مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
55

[الرابع: في اللواحق]

الرابع: في اللواحق و هي ثلاث:

[الأولى: إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه لم تسمع دعواه]

الأولى: إذا ادّعى بعد القسمة (1) الغلط عليه [لم تسمع دعواه]، فإن أقام بيّنة سمعت و حكم ببطلان القسمة، لأن فائدتها تمييز الحقّ و لم يحصل. و لو عدمها، فالتمس اليمين كان له، إن ادّعى على شريكه العلم بالغلط.

____________

قوله: «إذا ادّعى بعد القسمة. إلخ».

(1) لا فرق في عدم سماع دعوى الغلط في القسمة بمجرّدها بين كون القاسم منصوب الامام و من تراضيا به و أنفسهما، لأصالة صحّة القسمة إلى أن يثبت المزيل، و لأن منصوب الإمام كالقاضي لا تسمع الدعوى عليه بالظلم. لكن لو أقام بيّنة سمعت و نقضت القسمة، كما لو أقام البيّنة على ظلم القاضي و كذب الشهود. و طريقه أن يحضر قاسمين حاذقين لينظرا و يمسحا و يعرفا الحال و يشهدا.

و لو لم يقم بيّنة، و أراد تحليف الشريك مكّن منه إن ادّعى عليه العلم بالغلط، و إلا فلا، لأن معه الأصل، خصوصا إذا كان القاسم غيره، فإن التبعة عليه، لا عليه مع عدم علمه. و قيل: له إحلاف الشريك مطلقا. و هو الوجه، عملا بالعموم (1).

و فرّق في المبسوط (2) بين قسمة التراضي و غيرها، كاختصاص أحدهما بالعلوّ و الآخر بالسفل. أو اشتمالها على ردّ، أو كون القاسم غير منصوب، فحكم

____________

(1) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

(2) المبسوط 8: 141- 142.

56

[الثانية: إذا اقتسما ثمَّ ظهر البعض مستحقّا]

الثانية: إذا اقتسما ثمَّ ظهر البعض (1) مستحقّا، فإن كان معيّنا مع أحدهما بطلت القسمة، لبقاء الشركة في النصيب الآخر. و لو كان فيهما بالسويّة لم تبطل، لأن فائدة القسمة باق، و هو إفراد كلّ واحد من الحقّين. و لو كان فيهما لا بالسويّة بطلت، لتحقّق الشركة.

و إن كان المستحقّ مشاعا معهما فللشيخ (1)- (رحمه اللّه)- قولان:

أحدهما: لا تبطل فيما زاد عن المستحقّ.

و الثاني: تبطل، لأنها وقعت من دون إذن الشريك. و هو الأشبه.

____________

بعدم الالتفات إليه في الثانية مطلقا، لأنها مشروطة بالتراضي، فإن كان مبطلا في دعواه فعدم سماعها واضح، و إن كان محقّا فقد رضي بترك هذه الفضلة.

و يشكل بإمكان عدم علمه بها حال القسمة. فالوجه سماع الدعوى مع البيّنة كالسابق. و أطلق ابن الجنيد (2) عدم سماع دعواه إلا بالبيّنة.

و الوجه توجّه اليمين على الشريك مطلقا، فإن حلف أقرّت، و إن نكل حلف المدّعي، و نقضت إن لم نقض بالنكول، و إلا نقضت بمجرّده.

و لو تعدّد الشركاء و حلف بعضهم دون بعض ففي نقضها مطلقا، أو في حقّ الناكل خاصّة وجهان، من أنها قسمة واحدة فلا تتبعّض، و من لزومها في حقّ الحالف فلا يساوي الناكل. و الأول مختار الشهيد- (رحمه اللّه)- في بعض فوائده، و الثاني مختار العلامة في التحرير (3). و هو الوجه.

قوله: «إذا اقتسما ثمَّ ظهر البعض. إلخ».

(1) إذا جرت قسمة ثمَّ ظهر استحقاق بعض المقسوم، فإما أن يستحقّ في جزء

____________

(1) المبسوط 8: 142.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 707- 708.

(3) تحرير الأحكام 2: 204.

57

[الثالثة: لو قسّم الورثة تركة ثمَّ ظهر على الميّت دين]

الثالثة: لو قسّم الورثة (1) تركة ثمَّ ظهر على الميّت دين، فإن قام الورثة بالدّين لم تبطل القسمة. و إن امتنعوا نقضت، و قضي منها الدّين.

____________

شائع، أو في شيء معيّن. فإن استحقّ في شائع- كالثلث- بطلت القسمة في المستحقّ قطعا. و في الباقي قولان:

أحدهما: لا تبطل، لبقاء السهام بين الشركاء على التعديل، فلا وجه لإبطالها.

و الثاني- و هو الأصحّ-: البطلان، لأن المقصود من القسمة تمييز الحقوق، و إذا ظهر الاستحقاق كان المستحقّ شريك كلّ واحد منهم، فلا يحصل التمييز.

و أيضا فقد بان أن المستحقّ شريك، و انفراد بعض الشركاء بالقسمة ممتنع.

و إن استحقّ شيء معيّن، نظر إن اختصّ (1) المستحقّ بنصيب أحدهما، أو كان من نصيب أحدهما أكثر، بطلت القسمة، لأن ما يبقى لكلّ واحد لا يكون قدر حقّه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، و تعود الإشاعة.

و إن كان المستحقّان متماثلين مضت (2) القسمة في الباقي، لانتفاء المانع، إذ ليس إلّا نقصان نصيب كلّ واحد، و هو غير قادح، كما لو ظهر الاستحقاق في ماله المنفرد، و أما القسمة فالمقصود منها التعديل (3) و تمييز نصيب أحد الشركاء عن الآخر، و قد حصل. و لبعض العامّة (4) قول بالبطلان، لتفريق الصفقة.

قوله: «لو قسّم الورثة. إلخ».

(1) إذا قسّمت التركة بين الورثة ثمَّ ظهر دين، فإن قام الورثة بالدّين لم تبطل

____________

(1) في «ت»: استحقّ.

(2) في «ا، ث، ط»: بقيت، و في «د»: تثبت.

(3) في «د، م»: التعديل بين نصيب أحد الشركاء و بين الآخر.

(4) روضة الطالبين 8: 188- 189.

58

[النظر الرابع في أحكام الدعوى]

النظر الرابع في أحكام الدعوى و هو يستدعي بيان: مقدّمة، و مقاصد

[أما المقدّمة]

أما المقدّمة فتشمل فصلين:

[الأول في المدّعي]

الأول في المدّعي (1)

____________

القسمة، بناء على أنها إفراز حقّ لا بيع. و إن لم يقوموا به بيعت الأنصباء في الدّين. و لو قام به البعض دون البعض، بيع نصيب الممتنع و القسمة بحالها. و من جعلها بيعا من العامّة (1) فله في بطلانها بظهور الدّين وجهان، كما لو باعوها ثمَّ ظهر الدّين.

و لا فرق بين ظهور الدّين مستوعبا للتركة و عدمه، لأن إفراز الحقوق لا ينافي وفاء الدّين منها على تقدير عدم وفائهم له من غيرها. مع احتمال بطلانها مع الاستيعاب مطلقا إن قلنا بعدم انتقالها إليهم، لصدورها من غير المالك.

و المصنف- (رحمه اللّه)- مع قوله بعدم الانتقال حكم بصحّة القسمة مراعاة بوفاء الدّين، نظرا إلى تعلّق حقّ الوارث بها في الجملة و إن لم تنتقل إلى ملكه محضا.

و لو ظهرت وصيّة بعد القسمة، فإن كانت مرسلة فهو كما لو ظهر دين. و إن كانت بجزء شائع أو معيّن فعلى ما ذكرناه في ظهور الاستحقاق.

و لا فرق في هذه الأحكام كلّها بين قسمة الإجبار و التراضي.

قوله: «في المدّعي. إلخ».

(1) قد عرفت (2) بالخبر (3) أن البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر. و قيل

____________

(1) راجع الحاوي الكبير 16: 262، روضة الطالبين 8: 188.

(2) في «ت، ث، ط، م»: عرفنا.

(3) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

59

و هو الذي يترك لو ترك الخصومة. و قيل: هو الذي يدّعي خلاف الأصل، أو أمرا خفيّا. و كيف عرّفناه فالمنكر في مقابلته.

و يشترط: البلوغ، و العقل، و أن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه، ما يصحّ منه تملّكه. فهذه قيود أربعة.

فلا تسمع دعوى الصغير، و لا المجنون، و لا دعواه مالا لغيره، إلّا أن يكون وكيلا أو وصيّا أو وليّا أو حاكما أو أمينا لحاكم. و لا تسمع دعوى المسلم خمرا أو خنزيرا.

____________

في سببه: إن جانب المنكر أقوى، لموافقته الظاهر، و البيّنة أقوى من اليمين، لبراءتها عن تهمة جلب النفع، فجعلت البيّنة على المدّعي لتجبر قوّة الحجّة ضعف الخبر، و هو الكلام المدّعى، و قنع من المنكر بالحجّة الضعيفة، لقوّة جنبه.

و هذه القاعدة تحوج إلى معرفة المدّعي و المدّعى عليه ليطالب هذا بحجّته و هذا بحجّته إذا تخاصما. و قد اختلف الفقهاء في حدّ المدّعي، فقيل: هو الذي يترك لو ترك الخصومة. و يعبّر عنه بعبارة أخرى، و هو أنه الذي إذا سكت خلّي و لم يطالب بشيء، و المدّعى عليه لا يخلّى و لا يقنع منه بالسكوت.

و الثاني: أنه الذي يدّعي خلاف الأصل، و المدّعى عليه هو الذي يدّعي ما يوافقه.

