مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
455

و قيل: إن ضرب عبده (1) في غير حدّ حدّا، لزمه إعتاقه. و هو على الاستحباب.

____________

النهاية (1)، و لم يذكر بلوغ العشرة.

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أن صبيان الكتّاب ألقوا ألواحهم بين يديه ليخيّر بينهم، فقال: إنها حكومة، و الجور فيها كالجور في الحكم، أبلغوا معلّمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضربات في الأدب اقتصّ منه» (2).

قوله: «و قيل: إن ضرب عبده. إلخ».

(1) القول للشيخ (3) (رحمه اللّه). و ظاهره أنه على وجه الوجوب، لأنه قال:

«و من ضرب عبده فوق الحدّ كانت كفّارته أن يعتقه».

و المستند صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من ضرب مملوكا حدّا من الحدود، من غير حدّ أوجبه المملوك على نفسه، لم يكن لضاربه كفّارة إلّا عتقه» (4).

و المصنف- (رحمه اللّه)- حمل ذلك على الاستحباب، و مقتضاه حمل القول. و ينبغي أن يكون الحمل للرواية. و الأقوى الاستحباب.

و القول الذي ذكره المصنف موافق للرواية في كون الضرب حدّا في غير موجب الحدّ. و أما الشيخ ففرض المسألة فيما لو ضربه فوق الحدّ. و مقتضاه الزيادة عليه في الحدّ الذي استوجبه شرعا، و هذا لا دليل عليه من النصّ.

____________

(1) النهاية: 732.

(2) الكافي 7: 268 ح 38، التهذيب 10: 149 ح 599، الوسائل 18: 582 الباب المتقدّم ح 2.

(3) النهاية: 573.

(4) الكافي 7: 263 ح 17، التهذيب 10: 27 ح 85، الوسائل 18: 337 ب «27» من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

456

[الخامسة: كلّ ما فيه التعزير من حقوق اللّه سبحانه، يثبت بشاهدين أو الإقرار مرّتين على قول]

الخامسة: كلّ ما فيه التعزير (1) من حقوق اللّه سبحانه، يثبت بشاهدين أو الإقرار مرّتين على قول.

و من قذف أمته (2) أو عبده، عزّر كالأجنبي.

____________

قوله: «كلّ ما فيه التعزير. إلخ».

(1) أما ثبوته بشاهدين فلا إشكال فيه، لأن ذلك حقّ ليس بمال، فلا يثبت بدونهما، و لا زنا، فلا يتوقّف على الزائد، فيدخل في عموم (1) ما دلّ على اعتبار الشاهدين.

و أما توقّفه على الإقرار مرّتين فهو المشهور، و لم يذكر العلامة (2) فيه خلافا. و نسبة المصنف- (رحمه اللّه)- الحكم إلى قول يؤذن بردّه. و وجهه: عموم: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (3) الصادق بالمرّة، مع عدم وجود المخصّص هنا، فيثبت بالإقرار مرّة.

قوله: «و من قذف أمته. إلخ».

(2) لعموم أدلّة القذف الشاملة للمولى و غيره. و قد روي عن الصادق (عليه السلام): «أن امرأة جاءت إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: يا رسول اللّه إنّي قلت لأمتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها زنا؟ فقالت: لا، فقال: إنها تستقاد منك يوم القيامة، فرجعت إلى أمتها فأعطتها سوطا ثمَّ قالت: اجلديني، فأبت الأمة، فأعتقتها، ثمَّ أتت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبرته، فقال: عسى أن

____________

(1) انظر الوسائل 18: 173 ب «5» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

(2) قواعد الأحكام 2: 262، تحرير الأحكام 2: 237.

(3) راجع الوسائل 16: 111 ب «2» من كتاب الإقرار ح 2، المستدرك 16: 31 ب «2» من كتاب الإقرار ح 1، عوالي اللئالي 3: 442 ح 5. و راجع أيضا المختلف: 443، التذكرة 2: 79، إيضاح الفوائد 2: 428، جامع المقاصد 5: 233، فهناك بحث في كون هذه الجملة رواية.

457

[السادسة: كلّ من فعل محرّما، أو ترك واجبا فللإمام (عليه السلام) تعزيره]

السادسة: كلّ من فعل محرّما، (1) أو ترك واجبا فللإمام (عليه السلام) تعزيره بما لا يبلغ الحدّ. و تقديره إلى الإمام. و لا يبلغ به حدّ الحرّ في الحرّ، و لا حدّ العبد في العبد.

____________

يكون به» (1).

قوله: «كلّ من فعل محرّما. إلخ».

(1) هذا هو الضابط الكلّي في موجب التعزير. و يدخل فيه كلّ ما لم يوجب الحدّ فيما (2) سبق من أنواع القذف و السبّ و غيرهما، حتى قذف الوالد ولده، و الاستمتاع بغير الجماع من الأجنبيّة، و النظرة المحرّمة، و غير ذلك.

و كون تقديره إلى الامام مطلقا مبنيّ على الغالب، و إلا فقد عرفت أن منه ما هو مقدّر، و كون غايته أن لا يبلغ به الحدّ.

و الأجود أن المراد به الحدّ لصنف (3) تلك المعصية بحسب حال فاعلها، فإن كان الموجب كلاما دون القذف لم يبلغ تعزيره حدّ القذف، و إن كان فعلا دون الزنا لم يبلغ حدّ الزنا. و إلى ذلك أشار الشيخ (4)- (رحمه اللّه)- و العلامة في المختلف (5).

____________

(1) التهذيب 10: 80 ح 311، الوسائل 18: 431 ب «1» من أبواب حدّ القذف ح 4.

(2) في هامش إحدى الحجريّتين: ممّا.

(3) في «ت، خ، م» و الحجريّتين: لضعف.

(4) المبسوط 8: 69- 70.

(5) المختلف: 783.

458

[الباب الرابع في حدّ المسكر و الفقّاع]

الباب الرابع في حدّ المسكر و الفقّاع و مباحثه ثلاثة:

[الأول في الموجب]

الأول في الموجب و هو: تناول المسكر، (1) أو الفقّاع، اختيارا، مع العلم بالتحريم، إذا كان المتناول كاملا. فهذه قيود أربعة.

شرطنا التناول، ليعمّ الشرب و الاصطباغ، و أخذه ممزوجا بالأغذية و الأدوية.

و نعني بالمسكر: ما [هو] من شأنه أن يسكر، فإنّ الحكم يتعلّق بتناول القطرة منه.

و يستوي في ذلك الخمر و جميع المسكرات، التمريّة و الزبيبيّة و العسليّة، و المزر المعمول من الشعير أو الحنطة أو الذرة. و كذا لو عمل من شيئين أو ما زاد.

____________

قوله: «في الموجب و هو تناول المسكر. إلخ».

(1) أراد بالتناول إدخاله إلى البطن بالأكل أو الشرب خالصا و ممتزجا بغيره، سواء بقي مع مزجه متميّزا أم لا. و يخرج من ذلك استعماله بالاحتقان و السعوط حيث لا يدخل الحلق، لأنه لا يعدّ تناولا، فلا يحدّ به و إن حرم. مع احتمال حدّه على تقدير إفساده الصوم.

و على هذا فيحدّ الشارب من كوز ماء وقعت فيه قطرة من خمر، و إن بقي الماء على صفته. و كذا متناول الترياق المشتمل عليه، مع عدم الاضطرار إليه.

459

و يتعلّق الحكم بالعصير (1) إذا غلى [و اشتدّ]، و إن لم يقذف الزّبد، إلّا أن يذهب بالغليان ثلثاه، أو ينقلب خلّا، و بما عداه إذا حصلت فيه الشدّة المسكرة.

أمّا التمر إذا غلى، (2) و لم يبلغ حدّ الإسكار، ففي تحريمه تردّد، و الأشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ.

و كذا البحث في الزبيب، إذا نقع بالماء فغلى من نفسه أو بالنار، فالأشبه أنه لا يحرم ما لم يبلغ الشدّة المسكرة.

____________

و معه على الخلاف السابق في باب الأطعمة (1).

قوله: «و يتعلّق الحكم بالعصير. إلخ».

(1) مذهب الأصحاب أن العصير العنبي إذا غلى بأن صار أسفله أعلاه يحرم، و يصير بمنزلة الخمر في الأحكام. و يستمرّ حكمه كذلك إلى أن يذهب ثلثاه، أو ينقلب إلى حقيقة أخرى، بأن يصير خلّا أو دبسا على قول و إن بعد الفرض، لأن صيرورته دبسا لا يحصل غالبا إلا بعد ذهاب أزيد من ثلثيه.

و نبّه بقوله: «و إن لم يقذف بالزبد» على خلاف بعض (2) العامّة حيث وافقنا على تحريمه، بل صرّح بنجاسته، لكن شرط فيه قذفه بالزبد.

و لو طبخ العنب نفسه ففي إلحاقه بعصيره وجهان، من عدم صدق اسم العصير عليه، و من كونه في معناه.

قوله: «أما التمر إذا غلى. إلخ».

(2) وجه التردّد في عصير التمر أو هو نفسه إذا غلى: من دعوى إطلاق اسم

____________

(1) راجع ج 12: 127- 130.

(2) الحاوي الكبير 13: 376، المغني لابن قدامة 10: 336، حلية العلماء 8: 93، شرح فتح القدير 9: 22، روضة الطالبين 7: 374- 375، رحمة الأمّة: 299.

460

و الفقّاع كالنّبيذ المسكر (1) في التحريم، و إن لم يكن مسكرا، و في وجوب الامتناع من التداوي به و الاصطباغ.

____________

النبيذ عليه حينئذ، و مشابهته لعصير العنب، و من أصالة الإباحة، و منع إطلاق اسم النبيذ المحرّم عليه [حينئذ] (1) حقيقة، و منع مساواته لعصير العنب (2) في الحكم، لخروج ذلك بنصّ خاصّ، فيبقى غيره على أصل الإباحة. و هذا هو الأصحّ.

و أمّا نقيع الزبيب أو هو إذا غلى و لم يذهب ثلثاه، فقيل بتحريمه كعصير العنب، لاشتراكهما في أصل الحقيقة، و لفحوى رواية عليّ بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام).

و الأصحّ حلّه، للأصل، و استصحاب الحلّ، و خروجه عن اسم العنب الذي عصيره متعلّق التحريم، و لذهاب ثلثيه بالشمس. و دلالة الرواية على التحريم ممنوعة. و قد تقدّم (4) البحث في ذلك في الأطعمة.

قوله: «و الفقّاع كالنبيذ المسكر. إلخ».

(1) هذا مذهب الأصحاب (5)، و رواياتهم به كثيرة، و منها: «أنه خمر مجهول» (6) و: «خمر استصغره الناس» (7). و في صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) في الحجريّتين: العنب لاشتراكهما في الحكم.

(3) الكافي 6: 421 ح 10، التهذيب 9: 121 ح 522، الوسائل 17: 236 ب «8» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 2.

(4) في ج 12: 76.

(5) المقنعة: 800، النهاية: 713، الكافي في الفقه: 413، المراسم: 257، الوسيلة: 417، إصباح الشيعة: 522، غنية النزوع: 429، قواعد الأحكام 2: 262، اللمعة الدمشقيّة: 169.

(6) الكافي 6: 422 ح 1، التهذيب 9: 124 ح 539، الاستبصار 4: 95 ح 368، الوسائل 17: 292 ب «28» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 2.

(7) الكافي 6: 423 ح 9، التهذيب 9: 125 ح 540، الاستبصار 4: 95 ح 369، الوسائل 17: 292 الباب المتقدّم ح 1.

461

و اشترطنا الاختيار (1) تفصّيا من المكره، فإنه لا حدّ عليه. و لا يتعلّق الحكم بالشارب [المتناول]، ما لم يكن بالغا عاقلا.

