المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
253

الشروع في إحدى العزائم الأربع عمدا؛ للنهي عنها، و هو يقتضي الفساد. و لو قرأها سهوا، فإن ذكر قبل تجاوز السجدة عدل إلى غيرها وجوبا و إن تجاوز النصف، و لو ذكر بعد تجاوز محلّ السجود و قبل الركوع ففي الاجتزاء بها و جهان، و لو كان بعد الفراغ منها فكذلك مع زيادة رجحان في احتمال الاجتزاء بها. هذا كلّه في الفريضة، كما هو موضوع البحث.

أمّا قراءتها في النافلة فلا بأس به، و يسجد لها في محلّة؛ للنّص (1)، و كذا لو استمع فيها على قارئ أو سمعه على أصحّ القولين. و لو كان في فريضة حرم عليه الاستماع، فإن فعله أو سمع اتّفاقا و قلنا بالوجوب به أومأ لها برأسه و قضاها بعد الصلاة، و لو كان يصلّي مع إمام للتّقية فقرأ العزيمة تابعة في السجود، و في الاعتداد بالصلاة حينئذ وجهان، أجودهما العدم.

(و) كذا يجب كون السورة (لا يفوت بقراءتها الوقت) قبل إكمال الصلاة لطولها، فتبطل الصلاة بمجرّد الشروع فيها مع العلم بذلك؛ للنهي. و لو قرأها ناسيا عدل مع الذكر، و كذا لو ظنّ السعة فشرع فيها ثم تبيّن الضيق و تجاوز النصف في الموضعين.

[الثاني عشر: القصد بالبسملة إلى سورة معيّنة عقيب الحمد]

(الثاني عشر: القصد بالبسملة إلى سورة معيّنة عقيب الحمد) لما تقدّم من أنّ البسملة أية من كلّ سورة (2)، و هي أيضا صالحة لكلّ سورة تجب فيها، فلا تتعيّن لأحدهما إلّا بالتعيين كاللفظ المشترك بالنسبة إلى أفراده، و المعيّن هو القصد بها لأحدها، و لا كذلك الحمد؛ لتعيّنها ابتداء، فيحمل الإطلاق على ما أمر به، فلو ابتدأها بغير قصد أعادها بعده، و محلّ القصد بعد الفراغ من الحمد. و في الاكتفاء بالمتقدّم في أثناء الصلاة، بل قبلها وجه، من حيث إنّ السورة لمّا كانت كاللّفظ المشترك يكفي في تعيين أفراده القريبة، و هي حاصلة في الجميع. و وجه العدم عدم المخاطبة بها حينئذ.

و هذا الحكم ثابت (إلّا أن تلزمه سورة بعينها) إمّا لضيق الوقت إلّا عن أقصر سورة، أو لكونه لا يعلم إلّا سورة واحدة، أو لنذر و شبهه.

____________

(1) الكافي 3: 318/ 5، التهذيب 2: 291/ 1167، الاستبصار 1: 319/ 1189.

(2) تقدّم في الصفحة: 251.

254

و هل يشترط في انعقاد النذر رجحان قراءتها في تلك الصلاة، أو مساواتها لغيرها، حتى لو نذر قراءة قصار سور المفصّل في الصبح و نحوها لم ينعقد، أم لا يشترط ذلك فينعقد مطلقا؟ الأصح الثاني؛ لأنّ شرط المنذور عدم كونه مرجوحا في نفسه لا بالإضافة إلى غيره، و العبادة لا تكون إلّا راجحة و إن كان بعض أفرادها أرجح من بعض، و من البيّن أنّ من نذر عبادة راجحة مع كون غيرها من العبادات أرجح منها انعقد نذره، و لا يضرّ رجحان غيرها عليها.

و قد الحق المصنّف في باقي كتبه بالمتعيّن ما لو جرى لسانه على بسملة و سورة، فلا يجب إعادتها مع الذكر في محلّها (1). و في بعض تحقيقاته اعتياد سورة معيّنة و العزم عليها في أثناء الصلاة مطلقا كما مرّ (2) و الاقتصار على موضع اليقين في الجميع طريق البراءة و إن كان الأوّل لا يخلو من قوّة.

(الثالث عشر: عدم الانتقال من السورة) التي شرع فيها (إلى غيرها إن تجاوز نصفها) بل إن بلغه و إن لم يتجاوزه (أو كانت) السورة التي شرع فيها سورة (التوحيد أو) سورة (الجحد) فلا يعدل عنهما إلى غيرهما و إن لم يبلغ النصف (في) جميع الصلاة (غير الجمعتين) و هما صلاة الجمعة و ظهرها، فإنّه يعدل فيهما من الجحد و التوحيد إذا شرع فيهما ناسيا ثم ذكر قبل بلوغ نصفهما إلى الجمعة في الركعة الاولى و المنافقين في الركعة الثانية.

و قد يطلق على هاتين السورتين الجمعتان أيضا تغليبا، كما يطلقان على الجمعة و ظهرها. و يجوز أن يريد المصنّف بقوله: (في غير الجمعتين) السورتين المذكورتين، بمعنى عدم جواز الانتقال من الجحد و التوحيد إلّا إلى هاتين السّورتين.

و كيف كان فالمراد بهما السّورتان في الصلاتين لا غير، فلا بدّ من طيّ أحد الأمرين في العبارة، و كأنّه (رحمه اللّه) تركه عمدا؛ نظرا إلى إطلاق اسم الجمعتين على الأمرين معا، فيكون قد استعمل المشترك في معنييه معا، و هو جائز مع القرينة، و هي موجودة

____________

(1) الذكرى: 195، الدروس 1: 174.

(2) تقدّم في الصفحة: 253.

255

هنا عند من مارس هذه الصنعة خصوصا مع أنّ مقام الرسالة الإيجاز.

و حاصل حكم المسألة أنّه متى جاوز نصف السورة لم يجز الانتقال عنها مطلقا، و في حكمه بلوغ نصفها كما قلناه، و متى لم يبلغه جاز مطلقا، إلّا إن كانت الجحد أو التوحيد، فلا يجوز العدول عنهما مطلقا، إلّا إلى الجمعة و المنافقين. و متى عدل أعاد البسملة؛ لما مرّ.

و يتحقّق الشروع في السورة بالبسملة، بل بالشروع فيها. و متى عدل في موضع النهي بطلت الصلاة بمجرّد الشروع في غيرها؛ للنهي، و لو ارتج على القارئ، أو ضاق الوقت عن إكمال الصلاة بتلك السورة، وجب العدول مطلقا.

[الرابع عشر: إخراج كلّ حرف من مخرجه المنقول]

(الرابع عشر: إخراج كلّ حرف من مخرجه المنقول) بين أهل العربيّة و غيرهم (بالتواتر، فلو) أخرجه من غير مخرجه، كما لو (أخرج ضادي الْمَغْضُوبِ و الضّٰالِّينَ من مخرج الظاء) المشالة (أو) مخرج (اللام المفخّمة، بطلت) صلاته مع التعمّد، و مع النسيان يستدرك مراعيا للترتيب ما لم يركع.

و إنّما خصّ الضاد بالذكر؛ لصعوبة خروجها من مخرجها، و من ثمّ تمدّح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش» (1).

و خصّ ضادى الْمَغْضُوبِ و الضّٰالِّينَ؛ لإمكان خلوّ السورة من الضّاد، مع أنّ ذلك وقع على سبيل المثال، و لا مشاحّة فيه.

و خصّ مخرج الظّاء و اللام المفخّمة؛ لأنّ اللّسان يفخّم بالضّاد عند الخطأ في إخراجها إلى مخرجهما؛ لتقاربهما في الصفات.

و يعلم من هنا أيضا أنّ تعلّم المخارج واجب عينا إلّا مع اليقين بخروج الحرف منها، فيجب كفاية.

و اعلم أنّ الحروف لصحيح النطق تخرج في الأغلب من مخارجها، ما عدا الضاد، فينبغي التنبيه على مخارج هذه الحروف المذكورة في الرسالة.

____________

(1) كشف الخفاء و مزيل الإلباس 1: 232/ 609، الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة: 70 و 71/ 246 و 248.

256

فمخرج الضاد أقصى حافة اللسان و ما يليها من الأضراس اليمنى أو اليسرى، و الأيسر أيسر.

و مخرج الضاء ما بين طرف اللسان و الثنيين العليين.

و مخرج اللّام حافة اللسان و ما يحاذيها من الحنك الأعلى فوق الضرس الضاحك، و هو المجاوز للناب.

[الخامس عشر: عربيّتها]

(الخامس عشر: عربيّتها، فلو ترجمها) بغير العربيّة من اللغات (بطلت) الصلاة؛ لما عرفت من أنّ الركن الأعظم في القرآن نظمه الذي به حصل الإعجاز، و هو يفوت بالترجمة بغير العربيّة، بل بالعربيّة المرادفة له، أو بتغيير أسلوبه كما مرّ (1)، هذا مع الاختيار.

أمّا لو ضاق الوقت على الأعجميّ العاجز عن التعلّم و أمكنه ترجمته، فهل يجزئه، أو يعدل إلى الذكر مع عجزه عن شيء من القرآن و لو بتكراره بقدر الواجب؟ وجهان:

من قرب الترجمة إلى معنى القرآن، و فوات الغرض، و الأجود الثاني، حتى لو تعارض ترجمة القرآن و الذكر؛ لعجزه عنه أيضا بالعربيّة، قدّم ترجمة الذكر لصدق اسمه به، دون القرآن. هذا كلّه مع العجز عن قراءة شيء من القرآن، و إلّا عوّض به عن الواجب مقدّما على الذكر.

[السادس عشر: ترك التأمين]

(السادس عشر: ترك التأمين) و هو قول: (آمين) في آخر الحمد و غيره حتى في القنوت و إن كان موضع الخلاف في الشرعية بين الأمّة الأوّل، و إنّما وجب تركه مع أنّه اسم للدعاء- و اللهمَّ استجب-، للنّهي عنه في أخبارنا (2) المقتضي للفساد، و لأنّ الاسم غير المسمّى حتى لو قال: اللهم استجب، لم يضرّ على أصحّ القولين؛ لأنّه دعاء عامّ باستجابة ما يدعى به.

و إنّما يجب تركه (لغير تقيّة) أمّا لها فلا، بل قد يجب فعله إذا لم تتأدّ (3) بدونه.

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 248.

(2) التهذيب 2: 74/ 276، الإستبصار 1: 318/ 1186.

(3) في هامش «ع»: تتأدّى، كذا بخطه (رحمه اللّه) بالياء، و الظاهر أنّ الياء تحذف بالجازم، فهذا محمول على سهو القلم.

257

و إنّما تتحقّق التقيّة به آخر الحمد كما هو وظيفته عندهم، فلو فعله في غيره كان كفعله لغير تقيّة، و لو تركه معها لم تبطل الصلاة و إن أثم؛ لعدم وجوبه عندهم، و لأنّه فعل خارج عن الصلاة.

(و يجزئ في غير) الركعتين (الأولتين) من الثلاثية و الرباعية عن قراءة الحمد قوله:

(سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر) مرّة واحدة على أشهر الأقوال.

و قيل: إنّما يجزئ قول ذلك ثلاث مرّات؛ ليكون اثنتي عشرة تسبيحة (1)، و هو أولى، و اقتصر بعض على عشر تسبيحات بإسقاط التكبير في الأولتين (2)، و آخرون على تسع بإسقاطه من الثلاث (3)، و الكلّ مجزئ عدا الأخير.

و هل يوصف الزائد عن الأربع على تقدير فعله بالوجوب؛ بناء على أنّه الفرد الأكمل للواجب المخيّر و إن جاز إسقاط الزائد كالرّكعتين الأخيرتين في مواضع التخيير بين القصر و التمام؟ أم بالندب؛ لجواز تركه لا إلى بدل، و أصالة عدم الوجوب؟ كلّ محتمل و إن كان الأخير أقوى.

بقي في العبارة شيء، و هو أنّ قول المصنّف (يجزئ في غير الأولتين) كذا، إنّما يحسن بعد ذكر ما هو أقوى منه؛ ليكون المجزئ هو الفرد الآخر، و لم يسبق في العبارة ما يدلّ على ما يجب في الأخيرتين أصلا، و إنّما ذكر وجوب قراءة الحمد و السورة في الأولتين، و سكت عن حكم غيرهما.

و كان الواجب أن يذكر ما يدلّ على وجوب الحمد وحدها في غير الأولتين، ثم يذكر الاجتزاء بالتسبيح المذكور. و كأنّه أهمل ذلك اتّكالا على ظهوره.

تفسير التسبيح لغة: التنزيه (4)، فمعنى سبحان اللّه: تنزيها له من النقائص مطلقا و من الصفات المحدثات كلّها، و هو اسم منصوب على أنّه واقع موقع المصدر بفعل

____________

(1) قاله الشيخ الطوسي في النهاية: 76 و الاقتصاد: 261.