و قيل: إن المدّعي من يذكر أمرا خفيّا يخالف الظاهر، و المدّعى عليه من يوافق الظاهر. فإذا ادّعى زيد دينا في ذمّة عمرو أو عينا في يده فأنكر، فزيد هو

60

..........

____________

الذي لو ترك الخصومة ترك، و هو الذي يذكر خلاف الأصل، لأن الأصل براءة ذمّة عمرو من الدّين و فراغ يده من حقّ الغير، و هو الذي يذكر أمرا خفيّا خلاف الظاهر، لأن الظاهر براءة ذمّة عمرو و فراغ يده من حقّ الغير. و عمرو هو الذي لا يترك و سكوته، و يوافق قوله الأصل و الظاهر. فزيد مدّع على جميع التعريفات، و عمرو مدّعى عليه.

و لا يختلف موجبها في الأغلب. و قد يختلف، كما إذا أسلم الزوجان قبل المسيس و اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا و النكاح باق بيننا، و قالت المرأة: بل على التعاقب و لا نكاح بيننا.

فإن قلنا: المدّعي من لو ترك ترك، فالمرأة مدّعية و الزوج مدّعى عليه، لأنه لا يترك لو ترك، فإنها تزعم انفساخ النكاح، فيحلف و يحكم باستمرار النكاح إذا حلف.

و إن قلنا: إن المدّعي من يخالف قوله الظاهر، فالزوج هو المدّعي، لأن التساوي (1) الذي يزعمه أمر خفيّ خلاف الظاهر، و المرأة مدّعى عليها، لموافقتها الظاهر، فتحلف، فإذا حلفت حكم بارتفاع النكاح.

و إن قلنا: إن المدّعي هو الذي يذكر خلاف الأصل، فالمرأة مدّعية أيضا، لأن الأصل عدم تقدّم أحدهما على الآخر. هذا هو المشهور في الفرق بين التعريفات.

و قال بعضهم: إن الزوج هو الذي يترك و سكوته، لأن النكاح حقّه، فإذا لم يطالبها ترك، و هي لا تترك لو سكتت، لأن بعد ثبوت الحقّ يصير مدّعي زواله مدّعيا.

____________

(1) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح: التساوق.

61

و لا بدّ من كون الدعوى (1) صحيحة لازمة. فلو ادّعى هبة لم تسمع

____________

و إذا قال الزوج: أسلمت قبلي (1) فلا نكاح و لا مهر، و قالت: بل أسلمنا معا و هما بحالهما، فعلى الأول المدّعي هو الزوجة، لأنها تترك لو تركت. و كذا على الثالث، لأن التقارن خلاف الظاهر، فإن وقوع لفظ الإسلام بحيث لا يتقدّم أحدهما الآخر نادر جدّا. و على الثاني الزوج هو المدّعي، لأن الأصل عدم سبق إسلام أحدهما على الآخر.

و أما الأمناء الذين يصدّقون في الردّ بيمينهم فهم مدّعون، لأنهم يزعمون الردّ و هو خلاف الأصل و الظاهر، و لا يتركون لو تركوا الدعوى، لأن المالك مطالب بحقّه، لكن اكتفي منهم باليمين لأنهم أثبتوا أيديهم لغرض المالك، و قد ائتمنهم و أحسنوا إليه، فلا يحسن تكليفهم بيّنة على الردّ.

و ربما تكلّف بعضهم (2) بأنهم يدّعون ما يوافق الظاهر، لأن المالك قد ساعدهم على الأمانة حيث ائتمنهم، فهم يستبقون الأمانة و هو يزعم ارتفاعها، فكان الظاهر معهم. و على هذا فيجوز كون الأمين المذكور مدّعيا و مدّعى عليه باعتبارين، كما يقع مثله في صورة التحالف.

قوله: «و لا بدّ من كون الدعوى. إلخ».

(1) قد تقدّم (3) ما يعتبر في صحّة الدعوى من كونها معلومة أو مظنونة على بعض الوجوه، و كونها مضبوطة بذكر الجنس و الوصف و القدر و غيرها.

و المراد بكونها لازمة أن تكون ملزمة للمدّعى عليه، فلو قال: وهب منّي كذا، لم تسمع حتى يقول: و أقبضني، أو هبة يلزمه التسليم إليّ، و نحو ذلك، لأن

____________

(1) في «ت، د، ط»: قبل.

(2) انظر روضة الطالبين 8: 287- 288.

(3) في ج 13: 436.

62

حتى يدّعي الإقباض. و كذا لو ادّعى رهنا. (1)

و لو ادّعى المنكر (2) فسق الحاكم أو الشهود، و لا بيّنة، فادّعى علم المشهود له، ففي توجّه اليمين على نفي العلم تردّد أشبهه عدم التوجّه، لأنه ليس حقّا لازما، و لا يثبت بالنكول و لا باليمين المردودة، و لأنه يثير فسادا.

____________

الهبة أعمّ من المقبوضة (1)، و لأنه قد يهب و يرجع.

قوله: «و كذا لو ادّعى رهنا».

(1) بناء على ما اختاره المصنف من اشتراط القبض في صحّة الرهن. و من لم يعتبر في صحّته القبض يسمع الدعوى مجرّدة عنه.

و قد يقال في الموضعين: إن القبض إذا كان شرطا في صحّة الهبة و الرهن فإطلاقهما محمول على الصحيح كغيرهما من العقود، و إنما يتوجّه التفصيل حيث يجعل القبض شرطا في اللزوم، ليجعل إطلاقهما صحيحين (2) أعمّ من المقبوض و غيره. و قد تقدّم البحث في ذلك مستوفى في باب الهبة (3).

قوله: «و لو ادّعى المنكر. إلخ».

(2) إذا ادّعى المنكر جرح الحاكم أو الشهود كلّف البيّنة، فإن فقدها و ادّعى علم المدّعي بذلك، ففي توجّه اليمين على المدّعي وجهان:

أحدهما: نعم، لأنه ينتفع به في حقّ لازم، كما لو قذف الميّت و طلب الوارث الحدّ، فادّعى على الوارث العلم بالزنا فأنكر، فله تحليفه على نفي العلم.

____________

(1) في «ط»: اللازمة.

(2) في «ا، ث»: صحيحا.

(3) في ج 6: 17- 19.

63

و كذا لو التمس المنكر (1) يمين المدّعي منضمّة إلى الشهادة، لم تجب إجابته، لنهوض البيّنة بثبوت الحقّ.

و في الإلزام بالجواب (2) عن دعوى الإقرار تردّد، منشؤه أن الإقرار لا يثبت حقّا في نفس الأمر، بل إذا ثبت قضي به ظاهرا.

____________

و الثاني: لا، لأنه لا يدّعي حقّا لازما، و لا يثبت بالنكول و لا باليمين المردودة. و لأنه يثير فسادا. و لأنه كالدعوى على القاضي و الشهود بالكذب، و هي غير مسموعة بدون البيّنة قطعا، و إن كان ينتفع بتكذيبهما أنفسهما، لأنه يثير فسادا عامّا. و هذا هو الوجه.

قوله: «و كذا لو التمس المنكر. إلخ».

(1) فلا تجب الزيادة عليها، لأنه تكليف حجّة بعد قيام حجّته (1)، و لأنه كالطّعن في الشهود. نعم، لو ادّعى إبراء أو أداء توجّهت اليمين. و قد تقدّم (2) البحث في ذلك.

قوله: «و في الإلزام بالجواب. إلخ».

(2) المراد أنه إن ادّعي عليه الإقرار له بالحقّ، فهل تسمع الدعوى، بمعنى توجّه اليمين على المدّعى عليه لو أنكر؟ فيه وجهان: نعم، لأنه ينتفع به مع التصديق، و لا، لأن الحقّ لا يستحقّ بالإقرار في نفس الأمر، و إن كان ثبوته يوجب الحقّ ظاهرا.

و الأظهر هنا السماع، لأن المعتبر ثبوت الحقّ ظاهرا، و اعترافه ينفعه، و نكوله يثبت عليه الحقّ، أو مع يمين المدّعي. و المدّعي يجوز له الحلف على أنه

____________

(1) في «ث، خ، م»: حجّة.

(2) في ج 13: 489.

64

و لا تفتقر صحّة الدعوى (1) إلى الكشف، في نكاح و لا غيره. و ربما افتقرت إلى ذلك في دعوى القتل، لأن فائته لا يستدرك.

و لو اقتصرت على قولها: هذا زوجي، كفى في دعوى النكاح، و لا يفتقر ذلك إلى دعوى شيء من حقوق الزوجيّة، لأن ذلك يتضمّن دعوى لوازم الزوجيّة.

و لو أنكر النكاح لزمه اليمين. و لو نكل قضي عليه على القول بالنكول، و على القول الآخر تردّ اليمين عليها، فإذا حلفت ثبتت الزوجيّة. و كذا السياقة لو كان هو المدّعي.

____________

أقرّ له بذلك، و يثبت به الحقّ، إذ لا يشترط في استحقاق المقرّ له علمه بالسبب المقتضي للإقرار، بل يجوز له أخذه تعويلا على إقراره ما لم يعلم فساد السبب، فجاز استناد الإقرار إلى سبب لا يعلمه المقرّ له، كالنذر و الجناية و الإتلاف، و عموم: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» يشمله.

قوله: «و لا تفتقر صحّة الدعوى. إلخ».

(1) الدعوى (1) أنواع:

منها: دعوى الدم. و المشهور أنه لا بدّ فيها من التفصيل، على ما هو مبيّن في محلّه، للخلاف في الأسباب الموجبة منه للقود و الدية، و لأن فائت القتل لا يستدرك.

و منها: دعوى نفس المال مجرّدا عن ذكر السبب من بيع و قرض و غيرهما.