و كما يسقط الحدّ (2) عن المكره، يسقط عمّن جهل التحريم، أو جهل المشروب.

____________

(عليه السلام) قال: «سألته عن الفقّاع، قال: خمر، و فيه حدّ شارب الخمر» (1). و قد تقدّم الكلام فيه و في حقيقته في باب الأطعمة (2) و ما قبلها.

قوله: «و اشترطنا الاختيار. إلخ».

(1) لا فرق في جوازه مع الإكراه بين من وجر في فمه قهرا، و من ضرب أو خوّف بما لا يحتمله عادة حتى شرب.

و يفهم من إخراج المكره منه خاصّة أن المضطرّ لا يخرج منه. و الأصحّ خروج ما أوجب حفظ النفس من التلف، كإساغة اللقمة، بل يجب ذلك، لوجوب حفظ النفس، و إن حرم التداوي به لذهاب المرض أو حفظ الصحّة.

قوله: «و كما يسقط الحدّ. إلخ».

(2) يتصوّر قبول دعوى جهل التحريم من قريب العهد بالإسلام، و ممّن نشأ في بلاد بعيدة عن معالمه، بحيث يمكن في حقّه ذلك.

و لو قال: علمت التحريم و لم أعلم أن فيه حدّا، لم يعذر (3)، و أقيم عليه الحدّ، لأنه إذا علم التحريم فحقّه أن يمتنع. و كذا يعذر جاهل عينه، بأن ظنّه ماء أو شرابا محلّلا.

____________

(1) التهذيب 10: 98 ح 379، الوسائل 18: 479 ب «13» من أبواب حدّ المسكر ح 1.

(2) راجع ج 12: 72- 73.

(3) في «ا، ث»: يعزّر.

462

و يثبت بشهادة عدلين (1) مسلمين. و لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات، و لا منضمّات. و بالإقرار دفعتين. و لا تكفي المرّة.

و يشترط في المقرّ: البلوغ، و كمال العقل، و الحرّية. و الاختيار.

[الثاني في كيفيّة الحدّ]

الثاني في كيفيّة الحدّ (2) و هو ثمانون جلدة، رجلا كان الشارب أو امرأة، حرّا كان أو عبدا. و في رواية: يحدّ العبد أربعين. و هي متروكة.

أمّا الكافر: فإن تظاهر به حدّ، و إن استتر لم يحدّ.

____________

و لو علم أنه من جنس المسكر، و لكن ظنّ أن ذلك القدر لا يسكر، فليس بعذر، لوجوب اجتنابه مطلقا. لكن يمكن هنا الجهل بالحكم، و اختصاص التحريم بالقدر الذي يسكر بالفعل، فيدرأ عنه الحدّ بذلك للشبهة.

قوله: «و يثبت بشهادة عدلين. إلخ».

(1) أما ثبوته بشهادة العدلين فلا كلام فيه، كما مرّ في نظائره (1).

و أما عدم قبول شهادة النساء به مطلقا فلما تقدّم (2) من اختصاص شهادتهنّ بالمال، أو بما لا يطّلع عليه الرجال غالبا.

و أما توقّفه على الإقرار مرّتين فهو المشهور. و قد تقدّم (3) البحث في نظيره.

قوله: «في كيفيّة الحدّ. إلخ».

(2) تحديد حدّ الشرب بثمانين متّفق عليه بين الأصحاب. و مستندهم

____________

(1) راجع ص: 450.

(2) راجع ص: 258.

(3) في ص: 456.

463

و يضرب الشارب عريانا على ظهره و كتفيه، و يتّقى وجهه و فرجه.

و لا يقام عليه الحدّ حتى يفيق.

____________

الأخبار (1). و سيأتي بعضها. و روى العامّة و الخاصّة (2) أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يضرب الشارب بالأيدي و النعال، و لم يقدّروه بعدد، فلمّا كان في زمن عمر استشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في حدّه، فأشار عليه بأن يضربه ثمانين.

و علّله بأنه إذا شرب سكر، و إذا سكر هذي، و إذا هذي افترى، فجلده عمر ثمانين (3). و عمل به أكثر العامّة (4). و ذهب بعضهم (5) إلى أربعين مطلقا، لما روي (6) أن الصحابة قدّروا ما فعل في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) بأربعين.

إذا تقرّر ذلك، فالمشهور بين الأصحاب أن الحرّ و العبد متساويان في حدّ الشرب. ذهب إلى ذلك الشيخان (7) و أتباعهما (8) و ابن إدريس (9) و المصنف

____________

(1) سنن أبي داود 4: 166 ح 4488- 4489، مستدرك الحاكم 4: 375، سنن البيهقي 8: 321، تلخيص الحبير 4: 75 ح 1794.

(2) الوسائل 18: 466 ب «3» من أبواب حدّ المسكر ح 1، 3.

(3) المصنف لعبد الرزّاق 7: 378 ح 13542، تلخيص الحبير 4: 75 ح 1795، الموطّأ 2: 842 ح 2، مستدرك الحاكم 4: 375- 376، سنن البيهقي 8: 320- 321.

(4) اللباب في شرح الكتاب 3: 194، الحاوي الكبير 13: 412، رحمة الأمّة: 300، الكافي للقرطبي 2: 1079، بدائع الصنائع 5: 113.

(5) الحاوي الكبير 13: 412، المغني لابن قدامة 10: 325، كفاية الأخيار 2: 115، روضة الطالبين 7: 379، رحمة الأمّة: 300.

(6) سنن أبي داود 4: 163 ح 4479- 4480، سنن ابن ماجه 2: 858 ح 2571، صحيح مسلم 3:

1332 ح 38، سنن الدارمي 2: 175، سنن البيهقي 8: 318، تلخيص الحبير 4: 76 ح 1796- 1797.

(7) المقنعة: 800، النهاية: 710.

(8) المهذّب 2: 534- 535، غنية النزوع: 429، الوسيلة: 416، إصباح الشيعة: 522.

(9) السرائر 3: 475.

464

..........

____________

و العلامة (1) و أكثر المتأخّرين (2)، لروايات كثيرة (3) دلّت على التسوية بينهما، منها رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) يجلد الحرّ و العبد و اليهوديّ و النصراني في الخمر و النبيذ ثمانين، فقلت: ما بال اليهودي و النصراني؟ فقال: إذا أظهروا ذلك في مصر من الأمصار، لأنه ليس لهم أن يتظاهروا بشربها» (4).

و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال عليّ (عليه السلام): إن الرجل إذا شرب الخمر سكر، و إذا سكر هذي، و إذا هذي افترى، فاجلدوه جلد المفتري» (5). و هو مطلق شامل للحرّ و العبد.

و ذهب الصدوق (6) إلى تنصيفه على العبد، لرواية أبي بكر الحضرمي قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن عبد مملوك قذف حرّا، قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق اللّه فإنه يضرب نصف الحدّ، قلت: الذي من حقوق اللّه ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحدود التي يضرب فيها نصف الحدّ» (7). و هذا الخبر معلّل، و هو مقدّم على غيره عند

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 226، المختلف: 768.

(2) الجامع للشرائع: 557، إيضاح الفوائد 4: 513.

(3) راجع الوسائل 18: 471 ب «6» من أبواب حدّ المسكر.

(4) الكافي 7: 215 ح 9، التهذيب 10: 91 ح 354، الاستبصار 4: 237 ح 891، الوسائل 18: 471 ب «6» من أبواب حدّ المسكر ح 2. و في المصادر: عن أبي بصير قال: كان عليّ (عليه السلام).

(5) الكافي 7: 215 ح 7، التهذيب 10: 90 ح 346، الوسائل 18: 467 ب «3» من أبواب حدّ المسكر ح 4.

(6) الفقيه 4: 40.

(7) التهذيب 10: 92 ح 357، الاستبصار 4: 237 ح 894، الوسائل 18: 472 ب «6» من أبواب حدّ المسكر ح 7.

465

و إذا حدّ مرّتين، (1) قتل في الثالثة. و هو المرويّ. و قال في الخلاف:

يقتل في الرابعة. و لو شرب مرارا، كفى حدّ واحد.

____________

التعارض، كما حقّق في الأصول.

و يؤيّده رواية حمّاد بن عثمان قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

التعزير كم هو؟ قال: دون الحدّ، قلت: دون ثمانين، فقال: لا و لكنّها دون الأربعين، فإنها حدّ المملوك، قلت: و كم ذاك؟ قال: على قدر ما يرى الوالي من ذنب الرجل و قوّة بدنه» (1). و هو شامل بإطلاقه أو عمومه لأنواع الحدود.

و الشيخ (2)- (رحمه اللّه)- حمله على حدّ الزنا جمعا. و حمله أيضا على التقيّة.

و الحقّ أن الطريق من الجانبين غير نقيّ، و أن رواية الحضرمي أوضح طريقا، و تزيد التعليل. و ينبغي أن يكون العمل بها أولى، لوقوع الشبهة في الزائد، فيدرأ بها، إلا أن المشهور الأول.

قوله: «و إذا حدّ مرّتين. إلخ».

(1) قد تقدّم (3) الكلام في قتل المحدود في الثالثة أو الرابعة مرارا. و يزيد هنا أن الروايات (4) بقتله في الثالثة كثيرة، فمن ثمَّ اختاره المصنف (رحمه اللّه)، و لم يجعل قتله في الرابعة أولى كما صنع في السابق (5).

و من المختصّ هنا من الروايات صحيحة أبي عبيدة عن الصادق (عليه السلام) قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه» (6).

____________

(1) الكافي 7: 241 ح 5، التهذيب 10: 92 ح 356، الاستبصار 4: 237 ح 893، الوسائل 18: 472 ب «6» من أبواب حدّ المسكر ح 6.

(2) التهذيب 10: 92 ذيل ح 357، الاستبصار 4: 237 ذيل ح 894.

(3) راجع ص: 371 و 410 و 415.

(4) راجع الوسائل 18: 476 ب «11» من أبواب حدّ المسكر.

(5) راجع ص: 371 و 410 و 415.

(6) الكافي 7: 218 ح 2، التهذيب 10: 95 ح 367، الوسائل 18: 476 ب «11» من أبواب حدّ المسكر ح 3.

466

..........

____________

و صحيحة جميل بن درّاج عنه (عليه السلام) أنه قال: «إذا شرب ضرب، فإن عاد ضرب، فإن عاد قتل» (1).

و صحيحة سليمان بن خالد قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضرب في النبيذ المسكر ثمانين كما يضرب في الخمر، و يقتل في الثالثة كما يقتل في الخمر» (2). و غيرها من الأخبار الكثيرة.

و القول بقتله في الرابعة للشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4)، و قبله الصدوق في المقنع (5). و رجّحه الشيخ فخر الدين، محتجّا: «بأن الزنا أكبر منه ذنبا، و يقتل في الرابعة كما مضى، فهنا أولى» (6).

و في معارضة هذا للأخبار الكثيرة الصحيحة منع ظاهر. و الأصل ممنوع، بل هذا يدلّ على قوّة قتل الزاني و غيره من أصحاب الكبائر في الثالثة، لأن عقوبة هذا أخفّ من غيره. و الروايات الكثيرة بقتله في الثالثة مؤيّدة للرواية (7) الصحيحة السابقة بقتل أصحاب الكبائر في الثالثة.

____________

(1) الكافي 7: 218 ح 4، التهذيب 10: 95 ح 368، الوسائل 18: 477 الباب المتقدّم ح 6.

(2) التهذيب 10: 97 ح 374، الاستبصار 4: 235 ح 885، الوسائل 18: 478 الباب المتقدّم ح 13.

(3) المبسوط 8: 59.

(4) الخلاف 5: 473 مسألة (1).

