المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
353

[البحث الثاني في خصوصيات باقي الصلوات]

(البحث الثاني) (في خصوصيات باقي الصلوات) أي في واجباتها المختصة بها (بالنسبة إلى) الصلاة (اليوميّة).

اعلم أنّ هذه الصلوات تشارك اليوميّة في جميع ما تقدّم من الشرائط و الأركان، إلّا ما يستثني هنا في الخصوصيات، فإنّ في هذه الخصوصيات ما هو زائد على ما تقدّم، ككثير ممّا ذكر للجمعة.

و منها ما هو بدل من بعض ما تقدّم كالوقت، فإنّ أصل الوقت و إن كان مشتركا بينها إلّا أنّ الوقت الشخصيّ مختلف، فما ذكر سابقا من الوقت المعيّن هو وقت اليوميّة، و هنا يذكر أوقات الصلوات الباقية.

و منها ما هو ناقص عمّا تقدّم كالطهارة، و القراءة، و الركوع، و السجود، و التشهّد في الآخر و التسليم بالنسبة إلى الجنازة.

354

[صلاة الجمعة]

(تختصّ الجمعة بأمور عشرة:)

[الأوّل: خروج وقتها المبتدئ من حين زوال الشمس بصيرورة الظلّ مثله]

(الأوّل: خروج وقتها) المبتدئ من حين زوال الشمس (بصيرورة الظلّ) أي ظلّ الشخص بجعل اللام عوضا عن المضاف إليه (مثله) أي مثل الشخص المدلول عليه بالظّل التزاما، فإنّ الظلّ يستدعي جسما كثيفا ذا ظل، أو المدلول عليه باللّام التي هي عوض عنه.

و المراد بالظلّ: هو الحادث بعد الزّوال، لا جميع الظلّ الموجود؛ ليخرج منه الباقي عند الزوال، فإنّه غير داخل في التقدير.

و اعلم أنّ الظلّ على قسمين: مبسوط، و منكوس.

فالمبسوط: هو المأخوذ من المقاييس القائمة على سطح الأفق، و شخصه قطعة من عمود الارتفاع فيما بين مركز العالم و السطح الذي هو عليه.

و المنكوس: هو المأخوذ من المقاييس الموازية للأفق.

و بين الظلّين غاية التقابل، فإنّ الشمس عند طلوعها تحدث للشخص الأوّل ظلّا مستطيلا، و كلّما ارتفعت الشمس أخذ الظلّ في النقصان إلى أن يصل إلى دائرة نصف النّهار، فيكون الظلّ حينئذ في نهاية نقصانه. و الظلّ الثاني بالعكس، فإنّه يكون عند

355

طلوعها في نهاية نقصانه، و عند غاية ارتفاعها في غاية زيادته.

و مراد الفقهاء في إطلاقاتهم كون علامة الزوال زيادة الظلّ، و كون آخر وقت الظهر.

أو الجمعة أو فضيلتهما أو فضيلة الاولى و وقت الثانية و نحو ذلك: بلوغ الظلّ إلى قدر معيّن و هو الظل الأوّل، و الشخص الأوّل دون الثاني فيهما، فتأمل.

و تحديد وقت الجمعة بما ذكر ثابت (في المشهور) بين الأصحاب، و ليس عليه دلالة ظاهرة فضلا عن النّص، و من ثمّ نسبه إلى المشهور، و جزم في الدروس بامتداد وقتها بامتداد وقت الظهر (1)، و رجّحه في البيان (2)، و العمل على المشهور أقوى.

[الثاني: صحّتها بالتلبّس بالصلاة في الوقت و لو بالتكبير قبل خروج وقتها]

(الثاني: صحّتها بالتلبّس) بالصلاة في الوقت (و لو بالتكبير قبله) أي قبل خروج وقتها المذكور في الرّمز السابق.

و مستند هذه الخصوصيّة- كالتي قبلها- غير واضح، و الذي يناسب أصولنا و اختاره المصنّف في غير هذه الرسالة اشتراط إدراك ركعة في الوقت كاليوميّة (3)؛ لعموم: «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت» (4).

و لا فرق في ذلك بين من علم قبل التلبّس بها بالحال و غيره، خلافا للفاضل (رحمه اللّه) حيث فرّق بينهما، فأسقط الصلاة عمّن علم قبل التلبس بقصور الوقت عن الخطبتين و الصلاة تامة، و أوجب إكمالها على من تلبس بها غير عالم بالقصور ثم علم بعده إذا أدرك التكبير في الوقت (5)، و على ما اخترناه فهذه الخصوصيّة ساقطة.

[الثالث: استحباب الجهر فيها]

(الثالث: استحباب الجهر) بالقراءة (فيها) و هو موضع وفاق، بل قيل باستحبابه في

____________

(1) الدروس 1: 188.

(2) البيان: 186.

(3) الذكرى: 235.

(4) التهذيب 2: 38/ 119، الاستبصار 1: 275/ 999.

(5) تذكرة الفقهاء 4: 10 المسألة 376.

356

ظهرها على تقدير مشروعيّتها (1)، و قيل: إن صلّيت جماعة (2). و على هذين القولين فالخصوصيّة ساقطة أيضا، و ذكر المصنّف لها في الخصوصيات يقتضي منعه من الجهر بالظهر مطلقا.

و اعلم أنّ هذه الاستحباب لا ينافي قصر الرسالة على الواجبات، و لا يستلزم تخصيص هذا المندوب على غيره من المندوبات المختصة بهذه الصلاة من غير مخصّص؛ لأنّ مرجح هذا الاستحباب إلى الوجوب، فإنّ الجهر و الإخفات كيفيّتان للقراءة الواجبة لا يمكن تأدّيها بدونهما، و كيفية الواجب لا تكون إلّا واجبة. غاية ما في الباب أنّ القراءة إذا أمكن تأديتها بكلّ واحد منهما، كان كلّ واحد موصوفا بالوجوب التخييريّ، و هو واجب بقول مطلق.

و معني استحباب الجهر كونه أفضل الواجبين على التخيير، و ذلك وارد في كلّ واجب مخيّر إذا كانت أفراده متقاربة في الفضيلة، فإنّ الفرد الرّاجح منها مع كونه أحد أفراد الواجب يطلق عليه الاستحباب بسبب رجحانه، فهو واجب تخييرا مستحبّ عينا، و هو كثير في تضاعيف الفقه، و سيأتي عن قريب في وجوب الجمعة حال الغيبة تخييرا.

[الرابع: تقديم الخطبتين عليها]

(الرابع: تقديم الخطبتين عليها)، بمعنى أنّها تختصّ عن اليومية بالخطبتين المتقدّمتين عليها، بخلاف اليوميّة فإنّها لا خطبة لها فضلا عن تقديمها عليها.

و في العبارة مناقشة دقيقة، فإنّ خصوصيّة هذه الصلاة بالنسبة إلى اليوميّة في ذلك إنّما هو الخطبتان، سواء حكم بتقديمهما أم لا. و العبارة تقتضي بحسب المقام البياني أنّ الخصوصيّة إنّما نشأت من التقديم، كما لا يخفى على من له ذوق سليم. و كأنّ المصنّف (رحمه اللّه) حاول الجمع بين إفادة الخصوصيّة و بيان محلّ الخطبتين، فعبّر بذلك إيثارا للاختصار فتخلّفت البلاغة. و لو لا إسلافه كون الخصوصيّة بالنسبة إلى اليوميّة

____________

(1) قاله الشيخ في الخلاف 1: 632 المسألة 407.

(2) قاله ابن إدريس الحلّي في السرائر 1: 298.

357

لا غير، لصلح التقديم خصوصيّة للجمعة بالنسبة إلى العيد، و وجوب أصل الخطبتين بالنسبة إلى اليوميّة.

لكن هذا المعنى غير مراد؛ لتصريحه بكون الخصوصيّة بالنسبة إلى اليوميّة لا غير.

و يشترط في الخطبتين الطهارة، و القيام، و اشتمال كلّ واحدة منهما على حمد اللّه و الصلاة على النبيّ و آله بلفظهما، و الوعظ بالعربيّة، و قراءة ما تيسّر من القرآن و أقلّه آية، و أحوطه سورة خفيفة، و يزيد في الثانية الاستغفار للمؤمنين و الدعاء لأئمة المسلمين استحبابا، و يجب الفصل بينهما بالجلوس.

[الخامس: الإجزاء عن الظهر]

(الخامس: الإجزاء عن الظهر) و هو موضع وفاق بين المسلمين، فلا يجب الجمع بينهما حيث تجتمع الشرائط، و هل يجوز الاحتياط بالظهر بعدها حال الغيبة عند القائل بشرعيّتها؟ نظر:

من تخيّل فسادها بسبب الخلاف فيها، فالجمع بينهما يوجب يقين البراءة مع مراعاة فعل أفضل الواجبين و هو الجمعة، فيكون كقضاء الصلاة اليوميّة و الإيصاء بها احتياطا، كما أجمع عليه الأصحاب، و نقله عنهم المصنّف في الذكرى (1).

و من الحكم بسقوطها، فلا وجه لنيّة الوجوب، و لا لنيّة الندب؛ لأنّها لا تقع مندوبه، إذ لا يشرع فيها الإعادة، و لا يتحقّق في الظهر أيضا الإعادة المنصوص على استحبابها؛ لأنّ المفعول هو الجمعة، و هي مغايرة للظهر، فلا تكون الظهر الواقعة معادة؛ لعدم سبق فعلها.

[السادس: وجوب الجماعة فيها]

(السادس: وجوب الجماعة فيها) و يتحقّق بنيّة المأمومين الاقتداء بالإمام، فلو أخلّوا بها أو أحدهم بحيث يختلّ العدد المعتبر فيها لم تنعقد، و إن بقي العدد مع الإمام صحّت صلاة المؤتمّ دون المخلّ. و من هنا وجب نيّة الاقتداء فيها على المأموم؛ لتوقّف الواجب

____________

(1) الذكرى: 138.

358

عليها، و هل يجب على الإمام نيّة الإمامة هنا؟ استقربه المصنّف (1) و جماعة (2)؛ لوجوب نيّة العبادة الواجبة و هو أولى.

و إنّما تشترط الجماعة في ابتدائها لا في استدامتها، فلو انفضّوا بعد التحريم أتمّها الإمام منفردا، و كذا لو عرض له مبطل و ليس فيهم صالح للإمامة أتمّها المأمومون منفردين، و على كلّ حال فالخصوصيّة باقية.

[السابع: اشتراطها بالإمام أو من نصبه]

(السابع: اشتراطها بالإمام أو من نصبه) بالنسبة إلى الوجوب العينيّ، أو مع الإمكان كحالة حضوره (عليه السلام)، و هو موضع وفاق.

أما مع غيبته (عليه السلام) كهذا الزمان ففي انعقادها مطلقا، أو مع حضور المنصوب عموما و هو الفقيه الجامع للشرائط، أو تحريمها، أوجه، و ربّما كانت أقوالا:

فالأوّل منها ظاهر الأكثر، حيث اكتفوا بإمكان الاجتماع و الخطبتين، كما يعلم ذلك من عباراتهم، و ممّن صرّح به أبو الصلاح (3)، و حكاه عنه في المختلف (4)، و اختاره المصنّف في الذكرى (5).

