المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
303

أحد تفسيريه. و عدم الحفظ أعم منه؛ لصدقه معه، و مع عدم الاعتقاد أصلا، و ذلك كاف في عدم التكرار و الاحتياج إلى إعادتها، فإنّ الخاصّ لا يستلزم العامّ، بخلاف العكس.

نعم، لو فسّر الشكّ بأمر عدميّ، و هو سلب الاعتقادين عن النقيضين مع حضورهما بالبال، توجّه التكرار.

و الفرق بينهما و بين الخامسة: أنّ موضوع هذه الركعتان، و تلك الركعات، و أحدهما غير الآخر.

[الحادي عشر: إيقاعها قبل دخول الوقت]

(الحادي عشر: إيقاعها قبل) دخول (الوقت) مع التعمّد مطلقا، و كذا مع ظنّ دخوله و له طريق إلى العلم، و مع النسيان و الظّن حيث لا طريق له إلى العلم و لم يدخل الوقت و هو فيها صحّت مع الظن، و مع النسيان قولان (1).

و اختار المصنّف إلحاقه بالعامد؛ لأنّ الوقت سبب في الوجوب، فلا يتقدّم عليه، و الآخر تابع له خرج عنه الظّان؛ للنّص (2) عليه، فيبقى الباقي على أصله. و لتفريطه بعدم التحفّظ مع قدرته عليه (3).

[الثاني عشر: إيقاعها في مكان أو ثوب في حالة كونهما نجسين]

(الثاني عشر: إيقاعها في مكان أو ثوب) في حالة كونهما (نجسين) أو موصوفين بذلك. و يجب تقييد نجاسة المكان بمسجد الجبهة، أو تقييد النجس بالنجاسة المتعدّية على وجه لا يعفى عنها، إذ لا تضرّ نجاسة غير مسجد الجبهة إذا لم تتعدّ، أو تعدّت على وجه يعفى عنه كقليل الدم، أو إلى ما لا تتمّ الصلاة فيه وحده، كما تقدّم تفصيله (4).

____________

(1) ذهب إلى القول بالصحة أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 138، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 72.

و ذهب إلى القول بالبطلان السيّد المرتضى في جوابات المسائل الرسيّة الأولى (رسائل الشريف المرتضى) 2: 350.

(2) الكافي 3: 286/ 11، الفقيه 1: 143/ 666، التهذيب 2: 35/ 110.

(3) الذكرى: 128.

(4) تقدّم في الصفحة: 185.

304

و تقييد نجاسة الثوب بما لا يعفى عنها مع إمكان إزالتها، كما سلف. (1)

(أو) إيقاعها في مكان أو ثوب (مغصوبين) بغير إذن المالك (مع سبق العلم) (2) بالنجاسة و الغصب و إن نسيهما حال الصلاة، كما يقتضيه إطلاق العبارة، فيعيد ناسي النجاسة و الغصب في الوقت و خارجه على أصحّ الأقوال، و خرج به الجاهل بالأصل، فلا ينافي أحدهما صلاته على حدّ ما ينافي العالم و الناسي، و إن كان الأصح وجوب الإعادة على جاهل النجاسة في الوقت؛ جمعا بين الأخبار المتعارضة فيه.

و هذا بخلاف جاهل غصبيّة ماء الطهارة فإنّه لا يعيد مطلقا كما تقدّم؛ لعدم المعارض لدليل العفو عن الجاهل فيه، بل عدم الخلاف فيه، و مختار المصنّف عدم الإعادة هنا على الجاهل بالنجاسة و الغصب مطلقا (3)، و هو مناسب لإطلاق التقييد.

و اعلم أن الشارح المحقّق ادّعى الإجماع هنا على عدم إعادة ناسي الغصب بعد خروج الوقت، و أنّ الخلاف إنّما وقع في إعادته في الوقت خاصّة أو عدم الإعادة مطلقا (4).

و هذه دعوى غريبة من مثل هذا المحقّق، فإنّ الخلاف في ذلك مشهور حتى أنّ العلامة في أكثر كتبه اختار إعادة الناسي مطلقا (5)، و لتحقيق المسألة محلّ آخر تحريرا و دليلا.

(و كذا) القول في (البدن) بمعنى منافاة نجاسته للصلاة مع سبق العلم.

و المشبّه به في السابق المشار إليه ب(ذا) هو حكم نجاسة الثوب بتفصيله السابق، و تقييده بكون النجاسة غير معفوّ عنها.

و ربّما قيل: إنّ الحكم المشبّه به هو حكم النجاسة و الغصب معا، و مثّل الغصب في

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 185.

(2) في «ش 2» و «ش 3»: تقدّم علمه.

(3) الذكرى: 17 و 146، البيان: 96 و 121، الدروس 1: 127.

(4) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 299.

(5) تذكرة الفقهاء 2: 477 المسألة 125، نهاية الإحكام 1: 378، قواعد الأحكام 1: 258.

305

البدن بالعبد الآبق و الزوجة الناشز، فإنّهما غاصبان لبدنهما (1).

و هو في الزوجة فاسد بغير شبهة؛ لأنّ بدنها ليس ملكا للزّوج و إن وجب عليها التمكين للاستمتاع.

و الذي يدل على فساده في العبد أيضا أنّه لو تمّ لبطلت صلاته مع سعة الوقت و ضيقها، و هو خلاف الإجماع، و قد عدّهما الأصحاب في باب السفر من العاصي بسفره، فلا يقصّران، بل يتعيّن عليهما الإتمام، و هو صريح في فساد ما زعموه من بطلان صلاتهما.

و استدلّ الشارح على فساده أيضا بأنّ الغصب نسبة تستدعي غاصبا و مغصوبا منه (2).

و فيه: أنّ المغايرة الاعتبارية كافية في مثل ذلك في العقليّات و الشرعيّات، و هو كثير.

[الثالث عشر: منافاتها لحقّ آدمي مضيَّق]

(الثالث عشر: منافاتها لحقّ آدمي مضيَّق) بالبناء للمفعول، صفة للحقّ.

و المراد ب(المضيق): المأمور بأدائه على الفور، كردّ الوديعة المطالب بها، و وفاء الدين كذلك مع القدرة، و ردّ العين المغصوبة، و أداء الزكاة و الخمس و إن لم يطالب صريحا؛ لأنّ المستحقّ مطالب في المعنى.

و معنى منافاتها له: عدم إمكان الجمع بينهما في حال الصلاة، فلو أمكن لم تبطل، كلّ ذلك مع سعة الوقت.

أمّا مع تضيّقه فلا منافاة؛ لأنّها ذات الوقت بالأصالة، مع احتمالها (على قول) خرّجه بعض المتأخّرين، مع اعترافهم بعدم النّص عليه من أنّه مأمور بقضاء الحقّ على الفور. فيكون منهّيا عن أضداده التي من جملتها الصلاة إذا استلزمت المنافاة، و النهي في العبادات مفسد.

و هو مأخذ ضعيف، فإنّ الأمر بالشيء إنّما يقتضي النهي عن ضدّه العام الذي هو

____________

(1) حكاه المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 300 عن بعض القاصرين.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 300.

306

النقيض، لا الخاصّ كالصلاة و إن كان العامّ لا يتقوّم إلّا بالأضداد الخاصّة؛ لإمكان الكفّ عن الأمر الكلّيّ من حيث هو كلّي، فإنّ الأمر بالكلّي ليس أمرا بشيء من جزئيّاته و إن توقّف عليها من باب المقدّمة، على ما اختاره المحقّقون من الأصولييّن (1)، نعم روى أنّ مانع الزكاة لا تقبل صلاته (2)، و لا دلالة فيها على محلّ النزاع، فإنّ القبول كثيرا ما يستعمل منفكا عن الإجزاء و إن كان قد قال جمع من الأصوليّين بتلازمهما (3)، و يطلق على الفرد الكامل من العبادة كما في قوله تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (4) مع الإجماع على أنّ عبادة غير المتّقي صحيحة إذا اجتمعت على ما يعتبر (5) فيها غير التقوى.

و حديث «أنّ من الصلاة لما يقبل نصفها و ثلثها إلى العشر، و أنّ منها لما يلفّ كما يلفّ الثوب الخلق و يضرب بها وجه صاحبها» (6)، صريح في الانفكاك؛ للإجماع على أنّ الصحّة لا تتبعّض في الصلاة، و حكاية المصنّف له قولا يشعر بتوقّفه فيه كما هي عادته، و لا ريب أنّه أحوط و أبلغ في الزّجر عن المعصية، و مناسب لكفّ الخلق على التوثّب على الحقوق الماليّة.

[الرابع عشر: البلوغ في أثنائها]

(الرابع عشر: البلوغ في أثنائها) بالسن، و يتحقّق ذلك بإكمال السّنة الخامس عشرة في الذكر، و بإكمال التسع في الأنثى في أثناء الصلاة، فإنّها تبطل حينئذ، بناء على أنّ عبادته قبل البلوغ تمرينيّة أو مندوبة، فلا تجزئ عن الواجب و إن سوّغنا له نيّة الوجوب، كما اختاره المصنّف في الذكرى (7)، لأنّ المقصود به وقوع التمرين موقعه،

____________

(1) انظر المعتمد في أصول الفقه 1: 97.

(2) الكافي 3: 506/ 23، الفقيه 4: 258/ 4.

(3) انظر المعتمد في أصول الفقه 1: 197.

(4) المائدة: 27.

(5) في «ش» و «د»: جمعت ما يعتبر.

(6) عوالي اللآلي: 1: 411/ 78، القواعد و الفوائد 2: 98/ 4، الفروق للقرافي 2: 53.

(7) الذكرى: 116.

307

لا الوجوب المتعارف.

و أمّا فرض البلوغ بالإنبات فممكن في قدرة اللّه تعالى، لكنه فرض بعيد.

أمّا البلوغ بالإمناء فليس من هذا الباب؛ لأنّه من النواقض، فيدخل في المسألة الاولى من المنافيات.

هذا كلّه، (إذا بقي من الوقت قدر الطهارة) الواجبة عليه حينئذ من وضوء أو غسل، (و) قدر (ركعة) من الصلاة بحسب حاله من خفّة أو بطء و غيرهما، و إلّا لم تبطل؛ لعدم وجوبها عليه.

و يمكن فرض كون الطهارة المذكورة غسلا بأن يجامع قبل البلوغ، فإنّه يجب عليه الغسل بعده، كما يجب عليه الوضوء بالحدث السابق، بناء على أنّ الأحداث المقرّرة من قبيل الأسباب التي هي من باب خطاب الوضع، و هي لا تتوقّف على التكليف، و إنّما تأخّر المسبّب عنها؛ لأنّه وجوب الغسل من باب خطاب الشرع المشروط بالتكليف، فإذا بلغ وجب عليه الغسل بالسبب السابق.

و يستفاد من قوله (قدر الطهارة) أنّه يجب عليه إعادة الطهارة أيضا؛ لعين ما ذكر، و نبّه بذلك على خلاف الشيخ، حيث حكم في أحد قوليه بالإتمام؛ بناء على أنّ عبادته شرعيّة لأمر الوليّ بأن يأمره. (1)

و جوابه: أنّ الأمر بالأمر ليس أمرا، و تحقيقه في الأصول.

و لا فرق في ذلك بين الذكر و الأنثى، خلافا لظاهر المحقّق حيث خصّه بالصبيّ (2)، و حمله على إرادة المثال أولى من جعله قولا.

و في بعض النسخ (و هذه) المسائل الأربع عشرة (منافيات للصلاة و إن كانت سهوا) و ما سيأتي من المنافيات مخصوص بحالة التعمد، كما نبّه عليه بقوله في أوّل كلّ مسألة: (تعمّد كذا). و هذه الكلمات مكتوبة في النسخة المقروءة على المصنّف، و عليها خطّه و قد ضرب عليها، و وجه الضرب دلالة السياق على ما دلّت عليه، فإنّه

____________

(1) المبسوط 1: 73، الكافي 3: 409/ 1، الفقيه 1: 182/ 861، التهذيب 2: 380/ 1584.

(2) شرائع الإسلام 1: 63.

308

أطلق فيما تقدّم كون المذكور منافيا و قيّد فيما بقي بحاله العمد، و هو صريح في إرادة الإطلاق.

[الخامس عشر: تعمّد وضع إحدى اليدين على الأخرى]

(الخامس عشر: تعمّد وضع إحدى اليدين على الأخرى) و هو المسمّى بالتكفير.

و إطلاق الوضع يقتضي عدم الفرق بين كون اليمين على الشمال أو بالعكس، و بين كون الكف على الكفّ أو على الزند، و بين كونهما موضوعتين فوق السّرة أو تحتها.

و الأمر فيه كذلك عملا بإطلاق النهي في الخبر (1)، و إن كان مذهب المخالف مخصوصا ببعض هذه الأحوال، و هذا هو المشهور، بل ادّعى عليه الشيخ (2) و المرتضى (رحمه اللّه) الإجماع (3)، و خبر الواحد مقبول في نقله، و قد ورد النهي عنه في أحاديث (4)، و ليست العلّة كونه فعلا كثيرا، بل النصّ و الإجماع، فإنّ المخالف منّا نادر معلوم النسب، فلا يقدح خلافه.

و إنّما يحرم التكفير و تبطل الصلاة مع التعمّد (لغير تقيّة) أمّا معها فيجوز، بل يجب عند ظنّ الضرر بتركها و إن كانت عندهم سنّة. و لو تركه معها قيل: كان كترك الغسل في مسح الوضوء فتبطل الصلاة؛ لتحقّق النهي كما يبطل الوضوء.

و فيه نظر؛ لأنّ النهي هنا عن وصف خارج عن أفعال الصلاة، بخلاف مسألة الوضوء فإنّ النهي فيه متعلّق بركن من أركانه، فلا تبطل الصلاة بتركه هنا و إن بطل الوضوء، و يجب معها فعله على الوجه المطلوب عندهم إذا لم يتأدّ بدونه.

[السادس عشر: تعمّد الكلام بحرفين]

(السادس عشر: تعمّد الكلام بحرفين) فصاعدا، و المراد بالكلام هنا جنس ما يتكلّم به، فيقع على الكلمة الواحدة، و هي صادقة على المركّب من حرفين فصاعدا، و يلحق (5)

____________

(1) الكافي 3: 336/ 9، التهذيب 2: 84/ 309.