(5) حكاه عن مقنعة العلامة في المختلف: 767، و في المقنع (455) حكم بقتل العبد الشارب الخمر في الثامنة، و هو يعطي قتل الحرّ في الرابعة.

(6) إيضاح الفوائد 4: 515.

(7) الكافي 7: 219 ح 6، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 476 الباب المتقدّم ح 2.

467

[الثالث في أحكامه]

الثالث في أحكامه و فيه مسائل:

[الأولى: لو شهد واحد بشربها، و آخر بقيئها، وجب الحدّ]

الأولى: لو شهد واحد بشربها، (1) و آخر بقيئها، وجب الحدّ. و يلزم على ذلك وجوب الحدّ، لو شهدا بقيئها، نظرا إلى التعليل المرويّ. و فيه تردّد، لاحتمال الإكراه على بعد.

و لعلّ هذا الاحتمال يندفع، بأنّه لو كان واقعا، لدفع به عن نفسه.

أمّا لو ادّعاه، فلا حدّ.

____________

قوله: «لو شهد واحد بشربها. إلخ».

(1) الأصل في هذه المسألة رواية الحسين بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام): «أن عليّا (عليه السلام) جلد الوليد بن عقبة لمّا شهد عليه واحد بشربها و آخر بقيئها، و قال (عليه السلام): ما قاءها إلا و قد شربها» (1).

و عليها فتوى الأصحاب ليس فيهم مخالف صريحا. إلا أن طريق الرواية ضعيف، لأن فيه موسى بن جعفر البغدادي، و هو مجهول الحال، و جعفر بن يحيى، و هو مجهول العين، و عبد اللّه بن عبد الرحمن، و هو مشترك بين الثقة و الضعيف. فلذلك قال السيّد جمال الدين بن طاوس (قدّس سرّه) في الملاذ (2):

«لا أضمن درك طريقه». و هو مشعر بتردّده.

____________

(1) الكافي 7: 401 ح 2، الفقيه 3: 26 ح 72، التهذيب 6: 280 ح 772، الوسائل 18: 480 ب «14» من أبواب حدّ المسكر ح 1. و في المصادر: أن المجلود قدامة بن مظعون.

(2) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 346.

468

[الثانية: من شرب الخمر مستحلّا استتيب، فإن تاب أقيم عليه الحدّ]

الثانية: من شرب الخمر مستحلّا (1) استتيب، فإن تاب أقيم عليه الحدّ، و إن امتنع قتل. و قيل: يكون حكمه حكم المرتدّ. و هو قويّ.

أمّا سائر المسكرات، فلا يقتل مستحلّها، لتحقّق الخلاف بين المسلمين فيها. و يقام الحدّ مع شربها، مستحلّا و محرّما.

____________

و المصنف- (رحمه اللّه)- هنا صرّح بالتردّد، من حيث إن القيء و إن استلزم الشرب إلا أن مطلق الشرب لا يكفي في إثبات الحدّ، بل لا بدّ له من وقوعه على وجه الاختيار، و مطلقه أعمّ منه و من الإكراه.

و يضعّف بأن الأصل عدم الإكراه، و لأنه لو وقع لادّعاه. فإن اتّفق دعواه سمع منه، و درئ، عنه الحدّ.

و يشترط مع ذلك إمكان مجامعة القيء للشرب المشهود به، لتكون الشهادة على فعل واحد. فلو شهد أحدهما أنه شربها يوم الجمعة، و الآخر أنه قاءها قبله بيوم أو بعده كذلك، لم يحدّ.

و يتفرّع عليه ما لو شهدا معا بقيئها. فعلى القول بقبول شهادة الواحد به يقبل الاثنان، نظرا إلى التعليل المذكور. و ربما قصّره بعضهم على موضع النصّ، نظرا إلى قيام الاحتمال المذكور، و كونها شهادة على فعلين. و الأشهر القبول.

قوله: «من شرب الخمر مستحلّا. إلخ».

(1) القول باستتابته للشيخين (1) و أتباعهما (2)، من غير نظر إلى الفطري و غيره، استنادا إلى إمكان عروض شبهة في الشرب فاستحلّه، و الحدود تدرأ بالشبهات.

____________

(1) المقنعة: 799، النهاية: 711- 712.

(2) المهذّب 2: 535، فقه القرآن للراوندي 2: 379، الوسيلة: 416.

469

[الثالثة: من باع الخمر مستحلّا يستتاب، فإن تاب و إلّا قتل]

الثالثة: من باع الخمر مستحلّا (1) يستتاب، فإن تاب و إلّا قتل. و إن لم يكن مستحلّا عزّر. و ما سواه لا يقتل و إن لم يتب، بل يؤدّب.

____________

و الأصحّ ما اختاره المصنف (رحمه اللّه) و المتأخّرون (1)- و منهم ابن إدريس (2)- من كونه مرتدّا، فينقسم إلى الفطريّ و الملّي كغيره من المرتدّين، لأن تحريم الخمر ممّا قد علم ضرورة من دين الإسلام، و كلّ ما كان كذلك فمستحلّه كافر، و هو يستلزم المدّعى.

هذا إذا لم يمكن الشبهة في حقّه، لقرب عهده بالإسلام و نحوه، و إلا اتّجه قول الشيخين. و عليه تحمل استتابة (3) قدامة بن مظعون و غيره ممّن استحلّها في صدر الإسلام بالتأويل.

هذا حكم الخمر. و أما غيره من المسكرات و الأشربة- كالفقّاع- فلا يقتل مستحلّها مطلقا، و إن وجب حدّه، لوقوع الخلاف فيها بين المسلمين، و تحليل بعضهم إيّاها، فيكون ذلك كافيا في انتفاء الكفر باستحلالها.

و لا فرق بين كون الشارب لها ممّن يعتقد إباحتها- كالحنفيّ- و غيره، فيحدّ عليها و لا يكفّر، لأن الكفر مختصّ بما وقع عليه الإجماع و ثبت حكمه ضرورة من دين الإسلام، و هو منتف في غير الخمر.

قوله: «من باع الخمر مستحلّا. إلخ».

(1) بيع الخمر ليس حكمه كشربه، فإن الشرب هو المعلوم تحريمه من دين الإسلام كما ذكر، و أمّا مجرّد البيع فليس تحريمه معلوما ضرورة، و قد تقع فيه

____________

(1) كشف الرموز 2: 570، إرشاد الأذهان 2: 181، اللمعة الدمشقيّة: 169، التنقيح الرائع 4: 371، المقتصر: 410- 411.

(2) السرائر 3: 476.

(3) انظر الإرشاد للمفيد: 108- 109.

470

[الرابعة: إذا تاب قبل قيام البيّنة، سقط الحدّ]

الرابعة: إذا تاب قبل قيام البيّنة، (1) سقط الحدّ. و إن تاب بعدها، لم يسقط. و لو كان ثبوت الحدّ بإقراره، كان الإمام مخيّرا.

و منهم من منع [من] التخيير، و حتّم الاستيفاء هنا. و هو أظهر.

____________

الشبهة، من حيث إنه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات كما سلف (1). فيعزّر فاعله و يستتاب إن فعله مستحلّا، فإن تاب قبل منه، و إن أصرّ على استحلاله قتل حدّا. و كأنّه موضع وفاق. و ما وقفت على نصّ يقتضيه.

و أما بيع غيره من الأشربة فلا إشكال في عدم استحقاقه القتل مطلقا، لقيام الشبهة. نعم، يعزّر لفعل المحرّم، كغيره من المحرّمات.

قوله: «إذا تاب قبل قيام البيّنة. إلخ».

(1) التوبة قبل ثبوت موجب العقوبة عند الحاكم مسقطة للحدّ مطلقا. و أما بعده، فإن كان الثبوت بالبيّنة لم يسقط إذا كان حدّا، خلافا لأبي الصلاح (2) حيث جوّز للإمام العفو.

و أما بعد الإقرار، فالمشهور أنه يسقط تحتّم الحدّ، و يتخيّر الإمام بين العفو و الاستيفاء، لإسقاط التوبة تحتّم أقوى العقوبتين و هو الرجم، فلأن يسقط تحتّم أضعفهما أولى. ذهب إلى ذلك الشيخ في النهاية (3) و أتباعه (4)، و العلامة في المختلف (5).

____________

(1) راجع ج 12: 127.

(2) الكافي في الفقه: 413.

(3) النهاية: 714.

(4) المهذّب 2: 536.

(5) المختلف: 768.

471

[تتمّة تشمل مسائل]

تتمّة تشمل مسائل

[الأولى: من استحلّ شيئا من المحرّمات المجمع عليها]

الأولى: من استحلّ شيئا من المحرّمات (1) المجمع عليها، كالميتة و الدّم و الرّبا و لحم الخنزير، ممّن ولد على الفطرة، يقتل. و لو ارتكب ذلك لا مستحلّا، عزّر.

____________

و قال الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2) و ابن إدريس (3) و المصنف: لا يسقط، بل يتحتّم الحدّ، لثبوته بالإقرار فيستصحب، و لأن التوبة موضع التهمة.

و هذا أقوى.

و أجيب عن حجّة الأولين بوجود الفارق بين الرجم و غيره، من حيث تضمّنه تلف النفس المأمور بحفظها شرعا، بخلاف صورة الفرض.

و الحقّ الرجوع في الحكم إلى الأصل، و هو إثبات الحدّ إلى أن يثبت دليل صالح للإسقاط، و لم يحصل.

قوله: «من استحلّ شيئا من المحرّمات. إلخ».

(1) مستحلّ المحرّم إن كان ثبوته معلوما من الشرع ضرورة فلا شبهة في كفره، لأنه حينئذ رادّ للشرع الذي لا يتحقّق الإسلام بدون قبوله و لو بالاعتقاد.

و إن كان مجمعا عليه بين المسلمين، و لكن لم يكن ثبوته ضروريّا، فمقتضى عبارة المصنف- (رحمه اللّه)- و كثير من الأصحاب (4) الحكم بكفره أيضا، لأن إجماع جميع فرق المسلمين عليه يوجب ظهور حكمه، فيكون أمره

____________

(1) المبسوط 8: 4.

(2) لم نجده فيه، و حكاه عنه العلامة في المختلف: 768.

(3) السرائر 3: 478.

(4) قواعد الأحكام 2: 264، اللمعة الدمشقيّة: 169.

472

[الثانية: من قتله الحدّ أو التعزير فلا دية له]

الثانية: من قتله الحدّ أو التعزير (1) فلا دية له. و قيل: تجب على بيت المال. و الأوّل مرويّ.

____________

كالمعلوم.

و يشكل بأن حجّية الإجماع ظنّية لا قطعيّة، و من ثمَّ اختلف فيها و في جهتها. و نحن لا نكفّر من ردّ أصل الإجماع، فكيف نكفّر من ردّ مدلوله؟! فالأصحّ اعتبار القيد الأخير.

و أما مخالف ما أجمع عليه الأصحاب خاصّة فلا يكفّر قطعا و إن كان ذلك عندهم حجّة، فما كلّ من خالف حجّة يكفّر، خصوصا الحجّة الاجتهاديّة الخفيّة جدّا كهذه. و قد أغرب الشيخ (1)- (رحمه اللّه)- حيث حكم في بعض المسائل بكفر مستحلّ ما أجمع عليه الأصحاب. و قد تقدّم بعضه في باب الأطعمة و الأشربة (2).

و لا شبهة في فساده.

هذا كلّه إذا لم يدّع شبهة محتملة في حقّه، و إلا قبل منه. و لو ارتكب ذلك غير مستحلّ عزّر إن لم يكن الفعل موجبا للحدّ، و إلا دخل التعزير في ضمنه.

قوله: «من قتله الحدّ أو التعزير. إلخ».