و الثاني مختار الشارح المحقق صريحا (6)، و ظاهر المصنّف في الدروس (7)، و بعض الأصحاب (8).

و ذهب إلى الثالث ابن إدريس (9) تبعا للمرتضى في بعض فتاويه (10)، و رجّحه

____________

(1) الذكرى: 234.

(2) منهم العلّامة في نهاية الإحكام 2: 22، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 406.

(3) الكافي في الفقه: 151.

(4) المختلف 2: 250 المسألة 147 صلاة الجمعة.

(5) الذكرى: 231.

(6) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 332.

(7) الدروس 1: 186.

(8) منهم الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 626 المسألة 397 كتاب الصلاة.

(9) السرائر 1: 303.

(10) المسائل الميافارقيات (رسائل الشريف المرتضى) 1: 272.

359

العلّامة في باب الأمر بالمعروف من التحرير (1).

و الوسط عدل و إن كان الأوّل أوضح دليلا، و ظاهر اختيار الرسالة هو الأخير، مع احتمال إرادة الوسط بحمل المنصوب على الأعمّ من الخاصّ، لكن يبقي فيه أنّ الوجوب في حال الغيبة مع المنصوب العامّ و غيره تخييريّ لا عيني كما أجمع عليه الأصحاب، فإرادة ذلك من الرسالة يوجب إجمالا في الفتوى حيث يريد بالواجب المشترط بالإمام أو من نصبه ما يعمّ الوجوب العينيّ و التخييريّ.

و قد يعبّر بعض الأصحاب عن حكمها في حال الغيبة بالاستحباب (2)، و مراده به الاستحباب العينيّ مع كونه أحد الفردين الواجبين على التخيير، بمعنى أنّه أفضل الواجبين، و قد تقدّم مثله في استحباب الجهر بالجمعة عن قريب (3). فعلى هذا يتعيّن فيها نيّة الوجوب، و تجزئ عن الظهر، إذ لا قائل باستحبابها بالمعنى المتعارف.

[الثامن: توقّفها على اجتماع خمسة فصاعدا]

(الثامن: توقّفها على) اجتماع (خمسة فصاعدا أحدهم الإمام) على أشهر القولين، و القول الآخر توقّفها على سبعة؛ استنادا إلى رواية (4) مرجوحة بالنسبة إلى ما دلّ على الخمسة. و توقّفها على العدد إنّما هو في ابتداء الصلاة، بحيث يحصل تحرّمهم بها لا في استدامتها، فلو انفضّوا بعد التحريم أتمّ الباقون، و إن كان الانفضاض قبل إكمال ركعة، حتى لو بقي الإمام وحده أتمّ منفردا كما مرّ (5).

[التاسع: سقوطها عن المرأة]

(التاسع: سقوطها عن المرأة) و في حكمها الخنثى المشكل أمره؛ للشكّ في سبب الوجوب و إن كان الأولى له الحضور.

(و) عن (العبد) سواء في ذلك القنّ و المدبّر و المكاتب بنوعيه و إن أدّى بعض مال

____________

(1) التحرير 1: 158.

(2) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 4: 27 المسألة 389 كتاب الصلاة، و المختلف 2: 253 المسألة 147 كتاب الصلاة.

(3) تقدّم في الصفحة: 356.

(4) التهذيب 3: 245/ 664، استبصار 1: 418/ 1607.

(5) تقدّم في الصفحة: 358.

360

الكتابة، و من انعتق بعضه و إن هاياه السيّد و اتفقت في نوبة الحرية؛ لبقاء الرق المانع، و استصحاب السابق الواقع، خلافا للشيخ هنا (1).

(و) عن (الأعمى) و إن وجد قائدا أو كان قريبا من المسجد.

(و) عن (الهمّ) بكسر إلها: و هو الشيخ الكبير العاجز عن الحضور، أو الذي يمكنه ذلك لكن بمشقّة شديدة لا يتحمّل مثلها عادة.

(و) عن (الأعرج) البالغ عرجه حدّ الإقعاد، أو الموجب لمشقّة في السعي لا يتحمّل مثلها عادة، و في حكمه المقعد، بل أبلغ، و كذا المريض و معلّلة (2) إذا لم يجد غيره ممّن لا جمعة عليه مع كونه محترما، و لو وجد مثله وجبت عليهما كفاية، و مثله المشتغل بتجهيز ميّت.

(و) عن (المسافر) الذي يلزمه التقصير في سفره، فيخرج منه ناوي الإقامة عشرا في أثنائه، و من مضى عليه ثلاثون يوما، و كثير السفر، و العاصي به.

(و) عن (من هو على رأس أزيد من فرسخين) عن موضع إقامتها، إذا لم يمكنه إقامتها عنده، أو في موضع يقصر عن ذلك.

و هذا الحكم- و هو عدم وجوب الجمعة على المذكورين- ثابت (إلّا أن يحضر غير المرأة) موضع إقامة الجمعة، فتجب عليهم حينئذ و يتمّ بهم العدد و تجزئهم عن الظهر كما في غيره من المواضع.

و الحكم فيمن ذكر غير العبد و المسافر موضع وفاق، أمّا هما فقد اختلف في وجوبها عليهما مع حضورهما موضع الجمعة، و الأصحّ أنّها لا تجب على العبد كالمرأة، و أمّا المرأة فالمشهور عدم الوجوب عليها مع الحضور كما ذكر، و ذهب بعض الأصحاب إلى الوجوب عليها كغيرها (3).

و اعلم أنّ المصنّف في الذكرى ادّعى الاتّفاق على صحّتها من غير المرأة

____________

(1) المبسوط 1: 145.

(2) أي الذي يخدم المريض.

(3) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 103، و ابن إدريس في السرائر 1: 293.

361

لو حضر (1). و إنّما الكلام في وجوب الشروع فيها، فحينئذ لو صلّوها أجزأتهم عن الظهر، و في المرأة نظر (2)، و لعلّ الصحّة قويّة.

لكن يبقي في المسألة شيء، و هو أنّ الإجزاء عن الظهر يتوقّف على فعلها بنيّة الوجوب، لعدم إجزاء المندوب عن الواجب، و لأنّ الجمعة لا تقع مندوبة بوجه، و نيّة الوجوب تجب مطابقتها للواقع، و حيث لا وجوب على المرأة و العبد و المسافر- على القول به- كيف تتصور نيّة الوجوب؟! و يمكن دفع الإشكال بأنّ الوجوب حينئذ تخييريّ بين فعل الجمعة و الظهر، و الوجوب المنفيّ هو العينيّ لا التخييريّ كما في فعلها حال الغيبة، و حينئذ فلا فرق في حال الغيبة بين الثلاثة المذكورين و غيرهم؛ لاشتراك الجميع في الوجوب التخييريّ، و إنّما تظهر فائدة الخلاف حالة الحضور.

[العاشر: أن لا يكون جمعتان فصاعدا في أقلّ من فرسخ]

(العاشر: أن لا يكون) أي لا يقع (جمعتان) فصاعدا (في أقلّ من فرسخ) فلو وقعتا كذلك بطلتا إن اقترنتا بالتكبير، سواء كانتا في بلد أم بلدين. و حينئذ فيجب على الجميع إعادة الجمعة جميعا أو متفرّقين بحيث يكون بين الجمعتين فرسخ إن وسع الوقت للتفرّق، و إلّا تعيّن الاجتماع.

و لو تلاحقتا بطلت اللاحقة خاصة، فتصلّي الظهر، هذا إذا كان الإمامان منصوبين أو متبرّعين حيث يسوغ التبرّع.

أمّا لو كان أحدهما منصوبا صحّت جمعته و إن تأخّرت، و إن لم نشترط في إمامها حال الغيبة الاجتهاد فالظاهر أنّ المنصوب- و هو المجتهد- و غيره في ذلك سواء.

و لو لم تتعيّن السابقة، أو تعيّنت ثم نسيت، صلّوا جميعا الظهر و إن كان في وقت الجمعة؛ لانعقاد جمعة صحيحة في الجملة، فلا تشرع الثانية.

و لو اشتبه السبق و الاقتران صلّوا الجمعة مع بقاء الوقت، و إلّا الظهر. و أوجب

____________

(1) الذكرى: 233.

(2) و في المرأة نظر: لم ترد في «ع».

362

العلّامة هنا الجمع بين الجمعة و الظهر؛ لتوقّف يقين البراءة عليها (1)، فإنّ الواقع في نفس الأمر إن كان هو السبق فالفرض هو الظهر، أو الاقتران فالفرض الجمعة، و حيث لا يقين بأحدهما لا تتيقّن البراءة من دونهما، و هو أحوط، إلّا أنّه غير متعيّن؛ لأنّ الجمعة في الذمّة تتعيّن، إذ هي فرض المكلّف، فلا يعدل عنها إلى الظهر إلّا مع يقين حصولها من غير مصلّي الظهر، و هو غير معلوم، و وجوب الفرضين على خلاف الأصل.

و قد تلخّص من هذا البحث و ما قبله أنّ الناس في الجمعة بالنسبة إلى المكان ثلاثة أقسام:

فمن دون الفرسخ يتعيّن عليهم الاجتماع على جمعة واحدة، أو التباعد بفرسخ.

و من يزيد عنه لكن لا يبلغ الفرسخين، فإن أمكنهم إقامة الجمعة عندهم تخيّروا بينه و بين الاجتماع، و إن لم يمكنهم تعيّن الاجتماع.

و من زاد على الفرسخين، فإن أمكن الاجتماع عندهم تخيّروا بينه و بين الحضور، و إلّا سقطت عنهم الجمعة.

ثم إن كان الإمام منصوبا فالواجب على من خرج عنه الحضور إليه، و إن تعدّد المنصوب أو لم يكن منصوبا لم يختصّ وجوب الحضور في ذلك ببلد دون بلد، بل يكون الوجوب حينئذ كفائيا، فمن قام به سقط عن الباقين، و إن تشاحّوا احتمل القرعة، و يأثم الجميع بدون الاتفاق، فلو بادروا إلى الصلاة المتعدّدة مع علم كلّ منهم بصلاة الأخرى فالوجه بطلان الصلاتين و إن تلاحقتا؛ للنهي عن الانفراد بالصلاة عن الأخرى المقتضي للفساد. و على هذا إنّما تصحّ السابقة كما مرّ مع عدم العلم بصلاة الأخرى، و وجه الإجزاء أنّ النهي عن وصف خارج.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 4: 59 المسألة 402 كتاب الصلاة، قواعد الأحكام 1: 286.