(2) الخلاف 1: 321 المسألة 74.

(3) الانتصار: 41 المسألة 39.

(4) التهذيب 2: 84/ 310.

(5) في «ع»: و الحق.

309

به ما أفهم من الأفعال المعتلّة الطرفين إذا أمر منها، و إن بقيت الكلمة على حرف واحد مثل (ق) و (ع) و (ش) و (د) أمر من (وقى) و (وعى) و (وشي) و (ودى)؛ لصدق اسم الكلام عليه لغة و عرفا، بل هو كلام عند أهل العربيّة فضلا عن الكلمة؛ لتضمّنه الإسناد. و لا يلحق به الحرف الواحد اتفاقا و إن سمّي كلمة.

و لا فرق في البطلان بالحرفين بين كونهما مستعملين لغة لمعنى أو مهملين، و لا بين كون ذلك لمصلحة الصلاة أو غيرها، أو لا لمصلحة حتى لو تحقّقا من التنحنح و غيره ممّا يسوغ فعله في الصلاة بطلت على المشهور، و مثله الحرف بعده مدّة، و هي الحاصلة من إشباع الضمّ أو الفتح أو الكسر على حرف المدّ، فإنّ المدّة إمّا ألف أو واو أو ياء، و تسمّيتها مدّة لا يخلّ بكونها حرفا مضافا إلى الحرف الممدود، كذا قرّره المصنّف (1) و جماعه (2) و اختاروه.

و فيه نظر، فإنّ النصّ ليس واردا بإبطال الصلاة بالحرفين على الخصوص، و إنّما ورد على الكلام (3) كما يعلمه من اعتبر مستند الحكم.

و حينئذ نقول: الكلام إن أخذ بالمعنى المصطلح عليه بين أهل العرف الخاصّ، و هو أهل العربيّة، لم يتم الحكم بكون الحرفين الخارجين من التنحنح و شبهه مبطلين للصلاة؛ لاشتراط الدلالة الوضع في الكلمة، فضلا عن الكلام، و هما ليسا موضوعين لمعنى و لا دالّين عليه، بل إن دلّا على شيء فإنّما هي دلالة طبيعيّة، لا وضعيّة لفظيّة كدلالة (أخ) على أذى الصدر. و أما الحرف بعده مدّة فمنه ما هو كذلك مثل (عا) (كا)، و منه ما هو موضوع لمعنى مثل (با) (تا) (ثا) علما على الحروف المخصوصة، فلا يصحّ الحكم عليه بكونه مبطلا على الإطلاق، و لا غير مبطل.

و إن أخذ بالمعنى اللغويّ، فليس فيه ما يدلّ على خلاف ذلك، فالمصير إليه متعيّن، و مقتضاه حينئذ عدم البطلان بما يخرج من الحرفين بسبب التنحنح و النفخ و نحوهما.

____________

(1) الذكرى: 216.

(2) منهم المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 342.

(3) الكافي 3: 365/ 9، الفقيه 1: 232 و 239/ 1029 و 1057.

310

و مثله الحرف بعده مدّة إذا لم يكن دالا على شيء بالوضع؛ لأنّه لا يعد كلاما، و به جزم العلّامة في التذكرة (1) و النهاية (2)، و في بعض الأخبار دلالة عليه (3) و لا يرد مثله في الكلمات المهملة المشتملة على أحرف كثيرة كديز؛ لأنّها تسمّى كلاما في العرف العام و إن لم يكن كلاما في الاصطلاح، و هو كاف في البطلان.

و أمّا ما يطلق عليه اسم الكلمة في الاصطلاح مع عدم اشتماله على حرفين، فيمكن استناد عدم البطلان فيه إلى الإجماع، و لو لا ذلك أمكن القول بإبطاله، فتأمل.

و إنّما يبطل الصلاة تعمّد الكلام إذا كان (غير قرآن و لا دعاء)، فلو كان أحدهما لم يضرّ و إن قصد به إفهام الغير إذا ضمّ إليه قصد التلاوة و الدعاء، كقوله للمستأذن عليه ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ* (4)، و لو قصد مجرّد الإفهام بالدّعاء بطل، و في القرآن و جهان.

و يشترط كون المطلوب بالدّعاء مباحا، فتبطل بالمحرّم و إن جهل الحكم. و كذا القول في جميع منافيات الصلاة. و لو جهل كون المطلوب حراما، ففي إبطاله و جهان، و اختار المصنّف في الذكرى الصحة (5)، و الظاهر أنّ المكره على الكلام متعمّد، فتبطل الصلاة به و إن انتفى الإثم.

(و منه) أي و من الكلام المنافي للصلاة (التسليم) في غير محلّه، فتبطل به الصلاة؛ لأنّه ليس بقرآن و لا دعاء.

[السابع عشر: تعمّد الأكل و الشرب]

(السابع عشر: تعمّد الأكل و الشرب) و تتحقّق المنافاة بمسمّاهما، كما هو مقتضى إطلاق العبارة، فتبطل منهما الصلاة ما يبطل الصوم، و به صرّح جماعة من الأصحاب (6).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 3: 284 المسألة 323.

(2) نهاية الإحكام 1: 516.

(3) الفقيه 1: 242/ 1077.

(4) الحجر: 46.

(5) الذكرى: 216.

(6) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 118 و الخلاف 1: 413 المسألة 159، و العلّامة في قواعد الأحكام 1: 281.

311

و الأصحّ اعتبار الكثرة فيهما عرفا، وفاقا للمصنّف في غير الرسالة (1). فلا يضرّ ازدراد ما بين الأسنان، و لا تذويب سكّرة وضعها في فمه قبل الصلاة، فلا خصوصيّة حينئذ للأكل و الشّرب، بل الفعل الكثير.

و لو وضع لقمة و ابتلعها، أن تناول قلّة (2) و شرب منها، فقد قال العلّامة في التذكرة ببطلان الصلاة مع حكمه باعتبار الكثرة؛ محتجا بأنّ تناول المأكول و المضغ و الابتلاع أفعال كثيرة، و كذا المشروب (3).

و حيث اعتبرنا الكثرة عرفا فهو المحكّم في أمثال ذلك.

و لو فعل ذلك ناسيا لم تبطل مطلقا إجماعا، نعم لو أوجب محو صورة الصلاة رأسا احتمل قويا البطلان، و كذا القول في الفعل الكثير.

و هذا الحكم ثابت في جميع الصلوات (إلّا في) صلاة (الوتر لمريد الصيام) صبيحة تلك الليلة (و هو عطشان) و يخاف فجأة الصبح قبل إكمال غرضه من الوتر و دعائه، رواه سعيد الأعرج عن الصادق (عليه السلام) (4).

و يشترط أيضا أن لا يفعل ما ينافي الصلاة غير الشرب، من استدبار أو فعل كثير؛ اقتصارا على مورد الرخصة. نعم، جوّز في الرواية السعي له خطوتين أو ثلاثا، فإمّا أن يقيّد بعدم استلزامه الفعل الكثير كالخطوات الخفيفة جدّا، أو يستثني من المنافيات الفعل الكثير بالمشي المنصوص لا مطلق الفعل و لا المشي.

و لا فرق في الصوم بين الواجب و الندب، و لا بين الفعل في حال القنوت و غيره، و ربّما أو هم استثناء الوتر في الرسالة خروجها عن موضوعها من واجبات الصلاة، و يمكن حمل الوتر هنا على الواجب بنذر و شبهه؛ ليتم الغرض، و لا يخرجه الوجوب عن جواز ذلك بعد ورود النصّ؛ حملا للأّم في (الوتر) على الاستغراق أو الجنس

____________

(1) الذكرى: 215، الدروس: 1: 185، البيان: 182.

(2) القلّة: إناء للعرب كالجرّة الكبيرة. الصحاح 5: 1804 «قلل».

(3) تذكرة الفقهاء 3: 292 المسألة 328.

(4) الفقيه 1: 313/ 1424، التهذيب 2: 329/ 1354.

312

المفيدين للعموم و الإطلاق، و عملا بالاستصحاب.

[الثامن عشر: تعمّد القهقهة]

(الثامن عشر: تعمّد القهقهة) و هي الضحك المشتمل على الصوت، و يكفي في منافاتها عمدا مسمّاه، و من ثمّ أطلق.

و احترز بالعمد عمّا لو وقعت نسيانا، فإنّها لا تبطل إجماعا، و لو صدرت على وجه لا يمكن دفعها أبطلت أيضا، وفاقا للمصنّف في الذكرى (1) و إن انتفى الإثم. و لا يبطل التبسّم، و هو ما لا صوت فيه منه و إن كره.

[التاسع عشر: تعمّد البكاء لأمور الدنيا]

(التاسع عشر: تعمّد البكاء لأمور الدنيا) كذهاب مال و فقد حيّ.

و احترز بالعمد عمّا لو وقع نسيانا فإنّه لا يبطل، و لو وقع على وجه لا يمكن دفعه أبطل أيضا كما مرّ.

و ب(الدنيا) من البكاء لأمور الآخرة، كخشية اللّه تعالى و ذكر الجنّة و النار، فإنّه من أفضل الأعمال- كما ورد في الخبر (2)- و لو مثل رأس الذباب (3)، إذا لم يشتمل على كلام ليس بقرآن و لا دعاء، كقوله: (آه) من خوف النار، و إلّا أبطل أيضا. و المائز بين الأمرين القصد و عدمه حتى لو تجرّد عن قصد الآخرة أبطل و إن لم يقصد غيرها.

و اعلم أنّ البكاء المبطل للصلاة هو ما كان معه انتخاب و صوت، لا مجرد خروج الدمع، مع احتمال البطلان به.

و وجه الاحتمال اختلاف معنى البكاء لغة مقصورا و ممدودا، و الشكّ في إرادة أيّهما من الأخبار، قال الجوهري: البكاء يمدّ و يقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، و إذا قصرت أردت الدموع و خروجها (4).

____________

(1) الذكرى: 216.

(2) التهذيب 2: 317/ 1294، الاستبصار 1: 408/ 1558.

(3) انظر عدّة الداعي: 173.

(4) الصحاح 6: 2284 «بكى».

313

و وجه ترجيح أحد المعنيين أصالة الصحة و الشكّ في البطلان مع الدمع خاصة، فيقتصر على المتيقّن و إن كان الأصل عدم المدّ.

[العشرون: تعمّد ترك واجب]

(العشرون: تعمّد ترك واجب) (1) من واجبات الصلاة (مطلقا)، ركنا كان أم غيره، فتبطل صلاة تارك الواجب عمدا و إن كان جاهلا بالحكم؛ لضمّه جهلا إلى تقصيره (إلّا الجهر و السر) في مواضعهما، (فيعذر الجاهل فيهما) لرواية زرارة عن الباقر (عليه السلام). (2)

و الاستثناء في العبارة متّصل؛ لأنّ جاهل الحكم من أقسام العامد، و إنّما عقّبه بقوله: (فيعذر الجاهل فيهما) لئلا يتوهم عموم العذر لتاركهما مطلقا كالمستثنى منه.

و ناسي الحكم كجاهله هنا؛ لظاهر الخبر.

و خرج بالتعمّد ناسي أصل الواجب، فإنّ تركه كذلك ليس بمناف مطلقا، بل قد يكون كذلك كناسي الركن و بعض الشرائط كالطهارة، و قد لا يكون كذلك كناسي القراءة و أبعاضها، و قد يختلف في حكمه كناسي الستر، فإخراجه لبيان كونه غير مناف مطلقا.

و خرج أيضا جاهل الأصل فإنّه قد يعذر أيضا كالجاهل بغصبيّة الماء المباح ظاهرا، و قد لا يعذر كالجاهل بنجاسته.

[الواحد و العشرون: تعمّد الانحراف عن القبلة]

(الواحد و العشرون: تعمّد الانحراف) بالبدن (عن القبلة) بحيث يخرج عن سمتها و إن لم يبلغ حدّ اليمين و اليسار، لا إن كان بوجهه خاصة، فإنّه مكروه إذا لم يبلغ حدّ الاستدبار.

و احترز بالعمد عمّا لو انحرف ناسيا، فإنّه لا يبطل إن لم يبلغ حدّ اليمين و اليسار، و إلّا أعاد في الوقت خاصة، أو يستدبر فالوجهان، و قد تقدّم تفصيله.

____________

(1) في «ش 2» و «ش 3»: الواجب.

(2) الفقيه 1: 227/ 1003، التهذيب 2: 147/ 577، الاستبصار 1: 313/ 1163.

314

و إنّما فصل المسألة في الموضعين؛ لمناسبة شقّيها للقسمين، فإنّ الاستدبار مناف مطلقا، و اليمين و اليسار مناف مع ذكره في الوقت مطلقا، فناسب ذكرهما في القسم الأوّل. و الانحراف اليسير مناف مع العمد خاصة، فناسب ذكره هنا، فكان كالتتمة لما سبق.

[الثاني و العشرون: تعمّد زيادة واجب مطلقا]

(الثاني و العشرون: تعمّد زيادة واجب مطلقا) ركنا كان أم غيره من الأفعال، أمّا الكيفية فزيادتها غير مبطلة ما لم يخرج بها عن كونه مصلّيا، كزيادة الطمأنينة.

[الثالث و العشرون: تعمّد الرجل عقص شعره]

(الثالث و العشرون: تعمّد الرجل عقص شعره) و هو جمعه في وسط الرأس و شدّه.

و احترز ب(الرجل) عن المرأة، فلا ينافي فعلها ذلك للصلاة إجماعا. و في إلحاق الخنثى بها وجه؛ لأصالة البراءة.

و مستند الحكم ورود النّهي عنه في أخبار ضعيفة و في بعضها تصريح بإعادة الصلاة (1)، لكن الشيخ في الخلاف نقل الإجماع على تحريمه (2)، فإن ثبت فهو الحجّة، لكن لا يدلّ على الإبطال؛ لأنّه أعم. و لو فرض منعه شيئا من واجبات الصلاة توجّه التحريم لذلك، لا لكونه عقصا، فهو خلاف موضع النزاع و إن أمكن حمل الأخبار عليه أو على الكراهة الشديدة.