(1) عدم ثبوت الدية على التقديرين هو الأظهر، لأنه فعل سائغ أو واجب فلا يتعقّبه الضمان. و لأن الإمام محسن في امتثال أوامر اللّه تعالى و إقامة حدوده، و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (3). و لحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له» (4). و «أيّ» من صيغ العموم.

____________

(1) انظر النهاية: 713.

(2) في ج 12: 14.

(3) التوبة: 91.

(4) التهذيب 10: 206 ح 813، الوسائل 19: 47 ب «24» من أبواب قصاص النفس ح 9.

473

..........

____________

و كذا الحدّ عند من جعل المفرد المعرّف للعموم من الأصوليّين (1).

و القول بضمانه في بيت المال للمفيد (2)- (رحمه اللّه)- لكنّه شرط كون الحدّ للناس، فلو كان للّه لم يضمن، لما روي أن عليّا (عليه السلام) كان يقول: «من ضربناه حدّا من حدود اللّه فمات فلا دية له علينا، و من ضربناه حدّا في شيء من حقوق الناس فمات فإن ديته علينا» (3).

و مقتضى هذا القول تخصيص الحدّ، و أن المراد ببيت المال بيت مال الامام لا بيت مال المسلمين.

و في الاستبصار (4) أن الدية في بيت المال، جمعا بين الأخبار، مع أن الرواية المرويّة عن عليّ (عليه السلام) ضعيفة السند.

و يظهر من المبسوط (5) و الخلاف (6) أن الخلاف في التعزير لا في الحدّ، لأنه مقدّر، فلا خطأ فيه، بخلاف التعزير، فإن تقديره مبنيّ على الاجتهاد الذي يجوز فيه الخطأ.

و هذا يتمّ مع كون الحاكم الذي يقيم عليه الحدّ غير معصوم، و إلا لم يفرّق الحال بين الحدّ و التعزير، و المسألة مفروضة فيما هو أعمّ من ذلك.

____________

(1) انظر المعارج للمحقّق الحلّي: 86، البحر المحيط 3: 98، العدّة للفرّاء 2: 519- 520، التمهيد للكلوذاني 2: 53.

(2) المقنعة: 743.

(3) الفقيه 4: 51 ح 183، الوسائل 18: 312 ب «3» من أبواب مقدّمات الحدود ح 4، و في المصادر:

قال الصادق (عليه السلام): من ضربناه.

(4) الاستبصار 4: 279 ذيل ح 1056.

(5) المبسوط 8: 63.

(6) الخلاف 5: 493 مسألة (10).

474

[الثالثة: لو أقام الحاكم الحدّ بالقتل]

الثالثة: لو أقام الحاكم الحدّ بالقتل، فبان فسوق الشاهدين، كانت الدية في بيت المال، و لا يضمنها الحاكم و لا عاقلته. (1)

و لو أنفذ إلى حامل (2) لإقامة حدّ، فأجهضت خوفا، قال الشيخ: دية الجنين في بيت المال. و هو قويّ، لأنّه خطأ، و خطأ الحاكم في بيت المال.

و قيل: يكون على عاقلة الإمام. و هي قضيّة عمر مع عليّ (عليه السلام).

____________

و قد ظهر أن الخلاف في حدّ (1) الآدمي و التعزير، و الروايات (2) دالّة على الحدّ أو الأعمّ، من حيث إن التعزير حدّ. و الأقوى عدم الضمان مطلقا.

قوله: «لو أقام الحاكم- إلى قوله- و لا عاقلته».

(1) لأن ذلك من خطأ الحكّام، و خطؤهم في بيت المال، لأنه معدّ للمصالح.

و كذا القول في الكفّارة هنا و في المسألة السابقة.

و قيل: تجب في ماله، لأنه قتل خطأ. و تردّد الشيخ في المبسوط (3) في الكفّارة. و كذلك في المختلف (4).

قوله: «و لو أنفذ إلى حامل. إلخ».

(2) القول بكون دية الجنين في بيت المال هو الموافق لقواعد الأصحاب، و هو قول الأكثر، لأن خطأ الحكّام محلّه بيت المال.

____________

(1) في «م»: حقّ.

(2) راجع الوسائل 19: 46 ب «24» من أبواب قصاص النفس.

(3) المبسوط 8: 64.

(4) المختلف: 727- 728.

475

..........

____________

و القول بكونه على عاقلة الإمام لابن إدريس (1)، محتجّا بأنه خطأ محض، لأنه غير عامد في فعله، و لا قصده، لأنه لم يقصد الجنين مطلقا، و إنما قصد أمه، فتكون الدية على عاقلته، و الكفّارة في ماله.

و هو موافق للرواية المشهورة من قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث أرسل عمر خلف حامل ليقيم عليها الحدّ فأجهضت، فسأل عمر الصحابة عن ذلك فلم يوجبوا عليه شيئا، فقال: «ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فتنصّل من الجواب، فعزم عليه، فقال: إن كان القوم قد قاربوك فقد غشّوك، و إن كانوا قد ارتأوا فقد قصّروا، الدية على عاقلتك، لأن قتل الصبيّ خطأ تعلّق بك، فقال: أنت و اللّه نصحتني من بينهم، فقال: و اللّه لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل ذلك (عليه السلام)» (2).

و أجيب عن الرواية بأنه لم يرسل إليها بعد ثبوت ذلك عنها (3). و لأنه لم يكن حاكما عند عليّ (عليه السلام).

و فيه نظر، لأن جواز الإرسال خلف الغريم لا يتوقّف على ثبوت الحقّ عليه، فإن مجرّد الدعوى عليه حقّ. إلا أن يقال: إن هنا لم يكن عليها مدّع حسبة و لا شاهد. و هو بعيد.

و أما الجواب الثاني فلا يليق بذلك المقام، و لا كان أمير المؤمنين عليه

____________

(1) السرائر 3: 480.

(2) الإرشاد للشيخ المفيد: 109- 110، الوسائل 19: 200 ب «30» من أبواب موجبات الضمان ح 2.

(3) في «أ»: عليها.

476

و لو أمر الحاكم بضرب المحدود (1) زيادة عن الحدّ فمات، فعليه نصف الدّية في ماله إن لم يعلم الحدّاد، لأنّه شبيه العمد.

و لو كان سهوا، فالنّصف على بيت المال.

و لو أمر بالاقتصار على الحدّ، فزاد الحدّاد عمدا، فالنصف على الحدّاد في ماله. و لو زاد سهوا فالدّية على عاقلته. و فيه احتمال آخر.

____________

السلام يتجاهر بحكمه، و لا كان يسمع منه. و الأولى في ذلك أن الرواية لم ترد (1) بطريق معتمد عليه، فالرجوع إلى الأصول المقرّرة متعيّن.

قوله: «و لو أمر الحاكم بضرب المحدود. إلخ».

(1) إذا أمر الحاكم- و المراد به غير المعصوم- بضرب المحدود زيادة عن القدر الواجب، فمات المحدود بسبب الضرب، فعلى الحاكم نصف الدية، لأنه مات بسببين: أحدهما سائغ، و الآخر مضمون على الحاكم في ماله، لأنه شبيه عمد من حيث قصده للفعل دون القتل.

و لو كان أمره بالزيادة سهوا، لغلطه في الحساب، فنصف الدية على بيت المال، لأنه من خطأ الحكّام.

هذا إذا لم يعلم الحدّاد بالحال، و إلا كان متعمّدا، فيكون عليه القصاص، لأنه باشر الإتلاف.

هكذا أطلق في التحرير (2). و ينبغي تقييده بقصده القتل، أو كون ذلك ممّا يقتل غالبا، و إلا لم يتّجه القصاص.

و لو كان الحاكم قد أمر بالاقتصار على الحدّ فزاد الحدّاد عمدا، فالحكم

____________

(1) في «م»: ترو.

(2) تحرير الأحكام 2: 227.

477

..........

____________

كما سبق في تعمّده مع (1) الأمر و أولى.

و إن زاد سهوا، قال المصنف- (رحمه اللّه)-: إن الدية على عاقلته.

و هو يحتمل إرادة مجموع الدية، نظرا إلى أنه قتل عدوان [و إن] (2) حصل من فعله [تعالى] (3) و عدوان الضارب، فيحال (4) الضمان كلّه على العادي، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف، أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرّقها، و استناد موته إلى الزيادة، و لا يسقط بسبب الضرب السائغ شيء. لكن لا يوافق السابق.

و أن يريد به الدية اللازمة عن الزيادة، و هي النصف، لموته بالسببين. و هذا هو المطابق لما سلف. و به صرّح في التحرير.

و الاحتمال الآخر الذي أشار إليه المصنف- (رحمه اللّه)- يحتمل أن يريد به توزيع الدية على الأسواط الزائدة و الواقعة في الحدّ، فيسقط منها بحساب الحدّ، لأن السبب مركّب من المجموع.

و أن يريد به ثبوت نصف الدية في ماله على تقدير السهو، لأنه قاصد للفعل، و إنما أخطأ في قصد القتل.

و أن يريد ذلك مع ثبوت القصاص عليه مع التعمّد مطلقا، مع ردّ نصف الدية عليه، أو بحساب الأسواط.

____________

(1) في «خ»: فمع الأمر أولى.

(2) من الحجريّتين.

(3) من «د، م».

(4) في «ا، ط»: فيجب.

478

[الباب الخامس في حدّ السرقة]

الباب الخامس في حدّ السرقة و الكلام في: السارق، (1) و المسروق، و الحجّة، و الحدّ، و اللواحق.

[الأوّل: في السارق]

الأوّل: في السارق.

[و يشترط في وجوب الحدّ عليه شروط]

و يشترط في وجوب الحدّ عليه شروط:

[الأوّل: البلوغ]

الأوّل: البلوغ فلو سرق الطفل، لم يحدّ، و يؤدّب، و لو تكرّرت سرقته.

و في النهاية: يعفا عنه أوّلا، فإن عاد أدّب، فإن عاد حكّت أنامله حتى تدمى، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع الرجل.

و بهذا روايات.

____________

قوله: «في السارق. إلخ».

(1) ما اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- من عدم ثبوت القطع على الصبيّ مطلقا هو المشهور بين المتأخّرين. و هو الموافق للأصل من ارتفاع القلم عن الصبيّ حتى يبلغ، و أنه غير مؤاخذ شرعا على أقواله و لا [على] (1) أفعاله، لأنه لا يحرم عليه شيء و لا يجب عليه شيء. نعم، يؤدّب بما يراه الحاكم حسما للمادّة.

و القول الذي نقله عن الشيخ في النهاية (2) وافقه عليه القاضي (3) و العلامة

____________

(1) من «ط».

(2) النهاية: 716.

(3) لم نجده في مهذّب القاضي و جواهره، و نسبه إليه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4: 519، و لعلّه في كتابه الكامل، و هو مفقود.

479

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل فلا يقطع المجنون، (1) و يؤدّب، و إن تكرّر منه.

____________

في المختلف (1)، لكثرة الأخبار (2) الواردة به، فمنها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن الصبيّ يسرق، قال: يعفا عنه مرّة و مرّتين، و يعزّر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك» (3).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الصبيّ يسرق، قال: إذا سرق و هو صغير يعفا عنه، فإن عاد قطع بنانه، فإن عاد قطع أسفل من بنانه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك» (4).

و حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا سرق الصبيّ عفى عنه، فإن عاد عزّر، فإن عاد قطع أطراف الأصابع، فإن عاد قطع أسفل من ذلك» (5).

و قال: «أتي عليّ (عليه السلام) بغلام يشكّ في احتلامه، فقطع أطراف الأصابع» (6).

و هذه الروايات مع وضوح سندها و كثرتها مختلفة الدلالة، و ينبغي حملها على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الامام، لا حدّا.

قوله: «العقل فلا يقطع المجنون. إلخ».