363

[صلاة العيد]

(و أمّا) صلاة (العيد) و هو اسم جنس يشمل العيدين المشهورين، و اشتقاق العيد من العود و هو التكرار، سمّي به اليوم المخصوص؛ لتكرّره في كلّ سنة، أو لعود السّرور فيه، أو لكثرة عوائد اللّه تعالى فيه و إفضاله على عباده. و ياؤه منقلبة عن واو، فجمعه على أعياد غير قياسي؛ لأنّ حقّ الجمع ردّ الشيء إلى أصله. و إنّما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفردة، أو للفرق بين جمعه و جمع عود الخشب.

(فتختصّ بثلاثة أشياء:)

[الأوّل: الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال]

(الأوّل: الوقت) و المشهور أنّه (من طلوع الشمس إلى الزوال) و قيل: أوّل وقته أوّل انبساط الشمس (1)، فمتى صلّاها في الوقت أو صلّى منها ركعة كانت أداء، و لو خرج وقتها فاتت و لم تقض كما سيأتي.

[الثاني: خمس تكبيرات بعد القراءة في الركعة الأولى]

(الثاني: خمس تكبيرات بعد القراءة في) الركعة (الأولى) على المشهور، و قيل: قبل القراءة (2)، (و أربع) تكبيرات (في) الركعة (الثانية بعد القراءة أيضا).

____________

(1) قاله الشيخ الطوسي في النهاية: 134، و ابن إدريس في السرائر 1: 320، و ابن حمزة في الوسيلة: 111.

(2) قاله ابن الجنيد كما حكاه عنه العلّامة في المختلف 2: 266 المسألة 154 كتاب الصلاة.

364

و قد اختلف في وجوب هذه التكبيرات على تقدير وجوب الصلاة و استحبابها، و أكثر الأصحاب (1) و منهم المصنّف على الوجوب (2)، و هو الظاهر من الرسالة من حيث إنّها مقصورة على بيان الواجب لا من حيث الخصوصيّة، فإنّها ثابتة على القولين.

(و القنوت) و هو لغة: الخضوع و الطاعة و الدعاء (3)، و المراد به هنا الأخير، أي الدعاء.

(بينها) أي بين التكبيرات.

و لا يختص بلفظ و لا بدعاء خاص و إن كان المنقول أفضل. و المراد بالقنوت بين التكبيرات: القنوت بعد كلّ تكبير و إن كانت العبارة غير وافية بالمراد، فإنّ ظاهرها يقتضي نقص عدد القنوت عن عدد التكبيرات، و الكلام في دلالة العبارة على وجوب القنوت كما تقدّم في التكبير و الخلاف فيهما واحد.

و اعلم أنّ الجهر بالقراءة هنا مستحب أيضا كالجمعة، فكان ينبغي ذكره في الخصوصيات. قال الشارح المحقّق: و كذا ينبغي ذكر الجهر للقنوت فإنّه مستحب هنا، فلا وجه للإخلال بعدّه خصوصيّة (4).

و ليس بجيّد؛ لأنّ المصنّف رحمة اللّه (5) و جماعة يختارون استحباب الجهر بالقنوت مطلقا (6)؛ استنادا إلى صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «القنوت كلّه جهار» (7)، فلا خصوصيّة للعيد حينئذ، فوجب تركه كذلك.

[الثالث: الخطبتان بعدها]

(الثالث: الخطبتان) الكائنتان (بعدها) و تقديمها بدعة عثمانيّة أو مروانيّة.

____________

(1) كالسيّد المرتضى في الانتصار: 56، و أبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 153، و ابن إدريس في السرائر 1: 317، و ابن زهرة في الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 499.

(2) الذكرى: 241.

(3) النهاية في غريب الحديث و الأثر 4: 111، القاموس المحيط 1: 161، تاج العروس 3: 110 «قنت».

(4) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 335.

(5) الذكرى: 184.

(6) منهم العلّامة في المختلف 2: 199. المسألة 112 كتاب الصلاة، و منتهى المطلب 1: 300.

(7) الفقيه 1: 209/ 944.

365

و ذكرهما في الخصوصيّات يشعر بإيجابه لهما كما مرّ، و القول به نادر، و لم يرتضه المصنّف في شيء من كتبه (1)، بل ادّعى المحقّق في المعتبر الإجماع على استحبابهما (2)، و لكنه مذهب العلّامة (3)، و جعله المصنّف في الذكرى أحوط (4)، و قد أجمع على عدم وجوب استماعهما و عدم كونهما شرطا في صحّة الصلاة بخلاف الجمعة.

و يجب فيهما ما يجب في خطبة الجمعة من الحمد و الصلاة و الوعظ و القراءة، و يزيد فيهما ذكر شرائط الفطرة و قدرها و وقتها، و المكلّف بها في عيد الفطر، و ما يتعلّق بالأضحية من الشرائط و الأحكام في الأضحى.

(و تجب) صلاة العيد (على من تجب عليه الجمعة) عينا (و من لا) تجب عليه صلاة الجمعة عينا (فلا).

و الجار في قوله (بشروطها) متعلّق بما تعلّق به السابق و هو الفعل، أي يجب العيد بالشروط المعتبرة في الجمعة. فيدخل في ذلك اشتراط الجماعة، و العدد، و حضور الإمام أو من نصبه، و الوحدة في الفراسخ. و قد اختلف في هذا الأخير هنا، و اعتباره أولى. هذا مع اجتماع شرائط الوجوب، و إلّا لم يشترط الوحدة.

و تفارق العيد الجمعة في استحباب فعلها فرادى لذوي الأعذار المانعة من حضورها جماعة، و استحبابها حال الغيبة جماعة و فرادى، و ليس على المصنّف ذكر ذلك؛ إذ ليس من مقاصد الرسالة.

و اعلم أنّ الأصحاب مع اختلافهم في شرعيّة صلاة الجمعة حال الغيبة، و حكم الأكثر بوجوبها تخييرا (5)، لم يتعرّضوا لوجوب صلاة العيد مع اجتماع الشرائط كذلك و إن فعلها الفقهاء، بل ظاهرهم أنّها مستحبّة و إن وجبت الجمعة.

____________

(1) الدروس 1: 193، البيان: 202.

(2) المعتبر 2: 324.

(3) تذكرة الفقهاء 4: 136 المسألة 447 كتاب الصلاة، منتهى المطلب 1: 345، و نهاية الإحكام 2: 61.

(4) الذكرى: 240.

(5) كأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 151، و ابن فهد في المهذّب البارع 1: 413، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 378- 379.

366

و لعلّ الوجه في ذلك أنّ الوجوب العينيّ منتف فيهما إجماعا، و التخييريّ الثابت في الجمعة لا يأتي في العيد، إذ ليس هناك فرد يقوم مقامها ليكون أحد الواجبين على التخيير، فلم يبق إلّا القول بالاستحباب؛ لأنّ إيجابها حينئذ يستلزم كونه عينا، و الحكم به يستلزم أولوية الجمعة بذلك؛ لقوة الأوامر المطلقة و العامّة بها في الكتاب و السنّة، و إجماع المسلمين على وجوبها في الجملة.

بخلاف العيد، فقد ذهب بعض الجمهور إلى أنّها سنّة (1)، و بعضهم إلى أنّها واجب كفائيّ (2)، و بعضهم إلى أنّها عينيّ (3).

____________

(1) انظر المجموع 5: 2، مغني المحتاج 1: 310.

(2) انظر المجموع 5: 2، المغني 2: 223- 224، الشرح الكبير المطبوع بهامش المغني 2: 223.

(3) انظر المبسوط للسرخسي 2: 37، شرح فتح القدير 2: 39، الهداية للمرغيناني 1: 85.

367

[صلوات الآيات]

(و أمّا) صلوات (الآيات) جمع آية: و هي العلامة، و سمّيت بذلك لأنّها علامات على أحوال الساعة و زلازلها و تكوير الشمس و القمر، و هو السّر في الصلاة و الدعاء و الانقطاع إلى اللّه تعالى في المساجد، لتذكّر القيامة عند مشاهدتها بالتوبة و الإنابة، و الفزع إلى بيوت اللّه تعالى. و اللام فيها إمّا للعهد الخارجيّ و هو المتقدّم في صدر الرسالة، أو الذهنيّ و هو المعهود شرعا.

و قوله (فهي) أي الآيات التي قد أقامها مقام المضاف، و هو الصلاة. و المراد أنّ

الآيات التي تجب لها الصلاة

هي:

[الكسوفان]

(الكسوفان) أي كسوف الشمس و القمر، يقال: كسف الشمس و كسف القمر.

و تثنيتهما حينئذ بهذه اللفظة على وجه الحقيقة، و الأغلب في اللغة أن يقال: كسف الشمس و خسف القمر، (1) و جمعهما على هذا الوجه باسم أحدهما- و هو الكسوف- تغليبي لا حقيقيّ، كالظهرين و الجمعتين، و قد يقال: خسفت الشمس أيضا. و حينئذ فيجوز إطلاق الخسوفين عليهما حقيقة، إما تغليبا فجائز كما مرّ تساويهما خفّة. و اللام

____________

(1) الصحاح 4: 1421، القاموس المحيط 3: 196 «كسف».

368

في الكسوفين للعهد الذهنيّ المشهور، و احترز بهما عن كسف الكواكب بعضها لبعض، فإنّه لا يوجب الصلاة؛ لعدم كونه من الأخاويف، إذ لا يطّلع عليه أكثر الناس.

و أما انكساف الشمس ببعض الكواكب كالزهرة و عطارد، ففي إيجاب الصلاة قولان، و قد مال المصنّف في الذكرى إلى الوجوب (1)، و قوّى العلّامة عدمه (2)، و العبارة تحتمل المذهبين بحمل اللام على الجنس أو الاستغراق أو العهد الذهنيّ، فإنّ المعهود و المتعارف الظاهر هو انكساف الشمس بالقمر، و القمر بحيلولة الأرض بينه و بين جرم الشمس، و من ثمّ كان انكساف القمر ليلة الرابع عشر، و الشمس يوم التاسع و العشرين من الشهر.

و أما كسف الزهرة و عطارد للشمس فغير بيّن للأكثر، و لا مخوف للعامة و المعظم.

[الزلزلة]

(و الزلزلة) و هي مصدر زلزل اللّه الأرض زلزلة و زلزالا: أي حرّكها، و هي الرجفة.

و اللام فيها للعهد، فلا يكفي مطلق الحركة.

[كلّ ريح مظلمة]

(و كلّ ريح مظلمة) في حال كونها (سوداء أو صفراء مخوّفة) و مقتضى العبارة انحصار الوجوب في الريح الجامعة للوصفين، فلا يجب للريح المنفكّة عنهما أو عن إحداهما و إن أخافت، و لا المظلمة، المنفكّة عن الريح.

و الذي اختاره المصنّف في الذكرى (3) و البيان (4)- و هو أصحّ الأقوال في المسألة- وجوب الصلاة لكلّ آية مخوفة، فيدخل فيه الريح المنفردة عن الوصفين، و الظلمة المنفردة عن اللونين، و الرعدة العظيمة، و غيرها إذا حصل الخوف منها لأكثر الناس، و يدلّ عليه صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): «كلّ أخاويف

____________

(1) الذكرى: 247.

(2) تذكرة الفقهاء 4: 195 المسألة 498 كتاب الصلاة، نهاية الإحكام 2: 76.

