراكهما في مسمّى المدّ، كما جمع بين الواجبين الأخيرين بسبب اشتراكهما في قطع الهمزة.

[السابع: ترتيب صيغة التحريمة]

(السابع: ترتيبها) أي ترتيب صيغة التحريمة بأن يقدّم (اللّه) على (أكبر) (فلو عكس بطل) التكبير.

____________

(1) المصباح المنير 2: 209، تاج العروس 7: 432 «كبر».

(2) تقدّم في الصفحة: 239.

241

و قد كان يستغني عن إفراد هذا الواجب أيضا؛ لدخوله في قوله: (فلو أبدل الصيغة بطلت) فإنّ تغيير الترتيب تبديل للجزء الصوريّ. و كأنّه أراد بالإبدال هناك إبدال مادّتها دون صورتها، فتعدّد بذلك الواجب و إن كان يمكنه جمعهما مراعاة لزيادة العدد باعتبار ما.

و اعلم أنّ المصنّف غيّر مرجع الضميرين في هذه العبارة حيث أنّث الأوّل و أعاده إلى التحريمة أو الصيغة، و ذكّر الثاني و أعاده إلى التكبير. و سوّغ ذلك كون الشيء الواحد له لفظان مختلفان في التذكير و التأنيث، فإنّه يجوز إعادة ضميره إلى أحدهما بتأويل الآخر، كما نقل من كلامهم: فلان أتاه كتابي فاحتقرها، بتأويل الرسالة أو الصحيفة.

[الثامن: إسماع نفسه تحقيقا]

(الثامن: إسماع نفسه) الصيغة (تحقيقا) مع خلوّ السمع عن المانع من صمم و صوت و حائل و نحوه (أو تقديرا) عند وجود المانع من السمع.

و نبّه بكون الواجب فيه (إسماع نفسه) عليه أنّه لا يجب فيه جهرا و لا إخفاتا عينا، بل يتخيّر فيه مطلقا و إن كان للفضيلة تفصيل آخر، و قد علم من الأوّل وجوب التلفّظ به. و في جمعه بينهما تنبيه على عدم انحصاره فيه، بل اللفظ أعمّ من سماعه، و كذا يعلم ذلك من قولهم في القراءة: أقلّ السّر إسماع نفسه مع وجوب التلفّظ بالقراءة.

[التاسع: إخراج حروفه من مخارجها]

(التاسع: إخراج حروفه من مخارجها) المقرّرة لها في مواضعها، فلو أخرجها من غيرها بطل.

و يعلم من ذلك وجوب تعلّم المخارج عينا، إذ لا يعلم خروج الحرف من مخرجه بدون العلم بمخرجه، اللّهم إلّا أن يعرضه على العالم به مرارا، أو يخبره بخروجه من مخرجه و يعلم أنّه لم يتعدّ ذلك المخرج في تلفّظه. و هذا في الغالب أمر سهل و إن كان إطلاق إيجابه مقتضيا للعسر، حيث يستلزم تكليف الآحاد بمعرفة مخارج الحروف، و هو غير معهود من تكليف صاحب الشرع و تابعيه (عليهم السلام).

و كما يجب إخراج حروف تكبيرة الإحرام من مخارجها، كذا يجب ذلك لغيره من

242

أذكار الصلاة، كذكر الركوع و السجود و التشهّد، كما نبّه عليه بقوله (كباقي الأذكار) أي كما أنّ باقي الأذكار كذلك يجب إخراج حروفها من مخارجها الخاصّة.

و فائدة التشبيه بها- مع عدم سبق ذكرها- المبالغة في وجوب ذلك لها، و إدراجها في الحكم؛ ليستغني عن ذكرها مرّة أخرى. و هذا من باب التشبيه المقلوب و هو أن يجعل المشبّه أصلا و المشبّه به فرعا، مبالغة في التشبيه، إذ الأصل فيه تشبيه الفرد الأخفى بالفرد الأظهر. و لا شك أنّ حكم التحريمة في ذلك قد صار بذكره أظهر من حكم باقي الأذكار، فتشبيهه به قلب في التشبيه، و هو باب معروف، منه قوله تعالى:

إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا (1).