(1) هذا إذا سرق في حال جنونه. أما لو سرق عاقلا و لو في حال إفاقته- كذي

____________

(1) المختلف: 770.

(2) راجع الوسائل 18: 522 ب «28» من أبواب حدّ السرقة.

(3) الكافي 7: 232 ح 1، التهذيب 10: 119 ح 473، الوسائل 18: 522 الباب المتقدّم ح 1.

(4) الكافي 7: 232 ح 2، التهذيب 10: 119 ح 474، الوسائل 18: 523 الباب المتقدّم ح 4.

(5) الكافي 7: 232 ح 4، التهذيب 10: 118 ح 472، الاستبصار 4: 248 ح 943، الوسائل 18:

523 الباب المتقدّم ح 2، 3.

(6) الكافي 7: 232 ح 4، التهذيب 10: 118 ح 472، الاستبصار 4: 248 ح 943، الوسائل 18:

523 الباب المتقدّم ح 2، 3.

480

[الثالث: ارتفاع الشبهة]

الثالث: ارتفاع الشبهة (1) فلو توهّم الملك، فبان غير مالك، لم يقطع. و كذا لو كان المال مشتركا. فأخذ ما يظنّ أنّه قدر نصيبه.

____________

الأدوار- قطع، و لا يمنعه اعتراض الجنون، استصحابا لما ثبت قبله.

و نبّه بقوله: «و إن تكرّر منه» على مخالفة حكمه للصبيّ، حيث قيل فيه مع التكرار بالقطع في الجملة. و الفارق النصّ. و لكن يؤدّب بما يراه الحاكم، حسما لجرأته.

و في التحرير (1) نسب تأديبه إلى القيل. و لعلّه لعدم تمييزه الموجب لارتداعه بالتأديب عن المعاودة. و لكن هذا يختلف باختلاف أحوال المجانين، فإن منهم من يردعه التأديب و هم الأكثر، و منهم من لا يشعر بذلك، و الجنون فنون، و إناطة التأديب برأي الحاكم يحصّل المطلوب.

قوله: «ارتفاع الشبهة. إلخ».

(1) أما انتفاء القطع مع توهّم الملك فواضح، لأنه شبهة و الحدّ يدرأ بالشبهة، و القطع من أفراد الحدود.

و أما انتفاؤه مع أخذه من المال المشترك ما يظنّه قدر نصيبه، فلأنه مع مطابقة الواقع لظنّه أو نقصانه عن النصيب يمكن أن يقع جميع المأخوذ في نصيبه عند القسمة، فلا يكون قد أخذ من مال غيره شيئا، و مع ظهور خطأ ظنّه و زيادة المأخوذ عن نصيبه بقدر النصاب يكون ذلك شبهة يدرأ بها الحدّ. و يشترك الجميع في أن القسمة و إن كانت فاسدة فإنها تصير شبهة دارئة.

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 227.

481

..........

____________

كذا أطلقه جماعة (1). و قيّده بعضهم (2) بما إذا كان المال المشترك ممّا يجري فيه الإجبار على القسمة، كالحبوب و سائر الأموال المثليّة، ليمكن فرض تعاطيه القسمة بنفسه، و جعلها شبهة دارئة [للحدّ] (3) و إن كانت فاسدة. فلو كان ممّا لا يجري فيه الإجبار كالثياب، و سرق منه نصف دينار يشتركان فيه على السويّة، أو ثلاثة أرباع ممّا ثلثاه للسارق قطع، لأنه لا يجري (4) فيه الأخذ بدون إذن الشريك.

و في كلّ واحد من القسمين نظر، لأن قسمة الإجبار لا يجوز للشريك الاستبداد بها مطلقا، بل مع امتناع الشريك من القسمة، و هي مفروضة فيما هو أعمّ من ذلك.

و الحقّ أن أخذ المال المشترك مطلقا حيث لا يجوز الاستبداد بقسمته للشريك، إن كان يتوهّم الآخذ جواز استبداده بالأخذ بنفسه فهو كتوهّم الملك في السابق، فيعذر للشبهة، بل هنا أولى، لتحقّق ملكه في الجملة. و إن كان يعلم عدم جواز الاستبداد بالقسمة أو بالأخذ بدون إذن الشريك، احتمل أن يقطع مع أخذه من نصيب الشريك قدر النصاب، لوجود المقتضي للقطع، و هو سرقة مال الغير بشرطه، و انتفاء المانع، إذ ليس إلا كونه شريكا، و هو لا يكفي في المانعيّة.

و التفصيل بزيادة المأخوذ عن قدر نصيبه بقدر النصاب، للروايات (5) الآتية

____________

(1) إرشاد الأذهان 2: 181، اللمعة الدمشقيّة: 170.

(2) قواعد الأحكام 2: 266، و انظر روضة الطالبين 7: 333.

(3) من «د».

(4) في «أ»: لا يجزي.

(5) راجع الوسائل 18: 518 ب «24» من أبواب حدّ السرقة.

482

[الرابع: ارتفاع الشركة]

الرابع: ارتفاع الشركة (1) فلو سرق من مال الغنيمة، فيه روايتان:

إحداهما: لا يقطع.

و الأخرى: إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب، قطع.

و التفصيل حسن.

____________

الدالّة على عدم قطع الغانم بسرقته من الغنيمة قدر نصيبه فما دون. و لا فرق على التقديرين بين قبوله للقسمة و عدمه.

قوله: «ارتفاع الشركة. إلخ».

(1) الرواية الأولى رواها محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أخذ بيضة من المغنم، و قالوا: قد سرق اقطعه، فقال: إنّي لم أقطع أحدا له فيما أخذ شرك» (1).

و قريب منها رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أربعة لا قطع عليهم: المختلس، و الغلول، و من سرق من المغنم، و سرقة الأجير، لأنها خيانة» (2). و عمل بمضمونها المفيد (3) و سلّار (4) من المتقدّمين و فخر الدين (5) من المتأخّرين.

____________

(1) الكافي 7: 223 ح 7، التهذيب 10: 104 ح 406، الاستبصار 4: 241 ح 910، الوسائل 18:

518 ب «24» من أبواب حدّ السرقة ح 1.

(2) الكافي 7: 226 ح 6، التهذيب 10: 114 ح 449، الاستبصار 4: 241 ح 912، الوسائل 18:

503 ب «12» من أبواب حدّ السرقة ح 3.

(3) المقنعة: 803.

(4) المراسم: 258.

(5) إيضاح الفوائد 4: 525.

483

..........

____________

و في طريق الرواية الأولى سهل بن زياد، مع كون محمد بن قيس مشتركا [بين الثقة و غيره] (1). و حال الثانية واضح بالسكوني.

و أمّا الرواية الأخرى فرواها عبد اللّه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت: رجل سرق من المغنم، أيّ شيء يجب عليه أن يقطع؟

قال: ينظر كم الذي يصيبه، فإن كان الذي أخذ أقلّ من نصيبه عزّر، و دفع إليه تمام ماله، و إن كان أخذ مثل الذي له فلا شيء عليه، و إن كان أخذ فضلا بقدر ثمن مجنّ- و هو ربع دينار- قطع» (2).

و العمل على هذه الرواية أولى، لصحّتها و موافقتها للقواعد الشرعيّة. و عمل أكثر (3) الأصحاب بمضمونها. و فيها دلالة على أن الغانم يملك نصيبه من الغنيمة بالحيازة، أو على أن القسمة كاشفة عن سبق ملكه بها.

و في المسألة رواية أخرى بقطعه مطلقا، رواها عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: كانت بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه» (4).

و هذه الرواية أجود إسنادا من الأولى، و هي دالّة على خلاف ما دلّت عليه.

و حملت على ما إذا زادت عن نصيب السارق بمقدار النصاب فصاعدا جمعا، أو

____________

(1) من «د».

(2) الفقيه 4: 45 ح 151، التهذيب 10: 106 ح 410، الاستبصار 4: 242 ح 914، الوسائل 18:

519 ب «24» من أبواب حدّ السرقة ح 4.

(3) النهاية: 715، المهذّب 2: 542، تحرير الأحكام 2: 228.

(4) التهذيب 10: 105 ح 408، الاستبصار 4: 241 ح 913، الوسائل 18: 518 ب «24» من أبواب حدّ السرقة ح 3.

484

و لو سرق من المال المشترك (1) قدر نصيبه، لم يقطع. و لو زاد بقدر النصاب قطع.

[الخامس: أن يهتك الحرز]

الخامس: أن يهتك الحرز (2) منفردا كان أو مشاركا. فلو هتك غيره، و أخرج هو، لم يقطع.

____________

على كون السارق ليس من الغانمين، إذ لا دلالة فيها على كونه منهم. و كلاهما حسن.

قوله: «و لو سرق من المال المشترك. إلخ».

(1) قد تقدّم (1) الكلام في هذه المسألة، و إنما ذكرها مرّتين لمناسبة الأولى لشرط ارتفاع الشبهة بتقدير عروضها للشريك و إن زاد عن نصيبه، و مناسبة هذه لشرط انتفاء الشركة على تقدير انتفاء الشبهة، و من ثمَّ فرضها على تقدير أخذ الشريك بقدر نصيبه جزما، و أخذه الزائد بقدر النصاب جزما.

و وجهه: عدم القطع مع أخذه بقدر حقّه، و ثبوته مع الزيادة بقدر النصاب يظهر من الروايات (2) المذكورة في السرقة من الغنيمة، لأن شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي، للخلاف في ملكه، فإذا قيل بعدم قطع الغانم فالشريك أولى.

قوله: «أن يهتك الحرز. إلخ».

(2) هذا يتضمّن شرطين:

أحدهما: كون المال محرزا، فلا قطع في سرقة ما ليس بمحرز، لما روي أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «لا قطع في ثمر معلّق، و لا في حريسة جبل،

____________

(1) في ص: 480.

(2) راجع الوسائل 18: 518 ب «24» من أبواب حدّ السرقة.

485

..........

____________

فإذا آواها المراح [1] أو الجرين [2] فالقطع فيما بلغ ثمن المجنّ [3]» (4). و حريسة الجبل ما سرق من الجبل من المواشي. و يقال: إن سارقها يسمّى حارسا.

و اشترط (صلّى اللّه عليه و آله) للقطع إيواء المراح أو الجرين، فدلّ على أنه لا قطع فيما لم يحرز.

و عن عليّ (عليه السلام) قال: «لا يقطع إلا من نقب نقبا أو كسر قفلا» (5).

و الثاني: أن يكون الآخذ هو مهتك الحرز، إما بالنقب أو فتح الباب أو كسر القفل، و نحو ذلك. فلو هتك الحرز واحد و أخذ آخر فلا قطع على أحدهما. أما الأول فلأنه لم يسرق. و أما الثاني فلأنه لم يأخذ من حرز. و يجب على الأول ضمان ما أفسد من الجدار و غيره، و على الثاني ضمان المال.

و لبعض (6) العامّة قول بثبوت القطع على الثاني، لئلّا يتّخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحدّ. و أثبت آخرون (7) القطع على الأول، بعلّة أنه ردء و عون للسارق.

و ظاهر عدم صلاحيّة الأمرين لإثبات الحكم.

و لو تعاونا على النقب و نحوه ممّا يحصل به إزالة الحرز، و انفرد أحدهما بالإخراج، فالقطع على المخرج خاصّة.

____________

[1] المراح: مأوى الإبل و البقر و الغنم. لسان العرب 2: 464- 465.

[2] الجرين: موضع تجفيف التمر، و جمعه: جرن. النهاية لابن الأثير 1: 263.

[3] المجنّ: التّرس، و جمعه: مجانّ. لسان العرب 13: 94.

____________

(4) مستدرك الحاكم 4: 381، سنن البيهقي 8: 266.

(5) التهذيب 10: 109 ح 423، الاستبصار 4: 243 ح 918، الوسائل 18: 509 ب «18» من أبواب حدّ السرقة ح 3.