و لا خلاف في عدم اشتراط التفصيل فيه، لأن الأسباب التي يستحقّ بها المال

____________

(1) في «م»: للدعوى.

65

..........

____________

تكثر و تتكرّر، و في ضبط الأقدار الحاصلة بتلك الأسباب حرج شديد، فأغني عنه.

و منها: النكاح و البيع و سائر العقود. و عند [بعض] (1) الأصحاب (2) أنه لا يشترط فيها الكشف و التفصيل، بل يكفي إطلاق الدعوى بها، كما يكفي في دعوى استحقاق المال، و كما أنه لا يجب في دعوى النكاح التعرّض لعدم الموانع، كالردّة و العدّة و الرضاع.

و خالف فيه بعض العامّة (3)، فأوجب التفصيل في الجميع، للخلاف في الأسباب كالدم. و بعضهم (4) خصّ إيجاب التفصيل بالنكاح، لأن أمر الفروج مبنيّ على الاحتياط كالدماء، و الوطء المستوفى لا يتدارك، كالدم المهراق.

و عليه، فيعتبر في النكاح أن يقول: إنه وقع بالأوصاف المعتبرة عند موجب التفصيل، فيقول: إنه تزوّجها بوليّ و شاهدين، و يصفهما بالعدالة و نحو ذلك.

و على مذهب الأصحاب يكفي قولها: هذا زوجي، و إن لم تضمّ إليه شيئا من حقوق الزوجيّة، كالمهر و النفقة.

و اعتبر بعض العامّة (5) أن يقترن بها حقّ من حقوق النكاح، كصداق و نفقة و قسم و ميراث بعد موته، و إلا لم تسمع، محتجّا بأن بقاء النكاح حقّ الزوج عليها، فكأنّها تدّعي كونها رقيقة، و هذه دعوى غير ملزمة.

____________

(1) من «ت، ط».

(2) المبسوط 8: 260- 261، تحرير الأحكام 2: 189.

(3) انظر الحاوي الكبير 17: 310، حلية العلماء 8: 185، المغني لابن قدامة 12:

165، روضة الطالبين 8: 293.

(4) انظر الحاوي الكبير 17: 313، حلية العلماء 8: 186، المغني لابن قدامة 12:

167، روضة الطالبين 8: 293.

(5) روضة الطالبين 8: 295.

66

و لو ادّعى أن هذه (1) بنت أمته، لم تسمع دعواه، لاحتمال أن تلد في ملك غيره ثمَّ تصير له. و كذا لو قال: ولدتها في ملكي، لاحتمال أن تكون حرّة أو ملكا لغيره. و كذا لا تسمع البيّنة بذلك ما لم يصرّح بأن البنت ملكه. و كذا البيّنة.

و مثله لو قال: هذه ثمرة نخلتي. و كذا لو أقرّ له من الثمرة في يده أو بنت المملوكة، لم يحكم عليه بالإقرار لو فسّره بما ينافي الملك. و لا كذا لو قال: هذا الغزل من قطن فلان، أو هذا الدقيق من حنطته.

____________

و من لم يعتبر التفصيل قال: إن النكاح و إن كان حقّا له فهو مقصود لها من تعلّق حقوق مثبتة، و تتوسّل به إلى تلك الحقوق. و حينئذ فتسمع الدعوى، و تترتّب عليها أحكامها من اليمين و النكول و غيرهما. و كذا القول في دعواه الزوجيّة.

قوله: «و لو ادّعى أن هذه. إلخ».

(1) عدم سماع الدعوى لبنت الأمة بقوله: «إنها بنت أمته» واضح، لأن ذلك أعمّ من كونها ملكا له، إذ يجوز كونها بنتا لأمته و لا تكون ملكا له، بأن تلدها قبل أن يملك الأم في ملك غيره، أو يكون قد زوّجها من حرّ أو عبد و شرط لمولاه رقّية الولد، أو غير ذلك. و منه يعلم أنه لا فرق بين إضافة «ولدتها في ملكي» و عدمه، لبقاء الاحتمال على التقديرين.

و أما قول المقرّ: هذه ثمرة شجرة فلان أو بنت أمته، فإن أضاف إلى ذلك ما ينافي التبعيّة كقوله: و هي ملكي، فلا إشكال في عدم ثبوت الإقرار، لما ذكرناه من الاشتراك، مضافا إلى تصريحه بما ينافي الإقرار.

67

..........

____________

و أما مع الإطلاق فظاهر كلام المصنف أنه يكون إقرارا بالولد و الثمرة، عملا بالظاهر من كونهما تابعين للأصل حيث لا معارض، و لو كان هناك شيء لذكره، فإطلاقه كونهما من الأصل الذي هو مملوك للمقرّ له ظاهر في تبعيّتهما له، بخلاف الدعوى، فإن شرطها التصريح بالملك و لو بالاستلزام و لم يحصل.

و تبع المصنف على هذا الحكم العلامة في القواعد (1) و التحرير (2). و الفرق بين الدعوى و الإقرار لا يخلو من إشكال، لأن الاحتمال قائم على تقدير الإقرار و الدعوى. و العمل بالظاهر في الإقرار دون الدعوى لا دليل عليه. و الفرق باشتراط التصريح فيها دونه رجوع إلى نفس الدعوى.

و في الإرشاد (3) أطلق عدم سماع الدعوى و الإقرار معا، و لم يعتبر التقييد في الإقرار بتفسيره بما ينافي الملك. و هذا هو الظاهر.

و أما الفرق بين قوله: «إنها ثمرة شجرته، و بنت أمته» و بين قوله: «إن الغزل من قطنه، و الدقيق من حنطته» فواضح، لأن الغزل و الدقيق من نفس حقيقة القطن و الحنطة، و إنما تغيّرت الأوصاف، فملك الأصل يقتضي ملك الفرع، بخلاف الثمرة و الولد، فإنهما منفصلان عن أصلهما حسّا و شرعا، فالإقرار بالفرعيّة لا يقتضي الإقرار بالملك.

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 208.

(2) تحرير الأحكام 2: 189.

(3) إرشاد الأذهان 2: 143.

68

[الفصل الثاني في التوصّل إلى الحقّ]

الفصل الثاني في التوصّل (1) إلى الحقّ من كانت دعواه عينا في يد إنسان، فله انتزاعها و لو قهرا ما لم يثر فتنة، و لا يقف ذلك على إذن الحاكم.

و لو كان الحقّ دينا، و كان الغريم مقرّا باذلا [له]، لم يستقلّ المدّعي بانتزاعه من دون الحاكم، لأن للغريم تخيّرا في جهات القضاء، فلا يتعيّن الحقّ في شيء من دون تعيينه، أو تعيين الحاكم مع امتناعه.

و لو كان المدين جاحدا، و للغريم بيّنة تثبت عند الحاكم، و الوصول إليه ممكن، ففي جواز الأخذ تردّد أشبهه الجواز. و هو الذي ذكره الشيخ في الخلاف (1) و المبسوط (2). و عليه دلّ عموم الإذن في الاقتصاص.

و لو لم تكن له بيّنة، أو تعذّر الوصول إلى الحاكم، و وجد الغريم من جنس ماله، اقتصّ مستقلّا بالاستيفاء.

____________

قوله: «في التوصّل. إلخ».

(1) الغرض من الباب أن المستحقّ متى يحتاج إلى المرافعة و الدعوى؟

و تفصيله: أن الحقّ إما عقوبة أو مال. فإن كان عقوبة، كالقصاص و حدّ القذف، فلا بدّ من الرفع إلى الحاكم، لعظم خطره، و الاحتياط في إثباته، و لأن استيفاءه وظيفة الحاكم، على ما تقتضيه السياسة و زجر الناس.

____________

(1) الخلاف 6: 355 مسألة (28).

(2) راجع المبسوط 8: 311، و لكن ذكر ذلك فيما إذا لم يقدر على إثباته عند الحاكم.

69

..........

____________

و إن كان مالا، فهو إما عين أو دين. فإن كان عينا، فإن قدر على استردادها من غير تحريك فتنة استقلّ به، لأنه عين ماله فلا حاجة إلى الرجوع في تحصيله إلى غيره. و لو أدّى إلى الفتنة فلا بدّ من الرفع إلى الحاكم دفعا لها.

و أما الدّين، فإن كان من عليه مقرّا غير ممتنع من الأداء طالبه ليؤدّي.

و ليس له الاستقلال بالأخذ، لأن حقّه أمر كلّي في ذمّة المديون، و له التخيّر في تعيينه من ماله، فلا يتعيّن في شيء منه بدون تعيينه. و لا مدخل للحاكم في ذلك أيضا، لأن الغرض كونه باذلا، و الحاكم إنما يلي على الممتنع و من في معناه.

و قول المصنف في هذا القسم: «أو تعيين الحاكم مع امتناعه» لا وجه له، لأنه خلاف الغرض.

و لو كان جاحدا أو مماطلا، فإن لم يكن لصاحب الحقّ بيّنة يثبت بها الحقّ عند الحاكم، أو كان و لم يمكن الوصول إليه، أو أمكن و لم تكن يده مبسوطة بحيث يمكنه تولّي القضاء عنه، جاز له الاقتصاص منه، لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1). و قوله تعالى فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ (2). و لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا قالت له هند:

يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل شحيح، و إنه لا يعطيني ما يكفيني و ولدي إلا ما أخذت منه سرّا و هو لا يعلم، فهل عليّ في ذلك شيء؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

«خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف» (3).

____________

(1) البقرة: 194.

(2) النّحل: 126.

(3) مسند أحمد 6: 50، صحيح البخاري 7: 85، صحيح مسلم 3: 1338 ح 7، سنن الدارمي 2: 159.

70

..........

____________

و روى جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده، فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أ يأخذه و إن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم» (1).