[العاشر، و الحادي عشر: قطع الهمزة من اللّه، من أكبر]

(العاشر، و الحادي عشر: قطع الهمزة) و بيانها و إظهارها (من اللّه، و) قطعها (من أكبر، فلو وصلهما) في الكلمتين بأن أسقطهما، كما يكون ذلك لهمزة الوصل حالة الدرج، أو وصل إحداهما (بطل).

أما وجوب قطع همزة (أكبر) فظاهر؛ لأنّها همزة قطع إجماعا.

و أمّا همزة (اللّه) فقيل: هي همزة قطع أيضا (2)؛ بناء على أنّها جزء من الاسم الشريف، و ليست للتعريف، و لا إشكال حينئذ. و أما على القول المشهور من كونها همزة وصل؛ فلأنّ التكبير الوارد من صاحب الشرع (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما كان بقطع الهمزة، و قد قال (صلّى اللّه عليه و آله): «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (3).

و لا يلزم من كونها همزة وصل سقوطها؛ لأنّها إنّما تسقط في الدّرج لكلام متصل، و لا كلام قبل تكبيرة الإحرام، إذا النيّة- كما قد علم- أمر قلبيّ، و هو السّر في قطع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الهمزة؛ لعدم تلفّظه بمتّصل بها، فهي أوّل الكلام.

و لو فرض تكلّف متكلّف بالتلفّظ بالألفاظ المعدّة للنيّة، لكان بمنزلة الهذر من

____________

(1) البقرة: 275.

(2) قاله الخليل الفراهيدي في العين 4: 91، و الزمخشري في الكشّاف 1: 5، و حكاه اليعقوبي في معالم التنزيل 1: 24 عن ابن مسعود و الفرّاء.

(3) صحيح البخاري 1: 162، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدارمي 1: 286.

243

الكلام و استعمال ما لا يحتاج إليه في المقام. و ما هذا شأنه لا يخرج اللفظ عن أصله المعهود شرعا. مع أنّ تكلّف اللفظ بها أمر حدث بعد ثبوت الحكم بقطعها تأسّيا به (صلّى اللّه عليه و آله)، و بخاصّته، فلا يزيل التشريع الطارئ ما ثبت بالأصل و الاستصحاب.

و قوله: (فلو وصلهما) المراد به مع التلفّظ بالنيّة أو بغيرها من الأذكار و الدعوات؛ ليكون موضع الشبهة، أما مع عدم اتّصال التكبير بكلام سابق فلا يقتضي المقام ذكره و إن كان الحكم فيه كذلك، و كفى بهذا الحكم تنفيرا و تقريعا لأهل الوسواس و معتاد التلفّظ بالنيّة من غفلة الناس.

244

[الثالثة: القراءة]

(الثالثة: القراءة) (و واجباتها ستة عشر):

[الأوّل: تلاوة الحمد و السورة]

(الأوّل: تلاوة الحمد و السورة) أيّ سورة كانت من سور القرآن عدا ما يستثني.

فاللّام إمّا زائدة، أو لتعريف الحقيقة. و قد كان يغني عنها التنكير، أي قراءة سورة بعد الحمد (في) الصلاة (الثنائيّة و في) الركعتين (الأولتين من غيرها) أي غير الثنائيّة كالثلاثيّة و الرباعيّة.

أمّا وجوب قراءة الحمد فموضع وفاق، و أما وجوب السورة فهو المشهور بين الأصحاب. هذا مع الاختيار كسعة الوقت و القدرة عليها، و إلّا سقطت إجماعا.

[الثاني: مراعاة إعرابها]

(الثاني: مراعاة إعرابها) و المراد به ما يشمل الإعراب و البناء.

(و تشديدها) لنيابته مناب الحرف المدغم.

(على الوجه المنقول بالتواتر) و هي قراءة السبعة (1) المشهورة، و في تواتر تمام العشرة

____________

(1) القرّاء السبعة هم: عبد اللّه بن عامر الدمشقي، ت 118 ه. عبد اللّه بن كثير المكّي، المشهور بأبي معبد، ت 120 ه.

زَبّان بن علاء، المشهور بأبي عمرو البصري، ت 154 ه. نافع بن عبد الرحمن المدني، المشهور بأبي رويم، ت 169 ه.