(3) الذكرى: 244.

(4) البيان: 206.

369

السماء من ظلمة أو ريح فصلّ له صلاة الكسوف» (1) و الأمر للوجوب.

و اعلم أنّ وصف هذه الأخاويف بكونها سماويّة على طريق المجاز من باب إطلاق اسم الأقلّ على الأكثر، إذ ليس منه سماويّ معروف سوى الكسوفين على مذهب المصنّف هنا، و على القول الآخر قد يتفق في غيرهما.

و يمكن أن يريد بالسماء العلو مطلقا، فيدخل فيه الظلمة و الصاعقة و الريح المذكورة، و تبقى الرجفة ملحقة بها على وجه التبعيّة، و كيف كان فالمجاز باق.

[تختص هذه الصلاة بأمور أربعة]

(و تختص) هذه الصلاة (بأمور أربعة):

[الأوّل: تعدّد الركوع في الركعة الواحدة]

(الأوّل: تعدّد الركوع) في الركعة الواحدة، (ففي كلّ ركعة خمسة) ركوعات، و ما ذكره مبنيّ على المشهور من عدم تعدّد الركعات بتعدّد الركوع. و من هنا يبني الشاكّ فيها على الأقلّ، و ينبه عليه اختصاص (سمع اللّه لمن حمده) بالخامس و العاشر، و لا ينافي ذلك القنوت على كلّ مزدوج؛ لعدم انحصار القنوت شرعا في الركعة الثانية و إن كان ذلك هو الأغلب.

[الثاني: تعدّد الحمد في الركعة الواحدة إذا أتمّ السورة]

(الثاني: تعدّد الحمد في الركعة الواحدة إذا أتمّ السورة) أمّا إذا لم يتمّها فهو مخيّر بين ثلاثة أشياء- كما اختاره المصنّف في الذكرى (2) و غيره (3)-: القراءة من حيث قطع، و من أي موضع شاء من السورة و منه الرجوع إلى أوّلها، و الانتقال إلى غيرها.

و يجب إعادة الحمد في الموضعين الأخيرين على أجود القولين، و حينئذ فحكم المصنّف هنا بتعدّد الحمد عند إتمام السورة: إمّا بناء على القول الآخر و هو عدم تعدّد الحمد في هذه المواضع، أو محمول على الوجوب العينيّ بمعنى أنّه مع إكمال السورة يتعيّن عليه قراءة الحمد ليس ثمّ غيره. أمّا إذا لم يتمّها فهو مخيّر إن شاء فعل ما يوجب إعادة الحمد، و إن شاء فعل ما لا يوجبها، فليست قراءة الحمد حينئذ متعيّنة.

____________

(1) الكافي 3: 464/ 3، الفقيه 1: 346/ 1529، التهذيب 3: 155/ 330.

(2) الذكرى: 245.

(3) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 4: 171 المسألة 472 كتاب الصلاة و نهاية الإحكام 2: 73، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 465.

370

[الثالث: جواز تبعيض السورة]

(الثالث: جواز تبعيض السورة) في القيام المتخلّل بين الركوعات و قبلها (و في) القيام (الخامس و العاشر يتمّها) لأنّها آخر الركعة. و لا يجوز أن يقصر في الركعة الواحدة عن السورة الواحدة، و إنّما يجب إتمامها في الحالين إذا لم يكن قد أتمّ سورة قبل ذلك في تلك الركعة. أما لو أتمّ سورة في الركعة ثمّ بعّض في باقي القيام لم يجب عليه إكمال ما شرع فيه؛ لحصول الغرض و هو قراءة سورة في الركعة.

و في بعض النسخ بعد قوله: (يتمّها): (لو لم يكن أتمّ السورة قبله) و هو قيد حسن لما ذكرناه.

[الرابع: البناء على الأقل لو شك في عدد ركوعاتها]

(الرابع: البناء على الأقل لو شك في عدد ركوعاتها) إذا لم يتضمّن ذلك الشكّ في الركعتين، كما لو شكّ بين الخامس و السادس جازما بأنّه إن كان في الخامس فهو في الركعة الأولى، أو في السادس فهو في الثانية، فإنّ ذلك مبطل للصلاة؛ لأنّه شكّ في عدد الثنائيّة. و قد اشتهر هذا التقييد في هذا المحل، ذكره المصنّف في الذكرى (1)، فهو كالمستغني عنه، فإنّه خارج عن محلّ الفرض. كما أنّ البناء في الركوعات على الأقلّ يكاد يخرج عن الخصوصيّات لهذه الصلاة، فإنّ مرجعه إلى الشكّ في فعل من أفعال الصلاة في محلّه، فإنّه يأتي به لأصالة عدم فعله، و هذا حكم آت في جميع الصلوات.

و اعلم أنّ الكلام في استحباب الجهر بالقراءة هنا كما تقدّم، فإنّه من خصوصيّاتها أيضا بالنسبة إلى اليوميّة، فكان ينبغي ذكره كما ذكره في الجمعة.

و لا فرق في ذلك بين الكسوف و الخسوف و غيرهما على أصح القولين، و لو جعل هذه الخصوصيّة بدل السابقة إن لم يجمع بينهما كان أولى.

(و وقتها) أي وقت هذه الصلوات (حصولها) أي حصول الآيات المذكورة على طريق الاستخدام، و المراد به زمن حصولها. و فيه إشارة إلى أنّ وقت الكسوفين يمتدّ من ابتداء الكسوف إلى تمام الانجلاء، و أنّ وقت غيرهما من الآيات غير الزلزلة هو زمن وقوعها، فلو قصر عن قدر الصلاة مع شرائطها المفقودة تلك الحال لم يجب.

____________

(1) الذكرى: 225.

371

أمّا الزلزلة فإنّها لا تتقيّد بذلك إجماعا، بل وقتها العمر و إن وجبت المبادرة بها على الفور، و ما دلّت عليه العبارة هو أحد القولين في المسألة. و أصحّهما- و هو مختاره في الدروس (1)- عدم اشتراط كون زمان غير الكسوفين من الآيات بقدر الصلاة، بل وقتها العمر، و إنّما يتضيّق عند ظنّ الوفاة. نعم أوجب المصنّف (رحمه اللّه) الفوريّة بها و إن لم يخرج بالإخلال بها عن وقت الأداء (2)، و هو أولى.

و كيف كان فعبارة الرسالة قاصرة الدلالة عن أحد القولين، فإنّه إن أراد أنّ زمان حصولها هو مجموع الوقت، فلا بدّ من إخراج الزلزلة من ذلك إن لم يخرج غيرها.

و إن أراد أنّ ذلك هو أوّل الوقت من غير تعرّض لآخره؛ لتدخل الزلزلة و تلك الأخاويف على مذهبه الذي حكيناه عنه، لم يكن فيها ما يدلّ على الآخر مع اختلافه بالنسبة إلى الكسوفين و غيرهما في الآيات.

____________

(1) الدروس 1: 195.

(2) الذكرى: 244.

372

[صلاة الطواف]

(و أمّا) صلاة (الطواف فتختصّ بأمرين):

[الأوّل: فعلها في المقام]

(الأوّل: فعلها في المقام) بفتح الميم: اسم للمكان المخصوص، و هو موضع قيام إبراهيم (عليه السلام) في وقت بنائه البيت، و هو صخرة معهودة كان يصعد عليها وقت البناء.

و جعل هذه الصخرة ظرفا مكانيّا للصلاة على وجه المجاز تسمية لما حولها باسمها؛ لعدم إمكان الصلاة فيها و لا عليها. و قد قال المصنّف (رحمه اللّه) في بعض تحقيقاته: إنّ معظم الأخبار (1) و كلام الأصحاب (2) ليس فيها الصلاة في المقام، بل خلفه أو إلى أحد جانبيه؛ للقطع بأنّ الصخرة المعيّنة لا يمكن الصلاة عليها، و نسب من عبّر بذلك إلى التجوّز و شاركهم فيه بأبلغ وجه (3)، فإنّهم لم يجمعوا في عباراتهم بين الصلاة فيه أو حوله، بل اقتصروا على الأوّل مريدين الثاني.

و أما المصنّف فقد قال: (فعلها في المقام أو وراءه أو إلى أحد جانبيه) فقد صرّح بأنّه يريد ب(المقام) أمرا آخر غير ما حوله من الجهات الثلاث، و لعله يريد به ما هو داخل

____________

(1) الكافي 4: 433/ 4، التهذيب 5: 137/ 453.

(2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 360، و النهاية: 242، و سلّار في المراسم: 110.

(3) الدروس 1: 397.

373

القبة المبنيّة حول الصخرة المشهورة الآن بالمقام، و يريد ب (وراءه أو أحد جانبيه) ما خرج عنها ممّا قاربها.

و لا خلاف في عدم جواز التقدّم عليه، كما لا يجوز التباعد عن مجاورته في إحدى الجهات الثلاث عرفا (إلّا لضرورة) كزحام و نحوه، فيجوز التباعد عن ذلك متحرّيا للقرب منه بحسب الإمكان.

[الثاني: جعلها بعد الطواف قبل السعي إن وجب]

(الثاني: جعلها بعد الطواف) و إن لم يبادر بهما على الفور، بل هو مستحبّ، و (قبل السعي إن وجب) السعي، و ذلك في طواف الحج و العمرة، فيجب توسّط الصلاة فيهما بين الطواف و السعي.

و احترز بالقيد عن طواف النساء إذ لا سعي بعده، و عمّا لو نسي الصلاة حيث يجب السعي حتى فرغ منه فإنّه يصلّيها بعده، إذ لم يبق عليه حينئذ سعي واجب.

374

[صلاة الجنائز]

(و أمّا) صلاة (الجنازة) بكسر الجيم و فتحها، و هي اسم للميّت، و قد يخصّ الفتح بالميّت و الكسر بالسرير. و قيل: هما لغتان، و في الصحاح جعلها مع الكسر اسما للميّت على السرير و جعل الفتح من كلام العامّة، و إذا لم يكن الميّت عليه فهو سرير و نعش (1)، (فتختصّ بثلاثة) أشياء:

[الأوّل: وجوب تكبيرات أربع غير تكبيرة الإحرام]

(الأوّل: وجوب تكبيرات أربع غير تكبيرة الإحرام) فتكون التكبيرات بها خمسا، هذا في غير المخالف، و فيه يقتصر على معتقده و هو أربع تكبيرات، كما يغسّل غسله.

و هذه التكبيرات أركان الصلاة، و كذا القيام فيها، بل هو أظهرها، فتبطل الصلاة بترك أحدهما و لو سهوا، فتكون أركانها سبعة؛ بناء على ركنيّة النيّة، و إلّا فستة.

و لو شكّ في عدد التكبير بنى على الأقلّ؛ لرجوعه إلى الشّك في الفعل قبل تجاوز محلّه، و الدعاء تابع للتكبيرات في ذلك.