و عن داود بن زربي قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها و الدّابة الفارهة فيأخذونها، ثمَّ يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ فقال: خذ مثل ذلك، و لا تزد عليه» (2). و غير ذلك (3).

و لو كان هناك بيّنة يثبت بها الحقّ عند الحاكم لو أقامها، و الوصول إليه ممكن، ففي جواز أخذه قصاصا من دون إذن الحاكم قولان:

أحدهما- و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه) هنا و الأكثر-: الجواز، لعموم أدلّة الاقتصاص، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» (4).

و الثاني: لا، لأن التسلّط على مال الغير على خلاف الأصل، فيقتصر منه على موضع الضرورة، و هي هنا منتفية. و لأن الممتنع من وفاء الدّين يتولّى القضاء عنه الحاكم، و يعيّن من ماله ما يشاء، و لا ولاية لغيره. و هو خيرة المصنف في

____________

(1) التهذيب 6: 349 ح 986، الاستبصار 3: 51 ح 167، الوسائل 12: 205 ب «83» من أبواب ما يكتسب به ح 10.

(2) التهذيب 6: 347 ح 978، الوسائل 12: 201 الباب المتقدّم ح 1.

(3) راجع الوسائل 12: 201 ب «83» من أبواب ما يكتسب به.

(4) أمالي الطوسي 2: 134، الوسائل 13: 90 ب «8» من أبواب الدّين ح 4، و انظر مسند أحمد 4:

222، صحيح البخاري 3: 155، سنن أبي داود 3: 313 ح 3628، سنن النسائي 7: 316، سنن البيهقي 6: 51.

71

نعم، لو كان المال وديعة (1) عنده، ففي جواز الاقتصاص تردّد، أشبهه الكراهية.

____________

النافع (1).

و الأقوى الأول. و كون التسلّط على مال الغير بغير إذنه خلاف الأصل مسلّم، لكن العدول عن الأصل لدليل جائز، و هو هنا موجود.

قوله: «نعم لو كان المال وديعة. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في جواز الاقتصاص من الوديعة، فذهب المصنف و قبله الشيخ في الاستبصار (2) و أكثر المتأخّرين (3) إلى الجواز على كراهية. و ذهب الشيخ في النهاية (4) و جماعة (5) إلى التحريم.

و منشأ الخلاف اختلاف الروايات ظاهرا. و الأظهر الأول، لعموم الأدلّة السابقة، و خصوص صحيحة أبي العبّاس البقباق: «أن شهابا ما رآه في رجل ذهب له ألف درهم و استودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العبّاس: فقلت له: خذها مكان الألف الذي أخذ منك، فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحبّ إليّ أن تأخذ و تحلف» (6).

____________

(1) المختصر النافع 2: 284.

(2) الاستبصار 3: 53 ذيل ح 172.

(3) قواعد الأحكام 2: 213، إيضاح الفوائد 4: 347، الدروس الشرعيّة 2: 85- 86، التنقيح الرائع 4: 269- 270.

(4) النهاية: 307.

(5) الكافي في الفقه: 331، المؤتلف من المختلف 2: 578، غنية النزوع: 240، إصباح الشيعة:

284.

(6) التهذيب 6: 347 ح 979، الاستبصار 3: 53 ح 174، الوسائل 12: 202 ب «83» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

72

..........

____________

و هذا الخبر يدلّ على الجواز من غير كراهة، لأنه (عليه السلام) لا يحبّ المكروه. و قوله (عليه السلام): «و تحلف» أراد به أنه إذا طلب منه المودع الوديعة جاز له الإنكار، فإن أحلفه حلف له على عدم الاستحقاق، أو على عدم الاستيداع مع التورية. ثمَّ الكراهة تستفاد من ظاهر الأدلّة الآتية جمعا.

حجّة القائل بالتحريم عموم قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1). و الأمر بأدائها إليهم ينافي جواز الأخذ. و خصوص رواية ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار، قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و دخلت امرأة و كنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله، فقلت: عمّا ذا؟

فقالت: إن ابني مات و ترك مالا كان في يد أخي فأتلفه ثمَّ أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك فقال: لا، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، و لا تخن من خانك» (2).

و في هذا الحديث دلالة من ثلاثة مواضع:

أحدها: من قوله: «لا» في جواب قولها: «فلي أن آخذ منه».

و ثانيها: من قوله (عليه السلام): «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك» فإن الأمر بأدائها إليه ينافي جواز الأخذ، و لأنه ذكره في جواب سؤال الأخذ.

و ثالثها: من قوله (عليه السلام): «و لا تخن من خانك». و هو ظاهر.

و رواية سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثمَّ حلف، ثمَّ وقع له عندي مال، آخذه مكان

____________

(1) النّساء: 58.

(2) التهذيب 6: 348 ح 981، الاستبصار 3: 52 ح 172، الوسائل 12: 202 الباب المتقدّم ح 3.

73

..........

____________

مالي الذي أخذه و جحده و أحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه، و لا تدخل فيما عبته عليه» (1).

و الجواب بحمل ذلك على الكراهة جمعا. و يمكن أن يكون وجه الأمر بردّها إليه أنه أقرّ للإمام بالحقّ، و ادّعى أن له عند صاحبه مالا، و اللازم من ذلك قبول إقراره دون دعواه، فأمره بردّها لأجل ذلك، و هو لا ينافي جواز أخذها فيما بينه و بين اللّه تعالى، أو على تقدير ثبوت الحقّ عند الامام.

و لأنه إن كان الأمر الذي ادّعاه حقّا فأخذه للوديعة مقاصّة في قوّة أداء الأمانة إلى من ائتمنه، لأنه و في منها دينه بإذن الشارع العامّ (2) كما سبق، فكان بمنزلة أدائها إلى وكيله، و أداء الأمانة إلى الوكيل قائم مقام أدائها إلى المالك.

و لا نسلّم تحقّق الخيانة بذلك، لأن استيفاء الحقّ ليس بخيانة، و إنّما يقتضي الخيانة أكل الوديعة بغير حقّ. و كذا الكلام في قوله: «إن خانك فلا تخنه، و لا تدخل فيما عبته عليه» فإن الأول خانه بإنكار حقّه بالباطل، و عتب (3) عليه بذلك، و هو لا يقتضي خيانته بأخذها مكان دينه، و عتبه (4) عليه في الحقّ.

____________

(1) الكافي 5: 98 ح 1، الفقيه 3: 113 ح 482، التهذيب 6: 348 ح 980، الاستبصار 3: 52 ح 171، الوسائل 12: 204 الباب المتقدّم ح 7.

(2) في الحجريّتين: العالم.

(3) في «ث، ط»: و عيب، و في «خ»: و عيبه.

(4) في «ث، خ، ط»: و عيبه.

74

و لو كان المال (1) من غير جنس الموجود جاز أخذه بالقيمة العدل، و يسقط اعتبار رضا المالك بإلطاطه، كما يسقط اعتبار رضاه في الجنس.

و يجوز أن يتولّى بيعها و قبض دينه من ثمنها، دفعا لمشقّة التربّص بها.

____________

قوله: «و لو كان المال. إلخ».

(1) حيث جاز له الأخذ مقاصّة يقتصر على الأخذ من الجنس الموافق لحقّه مع الإمكان، اقتصارا في التصرّف في مال الغير المخالف للأصل على أقلّ ما تندفع به الضرورة. فإن تعذّر وصوله إلى جنس حقّه جاز له الأخذ من غيره، لعموم الأدلّة السابقة، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف» (1) حيث لم يفرّق بين الجنس و غيره، بل ظاهر الحال أنها لا تجد عين المحتاج إليه في النفقة و الكسوة، و إنما تجد مالا تصرفه في ذلك.

و ذهب جماعة من العامّة (2) إلى وجوب الاقتصار على الجنس. و على ما اخترناه يتخيّر بين أخذه بالقيمة، و بين بيعه و صرفه في جنس الحقّ. و يستقلّ بالمعاوضة كما يستقلّ بالتعيين.

و لو أمكن إثبات الحقّ عند الحاكم فالأولى الرجوع إليه هنا، ليستأذنه في هذا التصرّف.

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في ص: 69 هامش (3).

(2) الحاوي الكبير 17: 413، المغني لابن قدامة 12: 230، حلية العلماء 8: 215، روضة الطالبين 8: 282- 284.

75

و لو تلفت قبل البيع (1) قال الشيخ: الأليق بمذهبنا أنه لا يضمنها.

و الوجه الضمان، لأنه قبض لم يأذن فيه المالك. و يتقاصّان بقيمتها مع التلف.

____________

قوله: «و لو تلفت قبل البيع. إلخ».

(1) إذا أخذ المستحقّ من غير جنس حقّه، فإن نوى أخذه لنفسه بالقيمة ملكه، و كان تلفه بعد ذلك منه. و إن قصد بيعه و صرفه في حقّه، فهل يكون مضمونا عليه، أم يكون أمانة؟ فيه قولان:

أحدهما- و هو الذي ذهب إليه المصنف (رحمه اللّه)-: الضمان، لأنه قبضه بغير إذن المالك لمصلحة نفسه، فكان كقبض المرتهن الرهن بغير إذن الراهن.

هكذا علّله المصنف (رحمه اللّه). و فيه: أن إذن الشارع أعظم من إذن المالك.

و به يفرّق بينه و بين الرهن.

و الثاني: عدم الضمان. و هو مختار الشيخ في المبسوط (1)، لأنه مقبوض بحقّ، فجرى مجرى الرهن. و هذا هو الأقوى.

هذا إذا كان المقبوض بقدر حقّه. أما لو كان زائدا عنه حيث لم يمكن الاقتصار على المقدار، ففي كون الزائد مضمونا أم أمانة الوجهان. و لا فرق حينئذ بين أن يتلف قبل البيع و بعده، حيث لم يمكن الاقتصار على بيع ما يقابل حقّه.