[الرابع و العشرون: تعمّد وضع إحدى الراحتين على الأخرى]

(الرابع و العشرون: تعمّد وضع إحدى الراحتين على الأخرى) في حال كون المصلّي (راكعا) ثم إدخالهما (بين ركبتيه، و يسمّى) هذا الفعل (التطبيق).

و منافاة هذين الأمرين ثابت (على خلاف فيهما) و منشأ الخلاف من النّص الدالّ عليها (3)، و من ضعف مستنده. و الأقوى الكراهة فيهما، و أقل ما في الثاني أنّه مخالف

____________

(1) الكافي 3: 409/ 5، التهذيب 2: 232- 233/ 914.

(2) الخلاف 1: 510 المسألة 255.

(3) قرب الاسناد: 208/ 809، سنن الترمذي 1: 163/ 258.

315

للهيئة المستحبة في وضع اليدين، فيكون مكروها، و هذا القدر صالح للأمر بتركه.

و على تقدير التحريم لا تبطل العبادة، فإنّ النهي عن وصف خارج مع احتماله كالكتف. (1)

[الخامس و العشرون: تعمّد كشف العورة في قول]

(الخامس و العشرون: تعمّد كشف العورة في قول) قوي مشهور، و احترز بالعمد عمّا لو انكشفت سهوا، فإنّه لا يبطل الصلاة مطلقا؛ لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي و فرجه خرج لا يعلم به، هل عليه إعادة، أو ما حاله؟ قال: «لا إعادة عليه و قد تمّت صلاته» (2).

و الجملة في قوله في الرواية: و فرجه خارج إلى آخره، حاليّة من المصلّي المذكور، و المراد به أنّه صلّى في تلك الحالة، و هو يشمل جميع الصلاة بتلك الحالة، ففي أبعاضها أولى.

فتفصيل الشارح المحقّق بالبطلان مع نسيان أصل الستر دون ما لو نسيه في بعض الصلاة، غير جيد. و الاستدلال بأنّ الشرط مطلق الستر لا الستر في جميع الصلاة (3)، ليس على إطلاقه، بل هو شرط مطلقا مع العلم لا بدونه، كما دلّت عليه الرواية.

نعم، يجب عليه المبادرة إلى الستر حين العلم بالانكشاف في أثناء الصلاة، فإن أخلّ به عمدا بطلت حينئذ.

(و منهم) أي من الأصحاب (من أبطل) الصلاة (به) أي يكشف العورة (مطلقا) في حالة العمد و السهو، في جميع الصلاة و بعضها، و القائل بذلك ابن الجنيد (4)، إلّا أنّه أوجب الإعادة في الوقت خاصة؛ بناء على أنّ الستر شرط في الصلاة، و فوات الشرط يستلزم فوات المشروط كالطهارة. و الخبر (5) حجّة عليه.

____________

(1) في هامش «ع»: كالكتف: بالتاء المثناة من فوق «كذا بخطه (رحمه اللّه)».

(2) التهذيب 2: 216/ 851.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 305- 306.

(4) حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 115، المسألة 56.

(5) أي خبر علي بن جعفر عن الإمام الكاظم (ع) المتقدّم.

316

و منه يظهر أنّ الشروط ليست على و تيرة واحدة، بل منها ما هو شرط مطلقا و هو الطهارة، و منها ما هو شرط مع العلم و الاختيار خاصة و هو الستر، و منها ما هو شرط مع العلم مطلقا و مع عدمه إذا صادف جزء مخصوصا من الصلاة كالوقت، و منها ما هو شرط مع الاختيار خاصة كالقبلة، و مستند جميع ذلك النصوص.

(صار جميع ما يتعلّق ب) الصلوات (الخمس) من الواجبات المتقدّمة و المقارنة و المنافية (ألفا و تسعة) بإضافة الستّين المتقدّمة إلى التسعمائة و الأربعة و العشرين المقارنة، ثم إلى الخمسة و العشرين المنافية، يبلغ ذلك. و إطلاق الواجب على المنافي باعتبار وجوب تركه، و إلّا فإدخاله في العدد ليس على وجه الحقيقة و يمكن أن يريد بالتعلّق أعمّ من الواجب، فتكون الواجبات ما عدا المنافيات، و المتعلّق بها هو الجميع.

(و لا يجب) على المكلّف (التعرّض للحصر) بمعنى جمعها على وجه يبلغ العدد المذكور عن ظهر القلب أو من كتاب، فإنّ ذلك غير واجب (بل يكفي المعرفة بها) بحيث يعلم حكم كلّ واحد منها متى أراده.

(و اللّه الموفق) أي جاعل الأسباب متوافقة، موجّهة نحو المسبّبات.

317

[الخاتمة]

318

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

319

(و أما الخاتمة) و المراد بها استدراك ما ترك من الأحكام؛ لعدم انتظامه في الأبواب السابقة.

(ففيها بحثان) واحدهما (بحث) و هو اصطلاحا: القول من حيث إنّه يقع فيه البحث لغة، و قد يسمّى (مطلبا) من حيث يطلب بالدليل، أو يطلب لينتفع به، و (مسألة) من حيث إنه سئل عنه

320

[البحث الأوّل في معرفة أحكام الخلل الواقع في الصلاة]

(البحث الأوّل) (في) معرفة أحكام (الخلل الواقع في الصلاة) بسبب الزيادة و النقصان و اشتباه الحال، (و هو) خمسة (أقسام).

[الأوّل: ما يفسدها]

(الأوّل: ما يفسدها) إمّا مطلقا، أو على وجه مخصوص كحالة العمد خاصة، (و قد ذكر) في فصل المنافيات.

[الثاني: ما لا يوجب شيئا]

(الثاني: ما لا يوجب شيئا) بناء على المشهور من اختصاص سجود السهو بمواضع محصورة، و إلّا فسيأتي أنّ الأقوى وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة غير مبطلتين، فيجب في جميع هذه المواضع.

(و هو) أي الذي لا يوجب شيئا (نسيان غير الركن من الواجبات و لم يذكر) المصلّي المدلول عليه بالمقام أنّه لم يفعله، أو لم يذكر ذلك الفعل- بالبناء للمجهول- (حتى تجاوز) المصلّي (محلّه) بالنصب على المفعوليّة، أي محلّ المنسيّ. و يمكن رفعه بجعله فاعل (تجاوز) متضمنا معنى (مضى) و نحوه، و ذلك (كنسيان) جميع (القراءة، أو) نسيان (أبعاضها، أو) نسيان (صفاتها) من الإعراب و الترتيب و الجهر و الإخفات و المخرج، و لم يذكر ذلك حتى صار في حدّ الراكع.

321

(أو) نسيان (واجبات الانحناء في الركوع) من الذكر فيه و عربيّته و موالاته و الطمأنينة بقدره، و لم يذكر حتى رفع رأسه من الركوع.

(أو) نسي (الرفع) من الركوع (أو) رفع و لكن نسي (الطمأنينة فيه) حتى صار في حدّ الساجد.

(أو) نسي (واجبات الانحناء في السجدتين) من السجود على بعض الأعضاء غير الجبهة، و الذكر فيه و عربيّته و موالاته و الطمأنينة بقدره، و لم يذكر حتى رفع رأسه من السجود.

و إنّما عبّر بقوله: (واجبات الانحناء) فيهما دون واجبات الركوع و السجود، كما صنع بعضهم؛ للتنبيه على أنّ بعض واجباتهما لا يتحقّقان بدونه، كالانحناء قدرا تصل كفاه ركبتيه، و قدر ما تصل جبهته إلى الأرض أو ما في حكمها. فيلزم من نسيان ذلك البعض فوات أصل الركوع و السجود الموجب لبطلان الصلاة بفوات الركن، بخلاف قوله (واجبات الانحناء) لاقتضائه المغايرة بين الانحناء و واجباته.

(أو) نسي (الطمأنينة في الرفع من) السجدة (الأولى) حتى سجد ثانيا، فإنّه لا يلتفت في جميع هذه المواضع.

و بقي هنا مباحث:

الأوّل: مرجع الخلل الموجب للعود إلى الفعل إلى ما نصبه الشارع محلا

، و هو ما بيّناه في محلّه.

و لا ينضبط تجاوزه بالدخول في ركن بعده و إن صحّ ذلك في نسيان القراءة حتى ركع، و نسيان السجدة و التشهّد حتى ركع أيضا، و نسيان الرفع من الركوع و واجبه حتى سجد؛ لانتقاضه بناسي واجبات الانحناء في الركوع ثم يذكر بعد الرفع منه.

و لا فيما يستلزم العود إلى المنسي زيادة ركن و إن صحّ في نسيان القراءة و واجباتها حتى ركع، و في نسيان واجبات الانحناء في الركوع حتى قام، و في نسيان التشهّد و نحوه حتى ركع؛ لانتقاضه بنسيان واجبات سجدة واحدة حتى قام، فإنّها ليست ركنا على المشهور كما مرّ، و مثله نسيان الرفع أو واجباته حتى وضع جبهته

322

في السجدة الأولى، نعم يتمّ الثاني على القول بركنية السجدة الواحدة، و قد مضى تحقيقه.

و يمكن أن يجتمع من ذلك أنّ المراد بالمحلّ ما لا يستلزم استدراك زيادة ركن أو سجدة.

الثاني: مقتضى إطلاق نسيان القراءة و أبعاضها و صفاتها حتى تجاوز محلّه أنّ محلّها واحد

، و هو الركوع، و هو كذلك في غير الجهر و الإخفات، أمّا هما ففي وجوب إعادة القراءة لو ذكر هما قبل الركوع قولان، أصحهما- و هو مختار المصنّف في البيان (1)- عدم الإعادة؛ لرواية زرارة عن الباقر (عليه السلام): في رجل جهر في ما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى: «إن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه» (2)، فإنّها دالة بإطلاقها على عدم الالتفات مطلقا، كما أنّها تدلّ على أنّ الجاهل معذور فيهما. و من هنا يلزم أنّه لا يجوز العود أيضا؛ لا ستلزامه زيادة الواجب مع الغناء عنه، فلا مجال للاحتياط بالإعادة.

الثالث: قد عرفت أنّ ناسي السجود يرجع إليه ما لم يركع

، و أنّ ناسي الطمأنينة بين السجدتين لا يرجع إليها إذا سجد، فإنّها ليست ركنا. و لكن هل ينزّل نسيان الرفع بين السجدتين منزلة نسيان الطمأنينة، فلا يعود إليه متى سجد الثانية، أم لا تتحقّق التثنية بدونه؟

إشكال، منشؤه عدم تحقّق التثنية صورة بدونه، و إمكان الفرق بين السجدتين بالنيّة، بمعنى أنّه متى سبّح ثانيا بنيّة السجدة الثانية بعد أن فرغ من الاولى ذاهلا عن الرفع فهما سجدتان، و المنسيّ هو الرفع و واجباته و إن لم تخطر الثانية بباله فالمنسيّ السجدة الثانية، فيرجع إليها و إلى الجلوس بينهما إن لم يكن فعله مطمئنا ما لم يركع في الثاني دون الأوّل.

و قطع الشارح المحقّق بالعود إلى السجدة في الحالين؛ بناء على عدم تحقّق

____________

(1) البيان: 163.

(2) التهذيب 2: 162/ 635، الإستبصار 1: 313/ 1163.

323

التثنية بذلك (1) و (2).

(و كذا) لا يوجب شيئا (زيادة ما ليس بركن) من أفعال الصلاة (سهوا) كما لا يوجب نقصانه.

و إنّما قيّدنا (ما) العامّة بكون المراد منها أفعال الصلاة؛ لئلّا يناقض قوله فيما بعد:

(و تجبان أيضا للقيام في موضع قعود، و بالعكس) فإنّ زيادة القيام ليست ركنا، إلّا أنّه ليس من أفعال الصلاة.

و كان الأولى استثناء ذينك من المسألة؛ لما في إخراجهما من الحكم على الوجه الذي بيّناه من التكليف، فإنّه يمكن أن يقال: إن أراد بأفعال الصلاة حقيقة لم تتحقّق زيادة شيء منها؛ لأنّه متى فعله لم يبق المزيد من أفعالها. و إن أراد بها صورة الأفعال و مثلها تحقّقت المثلية في الأمرين المذكورين، فإنّ القيام و الجلوس من جملة الأفعال، فيكون الزائد بصورتها، فكان الواجب استثناءه.

أو يقال: هذا العام مخصوص بما سيأتي من الفردين، فهو تخصيص بمنفصل و إن بعد، فأوجب اللبس.

(و السهو في موجب السهو) بفتح الجيم، و هو ما أوجبه السهو من سجود أو صلاة احتياط، فلو حصل له سهو في سجدتي السهو كنسيان ذكر و غيره ممّا يوجب السجود في غيرهما فلا سجود عليه، و مثله صلاة الاحتياط و السجدة المنسيّة إذا تلافاها بعد الصلاة فسها عن ذكرها، أو عن السجود على بعض الأعضاء غير الجبهة حتى تجاوز محلّه. و لو تيقّن فعل أو ترك ما يبطل كالركن في الموجب بطل. و ليس منه ما لو شكّ في فعل فأتى به فشكّ في أثنائه في شيء من واجباته، فإنّ عوده هنا إلى ما شكّ فيه ليس مسببا عن السهو، و إنّما اقتضاه أصل الوجوب مع أصالة عدم فعله.

و يجوز استعمال السهو في الشّك مجازا، كما ستعلمه فيما سيأتي، فيدخل فيه

____________

(1) شرح الألفية (رسائل المحقّق الكركي) 3: 308.

(2) في «ش»: و فيه نظر.

324

حينئذ ما لو شكّ في عدد سجود السهو أو في ركعتي الاحتياط، فإنّه يبني على الأكثر كما ذكره المصنّف (1) و غيره (2). نعم لو استلزم الزيادة بنى على المصحّح، و كذا لو شكّ في فعل من أفعالهما أو أفعال السجدة المنسية، فإنّه يبني على وقوعه، و لو سها عمّا يتلافى كسجدة و تشهّد وجب تلافيه، و لا يجب سجود السهو له.