(2) منهم سلّار في المراسم: 72، و ابن إدريس في السرائر 1: 222.

(3) منهم الحلبي في الكافي في الفقه: 117.

(4) النهاية في غريب الحديث و الأثر 2: 331، الصحاح 1: 372، تاج العروس 4: 75 «سبح».

258

محذوف تقديره: سبّحت اللّه تسبيحا و سبحانا. فالتسبيح مصدر، و سبحان واقع موقعه، و لا يستعمل غالبا إلّا مضافا، كقولنا: سبحان اللّه، و هو مضاف إلى المفعول به، أي سبّحت اللّه؛ لأنّه المسبّح المنزّه.

قال أبو البقاء: و يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل؛ لأنّ المعنى: تنزيه اللّه (1).

و المشهور الأوّل، و قد تقدّم جملة من معنى الحمد (2)، و المراد أنّه مختصّ باللّه لا يشركه فيه غيره، و الجملتان بصورة الخبر و معناهما الإنشاء، و معنى لا إله إلّا اللّه: أنّه ليس في الوجود إله مستحقّ للعبوديّة أو موجود أو نحو ذلك إلّا هذا الفرد الخاص و هو اللّه سبحانه، إذ كلّ معبود سواه باطل، و فيه اعتراف بنفي الشريك، و تخلية السرّ من العقائد الفاسدة، و تحليته بالتوحيد الحقّ.

و (لا) في هذه الصيغة هي النافية للجنس، و (إله) اسمها، و خبرها محذوف، و هو ما ذكر، و المستثنى- و هو اللّه تعالى- بدل منه، فلذلك رفع، و هو في الحقيقة بدل من موضع الخبر لا من لفظه؛ لأنّ (لا) الجنسية لا تعمل في معرفة، و البدل هنا مأخوذ باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ؛ لفساد التركيب بتقدير المبدل منه مطروحا، و البدل قائم مقامه بأن يقال: لا إله إلّا اللّه، و من هنا ظهر أنّ المبدل منه ليس في قوّة الطرح دائما.

و معنى اللّه أكبر: أكبر من كلّ شيء سواه، و ترك المفضّل عليه لإرادة التعميم من باب وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلٰامِ (3) أي كلّ أحد. و الاعتراف به بحسب كونه مطابقا لما في نفس المكبّر، فإن كان في قبله شيء هو أكبر من اللّه لزوما و إن لم يعترف به، فهو شاهد بشيء يشهد اللّه أنّه كاذب في شهادته و إن كانت مطابقة لما في نفس الأمر، و هذه صفات المنافقين كما حكاه اللّه تعالى عنهم في كتابه (4)، و ما أخسر من كبّر اللّه و هواه في نفسه أكبر، و الدنيا في قلبه أعظم، و اشتغال سرّه بها أقوى و أتمّ، نسأل اللّه العافية

____________

(1) إملاء ما منَّ به الرحمن 1: 29.

(2) تقدّم في الصفحة: 7.

(3) يونس: 25.

(4) المنافقون: 1.

259

من ذلك بفضله و رحمته.

و اعلم أنّ في هذه الكلمات اعتراف بجميع أصول العقائد الحقّة من التوحيد و صفات الكمال، و نعوت الجلال و العدل، و فروعه. تعرف بالتدبّر و الرجوع إلى مظانّها، و هي الباقيات الصالحات (1) التي هي خير عند ربك ثوابا من المال و البنين و خير أملا (2).

و واجبات التسبيح أربعة، يجب على المصلّي ملاحظتها، بأن يقولها (مرتّبا) لها كما ذكر (مواليا) بين كلماتها من غير فاصل بأجنبيّ و لا سكوت طويل (بالعربيّة) فلا تجزئ ترجمتها مع القدرة، (إخفاتا) فلا يجوز الجهر بها بناء على المشهور، و خالف بعض الأصحاب في الواجب الأوّل (3) و الأخير (4)، و الاعتماد على ما ذكر هنا.

و ظاهر سياق العبارة أنّ قوله: (مرتّبا إى آخره) منصوب على الحاليّة من التسبيح المذكور، بمعنى أنّه يجزئ في حالة كونه مرتّبا بالبناء للمجهول إلى آخره.

و هو يشكل بقوله: (مواليا) فإنّه لو كان كذلك لوجب فتح اللام الموجبة لقلب الياء بعدها ألفا؛ لتحرّكها و انفتاح ما قبلها. و الواقع في العبارة ثبوت الياء، و هو موجود في النسخة التي عندنا، و هي مقروءة على المصنّف و عليها خطّه، و حينئذ فالأولى كونه حالا من المصلّي المدلول عليه من الواجبات بالالتزام و قضيّة المقام، فيكون قوله: (مرتّبا مواليا) بكسر التاء و اللّام على البناء للفاعل، و على التقديرين ف(إخفاتا) مصدر وقع موقع الحال، و المراد مخافتا.

____________

(1) الصالحات: لم ترد في «ع».

(2) مضمون آية 46 من سورة الكهف.

(3) كابن الجنيد- كما حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 164 المسألة 90 كتاب الصلاة- و المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 190.

(4) كابن إدريس في السرائر 1: 222، و ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 141.

260

[الرابعة: القيام]

(الرابعة: القيام) (و يشترط في الثلاثة المذكورة) سابقا، و هي النيّة و التحريمة و القراءة. و إنّما أخّره عنها- مع أنّه أوّل أفعال الصلاة؛ لوجوب إيقاع النيّة في حالة القيام، فهو لها و للتحريمة بمنزلة الشرط، و هو مقدّم على المشروط- ليوافق غرض الرسالة المقصورة على الواجبات، فإنّ القيام لا يتحقّق وجوبه و يتمحض جزء للصلاة إلّا بعد التكبير، إذ قبله و فيه يجوز تركه مع سعة الوقت. و على تقدير تكره مع ضيقه و حصول الإثم لا تتحقّق الجزئيّة فيه بدون النيّة و التكبير، و كان تأخيره عنهما أوفق.

و أمّا تأخيره عن القراءة؛ فلمناسبة اقتضائها الحال، و هي مشاركتها لهما في اشتراطها به و إن لم يتوقّف أصل وجوبه عليها، و لو فعله بعد التكبير- كما فعل في الذكرى (1)- أمكن أيضا، و لم يناف غرض الرسالة، و هذا كلّه أمر استحساني حسب ما يقع في الخلد حين فعله.

(و واجبه أربعة):

[الأوّل: الانتصاب]

(الأوّل: الانتصاب) و يتحقّق بنصب فقار الظهر، و يخلّ به الميل إلى اليمين و اليسار بحيث يزول عن سنن القيام، و بالانحناء و إن لم يبلغ حدّ الراكع. و لا يخلّ به إطراق الرّأس.

____________

(1) الذكرى: 180.

261

(فلو انحنى اختيارا بطلت) الصلاة، و احترز بالاختيار عمّن تقوّس ظهره لكبر أو زمانة، فإنّه يجزئه تلك الحالة بل يجب عليه، و عمّن عجز عن القيام لمرض أو خاف منه عدوّا أو حصل له بسببه مشقّة شديدة لا تتحمّل مثلها عادة و إن لم يبلغ حدّ العجز.

[الثاني: الاستقلال]

(الثاني: الاستقلال) و هو استفعال من الإقلال بالشيء، و هو الاستبداد به و القدرة عليه.

و المراد به هنا إيجاد الفعل و إن كان ذلك نادرا في اللغة، و قد جاء منه استقرّ بمعنى قرّ، و اسْتَوْقَدَ نٰاراً (1) في الآية بمعنى أوقد، لا طلبه كما هو الغالب في باب الاستفعال.

و المراد بالاستقلال بالانتصاب كونه غير مستند إلى شيء بحيث لو أزيل السناد سقط، فلا تضرّ الملاصقة غير المؤدّية إلى ذلك.

(فلو اعتمد) على شيء (مختارا بطل) الفعل، و احترز بالاختيار عن العاجز لمرض و نحوه، فيجوز له الاستناد، بل يجب و لو بأجرة مقدورة، و هو مقدّم على الانحناء مستقلا، كما هو مقدّم عليه مستندا، و هو مقدّم بجميع مراتبه على القعود، و يقدّم الأعلى منه فالأعلى.

[الثالث: الاستقرار]

(الثالث: الاستقرار، فلو مشي) في حالة القيام (أو كان على الراحلة و لو) كانت (معقولة) يأمن حركتها (أو) كان (فيما) أي في مكان (لا تستقر قدماه عليه) كالثلج الذائب و القطن الكثير في حالة كونه في الحالات الثلاث (مختارا، بطل) فعله.

و احترز بالمشي في حالة الاختيار عمّا لو عجز عن الوقوف بدونه، فإنّه يقف ماشيا مقدّما على الجلوس مستقّرا؛ لاستلزام الجلوس فوات واجب القيام رأسا، و المشي قائماً فوات صفة من صفات القيام و هي الاستقرار، و فوات صفة من صفات الواجب أولى من فواته أصلا، و شرط المصنّف في الذكرى في جواز المشي قائماً عدم قدرته على السكون و لو بمعاون، أو على القعود لو تعذّر المعاون؛ محتجا بأنّ الاستقرار ركن

____________

(1) البقرة: 17.

262

في القيام، إذ هو المعهود من صاحب الشرع (صلّى اللّه عليه و آله) (1)، و رجّح العلّامة المشي عليهما (2).

و ما ذكرناه أعدل، فإنّ ترجيحه على الجلوس قد عرفت وجهه، و أمّا على القيام مستقرا بمعاون فغير ظاهر؛ لاستلزام كلّ حالة فوات صفة من صفات القيام، إحداهما الاستقلال، و الأخرى الاستقرار. و مختار المصنّف فيه أوضح؛ لأنّ صفة الاستقرار أدخل في الركنية و صاحبها أشبه باسم المصلّي، فالتفصيل حينئذ أجود من الإطلاق فيهما.

و كذا تجوز الصلاة ماشيا لخائف فوت الرفقة بالاستقرار مع حاجته إليها، و لمن خاف الغرق إذا ثبت مكانه و لا قدرة له على القرار في غيره، و سيأتي ذلك في صلاة شدّة الخوف و نحو ذلك.

و احترز بالاختيار في الراحلة عن المضطر إلى الصلاة عليها للعجز عن النزول لعدم المعاون، أو لعدم وقوف الرفقة المضر فوتها و عدم القدرة على إدراكها أو معها بمشقة شديدة لا تتحمل عادة.

ثم إن تمكن من استيفاء الأركان من الرّكوع و السجود وجب، و إلّا أومأ بهما.

و يجب أن يبلغ وسعه في تحصيل ما أمكن من الواجبات و يسقط المتعذّر، و يجب الاقتصار على ما يضطر إليه من الحركات و الأفعال الخارجة عن الصلاة. فلا يركّض الدابة، و لا يسرع الماشي لغير حاجة.

و في حكم الراحلة الأرجوحة المعلّقة بالحبال و نحوها ممّا يضطرب و لو في بعض الحركات كالركوع و السجود، دون المثبتة بحيث لا تضطرب مطلقا.

و قد استفيد من هذا الواجب- أعني الاستقرار- وجوب الطمأنينة في الثلاثة المذكورة، فليس في تركها فيها إخلال.

[الرابع: أن يتقارب القدمان]

(الرابع: أن يتقارب القدمان، فلو تباعدا بما يخرجه عن حدّ القيام) عرفا اختيارا

____________

(1) الذكرى: 180.

(2) تذكرة الفقهاء 3: 92 المسألة 192 كتاب الصلاة.

263

(بطل) أما لو كان مضطرّا إلى تفريق الرجلين كذلك لمرض و نحوه جاز. و لو دار الأمر بين تفريق الرجلين و بين الانحناء، تعارض قيام النصف الأعلى و الأسفل، و الأوّل أولى؛ لبقاء مسمّى القيام معه.

و اعلم أنّه لا يلزم من وجوب تقارب القدمين وجوب الاعتماد عليهما معا، بل هو أعمّ منه، فلا يغني ذكره عن ذكره. و كان عليه أن ينبّه على وجوبه إن كان يختاره، كما جمع بينهما في باقي كتبه (1) تأسّيا بصاحب الشرع (صلّى اللّه عليه و آله).

و قول الشارح المحقّق: إنّ ذكر تقارب القدمين يستفاد منه وجوب الاعتماد عليهما (2)، غير واضح.

(و لو عجز) المصلّي (عن القيام أصلا) بجميع مراتبه، من الاستقرار و الاستقلال و المشي و الاعتماد و الانحناء بقسميه (قعد) كيف شاء، و الأفضل أنّه يتربّع بأن يجلس على ألييه كما تقعد المرأة على حالة التشهد، و ينحني للركوع قدر ما يحاذي وجهه ما قدّام ركبتيه، و أوجب المصنّف عليه رفع فخذيه (3).