عاصم بن أبي النجود الكوفي، المشهور بأبي بكر، ت 127 ه أو 128 ه. حمزة بن حبيب الكوفي، المشهور بأبي عمارة، ت 156 ه. علي بن حمزة الكسائي الكوفي، المشهور بأبي الحسن، ت 189 ه. انظر النشر من القراءات العشر 1: 99- 173.

245

بإضافة أبي جعفر (1) و يعقوب (2) و خلف (3) خلاف، أجوده ثبوته، و قد شهد المصنّف في الذكرى بتواترها (4)، و هو لا يقصر عن نقل الإجماع بخبر الواحد.

و اعلم أنّه ليس المراد أنّ كلّ ما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فإنّ بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن غيرهم، كما حقّقه جماعة من أهل هذا الشأن (5).

و المعتبر القراءة بما تواتر من هذه القراءات و إن ركّب بعضها في بعض ما لم يترتّب بعضه على بعض آخر بحسب العربيّة، فيجب مراعاته، ك فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ (6) فإنّه لا يجوز الرفع فيهما و لا النّصب و إن كان كلّ منهما متواترا، بأن يؤخذ رفع آدم من غير قراءة ابن كثير، و رفع كلمات من قراءته، فإنّ ذلك لا يصحّ؛ لفساد المعنى.

و نحوه وَ كَفَّلَهٰا زَكَرِيّٰا (7) بالتشديد مع الرفع، أو بالعكس.

و قد نقل ابن الجزري في (النشر) عن أكثر القرّاء جواز ذلك أيضا، و اختار ما ذكرناه (8).

و أما اتّباع قراءة الواحد من العشرة في جميع السورة فغير واجب قطعا، بل و لا مستحبّ، فإنّ الكلّ من عند اللّه نزل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين تخفيفا على الأمّة و تهوينا على أهل هذه الملّة. و انحصار القراءات فيما ذكر أمر حادث غير معروف في الزمن السّابق، بل كثير من الفضلاء أنكر ذلك خوفا من التباس الأمر،

____________

(1) أبو جعفر يزيد بن قعقاع المخزومي المدني، ت 130 ه.

(2) يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري، ت 205 ه.

(3) أبو محمّد خلف بن هشام الكوفي، ت 229 ه.

(4) الذكرى: 187.

(5) كابن الجزري في النشر في القراءات العشر 1: 9.

(6) البقرة: 37.

(7) آل عمران: 37.

(8) النشر في القراءات العشر 1: 19.

246

و توهّم أنّ المراد بالسبعة هي الأحرف التي ورد في النقل أن القرآن انزل عليها، و الأمر ليس كذلك، فالواجب القراءة بما تواتر منها.

(فلو قرأ ب) القراءات (الشواذ) و هي في زماننا ما عدا العشر، و ما لم يكن متواترا (بطلت) الصلاة، و كذا القول فيما يأتي من ضمائر (بطلت) في هذا الباب فإنّه يعود إلى الصلاة لا إلى القراءة و إن كانت أقرب من جهة اللفظ؛ لفساد المعنى على تقريره في أكثر المواضع، كما ستراه.

و الشارح المحقّق أعاد الضمير إلى القراءة (1)، و ستقف على مواضع كثيرة لا يتوجّه فيها ذلك، بل هذه منها أيضا؛ لأنّ الصلاة هنا تبطل لا القراءة خاصّة للنهي المفسد للعبادة، لأنّ الشاذ ليس بقرآن و لا دعاء. هذا مع العمد كما يقتضيه الإطلاق، أما مع النسيان فكباقي الكلام.

[الثالث: مراعاة ترتيب كلماتها و ترتيب آيها]

(الثالث: مراعاة ترتيب كلماتها و) ترتيب (آيها) جمع آية، و تجمع أيضا على آياي و آيات (على) الوجه (المتواتر).

فلو خالف عمدا بطلت، و ناسيا يعيد على ما يحصل معه الترتيب. و لا فرق في ذلك بين ما روي أنّه كان على خلاف هذا الترتيب و غيره؛ حملا للأوامر الصادرة من الأئمّة (عليهم السلام) في القراءة على المعهود مع سبق الترتيب الخاصّ على زمان أكثرهم.