و حيث يجوز البيع يجب المبادرة إليه بحسب الإمكان. فإن قصّر فنقصت قيمته فكالغاصب.

و حيث يضمن مع التلف، فإن كان بتقصير فكضمان الغاصب، و بغيره

____________

(1) المبسوط 8: 311.

76

[مسألتان]

مسألتان:

[الأولى: من ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضي له]

الأولى: من ادّعى ما لا يد لأحد عليه (1) قضي له. و من بابه: أن يكون كيس بين جماعة فيسألون: هل هو لكم؟ فيقولون: لا، و يقول واحد منهم: هو لي، فإنه يقضى به لمن ادّعاه.

[الثانية: لو انكسرت سفينة في البحر]

الثانية: لو انكسرت سفينة (2) في البحر، فما أخرجه البحر فهو لأهله، و ما أخرج بالغوص فهو لمخرجه. و به رواية في سندها ضعف.

____________

فقيمة (1) يوم التلف مطلقا. و كذا تجب المبادرة إلى ردّ الزائد إلى المالك على تقدير اشتماله عليه، و لو بهبة (2) و نحوها، إذا خاف من الاعتراف بالواقع.

قوله: «من ادّعى ما لا يد لأحد عليه. إلخ».

(1) الأصل في مسألة الكيس رواية يونس بن عبد الرحمن، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت: عشرة كانوا جلوسا و وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا أ لكم هذا الكيس؟ فقال كلّهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي، قال: هو للذي ادّعاه». (3) و لأنّه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدّعي منه، و لا لطلب البيّنة منه، و لا لإحلافه، إذ لا خصم له حتى يترتّب عليه ذلك.

قوله: «لو انكسرت سفينة. إلخ».

(2) الرواية المذكورة رواها الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أميّة بن عمرو، عن

____________

(1) في «ط، م»: فقيمته.

(2) في «ت، ط»: بهبته.

(3) الكافي 7: 422 ح 5، التهذيب 6: 292 ح 810، الوسائل 18: 200 ب «17» من أبواب كيفيّة الحكم، و فيما عدا التهذيب: عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن بعض أصحابه، عن منصور.

77

..........

____________

الشعيري، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص، و أخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أما ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه لهم، و أما ما خرج بالغوص فهو لهم، و هم أحقّ به» (1).

و عمل بمضمونها الشيخ في النهاية (2). و المصنف- (رحمه اللّه)- ذكر أنها ضعيفة السند، و لم يذكر ما ينافي حكمها.

و وجه ضعف سندها أن أميّة المذكور واقفيّ. و الظاهر أن المراد بالشعيري إسماعيل بن زياد (3) السكوني المشهور، و هو عامي. و لكن لا يلزم من حكم المصنف بضعف سندها ردّ حكمها، لأنّه كثيرا ما يجبر الضعف بالشهرة و غيرها، و الأمر في هذه كذلك.

و ابن إدريس (4) ردّ الرواية [خاصّة] (5) على أصله، و حكم بأن ما أخرجه البحر فهو لأصحابه، و ما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده و غاص عليه، لأنه بمنزلة المباح، كالبعير يترك من جهد في غير كلأ و لا ماء، فإنه يكون لواجده، و ادّعى الإجماع على ذلك.

و الأصحّ أن جواز أخذ ما يتخلّف مشروط بإعراض مالكه عنه مطلقا، و معه يكون إباحة لآخذه، و لا يحلّ أخذه بدون الإعراض مطلقا، عملا بالأصل.

____________

(1) التهذيب 6: 295 ح 822، الوسائل 17: 362 ب «11» من أبواب اللقطة ح 2.

(2) النّهاية: 351.

(3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و الصحيح: بن أبي زياد.

(4) السرائر 2: 195.

(5) من «أ، ث».

78

[المقصد الأول في الاختلاف في دعوى الأملاك]

المقصد الأول في الاختلاف في دعوى الأملاك و فيه مسائل:

[الأولى: لو تنازعا عينا في يدهما و لا بيّنة]

الأولى: لو تنازعا عينا (1) في يدهما و لا بيّنة، قضي بها بينهما نصفين. و قيل: يحلف كلّ منهما لصاحبه.

و لو كانت يد أحدهما عليها، قضي بها للمتشبّث مع يمينه، إن التمسها الخصم.

و لو كانت يدهما خارجة، فإن صدّق من هي في يده أحدهما أحلف و قضي له. و إن قال: هي لهما، قضي بها بينهما نصفين، و أحلف كلّ منهما لصاحبه. و لو دفعهما أقرّت في يده.

____________

قوله: «لو تنازعا عينا. إلخ».

(1) إذا تداعيا عينا و ادّعى كلّ منهما أن مجموعها له، و لا بيّنة لأحدهما (1)، فلا يخلو: إما أن تكون في يدهما، أو في يد أحدهما، أو في يد ثالث. فهنا أحوال:

أحدهما: أن تكون في يدهما، فكلّ واحد مدّع في النصف و مدّعى عليه في النصف، فيحلف كلّ واحد منهما على نفي ما يدّعيه الآخر، و لا يتعرّض واحد منهما في يمينه لإثبات ما في يده، بل يقتصر على أنه لا حقّ لصاحبه فيما في يده. و نقله الحلف قولا يشعر بردّه. و المذهب ثبوته، عملا بالعموم (2)، بل لم ينقل الأكثر فيه خلافا. فإذا حلفا أو نكلا ترك المدّعى في يدهما كما كان. و إن حلف أحدهما دون الآخر قضي للحالف بالكلّ.

____________

(1) في «ا، ث»: لأحد منهما.

(2) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

79

..........

____________

ثمَّ إن حلف الذي بدأ الحاكم بتحليفه، و نكل الآخر بعده، حلف الأول اليمين المردودة إن لم نقض بالنكول. و إن نكل الأول و رغب الثاني في اليمين، فقد اجتمع عليه يمين النفي للنصف الذي ادّعاه صاحبه، و يمين الإثبات للنصف الذي ادّعاه هو، فتكفيه الآن يمين واحدة يجمع فيها بين النفي و الإثبات، لأن كلّا منهما قد دخل فيه. و حينئذ فيحلف أن الجميع له و لا حقّ لصاحبه فيه، أو يقول:

لا حقّ له في النصف الذي يدّعيه، و النصف الآخر لي.

و يحتمل وجوب يمينين: إحداهما نافية و الأخرى مثبتة، لتعدّد السبب المقتضي لتعدّد المسبّب.

و هل يتخيّر الحاكم في البدأة باليمين، أو يقرع بينهما؟ وجهان. و تظهر الفائدة في تعدّد اليمين على المبتدي على تقدير نكول الآخر. و يمكن أن يقال:

كلّ واحد منهما مدّع و مدّعى عليه هاهنا، فينبغي أن ينظر إلى السبق، فمن سبق دعواه بدئ بتحليف صاحبه.

و ثانيها: أن تكون العين في يد أحدهما، فيقضى بها للمتشبّث- و هو ذو اليد- مع يمينه، لأنه هو المدّعى عليه، و الخارج مدّع، لأن الأصل عدم تسلّطه على ما في يد غيره، و ظاهر الحال يشهد لذي اليد. فإن نكل ذو اليد عن الحلف أحلف الخارج إن لم نقض بالنكول. و الكلام في حلفهما كما سلف، فيحلف ذو اليد على النفي، و المدّعي على الإثبات.

و ثالثها: أن تكون في يد ثالث، فذو اليد من صدّقه الثالث، و عليه اليمين للآخر، فإن امتنع حلف الآخر و أغرم القيمة. و لو صدّقهما فهي لهما بعد حلفهما أو نكولهما. و لهما إحلافه إن ادّعيا علمه، لفائدة الغرم مع اعترافه، لا القضاء بالعين.

80

[الثانية: يتحقّق التعارض في الشهادة مع تحقّق التضادّ]

الثانية: يتحقّق التعارض (1) في الشهادة مع تحقّق التضادّ، مثل: أن يشهد شاهدان بحقّ لزيد، و يشهد آخران أن ذلك الحقّ بعينه لعمرو، أو يشهدا أنه باع ثوبا مخصوصا لعمرو غدوة، و يشهد آخران ببيعه بعينه لخالد في ذلك الوقت. و مهما أمكن التوفيق بين الشهادتين وفّق.

فإن تحقّق التعارض، (2) فإما أن تكون العين في يدهما، أو يد أحدهما، أو [في] يد ثالث.

ففي الأول يقضي بها بينهما نصفين، لأن يد كلّ واحد على النصف، و قد أقام الآخر بيّنة، فيقضى له بما في يد غريمه.

____________

و لو أنكرهما حلف لهما، سواء ادّعاها لنفسه أم لا. و لا يجب عليه نسبة الملك إلى نفسه أو إلى أحد معيّن. و لو قال: هي لأحدكما و لا أعرفه، احتمل قويّا القرعة، فيحلف من خرجت له، فإن نكل حلف الآخر، و إن نكلا قسّمت بينهما.

قوله: «يتحقّق التعارض. إلخ».

(1) إذا أقام المتداعيان بيّنتين، فإن أمكن التوفيق بينهما وفّق، و عمل بما دلّت على ملكه الآن، كما لو شهدت إحداهما بملك المدّعي أمس، و الأخرى أنها ملك الآخر بسبب انتقالها عن ذلك المدّعي اليوم، فيعمل بالثانية، لإمكان صدقهما.

و كذا لو أطلقت إحداهما، و فصّلت الأخرى كما ذكرناه.