(6) انظر روضة الطالبين 7: 346.

(7) لم نعثر عليه.

486

[السادس: أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا]

السادس: أن يخرج المتاع بنفسه (1) أو مشاركا و يتحقّق الإخراج: بالمباشرة، و بالتسبيب، مثل: أن يشدّه بحبل ثمَّ يجذبه من خارج، أو يضعه على دابّة، أو على جناح طائر من شأنه العود إليه.

و لو أمر صبيّا غير مميّز بإخراجه، تعلّق بالآمر القطع، لأنّ الصبيّ كالآلة.

____________

و لو انعكس فانفرد أحدهما بالهتك، و شارك غيره في إخراج النصاب، فلا قطع على أحدهما، لأن كلّا منهما لم يسرق نصابا. نعم، لو أخرجا نصابين بالاشتراك، أو بانفراد كلّ منهما بنصاب، قطعا.

قوله: «أن يخرج المتاع بنفسه. إلخ».

(1) ظاهر اكتفائه بإخراجه بالمشاركة الحكم بالقطع على تقدير إخراج الاثنين فصاعدا نصابا واحدا. و يشكل بعدم صدق سرقة النصاب على كلّ واحد بخصوصه. و قيل: يشترط بلوغ نصيب من يحكم بقطعه نصابا، فلا يقطع من قصر نصيبه عنه. و لعلّ هذا أظهر.

و يعتبر في الإخراج بالتسبيب أن لا يكون المباشر ممّا يصلح لإسناد الفعل إليه حقيقة، كما يقتضيه الأمثلة. فلو كان المخرج بعد تسبيبه مميّزا فلا قطع على المسبّب.

و يعتبر في المباشر اجتماع الشروط في الحكم بقطعه، بأن يكون مشاركا في هتك الحرز، و مكلّفا، و مخرجا للنصاب، إلى غير ذلك.

487

[السابع: أن لا يكون والدا من ولده]

السابع: أن لا يكون والدا من ولده (1) و يقطع الولد لو سرق من الوالد. و كذا يقطع الأقارب. و كذا الأمّ لو سرقت من الولد.

____________

قوله: «أن لا يكون والدا من ولده. إلخ».

(1) عموم آية (1) السرقة و غيرها من الأدلّة متناول لسرقة الأقارب و الأجانب، لكن خرج من ذلك سرقة الأب و إن علا من الولد بالإجماع، فيبقى الباقي على العموم.

و ألحق أبو الصلاح (2) الأم بالأب. و نفى عنه في المختلف (3) البأس، لأنها أحد الأبوين، و لاشتراكهما في وجوب الإعظام.

و ألحق بعض (4) العامّة بهما كلّ من تجب نفقته على الآخر، لما بين الفروع و الأصول من الاتّحاد، و كون مال كلّ واحد من النوعين مرصدا لحاجة الآخر، و من حاجاته أن لا يقطع يده بسرقة ذلك المال.

و عمّم آخرون (5) الحكم في كلّ قريب. و تخصيص العموم بمثل هذه الأدلّة لا يخفى ما فيه.

____________

(1) المائدة: 38.

(2) الكافي في الفقه: 411.

(3) المختلف: 776.

(4) روضة الطالبين 7: 335.

(5) بدائع الصنائع 7: 70، تبيين الحقائق 3: 220، حلية العلماء 8: 64، بداية المجتهد 2: 451، رحمة الأمّة: 294- 295.

488

[الثامن: أن يأخذه سرّا]

الثامن: أن يأخذه سرّا (1) فلو هتك قهرا ظاهرا و أخذ لم يقطع. و كذا المستأمن لو خان.

و يقطع الذمّي كالمسلم، و المملوك، مع قيام البيّنة. و حكم الأنثى في ذلك كلّه حكم الذكر.

[مسائل]

مسائل:

[الأولى: لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن]

الأولى: لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن، و إن استحقّ المرتهن الإمساك، و لا المؤجر العين المستأجرة، و إن كان ممنوعا من الاستعادة، مع القول بملك المنفعة، لأنّه لم يتحقّق إخراج النّصاب من مال المسروق منه حالة الإخراج.

[الثانية: لا يقطع عبد الإنسان بسرقة ماله]

الثانية: لا يقطع عبد الإنسان بسرقة (2) ماله، و لا عبد الغنيمة بالسّرقة منها، لأنّ فيه زيادة إضرار. نعم، يؤدّب بما يحسم الجرأة.

____________

قوله: «أن يأخذه سرّا. إلخ».

(1) لأن الأول لا يسمّى سارقا بل غاصبا، و الثاني لم يحرز من دونه.

قوله: «لا يقطع عبد الإنسان بسرقة. إلخ».

(2) مستند هذا الحكم المخالف للأصل روايات، منها رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد سرق و اختان من مال مولاه، قال: ليس عليه قطع» (1).

و في حديث آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: عبدي إذا سرقني لم

____________

(1) الكافي 7: 234 ح 5، التهذيب 10: 111 ح 436، الوسائل 18: 526 ب «29» من أبواب حدّ السرقة ح 1.

489

[الثالثة: يقطع الأجير إذا أحرز المال من دونه]

الثالثة: يقطع الأجير إذا أحرز المال (1) من دونه. و في رواية: لا يقطع. و هي محمولة على حالة الاستئمان.

و كذا الزّوج إذا سرق من زوجته، أو الزوجة [من زوجها].

____________

أقطعه، و عبدي إذا سرق غيري قطعته، و عبد الإمارة إذا سرق لم أقطعه، لأنه فيء» (1). و في طريق الروايات ضعف، و لكن لا رادّ لها.

و المصنف- (رحمه اللّه)- علّل الحكم بأن في القطع زيادة إضرار، و الحدّ شرّع لحسم الجرأة و دفع الضرر، فلا يدفع الضرر بالضرر. و هو تعليل للنصّ بعد ثبوته، أما كونه علّة برأسه فموضع نظر.

قوله: «يقطع الأجير إذا أحرز المال. إلخ».

(1) كون الأجير كغيره من السارقين في قطعه إذا سرق من مال المستأجر بشرطه هو المشهور بين الأصحاب، لعموم الآية (2) و غيرها من الأدلّة.

و قال الشيخ في النهاية (3): لا قطع عليه، استنادا إلى رواية سليمان قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل استأجر أجيرا فسرق من بيته، هل تقطع يده؟ قال: هذا مؤتمن ليس بسارق، و هذا خائن» (4).

و حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن» (5).

____________

(1) الكافي 7: 237 ح 20، التهذيب 10: 111 ح 437، الوسائل 18: 527 الباب المتقدّم ح 2.

(2) المائدة: 38.

(3) النهاية: 717.

(4) الكافي 7: 227 ح 3، التهذيب 10: 109 ح 424، الوسائل 18: 506 ب «14» من أبواب حدّ السرقة ح 3.

(5) الكافي 7: 227 ح 1، التهذيب 10: 109 ح 426، الوسائل 18: 505 الباب المتقدّم ح 1.

490

و في الضّيف قولان، (1) أحدهما: لا يقطع مطلقا. و هو المرويّ.

و الآخر: يقطع إذا أحرز من دونه. و هو أشبه.

[الرابعة: لو أخرج متاعا، فقال صاحب المنزل: سرقته، و قال المخرج: وهبتنيه]

الرابعة: لو أخرج متاعا، فقال صاحب المنزل: سرقته، و قال المخرج: وهبتنيه أو أذنت في إخراجه، سقط الحدّ للشبهة، و كان القول قول صاحب المنزل مع يمينه في المال.

و كذا لو قال: المال لي، و أنكر صاحب المنزل، فالقول قوله مع يمينه، و يغرّم المخرج، و لا قطع لمكان الشبهة.

____________

و رواية سماعة قال: «سألته عمّن استأجر أجيرا فأخذ الأجير متاعه فسرقه، قال هو مؤتمن، ثمَّ قال: الأجير و الضيف أمينان، ليس يقع عليهما حدّ السرقة» (1).

و المصنف- (رحمه اللّه)- و غيره من الأصحاب (2) حملوا الروايات على ما لو كان المستأجر قد استأمنه على المال و لم يحرزه عنه. و في الروايات إيماء إليه، بل في رواية الحلبي تصريح به. هذا مع ضعف الأولى باشتراك سليمان الراوي بين جماعة منهم المقبول و غيره، و الأخيرة بالوقف و الاسناد.

قوله: «و في الضيف قولان. إلخ».

(1) القول بعدم قطع الضيف للشيخ في النهاية (3) و جماعة، منهم ابن الجنيد (4) و الصدوق (5) و ابن إدريس (6)، محتجّا عليه بالإجماع.

____________

(1) الكافي 7: 228 ح 5، التهذيب 10: 109 ح 425، الوسائل 18: 506 الباب المتقدّم ح 4.

(2) تحرير الأحكام 2: 228.

(3) النهاية: 717.

(4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 770.

(5) المقنع: 447.

(6) السرائر 3: 488.

491

[الثّاني: في المسروق]

الثّاني: في المسروق لا قطع فيما نقص (1) عن ربع دينار.

و يقطع فيما بلغه: ذهبا، خالصا، مضروبا عليه السّكّة، أو ما قيمته ربع دينار، ثوبا كان أو طعاما أو فاكهة أو غيره، [سواء] كان أصله الإباحة أو لم يكن.

و ضابطه: ما يملكه المسلم.

و في الطير و حجارة الرّخام، رواية بسقوط الحدّ ضعيفة.

____________

و مستند غيره على الحكم الرواية السابقة، و رواية محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) قال: «الضيف إذا سرق لم يقطع، و إذا أضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف» (1).

و الأصحّ القطع، للعموم (2)، و عليه المصنف و جميع المتأخّرين (3). و تحمل الروايات- مع اشتراكها في ضعف السند- على ما لو لم يحرز المال عنه. و ينبّه عليه الحكم بقطع ضيف الضيف، لأن المالك لم يأتمنه.

قوله: «لا قطع فيما نقص. إلخ».

(1) يعتبر في ثبوت القطع على السارق بلوغ سرقته قدر النصاب بإجماع علمائنا. و لكن اختلفوا في مقداره، فالمشهور بينهم أنه ربع دينار من الذهب الخالص المضروب بسكّة المعاملة، أو ما قيمته ربع دينار، فلا قطع فيما دون

____________

(1) الكافي 7: 228 ح 4، التهذيب 10: 110 ح 428، الوسائل 18: 508 ب «17» من أبواب حدّ السرقة ح 1.

(2) المائدة: 38.

(3) المختلف: 771، إيضاح الفوائد 4: 526- 527، اللمعة الدمشقيّة: 170، التنقيح الرائع 4: 376، المقتصر: 413.

492

..........

____________

ذلك، لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا» (1). و في رواية أخرى: «لا قطع إلا في ربع دينار» (2).

و صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: في كم يقطع السارق؟

فقال: في ربع دينار.

قال: قلت له: في درهمين؟

فقال: في ربع دينار، بلغ الدينار ما بلغ.

قال: فقلت له: أرأيت من سرق أقلّ من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ و هل هو عند اللّه سارق في تلك الحال؟

فقال: كلّ من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، و هو عند اللّه السارق، و لكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر. و لو قطعت يد السارق فيما هو أقلّ من ربع دينار لألفيت عامّة الناس مقطّعين» (3).

و غيرها من الأخبار الكثيرة (4).

و اعتبر ابن أبي عقيل (5) دينارا فصاعدا. و قال ابن (6) بابويه: يقطع في

____________

(1) مسند أحمد 6: 36، سنن الدارمي 2: 172، صحيح البخاري 8: 199، سنن أبي داود 4:

136 ح 4383- 4384، صحيح مسلم 3: 1312، سنن الترمذي 4: 40 ح 1445، سنن البيهقي 8:

254.