ثم إن قدر على السجود وجب، و إلّا انحنى إليه بقدر الإمكان و لو بفعل هذا الانحناء مرّة أخرى. و لا يجب كونه هنا أخفض؛ لتعذّره، و كون الأوّل ركوعا في هذه الحالة، فليس له أن ينقص منه ليتحقّق الفرق. نعم لو قدر على زيادة يسيرة للسجود، وجب.

(فإن عجز) عن القعود و لو بمعاون بالأجرة مع الإمكان (اضطجع) على جانبه الأيمن كالملحود مستقبلا بوجهه القبلة، فإن عجز عن الأيمن فعلى الأيسر؛ لرواية حمّاد (4) و وفاق الذكرى (5)، و إن كانت العبارة هنا مطلقة، بل مؤذنة بالتخيير.

(فإن عجز) عنهما (استلقى) على ظهره، و جعل وجهه و باطن قدميه إلى القبلة،

____________

(1) الذكرى: 181، الدروس 1: 169.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 273.

(3) الدروس 1: 168.

(4) التهذيب 3: 175/ 392، و فيه عن عمّار.

(5) الذكرى: 181.

264

بحيث لو جلس كان مستقبلا، كما يوجّه المحتضر.

و المراد بالعجز في جميع هذه المراتب حصول المشقّة الكثيرة التي لا يتحمّل مثلها عادة، سواء نشأ منها زيادة المرض أم حدوثه أم بطء برئه أم لا، لا العجز الكلّي.

و يومئ برأسه للرّكوع، فإن تعذّر فبالعينين كما سيأتي.

و أما السجود فإن تمكّن منه وجب، و إلّا فإن قدر على رفع ما يسجد عليه و وضع الجبهة عليه و وضع باقي المساجد وجب أيضا، و إلّا رفع ما يسجد عليه و وضع عليه الجبهة، و وضع باقي المساجد مع الإمكان، و إلّا أتى بالممكن، و كذا القول في باقي المراتب.

و في حكم العجز المسوّغ للاستلقاء الاحتياج إليه للعلاج، كوجع العين إذا حكم به الطبيب و إن قدر على القيام. و متى انتقل فرضه إلى الإيماء بالرأس أو العينين أو غيرهما ممّا يقوم مقام الركوع و السجود، صار حكم البدل حكم المبدّل بالركنيّة.

(فإن خفّ) من إحدى مراتب العجز و قدر على أعلى منها (أو ثقل) من حالة عليا و عجز عنها (انتقل إلى) الأخرى في حال كونه قارئاً في الفرض (الثاني) و هو الثقل (دون الأوّل) و هو الخفّة. و الفرق انتقاله في الاولى إلى حالة دنيا، فقراءته في حالة الانتقال أولى؛ لأنّ كلّ جزء من الهويّ عن القيام- مثلا- إلى الجلوس أعلى من حالة الجلوس و أولى عند القدرة عليها، فيكون ما أمكن من القراءة فيها أولى من الحالة الدنيا.

و مثله القول في الانتقال من حالة الجلوس إلى حالة الاضطجاع، لكن يشكل ذلك في باقي الحالات، كما في الانتقال من الاضطجاع على الجانب الأيمن إلى الأيسر، فإنّ حالة الانتقال ربّما اقتضت قلبه على ظهره، و هي أدون من الجانب الأيسر، أو على وجهه، و هو مرجوح في جميع المراتب.

فينبغي تقييد الحكم بما لو كان الانتقال في حالات هي أعلى من المنتقل إليه، كما يدلّ عليه التعليل.

و أما الحالة الثانية فإنّه منتقل إلى حالة أعلى من حالة الانتقال، فيؤخّر القراءة إليها

265

ثم يبني على ما مضى منها (1)، و لو استأنف لتقع متتالية في الحالة العليا كان أولى، مع احتمال عدم جوازه؛ لسقوط الفرض بما تقدّم، فيستلزم زيادة الواجب.

و استشكل المصنّف في الذكرى القراءة في الحالة الاولي (2)، بل منعه بعض الأصحاب كالشارح المحقّق (3)، بناء على أنّ الاستقرار شرط مع القدرة، و لم يحصل.

و جوابه: أنّ الاستقرار شرط مع الإمكان لا مطلقا، و حصوله بعد الانتقال إلى الحالة الدنيا موجب لفوات القراءة في الحالة العليا كالقيام أصلا، و بتقدير القراءة يفوت بعض أوصاف الحالة العليا، و هو الاستقرار، و فوات الصفة أولى من فوات الموصوف، كما مرّ، هذا إذا كانت الخفّة أو الثقل حالة القراءة.

فلو خفّ بعدها قبل الركوع انتقل ثم ركع، أو في أثنائه قبل الذكر انتقل كذلك إلى حدّ الراكع. فلو كان الانتقال من حالة القعود إلى القيام قام منحنيا، و لا يجوز له الانتصاب، و حينئذ يكفي القدرة على ركوع القائم و إن لم يتمكن من كمال القيام، أو بعد الذكر- في المثال- قام للاعتدال من الركوع، أو بعده قبل الطمأنينة قام لها، أو بعدهما قام للسجود و لا طمأنينة فيه و إن وجبت ليحصل الفصل.

و لو ثقل بعد القراءة ركع جالسا، و لو كان في أثناء الركوع، فإن كان بعد الذكر جلس مستقرا للفصل بينه و بين السجود بدلا من القيام عن الركوع. و لو كان قبل الذكر ففي الركوع جالسا، أو الاجتزاء بما حصل من الركوع و جهان. و لو ثقل بعد الرفع من الركوع و قبل الطمأنينة جلس مطمئنا ثم سجد، و لو كان بعدها لم تجب الطمأنينة في الجلوس.

____________

(1) في «ش» و «ق»: من القراءة.

(2) الذكرى: 182.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 274.

266

[الخامسة: الركوع]

(الخامسة: الركوع) و هو لغة الانحناء، و شرعا كذلك، إلّا أنّه انحناء مخصوص.

(و واجبه تسعة:)

[الأوّل: الانحناء إلى أن تصل كفّاه ركبتيه]

(الأوّل: الانحناء إلى أن تصل كفّاه) معا (ركبتيه) بحيث لو أراد وضعهما عليهما أمكنه ذلك، لا وصولهما بالفعل. و احترز بالانحناء عن الانخناس مع إخراج الركبتين بحيث وصلت كفاه ركبتيه بدون الانحناء، أو مع مشاركته بحيث لو لا الانخناس لم تبلغا.

و إنّما يجب ذلك مع الاختيار، فلو تعذّر أتى بالمقدور، حتى لو أمكن إيصال إحدى اليدين دون الأخرى لعارض في إحدى الشقّين وجب، و لو توقّف على معاون و لو بأجرة مقدورة وجب، و لو تعذّر ذلك كلّه أومأ له برأسه ثم بعينه كما سلف، و لو كان راكعا خلقة أو لعارض استحب أن يزيد انحناء يسيرا لا يخرج به عن حدّ الراكع ليفرّق به بين قيامه و ركوعه إن لم يمكنه أن ينقص من انحنائه حالة قيامه شيئا و لو باعتماد، و إلّا وجب.

و المراد بالكف ما يشمل الأصابع، فإنّه مرادف للراحة، فيكفي إمكان وصول جزء من باطن كلّ منهما، لا برؤوس الأصابع (و لا يجب الوضع) إجماعا و إن استحب.

[الثاني: الذكر فيه]

(الثاني: الذكر فيه، و هو سبحان ربّي العظيم و بحمده) على المشهور (أو سبحان

267

اللّه ثلاثا للمختار) و هو من ليس بمضطرّ كالمريض، و المستعجل للحوق رفقة أو إدراك حاجة يضرّ فوتها تفوت بدون التخفيف. (و سبحان اللّه للمضطر) و هو من ذكر و نحوه.

و مستند هذا التفصيل أخبار كثيرة دلّت على الذكر المخصوص (1)، و لا ريب أنّه أحوط و إن كان القول بإجزاء مطلق الذكر المشتمل على الثناء أقوى؛ لورود أخبار صحاح بذلك. (2) و لا منافاة بينها و بين ما دلّ على المعيّن، إذ ليس فيه ما يدل على الانحصار، فيكون كلّ واحد من مدلولات الأخبار موصوفا بالوجوب التخييري مع استلزامه للجمع بين الأخبار، بخلاف العمل بالمعيّن، فإنّه يقتضي اطراح ما يدلّ على الاجتزاء بغيره.

و قد تقدّم معنى سبحان اللّه، (3) و المراد هنا: نزّهت ربّي تنزيها، و متعلّق الجار في (و بحمده) محذوف كما حذف عامل المصدر، أي و بحمده انزّهه. و قيل: معناه و الحمد لربي كما قيل في قوله تعالى مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (4)، أى و النّعمة لربّك.

و (العظيم) في صفته تعالى: من يقصر كلّ شيء سواه عنه، أو من حصلت له جميع صفات الكمال، أو من انتفت عنه صفات النقصان.

[الثالث: عربيّة الذكر]

(الثالث: عربيّة الذكر، فلو ترجمه) بلغة غير العربيّة (بطل) الذكر، و كذا تبطل الصّلاة إن تعمّد و كان يحسن العربية فعلا أو يمكنه التعلّم، و إلّا فلا.

و كان ينبغي التقييد بالاختيار كما صنع في القراءة، و لو ترجمه ناسيا استدرك إن ذكر في محلّه، و إلّا فكناسي الذكر.

[الرابع: موالاته]

(الرابع: موالاته، فلو فصل) بين كلماته (بما) أي بفاصل من كلام أو سكوت (يخرجه عن حدّه) و هو كونه ذكرا مخصوصا (بطل) الذكر.

____________

(1) التهذيب 2: 76/ 282، الإستبصار 1: 323/ 1204.

(2) الكافي 3: 329/ 5، التهذيب 2: 302/ 1217.

(3) تقدّم في الصفحة: 257- 258.

(4) القلم: 2، مجمع البيان 10: 333.

268

و لا فرق في الكلام الفاصل بين كونه ذكرا أو غيره، بناء على وجوب الذكر المخصوص. و الكلام هنا كما تقدّم في القراءة (1)، و حاصله أنّ الفصل إن كان بكلام بطلت الصلاة مع تعمّده و إن كان ذكرا؛ للنّهي، و كذا إن كان بسكوت ينافي الصلاة.

و إن كان الكلام نسيانا، أو كان السكوت مخرجا عن كونه ذاكرا، أعاد الذكر خاصّة، و لو لم يخلّ السكوت بالموالاة لم يضر (2)، و يستثني هنا أيضا ما استثني هناك من الدعاء بالمباح للدين و الدنيا.

[الخامس: الطمأنينة]

(الخامس: الطمأنينة) بضمّ الطّاء و سكون الهمزة بعد الميم، و هي السكون (بقدره راكعا) (3) أي بقدر الذكر الواجب.

و إنّما يتحقّق سبقه على أوّله يسيرا، تأخّرها عنه كذلك من باب المقدّمة لا لذاتها (فلو شرع فيه) أي في الذكر (قبل انتهائه) أي انتهاء الراكع المضمر قريبا في (شرع) إلى حدّه، أو انتهاء الركوع بمعنى تحقّق مفهومه بأن صار الراكع إلى حدّه (أو أكمله) أي الذكر (بعد رفعه) أي رفع الراكع، و هو يؤيّد عود الضمير سابقا إليه أيضا.

و المراد بالرفع: الأخذ فيه و لو يسيرا، بل بعد أخذه في الحركة و إن لم يرفع.

(بطل) فعله و هو الذكر، فيتداركه في محلّه مع إمكانه إن لم يتعمّد، فإن لم يمكن فكناسي الذكر.

أمّا لو تعمّد، فإن لم يمكن استدراكه بطلت الصلاة قطعا؛ للإخلال بالواجب عمدا. و لو تداركه في محلّه ففي صحة الصلاة و عدمها وجهان:

أحدهما:- و هو الذي اختاره المصنّف في الدروس (4) و العلّامة في القواعد (5)- الصحّة؛ لحصول الغرض، و هو الإتيان بالذكر في محلّه، و كون ما مضى ذكر اللّه تعالى، فلا يؤثّر في البطلان كمطلق ذكر اللّه تعالى.

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 246.

(2) في «ش»: يضر بشيء.

(3) راكعا: لم ترد في «ع» و «ش» و «ق»، و وردت في «د» و النسخ الخطيّة الثلاث للألفيّة.

(4) الدروس 1: 179.

(5) قواعد الأحكام 1: 276.

269

و الثاني: العدم؛ لتحقّق النهي في ما فعل من الذكر في غير محلّه، و هو يقتضي الفساد، و لا ستلزامه زيادة الواجب في غير محلّه عمدا، إذ الغرض إيقاعه على وجه الوجوب، فلا يكون كالذكر المندوب في الصلاة، و هذا أقوى، و إطلاق البطلان في العبارة يحتمل الوجهين.

[السادس: إسماع الذكر]

(السادس: إسماع الذكر) بإضافة المصدر إلى المفعول، و هو أحد مفعولي الإسماع، و الآخر (نفسه).