و إن تحقّق التعارض بحيث استلزم العمل بإحداهما تكذيب الأخرى، كأن تشهد إحداهما بهذه العين لزيد، و تشهد الأخرى بها للآخر، فإنه لا يمكن أن يكون كلّها ملكا لكلّ واحد منهما، فيفتقر الحكم بتقديم إحداهما على الأخرى إلى المرجّح، على التفصيل الذي يأتي.

قوله: «فإن تحقّق التعارض. إلخ».

(2) إذا تعارضت البيّنتان، و كانت العين في يدهما، فلا إشكال في الحكم بها

81

و في الثاني يقضى (1) بها للخارج دون المتشبّث، إن شهدتا لهما بالملك المطلق. و فيه قول آخر- ذكره في الخلاف- بعيد.

____________

بينهما نصفين. لكن اختلف في سببه، فقيل: لتساقط البيّنتين بسبب التساوي، و بقي الحكم كما لو لم يكن هناك بيّنة.

و قيل: لأن مع كلّ منهما مرجّحا (1) باليد على نصفها، فقدّمت بيّنته على ما في يده.

و الذي اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- أن العلّة تقديم بيّنة الخارج، فيقضى لكلّ واحد منهما بما في يد صاحبه. و هذا هو الأشهر.

و تظهر الفائدة في اليمين على من قضي له، فعلى الأول يلزم كلّا منهما اليمين لصاحبه، لأن تساقط البيّنتين أوجب الرجوع إلى اليمين كالمسألة السابقة.

و على الثاني لا يمين على أحدهما، لأن ترجيح البيّنة على الأخرى بسبب اليد أوجب العمل بالراجح و ترك الآخر، كما لو تعارض الخبران. و على الثالث- و هو الأظهر- لا يمين، لأن القضاء له مستند إلى بيّنته، و هي ناهضة بثبوت الحقّ، فيستغنى عن اليمين.

و في التحرير (2) قوّى ثبوت اليمين على كلّ منهما، مع حكمه بتقديم بيّنة الخارج، و أن القضاء هنا لكلّ منهما بما في يد الآخر، و احتمل عدم اليمين.

قوله: «و في الثاني يقضى. إلخ».

(1) إذا كانت العين المتنازع فيها في يد أحدهما، و أقام كلّ منهما بيّنة، ففي

____________

(1) فيما لدينا من النسخ الخطيّة: مرجّح، و الصحيح ما أثبتناه.

(2) تحرير الأحكام 2: 195.

82

و لو شهدتا بالسبب، قيل: يقضى لصاحب اليد، لقضاء عليّ (عليه السلام) في الدابّة.

و قيل: يقضى للخارج، لأنه لا بيّنة على ذي اليد، كما لا يمين على المدّعي، عملا بقوله [(صلّى اللّه عليه و آله)]: «و اليمين على من أنكر (1)»، و التفصيل قاطع للشركة. و هو أولى.

أما لو شهدت للمتشبّث بالسبب و للخارج بالملك المطلق، فإنه يقضى لصاحب اليد، سواء كان السبب ممّا لا يتكرّر، كالنتاج و نساجة الثوب الكتّان، أو يتكرّر كالبيع و الصياغة.

و قيل: بل يقضى للخارج و إن شهدت بيّنته بالملك المطلق، عملا بالخبر. و الأول أشبه.

____________

ترجيح أيّهما أقوال:

أحدها: ترجيح الخارج مطلقا، أي: سواء شهدتا بالملك المطلق أم المقيّد بالسبب أم تفرّقتا، بأن شهدت إحداهما بالملك المطلق و الأخرى بالمقيّد.

ذهب إلى ذلك الصدوقان (2)، و سلّار (3)، و ابن (4) زهرة، و ابن إدريس (5)، و الشيخ في موضع من الخلاف (6). لكن الصدوق (7) قدّم أعدل البيّنتين، و مع التساوي الخارج.

____________

(1) مستدرك الوسائل 17: 397 ب «18» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

(2) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130.

(3) المراسم: 234.

(4) غنية النزوع: 443.

(5) السرائر 2: 168.

(6) الخلاف 3: 130 مسألة (217).

(7) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130.

83

..........

____________

و الحجّة: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على المدّعي، و اليمين على المدّعى عليه».

و وجه الدلالة: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل لكلّ واحد منهما حجّة، فكما لا يمين على المدّعي لا بيّنة على المدّعى عليه، و التفصيل يقطع الاشتراك.

و لرواية محمد بن حفص، عن منصور، عن الصادق (عليه السلام) قال:

«قلت له: رجل في يده شاة فجاء رجل فادّعاها و أقام البيّنة العدول أنها ولدت عنده و لم يهب و لم يبع، و جاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنها ولدت عنده و لم يبع و لم يهب، قال (عليه السلام): حقّها للمدّعي، و لا أقبل من الذي في يده بيّنة، إن اللّه عزّ و جلّ إنما أمر أن تطلب البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة و إلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عزّ و جلّ» (1).

و طريق الرواية إلى منصور حسن، أما هو فإنه مشترك بين الثقة و غيره.

و الثاني: ترجيح ذي اليد مطلقا. و هو قول الشيخ في كتاب الدعاوي من الخلاف (2). و هو الذي نسبه المصنف- (رحمه اللّه)- إلى البعد.

و حجّته رواية (3) جابر أن رجلين اختصما عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في دابّة أو بعير، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنه أنتجها، فقضى بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للذي هي في يده.

____________

(1) التهذيب 6: 240 ح 594، الاستبصار 3: 43 ح 143، الوسائل 18: 186 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم ح 14.

(2) الخلاف 6: 342 مسألة (15).

(3) عوالي اللئالي 3: 526 ح 31، و انظر سنن الدار قطني 4: 209 ح 21، سنن البيهقي 10: 256، تلخيص الحبير 4: 210 ح 2141.

84

..........

____________

و رواية غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) اختصم إليه رجلان في دابّة، و كلاهما أقام البيّنة أنه أنتجها، فقضى بها للذي هي في يده». و قال: «لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (1).

و هذان الحديثان- مع ضعف سندهما بكون الأول عاميّا، و الثاني بغياث- أخصّ من المدّعى، لأنهما دلّا على تقديم ذي اليد مع السبب لهما، لا مع الملك المطلق.

و الثالث: ترجيح الداخل إن شهدت بيّنته بالسبب، سواء انفردت به أم شهدت بيّنة الخارج به أيضا، و تقديم الخارج إن شهدتا بالملك المطلق أو انفردت بيّنته بالسبب.

و هذا هو الذي اختاره المصنف- (رحمه اللّه)-، و قبله الشيخ في النهاية (2) و كتابي (3) الأخبار، و تلميذه القاضي (4) و جماعة. و قد وهم الشيخ في المبسوط (5) حيث نقل عن النهاية خلاف ذلك، فقال فيه: «ما يدلّ عليه أخبارنا هو ما ذكرناه في النهاية، و هو أنه إذا شهدتا بالملك المطلق و يد أحدهما عليها حكم لذي اليد، و كذلك إن شهدتا بالملك المقيّد لكلّ واحد و يد أحدهما عليها حكم لذي اليد».

قال: «و قد روي أنه يحكم لليد الخارجة». و وجه التنافي بين المنقول و المنقول عنه ظاهر.

____________

(1) الكافي 7: 419 ح 6، التهذيب 6: 234 ح 573، الاستبصار 3: 39 ح 133، الوسائل 18: 182 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدّعوى ح 3.

(2) النهاية: 344.

(3) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583، الاستبصار 3: 42 ذيل ح 142.

(4) المهذّب 2: 578.

(5) المبسوط 8: 258.

85

..........

____________

و حجّة هذا التفصيل الجمع بين الأخبار التي دلّ بعضها على تقديم الداخل مع بيان السبب، و قد سمعته، و بعضها على تقديم الخارج، و هو محمول على ما إذا أطلقتا أو اختصّت بيّنة الخارج بالسبب بطريق أولى، كما أن تقديم بيّنة الداخل مع انفرادها بالسبب ثابت بطريق أولى، لورود النصّ (1) على تقديمها مع اشتراكهما في السبب.

و الرابع: ترجيح الأعدل من البيّنتين، أو الأكثر عددا مع تساويهما في العدالة، مع اليمين، و مع التساوي يقضي للخارج. و هو قول المفيد (2) (رحمه اللّه).

و قريب منه قول الصدوق (3)، فإنه قدّم أعدل البيّنتين، و مع التساوي الخارج. و قد تقدّم.

و الترجيح بهاتين الصفتين عمل به المتأخّرون (4) على تقدير كون العين في يد ثالث، لورودها (5) في بعض (6) الأخبار كذلك. مع أن في بعضها ما يدلّ على هذا القول، ففي صحيحة أبي (7) بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي القوم فيدّعي دارا في أيديهم، و يقيم الذي في يده الدار أنه ورثها عن أبيه، لا ندري كيف أمرها؟ فقال: أكثرهم بيّنة يستحلف و تدفع إليه».

____________

(1) راجع ص: 83- 84.

(2) المقنعة: 730- 731.

(3) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130.

(4) اللمعة الدمشقيّة: 52، المقتصر: 383.

(5) في «د»: لورودهما.

(6) الكافي 7: 418 ح 1، الفقيه 3: 38 ح 129، التهذيب 6: 234 ح 575، الاستبصار 3: 40 ح 135، الوسائل 18: 181 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

(7) الكافي 7: 418 ح 3، الفقيه 3: 38 ح 130، التهذيب 6: 234 ح 576، الاستبصار 3: 40 ح 135، الوسائل 18: 181 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 5.

86

..........

____________

و ذكر: «أن عليّا (عليه السلام) أتاه قوم يختصمون في بغلة، فقامت لهؤلاء البيّنة أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا و لم يهبوا، و قامت لهؤلاء البيّنة بمثل ذلك، فقضى بها لأكثرهم بيّنة و استحلفهم».