(أو) السهو (في حصوله) أي حصول السهو.

و المراد بالسهو أوّلا هنا: الشكّ كما مرّ إطلاقا لاسم السبب على المسبّب، فإنّ السهو سبب في الشكّ، و كثيرا ما يشتركان في العبارة، و المراد أنّه لو شكّ هل حصل منه سهو أم لا.

و في إطلاق السهو على الشكّ، و إعادة الضمير إليه على معنى السّهو الحقيقيّ ضرب من الاستخدام، و يجوز إطلاق السهو المضمر على الشكّ أيضا و يراد به الشّك في حصول الشك، فإنّه لا يوجب شيئا أيضا.

و هذه المعاني كلّها صحيحة و إن توقّف دخولها في العبارة على نوع تكلّف، و استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه.

و لو تحقّق وقوع السهو و شكّ في أنّ الواقع هل له حكم أم لا؛ لعدم علمه بعينه، لم يلتفت أيضا. و مثله ما لو علم انحصار السهو في أمرين على البدل. أحدهما يوجب حكما مخصوصا، و الآخر لا يوجب شيئا، و شكّ في تعيين المشكوك فيه، فإنّه في معنى الشكّ في الحصول؛ لأصالة البراءة.

أما لو انحصر الحال فيما يتدارك كالسجدة و التشهّد، وجب الإتيان بهما معا؛ لاشتغال الذمة قطعا، و عدم يقين البراءة بدونهما.

و لو انحصر فيما يبطل و ما لا يبطل، احتمل قويا عدم البطلان؛ للشكّ فيه، و أصالة الصحّة. و استقربه المصنّف في البيان (3).

____________

(1) البيان: 255، و الدروس 1: 200.

(2) الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 262، و ابن فهد الحلّي في المهذب البارع 1: 456.

(3) البيان: 255.

325

و لو تيقّن السهو الموجب للسجود أو التلافي، و شكّ هل فعل موجبه أم لا، وجب عليه فعله؛ لأصالة عدمه.

(و السهو الكثير) عادة، و ربّما تحقّقت بالسهو في ثلاث فرائض متوالية، و بالسهو في فريضة واحدة أو فريضتين متواليتين ثلاث مرّات، كما ذكره جماعة (1)، و هو غير مناف للعرف.

و يتحقّق التعدّد في الواحدة بتخلّل الذكر لا بالسّهو عن أفعال متعدّدة، مع استمرار الغفلة.

و لو حصلت الثلاث غير متوالية لم يعتدّ بها ما لم تتكرّر على وجه توجبها عرفا، كما لو تكرّر في فريضة معيّنة أياما.

و معنى عدم وجوب شيء مع الكثرة، عدم تعلّق حكم السهو حينئذ. و كذا الشكّ فلا يجب سجود السهو مع حصوله على وجه يوجبه لو لا الكثرة. و كذا يسقط الاحتياط فيما يوجبه لولاها، و يبنى على الأكثر في أعداد الركعات مطلقا ما لم يستلزم الزيادة على المطلوب، فيبني على المصحّح.

فلو شكّ في فعل بنى على وقوعه و إن كان في محلّه حتى لو أتى بما شكّ فيه بطلت صلاته؛ لأنّه زيادة في الصلاة عمدا و إن ذكر بعد فعله الحاجة إليه.

و لو كان المتروك ركنا لم تؤثّر الكثرة في عدم البطلان، كما أنّه لو ذكر الفعل في محلّه استدركه، أو سها عن فعل يتلافى بعد الصلاة تلافاه، و لكن لا يسجد له. و متى حكم بثبوتها بالثلاث تحقّق الحكم في الرابع، و يستمرّ إلى أن يخلو من السهو و الشكّ فرائض يتحقّق فيها الوصف، فيتعلّق به حكم السهو الطارئ، و هكذا فلو سها عن أربع سجدات في رباعيّة تخلّلها الذكر ثلاثا قضى السجدات جمع، و لو ذكر قبل الفراغ من الصلاة سجدة واحدة و أعاد التشهّد، و يسجد لها ستّ سجدات في الموضعين؛ لسقوط السجود للرابعة في الأوّل بالكثرة، و احتمل المصنّف في الذكرى الاجتزاء بسجدتين؛

____________

(1) منهم الشيخ في المبسوط 1: 122، و ابن إدريس في السرائر 1: 248، و العلّامة في تذكرة الفقهاء 3: 323 المسألة 349.

326

محتجّا بدخوله في حيّز الكثرة (1)، و ليس بواضح، فإنّ اللازم من الكثرة وجوب ستّ أو أربع إن قلنا بسقوط الحكم في الثالثة كما ذهب إليه بعض (2).

و هل يعتبر في الثلاث تأثير السهو فيها ليتحقّق الحرج و المشقة بفعل الموجب، أم يكفي مسمّاه، حتى لو غلب على ظنّه أحد الطرفين و بنى عليه، حسب من العدد؛ عملا بإطلاق النصّ؟ و جهان، و يجوز استعمال السهو هنا في الشكّ كما مرّ.

و اعلم أنّ في حكمه بعدم وجوب شيء في السهو الكثير مناقشة لطيفة؛ لأنّ السهو الكثير يلتئم من جملة الأفراد الثلاثة التي بها تتحقّق كثرته، فيصدق على من سها ثلاث مرّات في فريضة أو فرائض أنّ ذلك منه سهو كثير، فيلزم بمقتضى العبارة أنّ ذلك الكثير لا يوجب شيئا، و ليس هو المراد، بل المراد- كما قد عرفت- سقوط حكم السهو الطارئ بعد تحقّق الكثرة، فكان حقّه أن يقول: و الشكّ بعد تحقّق الكثرة، و نحو ذلك.

و يمكن الاعتذار له بأنّ الشكّ الأوّل مثلا لمّا لم تتحقّق معه كثرة أوجب ما اقتضاه، سواء فعل موجبه قبل تحقّق الكثرة كما لو وقع السهو الباقي في فريضة أخرى، أم لا.

و كذا القول في الثاني، فلا يسقط هذا الواجب بطروء المسقط لحكم السهو، فإذا تحقّقت الكثرة سقط الحكم حينئذ و تمّ المقصود.

لكن يشكل ذلك بالشكّ الثالث، فإنّ الكثرة تحقّقت به، فينبغي أن لا يوجب شيئا على هذا التقدير، و هو خلاف المفروض، و خلاف مختار المصنّف من أنّ الساقط حكم ما بعد الكثير (3)، كما دلّت عليه النصوص (4)، و هي سالمة عن هذا التجوّز.

(و الشكّ) الحاصل (من الإمام مع حفظ المأموم) عليه (و بالعكس) فيرجع الشاكّ منهما و الظّانّ إلى يقين الآخر، و يرجع الأوّل إلى الظّانّ أيضا.

و لا يشترط عدالة المأموم، و لا تعدّده، و لا اتفاق جميع المأمومين على الحفظ.

____________

(1) الذكرى: 230.

(2) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 248.

(3) الذكرى: 223، البيان: 255، الدروس 1: 200.

(4) الفقيه 1: 224/ 990.

327

و لا يتعدّى إلى غيره و إن كان عدلا، إلّا أن يفيد قوله الظّن بأحد الطرفين، فيرجع إليه في ذلك لا لكونه حافظا.

و لو اشترك الشكّ بين الإمام و بعض المأمومين، رجع الإمام إلى الحافظ منهم، و رجع الشاكّ إلى الإمام لا إلى مثله و إن كان المرجع واحدا.

و لو اختلف الإمام و المأموم، فإن جمعهما فيه رابطة، رجعا إليها، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع، فيرجعان إلى الثلاث؛ لتيقّن الأوّل عدم الزيادة عليها، و الثاني النقيصة عنها.

و لو كانت الرابطة شكّا، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و الآخر بين الثلاث و الأربع، سقط حكم الاثنتين عن الشاكّ فيهما؛ لتيقّن الآخر الزيادة عليهما، و صارا شاكّين بين الثلاث و الأربع.

و لا فرق مع وجود الرابطة بين كون شكّ أحدهما موجبا للبطلان و عدمه، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الخمس بعد السجود، و الآخر بين الاثنتين و الثلاث، فيرجعان إلى الاثنتين.

و لا تبطل صلاة من تعلّق شكّه بالخمس؛ لتيقّن الآخر أنّها ليست خمسا، و تيقّنه أنّها ليست ثلاثا.

و كذا لو كان شكّ كلّ منهما منفردا بحكم، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و الآخر بين الثلاث و الأربع و الخمس، فإنّهما يرجعان إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع، و يسقط عن كلّ منهما حكم ما اختص به من الاثنتين و الخمس.

و لو لم تجمعهما رابطة مطلقا تعيّن الانفراد و لزم كلّا منهما حكم شكّه، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث، و الآخر بين الأربع و الخمس.

و لو تعدّد المأمومون و اختلفوا هم و إمامهم، فالحكم ما أسلفناه في الرابطة و عدمها، فيرجعون جميعا إليها إن وجدت، كما لو شكّ أحدهم بين الاثنتين و الأربع، و الآخر بين الثلاث و الأربع، و الثالث بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و الرابع بين الأربع و الخمس، فيرجعون جميعا إلى الأربع؛ لتيقّن الثلاثة الأول عدم الخمس، و تيقّن الرابع

328

عدم الاثنتين و الثلاث، و الحكم في الرجوع بواسطة الإمام أو بغير واسطة ما تقدّم.

و إن لم تجمعهم رابطة تعيّن الانفراد، و لزم كلّ واحد منهم حكمه من صحة و بطلان و احتياط.

و كما لا حكم الشكّ المأموم مع حفظ الإمام، كذا لا حكم لسهوه مع سلامة صلاة الإمام عنه، فلا يجب عليه سجود السهو لو فعل ما يوجبه، كما لو كان منفردا، وفاقا للمصنّف في الذكرى (1) و البيان (2)، بل ادّعى الشيخ عليه الإجماع (3) و إن كان ظاهر الرسالة عدمه. نعم لو ترك ما يتلافى مع السجود كالسجدة وجب على المأموم تلافيها دون السجود.

و لو انعكس بأن سها الإمام خاصة، ففي وجوب متابعة المأموم له في السجود قولان، أجودهما العدم؛ لضعف مستند الحكم و إن كانت المتابعة أحوط وفاقا للشيخ (4).

(أو غلب على ظنّه أحد طرفي ما شكّ فيه) فإنّه يبني على الطرف الراجح؛ للنّص في ذلك عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) (5) و الأئمة (عليهم السلام) (6).

و لا فرق في ذلك بين الأفعال و الركعات، و لا بين الأولتين و غيرهما، و لا بين الرباعيّة و غيرها، حتى لو كان الشكّ موجبا للسجود مع تساوي الطرفين كالشكّ بين الأربع و الخمس، و غلب ظنّه على الأربع فلا سجود، و لو غلب على الخمس كان كما لو زاد ركعة آخر الصلاة، فتبطل إن لم يكن قد جلس قبل الركعة الأخيرة بقدر التشهّد.

و معنى عدم إيجابه شيئا على هذا الوجه عدم لحوق أحكام الشكّ له، بل يبني على الطرف الذي تعلّق به الظّن الغالب، سواء استلزم صحّة أم فسادا.

____________

(1) الذكرى: 223.

(2) البيان: 255.

(3) الخلاف 1: 463 المسألة 206.

(4) المبسوط 1: 123- 124.

(5) سنن الدارقطني 1: 375/ 1، سنن ابن ماجة 1: 382/ 1211.

(6) الكافي 3: 353/ 7، التهذيب 2: 184/ 733.

329

بقي في المسألة مباحث:

الأوّل: المراد بغلبة الظنّ على أحد طرفي الشكّ أنّ الترجيح المتعقّب للشكّ يرفع حكمه كما يرفع حقيقته

، إذ لا يمكن اجتماع الشكّ و الظنّ على الشيء الواحد؛ لاشتراط الترجيح في الظنّ و التساوي في الشكّ، و هما متضادان، لكن طروء أحدهما على الآخر ممكن و إن ارتفع. و الواقع هنا كذلك، فإنّ المصلّي إذا شكّ و تردّد في الطرفين وجب عليه التروّي، فإن بقي الشكّ لزمه حكمه، و إن ظنّ أحدهما و رجّحه بنى عليه و ارتفع الشكّ. فهذه العبارة أجود ممّا ذكره جماعة في قولهم: لا حكم للشّك مع غلبة الظنّ؛ لعدم إمكان المعيّة حقيقة.

لكن يبقى في العبارة أنّ الظنّ بأحد الطرفين لا يتوقّف على سبق الشكّ فيهما، بل قد يحصل الترجيح به ابتداء. و حينئذ فيمكن حمل الظنّ على الشكّ مجازا، كتسمية الشكّ سهوا؛ لتقارب هذه المعاني، فشرّكوا بينهما في العبارة. فيبقى التقدير:

لا حكم للشكّ الذي يغلب فيه أحد الطرفين و إن استبعد هذا الحكم، فيبني إطلاق الحكم بالغلبة بعد الشكّ على الغالب من حصول الشكّ أولا، و بالتروّي يحصل الظنّ.

الثاني: التعبير بغلبة الظنّ يقتضي اشتراط ترجيح زائد على أصل الظنّ تحصل به الغلبة

، و بذلك عبّر كثير من الأصحاب. و الأصح أنّ ذلك غير شرط، بل يكفي مطلق الظنّ، و به صرّح المصنّف في الدروس (1). و يمكن استفادته من قول الصادق (عليه السلام) في مستند الحكم: «إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه، و إن وقع و همك على الأربع فسلّم و انصرف» (2)، و غيره من النصوص الكثيرة التي قد عبّر فيها عن الظنّ بالوهم (3)، و هو أحد معاني الوهم لغة، فيكفي مطلق الترجيح.

و لو أريد بالوهم هنا معناه المتعارف، و هو الطرف المرجوح، لم تكن حقيقته مرادة إجماعا، فيصار إلى المجاز أو إلى أقرب المجازات، و هو مطلق الرجحان أو أوّل مراتبه،

____________

(1) الدروس 1: 201.

(2) الكافي 3: 353/ 7، التهذيب 2: 184/ 733.