[الرابع: الموالاة]

(الرابع: الموالاة) بين كلماتها و آيها (فلو سكت) في أثنائها (طويلا) بحيث يخرج بالسكوت عن كونه مصلّيا، سواء أوقع ذلك عمدا أو سهوا (أو قرأ خلالها غيرها عمدا، بطلت) الصلاة في الحالتين:

أمّا الأوّل فظاهر؛ لعدم صدق اسم المصلّي عليه عرفا.

و أمّا الثاني: فللنهي (2) المقتضي لفساد العبادة.

و قيّدنا السكوت بكونه مخرجا للمصلّي عن كونه مصلّيا؛ ليطابق الحكم ببطلان

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 262.

(2) الفقيه 1: 332/ 1029.

247

الصلاة و يوافق قسيمه الآخر و هو القراءة خلالها عمدا، فإنّه مفسد للصلاة قطعا، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في غير الرسالة (1) و غيره (2).

و لو خرج بالسكوت عن كونه قارئاً خاصّة، فإن كان ذلك واقعا ممّن ارتج عليه قصدا للتذكّر لم يضرّ، و إلّا بطلت القراءة خاصة.

و لو لم يخرج السكوت عنهما لقصر وقته لم يضر ما لم يكن بنيّة القطع للصلاة أو القراءة، بمعنى عدم العود إليها؛ لأنّه كنيّة المنافي، و المرجع في الطول بقسميه و عدمه إلى العرف.

و احترز في قراءته خلالها بالعمد عمّا لو وقع ذلك نسيانا، فإنه يبطل القراءة خاصّة للإخلال بالموالاة.

هذا هو المشهور، و ينبغي تقييده بتخلّل ما يفوّت الموالاة، فإنّ نحو الكلمة و الكلمتين لا يقدحان في الموالاة عرفا، و في المسألة أقوال أخر هذا أجودها.

و يستثني من القراءة المتخلّلة ردّ السّلام، و تسميت العاطس، و الحمدلة عند العطاس، و سؤال الرحمة و الاستعاذة من النقمة عند آيتيهما، و الدعاء السائغ للدين و الدنيا، و نحوه ممّا لا تبطل الصلاة بفعله كما هو مشهور، و هو علّة إهماله.

و أنت خبير بما في العبارة من الإجمال في تحرير المسألة و بيان المراد منها، مع أنّها أجود من غيرها من عبارات الأصحاب في هذه المسألة، فإنّها في الأغلب غير جيّدة، فاعتبرها.

[الخامس: مراعاة الوقف على آخر كلمة]

(الخامس: مراعاة الوقف على آخر كلمة) في حال كونه مع ذلك (محافظا على النظم) البديع الذي به حصل الإعجاز عند المحقّقين، و المراد به هنا تأليف كلماته مترتّبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل.

(فلو وقف في أثناء الكلمة بحيث لا يعد قارئاً، أو سكت على كلّ كلمة) أو على أكثر الكلمات (بحيث يخلّ بالنظم) و يصير كأسماء العدد و الحروف (بطلت) الصلاة؛

____________

(1) الذكرى: 188، البيان: 157.

(2) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 215- 216، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 265.

248

لأنّ الركن الأعظم في القرآن نظمه، لأنّ به يمتاز عن كلام المخلوقين و يصير معجزا لا بمفرده، و مركّبة و عربيته؛ لمساواته لغيره في ذلك، هذا مع العمد.

أما مع النسيان فتبطل القراءة لا غير ما لم يخرج عن كونه مصلّيا؛ لأنّ تلك القراءة تصير كالكلام الأجنبيّ.

و لا يقدح في ذلك الوقت على ما يعدّه القرّاء قبيحا؛ لحصول مسمّى القرآن معه، كما لا يقدح ترك الوقف على ما يسمّونه واجبا، فإنّ ذلك كلّه محاسن و مصطلح خاص، لا وجوب و قبح بالمعنى المتعارف شرعا، كما صرح به جماعة منهم كابن الجزري (1) و غيره (2)، و هذا أيضا مع الاختيار.