[الثاني: الشهادتان]

(الثاني: الشهادتان) المعهودتان شرعا، و هي الشهادة للّه تعالى بالوحدانية، و للنّبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالرسالة، (عقيب) التكبيرة (الاولى) و هي تكبيرة الإحرام (و الصلاة على النبيّ و آله عقيب) التكبيرة (الثانية، و الدعاء للمؤمنين عقيب) التكبيرة

____________

(1) الصحاح 3: 870 «جنز».

375

(الثالثة) (و) الدعاء (للميّت عقيب) التكبيرة (الرابعة) إن كان مؤمنا، و أن يجعله فرطا و ذخرا لأبويه إن كان طفلا للمؤمنين، و لو كان أحدهما خاصّة مؤمنا خصّه بذلك.

و لو انتفى عنهما معا، كالمسبّي إذا قلنا بتبعيّته في الإسلام، لم يصحّ الدعاء لأبويه بذلك.

و لو كان منافقا- أي مخالفا للحق- دعا عليه، ثم إن كان ناصبا فينبغي أن يدعو عليه بما قاله الحسين (عليه السلام) في صلاته: «اللهم العن عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم أخز عبدك في عبادك و بلادك و أصله حرّ نارك، و أذقه أشد عذابك، فإنّه كان يوالي أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك» (1).

و إن لم يكن ناصبا قال ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «إن كان جاحدا للحقّ فقل: اللهم املأ جوفه نارا و قبره نارا، و سلّط عليه الحيّات و العقارب» (2). و لو دعا به أيضا على الناصب تأدّت الوظيفة؛ لدخوله في الجاحد للحقّ. و هل الدعاء على هذا القسم واجب؟ قال المصنّف: الظاهر لا؛ لأنّ التكبير.

عليه أربع كمعتقده، و بالرابعة يخرجه من الصلاة. و يمكن القول بالوجوب و إن جعلنا التكبيرات أربعا عملا بظاهر الأمر، و التأسي.

و لو كان مستضعفا- و هو الذي لا يعرف الحقّ و لا يعاند فيه، و لا يوالي أحدا من الأئمة و لا من غيرهم- دعا بدعائه المروي عن الباقر (عليه السلام): «إن كان واقفا مستضعفا فكبّر و قل: اللهم اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم» (3).

و ليس من قسم المستضعف من يعتقد الحقّ و لا يعرف دليله التفصيلي، فإنّ ذلك من جملة المؤمنين، و لعدم كونه منافقا كما دلّ عليه الحديث (4).

و لو كان مجهول الحال، بأن لا يعرف مذهبه و لا بلده على وجه تدل القرائن على

____________

(1) الكافي 3: 189/ 3، الفقيه 1: 105/ 490، التهذيب 3: 197/ 453.

(2) الكافي 3: 189/ 5.

(3) الكافي 3: 187/ 2، التهذيب 3: 196/ 450.

(4) الكافي 3: 187/ 3، الفقيه 1: 105/ 489.

376

إيمانه، كالبلدة التي لا يعرف فيها مخالف و نحوه، دعا له بدعاء المجهول، و هو ما رواه أبو المقدام قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول على جنازة رجل من جيرته: «اللهم إنّك خلقت هذه النفوس و أنت تميتها و أنت تحييها، و أنت أعلم بسرائرها و علانيتها منّا و مستقرها و مستودعها، اللهم و هذا عبدك و لا أعلم منه شرا و أنت أعلم به، و قد جئناك شافعين له بعد موته، فإن كان مستوجبا فشفّعنا فيه و احشره مع من كان يتوالاه» (1).

و عن الصادق (عليه السلام) في الدعاء له: «اللهم إن كان يحب الخير و أهله فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه» (2).

و اعلم أنّ هذه الدعوات و نحوها من المنصوص هو الأفضل، لكنّه غير متعيّن، و إنّما يتعيّن في هذه الصلاة لفظ الشهادتين و الصلاة المعهودة.

و يجب أن يأتي لكلّ ميّت بما هو وظيفته من التذكير و التأنيث، و الإفراد و الجمع عند الصلاة على جماعة، فيقول في الدعاء: اللهم هذا عبدك، و هؤلاء عبيدك إلى آخره، و للأنثى: اللهم إن هذه أمتك. إلى آخره، و يتخيّر في الخنثى.

[الثالث: لا ركوع فيها و لا سجود و لا تشهّد و لا تسليم]

(الثالث: لا ركوع فيها و لا سجود و لا تشهّد) آخرها (و لا تسليم) بمعنى أنّه لا يشرع فيها شيء من ذلك. و كذا لا قراءة فيها واجبة و لا مندوبة عندنا.

(و لا يشترط (3) فيها الطهارة) من الحدث الأصغر و الأكبر إجماعا، و لا من الخبث على أصح القولين، و يمكن شمول العبارة لهما؛ حملا للطهارة على المعنى اللغويّ، أو على الشرعي مع استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه.

و قد علم من العبارة أنّه يجب فيها الاستقبال، و إباحة المكان، و ستر العورة، و النيّة، و القيام، و التكبير بل هو الركن الأعظم.

و يجب فيها أيضا الاستقبال بالميّت بحيث يكون بين يدي المصلّي إلى جهة القبلة، و رأسه عن يمينه، و رجلاه عن يساره، مستلقيا، إلّا في المأموم مع استطالة الصف.

____________

(1) الكافي 3: 188/ 6، التهذيب 3: 196/ 451.

(2) الكافي 3: 187/ 3، الفقيه 1: 106/ 491.

(3) في نسختي الألفيّة «ش 1» و «ش 2»: و لا يعتبر.

377

و قربه منه عرفا، إلّا مع اتصال الصفوف بالنسبة إلى المأموم.

و تقديم غسله و تكفينه عليها، بمعنى كونهما شرطا في صحّتها مع الإمكان و كان ينبغي التنبيه على ذلك خصوصا التكفين، و إدراج حكمه كما هي عادته في الرسالة، كما أدرج تغسيله في باب إزالة النجاسة بنوع من اللطف و إن لم يكن من مقدّمات الصلاة اليوميّة، لكنه مقدّمة للصلاة واجبة في الجملة، و هو غرض مقصود للرسالة.

378

[صلاة الملتزم]

(و أمّا الملتزم) من الصلوات (فبحسب) السبب (الملزم) فليس له خصوصيّة زائدة على غيره من الصلوات، فإن كان سببه النذر و شبهه فشرائطه و واجباته كاليوميّة مع الإطلاق، و مع تعيين بعض الهيئات المشروعة كالصلاة جالسا أو بغير سورة، أو إلى غير القبلة ماشيا أو راكبا، يتبع شرطه.

و لو كان سببه الفوات الموجب للقضاء أو التحمّل، فشرائطه أيضا شرائط اليوميّة.

و إن كان السبب الملزم هو الشكّ الموجب للاحتياط، فقد تقدّم حكمه، و قد علم من ذلك أنّ الملتزم ليس له ضابط يرجع إليه مطلقا و لو كان سببه النذر.

(فمهما نذره) الناذر (من الهيئات المشروعة) أي الثابتة شرعا من صلاة ركعة أو ركعتين أو أربع و نحو ذلك من العدد، أو قائماً أو قاعدا، أو نحو ذلك من الهيئات (انعقد) النذر (و وجب الوفاء به) أي بالمنذور المضمر في (نذره).

و احترز بالشرعيّة عمّا لو نذر صلاة بغير ركوع أو سجود، أو ثلاث ركعات بتشهّد واحد، أو أربعا كذلك، أو خمسا بتسليمة، و نحو ذلك، فإنّ النذر لا ينعقد. بخلاف ما لو أطلق نذر الثلاث و الخمس، فإنّه يصح و يصلّيها على هيئة شرعيّة كاثنتين اثنتين و واحدة و ثلاثة و اثنتين.

و اعلم أنّ في انتظام حكم العبارة خفاء، فإنّه إن أراد بالهيئة المشروعية التي ينعقد

379

نذرها ما هي مشروعة في الجملة و لو على بعض الوجوه؛ ليدخل فيه نذر الصلاة قائماً و قاعدا، و سورة بعد الحمد و بدونها، صحّ الحكم فيما ذكر، لكن يشكل الحكم فيما لو نذر هيئة مشروعة في غير وقتها، كالعيد و الكسوف و الاستسقاء عند عدم أسبابها المقتضية لشرعيّتها، فإنّ المشهور و المفتي به للمصنّف في غير هذه الرسالة عدم صحّة نذره كذلك (1) و إن كان في المسألة خلاف حيث يمكن إدراجه فيها.

و يدخل أيضا في العبارة نذر الصلاة إلى غير القبلة بغير قيدي المشي و الركوب، و الصلاة مضطجعا و مستلقيا اختيارا؛ لصحّتها في الجملة، و امتناع انصراف النذر إلى ذلك عند المصنّف و إن كان فيه خلاف أيضا بحيث يمكن إرادته.

و إن أراد المشروعيّة في حالة الاختيار؛ ليخرج أمثال ذلك و يدخل فيه جميع ما تقدّم، أشكل نذره ثلاث ركعات بتسليمة واحدة منفردة، فإنّهما و إن شرّعا اختيارا إلّا أنّهما لم يشرعا مطلقا، بل من جهة كونهما مغربا و وترا، و الحال أنّه لم يقيّد بهما.

و قد يندفع ذلك بأنّ الهيئتين مشروعتان في حالة الاختيار بقول مطلق، و قد يعتدّ بهما الشارع في الجملة فينعقد ما هو على هيئتها، كما اختاره المصنّف في الذكرى (2).

و فيه أنّ الهيئة المقدّرة بزمان و سبب كالعيد و الكسوف، متعبّد بهما كذلك، و لزم أن ينعقد نذرهما في غير وقتهما، و يمكن التزام صحة ذلك عند المصنّف، و تنتظم معه العبارة.

و الأولى حملها على ما هو أعمّ من ذلك، بأن يراد بالمشروعيّة ما يعتدّ بها الشارع بحسب حال الناذر حالة النذر؛ ليدخل فيه ما لا يصحّ من الهيئات اختيارا، لكن يصحّ في حالة اضطرار يتّصف بها الناذر، فإنّ نذرها ينعقد أيضا.

إذا تقرّر ذلك، فمتى نذر هيئة مشروعة و لم يعيّن للمنذور وقتا، كان وقته العمر، فلا تتضيّق إلّا بظنّ ضيق وقت العمر إلّا عن فعله.

(و لو عيّن زمانا) للمنذور كهذه الجمعة مثلا، (فأخلّ به) أي بالمنذور (فيه) أي في

____________

(1) الذكرى: 248، البيان: 213.

(2) الذكرى: 248.

380

الزمان المعيّن (عمدا) أي متعمّدا (قضى) المنذور (و كفّر) للإخلال بصفة النذر. و مثله في وجوب الكفارة لو ظنّ الوفاة في النذر المطلق في زمان مضيّق بالمنذور، و أخلّ به، ثم صدق ظنّه. و لو أخلّ به نسيانا قضى خاصة، و الجاهل عامد.