و المراد أنّه يجب أن يسمع نفسه الذكر، سواء استمع مع ذلك غيره أم لا، إذ لا يتعيّن فيه جهر و لا إخفات، و كذا القول في باقي الأذكار (و لو تقديرا) عند حصول المانع من السمع لصمم أو غيره.

[السابع: رفع الرأس منه]

(السابع: رفع الرأس منه، فلو هوى) إلى السجود (من غير رفع بطل) فعله، و تتبعه الصلاة أيضا مع التعمّد، و إلّا استدركه ما لم يبلغ حدّ الساجد فيفوت، و لا يبطل الصلاة؛ لأنّه ليس بركن و لا جزء منه.

[الثامن: الطمأنينة فيه بمعنى السكون]

(الثامن: الطمأنينة فيه بمعنى السكون) و إن قلّ (و لا حدّ له) أي للسّكون (بل) يكفي (مسمّاه) عرفا؛ لعدم وجوب ذكر فيه ليتقدّر بقدره، فيكفي رجوع كلّ عضو إلى مستقرّه.

[التاسع: أن لا يطيلها]

(التاسع: أن لا يطيلها) بحيث يخرج عن كونه مصلّيا (فلو خرج بتطويل الطمأنينة عن كونه مصلّيا بطلت) الصلاة؛ لما مرّ من عدم اشتمالها على ذكر متقدّر بقدره، فكما يقدّر في جانب القلّة بالمسمى؛ يتقدّر في جانب الكثرة بعدم الخروج عن اسم المصلّي، بخلاف الطمأنينة في الركوع و السّجود، إذ لا حرج في زيادة الذكر فيهما، فقد عدّ على الصادق (عليه السلام) فيهما ستون تسبيحة كبرى (1). و لا حرج في الزيادة، لكن إن كان تطويل الطمأنينة فيهما مشتملا على ذكر فلا كلام فيه، أما لو اطمأنّ ساكتا فهل يكون الحكم كذلك؟

____________

(1) الكافي 3: 329/ 2، التهذيب 2: 299/ 1205.

270

يحتمله؛ لأنّ تلك الصورة غير مخرجه عن اسم المصلّي شرعا و إن طالت، و سماع الذكر غير معتبر. و يحتمل البطلان مع زيادتها عن مسمّاها بحيث يخرج عن كونه مصلّيا عند من علمه غير ذاكر.

271

[السادسة: السجود]

(السادسة: السجود) و هو لغة: الخضوع (1)، و شرعا: وضع الجبهة على الأرض و نحوها.

(و واجبه أربعة عشر:)

[الأوّل: السجود على الأعضاء السبعة]

(الأوّل: السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة) و هي ما بين قصاص الشعر و طرف الأنف طولا، و بين الجبينين عرضا. (و الكفين) و أحدهما الكفّ، و هو الراحة، و منها الأصابع. فلا يجب الجمع بينهما، بل يجزي مسمّى كلّ منهما عن الآخر و إن كان الجمع بينهما أفضل. و المعتبر باطنهما، فلا يجزئ ظهرهما إلّا مع الضرورة. (و الركبتين) بضمّ الراء، و إحداهما ركبة بالضم أيضا. (و إبهامي الرّجلين) و هما الإصبعان الغليظتان المتطرّفتان، فلا يجزئ غيرهما من الأصابع مع الاختيار، نعم لو تعذّر السجود عليهما لقصر أو غيره أجزأ غيرهما من الأصابع، و لا يتعيّن رءوسهما كما هو مقتضى إطلاق العبارة و إن كان الرأس أحوط، بل قيل بتعيينه (2).

[الثاني: تمكين الأعضاء من المصلّى]

(الثاني: تمكين الأعضاء من المصلّى) بفتح اللام، و هو موضع الصلاة، بمعنى الاعتماد عليها و إلقاء الثقل على مواضعها.

و لا تجب المبالغة فيه و لا التسوية بينهما في الثقل، بل يكفي مسمّاه. (فلو تحامل

____________

(1) الصحاح 2: 483، القاموس المحيط 1: 310 «سجد».

(2) قاله ابن إدريس في السرائر 1: 225.

272

عنها بطل) سجوده، و تتبعه الصلاة إن تعمّد وفات محلّه، و إلّا تداركه على الوجه المعتبر.

(و كذا) يبطل (لو سجد على ما لا يتمكن من الاعتماد عليه كالثلج) اللّين و الذائب، (و القطن) الكثير، و الصوف الذي لا تستقر عليه الأعضاء بحيث يحصل بها مسمّى الطمأنينة، هذا كلّه مع الاختيار، أما مع تعذّر غيره فيجزئ.

[الثالث: وضع الجبهة على ما يصح السّجود عليه]

(الثالث: وضع الجبهة على ما) أي على شيء أو الشيء الذي (يصح السّجود عليه) و قد تقدّم تفصيله في المكان (1). فلا يجزئ وضعها على غيره مع الاختيار. أمّا مع الضرورة كالحرّ الشديد المانع من السجود عليه، و خوف الهوامّ في الظلمة مع ظهور أماراته، و التقية فيجزئ. و لا يشترط فيها عدم المندوحة، و يقدّم في غيرهما القطن و الكتان على غيرهما، و الظاهر تقديمهما فيها أيضا.

[الرابع: مساواة مسجده لموقفه]

(الرابع: مساواة مسجده) بفتح الجيم، و هو موضع سجوده (لموقفه) و هو موضع وقوفه.

(فلو علا) موضع سجوده عن موقفه (أو سفل) عنه (بزيادة عن) قدر (لبنة) بفتح اللّام و كسر الباء أو كسر اللام و سكون الباء، موضوعة على أكبر سطوحها، و قدّرت بأربع أصابع مضمومة من مستوي الخلقة تقريبا (بطل) سجوده مع الاختيار.

أما لو عجز عن ذلك لمرض و نحوه، فعل منه ما تمكّن بغير مشقّة شديدة لا تتحمّل عادة، حتى لو عجز عن الانحناء أصلا رفع ما يضع جبهته عليه مع الإمكان، و إلّا أومأ له برأسه ثم بعينيه كما مرّ (2).

و تعتبر اللبنة في بقية المساجد وفاقا للمصنّف في غير هذه الرسالة (3)، و لا فرق في المنع من الاختلاف المذكور بين كونه بسبب بناء أو أرض منحدرة، و إنّما يفرّق بينهما في علوّ الإمام على المأموم مع مساواة مسجد كلّ لموقفه.

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 186- 187.

(2) تقدّم في الصفحة: 266.

(3) الدروس 1: 181.

273

و اعلم أنّ إطلاق اشتراط المساواة في صدر المسألة في قوّة المقيّد بما بعد (فاء) السببية، بمعنى اشتراط المساواة أو ما في حكمها، كالاختلاف الذي لا يزيد عن لبنة، فإنّه في حكم المساواة كما ذكر.

[الخامس: وضع ما يصدق عليه الوضع من العضو]

(الخامس: وضع ما يصدق عليه) اسم (الوضع من العضو) عرفا (فلو وضع منه أقلّ من ذلك) المسمّى (بطل). و لا فرق في ذلك بين الجبهة و غيرها على أصح القولين، كما هو مقتضى إطلاق العبارة.

و استقرب المصنّف في الذكرى أن لا ينقص الموضوع من الجبهة عن درهم (1)؛ استنادا إلى رواية (2) لا دلالة فيها عليه، و لا ريب أنّ ذلك أحوط؛ تخرجا من خلافه، و لا خلاف في الاجتزاء بالمسمّى في باقي المساجد، كما لا خلاف في عدم وجوب استيعاب الجبهة بالسجود و إن كان أفضل؛ لما فيه من زيادة الخشوع.

[السادس: الذكر فيه]

(السادس: الذكر فيه و هو سبحان ربّي الأعلى و بحمده، أو ما ذكر في الركوع) قسيما للتسبيحة الكبرى و هو سبحان اللّه ثلاثا للمختار، أو سبحان اللّه مرّة واحدة للمضطرّ، لا جميع ما ذكر، فإنّ من جملته سبحان ربّي العظيم و بحمده، و هو غير مجزي في السّجود عند المصنّف (3) و غيره (4) ممّن يعتبر فيهما الذكر المعيّن، و على ما قلناه من الاجتزاء بمطلق الذكر المشتمل على الثناء يجزئ هنا كما يجزئ غيره من الأذكار.

و قد عرفت معنى التسبيحة مجرّدة عن الأعلى، و المراد به البالغ نهاية مراتب العلوّ، المقابل للسفل، في المراتب المعقولة و المحسوسة فإنّ المسبب سافل بالنسبة إلى السبب، و الميّت بالإضافة إلى الحيّ، و المدرك منه حسا و عقلا أعلى من غيره، و ما لا يعارض إدراكه قوى نفسه أعلى ممّن يعارضه، و من يستحيل عليه ذلك أعلى من الجميع. فهو

____________

(1) الذكرى: 201.

(2) الكافي 3: 333/ 1.

(3) الذكرى: 201، البيان: 169.

(4) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 82 و سلّار في المراسم: 71.

274

الأعلى المطلق و ما دونه سافل مطلق، أو بالإضافة.

[السابع: الطمأنينة بقدره ساجدا]

(السابع: الطمأنينة بقدره ساجدا (1)، فلو رفع) رأسه من السجود (قبل إكماله) أي إكمال الذكر (أو شرع فيه قبل وصوله) إلى حدّ الساجد (بطل) الذكر كما تقدّم (2)، و الصلاة كذلك مع التعمّد و عدم تداركه في محلّه إن أمكن لا معه، و إلّا كان كناسي الذكر.

[الثامن: عربيّة الذكر]

(الثامن: عربيّة الذكر)، فلو ترجمه مختارا بطل، و مع العجز و ضيق الوقت يترجمه بلغته ثم يتعلّم.

[التاسع: موالاته]

(التاسع: موالاته) فلو فصل بين كلماته بكلام أو سكوت بطل، كما مرّ تفصيله (3).

[العاشر: إسماع نفسه]

(العاشر: إسماع نفسه) الذكر تحقيقا أو تقديرا (كما مرّ) في الركوع (4)، فلا يجزئه ما دون ذلك و إن سمّي لفظا.

[الحادي عشر: رفع الرأس منه]

(الحادي عشر: رفع الرأس منه) بحيث يصير جالسا، فلا يجزئ مطلق الرفع إجماعا، و كأنّه ترك التقييد لظهوره و إن كان الأجود البيان في وقت الحاجة

[الثاني عشر: الطمأنينة فيه]

(الثاني عشر: الطمأنينة فيه) أي في رفع الرأس منه جالسا (بحيث يسكن و لو يسيرا) لعدم ذكر واجب يتقدّر بقدره، فيكفي مسمّاها.

(و لا تجب) الطمأنينة (في رفع السجدة الثانية) و إن استحبت، و هي المسمّاة بجلسة الاستراحة، و أوجبها المرتضى فيه (5).

و في بعض نسخ الرسالة (و لا يجب الرفع من السّجدة الثانية) (6)، و أراد به عدم كون الرفع منها معدودا من واجبات السجود، بل آخره الفراغ من ذكر الثانية كما ستأتي في باب الشك (7). فيكون الرفع واجبا مقدّمة لواجب آخر من تشهد أو قراءة.

____________

(1) ساجدا: لم ترد في «د» و «ع» و «ش»، أثبتناها من «ق» و النسخ الخطّية الثلاث للألفيّة.

(2) تقدّم في الصفحة: 268.

(3) تقدّم في الصفحة: 267.

(4) تقدّم في الصفحة: 269.

(5) الانتصار: 46.

(6) كما في نسخة «ش 2».

(7) يأتي في الصفحة: 322.

275

و في نسخة ثالثة زيادة على الثانية (لذاته) (1) و في القيد زيادة توضيح للمعنى الذي بيّناه، فإنّ الرفع لا يجب لذات السجود أو لذات الرفع بمعنى كونه واجبا مستقلا بنفسه، بل إنّما يجب لغيره كما مرّ (2).

[الثالث عشر: أن لا يطيلها]

(الثالث عشر: أن لا يطيلها) كما مرّ (3)، فلو خرج بتطويل الطمأنينة بين السجدتين عن كونه مصلِّيا بطل (كما مرّ) (4).

[الرابع عشر: تثنية السجود]

(الرابع عشر: تثنية السجود، فلا تجزئ) السجدة (الواحدة، و لا يجوز) السجود (الزائد) على الاثنتين إجماعا.

____________

(1) لا توجد في النسخ الخطية الثلاث التي اعتمدنا عليها في تصحيح الألفيّة، ذكرها المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 3: 281.

(2) تقدّم في الصفحة: 274.

(3) تقدّم في الصفحة: 269.

(4) تقدّم في الصفحة: 269.

276

[السابعة: التشهّد]

(السابعة: التشهّد) و هو تفعّل من الشهادة، و هو لغة الخبر القاطع (1). و شرعا إخبار جازم بتوحيد اللّه تعالى و نبوة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصيغة مخصوصة، و قد يطلق على ذلك و على الصلاة عليه و آله (عليهم السلام) إمّا حقيقة شرعيّة، أو تغليبا.