قال: «فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادّعى الدار قال: إن أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، و لم يقم الذي هو فيها بيّنة إلا أنه ورثها عن أبيه، قال: إذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادّعاها و أقام البيّنة عليها».

فقد دلّت هذه الرواية على الترجيح بالعدد مع تشبّث أحدهما و خروج الآخر، و على ما لو ذكرا جميعا السبب. و هي أوضح سندا من الروايات السابقة.

و روى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) إذا أتاه رجلان ببيّنة شهود، عدلهم سواء و عددهم سواء، يقرع بينهم على أيّهم يصير اليمين، قال: و كان يقول: اللّهم ربّ السماوات السبع أيّهم كان الحقّ له فأدّه إليه، ثمَّ يجعل الحقّ للذي يصير إليه اليمين عليه إذا حلف» (1).

و هذه متناولة بإطلاقها لهذا القسم.

و بقي في المسألة أقوال أخر نادرة ليس عليها دليل واضح.

و نبّه المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: «سواء كان السبب ممّا لا يتكرّر، كالنتاج و نساجة الثوب، أو يتكرّر، كالبيع و الصياغة» على خلاف ابن حمزة (2) حيث فرّق بين السبب المتكرّر و غيره، و حكم بتقديم ذي اليد مع كون السبب ممّا يتكرّر.

____________

(1) الكافي 7: 419 ح 3، الفقيه 3: 53 ح 181، التهذيب 6، 233 ح 571، الاستبصار 3: 39 ح 131، الوسائل 18: 183 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 5.

(2) الوسيلة: 219.

87

و لو كانت في يد ثالث، (1) قضي بأرجح البيّنتين عدالة، فإن تساويا قضي لأكثرهما شهودا. و مع التساوي عددا و عدالة يقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف، و قضي له. و لو امتنع، أحلف الآخر و قضي له. و إن نكلا، قضي به بينهما بالسويّة.

و قال في المبسوط: يقضي بالقرعة إن شهدتا بالملك المطلق، و يقسّم بينهما إن شهدتا بالملك المقيّد. و لو اختصّت إحداهما بالتقييد، قضي بها دون الأخرى. و الأول أنسب بالمنقول.

____________

قوله: «و لو كانت في يد ثالث. إلخ».

(1) اختصاص هذا القسم بالترجيح بهذين المرجّحين- و هما العدالة و العدد- دون باقي أقسام التعارض هو المشهور بين الأصحاب، خصوصا المتأخّرين (1) منهم، تبعا للشيخ (2)- (رحمه اللّه)-، فإنه جعل ذلك جامعا بين الأخبار التي دلّ بعضها على الترجيح بهما، و بعضها على الترجيح بالسبب، و بعضها على ترجيح الخارج، و بعضها على ترجيح ذي اليد. ففصّلوا الأحكام كما سبق، حتى إن الشيخ في التهذيب (3) صرّح بكون خبر أبي بصير الذي حكيناه سابقا (4)- المقتضي للترجيح بالعدد- محمولا على حكم ما إذا كانت العين في يد ثالث. و هو عجيب، فإنها صريحة في كون أحدهما متشبّثا، حيث قال: «يأتي القوم فيدّعي دارا في أيديهم» (5). و من ثمَّ خالف جماعة (6) من المتقدّمين و اعتبروا الترجيح بهما في جميع

____________

(1) إرشاد الأذهان 2: 150، اللمعة الدمشقيّة: 52، المقتصر: 383- 384.

(2) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583.

(3) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583.

(4) راجع ص: 85.

(5) راجع ص: 85.

(6) المقنع: 399- 400، المقنعة: 730- 731.

88

..........

____________

الأقسام، و هو أنسب بحال الروايات التي بعضها مطلق في الترجيح بهما أو بأحدهما، و بعضها مصرّح بخلاف ما ادّعاه المفصّلون.

و أما ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1) من الحكم بالقرعة مع شهادتهما لهما بالملك المطلق، فتدلّ عليه صحيحة الحلبي، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين شهدا على أمر، و جاء آخران فشهدا على غير ذلك، فاختلفوا، قال: يقرع بينهم فأيّهم قرع فعليه اليمين، و هو أولى بالحقّ» (2). فحملها على ما إذا أطلقا، لدلالة ظاهر الشهادة عليه.

و يدلّ على ما ذكره من أنه مع شهادتهما بالملك المقيّد يقسّم بينهما، رواية غياث بن إبراهيم السابقة (3)، و قول عليّ (عليه السلام): «لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (4) و الحال أنهما شهدتا بالسبب و هو النتاج.

و يدلّ على ترجيح ذات السبب مع الاختلاف قوّتها، مضافا إلى ما سبق من الأخبار الدالّة على تقديم ذات السبب.

و بالجملة، فالحكم في هذين القسمين لا يخلو من إشكال، لاختلاف الأخبار على وجه يعسر الجمع بينها، و ضعف ما ذكروه من طريق الجمع، و ضعف سند أكثرها، و عدم عمل الأصحاب بما اعتبر إسناده مقتصرين عليه. و لأجل ما ذكرناه اقتصر الشهيد في الدروس (5) على مجرّد نقل الأقوال من غير ترجيح لأحدها.

____________

(1) المبسوط 8: 258.

(2) التهذيب 6: 235 ح 577، الاستبصار 3: 40 ح 137، الوسائل 18: 185 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 11.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 84 هامش (1).

(4) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 84 هامش (1).

(5) الدروس الشرعيّة 2: 101.

89

و يتحقّق التعارض (1) بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين. و لا يتحقّق بين شاهدين و شاهد و يمين. و ربما قال الشيخ نادرا يتعارضان و يقرع بينهما. و لا بين شاهد و امرأتين و شاهد و يمين، بل يقضى بالشاهدين و الشاهد و المرأتين، دون الشاهد و اليمين.

____________

قوله: «و يتحقّق التعارض. إلخ».

(1) أما تحقّق التعارض بين الشاهدين و الشاهد و المرأتين، فلأن كلّا منهما حجّة مستقلّة يثبت بها المال.

و أما عدم معارضة الشاهد و اليمين لهما، فلأن الشاهد لا يستقلّ بالحجّة (1)، و اليمين معه و إن أوجبت ثبوت المال إلا أنه حجّة ضعيفة، و من ثمَّ اختلف في ثبوته بها. و أيضا فالذي يحلف مع شاهده يصدّق نفسه، و الذي يقيم شاهدين يصدّقه غيره، فهو أقوى جانبا و أبعد عن التهمة. و بهذا صرّح الشيخ في المبسوط (2) في فصل الدعاوي و البيّنات، و في الخلاف (3) أيضا.

و القول النادر الذي نسبه المصنف- (رحمه اللّه)- إليه بالتعارض بينهما و القرعة ذكره في المبسوط (4) في فصل الرجوع عن الشهادة.

و وجهه: أن الشاهد و اليمين حجّة مستقلّة في إثبات المال كالشاهدين، فيعارضانهما كما يعارضهما الشاهد و المرأتان.

و إنما قال المصنف- (رحمه اللّه)-: «و ربما قال الشيخ. إلخ» لأن كلامه

____________

(1) في «د، م»: بالحجّية.

(2) المبسوط 8: 259.

(3) الخلاف 6: 334 مسألة (5).

(4) المبسوط 8: 253- 254.

90

..........

____________

ليس صريحا، و قد اختلف العلماء في فهم عبارته، فالشيخ فخر الدين (1)- (رحمه اللّه)- ذكر أنه تردّد في ذلك، و لم يرجّح أحد القولين. و الشهيد في الدروس (2) قال:

إنه صرّح بالتعارض و القرعة. و لننقل عبارة الشيخ في ذلك و ننظر فيها، فإن كلا الفهمين محتمل منها، و الأظهر منها هو التردّد الذي فهمه الشيخ فخر الدين.

و هذه عبارة الشيخ: «شهد شاهدان أنه أوصى لزيد بثلث ماله، و شهد شاهد واحد أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، و قال عمرو: أحلف مع شاهدي ليكون الثلث بيننا، فهل يزاحم الشاهدين شاهد و يمين أم لا؟ قال قوم: يحلف و يزاحم و يساويه، لأن الشاهد و اليمين في الأموال بمنزلة الشاهدين، و قال آخرون: لا يساويه، لأن الشاهد و اليمين أضعف من شاهدين، لأن الشاهد وحده لا يقوم بنفسه حتى يضمّ إليه غيره، و الشاهدان قائمان بأنفسهما، فلا يعارضهما. فمن قال لا يعارضهما حكم بالثلث لزيد وحده، و من قال يعارضهما حلف عمر و مع شاهده، و كان الثلث بينهما نصفين. و على مذهبنا يقرع بينهما» (3).

هذه عبارته. فالشهيد- (رحمه اللّه)- فهم التصريح بالتعارض من قوله:

«و على مذهبنا يقرع بينهما». و الذي يظهر أن هذا ليس حكما بالتعارض، لأن القولين اللّذين حكاهما عن المخالفين، كما هي عادته، و مذهبهم (4) أن الوصيّة المعيّنة- كالثلث مثلا- لاثنين متعارضين يوجب قسمته بينهما على سبيل العول، و مذهبنا أن الثاني يكون رجوعا عن الأول إن علم الترتيب، و إن اشتبه أقرع،

____________

(1) إيضاح الفوائد 4: 409.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 102.

(3) المبسوط 8: 253- 254.

(4) انظر الحاوي الكبير 8: 309، روضة الطالبين 5: 268.

91

و كلّ موضع قضينا فيه (1) بالقسمة، فإنما هو في موضع يمكن فرضها كالأموال، دون ما يمتنع، كما إذا تداعى رجلان زوجة.