(2) صحيح مسلم 3: 1312 ح 3، سنن ابن ماجه 2: 862 ح 2585، سنن البيهقي 8: 254.

(3) الكافي 7: 221 ح 6، التهذيب 10: 99 ح 384، الاستبصار 4: 238 ح 896، الوسائل 18: 482 ب «2» من أبواب حدّ السرقة ح 1.

(4) راجع الوسائل 18: 482 ب «2» من أبواب حدّ السرقة.

(5) حكاه عنه العلامة في المختلف: 772.

(6) راجع المقنع: 444، و لكن نقل فيه روايات أخر أيضا.

493

..........

____________

خمس دينار، أو في قيمة ذلك. و يظهر من ابن الجنيد (1) الميل إليه. و المذهب هو الأول.

و نبّه بقوله: «ثوبا كان أو طعاما أو فاكهة، كان أصله الإباحة أو لم يكن» على خلاف أبي حنيفة (2)، حيث ذهب إلى أنه لا قطع فيما كان مباح الأصل إلا في خشب الساج. و الحق بعضهم (3) به الآبنوس و الصندل و العود. و زاد آخرون (4) الخشب المعمول كالسرر و الأبواب. و لا فيما (5) كان رطبا أو متعرّضا للفساد، كالرطب و التّين و التفّاح، و البقول و الرياحين، و الشواء و الهريسة و الفالوذج، و الجمد (6) و الشمع المشتعل.

لنا: عموم الآية (7)، و ما رووه عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد سئل عن التمر المعلّق فقال: «من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجنّ، فعليه القطع» (8). و كان ثمن المجنّ عندهم ربع دينار.

و الرواية التي أشار إليها المصنف- (رحمه اللّه)- بسقوط الحدّ عن سارق الرخام و نحوه رواها السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا قطع على من سرق الحجارة، يعني: الرخام و أشباه

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 772.

(2) اللباب في شرح الكتاب 3: 203- 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68- 69، تبيين الحقائق 3: 214- 215 و 219، و انظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243- 244، رحمة الأمة: 296.

(3) اللباب في شرح الكتاب 3: 203- 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68- 69، تبيين الحقائق 3: 214- 215 و 219، و انظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243- 244، رحمة الأمة: 296.

(4) اللباب في شرح الكتاب 3: 203- 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68- 69، تبيين الحقائق 3: 214- 215 و 219، و انظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243- 244، رحمة الأمة: 296.

(5) اللباب في شرح الكتاب 3: 203- 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68- 69، تبيين الحقائق 3: 214- 215 و 219، و انظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243- 244، رحمة الأمة: 296.

(6) في «ا، ث»: و الجزر، و في «ط»: و الحل.

(7) المائدة: 38.

(8) سنن أبي داود 4: 137 ح 4390، تلخيص الحبير 4: 64 ح 1772.

494

و من شرطه أن يكون محرزا (1) بقفل أو غلق أو دفن. و قيل: كلّ موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا بإذنه.

____________

ذلك» (1). و لا يخفى حال (2) السند.

قوله: «و من شرطه أن يكون محرزا. إلخ».

(1) لا شبهة في اعتبار كون السرقة من الحرز في ثبوت القطع، و إنما الكلام في حقيقته، فإن الشرع اعتبر الحرز و لم يبيّن له حدّا بطريق يعتمد عليه، و ما هذا شأنه يجب الرجوع فيه إلى العرف، كالقبض و التفرّق عن مكان البيع و إحياء الموات، و نحو ذلك.

و قد دلّ العرف على أن القفل على الظرف الذي لا ينقل عادة- كالبيت، و الصندوق الكبير، و الغلق على الدار، و الدفن للمال- حرز في الجملة، و إن كان المرجع في تفاصيله إلى العرف، و ذلك يختلف باختلاف المال المحرز. فحرز الثياب الصندوق المقفّل. و حرز الدوابّ الإصطبل و المراح الموثق بالغلق. و حرز الأمتعة التي من شأنها أن توضع في الدكاكين هي مع ما يعتبر معها ممّا يناسبها من وضعها و غلقها و غيرهما. و إلى نحو ذلك ذهب الشيخ في المبسوط (3).

و قال في الخلاف (4): كلّ موضع حرز لشيء من الأشياء فهو حرز لجميع الأشياء. و لا يخفى ما فيه.

و القول بتحديده بكلّ موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا بإذنه، للشيخ

____________

(1) الكافي 7: 230 ح 2، التهذيب 10: 111 ح 433، الوسائل 18: 516 ب «23» من أبواب حدّ السرقة ح 1.

(2) في «ا»: ضعف.

(3) راجع المبسوط 8: 22، و لكن قوّى بعد ذلك ما اختاره في الخلاف.

(4) الخلاف 5: 419 مسألة (6).

495

فما ليس بمحرز (1) لا يقطع سارقه، كالمأخوذ من الأرحية، و الحمّامات، و المواضع المأذون في غشيانها كالمساجد.

و قيل: إذا كان المالك مراعيا له، كان محرزا، كما قطع النبيّ (عليه السلام) سارق مئزر صفوان في المسجد. و فيه تردّد.

____________

في النهاية (1) أيضا.

و ردّه ابن إدريس (2) بأن الدار المفتوحة أو التي لا باب لها ليس لغيره الدخول إليها بدون إذنه، و لا يجب القطع بالسرقة منها. و هذا الإيراد في محلّه.

و اعتذر له في المختلف (3) بجواز أن يكون مراده بقوله: «ليس لغير المتصرّف الدخول فيه» سلب القدرة لا الجواز الشرعي.

و هو حمل بعيد، و مخالف لمفهوم الروايات (4) التي استند إليها في ذلك.

قوله: «فما ليس بمحرز. إلخ».

(1) لا شبهة في أن المواضع المطروقة من غير مراعاة المالك- كالمذكورة- ليست حرزا. و أما مع مراعاة المالك فذهب الشيخ في المبسوط (5) و من تبعه إلى كونه محرزا بذلك، و لهذا قطع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سارق رداء صفوان بن أميّة من المسجد، مع كونه غير محرز إلا بمراعاته.

و الرواية وردت بطرق كثيرة، منها حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يأخذ اللصّ يرفعه أو يتركه؟

____________

(1) النهاية: 714.

(2) السرائر 3: 483- 484.

(3) المختلف: 769.

(4) الوسائل 18: 508 ب «18» من أبواب حدّ السرقة.

(5) المبسوط 8: 24 و 36.

496

..........

____________

قال: إن صفوان بن أميّة كان مضطجعا في المسجد الحرام، فوضع رداءه و خرج يهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): اقطعوا يده.

فقال صفوان: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه؟

قال: نعم.

قال: فأنا أهبه له.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): فهلّا كان هذا قبل أن ترفعه إليّ! قلت: فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟

قال: نعم» (1).

و في الاستدلال بهذا الحديث للقول بأن المراعاة حرز نظر بيّن، لأن المفهوم منها- و به صرّح (2) كثير- أن المراد بها النظر إلى المال، فإنه لو نام (3) أو غفل عنه أو غاب زال الحرز، فكيف يجتمع الحكم بالمراعاة مع فرض كون المالك غائبا عنه؟! و في بعض الروايات (4): أن صفوان نام فأخذ من تحته. و الكلام فيها كما سبق، و إن كان النوم عليه أقرب إلى المراعاة مع الغيبة عنه.

____________

(1) الكافي 7: 251 ح 2، التهذيب 10: 123 ح 494، الاستبصار 4: 251 ح 952، الوسائل 18:

329 ب «17» من أبواب مقدّمات الحدود ح 2.

(2) المبسوط 8: 36.

(3) في «ت، خ، ط، م»: قام.

(4) سنن ابن ماجه 2: 865 ح 2595، الموطّأ 2: 834 ح 28، مسند أحمد 6: 465، سنن البيهقي 8:

265، تلخيص الحبير 4: 64 ح 1771.

497

..........

____________

و في المبسوط (1) فرض المسألة على هذا التقدير، و اكتفى في حرز الثوب بالنوم عليه أو الاتّكاء عليه أو توسّده. و احتجّ عليه بحديث صفوان، و أنه سرقه من تحت رأسه من المسجد، و أنه كان متوسّدا له.

و هذا أوجه. مع أن في جعل المراعاة حرزا إشكالا (2) من وجه آخر، لأن السارق إن أخذ المال مع نظر المالك إليه لتتحقّق المراعاة لم يحصل الشرط، و هو أخذه سرّا، و إنما يكون مستلبا غاصبا، و هو لا يقطع، و إن كان مع الغفلة عنه لم يكن محرزا بالمراعاة. فظهر أن السرقة لا تتحقّق مع المراعاة و إن جعلناها حرزا.

و هذا هو الوجه.

نعم، رواية صفوان على الوجه المرويّ أولا تصلح دليلا على مذهب ابن أبي (3) عقيل من أن السارق يقطع من أيّ موضع سرق، من بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك. و احتجّ عليه بهذه الرواية.

و بعض (4) العلماء فسّر الحرز بما على سارقه خطر، لكونه ملحوظا غير مضيّع، إما بلحاظ دائم أو بلحاظ معتاد. و على هذا يتوجّه الحكم في الرواية بقطع سارق الرداء، لأن سارقه في المسجد على خطر من أن يطّلع عليه.

و هذا التفسير متوجّه و مناسب لما يقتضيه النظر من كون المراعاة بالعين حرزا في مجامعته لإمكان سرقته بمغافلة المالك، إذ لم يشترط فيه دوام النظر، بل المعتاد منه المجامع للغفلة على وجه يمكن سرقته منه. و إلى هذا ذهب الشيخ في

____________

(1) المبسوط 8: 24.

(2) فيما لدينا من النسخ الخطّية: إشكال، و الصحيح ما أثبتناه.

(3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 776.

(4) الوجيز 2: 173.

498

و هل يقطع سارق ستارة الكعبة؟ (1) قال في المبسوط (1) و الخلاف (2):

نعم. و فيه إشكال، لأنّ الناس في غشيانها شرع.

____________

موضع (3) من المبسوط، و إن اختار الأول في مواضع (4).

قوله: « «و هل يقطع سارق ستارة الكعبة. إلخ».

(1) وجه ما اختاره الشيخ: ما رواه (5) أصحابنا من أن الإمام (عليه السلام) إذا قام قطع أيدي بني شيبة، و علّقها على البيت، و نادى عليهم: هؤلاء سرّاق بيت اللّه.

مضافا إلى عموم الآية (6) و الروايات (7) الدالّة على القطع.

و ذهب ابن إدريس (8)- (رحمه اللّه)- إلى عدم قطعه، لما أشار إليه المصنف- (رحمه اللّه)- من أن ذلك المحلّ ليس بحرز عرفا. و الرواية مع قطع النظر عن سندها محمولة على قطع أيديهم لفسادهم، أو على سرقة ما أحرز. و الأول أقعد، لأن إحراز مال البيت من مبدإ الإسلام إلى يومنا هذا بأيديهم، و شرط الحرز أن يكون بغير يد السارق. و عدم القطع للسرقة هو (9) الأصحّ.

____________

(1) المبسوط 8: 33.

(2) الخلاف 5: 429 مسألة (22).

(3) المبسوط 8: 23.

(4) المبسوط 8: 25.

(5) الكافي 4: 242 ح 4، علل الشرائع: 229 ح 1، عيون أخبار الرضا 1: 273 ح 5، التهذيب 9: 213 ح 842، الوسائل 9: 356 ب «22» من أبواب مقدّمات الطواف ح 13.

(6) المائدة: 38.

(7) راجع الوسائل 18: 482 ب «2» و ص: 500 ب «10» من أبواب حدّ السرقة.