و في بعض النسخ (فأخلّ به عمدا) بغير لفظة (فيه) و هو سديد أيضا؛ لأنّ الإخلال بالمنذور في الزمان المعيّن لا يتحقّق إلّا بفوات زمانه.

(و يدخل في شبه النذر العهد و اليمين) لمشاركتهما للنذر في كونهما شيئين عارضين بغير أصل الشرع.

(و صلاة الاحتياط) لوجوبها أيضا بسبب أجنبيّ من قبل المكلّف، و هو طروء الشكّ بسبب تقصيره في التحفّظ غالبا، فهو شبه النذر في كونه بسبب من المكلّف كذلك.

(و المتحمّل) بالبناء للمفعول، أي الصلاة المتحمّلة (عن الأب) فإنّها أيضا من أقسام الملتزم؛ لعدم وجوبها على الولد بأصل الشرع، بل بسبب عارض و هو موت الأب بعد فوات الصلاة له، على الوجه الذي اقتضى تحمّلها عنه. و هذا الفرد بعيد عن أقسام الملتزم؛ لأنّ موت الأب و غيره من أجزاء السبب، لا اختيار للملتزم فيه، كأنّه واجب عليه بسبب من اللّه تعالى كغيره من الصلوات الواجبة بسبب من الأسباب كالكسوف و الزلزلة.

(و المستأجر عليه) من الصلوات فإنّه يشبه النذر من حيث وجوبه على المكلّف بسبب من قبله كالنذر، و هو أظهر أفراد المشبّه بالنذر بعد أخويه.

381

[صلاة القضاء]

(و القضاء فإنّه) و إن كان مماثلا للمقتضي في الكميّة و الكيفيّة الاختياريّة (ليس عين المقضيّ) لأنّه قد فات بفوات وقته، فلا يمكن إيجاده في وقته حينئذ، (و إنّما هو) أي القضاء (فعل مثله) لا عينه و إن ماثله في الكميّة و الكيفيّة، و سببه فوات الأداء المستند غالبا إلى سبب من المكلّف و بواسطة كالترك و النوم و ما شاكله.

و على هذا فتقسيم اليوميّة إلى الأداء و القضاء على وجه المجاز، و على المشهور فالقضاء قسم من أقسام اليوميّة، و هو أوضح، و لكلّ واحد منهما وجه.

و اعلم أنّ نظم العبارة غير جيّد؛ لأنّه أدخل أوّلا في شبه النذر العهد و اليمين، فجعل المشابهة من الأسباب الموجبة للصلاة و هي النذر و أخواه، ثم عطف عليها نفس الصلوات الواجبة بأسباب اخرى مشابهة للنذر فقال: (صلاة الاحتياط. إلى آخره).

و كان الأنسب في الجميع التمثيل بنفس الأسباب، و هو الشكّ الموجب للاحتياط و التحمّل و الاستئجار و نحو ذلك، أو جعل المجموع هو الصلوات المسببة عن هذه العوارض.

و يمكن أن يريد المصنّف من هذه العبارة هذا القسم بأن يقدّر للنذر و أخويه مضافا؛ ليصير التقدير: و يدخل في شبه صلاة النذر صلاة العهد و اليمين و صلاة الاحتياط.

إلى آخره. لكن هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر أنّه تفسير لما سبق في صدر الرسالة من

382

قوله: (و الملتزم بنذر و شبهه) فإنّ المشبّه به هناك نفس النذر ليس إلّا، و المشبّه الأسباب اللاحقة به كالعهد و اليمين، فيكون الأمر هنا كذلك و يحصل الاختلاف.

و لمّا ذكر القضاء استدرك جملة من أحكامه، كما هي عادته في إدراج أحكام الصلاة بنوع من اللطف، فقال (و يجب فيه) أي في القضاء (مراعاة الترتيب كما فات) بأن يبدأ بقضاء ما فات أوّلا فأوّلا، حتى لو فاته العشاء من يوم ثمّ المغرب من يوم آخر، و هكذا إلى آخر الخمس، قضاها معكوسة كذلك وجوبا على المشهور، بل كاد يكون إجماعا، و ينبّه عليه الخبر المشهور من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فليقضها كما فاتته» (1).

و نقل المصنّف في الذكرى عن بعض الأصحاب عدم الوجوب (2)، و له وجه إن لم يثبت الإجماع، و دلالة الخبر بعيدة.

(و) كذا يجب فيه (مراعاة العدد تماما و قصرا) فيقتضي ما فات سفرا قصرا و ما فات حضرا تماما، و هو موضع وفاق، و دلالة الخبر عليه واضحة.

و إنّما يجب عليه في القضاء مراعاة الهيئة المذكورة، و هي التمام و القصر (لا مراعاة) مطلق (الهيئة) فإنّه لا يجب مراعاة الهيئة الاضطراريّة (كهيئة الخوف) من الصلاة على ظهر الدابة و ماشيا بالإيماء. فإذا فاتته صلاة على تلك الحالة و أراد قضاءها آمنا قضاها تامة الأفعال (و إن وجب) عليه (قصر العدد) فإنّ الخوف من أسباب القصر كالسفر.

و هذا استطراد منه لذكر شيء من أحكام صلاة الخوف عند ذكره على عادته السابقة، و من جملتها قصر رباعيته و إن عرض الخوف حضرا. و لا فرق في الخوف الموجب لقصر الكميّة و تغيير الكيفيّة بين كون سببه العدوّ، أو اللصّ، أو السبع، أو غيرها من أسبابه.

و يجب على الخائف مع إتمام الأفعال في الركعتين بحسب الممكن (إلّا أنّه لو عجز عن استيفاء الصلاة) بالركوع و السجود التأمّين (أومأ) لهما برأسه، و يجعل السجود أخفض، فإن تعذّر الإيماء بالرأس فبالعينين كما مرّ.

____________

(1) الكافي 3: 435/ 7، التهذيب 3: 162/ 350، عوالي اللآلي 3: 107/ 150.

(2) الذكرى: 136.

383

و ضمير (أنّه) و (عجز) و (أومأ) يعود على المصلّي خائفا، المدلول عليه بالمقام.

(و يسقط) الإيماء (عنه لو تعذّر، و يجتزئ) حينئذ (عن الركعة بالتسبيحات الأربع)، كما فعل علي (عليه السلام) ليلة الهرير (1).

(و تجب النيّة و التحريمة) أوّلا (و التشهّد و التسليم) أخيرا؛ بناء على وجوب التسليم، و إلّا اقتصر على التشهّد، و يجب الاستقبال بحسب الإمكان.

و لمّا ذكر أنّه لا يجب في القضاء مراعاة الهيئة المعتبرة في حالة فوته، نبّه على ما يعتبر منها بقوله (و إنّما المعتبر في الهيئة بوقت الفعل) في حالة كونه (أداء و قضاء) فإذا فاتته صلاة في حالة قدرته على تمام الأفعال، و أراد قضاءها قاعدا أو مضطجعا أو مستلقيا أو خائفا قضاها كذلك، كما يجوز أداؤها على تلك الحالة، و لا يجب تأخيرها إلى أن يزول العذر و لا إعادتها بعده.

(و كذا) المعتبر في (باقي الشروط) من الستر و الاستقبال و الطهارة، و هو المقدور عليه وقت الفعل (فيصحّ القضاء من فاقدها) كما يصحّ الأداء، إذ ليست شروطا مطلقا بل مع الإمكان (إلّا فاقد الطهارة) فإنّه لا يقضي ما فاته من الصلاة حالة قدرته على الطهارة، أو عجز عنها على القول بوجوبه بدون الطهارة، بل يجب عليه التأخير إلى أن يتمكّن و لو من الطهارة الترابيّة؛ لأنّها شرط مطلقا.

(و المريض) بالجرّ عطف على فاقدها، أي و كذا يصحّ القضاء من المريض (المومئ بعينيه). و إنّما خصّه بالذكر مع دخوله فيما تقدّم، لينبّه على كيفية ركوعه و سجوده باللطف الذي قد تكرّر منه.

(فتغميضهما ركوع و سجود، و فتحهما) أي فتح عينيه (رفعهما) أي رفع الركوع و السجود (و) يجعل (السجود أخفض) تغميضا أي أشدّه، و لا فرق في ذلك بين من يبصر بهما و غيره ممّن يمكنه التغميض و الفتح، و هذا كلّه مع تعذّر الإيماء بالرأس، كما نبّه عليه بقوله (المومئ بعينيه) أي الذي قد انتقل فرضه إليه. و لو تعذّر ذلك كلّه كفاه

____________

(1) الكافي 3: 458/ 2، التهذيب 3: 173/ 384.

384

إحضار الأفعال على قلبه، و إجراء الأذكار على لسانه.

(و كذا) القول في (الأداء) فيؤدّي فاقد الشروط، إلّا فاقد الطهارة فلا يجب عليه الأداء و لا يصحّ منه، خلافا للمفيد حيث أوجب عليه الأداء و القضاء (1).

(و لو جهل الترتيب) بين الصلوات الفائتة (كرّر) القضاء (حتى يحصّله) في ضمن الفرائض المكرّرة (احتياطا) خروجا من خلاف القائل بوجوبه من حيث قدرته عليه على هذا الوجه. فيقضي من اشتبه عليه فوات الظهرين ظهرا بين عصرين، أو بالعكس.

و لو كانت ثلاثا بإضافة المغرب إليهما، صلّى الثلاثة المتقدّمة قبل المغرب و بعدها، فيحصل الترتيب بسبع.

و لو أضاف إليها العشاء فخمسة عشر، تحصل بجعل السبع قبل العشاء و بعدها.

و لو أضاف إليها الصبح فإحدى و ثلاثون، و يجعل الخمسة عشر قبلها و بعدها، و يكفيه عن ذلك أن يصلّي أربعة أيام متوالية ثمّ صبحا.

و الضابط وجوب التكرار على وجه يحصل الترتيب على جميع الاحتمالات، و هي اثنان في الأوّل؛ إذ يحتمل تقدّم الظهر على العصر و بالعكس.

و ستّة في الثاني؛ لورود الاحتمالين في كلّ واحدة من الثلاث، و مضروب ثلاثة في اثنتين ستّة.

و أربعة و عشرون في الثالث، حاصلة من ضرب أربعة عدد الفرائض في الاحتمالات السابقة و هي ستّة.

و مائة و عشرون في الرابع، حاصلة من ضرب خمسة في أربعة و عشرين.

و لو فرض فوات فريضة سادسة كذلك فالاحتمالات سبعمائة و عشرون، و يحصل الترتيب بثلاث و ستين فريضة، بجعل السادسة محفوفة بالإحدى و الثلاثين من الطرفين.

و على الضابط الثاني يحصل الترتيب بستّة و عشرين، خمسة أيام متوالية و تلك

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 346.

385

الفريضة، و قس على هذا زيادة الفرائض و الاحتمالات.

و هذا كلّه على وجه الاحتياط (و السقوط أقوى) لأصالة البراءة من وجوب التكرار على هذا الوجه، و استلزامه الحرج و العسر المنفيين بالآية (1) و الخبر (2)، و اختار المصنّف في الذكرى اتّباع الظنّ مع فقد العلم ثمّ السقوط (3)، و في الدروس العمل على الوهم مع عدم الظنّ ثم السقوط (4)، و مختار الرسالة أقوى.