أما لو اضطرّ إليه، كما لو انقطع النفس في وسط الكلمة، لم يقدح، لكن يجب الابتداء من أوّلها. و لو فرض تعذّر النطق في النفس الواحد بما يزيد على كلمة بمرض و نحوه، فالظاهر اغتفاره و وجوب القراءة بالممكن مقدّما على الذكر؛ لأنّ في ذلك فوات وصف، و هو أولى من فوات جملة الموصوف الواجب بأسره، مع احتمال العدول إلى الذكر؛ لفوات المقصود الذاتيّ من القرآن، كما يعدل إليه مع تعذّر النطق بالقرآن بالعربيّة، فإنّ الذكر أولى من الترجمة على ما اختاره جماعة.

و اعلم أنّ الحال في قوله: (محافظا على النظم) مؤسّسة للمعنى لا مؤكدة؛ لما دلّ عليه الكلام السابق، كما زعمه الشارح المحقّق (3).

و في العبارة لفّ و نشر مرتّب، فإنّه شرط أمرين: أحدهما: الوقف على آخر الكلمة، و الثاني: المحافظة على النظم. و ظاهر أنّ الأوّل لا يستلزم الثاني، فإنّ الوقوف في أثناء الكلمة- كما يقتضيه نشره و تفريعه- قد لا يقتضي الإخلال بالنظم، بل هو أعمّ منه؛ لإمكان الوقوف في أثناء الكلمة مع قراءة جملة لا تخلّ بالنظم، و هو واضح.

و إنّما الذي يتفرّع على الإخلال بالنظم الوقوف على كلّ كلمة، كما صرّح به في

____________

(1) النشر في القراءات العشر 1: 231.

(2) كابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 124.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 264.

249

العبارة، فأحدهما غير الآخر.

و الشارح (رحمه اللّه) زعم أنّها حال مؤكّدة؛ محتجّا بأن مراعاة الوقف على آخر كلمة يحصّل المحافظة على النظم، فيكون مثل قولهم: زيد أبوك عطوفا، فإنّ الأبوة تقتضي العطف (1).

و أنت خبير بمنع استلزام الوقف على آخر الكلمة للمحافظة على النظم، فالحال مؤسسة قطعا.

نعم، ربّما قيل: إنّ الوقف على آخر كلمة إذا كان أعمّ، لم يكن لذكره فائدة، بل يجتزأ عنه بالمحافظة على النظم، فإنّه هو المعتبر. لكن هذا لا يتوجّه إلّا على تقدير تأخيره عن إيجاب المحافظة على النظم للاستغناء عنه، أمّا مع تقديمه- كما وقع في العبارة- فلا؛ لإفادته فائدة لا تغني عن ذكر الأخصّ، و هي إخراج الوقف على آخر الكلمة، فاحتيج إلى ذكر الثاني.

[السادس: الجهر للرجل في الصبح و أولتي العشائين و الإخفات في البواقي]

(السادس: الجهر للرجل) بالقراءة (في الصبح و أولتي) من (العشائين) و هما المغرب و العشاء، جمعهما باسم أحدهما تغليبا.

(و الإخفات) بالقراءة (في البواقي)، و هي الظهران و أخيرتا العشائين (مطلقا) أي للرجل و غيره، مقابل التقييد بالرجل أوّلا. و يحتمل على بعد أن يريد به: في الأولتين و الأخيرتين.

و احترز بالرجل عن المرأة، فإنّ الجهر في مواضعه لا يجب عليها عينا، بل تتخيّر بينه و بين الإخفات مع عدم سماع الأجنبيّ صوتها و إلّا تعيّن عليها الإخفات. و لو جهرت عالمة بسماعه بطلت صلاتها؛ للنهي (2)، إلّا إن اتفق غير عالمة به.

و ظاهر العبارة أنّ الخنثى كالمرأة؛ لتخصيصه الحكم بالرجل، و في الذكرى جزم بتخييرها (3)، فيؤيّد ما أطلق هنا. و لو أخذت حكمها بأن تجهر في مواضعه و تصلّي في

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 264.

(2) قرب الاسناد: 223/ 867.

(3) الذكرى: 190.

250

موضع لا يسمعها الأجنبيّ، فإن تعذّر تعيّن عليها الإخفات، كان أولى.