(و واجبه تسعة):

[الأوّل: الجلوس له]

(الأوّل: الجلوس له) فلو فعله غير جالس عمدا مختارا بطلت صلاته، و سهوا يعيده إن أمكن، و إلّا كان كناسي التشهّد، فيقضيه بعد الصلاة كما سيأتي (2).

[الثاني: الطمأنينة بقدره]

(الثاني: الطمأنينة بقدره) فلو شرع في التشهد قبل إكمال الجلوس مطمئنا، أو نهض قبل إكماله، بطلت صلاته مع العمد؛ للنهي، و إن كان ناسيا تداركه في محلّه مع الإمكان و الاختيار. أمّا عند الضرورة، كالعاجز عن الطمأنينة، و منه المصلّي ماشيا، فلا تجب الطمأنينة كما لا يجب الجلوس لو عجز عنه. و مثله ما لو اقتضت التقيّة فعله من قيام، كما لو سبق مع من يتّقيه بركعة فإنّه لا يتخلّف في ثالثة الإمام، بل يتشهّد قائماً؛ لسقوط التشهّد هنا عندهم.

[الثالث: الشهادتان]

(الثالث: الشهادتان) الاولي للّه بالوحدانية، و الثانية للنّبي صلّى اللّه عليه

____________

(1) الصحاح 2: 494، تاج العروس 5: 45، لسان العرب 3: 239 «شهد».

(2) يأتي في الصفحة: 333.

277

و آله و سلّم بالرسالة.

[الرابع: الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)]

(الرابع: الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)) بعد الشهادتين.

[الخامس: الصلاة على آله]

(الخامس: الصلاة على آله) عليه و (عليهم السلام) بعدها، و المراد بآلة: علي و فاطمة و الحسنان (عليهم السلام)؛ للنقل (1)، و يطلق على باقي الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) تغليبا.

[السادس: عربيّته]

(السادس: عربيّته) فلا تجزئ الترجمة للقادر على العربيّة، و الجاهل بها يجب عليه التعلّم، فإن ضاق الوقت أتى بما علمه منها، فإن لم يحسن شيئا أجزأت الترجمة، فإن لم يحسنها فالأولى وجوب الجلوس بقدره حامدا للّه تعالى، فإن لم يحسن التحميد وجب الجلوس بقدره؛ لأنّه أحد الواجبين و إن كان مقيّدا مع الاختيار بالذكر.

[السابع: ترتيبه]

(السابع: ترتيبه) فيقدّم الشهادة بالوحدانية، ثم الشهادة بالرسالة، ثم يصلّي على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم على آله (عليهم السلام).

و لم يصرّح بكيفية الترتيب؛ إمّا اتكالا على ما ذكر سابقا، كما صنع مرارا فيما سلف فإنّه يقول: الترتيب كما ذكر، و يعني به ما وقع في العبارة. لكن يشكل ذلك في الشهادتين فإنّه ذكرهما جملة، فالترتيب لا يمكن استفادته فيهما من المذكور بل من المشهور.

و إمّا إحالة على ما سيأتي في بيان رعاية المنقول (2)، فإنّ الصورة مستلزمة لبيان الترتيب.

[الثامن: موالاته]

(الثامن: موالاته) فلو فصله بكلام ليس منه و لا من سننه عمدا بطل مطلقا، و ناسيا يعيده كما مرّ (3). و إن فصله بسكوت مخرج عن هيئة الصلاة أبطلها، أو عن هيئة التشهّد أبطله، أو لا عنهما لم يضرّ، و قد تقدّم هذا التفصيل في نظائره (4).

[التاسع: مراعاة المنقول]

(التاسع: مراعاة المنقول) في خبر محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)، (و هو

____________

(1) ذخائر العقبى: 21، كشف الغمة في معرفة الأئمة 1: 43، تفسير القمي 2: 193، ثواب الأعمال: 189/ 2.

(2) إشارة إلى الواجب التاسع، و هو قوله: (مراعاة المنقول).

(3) تقدّم في الصفحة: 268.

(4) تقدّم في الصفحة: 268 و 274.

278

«أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهم صلّ على محمّد و آله محمّد» (1)).

و معنى إيجابه هذه الصيغة- مع ما سيأتي من أنّ ترك بعض كلماتها لا يضرّ (2)- أنّ وجوبها تخييريّ بينها و بين ما سيأتي، و أفراد الواجب التخييريّ واجبة بقول مطلق و إن كان محلّ الواجب أحدها لا على التعيين. فعلى هذا ينوي الوجوب بما يأتي به من اللّفظ الذي يجوز له تركه، و لا يخرج بذلك عن كونه واجبا؛ لعدم الملازمة بينهما، كما في الركعتين الأخيرتين في مواضع التخيير (3).

(فلو أبدله) أي المنقول (بمرادفه) كما لو قال: أعتقد أو أجزم أو أقطع بدل أشهد، و نحو ذلك (أو أسقط واو العطف) من الشهادة الثانية (أو لفظ أشهد) منها، مع إتيانه بواو العطف، (لم يجزئ) لمخالفته للمنقول في الأخبار (4) الدالّة بخصوصها.

و ذهب جماعة منهم العلّامة إلى جواز ترك كلّ واحد من الأخيرتين مع الإتيان بالآخر (5). عملا بإطلاق الاجتزاء بالشهادتين في بعض النصوص (6)، و حصول الغرض بذلك، و ما اختاره المصنّف أولى.

(و لو ترك وحده لا شريك له) و أتى بالباقي (أو) ترك (لفظ عبده) مع الإتيان بالباقي (لم يضرّ)، و في حكمهما لو تركهما معا.

و مقتضى جواز حذف (عبده) و بقاء ما بعده جواز إضافة الرسول إلى المضمر كما كان سابقا، و قد قطع المصنّف في البيان بعدم جوازه، بل أوجب إضافته إلى المظهر (7).

____________

(1) التهذيب 2: 101/ 379، الإستبصار 1: 342/ 1289.

(2) سيأتي في هذه الصفحة بعد عدّة أسطر.

(3) كما في الركعتين الأخيرتين في مواضع التخيير: لم ترد في «ع» و ورد بدلها: كما مرّ.

(4) التهذيب 2: 92/ 344، الاستبصار 1: 341/ 1284، و انظر وسائل الشيعة 6: 393 الباب 3 كيفية التشهد و جملة من أحكامه.

(5) الخلاف 1: 372 المسألة 131، تذكرة الفقهاء 3: 230 المسألة 292.

(6) الكافي 3: 337/ 3، التهذيب 2: 101/ 143، الاستبصار 1: 341/ 1285.

(7) البيان: 174- 175.

279

و استفادة الفرق بينهما مع هذه التخصيصات من الأدلّة غير واضح، و إنّما اللازم منها إمّا جواز مطلق التغيير مع بقاء الشّهادتين، كما اختاره العلّامة (1) و المحقّق (2) إن عمل بالأخبار المطلقة في ذلك، أو اختصاص الجواز بما ذكر أوّلا من لفظ الشهادة إن عمل بمقيّدها و حمل ذلك المطلق عليه.

و يظهر من المصنّف في الدروس اختيار الثاني (3)، و هو أولى.

و حيث عملنا بمختار المصنّف هنا، تصير الصيغ المختلفة في التشهد المجزئة ست، و على العمل بالجميع ثماني عشر، و هي ظاهرة.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 3: 230 المسألة 292.

(2) المعتبر 2: 223.

(3) الدروس 1: 182.

280

[الثامنة: التسليم]

(الثامنة: التسليم) و قد اختلف الأصحاب في وجوبه و ندبه، و لكلّ من الفريقين حجج، حقّقناها مع ما عندنا فيها في شرح الإرشاد (1).

و لا ريب أن نيّة الوجوب به أحوط، و لا يقدح ذلك في الصلاة بوجه؛ لأنّه إن طابق الواقع، و إلّا كان فعلا خارجا عن الصلاة، فلا يضرّ عدم مطابقة نيّة الوجوب به، بخلاف الأفعال الداخلة فيها فإن نيّتها لا بدّ أن تكون مطابقة لاعتقاد الفاعل؛ حذرا من زيادة واجب في الصلاة أو إيقاع واجب بنيّة النّدب.

و لو اشترطنا في الخروج من الصلاة- على تقدير القول بندبيّة التسليم- نيّة الخروج أو التسليم أو فعل المنافي، كما يظهر من المصنّف في بعض كتبه (2) و جماعة، كان التسليم حينئذ بنيّة الوجوب كفعل المنافي، فلا يقدح أيضا بوجه.

(و واجبه) على القول بوجوبه (تسعة):

[الأوّل: الجلوس له]

(الأوّل: الجلوس له) مع الاختيار، فتبطل بدونه، كما مرّ في التشهد (3).

[الثاني: الطمأنينة بقدره]

(الثاني: الطمأنينة بقدره) فلو أوقعه بدونها مختارا بطل مع العمد، و استدركه في

____________

(1) روض الجنان: 279.

(2) القواعد و الفوائد 2: 306.

(3) تقدّم في الصفحة: 276.

281

محلّه مع النسيان كما مرّ (1).

[الثالث: إحدى العبارتين: إمّا السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته أو السّلام علينا و على عباد اللّه الصالحين]

(الثالث: إحدى العبارتين: إمّا السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته) و هي مخرجة بغير خلاف (أو السّلام علينا و على عباد اللّه الصالحين) على المختار عنده (2) تبعا للفاضلين (3)، و لصدق اسم التسليم عليهما.

و قد أنكر المصنّف هذا القول في الذكرى و البيان، و جعله قولا حادثا (4).

و الأولى الاقتصار في الخروج ب(السّلام عليكم إلى آخره)؛ للإجماع على الخروج بها، و جعل (السّلام علينا إلى آخره) من جملة التسليم المستحب كما دلّ عليه بعض الأخبار (5)، و اختاره المصنّف في الذكرى و البيان (6).

و في بعض نسخ الرسالة (و الأولى أولى) (7) أي الصيغة الاولى من الصيغتين المذكورتين أولى من الأخرى، و هو موافق لما ذكره في الكتابين (8)، لكن سيأتي بينهما مخالفة من وجه آخر (9).

و أكثر الأصحاب على الاجتزاء ب(السّلام عليكم) و إضافة (و رحمة اللّه و بركاته) بنيّة الوجوب أولى و إن قلنا بصحته بدونها؛ جعلا لذلك من باب الواجب التخييريّ، و إن كان بعض أفراده جزء من البعض الآخر، فإنّ الماهيّة الكلّية المأمور بها يشملها كما مرّ في التشهد (10).

[الرابع: الترتيب بين كلماته]

(الرابع: الترتيب بين كلماته) على الوجه المنقول، فلو أخلّ به عمدا بطل، و سهوا

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 276.

(2) البيان: 176.

(3) تذكرة الفقهاء 3: 245 المسألة 301، شرائع الإسلام 1: 89.

(4) الذكرى: 207، البيان: 177.

(5) التهذيب 2: 93/ 349، الاستبصار 1: 347/ 1307.

(6) الذكرى: 207، البيان: 177.

(7) كما في نسختي «ش 1» و «ش 3».

(8) أي الذكرى و البيان.

(9) يأتي في الصفحة: 283.

(10) تقدّم في الصفحة: 278.

282

يستدركه في محلّه إن أمكن، و إلّا كان كناسي التسليم.

[الخامس: عربيّته]

(الخامس: عربيّته) مع الاختيار، فلو ترجمه كذلك بطل، و قد تقدّم البحث عن نظائره مرارا (1)،

[السادس: موالاته]

(السادس: موالاته) فلو فصل بين كلماته بطل على ما مرّ تفصيله (2).

[السابع: مراعاة ما ذكر]

(السابع: مراعاة ما ذكر) من الصيغتين مادة و صورة، و ذلك يوجب الاستغناء عن ذكر الترتيب؛ إذ ليس في تركه مراعاة المذكور.

(فلو نكّر السّلام) بأن قال: سلام عليكم (أو جمع الرحمة) فقال: و رحمات اللّه (أو وحّد البركات) فقال: و بركته (أو نحوه) من التغيير بأن أبدل بعض ألفاظه بمرادفه كالرأفة موضع الرحمة، أو الأعمّ منه كالتحيّة موضع السّلام (بطل) تسليمه، و تتبعه الصلاة إن تعمّد، و إلّا استدركه مع بقاء محلّه.

و إنّما يبطل جمع الرحمة و توحيد البركات على القول بوجوب إضافتهما، و على القول بالاجتزاء بما دونهما يحتمل ذلك أيضا؛ بناء على أنّه مع اختيار الإضافة يكون المجموع واجبا من جملة أفراد الواجب المخيّر. و يحتمل العدم؛ بناء على انتهاء الواجب قبله، أو أنّه و إن كان الأخير يوصف بالوجوب، لكن يشترط الإتيان به على وجهه، فإذا وقع بخلاف ذلك تبيّن انتهاء الصلاة قبله، و هذا أقوى و إن كان الأوّل على تقدير الوجوب لا يخلو من قوّة.