(و إنّما يجب) القضاء (على التارك) للفريضة (مع بلوغه) حالة الترك على وجه يجب عليه الأداء؛ ليشمل من أدرك قدر ركعة من آخر الوقت فما زاد مع الشرائط المفقودة.

(و عقله و إسلامه) كذلك إسلاما أصليّا، فلا يجب القضاء على الكافر الأصلّي إذا أسلم؛ لأنّ الإسلام يجب ما قبله (5) و إن عذّب على تركها لو مات على كفره، و قد تقدّم الكلام فيه في صدر الرسالة.

(و طهارة المرأة من الحيض و النفاس) فلا يجب القضاء على الحائض و النفساء و إن وجب عليهما قضاء الصوم.

(أمّا عادم) جنس (المطهّر) من ماء و تراب و ما في حكمهما (فالأولى وجوب القضاء) عليه و إن لم يجب عليه الأداء؛ لعموم: «من فاته فريضة فليقضها كما فاتته» (6) و قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة: «إذا فاتتك فريضة فابدأ بالتي فاتتك» (7) الحديث، و غيرهما من الأخبار (8).

____________

(1) البقرة: 185، الحج: 78.

(2) التهذيب 1: 363/ 1097، الاستبصار 1: 77/ 240.

(3) الذكرى: 136.

(4) الدروس 1: 145.

(5) مسند أحمد 4: 199 و 204 و 205، كشف الخفاء 1: 140/ 353، عوالي اللآلي 2: 54/ 145.

(6) الكافي 3: 435/ 7، التهذيب 3: 162/ 350، عوالي اللآلي 3: 107/ 150.

(7) الكافي 3: 293/ 4، التهذيب 2: 172/ 686، الإستبصار 1: 287/ 1051.

(8) الكافي 3: 435/ 7، التهذيب 3: 162/ 350.

386

و قد استوفيناها مع أدلّة المسألة سؤالا و جوابا في شرح الإرشاد (1)، فإيراد الشارح المحقّق على الاستدلال بالخبر الأوّل القول بموجبه مع عدم ثبوت الوجوب- من حيث إنّ المراد بالفوات مع الوجوب بدليل قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «فريضة» إذ يمتنع إرادة فريضة على غيره، و هي ليست مفروضة عليه، أو كونها فريضة في نفسها من غير اعتبار مفروض عليه حتى صار بسبب الإيراد إلى عدم وجوب القضاء (2)- مندفع بدلالة الأخبار الأخر عليه صريحا (3) من غير التعبير بالفريضة، و في بعضها التصريح بالفوات بسبب عدم المطهّر (4)، و بأنّ الفريضة كثيرا ما تستعمل من غير مفروض عليه استعمالا شائعا، حتى صار اسم الفريضة للصلاة المعيّنة كالعلم.

و يؤيّد وجوب القضاء مع عدم المخاطبة بالأداء وجوبه على النائم و الناسي مع عدم مخاطبتهما بالأداء، و أنّ وجوب القضاء لا يرتبط بوجوب الأداء وجودا و لا عدما، بل بسبب الأداء، و هو هنا حاصل.

و تعبير المصنّف عن الحكم ب(الأولى) يشعر بتوقّفه في الوجوب، و قد اختاره في غير الرسالة (5).

(و لو لم يحص قدر الفائت) من الصلوات المتعدّدة، (أو) لم يحص قدر الصلاة (الفائتة) المتّحدة كالصبح مثلا إذا فاتته من أيام لا يعلم قدرها (قضى) ذلك الفائت المتعدّد و تلك الفائتة مكرّرا (حتى يغلب على الظنّ الوفاء) بالعدد الذي في ذمّته.

و لو أمكنه التكرار المفيد للعلم بالفوات (6) من غير عسر وجب، و إنّما يكتفي بالظّن عند تعذّر العلم أو تعسّره عادة.

(و يقضي المرتدّ) عن الإسلام ما فاته من الصلوات (زمان ردّته) سواء كان فطريّا

____________

(1) روض الجنان: 357.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 349- 350.

(3) الكافي 3: 292/ 3، التهذيب 3: 159/ 341.

(4) الكافي 3: 288/ 3، الفقيه 1: 278/ 1265.

(5) الذكرى: 23، البيان: 256.

(6) بالفوات: لم ترد في «د» و «ق»، و في هامش «ع» وردت عبارة تدلّ على أنّها بخط المصنّف.

387

أم مليّا، و سواء صلّى أم لا؛ لفسادها على تقدير فعلها لفقد شرط الصحة و هو الإسلام أو الإيمان، و إيجاب القضاء على المرتدّ على الإطلاق يشعر بقبول توبة الفطريّ، إلّا أن يحمل على وجوب الاستئجار عليها من ماله أو بمعنى العقوبة عليها في الآخرة.

و الحقّ أنّ توبته تقبل باطنا بمعنى صحّة عبادته بعد ذلك، و يترتّب عليه قضاء ما فاته زمان الرّدة، و إن بقيت عليه أحكام المرتد الدنيويّة من بينونة زوجته و قسمة ماله و وجوب قتله و نحوها، إذ لو لم يقبل منه مع كونه مكلّفا لكلّف بما لا يطاق، و لأنّ باب التوبة لا ينسدّ ما بقي من التكليف.

(و) كذا يقضي (السكران و شارب المرقد عند زوال العذر) مع قصدهما إلى ما يوجب السكر و الرقاد و اختيارهما و عدم الحاجة إليه، و إلّا لم يجب القضاء كما صرّح به المصنّف في الذكرى (1)، و إن كانت عبارة المصنّف تشمله. هذا كلّه مع عدم عروض ما يسقط القضاء في أثناء موجبه أو يقارنه، فلو طرأ الحيض على السّكرى و نحوه سقط القضاء زمانه.

(و لو فاته فريضة مجهولة من الخمس قضى الحاضر) ثلاث صلوات (صبحا و مغربا) معينين، (و أربعا مطلقة) إطلاقا ثلاثيا بين الظهر و العصر و العشاء، فيدخل ما في ذمته في ضمن ذلك. و لا ترتيب بين هذه الفرائض و يتخيّر في الرباعيّة بين الجهر و الإخفات، و يردّد فيها بين الأداء و القضاء مع بقاء وقت العشاء.

(و) يقضي (المسافر) عن الفريضة المشتبهة كذلك (ثنائيّة مطلقة إطلاقا رباعيّا) بين الصبح و الظهر و العصر و العشاء (و مغربا) معيّنة، و لا ترتيب بينهما، و الكلام في الجهر و الإخفات و الأداء و القضاء كما مرّ.

(و المشتبه) عليه كون الفريضة تماما أو قصرا يقضي (ثنائيّة مطلقة) إطلاق المسافر بين ما عدا المغرب (و رباعيّة مطلقة) إطلاقا ثلاثيا كإطلاق الحاضر (و مغربا) و لا ترتيب هنا أيضا؛ لا تحاد الفائت في الصور الثلاث.

____________

(1) الذكرى: 135.

388

(و لو كانت) الفائتة (اثنتين) مشتبهتين بالخمس (قضى الحاضر) و هو الذي يتحقّق فواتهما حضرا، (صبحا و مغربا) معيّنين (و أربعا مرّتين) لإمكان كون الفائت المتعدّد رباعيّتين، فلا يخرج عن العهدة برباعيّة واحدة و كونه ثنائيّة و مغربا أو أحدهما مع رباعية، فوجبت الأربع.

و يجب مراعاة الترتيب بين هذه الفرائض؛ لتعدّد الفائت، فجاز كونه الصبح مع إحدى الرباعيّات، فيجب تقديم الصبح أو إحداهما مع المغرب فيجب توسّطها، و ذلك أمر سهل لا يوجب تعدّدا كما في ناسي الترتيب سابقا، فيجب مراعاته مع احتمال سقوطه هنا أيضا، و قد نبّه المصنّف على وجوبه مع حكمه فيما تقدّم بالسقوط في المسافر حيث أمره بتوسّط المغرب.

و القدر الواجب من الترتيب هنا ما ينطبق على جميع الاحتمالات الممكنة في الفريضتين- و هي عشرة- كون الفائت الصبح مع إحدى الأربع الباقية، أو الظهر مع إحدى الثلاث، أو العصر مع إحدى الباقيتين، أو المغرب مع العشاء، فيقدّم الصبح و يوسّط المغرب بين الرباعيّتين، و يطلق في أولاها بين الظهر و العصر، و في الثانية بين العصر و العشاء، فيحصل بالترتيب على جميع الاحتمالات.

و إنّما وجب الترديد بين العصر و غيرها في الرباعيّتين؛ لاحتمال كون الفائت العصر و العشاء، فتنصرف الاولى إلى العسر، و الثانية إلى العشاء. و كونه الظهر و العصر، فتنصرف الاولى إلى الظهر، و الثانية إلى العصر، و ذلك لا يحصل مع عدم تكرار العصر، بخلاف غيرها من الرباعيّات.

(و) يقضي (المسافر) عن اثنتين (ثنائيّتين بينهما المغرب) فيطلق في الأولى منهما بين الصبح و الظهر و العصر، ثم يصلّي المغرب، ثم يطلق في الثنائية الأخرى بين الظهر و العصر و العشاء. و إنّما أوجب تكرار الإطلاق هنا بين ما عدا الاولى و الأخيرة؛ ليتحقّق الانطباق على الاحتمالات العشرة كما مرّ، إذ من المحتمل كون الفائت صبحا و ظهرا، فلو اكتفى بذكر الظهر في الأولى لانصرفت إلى الصبح و لم تصحّ الظهر، و كذا لو اكتفى بذكر العصر في الثانية لأمكن كون الفائت العصر و العشاء، فتنصرف

389

الاولى إلى العصر و لم تصحّ العشاء، و كذا القول في باقي الاحتمالات.

و الضابط في جميع هذه المسائل أن يطلق في الأولى بين ما عدا الأخيرة من الفرائض المطلقة، و في الثانية بين ما عدا الاولى. و لو فرض ثالثة- كما في الصورة الآتية- أطلق في الثالثة بين ما عدا الأوليين، و الاولى بين ما عدا الأخيرتين، و الثانية بين ما عدا الاولى و الأخيرة.

(و المشتبه يزيد على الحاضر ثنائيّة) بعد المغرب، و يطلق في ثنائيّة الحاضر بين الصبح و الظهرين، و في المزيدة بينهما و بين العشاء، فيبتدئ بالثنائيّة الاولى لتنصرف إلى الصبح إن كانت فائتة، ثم يصلّي رباعيّة يطلق فيها بين الظهر و العصر، ثم يصلّي المغرب، ثم الثنائية المزيدة، ثم يصلّي رباعية الحاضر الثنائية المطلقة بين العصر و العشاء، و لو قدّمها على الثنائية صحّ أيضا، يتخيّر فيهما بين الجهر و الإخفات، و كذا القول في كلّ صلاة يطلق فيها بين جهريّة و إخفاتيّة.