(8) السرائر 3: 499.

(9) في «أ»: و هو.

499

و لا يقطع من سرق من جيب إنسان (1) أو كمّه الظاهرين، و يقطع لو كانا باطنين.

و لا قطع في ثمرة (2) على شجرها. و يقطع لو سرق بعد إحرازها.

____________

قوله: «و لا يقطع من سرق من جيب إنسان. إلخ».

(1) هذا التفصيل هو المشهور بين الأصحاب، ذكره الشيخ (1) و غيره (2).

و مستنده رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال: «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بطرّار قد طرّ دراهم من كمّ رجل، فقال: إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم أقطعه، و إن كان طرّ من قميصه الداخل قطعته» (3).

و رواية مسمع بن أبي سيّار عن الصادق (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بطرّار قد طرّ من رجل دراهم، فقال: إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم أقطعه، و إن كان طرّ من قميصه الأسفل قطعناه» (4).

و في الروايتين ضعف. و مقتضاهما أن المراد بالظاهر ما في الثوب الخارج، سواء كان بابه في ظاهره أم باطنه، و سواء كان الشدّ على تقديره من داخله أم من خارجه.

قوله: «و لا قطع في ثمرة. إلخ».

(2) هذا الحكم هو المشهور بين الأصحاب، و وردت به الأخبار الكثيرة (5). و قد

____________

(1) النهاية: 718، المبسوط 8: 45، الخلاف 5: 451 مسألة (51).

(2) المقنعة: 803، المهذّب 2: 545، السرائر 3: 492.

(3) الكافي 7: 226 ح 5، التهذيب 10: 115 ح 455، الاستبصار 4: 244 ح 922، الوسائل 18:

504 ب «13» من أبواب حدّ السرقة ح 2.

(4) الكافي 7: 226 ح 8، التهذيب 10: 115 ح 456، الاستبصار 4: 244 ح 923، الوسائل 18:

504 الباب المتقدّم ذيل ح 2.

(5) الوسائل 18: 516 ب «23» من أبواب حدّ السرقة.

500

و لا على من سرق (1) مأكولا في عام مجاعة.

____________

تقدّم (1) بعضها. و ظاهرها عدم الفرق مع كون الثمرة على الشجرة بين المحرزة بغلق و نحوه و غيرها. و هي على إطلاقها مخالفة للأصول المقرّرة في الباب. و مع كثرة الروايات فهي مشتركة في ضعف السند، و من ثمَّ ذهب العلامة (2) و ولده فخر الدين (3) إلى التفصيل في الشجرة كالثمرة، بالقطع مع إحرازهما (4)، و عدمه مع عدمه. و هو الأجود.

قوله: «و لا على من سرق. إلخ».

(1) المراد بالمأكول الصالح للأكل فعلا أو قوّة، كالخبز و اللّحم و الحبوب.

و مقتضى إطلاقه كغيره (5) عدم الفرق بين المضطرّ و غيره، فلا يقطع السارق في ذلك العام مطلقا، عملا بإطلاق النصوص. و هي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يقطع السارق في عام سنة، يعني: عام مجاعة» (6). و قوله (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع السارق في أيّام المجاعة» (7). و في رواية ثالثة عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يقطع السارق في سنة المحل في شيء يؤكل، مثل الخبز و اللحم و أشباه ذلك» (8).

____________

(1) في ص: 484- 485.

(2) قواعد الأحكام 2: 268.

(3) إيضاح الفوائد 4: 531.

(4) في «ت، خ»: إحرازها.

(5) قواعد الأحكام 2: 268.

(6) الكافي 7: 231 ح 2، التهذيب 10: 112 ح 442، الوسائل 18: 520 ب «25» من أبواب حدّ السرقة ح 2.

(7) الكافي 7: 231 ح 3، التهذيب 10: 112 ح 444، الوسائل 18: 520 الباب المتقدّم ح 3.

(8) الكافي 7: 231 ح 1، الفقيه 4: 52 ح 188، التهذيب 10: 112 ح 443، الوسائل 18: 520، الباب المتقدّم ح 1.

501

و من سرق صغيرا، (1) فإن كان مملوكا قطع. و لو كان حرّا فباعه، لم يقطع حدّا. و قيل: يقطع، دفعا لفساده.

____________

و حملوا ما أطلق في الروايتين السابقتين من المسروق على المقيّد في هذه، و هو المأكول. و في الروايتين الأخيرتين إرسال، مع اشتراك الجميع في الضعف، لكن العمل بمضمونها مشهور بين الأصحاب لا رادّ له.

قوله: «و من سرق صغيرا. إلخ».

(1) ثبوت القطع بسرقة المملوك الصغير واضح، لأنه مال فيلحقه حكمه.

و يشترط فيه شروطه التي من جملتها كونه محرزا، و كون قيمته بقدر النصاب.

و إنما لم يذكر ذلك لأن البحث عن سرقته من حيث إنه مملوك، أما من جهة باقي الشرائط فيعلم من بابها.

و لو كان المملوك كبيرا مميّزا فلا قطع بسرقته، لأنه متحفّظ بنفسه، إلا أن يكون نائما أو في حكمه، أو لا يعرف سيّده من غيره، فإنه حينئذ كالصغير.

و لا فرق بين القنّ و المدبّر و أمّ الولد دون المكاتب، لأن ملكه غير تامّ، إلا أن يكون مشروطا فيلحق بالقنّ.

و أما الحرّ فاختلف في حكم سرقته، فقيل: لا يقطع، لأنه ليس بمال، و هو شرط في هذا الحدّ، إذ لا يتحقّق بلوغ النصاب بدونه.

و ذهب الشيخ (1) و جماعة (2) إلى أنه يقطع، لا من حيث سرقته للمال، بل من جهة كونه مفسدا في الأرض.

و يؤيّده رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين

____________

(1) النهاية: 722.

(2) إصباح الشيعة: 525، فقه القرآن للراوندي 2: 388.

502

..........

____________

(عليه السلام) أتي برجل قد باع حرّا، فقطع يده» (1).

و رواية عبد اللّه بن طلحة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبيع الرجل و هما حرّان، يبيع هذا هذا و هذا هذا، و يفرّان من بلد إلى بلد، فيبيعان أنفسهما و يفرّان بأموال الناس، قال: تقطع أيديهما، لأنهما سارقا أنفسهما و أموال الناس» (2).

و ظاهر الروايتين بل صريح الثانية عدم اشتراط صغر الحرّ المبيع. و كذلك أطلقه الشيخ في النهاية (3) و جماعة (4). و قيّده في المبسوط (5) بالصغر، و تبعه الأكثر (6)، نظرا إلى أن الكبير متحفّظ بنفسه، فلا يتحقّق سرقته. و حيث جعلنا القطع للفساد لم يعتبر تحقّق السرقة. و يشكل الحكم مطلقا بأن حدّ المفسد لا يختصّ بالقطع، بل يتخيّر الامام (عليه السلام) فيه- كما سيأتي (7)- بين قطعه و قتله و غيرهما.

و في المختلف (8) علّل الحكم بالقطع بأن حراسة النفس أولى من حراسة المال الذي جاء القطع في سرقته لحراسته.

____________

(1) الكافي 7: 229 ح 2، التهذيب 10: 113 ح 445، الوسائل 18: 514 ب «20» من أبواب حدّ السرقة ح 2.

(2) الكافي 7: 299 ح 3، التهذيب 10: 113 ح 446، الوسائل 18: 515 الباب المتقدّم ح 3.

(3) النهاية: 722.

(4) فقه القرآن للراوندي 2: 388، إصباح الشيعة: 525.

(5) المبسوط 8: 31.

(6) المؤتلف من المختلف 2: 408 مسألة (19)، السرائر 3: 499، قواعد الأحكام 2: 265.

(7) في حدّ المحارب، الباب السادس من كتاب الحدود.

(8) المختلف: 777.

503

و لو أعار بيتا، (1) فنقبه المعير و سرق [منه] مالا للمستعير، قطع.

و كذا لو آجر بيتا، و سرق [منه] مالا للمستأجر.

____________

و يشكل بأن الحكم معلّق على مال مخصوص، و مطلق صيانته غير معلوم الإرادة من إطلاق النصوص (1)، و من ثمَّ كان له شرائط خاصّة زيادة على المطلوب من صيانته، فلا يتمّ حمل النفس مطلقا عليه بطريق الأولويّة، خصوصا على الوجه المخصوص من بيعه دون غيره من أسباب تفويته و تفويت أجزائه البالغة ديتها ربع (2) النصاب.

و لو كان عليه ثياب أو معه مال يبلغ النصاب، فإن كان كبيرا لم يتحقّق سرقتها أيضا، لأن يده عليها. و لو كان صغيرا على وجه لا يثبت له يد اتّجه القطع بالمال. و مثله سرقة الكبير بماله نائما، و ما في حكمه من السكر و الإغماء.

قوله: «و لو أعار بيتا. إلخ».

(1) إذا كان الحرز ملكا للسارق، نظر إن كان في يد المسروق منه بإجارة فسرق منه الموجر فعليه القطع بغير إشكال، لأن المنافع بعقد الإجارة مستحقّة للمستأجر، و الإحراز من المنافع. و عند أبي حنيفة [1] أنه لا يجب القطع على المؤجر. و وافق (4) على أنه لو آجر عبده لحفظ متاع، ثمَّ سرق المؤجر من المتاع الذي كان يحفظه العبد، يجب القطع.

____________

[1] و لكنّه ذهب إلى وجوب القطع، و إنما قال بعدمه صاحباه أبو يوسف و محمد بن الحسن الشيباني، انظر المبسوط للسرخسي 9: 179- 180، بدائع الصنائع 7: 75، الحاوي الكبير 13: 309، حلية العلماء 8: 66، المغني لابن قدامة 1: 253.

____________

(1) الوسائل 18: 514 ب «20» من أبواب حدّ السرقة.

(2) سقطت من «د، م».

(4) لم نعثر عليه.

504

..........

____________

و إن كان الحرز في يده بإعارة فوجهان:

أحدهما: أنه لا يجب القطع، لأن الإعارة لا تلزم، و له الرجوع متى شاء، فلا يحصل الإحراز عنه.

و أصحّهما- و هو الذي قطع به المصنف (رحمه اللّه)، و العلامة (1) و جماعة (2)، و رجّحه الشيخ في المبسوط (3)، بعد أن نقل الأول عن قوم-: أنه يجب القطع، لأنه سرق النصاب من الحرز. و إنما يجوز له الدخول إذا رجع، و عليه أن يمهل المعير بقدر ما ينقل فيه الأمتعة، لا مطلقا.

و لو أعار عبده لحفظ مال أو رعي غنم، ثمَّ سرق ممّا كان يحفظه، فالحكم كما لو كان الحرز مستعارا. و لكن هنا يضعّف احتمال عدم القطع، لأن الإحراز هاهنا بملاحظة العبد، لا بنفس العبد المملوك للسارق، فنفس الحرز ليس بمملوك له.

و لو أعاره قميصا فلبسه المستعير، فطرّ المعير جيبه و أخذ منه النصاب، وجب عليه القطع أيضا. و يضعّف هنا الاحتمال أيضا.

و لو كان الحرز في يده بغصب، و سرق مالك الحرز منه متاعه، فلا قطع، لأن له الدخول و الهجوم عليه، فلا يكون محرزا عنه.

و إن سرق منه أجنبيّ فوجهان:

أحدهما: أنه يلزمه القطع، لأنه لا حقّ له فيه، و ليس له الدخول.

و أصحّهما: المنع، لأن الإحراز من المنافع و الغاصب لا يستحقّها.

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 269.

(2) المهذّب 2: 542، المؤتلف من المختلف 2: 409 مسألة (23)، السرائر 3: 500.

(3) المبسوط 8: 33.