و اعلم أنّ الشارح المحقّق (رحمه اللّه) ذكر في بعض تحقيقاته أنّه يجب قراءة (الأولتين) في هذه و نظائرها باليائين المثناتين من تحت؛ لأنّها تثنية (أولى) لا (أوله)، لأنّ أوله غير مسموع (1). و ما ذكره أغلب، إلّا أنّه غير لازم، و قد وجدت في كلام بعض المعتمدين (اولة) و منهم الشيخ أبو جعفر الطوسي في أصل التهذيب بخطّه (رحمه اللّه) في مواضع كثيرة (2).

(و أقل الجهر إسماع الصحيح القريب) من القارئ مع صدق اسم الجهر عليه عرفا، فإنّ السرّ قد يسمع كذلك مع عدم صدق اسم الجهر عليه، و أكثره أن لا يبلغ العلوّ كثيرا.

(و) أقل (السرّ) بالجر عطف على الجهر (إسماع) القارئ (نفسه) في حال كونه (صحيحا، و إلّا) يكن الغير صحيحا قريبا، بأن انتفيا معا، أو أحدهما فقط بالنسبة إلى الجهر عليه، أو لم يكن المصلّي صحيح السمع بالنسبة إلى الإخفات خاصة، فإسماع نفسه، أو الغير (تقديرا) بأن يقدّر أنّه لو كان صيح السمع لا مانع له منه لسمع، أو أنّ الغير لو كان كذلك لسمع، أو لو كان حاضرا، و أكثر السّر أنّ لا يبلغ أقل الجهر.

فالتحقيق أنّهما كيفيتان متباينتان تباينا كلّيا، فلا يجتمعان في مادّة؛ لأنّ التفصيل المدلول عليه من النصوص بالنسبة إلى محلّ الجهر و الإخفات قاطع للشركة، فلو اجتمعا في مادَّة أمكن القراءة في جميع الصلوات بوجه واحد، و هو ما تصادقا عليه. و هو باطل بالنصّ (3)، و الإجماع الذي نقله الشيخ (4) فيه المقبول بخبر الواحد.

فلا يقدح فيه خلاف ابن الجنيد (5)، كما لا عبرة بكلام بعض المتأخّرين حيث زعم أنّ أكثر السّر أقل الجهر (6).

____________

(1) جامع المقاصد 2: 243.

(2) التهذيب 2: 97 ذيل الحديث 365.

(3) التهذيب 2: 162/ 635، الاستبصار 1: 313/ 1163.

(4) التهذيب 2: 162 ذيل الحديث 636، الاستبصار 1: 313 ذيل الحديث 1164.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 170 المسألة 93 كتاب الصلاة.

(6) كابن فهد الحلّي في الموجز (الرسائل العشر): 77.

251

و اعلم أنّ (صحيحا) في العبارة حال من المضاف إليه، و هو الضّمير في (نفسه) و سوّغ مجيء الحال من المضاف إليه كون المضاف جزء من المضاف إليه، و العامل فيه المصدر، و هو الإسماع. و قد نبّه بجعل أقل السّر ما ذكر على خلاف ما تضمّنته رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام): «لا بأس أن لا يحرّك لسانه يتوهّم توهّما» (1) فإنّها محمولة على من صلّى مع قوم يتّقيهم.

[السابع: تقديم الحمد على السورة]

(السابع: تقديم الحمد على السورة، فلو عكس) بأنّ قدّم السورة على الحمد (عمدا بطل) فعله، و هو الصلاة؛ للنهي المقتضي له. و كان الأولى تأنيث الضمير؛ ليعود على الصلاة جريا على القاعدة، و لإيهامه عدم بطلان الصلاة حيث عدل عن ضميرها، و خالف الباب المطّرد.

و قوله (عمدا) وقع منصوبا على الحال، و هو جامد بتأويل عامدا، أو على طريق النادر من مجيئه غير مشتق، و الجاهل عامد.

(و) لو قدّمها عليها في حالة كونه (ناسيا) لم تبطل الصلاة، بل (يعيد على الترتيب) بأن يقرأ السورة خاصة؛ لوقوع الحمد أوّلا بعد أن كانت ثانيا. و يحتمل إعادتهما معا، كما هو ظاهر العبارة و فتوى المصنّف في غير الرسالة (2).