(3) التهذيب 2: 183/ 730.

330

و دلالة الأوّل ظاهرة.

و الاكتفاء بالثاني يستلزم الاكتفاء بما هو أقوى منه بطريق أولى.

و كأنّ من عبّر بالغلبة قد تجوّز بسبب أنّ الظنّ لمّا كان غالبا بالنسبة إلى الشكّ و الوهم، وصفه بما هو لازم له، و أضاف الصفة المعبّر عنها بالمصدر إلى الموصوف، بمعنى الظنّ الموصوف بكونه غالبا.

و حينئذ فيكون وصف الظنّ بالغلبة بيانيّا لا تقييديّا، من قبيل طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ (1).

و ممّا يدلّ على عدم اعتبار الغلبة في الظنّ أنّ مراتبه غير متناهية و إن انحصرت بين حاصري العلم و الشكّ، و استناد الترجيح إلى الأمارة و هي غير منضبطة، فما من فرد من الظنّ إلّا و يمكن فرض دونه، فيكون الأوّل بالنسبة إليه ظنّا غالبا، و فوقه، فيكون الثالث هو الغالب، و هكذا.

الثالث: جملة قوله [غلب على ظنّه. إلى آخره معطوفة على ما سبق من قوله: و الشكّ من الإمام]

(غلب على ظنّه. إلى آخره) معطوفة على ما سبق من قوله: (و الشكّ من الإمام) أو المقدّرة في قوله: (و بالعكس) أو قوله: (و هو نسيان.

إلى آخره).

و كيف كان فالجملة المعطوف عليها اسميّة و المعطوفة فعليّة، و قد منع البيانيّون من ذلك و جماعة من أهل العربيّة (2)، و جوّزه جماعة منهم مطلقا (3)، و آخرون في المعطوفة بالواو (4). و الحقّ هو الوسط، بل قد وقع ذلك في كلام اللّه تعالى، و حينئذ فلا إشكال فيما فعله المصنّف.

[الثالث: ما يوجب التلافي]

(الثالث: ما يوجب التلافي) أي التدارك، و المراد هنا تدارك المنسيّ في محلّه.

(بغير سجود) بناء على أنّه مخصوص بمواضع معيّنة، و إلّا فسيأتي أنّ الأصح

____________

(1) الأنعام: 38.

(2) منهم ابن جنّي، كما حكاه عنه ابن هشام في مغني اللبيب: 485.

(3) كابن مالك و جلال الدين السيوطي، انظر البهجة المرضيّة في شرح الألفيّة 2: 82.

(4) منهم أبو علي الفارسي، كما حكاه عنه ابن هشام في مغني اللبيب: 485.

331

وجوبه هنا أيضا.

(و هو) أي الموجب للتدارك (ما نسي من الأفعال و ذكر قبل فوات محلّه) و قد تقدّم جملة من الكلام في المحل، و ذلك (كنسيان قراءة الحمد حتى قرأ السورة) فإنّه يرجع إلى قراءة الحمد ثم يعيد السورة أو يقرأ غيرها. و في حكمه ما لو نسي بعض القراءة أو صفاتها عدا الجهر و الإخفات على أصح القولين. و الحقّ أنّ محلّ القراءة يمتدّ ما لم يبلغ الانحناء إلى حدّ الراكع، فيرجع إلى القراءة و توابعها ما لم يبلغ ذلك الحدّ و إن شرع في الانحناء، و كلام الرسالة لا ينافيه.

و كذا القول في نسيان السجود أو التشهّد حتى قام و لمّا يصل إلى حدّ الراكع، و يجب مراعاة الترتيب بين ما عاد إليه و ما فعله بعده.

(أو نسيان الركوع حتى هوى إلى السجود و لمّا يسجد) بأن يصل إلى حدّ الساجد، و إن لم تكن الجبهة موضوعة على ما يصحّ السجود عليه، فإنّ ذلك وراء حقيقة السجود، فإنّه حينئذ يرجع إلى حدّ القائم ثم يركع، و لا يجزئه الهويّ السابق؛ لأنّه نوى به السجود، فلا يجزئ عن الهويّ إلى الركوع. و لا تجب الطمأنينة في هذا القيام لذاتها و إن كان تحقّق الفصل بين الحركتين المتضادّتين و تحقّق تمام القيام قد يقتضيان سكونا يسيرا، و إنّما يجب القيام قبل الركوع إذا كان نسيان الركوع حصل في حالة القيام، بحيث كان هويّه بنيّة السجود أو بغير نيّة الركوع.

و أما لو فرض أنّه هو للركوع، ثم نسيه قبل أن يصير على هيئة الراكع، لم يجب القيام للهويّ عنه إلى الركوع؛ لحصوله من قبل، بل يقوم منحنيا إلى حدّ الراكع خاصّة إن كان نسيانه بعد انتهاء هويّ الركوع، و إلّا قام بقدر ما يستدرك به الفائت منه. و هذا إذا لم تتحقّق صورة الركوع قبل النسيان، و إلّا أشكل العود إليه؛ لا ستلزامه زيادة الركن، فإنّ ركنيّة الركوع تتحقّق بالانحناء الخاص، و ما بقي من الطمأنينة و الذكر (1) و الرفع واجبات خارجة عن حقيقته.

____________

(1) في «ق» و «د»: الذكر و الطمأنينة.

332

(و نسيان السجود حتى قام و لمّا يركع) سواء قرأ أم لم يقرأ، فإنّه يعود إلى السجود على المشهور، و سواء كان المنسيّ سجدة أم سجدتين. و ذهب بعض علمائنا إلى بطلان الصلاة بنسيان السجدتين و إن ذكر قبل الركوع، مع حكمهم بالعود إلى الواحدة قبله (1).

ثم إن كان المنسيّ مجموع السجدتين عاد إليهما من غير جلوس واجب قبلهما، و إن كان المنسيّ إحداهما، فإن كان قد جلس عقيب الاولى و اطمأنّ بنيّة الجلوس الواجب للفصل أو لا بنيّة، لم يجب الجلوس قبلها أيضا. و إن لم يكن قد جلس كذلك، أو جلس و لم يطمئنّ وجب الجلوس؛ لأنّه من أفعال الصلاة و لم يأت به مع إمكان تداركه، و اكتفاء الشيخ في الفصل هنا بالقيام (2) ضعيف.

و لو شكّ هل جلس أم لا بنى على الأصل، فيجب الجلوس و إن كان حالة الشكّ قد انتقل عن محلّه؛ لأنّه بالعود إلى السجدة مع استمرار الشكّ يصير في محلّه، فيأتي به.

و مثله ما لو تحقّق نسيان سجدة و شكّ في الأخرى، فإنّه يجب عليه الإتيان بهما معا عند الجلوس و إن كان ابتداء الشكّ بعد الانتقال، و كذا القول لو جلس ساهيا.

و لو كان قد نوى بالجلوس الاستحباب؛ لتوهّمه أنّه قد سجد سجدتين فنوى الاستراحة، ففي الاكتفاء بها و جهان، أجودهما و هو اختيار المصنّف في الذكرى (3) و القواعد (4) ذلك؛ لاقتضاء نيّة الصلاة ابتداء كون كلّ فعل في محلّه، و هو يقتضي كون هذه الجلسة للفصل، فلا تعارضها النيّة الطارئة سهوا. و مثله ما لو نوى فريضة ثم أكملها بنيّة النفل سهوا، و قد حكم المصنّف (5) و الجماعة بصحّتها، و به نصوص صحيحة. (6)

____________

(1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 138، و ابن إدريس في السرائر 1: 241.

(2) المبسوط 1: 120.

(3) الذكرى: 221.

(4) القواعد و الفوائد 1: 83.

(5) الذكرى: 178.

(6) التهذيب 2: 343/ 1419- 1420.

333

بقي هنا بحث، و هو أنّه قد سلف في ناسي الركوع و لمّا يسجد أنّه يجب عليه القيام قبل الركوع، و قد صرّح به المصنّف (1) و غيره (2)؛ محتجّين بوقوع الهويّ السابق بنيّة السجود، فلا يجزئ عن الهويّ للركوع.

و مقتضى هذا الدليل عدم وجوب القيام ثمّ؛ لاقتضاء نيّة الصلاة الترتيب بين الأفعال فيقع الهويّ السابق للركوع، و تلغو النيّة الطارئة سهوا إن اتّفقت، بل الأمر في الواجب أولى من المندوب، فينبغي ثبوت الحكم فيه بطريق أولى. مع أنّ المصنّف احتج لقيام الجلوس للاستراحة مقام جلسة الفصل بمفهوم الموافقة بالنسبة إلى موضع النصّ الدالّ على إجزاء الأفعال المندوبة عن الواجبة في الصلاة المذهول عنها (3).

و قد اتّجه من ذلك عدم وجوب القيام قبل الركوع لناسيه، لكن الأصحاب أوجبوه مع حكمهم بما أوضحناه.

و لو كان جلوسه بعد السجدة بنيّة الوجوب لا للفصل، كما لو جلس للتشهّد، ففي الاجتزاء به الوجهان. و لا يخفي قوّة الاجتزاء به، و هو اختيار المصنّف (4).

(و كذا) القول في (التشهّد) لو نسيه و ذكره قبل أن يصير في حدّ الراكع، فإنّه يعود إليه مراعيا للترتيب.

و المراد به التشهّد الأوّل، كما يشعر به عطفه على (السجود حتى قام). أما الثاني فيرجع إليه ما لم يسلّم على القول بوجوب التسليم، و على القول بندبه ما لم ينصرف عن الصلاة بأحد الأمور الثلاثة المتقدّمة.

[الرابع: ما يوجب التلافي]

(الرابع: ما يوجب التلافي) و هو التدارك و إن كان خارج الصلاة، كما هو الواقع هنا.

(مع سجود السهو، و هو نسيان السجدة الواحدة)، (أو) نسيان (التشهّد) الأوّل أو

____________

(1) الذكرى: 220.

(2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 109، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 258.

(3) التهذيب 2: 343/ 1419- 1420.

(4) الذكرى: 221، القواعد و الفوائد 1: 83.

334

الأخير؛ بناء على القول بوجوب التسليم أو بندبه، و فعل ما يخرج من الصلاة. و لا فرق بين أن يتخلّل الحدث بين فعله و الصلاة و عدمه، خلافا لابن إدريس حيث حكم ببطلان الصلاة لو تخلّل الحدث بين فعل التشهد الثاني و الصلاة، بناء على أنّ التسليم لا يصح إلّا إذا وقع بعد التشهد، فيكون الحدث بدونه واقعا في أثناء الصلاة (1)، و هو ممنوع (أو) نسيان (الصلاة على النبيّ و آله) صلّى اللّه عليهم منفردين عن التشهد.

و وجوب قضاء الأولين موضع وفاق، أما الثالث- و هو الصلاة- ففي وجوب قضائه نظر؛ لعدم النصّ الدالّ عليه. و من ثمّ أنكره ابن إدريس (2)، و احتج المصنّف عليه بأنّ التشهد يقضى بالنصّ فكذا أبعاضه؛ تسوية بين الجزء و الكلّ (3).

و الملازمة ممنوعة، فقد تقضى الجملة و لا يقضى جزؤها كالصلاة التامّة، و كذا تقضى السجدة بجميع واجباتها من الأذكار و غيرها و لا تقضى واجباتها منفردة، و هي جزء من جملة تقضى و إن لم تكن جزء من السجدة نفسها، و لاستلزامه وجوب قضاء الكلمة الواحدة المنسيّة في التشهّد و الصلاة، بل الحرف الواحد، و لا يقولون به.

و الحق بعضهم بذلك الصلاة على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة، و الصلاة على آله خاصّة. و هو متّجه على تعليل المصنّف، لكن يلزمه إلحاق نسيان إحدى الشهادتين بنسيانهما إن لم يلحق به نسيان بعض الكلمات، و المصنّف لا يقول به، نعم هو مذهب بعض المتأخرين (4).

و الواو في قوله (و يتجاوز) واو الحال، أي نسيان المذكورات و الحال أنّه قد تجاوز (محلّه، فإنّه يفعل بعد التسليم و يسجد له) سجدتي السهو، مقدّما لفعل الأجزاء على السجود على أحوط القولين، وفاقا للمصنّف في الذكرى (5) و إن كان عطف السجود

____________

(1) السرائر 1: 259.

(2) السرائر 1: 257.

(3) الذكرى: 221.

(4) في هامش «ع»: هو الشيخ جمال الدين بن أحمد بن فهد في الموجز. «بخطّه».

الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 106.

(5) الذكرى: 229.

335

عليها بالواو لا يقتضي الترتيب.

و كذا الأولى تقديم الجزء على السجود لغيره من الأسباب و إن تقدّم سبب السجود، و تقديم الأجزاء المنسية مترتّبة على السجود لها من دون أن يخلّله بينها، و تقديم الجزء على الاحتياط إن سبقه، كما لو كان من الركعتين الأولتين، و لو تأخّر تخيّر، و تقديم صلاة الاحتياط على سجود السهو و إن تقدّم سببه، و أوجب ذلك كلّه المصنّف في الذكرى (1).

و لا ترتيب بين السجود المتعدّد و إن كان البدأة بالأوّل فالأوّل أفضل.

و (نيّته) أي نيّة الجزء الذي يجب تلافيه بعد الصلاة (أسجد السجدة المنسيّة) إن كان المنسيّ سجدة (أو أتشهّد التشهّد المنسيّ) إن كان تشهدا (أو أصلّي الصلاة المنسية) (2) إن كان المنسيّ هو الصلاة على النّبي و آله صلّى اللّه عليهم. (في فرض كذا أداء) إن كان فعله في وقت الصلاة، و قضاء إن كان بعده أو كانت الصلاة قضاء. (لوجوبه قربة إلى اللّه) و قد تقدّم الكلام على معاني هذه الألفاظ.

و لو كان المصلّي نائبا وجب عليه تعيين المنوب عنه، كما يجب عليه تعيينه في صلاة الاحتياط، أما سجود السهو فأوجب فيه الشارح المحقّق تعيين المنوب أيضا (3).