[الثامن: تأخيره عن التشهّد]

(الثامن: تأخيره عن التشهّد) فلو قدّمه عليه أو على شيء منه عمدا بطلت الصلاة، و سهوا يكون كالكلام الأجنبي كذلك.

(و لا تجب فيه نيّة الخروج) من الصلاة، بل يخرج به منها و إن لم ينو، كما لا تفتقر باقي أجزاء الصلاة إلى نيّة خاصة، فإنّ الصلاة فعل واحد متّصل شرعا، و الخروج منها يحصل بالفراغ لزوما كباقي العبادات، فإنّ الانفصال عنها كاف في الخروج منها إجماعا (و إن كانت) نيّة الخروج (أحوط) خروجا من خلاف القائل بوجوبها، استنادا

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 256 و 267 و 274 و 277.

(2) تقدّم في الصفحة: 267.

283

إلى أنّ التسليم عمل يخرج به من الصلاة فتجب له النيّة؛ لعموم: «إنّما الأعمال بالنيات» (1). و قد عرفت جوابه و إن كان القول به أحوط،: و هي حينئذ بسيطة يكفي قصد الخروج منها به، مع احتمال إضافة الوجوب و القربة، أمّا تعيين الفريضة و الأداء فلا.

و محلّها بعد التشهّد مقارنة للتسليم، فلو تقدّمت على كمال التشهّد بطلت الصلاة؛ بناء على بطلانها بنيّة الخروج و إن لم يكن في الحال. نعم لو نوى قبله الخروج بالتسليم لم يضر، لكن لا تكفي النيّة المتقدّمة عنها في محلّها.

[التاسع: جعل المخرجة ما يقدّمه من إحدى العبارتين]

(التاسع: جعل المخرجة ما يقدّمه (2) من إحدى العبارتين) فتكون هي الواجبة، و تصير الثانية مستحبة. (فلو جعله) أي جعل المخرج هو (الثانية) و نوى بالأولى الاستحباب (لم يجزئ).

أما إذا كان المتقدّم هو (السّلام عليكم) فظاهر؛ لأنّها مخرجة بالإجماع، و لا تشرع مستحبّة متقدّمة إجماعا، فتكون نيّة الاستحباب بها كنيّة استحباب بعض الواجبات المتعيّنة في أثناء الصلاة، و هو مبطل.

و أما إذا كان المتقدّم هو (السّلام علينا) فلما في بعض الأخبار من كونها مخرجة من الصلاة (3)، و هو وجه إيجابها تخييرا، فنيّة الاستحباب بها توجب المحذور السابق.

و هذا بخلاف ما قد صرّح به في كتابيه (4)، و نطقت به الأخبار الصحيحة (5) من استحباب تقديم (السّلام علينا) مع التسليم المستحبّ و الخروج ب(السّلام عليكم).

قال المصنّف في الذكرى: الاحتياط للدين الإتيان بالصيغتين بادئا ب(السّلام علينا و على عباد اللّه الصالحين) لا بالعكس، فإنّه لم يأت به خبر صحيح منقول و لا مصنّف

____________

(1) صحيح البخاري 1: 2.

(2) في «ع» و نسختي الألفيّة «ش 1» و «ش 2»: يقدّم.

(3) الكافي 3: 337/ 6، التهذيب 2: 316/ 1292.

(4) الذكرى: 208، البيان: 177.

(5) التهذيب 2: 93/ 349، الاستبصار 1: 347/ 1307.

284

مشهور، سوى ما في بعض كتب المحقّق (1)، و يعتقد ندب السّلام علينا و وجوب الصيغة الأخرى (2).

و قريب منه ما ذكره في البيان، فإنّه بعد أن حكاه عن المحقّق قال: إنّه لم يذكر في خبر و لا مصنّف، بل القائلون بوجوب التسليم و استحبابه يجعلون (السّلام علينا) مقدّما على الآخر (3).

و هذا التحقيق هو الأقوى و إن كان الاحتياط للصلاة يقتضي عدم تقديم أحدهما مستحبّا؛ خروجا من خلاف المصنّف في هذه الرسالة، فإنّه يرى بطلان الصلاة بذلك.

(و يجب فيه) أي في التسليم الواجب (و في التشهد إسماع نفسه).

و هذا الواجب هو أحد الواجبات التي هو بصدد تعدادها، و قد عدّه في القراءة و ذكر الركوع و السجود واجبا مستقلا، و كأنّه أفرده هناك لتمام العدد الذي يريد جمعه، و هو الألف بدونه.

و فيه: أنّ العدد غير منحصر في الألف تحقيقا، فإدخال هذا واجبا فيها لا يقدح في مطلوبه إن كان ما سيأتي من الزيادة غير قادح. و أيضا فقد تقدّم في بعض الأعداد ما كان يستغني عنه ببعض، كوجوب الترتيب مع وجوب مراعاة المنقول حيث ذكر، فإنّ مراعاة المنقول يغني عنه، و الأمر في ذلك سهل.

(فهذه) إشارة إلى المعدود من أوّل باب النيّة إلى هنا (جميع الواجبات) المقارنة في الصلاة اليوميّة.

(فإن أريد الحصر) و البيان (ففي الركعة الأولى أحد و ستون) واجبا: في النيّة منها سبعة، و في التحريمة أحد عشر، و في القراءة ستة عشر، و في القيام أربعة، و في الركوع تسعة، و في السجود أربعة عشر. و ذلك أحد و ستون.

____________

(1) المعتبر 2: 236.

(2) الذكرى: 208.

(3) البيان: 177.

285

(و في الثانية أربعة و أربعون) لسقوط واجبات النيّة، إلّا الاستدامة الحكميّة فإنّها باقية في جميع الركعات، و سقوط واجبات التكبير و ذلك سبعة عشر، يبقى أربعة و أربعون.

(و في الثالثة تسعة و ثلاثون) إن اختار فيها قراءة الحمد كما يرشد إليه قوله بعد ذلك:

(و إن تخيّر التسبيح) و حينئذ سقط منها واجبات السورة و هي خمسة:

الأوّل: إكمال السورة.

الثاني: وحدة السورة.

الثالث: كونها غير عزيمة.

الرابع: القصد بالبسملة إلى سورة معيّنة.

الخامس: عدم الانتقال من سورة إلى غيرها، إلى آخره.

و يبقى من واجبات القراءة أمران لهما مدخل في واجبات السورة:

أحدهما: البسملة أوّل الحمد و السورة.

و الثاني: تقديم الحمد على السورة.

لكن الأوّل منهما يدخل في إكمال السورة؛ لأنّ البسملة آية من كلّ سورة عندنا فلذا تركه.

و أما الآخر فوجه تركه أنّ حاصلة البدأة بالحمد بعد القيام بحيث لا تسبقها السورة، و هذا أمر حاصل مع عدم السورة.

و أيضا فكما يصلح كونه من واجبات السورة يصلح أن يكون من واجبات الحمد، فإنّ معناه بالنسبة إلى السورة تأخيرها عن الحمد، و بالنسبة إلى الحمد تقديمها، فجاز الاستغناء عنه.

و الشارح المحقّق ذكره من الخمسة و ترك ذكر إكمال السورة (1)، و بعد الإحاطة بما قلناه يعلم أنّ ما ذكرناه أصوب.

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 288.

286

(و كذا في) الركعة (الرابعة) تسعة و ثلاثون؛ لمساواتها لها (فإن تخيّر) المصلّي (التسبيح) في الأخيرتين دون قراءة الحمد (صار في كلّ واحدة منهما) أي من الثالثة و الرابعة (اثنان و ثلاثون) لسقوط واجبات القراءة بأسرها و هي ستة عشر من أربعة و أربعين، و إضافة واجبات التسبيح- و هي أربعة، كما أشار إليها سابقا بقوله: (مرتّبا مواليا بالعربيّة إخفاتا)- إلى الباقي و هو ثمانية و عشرون.

و حيث كان في كلّ ركعة ما ذكر، (ففي) الصلاة (الثانية) و هي الصبح (مائة و ثلاثة و عشرون واجبا (1)) لأنّ في الركعتين الأولتين مائة و خمسة كما مرّ، و يضاف إليها واجبات التشهّد و التسليم يبلغ العدد.

(و في الثلاثية) و هي المغرب (مائة و أحد و سبعون) بإضافة واجبات التشهّد و هي تسعة، و واجبات الركعة الثالثة و هي تسعة و ثلاثون، إلى ما يجب في الثنائية و هو مائة و ثلاثة و عشرون.

(و في الرباعيّة مائتان و عشرة) بإضافة ما يجب في الركعة الرابعة و هو تسعة و ثلاثون إلى مائة و أحد و سبعين.

(ففي) الصلوات (الخمس حضرا تسعمائة و أربعة و عشرون فرضا مقارنة) للقارئ، منها في الرباعيات الثلاث ستمائة و ثلاثون، و في الثلاثية و الثنائية مائتان و أربعة و تسعون، و الجميع ما ذكر.

(و) في الخمس في حال كونها (سفرا) للقارئ (ستمائة و ثلاثة و ستون)؛ لأنّها تصير أربع ثنائيات، و واجباتها أربعمائة و اثنان و تسعون، و ثلاثية تضاف واجباتها و هي مائة و أحد و سبعون إلى المجتمع من الثنائيات يبلغ ذلك.

(و للمسبّح ثمانمائة و خمسة و سبعون حضرا)؛ لأنّ واجبات كلّ من الثالثة و الرابعة للقارئ تسعة و ثلاثون كما تقدّم، و للمسبّح اثنان و ثلاثون، تنقص من كلّ ركعة من الأخيرتين سبعة، و هي سبع ركعات في الخمس، فالساقط منها تسعة و أربعون، تنقص

____________

(1) في النسخ الخطية الثلاث للألفيّة: فرضا.

287

من تسعمائة و أربعة و عشرين يبقى ما ذكره.

(و) للمسبِّح (سفرا ستمائة و ستة و خمسون) و هي الستمائة و ما معها التي تقدّمت للقارئ، و ينقص منها سبعة في ثالثة المغرب هي التفاوت بين الواجب على تقدير التسبيح و القراءة كما تقدّم، يبقى ما ذكر.

288

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

289

[الفصل الثالث] [في المنافيات]

290

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

291

(الفصل الثالث) (في المنافيات) للصلاة و هي مبطلاتها و لو على بعض الوجوه، فيدخل فيه ما هو مناف مطلقا أو في حال العمد خاصّة (و هي خمسة و عشرون) منافيا.

[الأوّل: نواقض الطهارة]

(الأوّل: نواقض الطهارة مطلقا) سواء صدرت اختيارا أم اضطرارا.

و نبّه بالإطلاق على خلاف الشيخ (رحمه اللّه)، حيث ذهب في أحد قوليه إلى عدم إعادة الصلاة ممّا سبق من الحدث، بل يبني عليها بعد إعادة الطهارة (1). و تبعه على ذلك جماعة (2)؛ استنادا إلى رواية صحيحة (3) دلّت بظاهرها على ذلك.

و ليس المراد بالإطلاق شمول العمد و غيره، كما ذكره الشارح المحقّق (4) و إن كان الحكم فيه كذلك؛ لما سيأتي من قوله في الرابع عشر: (و هذه منافيات و إن وقعت سهوا).

و أيضا فلا فائدة في تخصيص هذه الصورة بالإطلاق عمّا بعدها، فإنّ الأمر

____________

(1) الخلاف 1: 409 المسألة 157، المبسوط 1: 118؛ التهذيب 1: 205.

(2) منهم المحقّق في المعتبر 1: 407، و العلّامة في منتهى المطلب 3: 151.

(3) الفقيه 1: 204/ 106، التهذيب 2: 332/ 1370، الاستبصار 1: 401/ 1533.

(4) شرح الألفيّة (رسائل المحقق الكركي) 3: 291- 292.

292

فيها كذلك.

(و مبطلاتها) و المراد بها موانع صحتها (كالطهارة بالماء النجس) سواء علم بالنجاسة أم لا، حتى لو استمرّ الجهل به حتى مات فإنّ الصلاة باطلة، غايته عدم المؤاخذة عليها؛ لامتناع تكليف الغافل.

هذا هو الذي يقتضي إطلاق العبارة و كلام الجماعة، و لا يخفى ما فيه من البلوى، فإنّ ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة؛ لكثرة النجاسات في نفس الأمر و إن لم يحكم الشارع ظاهرا بفسادها، فعلى هذا لا يستحقّ عليها ثواب الصلاة و إن استحقّ أجر الذاكر المطيع بحركاته و سكناته إن لم يتفضّل اللّه تعالى عليه بجوده.