[الثامن: البسملة في أوّل الحمد و السورة]

(الثامن: البسملة في أوّل الحمد و) أوّل (السورة) عدا سورة براءة، و هو إجماع (فلو تركها عمدا بطلت) الصلاة؛ لعدم الإتيان بجملة ما يجب في القراءة عمدا، فإنّها آية من كلّ سورة عدا ما ذكر. و الجاهل كالعامد، أمّا الناسي فيعيدها و ما بعدها إن ذكرها قبل أن يركع، كما لو نسي آية غيرها، و كذا القول في جميع الأبعاض.

[التاسع: وحدة السورة]

(التاسع: وحدة السورة) بأن لا يقرأ في الركعة الواحدة بعد الحمد إلّا سورة واحدة، (فلو قرن) بين سورتين فصاعدا، بأن قرأ أكثر من سورة عمدا (بطلت) الصلاة (في قول) للنهي عنه في بعض الأخبار (3). و نسبته إلى القول يشعر بتوقّفه فيه، و قد اختار

____________

(1) التهذيب 2: 97/ 365، الاستبصار 1: 321/ 1196.

(2) الذكرى: 188، الدروس 1: 171.

(3) الكافي 3: 314/ 12، التهذيب 2: 69/ 253، الإستبصار 1: 314/ 1167.

252

في غير الرسالة الكراهة (1)، و هو أجود.

و في حكم القران بين السورتين تكرار الواحدة، بل تكرار الحمد، فتبطل به الصلاة أو يكره على الخلاف. و كذا قراءة بعض السورة؛ لوجود المعنى في الجميع، و شمول النصّ له، هذا كلّه إذا لم ينو بالزائد الوجوب، و إلّا بطلت؛ لزيادة الواجب في غير محلّه و إن قلنا بالكراهة لو لا ذلك.

و قد استثنى الأصحاب من ذلك الضحى و أ لم نشرح (2)؛ لدلالة أخبارنا على كونهما في حكم السورة الواحدة (3)، و كذا الفيل و الإيلاف (4). فلا بدّ من قراءتهما معا إن اختار ذلك، و يجب الترتيب بينهما كما ذكر، و البسملة بينهما على أصح القولين.

[العاشر: إكمال كلّ من الحمد و السورة]

(العاشر: إكمال كلّ) واحدة (من الحمد و السورة، فلو بعّض) فيهما أو في أحدهما (اختيارا، بطلت) الصلاة إن لم يتدارك في موضعه. و احترز بالاختيار عن التبعيض اضطرارا، فإنّه جائز في الحمد و السورة.

أمّا الحمد فبأن لا يحسن إلّا بعضها مع ضيق الوقت عن التعلّم و عدم إمكان الائتمام، فيقرأ ما يحسنه. و الأصحّ وجوب التعويض عن المجهول بقدره من غيرها إن أحسن، و إلّا كرّره بقدرها، و كيف كان فأصل التبعيض حاصل و إن اتّفق له بدل. و من الضرورة المسوّغة لتبعيضها أيضا الاقتداء بالمخالف، ثم يركع قبل أن يفرغ الناس من الحمد، فإنّه يباح له الرّكوع معه و يسقط عنه الباقي.

و أما السورة فيجوز تبعيضها للتقيّة، و المرض الذي يشق معه إكمالها، و ضيق الوقت عنه، و الحاجة التي يضرّ فوتها مع عدم إمكان الجمع بينهما، و التخلّف عن الرفقة التي يضطرّ إليها، و نحو ذلك، و لو لم يمكن قراءة بعض السورة اقتصر على الفاتحة.

[الحادي عشر: كون السورة غير عزيمة]

(الحادي عشر: كون السورة) المقروءة بعد الحمد (غير عزيمة) فتبطل الصلاة بمجرّد

____________

(1) الذكرى: 190، الدروس 1: 173، البيان: 158.

(2) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 220، و العلّامة في نهاية الإحكام 1: 468، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 262.

(3) التهذيب 2: 72/ 266، الاستبصار 1: 317/ 1182.

(4) مجمع البيان 10: 544، المعتبر 2: 188.