و فيه نظر؛ لأنّه ليس جزء من الصلاة و لا محتملا للجزئيّة، و لا مستنابا فيه، و إنّما أوجبه سهو النائب. و وجه الوجوب أنّ فعل النائب عن الغير كفعل المنوب عنه، و مثله القول في الكفّارة اللازمة في الفعل المستناب فيه.

(و نيّة سجدتي السهو: أسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء لوجوبهما) أي السجدتين، أو لوجوبه (4)، أي الفعل الذي هو السجود و إن تعدّدت أفراده، (قربة إلى اللّه).

____________

(1) الذكرى: 228.

(2) أو أصلّي الصلاة المنسيّة: لم ترد في نسختي الألفيّة «ش 1» و «ش 2»، أي أنها ليست من المتن.

(3) شرح الألفية (رسائل المحقّق الكركي) 3: 311.

(4) في «ع» وردت علامة على كلمة (لوجوبه) تدلّ على أنّها من المتن، علما بأنّها لم ترد في النسخ الخطية الثلاث التي اعتمدنا عليها في تصحيح الألفيّة.

336

و مقتضى هذه النيّة المشتملة على ما يجب فيها عنده أنّه لا يجب عنده تعيين السبب الموجب للسجود، و هو حسن مع عدم تعدّد السبب المقتضي لتعدّد السجود، و إلّا فوجوب التعيين أحسن، و في الذكرى اختار وجوب تعيينه مطلقا (1).

و تجب مقارنة النيّة لوضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، لأنّه أوّل الواجب، و لو نوى بعد الوضع لم يبعد جوازه. و كذا القول في السجدة المنسيّة، و سجدة العزيمة، و غيرها.

(و يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة) من وضع المساجد السبعة، و كون مسجد الجبهة طاهرا، من جنس ما يصحّ السجود عليه، إلى آخر شروطه، و الطمأنينة بقدر الذكر، و رفع الرأس بينهما، و الطمأنينة فيه، و يدخل فيه الطهارة و الستر، و التصريح به بعد ذلك لفائدة التعميم، و إنّما لم يذكر ذلك في السجدة المنسيّة؛ لظهوره، فإنّها إنّما وجبت لكونها جزء فائتا من الصلاة، فشرطها داخلة و خارجة واحد.

(و ذكرهما: بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد) أو بسم اللّه و باللّه و السّلام عليك أيها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته. رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) سماعا منه لكيفيّة الحكم و بيانا له، لا لكونه (عليه السلام) سها؛ لتنزّه مرتبة النبوّة و الإمامة عن السهو على أشهر القولين. و لو قلنا بجوازه عليهم- كما ذهب إليه بعض قدمائنا (3)- فلا إشكال. و في بعض متن الحديث «بسم اللّه و باللّه، اللهم صلّ على محمّد و آل محمّد، أو بسم اللّه و باللّه، السّلام عليك» إلى آخره (4) و الكلّ مجزئ.

و ينحصر الذكر في الأربعة على أصحّ القولين، فلا يجزئ فيهما ما يجزئ في سجود الصلاة.

(ثم يتشهّد فيهما) التشهّد المعهود (و يسلّم) السّلام (5) المعهود، خلافا لأبي الصلاح،

____________

(1) الذكرى: 229.

(2) الفقيه 1: 226/ 997، التهذيب 2: 196/ 773.

(3) هو الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 234.

(4) الكافي 3: 356/ 5.

(5) في «ش»: التسليم.

337

حيث جعله التسليم على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) (1)، و للخبر حيث جعل التشهّد فيهما خفيفا (2)، أي مشتملا على أقل الواجب، و لعلّه أراد أنّه أقلّ الواجب.

(و تجبان أيضا للتسليم في غير محلّه نسيانا، و للكلام كذلك) أي في غير محلّه نسيانا، و التشبيه عائد إلى مجموع الأمرين، و فائدة عوده إلى غير محلّه الاحتراز عمّا يقع من الكلام في محلّه، كمطلق القرآن (3) و الدعاء، إذ لو لا ذلك لدخل في عموم الكلام، مع وجوب إخراجه منه في هذه الأحكام، و جميع الصلاة محلّ لهما و إن كان لبعض أجزائها رجحان على بعض في ذلك كآية الرحمة.

و يمكن عود التشبيه إلى النسيان خاصة، و جعل اللام في (الكلام) للعهد الذكري، و هو المذكور في المنافيات مقيّدا بغير القرآن و الدعاء، إلّا أنّ هذا الاحتمال يستلزم كون ذكر التسليم مستدركا لإدخاله في جملة الكلام المتقدّم.

(و للشكّ بين الأربع و الخمس) بعد السجود على المشهور، و بعد الركوع على مذهب المصنّف، لا مطلق الشكّ في الركعتين، كما سيأتي تحريره.

(و للقيام في موضع قعود، و بالعكس) و هو القعود في موضع قيام. و يدخل في الأوّل ناسي السجود و التشهّد حتى قام و لمّا يركع، و قد تقدّم أنّه لا يوجبهما. و يجب تقييد الثاني بعدم صلاحيته لجلسة الاستراحة كالقعود في أثناء الركعة، أو بزيادته عمّا يصلح لصرفه إليها، و إلّا صرف إليها. و لا يجب السجود له؛ لاقتضاء نيّة الصلاة ذلك ابتداء، فيرجّح على النيّة الطارئة سهوا.

(و الأحوط وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة غير مبطلتين) لدلالة بعض الأخبار عليه (4). و ذهب بعض الأصحاب إلى وجوبهما لهما (5)، و هو أجود. و في بعض الأخبار

____________

(1) الكافي في الفقه: 148.

(2) الفقيه 1: 230/ 1019، التهذيب 2: 196/ 772، الإستبصار 1: 380/ 1441.

(3) في «ع» و «ش»: القراءة.

(4) التهذيب 2: 155/ 608، الإستبصار 1: 361/ 1367.

(5) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 3: 349، المسألة 360، و ابن فهد الحلّي في الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 108.

338

وجوبهما لمجرّد الشكّ في الزيادة و النقصان (1)، و مال إليه المصنّف في الذكرى (2)، و هو حسن.

و يتعدّد ان بتعدّد السبب و إن كان في صلاة واحدة ما لم يدخل في حيّز الكثرة، و يتحقّق التعدّد بتخلّل التذكّر، فنسيان جميع القراءة مع استمرار السهو موجب للسجدتين، و نسيان الحرف الواحد بعد الحرف مع تخلّل الذكر موجب للتعدّد، فقد يجب لبعض القراءة ستّ سجدات مع وجوب اثنتين لجميعها.

و قيّد بعضهم الزيادة و النقصان بما لا يجوز فعله و تركه اختيارا (3)؛ ليخرج منه نسيان القنوت، و فعل الذكر و الدعاء بغير قصد، و النّص و الفتوى مطلقان.

(و هما بعد التسليم مطلقا) سواء كانتا لزيادة أم لنقصان على المشهور؛ حذرا من الزيادة في الصلاة؛ للخبر (4). و نبّه بذلك على خلاف ما ورد في بعض الأخبار من فعلهما قبله للنقصان و بعده للزيادة (5)، و قد يجعل ذلك قولا لبعض الأصحاب (6).

(قيل: و لا يجب فعلهما في الوقت، و لا) فعلهما (قبل الكلام) و غيره من المنافيات؛ لإطلاق الأمر، و هو لا يقتضي الفور، و لأنّهما ليستا جزء من الصلاة.

(و الأولى وجوبه) لورود أخبار به (7)، و فيها إشعار بالفورية، إذ لا خصوصيّة للكلام من بين المنافيات، و لمّا كانت الأخبار ليست سليمة لم يكن التزام مدلولها متعيّنا، بل أولى.

و في الذكرى أوجب المبادرة فيهما على الفور (8).

____________

(1) الكافي 3: 354/ 1.

(2) الذكرى: 228.

(3) حكاه السيّد الحسيني العاملي في مفتاح الكرامة 3: 315 عن الصيمري في شرح الشرائع.

(4) الكافي 3: 355/ 3، الفقيه 1: 231/ 1026، التهذيب 2: 159/ 624.

(5) التهذيب 2: 195/ 769، الاستبصار 1: 380/ 1439.

(6) هو قول ابن الجنيد في كتابه الأحمدي في فقه المحمّدي، حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 426 المسألة 9.

(7) التهذيب 2: 195/ 768، الاستبصار 1: 380/ 1438.

(8) الذكرى: 230.

339

و على القولين لا يقدح تأخيرهما في صحّة الصلاة، و يجب الإتيان بهما و إن طالت المدّة، و لا تبطل الصلاة المتقدّمة عليهما مع احتماله.

(و) كذا (لا يجب التعرّض في نيّتهما للأداء و القضاء) لأنّهما من توابع الوقت المحدود، و لا وقت لهما محدودا و إن وجب البدار (1) بهما على الفور (و إن كان) التعرّض للأداء إن فعلهما في وقت الصلاة و للقضاء إن فعلهما في غير وقتها أو كانت مقضية (أجود) (2) لتبعيّة وقتهما لوقت الصلاة، فينبغي رعايته، و اختار المصنّف في البيان وجوب التعرّض (3).

(و يجب في الأجزاء المنسيّة) و هي السجدة، و التشهّد، و الصلاة على النبيّ و آله (عليهم السلام)، (ذلك) المذكور من التعرّض للأداء و القضاء، و هو هنا موضع وفاق، و لأنّهما جزء من الصلاة الواجب فيها ذلك. و يحتمل عود الإشارة إلى جميع ما سبق، و هو وجوبها مع ذلك في الوقت و قبل الكلام فإنّ للمصنّف قولا بوجوب ذلك فيها، و لا ريب أنّه أحوط.

(أمّا الطهارة) من الحدث و الخبث على جهة استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه (و الستر و الاستقبال، فشرط في الجميع) و هو سجدتا السهو و الأجزاء المنسية، و في وجوب ذلك خلاف، و ما هنا أقوى.

[الخامس: ما يوجب الاحتياط في الصلوات الرباعيّات]

(الخامس: ما يوجب الاحتياط في) الصلوات (الرباعيّات).

و المراد بالاحتياط هنا: إمّا صلاة الاحتياط و لو على وجه مرجوح؛ لما سيرد عليك من أنّ هذه المسائل منها ما تبطل الصلاة فيه على أصح الوجوه، و منها ما يوجب سجود السهو لا غير كالشّك بين الأربع و الخمس، في بعض صوره.

و أمّا ما يشمل الصلاة و فعل ما يتحقّق معه صحّة الصلاة و هو إعادتها، كما نبّه عليه

____________

(1) في «ق»: التدارك.

(2) في «ش 3»: أحوط.

(3) البيان: 252.

340

بقوله في الأربع المشتركة في الاحتمالين: و فيها (وجه بالبطلان في الثلاثة احتياطا).

و إنّما قدّرنا ذلك؛ لأنّ جميع هذه الصور توجب صلاة الاحتياط عنده كما ستعلمه.

(و هو) أي الموجب للاحتياط بمعنييه (اثنا عشر) و ذلك لأنّ الشكّ المبحوث عنه هنا إنّما يكون مع إحراز الأوليين من الرباعيّة؛ لبطلان الشكّ المتعلّق بغيره.

و حينئذ فلا يخلو مع تعلّق الشكّ بالأخيرتين أو إحداهما: إمّا أن يكون ثنائيا أي بين ركعتين، أو ثلاثيا أي بين ثلاث ركعات، أو رباعيّا بأن يتعلّق بالخامسة مع ثلاث ركعات أخر.

و ينشعب من ذلك إحدى عشرة صورة:

ستّ من الشكّ الثنائيّ، و هي: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و بين الاثنتين و الأربع، و بين الاثنتين و الخمس، و بين الثلاث و الأربع، و بين الثلاث و الخمس، و بين الأربع و الخمس.

و أربع من الشّك الثلاثيّ، و هي: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و بين الإثنتين و الثلاث و الخمس، و بين الاثنتين و الأربع و الخمس، و بين الثلاث و الأربع و الخمس.

و الصورة الحادية عشرة من الشكّ الرباعيّ، و هي الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس.

و الصورة الثانية عشرة أن يتعلّق الشّك بالسادسة، و جعله قسما واحدا بناء على بطلان الصلاة به.

و لو قلنا بصحّته و لو على بعض الوجوه، افتقر إلى تقسيمها كما قسمت تلك الفروض، فترتقي وحدها إلى خمس عشرة صورة، كما سيأتي، تضاف إلى هذه الصور، تبلغ ستا و عشرين.

ثم كلّ واحدة من هذه الصور لا يخلو الشكّ فيها: إمّا أن يقع في حال كون المصلّي أخذا في القيام، أو بعد استيفائه قبل القراءة، أو في أثنائها، أو بعدها قبل الركوع، أو بعد الانحناء قبل الرفع، أو بعده قبل السجود، أو فيه قبل الفراغ من ذكر الثانية، إذ هو

341

آخر السجدة كما سيأتي، أو بعده قبل الرفع منها، أو بعده. فهذه تسعة أحوال آتية في كلّ واحدة من الصور، فيرتقي ما لا يتعلّق بالسادسة إلى تسعة و تسعين، و الجميع إلى مائتين و أربعة و ثلاثين، حاصلة من ضرب الأحوال التسعة في ست و عشرين صورة، و سيرد عليك حكمها مفصّلا.

[الأوّل: أن يشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد إكمال السجدتين]

(الأوّل: أن يشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد إكمال السجدتين) و يتحقّق بالرفع من الثانية إجماعا. و هل يتحقّق بكمال ذكرها من غير أن يرفع؟ الظاهر ذلك. و هو اختيار المصنّف في الذكرى (1)؛ لأنّ الرفع لا مدخل له في السجود، و إنّما هو مقدّمة لواجب آخر كالتشهّد و القراءة. و قد تقدّم في السجود من الرسالة ما ينبّه على اختياره، و هو قوله في بعض النسخ: (و لا يجب الرفع من السجدة الثانية) بمعنى أنّه لا يجب لذاته كما تقدّم تقريره (2).