(و لو كانت) الفائتة (ثلاثا قضى الحاضر الخمس) لاحتمال كون الفائت الرباعيّات الثلاث فلا بدّ منها، و كونه الصبح و المغرب و إحدى الرباعيّات فلا بدّ منها و هو موجب للخمس.

(و المسافر ثنائيّتين) يطلق في الأولى منهما بين الصبح و الظهر، و في الثانية بين الظهر و العصر (ثم مغربا، ثم ثنائيّة) يطلق فيها بين العصر و العشاء، فيصح الترتيب على جميع الاحتمالات و هي هنا تسعة: كون الفائت الصبح و الظهرين، أو (1) هي و العشائين، أو هي و الظهر و المغرب، أو هي و الظهر و العشاء، أو هي و العصر و المغرب، أو هي و العصر و العشاء، أو الظهر و العصر و المغرب، أو الظهر و العصر و العشاء، أو العصر و المغرب و العشاء.

(و المشتبه) عليه كون الفوائت الثلاث قصرا أو تماما (يزيد على) خمس (الحاضر ثنائية قبل المغرب و ثنائية بعدها) و يطلق في ثنائيّة الحاضر أيضا، فيصير له ثلاث

____________

(1) في هامش «ع» وردت على (أو) المتكررة في هذا السطر و ما بعده، حروف تدلّ على العدد (أ ب ج.) و في الحاشية عبارة تدلّ على أنّ المصنّف أضافها بخطّه.

390

ثنائيّات، يطلق فيها كما يطلق المسافر، و ثلاث رباعيّات معيّنة. و يجب تقديم إحدى الثنائيّتين المتقدّمتين على المغرب على الظهر، و يتخيّر في الثنائية بين تقديمها عليهما و تأخيرها عنهما و توسّطها بينهما.

(و إن كانت) الفوائت (أربعا قضى الحاضر، و المسافر الخمس) أمّا الحاضر فظاهر، و أمّا المسافر فلجواز كون الفائت الثنائيّات الأربع و كونه المغرب مع بعضها.

(و المشتبه) عليه كونها سفرا أو حضرا (يزيد على) يوم (الحاضر ثنائيّتين قبل المغرب) ينوي بإحداهما الظهر المقصورة و بالأخرى العصر، معيّنتين، مقدّمتين على الظهرين التمام أو مؤخّرتين عنهما أو متوسّطتين بينهما أو بالتفريق. (و ثنائيّة بعدها) أي بعد المغرب، يجعلها عشاء مقصورة، مقدّمة على العشاء التمام أو مؤخّرة عنها.

(و فرضه التعيين) في الفرائض الثمان، و إنّما سقط عنه التعدّد في الصبح و المغرب؛ لاتّحادهما سفرا و حضرا.

و جميع ما تقدّم من الترتيب مبنيّ على وجوب تحصيله مع الإمكان للناسي، و إلّا فالظاهر سقوطه كما مرّ.

(و كذا لو فاته الخمس) صلوات (و اشتبه اليومان) اللّذان أحدهما في الحضر و الآخر في السفر، و قد فاتت الصلاة في أحدهما و لم يعلم بعينه، و المراد اشتباه يوم الفوات بين الحضر و السفر.

(اجتزأ بالثمان) فرائض، و هي الصبح و المغرب المتّحدان و الرباعيّات الثلاث حضرا و مثلها ثلاث ثنائيّات سفرا. و إنّما اجتزأ بها؛ لما تقدّم من اشتراك اليومين في الصبح و المغرب، و انحصار الفائت في أحدهما، فيكرّر ما اختلف فيهما، و يكتفى بما اتحد.

(و لا تقضى) صلاة (الجمعة) على تقدير فوات وقتها، بل تصلّى الظهر أداء مع بقاء وقتها، أو قضاء مع خروجه. و من أطلق من الأصحاب كالفاضلين كونها تقضى ظهرا (1) أراد بالقضاء المعنى اللغويّ، و هو الفعل، و جعل الضمير في (تقضى) عائدا

____________

(1) تذكرة الفقهاء 4: 12 المسألة 377 كتاب الصلاة، نهاية الإحكام 2: 12، منتهى المطلب 1: 335.

391

على وظيفة الوقت يوم الجمعة لا إلى الجمعة، كما نبّه عليه المحقّق في المعتبر (1) مفسّرا به كلامه في النافع (2).

و المعنى أنّ وظيفة الوقت يوم الجمعة للجمعة أو الظهر، إلّا أنّ الجمعة مقدّمة على الظهر مع اجتماع الشرائط، و إذا فاتت فعلت ظهرا. و لو فرض عود الضمير إلى الجمعة، فإطلاق القضاء على طريق المجاز؛ لقيام الظهر مقامها و إجزائها عنها، كما يقوم القضاء مقام الأداء.

(و) كذا (لا) تقضي صلاة (العيد) لو فاتت على أشهر القولين، و روى أنّها تقضي أربع ركعات وجوبا أو استحبابا (3).

(و لا) صلاة (الآيات لغير العالم بها ما لم يستوعب الاحتراق) لقرصي الشمس و القمر، فيجب القضاء على من علم ذلك بالشياع أو شهادة عدلين به، و في الاكتفاء بشهادة العدل وجه. و لا فرق في وجوب القضاء على العالم بها بين العالم بوجوب الصلاة، و الجاهل و الناسي للصلاة بعد العلم بالسبب و الوجوب.

و اعلم أنّ القضاء للعبادة لا يتحقّق إلّا مع ضرب الشارع لها وقتا محدودا، سواء كان مضيّقا كوقت الصوم، أم موسعا كوقت الصلاة. ثم لا يفعلها المكلّف في وقتا فعلا جامعا لما يعتبر في صحّتها، فإنّه حينئذ يجب قضاؤها إلّا ما استثنى.

و أمّا لو لم يضرب له الشارع وقتا محدودا، كصلاة الطواف التي قد جعل الأوقات بأسرها صالحة لها، و إن أوجب تقديمها على السعي على تقدير وجوبه كطواف العمرتين و الحج، و كذا صلاة الجنازة و إن توقّف عليها الدفن، فإنّ ذلك ليس توقيتا لها على الوجه المذكور، و إنّما هو ترتيب لبعض العبادات على بعض، و مثلها صلاة النذر المطلق التي لم يشخّص الناذر لها وقتا معيّنا، سواء لم يعيّن له وقتا أصلا، أو عيّنه على وجه كلّي كيوم الجمعة مثلا.

____________

(1) المعتبر 2: 277.

(2) المختصر النافع: 59.

(3) التهذيب 3: 135/ 295، الاستبصار 1: 446/ 1725.

392

(و لو أطلق القضاء على) هذه، أعني (صلاة الطواف و الجنازة، فمجاز) و توسّع في الحكم؛ لمشابهتهما للمحدود وقته في تقييد فعلها بوجوه مخصوصة، كتقييد صلاة الجنازة بكونها بعد الغسل مع إمكانه و قبل الدفن، و صلاة الطواف بكونها بعده و قبل السعي إن وجب.

(و كذا النذر المطلق) حيث يتضيّق فعله و يتعيّن عند ظنّ الوفاة، فإذا فاتت هذه الأوصاف بأن سعى الطائف قبل الصلاة، و دفن الميّت قبلها، و تضيّق وقت النذر المطلق لغلبة الظن بالموت في وقت ثم كذب ظنّه، صار فعل هذه الثلاثة بعد ذلك شبه القضاء؛ لوقوعها في غير محلّها، و حصول الإثم بتأخيرها كذلك كما يأثم مؤخّرا لمؤقّتة كالظهر عن وقتها، فصحّ إطلاق اسم القضاء عليها بسبب هذه المشاكلة. لكن لمّا لم يكن التحديد بهذه الأشياء موجبا للتوقيت الحقيقي، كان إطلاق القضاء عليها على وجه المجاز لا الحقيقة.

اللهم حقّق بالنا بحقائق المعارف، و نوّر قلوبنا بأنوار لطائف العوارف، و اقطع عنّا (1) ما يبعّدنا عن جواز قدسك من المجازات و الصوارف، فإليك توجّهنا و عليك توكّلنا، و من لدن جنابك طلبنا، فنور قلوبنا بأنوار الهداية، و ألحظ وجودنا بعين العناية، أنك ذو الفضل العظيم.

و ليكن هذا (2) آخر ما أردنا إملاءه على هذه الرسالة، اللهم اجعله خالصا لوجهك الكريم و تقبّله منّا، إنك أنت السميع العليم، و اجعله سببا قريبا لنفع الطالبين، فإنّك أكرم الأكرمين و أجود الأجودين.

و فرغ من تأليفه مصنّفه العبد الفقير إلى اللّه تعالى زين الدين بن على بن أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين صالح بن مشرف العاملي، أحسن اللّه تعالى معاملته و شرّف خاتمته، زوال يوم الأحد مقارنا لأذان المؤذّن تاسع عشر ربيع الآخر سنة خمسين و تسعمائة، حامدا مصلّيا مستغفرا مسلّما، و الحمد للّه ربّ العالمين.

____________

(1) عنّا: لم ترد في «ع».

(2) هذا: لم ترد في «ع» و «د».

393

ورد في آخر نسخة «ش»: تمّ على يد العبد المحتاج إلى اللّه الغني ابن لطف اللّه أقل عباد اللّه القارئ شاه ملا الحافظ القارئ، وقت الضحى من يوم الجمعة سلخ شهر ذي الحجة أربع و ستين و تسعمائة.

و في أخر نسخة «ع» ورد: و فرغ من تنميقه و كتابته العبد الضعيف النحيف الراجي رحمة ربّه اللطيف ابن محمد رفيع بن مظفر الحسيني الديهوكي الطبسي الكيلكي غفر اللّه له و لهما و لإخوانهم المؤمنين و المؤمنات. و قد اتفق ذلك في دار الفضل و الكمال أصفهان في مدرسة نوّاب العليّة العالية المتعالية (دام ظلّها العالي)، في وقت الضحى من يوم الخميس في العشر الثالث من محرّم الحرام من شهور سنة مائة بعد الألف من الهجرة النبوية المباركة المصطفويّة من مكّة إلى المدينة الطيّبة الشريفة على ساكنها ألف سلام و تحية. اللهم ارزقنا زيارة أوليائك و اقطع من البلاد آثار أعدائك و اجعلنا في زمرة الأولياء الّذين قتلوا في سبيلك و أقاموا أعلام دينك إنّك اخترتهم و فوّضت أمرك إليهم.

و ورد في آخر نسخة «ق»: تمّت الشرح رسالة ألفيّة (كذا) بعون اللّه الملك الوهّاب في أوائل سنة ثمانين و تسعمائة من الهجرة النبوية. حرّرها عبد العظيم بن كمال الدين الحسيني في مشهد رضا (كذا) عليه التحيّة و الثناء. اللّهم اغفر لهما و استر عيوبهما بحقّ محمّد و أهل بيت محمّد.