(أو) الطهارة بالماء (المغصوب عمدا عالما (1) في الأخير) و هو المغصوب، و الجاهل بالحكم عامد، أما لو كان جاهلا بالغصبيّة صحّت طهارته و إن لزمه عوض الماء.

و في ناسي الغصب أوجه، و عدم إعادته مطلقا لا يخلو من قوّة.

أما ناسي الحكم فكجاهله؛ لوجوب التعلّم عليهما، و ضمّهما الجهل إلى التقصير.

و الفرق بين الجهل بالنجاسة و الغصبيّة؛ إنّ مانع النجاسة ذاتيّ فلا يغيّره الجهل به، بخلاف الغصب فإنّه عرضيّ بسبب النهي عن التصرّف في مال الغير، و مع الجهل و النسيان لا يتحقّق النهي؛ لعدم التكليف حينئذ، فينتفي المانع، و في الفرق نظر.

و في حكم النجس و المغصوب المشتبه بهما دون المشتبه بالمضاف؛ لإمكان الطهارة بهما.

[الثاني: استدبار القبلة]

(الثاني: استدبار القبلة) في حالة الصلاة و لو في بعضها (مطلقا) أي في الوقت

____________

(1) عالما: وردت في كافة نسخ المقاصد العليّة و نسخ الألفيّة المتوفّرة لدينا، و في هامش «ع» المنقولة من خطّ المصنّف:

ليس لفظ (عالما) في نسخة فيها خط الشارح، و لفظ (عمدا) موجود.

و قد استشكل المحقّق الكركي في شرحه الألفيّة- (المطبوع ضمن رسائله) 3: 292- على هذه العبارة قائلًا: و قوله:

(عمدا عالما) لا يخلو من مناقشة؛ لأنّ التقييد بالعمد يغني عن القيد بالعلم بعده؛ لأنّ العمد يخرج الجهل و النسيان، و إلّا لانتفت فائدة التقييد به.

293

و خارجه، فإنّه مقابل للتقييد في قسمة الآخر و هو التيامن و التياسر ببقاء الوقت، لا أنّ المراد به عمدا و سهوا كما ذكره الشارح لما مرّ.

و المراد الاستدبار بالبدن جميعه؛ لرواية زرارة عن الباقر (عليه السلام): «الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه» (1).

و لو أمكن فرضه بالوجه خاصة بحيث يبلغ حدّ الاستدبار ففي إبطاله نظر، و ظاهر الأصحاب أنّه كاليمين و اليسار، و هو أجود. و ربّما قيل بإلحاقه بالاستدبار (2). و لا فرق في المستدبر بين العامد و الظانّ و الناسي، كما هو مقتضى هذه المسائل.

(أو) الانحراف بكلّه إلى (اليمين أو اليسار) و مقتضى ظاهر العبارة أنّه معطوف على استدبار القبلة، و التقدير: أنّ من المنافيات استدبار اليمين أو اليسار إلى آخره و هو صحيح أيضا، فإنّ استدبار كلّ من الجهتين يوجب استقبال الأخرى، لكن تخلو (3) العبارة عن الجزالة، فإنّ تعليق الحكم على استدبار الجهتين يشعر بأنّ لهما مدخلا في العليّة كالقبلة، و ليس كذلك، و من ثمّ جاز عطف اليمين و اليسار على أصل الجملة بتقدير الانحراف، و كيف كان فالجزالة فائتة.

و إنّما يكون الانحراف إلى الجهتين منافيا (مع بقاء الوقت) لا مع خروجه قبل العلم بالخلل، فإنّه لا إعادة حينئذ.

و هذا الحكم و إن شمل العامد و الناسي و الظانّ، لكن سيأتي أنّ العامد يعيد مطلقا، و لا يضرّ إدخاله هنا في حكم إعادته مع بقاء الوقت، فإنّ عدم إعادته مع خروجه إنّما يستفاد من المفهوم، و ما سيأتي من المنطوق يوضح الحال. و إنّما فرّق حكمه لمناسبة اقتضاها التصنيف حيث أفرد المنافيات مطلقا عمدا و سهوا على حدة أوّلا، ثم عقّبها بالمنافيات عمدا.

و لو كان التيامن و التياسر بوجهه خاصّة فالمشهور عدم إبطاله الصلاة و إن كان

____________

(1) التهذيب 2: 199/ 780، الاستبصار 1: 405/ 1543.

(2) حكاه الماتن الشهيد الأوّل في الذكرى: 117 عن بعض مشايخه.

(3) في هامش «ع»: تخلف «كذا بخطه (رحمه اللّه)».

294

مكروها، بل يكره الالتفات بنظرة خاصّة و إن لم يخرج الوجه عن سمت القبلة.

و بالجملة ففي العبارة نوع من الإيجاز و اللطف لا يبلغ حدّ الخلل، كما ادّعاه الشارح المحقّق (1)، و من تأمّل ما حرّرناه يظهر عليه جواب إيراداته على العبارة.

و اعلم أنّ الحكم بوجوب الإعادة مع الاستدبار مطلقا إجماعي في صورة التعمّد، أما مع الظّن أو النسيان ففيه قولان هذا أحدهما، و الأصح إلحاقه بالتيامن و التياسر، فيعيد في الوقت خاصة.

و لو كان الانحراف لا يبلغ حدّ اليمين و اليسار لم يقطع الصلاة إجماعا مع عدم التعمّد.

و المراد بالاستدبار ما قابل سمت القبلة، بمعنى أنّ أي خط مستقيم فرض جواز الصلاة إلى أحد طرفيه اختيارا و حكم بكونه غير خارج عن جهة القبلة فطرفه الآخر خط الاستدبار، فإذا وضع على هذا الخط خط آخر مقاطع له، بحيث يحدث عنهما بسبب التقاطع أربع زوايا قوائم، فالخط الثاني هو خط اليمين و اليسار. و لو فرض وقوع خط ثالث على الأوّل بحيث يحدث عنهما حادّتان و منفرجتان، فما كان إلى جهة القبلة منه فهو الانحراف اليسير الذي يعفى عنه، سواء اتّسعت الزاوية أم ضاقت، و ما كان منه إلى جهة الاستدبار فهو ملحق باليمين و اليسار، و إن كان إلى الاستدبار أقرب فيعيد المصلّي إليه في الوقت خاصة على ما اختاره المصنّف في الرسالة، و على ما قلناه يسقط البحث، و هذه صورة الخطوط للتوضيح:

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 293.

295

[الثالث: الفعل الكثيرة عادة]

(الثالث: الفعل الكثيرة عادة) و هو ما يخرج به فاعله عن كونه مصلّيا، و يخيّل لناظره أنه معرض عنها.

و نبّه بقيد العادة على أنّها المرجع في الكثرة لا اللغة، بحيث يحكم ببطلان الصلاة بالأفعال الكثيرة كيف وقعت.

فعلى هذا لا تؤثّر حركة الأصابع و إن تعدّدت، و سواء كان ذلك بتسبيح أم غيره؛ لعدم الخروج بها عن حقيقة الصلاة، و تبطل الوثبة الكبيرة الفاحشة المخيّلة لما ذكر و إن كانت متّحدة لغة.

و نحو الخطوة، و حركة الرأس، و خلع النعل، و لبس الثوب الخفيف و نزعه، و قتل الحيّة و العقرب، أفعال قليلة عرفا. و قد صرّح بهذه الأمثلة جماعة من الأصحاب (1) منهم المصنّف (2)، و حيث كان المرجع إلى العرف فلا عبرة بالمثال.

و إنّما يقدح الكثير مع التوالي، فلو تفرّق على الركعات بحيث يكون كلّ واحد منه قليلا لم يضرّ على أصح القولين، و قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحمل أمامة ابنة أبي العاص من ابنته (صلّى اللّه عليه و آله)، و يضعها إذا سجد، و يحملها إذا قام (3).

[الرابع: السكوت الطويل عادة]

(الرابع: السكوت الطويل عادة) بحيث يخرج به عن كونه مصلّيا، فلو كان طويلا دون ذلك لم يكن منافيا للصلاة و إن نافي القراءة إذا خرج عن كونه قارئاً، و قد تقدّم (4).

[الخامس: عدم حفظ عدد الركعات]

(الخامس: عدم حفظ عدد الركعات) بأن لا يدري المصلّي كم صلّى، فتبطل صلاته

____________

(1) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 238، و العلّامة في تذكرة الفقهاء 3: 288 المسألة 328.

(2) الذكرى: 215، الدروس 1: 185.

(3) صحيح مسلم 1: 385/ 543، سنن أبي داود 1: 563/ 917 و 918 و 920.

(4) تقدّم في الصفحة: 247.

296

إذا لم يغلب على ظنّه شيء، و إلّا بنى عليه؛ لرواية صفوان عن الكاظم (عليه السلام):

«إذا لم تدر كم صلّيت، و لم يقع و همك على شيء، فأعد الصلاة» (1).

و المراد بالوهم هنا الظنّ و إن كان المشهور كونه مقابلا له و أنّه الطرف المرجوح و الظنّ الطرف الراجح، و كثيرا ما يستعمل ذلك في الأخبار الواقعة في باب السهو و الشكّ.

و كان عليه أن يستثني الظنّ؛ لدخوله في عدم الحفظ، بخلاف ما لو عبّر بالشكّ.

[السادس: الشكّ في الركعتين الأولتين]

(السادس: الشكّ في الركعتين الأولتين) من الرباعية (أو) في (الثنائية) كالصبح (أو في المغرب) و إنّما أطلق الثنائية من غير أن يذكر الصبح و ذكر المغرب؛ للتنبيه على تعدية الحكم إلى كلّ ثنائيّة واجبة كالجمعة و العيدين و الكسوف و المنذورة، بخلاف المغرب إذ لا نظير لها. و لو فرض نذر ثلاث ركعات بتسليمة مثلها ففي صحّة النذر نظر، فإن قلنا به لحقه حكمها.

و احترز بالشكّ في المذكورات عمّا لو ظنّ شيئا، فإنّه يبني عليه في الثلاثة على أصحّ القولين.

[السابع: نقص ركن من الأركان الخمسة]

(السابع: نقص ركن من الأركان الخمسة) أعني (النيّة، و التكبير، و القيام، و الركوع، و السجدتين) معا. كذلك (زيادته) أي زيادة ركن من الأركان المذكورة.

أما حكمه بركنيّة النيّة فهو أحد القولين فيها، و إن كان التحقيق يقتضي كونها أشبه بالشرط. و على القولين تبطل الصلاة بنقصها؛ إذا لا عمل إلّا بنيّة، و لأنّ فوات الشرط إن لم يكن ركنا يقتضي فوات المشروط.

و أما زيادتها، فعلى القول بالركنيّة يتّجه الإبطال بها؛ لأنّ ركن الصلاة تبطل زيادته و نقصه، إلّا ما استثني. و أما على الشرطيّة فيمكن القول بعدم إبطاله؛ لأنّ تكرار الشرط غير ضائر، و الأصحّ أنّ زيادتها من غير تلفّظ غير مبطل مطلقا.

____________

(1) الكافي 3: 358/ 1، التهذيب 2: 187/ 744، الاستبصار 1: 373/ 1419.

297

و أمّا التكبير فلا خلاف في ركنيّته و بطلان الصلاة بنقصه و زيادته، و المراد به مع قصد التحريم به، لا مع قصد مطلق الذكر، فإنّ ذلك غير مبطل و لا هو المفروض.

و أمّا القيام فتبطل الصلاة بنقصانه أجمع، و أما نقصان بعضه كما لو نسي بعض القراءة، أو جميعها و قد قام فلا تبطل الصلاة أيضا، و كذا لا تبطل بزيادته على بعض الوجوه كما لو قام في موضع قعود و لم يركع.

و قد حقّق المصنّف (رحمه اللّه) أنّ الركن منه هو القيام المتّصل بالركوع، فمتى لم يكن معه ركوع لا تبطل الصلاة بزيادته. و لا يضرّ على هذا كون زيادة الركوع مبطلة و إن لم يكن معه قيام؛ لأنّه ركن تام، فإنّ غاية ذلك كون كلّ منهما علّة في البطلان.

و لا يضر تعدّد العلل الشرعيّة، فإنّها معرّفات للأحكام لا علل حقيقيّة. و ليس الركن مجموع القيام المتّصل بالركوع، بل الأمر الكلّيّ منه.

و من ثمَّ لو نسي القراءة قائماً ثم ركع لم تبطل الصلاة، فهو حينئذ أمر كلّيّ يتحقّق في ضمن جميع القراءة و هو الفرد الأكمل منه و في ضمن بعضها، و مع خلوّه عنها فهو شبيه بالوقوف بعرفة، فإنّه من حيث هو كلّيّ ركن، و من حيث الاستيعاب للوقت الذي بين الزّوال و الغروب واجب لا غير (1).

و هذا تحقيق حسن، إلّا أنّه لا يوجب ثمرة مهمّة في ركنيّته، فإنّه مع الانفراد عن الركوع غير مبطل، و مع الانضمام يستغنى عنه. و لو قيل بأنّه ركن كيف اتّفق أمكن، و عدم بطلان الصلاة بزيادته و نقصانه على وجه لا يخرجه عن الركنيّة، فلذا اغتفر ذلك في مواضع كثيرة فليكن هذا منها. و مستند الجميع النّص، و هو مشترك.