[الثاني: الشكّ بين الثلاث و الأربع مطلقا]

(الثاني: الشكّ بين الثلاث و الأربع مطلقا) سواء وقع بعد إكمال السجدتين أم قبله؛ لإحراز الأوليين على التقديرين. (و) الحكم (البناء على الأكثر فيهما) و هو الثلاث في الاولى، و الأربع في الثانية. (و يتمّ ما بقي) من صلاته (و يسلّم، ثم يصلّي ركعة قائماً، أو ركعتين جالسا).

[الثالث: الشكّ بين الاثنتين و الأربع بعد إكمال السجدتين]

(الثالث: الشكّ بين الاثنتين و الأربع بعد إكمال السجدتين) كما مرّ، و هو الضابط في كلّ شكّ يتعلّق بالثانية. (و) حكمه (البناء على الأكثر) و هو الأربع، (و الاحتياط بركعتين قائماً) لأنّ ذلك هو المحتمل نقصه، كما أنّ المحتمل في الأوليين نقص ركعة فكان الاحتياط كذلك، و كذا القول في جميع الصور.

[الرابع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد الإكمال]

(الرابع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد الإكمال) أي إكمال السجدتين، (و) حكمه (البناء على الأربع، و الاحتياط بركعتين جالسا) لاحتمال كون الصلاة ثلاثا (و ركعتين قائماً) لاحتمال كونها اثنتين.

و لتكن الركعتان من قيام (قبلهما) أي قبل الركعتين من جلوس؛ عملا بظاهر

____________

(1) الذكرى: 227.

(2) تقدّم في الصفحة: 274.

342

الرواية العاطفة للركعتين من جلوس ب(ثمّ) الدالّة على التعقيب كذلك (1). و علّلت مع ذلك بأنّ الشكّ بين الاثنتين و الأربع متقدّم فيه على الشكّ بين الثلاث و الأربع، فيقدّم احتياطه. و الأكثر على التخيير. و نقل المصنّف عن المفيد القول بوجوب تقديم الركعتين من جلوس (2).

و العمل بما دلّت عليه الرواية- التي هي مستند الحكم- أولى مع أنّ الجبر بالصلاة قائماً أقرب من الصلاة جالسا، خصوصا على تقدير كونها اثنتين في نفس الأمر.

و هل يجوز أن يصلّي بدل الركعتين من جلوس ركعة قائماً؟ ظاهر الأكثر عدمه (3)؛ عملا بظاهر الرواية، و اختار المصنّف (4) و جماعة (5) التخيير، و هو حسن؛ لأنّ الركعة من قيام أقرب إلى حقيقة المحتمل فواته، فيكون مدلولا عليه بمفهوم الموافقة.

[الخامس: الشكّ بين الاثنتين و الخمس بعد إكمال السجود]

(الخامس: الشكّ بين الاثنتين و الخمس) بعد إكمال السجود (6)؛ لتحتمل فيه الصحّة، فإنّ كلّ شكّ يتعلّق بالثانية قبل إكمالها يبطل قولا واحدا.

[السادس: الشكّ بين الثلاث و الخمس بعد الركوع أو بعد السجود]

(السادس: الشكّ بين الثلاث و الخمس بعد الركوع أو بعد السجود) و احترز بذلك عمّا لو كان الشكّ قبل الركوع، فإنّه يهدم الركعة و يصير شاكّا بين الاثنتين و الأربع، فيلزمه حكمه، و يزيد سجدتي السهو لزيادة القيام. و تحقّق بعديّة الركوع بالوصول إلى حدّ الراكع و إن لم يأت بواجباته من الذكر و الطمأنينة، و قد تقدّم تحقيقه (7).

و إنّما جمع بين قوله (بعد الركوع) و بين قوله: (أو بعد السجود) لما سيأتي من أنّ ما بينهما يحتمل إلحاقه بما قبل الركوع؛ لعدم إكمال الركعة، و بما بعد السجود؛ لزيادة

____________

(1) الكافي 3: 353/ 6، التهذيب 2: 187/ 742.

(2) الذكرى: 226، نقله عن المفيد في العزيّة.

(3) منهم ابن أبي عقيل- كما حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 384 المسألة 271- و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 148.

(4) الذكرى: 226.

(5) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 123، و العلّامة في المختلف 2: 386 المسألة 273.

(6) في نسخ المقاصد العليّة و في نسختي الألفيّة «ش 1» و «ش 2» وردت جملة (بعد إكمال السجود) على أنّها من الشرح، و في نسخة الألفيّة «ش 3» وردت في المتن.

(7) تقدّم في الصفحة: 268.

343

الركن، و هو الركوع الموجب لعدم الهدم، و لو قدّم بعديّة السجود على بعديّة الركوع كان أجود.

[السابع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الخمس]

(السابع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الخمس) بعد السجود؛ ليكون موضع الاحتمال كما مرّ.

[الثامن: الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس]

(الثامن: الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس) بعد السجود.

(و في هذه الأربعة) التي أوّلها الخامس (وجه بالبناء على الأقلّ؛ لأنّه المتيقن) و لأصالة الصحّة، و لقوله (عليه السلام): «ما أعاد الصلاة فقيه» (1).

(و وجه بالبطلان في الثلاثة الأول) من الأربع (احتياطا) لتعذّر البناء على أحد الطرفين، لاستلزامه التردّد بين محذورين، فإنّ البناء على الأكثر موجب للزيادة على الواجب، و معرض للنقصان، و على الأقلّ للزيادة.

(و البناء في الثامن على الأربع) لاشتماله على شكّين لا يبطلان الصلاة:

أحدهما: الشكّ بين الاثنتين و الأربع، و هو غير مفسد إذا وقع بعد السجود، بل منصوص الصحّة (2) و موجب للركعتين قائماً.

و الثاني: الشكّ بين الأربع و الخمس، و هو أيضا غير مفسد في تلك الحالة قطعا.

(و) قد علم من ذلك أنّ حكمه (الاحتياط بركعتين قائماً) للشكّ الأوّل (و سجود السهو) للثاني، و هذا الوجه حسن.

[التاسع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، بعد إكمال السجود]

(التاسع: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، بعد) إكمال (السجود، و حكمه حكم الثامن) لرجوعه إلى أصلين من أصول الشكّ المنصوص حكمها:

أحدهما: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و هو غير مفسد إذا وقع بعد السجود، كما هو المفروض، و موجب للاحتياطين.

و الثاني: الشّك بين الأربع و الخمس، و هو غير مفسد أيضا خصوصا في تلك الحالة، و يوجب سجود السهو.

____________

(1) معاني الأخبار: 159، التهذيب 2: 351/ 1455، الإستبصار 1: 375/ 1424.

(2) الكافي 3: 353/ 8، الفقيه 1: 229/ 1015.

344

(و يزيد) هذا على الثامن (في الاحتياط بركعتين جالسا) تتمّة الاحتياطين الواجبين للشّك الأوّل، و يجوز إبدالهما بركعة قائماً كما مرّ.

[العاشر: الشّك بين الأربع و الخمس بعد السجود موجب للمرغمتين]

(العاشر: الشّك بين الأربع و الخمس بعد السجود) و هو صحيح إجماعا (موجب للمرغمتين) بكسر الغين اسم فاعل سمّيتا بذلك؛ لأنّهما يرغمان الشيطان كما ورد في الخبر (1). و هو إمّا من المراغمة: و هي المغاضبة، أي تغضبانه. و إمّا من الرغام بفتح الراء: و هو التراب. يقال: أرغم اللّه أنفه: أي ألصقه بالتراب ذلّة و صغارا، فكأنّهما يرغمان أنف الشيطان.

و المشبّه به في قوله (كما مرّ) هو ما ذكر في الرابع من أقسام الخلل في ما يوجب التلافي مع سجود السهو.

(و) لو تعلّق الشكّ بهما (قبل الركوع) سواء كان بعد القراءة أم فيها أم قبلها، هدم الركعة و جلس، و (يكون) حينئذ (شكّا بين الثلاث و الأربع) فيتشهّد و يسلّم و يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، و يسجد للسهو؛ لمكان الزيادة.

(و بعد الركوع) سواء كان قبل الرفع منه أم بعده (فيه قول بالبطلان) ذهب إليه العلّامة (2)، و اختاره الشارح المحقّق؛ للتردّد بين محذورين كلّ منهما مبطل للصلاة:

الإتمام المحتمل لكونها خامسة فيوجب الزيادة عمدا، و القطع المحتمل لكونها رابعة فيوجب النقصان المبطل (3).

و فيه نظر؛ لمنع محذوريّته على تقدير الإكمال، فإنّ الأصل عدم الزيادة و إن أمكنت، و المبطل يقين زيادة الركن لا احتماله، و لأنّ ذلك لو كان هو المؤثّر لأثّر بعد السجود.

و تمحّل الفرق بين الحالين- بأنّ الزيادة وقعت فيما لو كان الشّك بعد السجود سهوا، بخلاف ما لو وقع بعد الركوع فإنّها حينئذ تكون عمدا- فاسد؛ لأنّ زيادة الركن لا فرق

____________

(1) الكافي 3: 357/ 9.

(2) منتهى المطلب 1: 416.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 323.

345

فيها بين العمد و السهو، إلّا ما استثني، و ليس هذا منه.

و الحاصل أنّ الصادر عمدا هو السجود الركنيّ، لا زيادة الركن الذي هو مناط البطلان، و مورد النصّ منبّه عليه.

(و) من هنا تحقّق أنّ (الأصح إلحاقه) أي إلحاق الشكّ بعد الركوع (بالأوّل) و هو الشكّ بعد السجود (فيجب الإتمام و المرغمتان).

[الحادي عشر: الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس]

(الحادي عشر: الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس) سواء كان بعد السجود أم قبله، (و فيه وجه بالبناء على الأقل) لأنّه المتيّقن، و يضعف لمخالفته المنصوص من بناء الشاكّ بين الثلاث و الأربع على الأكثر. (و) وجه (آخر بالبناء على الأربع) لرجوعه إلى الشّك بين الثلاث و الأربع فيلزمه حكمه، و إلى الشكّ بين الأربع و الخمس فيلزمه حكمه.

(و) المجتمع من ذلك وجوب (الاحتياط بركعة قائماً) أو ركعتين جالسا (و المرغمتين). و يجب تقييده بما لو كان الشّكّ بعد الركوع على ما اختاره المصنّف، أو بعد السجود على القول الآخر. أما لو كان قبل الركوع هدم الركعة، و صار شكّا بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، فيلزمه حكمه، و يزيد سجدتي السهو لمكان الزيادة.

[الثاني عشر: أن يتعلّق الشّك بالسادسة]

(الثاني عشر: أن يتعلّق الشّك بالسادسة) فما زاد (و فيه وجه بالبطلان) مطلقا؛ لأنّ زيادة الركن مبطلة، و مع احتمالها لا تتيقّن البراءة من الصلاة التي قد اشتغلت الذّمة بها بيقين.

و ضعفه ظاهر، فإنّ تجويز زيادة الركن لو أثّر لبطل حكم كثير من الصور السابقة، مع النصّ على صحتها، و الإجماع على صحّة بعضها، و احتمال خروج تلك عن الحكم بالنصّ يدفع بأصالة عدم الزيادة و الشّك في المبطل.

(و) وجه (آخر بالنبإ على الأقل) لأصالة عدم الزيادة، و البناء على الأكثر أو الأربع موقوف على النصّ لخروجه عن الأصل، و هو مفقود هنا، و الفساد غير معلوم.

و فيه وجه ثالث أشار إليه بقوله (أو يجعل حكمه حكم ما يتعلّق بالخمس) فيصح حيث يصح، و يبطل حيث يبطل. و يجب سجود السهو في موضع الصحّة، و يلزمه

346

الاحتياط مع السجود في موضع اجتماعهما.

و إلى هذا الاحتمال ذهب ابن أبي عقيل من القدماء (1)، و مال إليه المصنّف (2) و العلّامة (3)، و رجّحه الشارح المحقّق (4). و هو الظاهر؛ تمسّكا بظواهر النصوص الدّالة على عدم بطلان الصلاة بمجرّد احتمال الزيادة، و عموم قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ (5)، و «أن الفقيه لا يعيد صلاته» (6) و إطلاق قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: «إذا لم تدر أربعا صلّيت أو خمسا زدت أو نقصت، فتشهّد و سلّم و اسجد سجدتي السهو» (7).

و هذه المسألة تتشعّب إلى خمس عشرة صورة: سبع منها مع ضميمة ما زاد على الخامسة إليها و إدخال ما نقص عنها، و سبع مع انفرادها عنها، و واحدة مع الشكّ فيهما خاصّة بأن تحقّق الزيادة على الأربع.

فأربع من الجميع ثنائيّة، و ست ثلاثيّة، و أربع رباعيّة، و واحدة خماسيّة:

فالأولى: الشكّ بين الاثنتين و الستّ، و بين الثلاث و الستّ، و بين الأربع و الستّ، و بين الخمس و الستّ.

و الثانية: الشّك بين الاثنتين و الثلاث و السّت، و بين الاثنتين و الأربع و الستّ، و بين الاثنتين و الخمس و الستّ، و بين الثلاث و الأربع و الستّ، و بين الثلاث و الخمس و الستّ، و بين الأربع و الخمس و الستّ.

و الثالثة: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الستّ، و بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و الستّ، و بين الاثنتين و الأربع و الخمس و الستّ، و بين الثلاث و الأربع

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 390 المسألة 277.

(2) الذكرى: 225، البيان: 254.

(3) المختلف 2: 391 المسألة 277.

(4) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 325.

(5) محمّد: 33.

(6) معاني الأخبار: 159، التهذيب 2: 351/ 1455، الاستبصار 1: 375/ 1424.

(7) التهذيب 2: 196/ 772، الاستبصار 1: 380/ 1441.

347

و الخمس و الستّ.

و الرابعة: بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس و الستّ.

و المراد بالسّت في جميع ما ذكر: الستّ فما فوقها؛ لاشتراك الجميع في الوصف و الحكم.

فهذه خمس عشرة صورة تضاف إلى ما تقدّم من الصور الإحدى عشرة، ثم تضرب في الأحوال التسعة، و المجتمع- و هو مائتان و أربعة و ثلاثون- هي مسائل لشكّ التي يقع البحث فيها من حيث الصحة و البطلان و لو بالاحتمال.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إن قلنا بالبطلان حيث يتعلّق الشكّ بالسادسة يسقط البحث في هذه الصور، و يبقي الكلام في التسعة و التسعين المتقدّمة.

و إن حكمنا بالصحة في الجملة افتقر إلى البحث عن خصوصيات هذه الصور، فإنّ منها ما يصح، و منها ما يبطل.

و خلاصة الحكم في الجميع أنّ كلّ شكّ يتعلّق بالثانية و يحكم بصحته، تصحّ من أحواله التسعة صورتان، و هما: ما بعد الفراغ من ذكر السجدة، و قبل الرفع و ما بعده.

و تبطل منها سبع صور، و هي ما قبل ذلك.

و جملة المسائل المتعلّقة بالثانية خمس عشرة، منها سبع فيما لا يتعلّق بالسادسة، و ثمان فيما يتعلّق بها.

و هذه الخمس عشرة منها ستّ باطلة بجميع صورها، و هي الشّك بين الاثنتين و الخمس، و بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و الاولى من الثنائية المتعلقة بالسادسة، و في اثنتين من الثلاثية و هما: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الستّ، و بين الاثنتين و الخمس و الستّ، و في واحدة من الرباعيّة و هي الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و الستّ.

و يحصل من هذه المسائل الستّ أربع و خمسون صورة باطلة، و تتبعها مسألة أخرى باطلة في جميع صورها ممّا لا يتعلّق بالثانية، و هي الشكّ بين الثلاث و الست، فالباطل ثلاثة و ستون.

و تبقى من المسائل المتعلّقة بالثانية تسع مسائل صحيحة في الجملة، يصحّ منها ثمان

348

عشرة صورة، و تبطل ثلاث و تسعون، و يبقى من الجملة عشر مسائل، منها ست تصحّ بجميع صورها: ثلاث ممّا لا يتعلّق بالست، و ثلاث ممّا يتعلّق بها.

فالأولى: الشكّ بين الثلاث و الأربع، و الشكّ بين الأربع و الخمس، و الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس.

و الثانية: الشكّ بين الثلاث و الأربع و الستّ، و الشكّ بين الأربع و الخمس و الستّ، و الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس و الستّ، و صورها أربع و خمسون.

و ثلاث منها تتبعّض في الصحّة و البطلان، و هي الشكّ بين الثلاث و الخمس، و الشكّ بين الثلاث و الخمس و الستّ، و الشكّ بين الأربع و الستّ.

و الأوليان يصح منها أربع، و هي ما قبل الركوع، و تبطل الخمس الأخيرة، و في الثالثة بالعكس يصح منها الخمسة الأخيرة، و تبطل الأربع؛ لأنّ هدم الركعة قبل الركوع يصيّر الشكّ بين الثلاث الخمس بعد الركوع، و قد تقدّم أنّه مبطل مع احتمال الإكمال، لكنه مخالف لحكم الشكّ بين الأربع و الخمس.

و المسألة العاشرة و هي الشّك بين الخمس و الست، و حكمها أنّ الشكّ إن كان قبل الركوع هدم الركعة، و كان شكّا بين الأربع و الخمس، فيلزمه حكمه و يزيد عنه سجدتي السهو لمكان الزيادة، فيسجد أربع سجدات.

و إن كان بعده كان كمن زاد ركعة آخر الرابعة، فيتعيّن الجلوس بقدر التشهّد كما مرّ.

فهذه جملة أحكام المسائل، فالصحيح منها خمس و ثمانون، و الباطل مائة و أربعون، و التسع الأخيرة متردّدة بين صحّة جميعها و بطلانه، و ذلك تمام العدد المتقدّم. و كيفيّة ما يجب فيها من الاحتياط فيما حكم بصحته و كمّيته و سجود السهو يعلم ممّا سبق، و حاصله الإتيان بمثل ما يحتمل فواته أو بدله، و سجود السهو لما أوجب زيادة أو إضافة ما زاد على الأربع، و اللّه الموفق.

(و لا بدّ في) صلاة (الاحتياط من النيّة) المشتملة على إحضار الفعل المعيّن بجميع مشخّصاته، من كونه من قيام أو قعود، و ركعة أو ركعتين في الفرض المعيّن، و قصد

349

فعله على وجه التقرّب إلى اللّه تعالى.

و صفة نيّته (أصلّي ركعة) في حال كونها (احتياطا) أو لأجل الاحتياط (أو) أصلّي (ركعتين) كذلك في حال كونى (قائماً أو جالسا في الفرض المعيّن) كالظهر. و الجار يتعلّق بالمصدر، و هو (احتياطا) لا باسم الفاعل و إن جاز تعلّقه بحسب الصناعة بهما.

(أداء) إن كانت الفريضة المحتاط لأجلها مؤدّاة و وقتها باق (أو قضاء) إن كانت المجبورة مقضيّة أو مؤدّاة و قد خرج وقتها (لوجوبه) أي وجوب الاحتياط أو الفعل و هو الصلاة (قربة إلى اللّه، و يكبّر) تكبيرة الإحرام مقارنا بها النيّة.

(و يلزمه قراءة (1) الحمد وحدها إخفاتا) للنصّ (2)، و لأنّه بدل من الأخيرتين، فلا تجب السورة كما لا يجوز الجهر.

(و لا يجزئ التسبيح) بل يتعيّن الحمد؛ لأنّها صلاة مستقلّة بالنيّة و التكبير و إن أمكن كونها جبرا للفائت، و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (3). و خلاف في ذلك بعض الأصحاب و خيّر بين الحمد و التسبيح تبعا للتخيير في الأخيرتين (4)، و الحقّ أنّها بدل من وجه و مستقلّة من آخر.

و يتفرّع على البدليّة المطابقة للفائت حقيقة كالركعة و الركعتين قائماً، أو حكما كالركعتين جالسا بدلا من ركعة قائماً و الاجتزاء بها لو تبيّن النقصان. و على الاستقلال افتقارها إلى نيّة جديدة، و تحريمة، و تعيين الفاتحة، و التشهّد، و التسليم. و وقع الخلاف في مواضع بسبب تردّدها بين الأمرين.

(و يعتبر فيه جميع ما يعتبر في الصلاة) من الطهارة و الستر و الاستقبال، و غيرها من الشرائط و الأفعال.

و في بعض النسخ (و جميع) بغير قوله، (و يعتبر) (5) و هو بالرفع عطف على قوله:

____________

(1) و يلزمه قراءة: لم ترد في «ش 2»، و ورد بدلها: و يقرأ.

(2) الفقيه 1: 229/ 1015.

(3) الكافي 3: 317/ 28، التهذيب 2: 146/ 573، الاستبصار 1: 354/ 1339.

(4) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 146، و ابن إدريس في السرائر 1: 254.

(5) كما في نسختي «ش 1» و «ش 2».

350

(قراءة الحمد) فاعل (يلزمه) أي و يلزمه جميع ما يعتبر في الصلاة.

(و) منه (التشهد و التسليم) و إنّما خصّهما بالذكر؛ لدفع احتمال عدم وجوبهما لو جعلناهما بدلا محضا من الأخيرتين، لسبق التشهّد و التسليم آخر الصلاة، فإنّ البدليّة المحضة غير تامّة هنا فيجب فيهما ذلك على القولين.

(و لا أثر) في بطلان الصلاة (لتخلّل المبطل) للصلاة (بينه) أي بين الاحتياط (و بين الصلاة) على أصحّ القولين. و مبناهما على كون الاحتياط جزء من الصلاة، أو صلاة مستقلّة. فعلى الأوّل تبطل بتخلّله، دون الثاني. و اختار المصنّف في الذكرى الأوّل؛ محتجّا بأنّ شرعيّة الاحتياط ليكون استدراكا للفائت من الصلاة، فيكون على تقدير وجوبه جزء، فالحدث الواقع بينهما واقع في أثناء الصلاة (1).

و الصغرى ممنوعة، و من ثمّ وجب فيه ما يجب في الصلاة المستقلة، دون ما يجب في الأخيرتين خاصة.

و اعلم أنّ الأثر المنفيّ هو بطلان الصلاة بتخلّل المبطل، لا مطلق الأثر الذي تدلّ عليه العبارة بظاهرها، حيث جعله نكرة في سياق النفي. و إنّما خصصناه بذلك؛ لأنّ المصنّف في الذكرى ادّعى الإجماع على وجوب الفوريّة في الاحتياط (2)، فعلى هذا لو أخلّ بالفوريّة أو فعل المنافي أثم قطعا، و هو أثر من آثار المبطل، و يبقى الكلام في بطلان الصلاة.

(و لا خروج الوقت) بالجر، أي و كذا لا أثر لخروج وقت الصلاة المجبورة في بطلان الصلاة و إن حصل الإثم مع الإخلال بالفوريّة، (نعم) مع خروج وقت الصلاة قبل فعله (ينوي) فيه (القضاء) لتبعيّته للصلاة في الوقت و في كثير من الأحكام، فهو كالجزء إن لم يكن جزء.

و يتفرّع على تبعيته للصلاة في الوقت أنّه لو أدرك من آخر وقتها قدر ركعة، فحصل له في أخيرتيها شكّ يوجب الاحتياط، فعله أداء و إن كان وقتها قد خرج؛ بناء على أنّ

____________

(1) الذكرى: 227.

(2) الذكرى: 228.

351

من أدرك ركعة يكون مؤدّيا للجميع، كذا قرّره الشارح المحقّق. (1).

و الأصحّ وجوب نيّة القضاء على القولين؛ لأنّ الاحتياط إنّما يتبع الصلاة في الأداء مع بقاء الوقت، أمّا مع خروجه فمقتضى تبعيّته لها في الوقت وجوب القضاء، و من ثمّ وجب فيه نيّة القضاء مع خروج وقتها و إن فرض وقوعها بأجمعها في الوقت، مع أنّه يصدق عليه أنّه أدرك ركعة من الوقت.

(و لو ذكر) المصلّي (بعده أو في أثنائه النقصان) أي نقصان الصلاة (لم يلتفت) بل تصح صلاته على التقديرين:

أمّا مع الفراغ منه؛ فلامتثاله المأمور به، و هو يقتضي الإجزاء، و لا يضرّ ما زاده من الأركان للنّص، و هذا من المواضع التي استثني فيها عدم بطلان الصلاة بزيادة الركن، و لأنّ ذلك لو أثّر على تقدير الحاجة إليه لم يكن له فائدة، إذ مع الغناء عنه لا يجب، و مع الحاجة إليه تبطل الصلاة بما اشتمل عليه من الأركان الزائدة. و الحصر عقلي، فلا فرق بين العلم بالنقيصة و عدمه.

و أمّا مع الذكر في أثنائه؛ فلما مرّ.

و يشكل الحكم فيهما عند وجوب الاحتياطين إذا تذكّر عددا لا يطابق ما ابتدأ به، كما لو تذكّر أنّها ثلاث و قد ابتدأ بالركعتين من قيام لزيادة الركعة من غير أن يجلس عقيب الرابعة قدر التشهّد، و فيما لو وجب عليه احتياط مخيّر فيه بين القيام و القعود ففعله جالسا؛ لاختلال الهيئة.

و يندفع الإشكال بامتثال الأمر المقتضي للاجزاء، و بأنّ الاحتياط لا يراعى فيه محض الجزئيّة كما مرّ، و لا المطابقة المحضة، و إلّا لم يتحقّق ذلك. و إنّما هو قائم شرعا مقام الفائت و إن خالفه، فإنّ المخالفة متحقّقة على كلّ تقدير.

و أشكل الفروض ما لو قدّم الركعتين من جلوس- على القول بجوازه- ثم تذكّر بعدهما أو بعد إحداهما أنّهما اثنتان، فإنّ إكمالها بركعة أخرى قائماً يوجب تغييرا

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 328.

352

فاحشا، مع أنّه لو ذكر بعد ركعة جالسا إن اكتفى منه بأخرى قائماً لزم قيام ركعة من جلوس مقام ركعة من قيام اختيارا، و هو باطل، و إن وجب إكمال ركعتين من جلوس ثم ركعة من قيام لزم جواز الجلوس مع القدرة على القيام، و إن وجب حذفها و إكمال الصلاة بركعتين قائماً لزم عدم تأثير زيادة الأركان من غير دليل.

و من هنا يظهر أنّ الأصحّ وجوب تقديم الركعتين من قيام، كما اختياره المصنّف في الرسالة سابقا (1)، و دلّ عليه النّص، فيرتفع الإشكال. و غاية ما يبقى من الإشكال ما تقدّم من زيادة الركعة بغير جلوس بقدر التشهّد في بعض الصور، و هو غير قادح مع النّص عليه، كما لا يقدح زيادة الركعة مع الجلوس المذكور من غير تشهّد، فعلى هذا يغتفر ما فعله من الزيادة و غيره من الهيئة.

ثم إن كان ما فعله عند الذكر مساويا لما تحقّقه ناقصا أو قائماً مقامه اقتصر عليه، و إن كان زائدا ترك الباقي و تشهّد و سلّم، حتى لو كان بعد ركوع الثانية من الركعتين في حالة القيام فتذكّر الاحتياج إلى واحدة ترك السجود و تحلّل.

(و قيل: لو ذكر في أثنائه) النقصان (2) (أعاد الصلاة) مطلقا؛ لتحقّق زيادة الركن فضلا عن تغيير الهيئة إن اتّفق، و قد تقدّم جوابه. و لا ريب أنّ الاحتياط إعادة الصلاة بعد الفراغ ممّا أمر به منه، لا إبطالها و إعادتها؛ لأنّ ذلك غير جائز عند القائل بالصحة.

(و لو ذكر) في أثنائه (التمام تخيّر بين القطع) له (و الإتمام) لأنّه يصير حينئذ نافلة، كما ورد به النقل، فيجوز له قطعها، و لو ذكره بعد الفراغ كان له ثواب النفل و إن كان منويّا به الفرض كما ورد به النصّ (3).

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 349.

(2) النقصان: وردت في نسخة الألفيّة «ش 3» فقط، أي أنّها من المتن لا الشرح.

(3) التهذيب 2: 194/ 765، الاستبصار 1: 377/ 1430.