و أمّا الركوع فلا إشكال في ركنيّته، و يتحقّق بالانحناء إلى الحدّ المعتبر فيه، و ليس الذكر و الطمأنينة و الرفع منه داخلا في حقيقته على أصحّ القولين، بل هي واجبات فيه خاصة، فتبطل الصلاة بزيادته على هذا الوجه خاصة.

و من هنا يتفرّع أنّه لو شكّ في الركوع و هو قائم، فركع لكونه شكّ في شيء و هو

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 200- 201.

298

في محلّه، ثم ذكر بعد بلوغه حدّ الراكع سبق الركوع، بطلت الصلاة، خلافا للمصنّف (1) و جماعة (2).

و أما السجدتان فالمشهور كونهما معا ركنا لا الواحدة، فلا تبطل الصلاة بزيادتها و نقصانها سهوا.

و يرد عليه أنّ المجموع يفوت بفوات جزء من أجزائه، و نقصان الواحدة غير مبطل، و هو ينافي ركنيّة المجموع من حيث هو مجموع.

و أجاب المصنّف (رحمه اللّه) بأنّ انتفاء الماهيّة هنا غير مؤثّر مطلقا، و إلّا لكان الإخلال بعضو من أعضاء السجود مبطلا، و لم يقل به أحد، بل المؤثّر هو انتفاء الماهية رأسا (3).

و هو مصادرة محضة، فإنّ الركن إذا كان هو المجموع لزم منه البطلان بفوات الواحدة؛ لا ستلزامه الإخلال به. و ما ادّعاه من لزوم البطلان بالإخلال بالعضو غير صالح للمعارضة؛ لأنّ وضع ما عدا الجبهة لا دخل له في مسمّى السجود كالذكر و الطمأنينة، و التزم المصنّف (رحمه اللّه) بسبب الإيراد أنّ الركن هو مسمّى السجود، و هو الأمر الكلّي الصادق بالواحدة لا مجموعهما، و هو دافع للإيراد بغير طريق السؤال؛ لأنّه وارد على جعل المجموع ركنا.

و أورد عليه مع ذلك لزوم البطلان بزيادة الواحدة لصدق مسمّى السجود عليها المحكوم بركنيّته، كما ذهب إليه ابن أبي عقيل (4)، و الأصحاب (5) و النصّ على خلافه. (6)

و يمكن الجواب عن أصل السؤال بمنع كلّية المقدّمة القائلة بأنّ كلّ ركن تبطل الصلاة

____________

(1) الذكرى: 222، الدروس 1: 199.

(2) منهم السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل: 70، و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 122، و ابن إدريس في السرائر 1: 251- 252.

(3) الذكرى: 200.

(4) حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 375، المسألة 264.

(5) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 147، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 119، و العلّامة في المختلف 2: 369، المسألة 260.

(6) التهذيب 2: 156/ 610، الفقيه 1: 228/ 1009.

299

بزيادته مطلقا، و لا يتم الإشكال إلّا مع تسليمها، كيف و قد يتخلّف ذلك في مواضع كثيرة لا دليل على انحصار الحال فيها، بل كثير منها أضعف مستندا من هذا الموضع لدعوى المصنّف في الذكرى اتفاق الأصحاب، و النصّ على عدم البطلان بزيادة الواحدة و نقصها (1). فيكون ذلك هو الموجب لخروج هذا الفرد من الكلّية كما خرج غيره.

و حينئذ فيمكن القول بركنيّة المجموع و التزام فواته مع عدم الحكم ببطلان الصلاة، أو بركنيّة مسمّى السجود الصادق على الواحدة كما التزمه المصنّف. و يخرج الحكم بعدم البطلان بزيادتها من القاعدة بالنصّ، بل هو أولى من الأوّل؛ لكثرة نظائره المستثناة من زيادة الركن.

إذا تقرّر ذلك، فما ذكره من منافاة زيادة الركن و نقصانه للصلاة عمدا و سهوا، كما هو مقتضى هذه المسائل، يستثني منها أمور:

الأوّل: النيّة، فإنّ زيادتها غير مبطلة عمدا و سهوا؛ لأنّ استحضارها أقوى من الاستدامة الحكميّة المعلّل وجوبها بتعذّر الاستمرار على النيّة الفعليّة، و إلّا لكان الدليل يدلّ على وجوب استمرارها فعلا. و لكونها من حديث النفس الذي لا ينافي الصلاة و إن لم يؤكّدها.

الثاني: القيام إن جعلناه ركنا كيف اتّفق، كما اختاره بعض الأصحاب و استثنوه من القاعدة، و منهم العلّامة (2).

الثالث: الركوع إذا سبق به المأموم إمامه سهوا، فإنّه يعود إليه و يتابعه فيه ثانيا.

الرابع: الركوع أيضا إذا استدركه الشاكّ فيه في محلّه، ثم تبيّن قبل رفع رأسه فعله على ما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) في الذكرى (3) و جماعة (4) مع اعترافه بأنّ الرفع ليس جزء منه.

____________

(1) الذكرى: 200 التهذيب 2: 153/ 602، الاستبصار 1: 359/ 1361.

(2) تذكرة الفقهاء 3: 307 المسألة 338.

(3) الذكرى: 222.

(4) منهم السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل: 65، و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 122، و ابن إدريس في السرائر 1: 251- 252.

300

الخامس: السجود على ما فصّلناه عن قريب (1) على التقديرين.

السادس: لو تبيّن للمحتاط أنّ صلاته كانت ناقصة، و أنّ الاحتياط مكمّل لها، فإنّه يجزئه كما سيأتي، و يغتفر ما زيد من الأركان من النيّة و تكبيرة الإحرام و غيرهما.

السابع: لو سلّم على بعض من صلاته ثمّ شرع في فريضة أخرى، أو ظنّ أنّه سلّم فشرع فيها و لمّا يأت بالمنافي بينهما، فإنّ المرويّ عن صاحب الأمر (عليه السلام) الإجزاء عن الفريضة الاولى، و اغتفار ما زيد من الأركان (2)، و هو اختيار المصنّف في كتبه (3).

الثامن: لو زاد ركعة سهوا آخر الصلاة، و قد جلس فيه بقدر التشهّد، فإنّ الصلاة صحيحة و الزيادة مغتفرة و إن اشتملت على أركان، و سيأتي (4).

التاسع: لو أتمّ المسافر جاهلا بوجوب القصر أو ناسيا و لم يذكر حتى خرج الوقت، صحّت الصلاة و اغتفرت الزيادة كما مرّ (5).

العاشر: لو كان في الكسوف و تضيّق وقت الحاضرة، قطعها و أتى بالحاضرة، ثم بنى في الكسوف على ما اختاره المصنّف (6) و جماعة من الأصحاب (7)، و روي عن الصادقين (عليهما السلام) (8). بل ذهب بعضهم إلى قطع الكسوف لو دخل وقت اليوميّة في الأثناء و إن كان متّسعا (9)، و الأوّل أقوى.

[الثامن: نقص ركعة فصاعدا]

(الثامن: نقص ركعة فصاعدا، ثم يذكر) النقص (بعد) فعل (المنافي مطلقا) أي عمدا و سهوا كالاستدبار و الحدث و الفعل الكثير. أما لو ذكر النقص بعد فعل المنافي عمدا

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 298- 299.

(2) الاحتجاج 2: 580.

(3) الذكرى: 222، البيان: 249.

(4) يأتي في الصفحة: 301.

(5) تقدّم في الصفحة: 211.

(6) الذكرى: 247، الدروس 1: 195، البيان: 209.

(7) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 137، و الحلبي في الكافي في الفقه: 156، و ابن البرّاج في المهذّب 1: 125.

(8) الفقيه 1: 346/ 1530.

(9) كابن بابويه في الفقيه 1: 347.

301

خاصّة كالكلام، لم تبطل الصلاة، بل يكمّلها و يفعل ما يوجبه على أصحّ القولين؛ لكونه في حكم السّاهي بالنسبة إلى الفعل.

[التاسع: زيادة ركعة]

(التاسع: زيادة ركعة) على العدد الواجب في الصلاة، رباعية كانت أم ثنائيّة أم ثلاثيّة، (و) الحال أنّه (لم يقعد آخر الرابعة) في الرباعية (بقدر التشهّد) و إن لم يتشهّد.

فإن كان قد فعل ذلك صحّت الرباعيّة للنصّ على ذلك (1)، و من ثمّ خصّها.

و في الذكرى لم يفرّق بين الصلوات، و جعل الجلوس آخرها بقدر التشهّد كافيا؛ لاشتراك الجميع في المعنى (2).

و على القولين لا يشترط الجلوس بقدر التسليم؛ للنصّ (3)، و فيه دلالة على عدم وجوبه، و حينئذ يقوى القول بعدم الفرق بين الرباعيّة و غيرها. و أمّا على القول بوجوبه كما يختاره المصنّف (4)، فينبغي الاقتصار بالنصّ المخالف للأصل على مورده.

و لو ذكر الزيادة بين الركوع و السجود فكذلك عند المصنّف (5) و جماعة، و هو عند القائل بالندب أولى.

و احتمل العلّامة هنا الإبطال (6)؛ لأنّا إن أمرناه بالسجود زاد ركنا آخر، و إن لم نأمره زاد ركنا غير معتدّ منفردا، بخلاف الركعة فإنّها بصورة صلاة أخرى بعد الفريضة، و من ثمّ اعتبر الجلوس بقدر التشهّد لتكون الصلاة على صورة التامّة.

فإن قيل: على مذهب العلّامة من ندب التسليم (7) ينبغي الصحّة على كلّ حال؛

____________

(1) التهذيب 2: 194/ 766، الاستبصار 1: 377/ 1431.

(2) الذكرى: 219.

(3) التهذيب 2: 320/ 1306، الاستبصار 1: 345/ 1301.

(4) البيان: 176، الدروس 1: 183.

(5) الذكرى: 219.

(6) تذكرة الفقهاء 3: 310 المسألة 339.

(7) تذكرة الفقهاء 3: 242 المسألة 299، نهاية الإحكام 1: 504، قواعد الأحكام 1: 279، المختلف 2: 191 المسألة:

109.

302

لأنّ الزيادة وقعت بعد الفراغ من الصلاة على تقدير التشهّد. نعم، لو فرض عدم التشهّد احتمل كونه كغيره؛ لعدم تحقّق الخروج.

قلنا: الظاهر من القائل بندب التسليم أنّ الخروج من الصلاة لا يتحقّق بمجرد الفراغ من التشهّد، بل لا بدّ معه من أحد أمور ثلاثة: إما نيّة الخروج، أو فعل المنافي، أو التسليم و إن لم يكن واجبا.

و حينئذ تتجّه مساواته لغيره حيث لم يتحقّق ذلك؛ لأنّ الفرض كونه متوهّما أنّه في الصلاة لم يخرج منها بعد.

و لو ذكر الزيادة قبل الركوع فلا إشكال في الصحة؛ لعدم كون زيادة هذا القيام مبطلة، فيجلس و يسجد للسهو لمكان الزيادة. و النصّ ورد على زيادة ركعة، فيمكن اختصاص الحكم بها قصرا له على مورده، و تعديته إلى الزائد؛ لما ذكر، و هو اختيار المصنّف.

لكن يبقى في ذلك بحث، و هو أنّ المصنّف (1) و غيره (2) حكموا بأنّ من أتمّ صلاته التي يجب عليه قصرها ناسيا، و ذكر في الوقت، يعيد الصلاة، مع أنّه في الحقيقة من أفراد المسألة غايته زيادة ركعتين، و قد ورد النّص و الفتوى بوجوب إعادته في الوقت، و هو ينافي التعدية هنا إلى ما زاد على ركعة، و لا مخلص منه إلّا بأحد أمور: إمّا القول باختصاص الحكم هنا بركعة، أو برفع الحكم أصلا كما اختاره الأكثر، أو اختصاص الحكم بغير المسافر جمعا بين الأخبار. و فيه سؤال الفرق مع اتحاد السبب، بل حكم المسافر أقوى؛ لأنّ الحكم ثابت له و إن تشهّد آخر الصلاة بالفعل.

[العاشر: عدم حفظ الركعتين الأولتين]

(العاشر: عدم حفظ) الركعتين (الأولتين) من الرباعيّة.

و ليس في هذه تكرار لما سلف في السادسة من الشكّ في الأولتين، بل هي أعمّ من تلك مطلقا، فإنّ الشّك يقتضي حصول الاعتقاد في الركعتين مع عدم الترجيح على

____________

(1) الذكرى: 261، البيان: 266، الدروس 1: 213.

(2) منهم الحلبي في الكافي في الفقه: 116، و العلّامة الحلّي في المختلف 2: 537 المسألة 395.