____________

و هذا المذكور على إطلاقه من مواضع الاشتباه. فلمّا ذكر حكم الوصيّة على القولين على مذهب المخالف، و كان مذهبنا يوافق القول الأول على تقدير تقديم الشاهدين، ذكر ما يوافق مذهبنا على تقدير التعارض، لئلّا يتوهّم أن مذهبنا على تقديره يوجب اشتراكهما في الموصى به، و هذا ليس حكما بترجيح القول بالتعارض، بل هو باق على تردّده حيث اقتصر على مجرّد نقلهما، و إنما فرّع ما يناسب القول الثاني من مذهبنا. فنقل الشيخ فخر الدين- (رحمه اللّه)- عنه التردّد أقعد.

و قول المصنف- (رحمه اللّه)-: «و ربما قال الشيخ. إلخ» يدلّ على احتماله للأمرين. و كذلك فعل العلامة في القواعد (1) نقلا عن الشيخ.

قوله: «و كلّ موضع قضينا فيه. إلخ».

(1) إذا تداعيا زوجة و لم تترجّح بيّنة أحدهما، لكونهما خارجين و نكلا عن اليمين، فإنه لا يتصوّر القسمة هنا، كما يقسّم بينهما المال لو كانت الدعوى مالا، بل الطريق هنا الحكم لمن أخرجته القرعة، إذ لا سبيل إلى غيره.

و يؤيّده مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل كانت له امرأة، فجاء رجل بشهود شهدوا أن هذه المرأة امرأة فلان، و جاء آخرون فشهدوا أنها امرأة فلان، فاعتدل الشهود و عدّلوا، قال: يقرع بين الشهود، فمن خرج اسمه فهو المحقّ، و هو أولى بها» (2).

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 233.

(2) الكافي 7: 420 ح 2، التهذيب 6: 235 ح 579، الاستبصار 3: 41 ح 139، الوسائل 18: 184 ب «12» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 8.

92

و الشهادة بقديم الملك (1) أولى من الشهادة بالحادث، مثل أن تشهد إحداهما بالملك في الحال، و الأخرى بقديمه، أو إحداهما بالقديم، و الأخرى بالأقدم، فالترجيح لجانب الأقدم.

و كذا الشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد، لأنها محتملة. و كذا الشهادة بسبب الملك أولى من الشهادة بالتصرّف.

____________

و على هذا فلا فائدة في الإحلاف بعد القرعة، لأن فائدته القضاء للآخر مع نكوله، و هو منفيّ هنا. و في الرواية دلالة على نفي اليمين هنا.

و لا فرق في ثبوت الشركة في المال على تقديره بين كونه قابلا للقسمة و عدمه كالجوهرة، و إن كانت العبارة توهم اختصاص الحكم بما يقبل القسمة، لكنّه تجوّز بها في إمكان الشركة، و لو عبّر بها كان أولى.

قوله: «و الشهادة بقديم الملك. إلخ».

(1) هنا مسائل:

الأولى: إذا تعارضت البيّنتان في الملك و لكن اختصّت إحداهما بزيادة التاريخ، فالمشهور أنه مرجّح، كما لو شهدت بيّنة أحدهما أنه ملكه في الحال، و الأخرى أنه ملكه منذ سنة، أو شهدت بيّنة الأول أنه ملكه منذ سنة، و بيّنة الآخر أنه ملكه منذ سنتين.

و وجه تقديم متقدّمة التاريخ: أنها تثبت الملك في وقت لا تعارضها البيّنة الأخرى فيه، و في وقت تعارضها الأخرى، فتتساقطان في محلّ التعارض، و يثبت موجبها (1) فيما قبل محلّ التعارض، و الأصل في الثابت دوامه.

و في المسألة وجه آخر بعدم الترجيح بذلك، لأن مناط الشهادة الملك في الحال، و قد استويا فيه، فأشبه ما إذا كانتا مطلقتين أو مؤرّختين بتأريخ واحد.

____________

(1) في «ا، ث، د، ط»: موجبهما.

93

..........

____________

و المسألة مفروضة فيما إذا كان المدّعى في يد ثالث، فأما إذا كان في يد أحدهما و قامت بيّنتان مختلفتا التاريخ، فإن كانت بيّنة الداخل أسبق تاريخا فهو المقدّم لا محالة. و إن كانت بيّنة الآخر أسبق تاريخا، فإن لم نجعل سبق التاريخ مرجّحا فكذلك يقدّم الداخل. و إن جعلناه مرجّحا ففي ترجيح أيّهما و عدمه أوجه.

أحدها: ترجيح اليد، لأن البيّنتين متساويتان في إثبات الملك في الحال، فتتساقطان فيه، و يبقى من أحد الطرفين اليد، و من الآخر إثبات الملك السابق، و اليد أقوى من الشهادة على الملك السابق، و لهذا لا تزال بها.

و الثاني: ترجيح السبق، لأن مع إحداهما ترجيحا من جهة البيّنة، و مع الأخرى ترجيحا من جهة اليد، و البيّنة تتقدّم على اليد، فكذلك الترجيح من جهتها يتقدّم على الترجيح من جهة اليد.

و الثالث: أنهما يتساويان، لتعارض البيّنتين (1).

و اعلم أن إطلاق عبارة المصنف يقتضي عدم اشتراط إضافة البيّنة بالملك القديم التعرّض للملك (2) في الحال. و هو أحد الوجهين في المسألة، لأن الملك إذا ثبت سابقا فالأصل فيه الدوام و الاستمرار، فلا يفتقر إلى التصريح باستمراره.

و الثاني- و هو المشهور-: أن الشهادة بالملك القديم لا تسمع حتى يقول:

و هو ملكه في الحال، أولا أعلم له مزيلا، حتى لو قال: لا أدري زال أم لا، لم يقبل، لأن ثبوت الملك سابقا إن اقتضى بقاءه فيد المدّعي عليه و تصرّفه يدلّ على

____________

(1) كذا في «خ، م»، و في سائر النسخ: المعنيين.

(2) كذا في «ت، د»، و في سائر النسخ: لذلك.

94

..........

____________

الانتقال إليه، فلا يحصل ظنّ الملك في الحال. و لأن دعوى الملك السابق لا تسمع، فكذلك البيّنة عليه.

و علّلوا عدم قبول الشهادة مع قوله: «لا أدري زال أم لا»، مع أن مؤدّاها قريب من قوله: «لا أعلم له مزيلا»، بأن الأولى تقتضي تردّدا أو ريبة، فهي بعيدة عن أداء الشهادة.

و فيه نظر، لأن الجزم الواقع في الشهادة بالصيغتين الأوّلتين إنما استند إلى استصحاب الملك و ظنّ الاستمرار مع عدم ظهور المنافي، و إلا فاليقين بالاستمرار لا يتّفق، لأن الأسباب الموجبة لانتقال الملك عن المشهود له لا يمكن القطع بعدمها و إن صحبه الشاهد ليلا و نهارا، فإن منها ما يمكن وقوعه سرّا بنفسه مع (1) نفسه.

و الاستناد إلى الاستصحاب و ظنّ الاستمرار يتأدّى بقوله: «لا أدري زال أم لا» كما يتأدّى بقوله: «و هو ملكه في الحال» لأنه إذا لم يدر هل زال أم لا؟ جاز له استصحاب البقاء و الحكم به في الحال.

و كون الصيغة بعيدة عن أداء الشهادة في حيّز المنع، و من ثمَّ ذهب بعضهم إلى عدم اشتراط الضميمة، مع أن الشهادة بالملك السابق لا تنافي العلم بتجدّد انتقاله عنه، فمع إضافة ما ينافي العلم بالانتقال أولى.

و الحقّ أن إطلاق الشهادة بالملك القديم لا تسمع، لعدم التنافي بين كونه ملكا له بالأمس مع تجدّد انتقاله عنه اليوم، و إن كان الشاهد يعلم بذلك، بل لا بدّ من إضافة ما يفيد عدم علمه بتجدّد الانتقال، و ذلك يتحقّق بهذه الصيغ، و إن كان

____________

(1) في «ت، ط»: في.

95

..........

____________

الاقتصار على ما لا يشمل على التردّد أولى.

الثانية: لو تعارضت البيّنة بالملك المطلق و البيّنة باليد فالترجيح لبيّنة الملك، لأن اليد و إن كانت ظاهرة في الملك إلا أنّها محتملة لغيره، لجواز استنادها إلى العارية و الإجارة و غيرهما، بخلاف الملك، فإنه صريح في المطلوب، فكانت الشهادة به مرجّحة.

و لا فرق على هذا التقدير بين تقدّم تاريخ شهادة اليد- بأن شهدت أن يده على العين منذ سنة، و شهدت بيّنة الملك بتأريخ متأخّر، أو بأنه ملكه في الحال- و تأخّره، لاشتراك الجميع في المقتضي و هو احتمال اليد، بخلاف الملك. و في هذه المسألة قول بتقديم اليد على الملك القديم. و سيأتي (1) الكلام فيه.

الثالثة: لو تعارضت البيّنة بسبب الملك و البيّنة بالتصرّف، بأن شهدت الأولى أن العين لفلان اشتراها من فلان، و شهدت بيّنة الآخر أنها وجدته يتصرّف في العين تصرّف الملّاك، من البناء و الهدم و البيع و الرهن و نحو ذلك، قدّمت بيّنة الملك المتسبّب (2)، لأن التصرّف أعمّ من الملك المطلق، لجواز وقوعه من الوكيل و غيره، بخلاف الملك المتبيّن (3) سببه، فإنه صريح في المطلوب. و مقتضى هذا التعليل تقديم بيّنة الملك و إن لم يذكر سببه على بيّنة التصرّف، كما رجّحت على بيّنة اليد، و إن كان التصرّف أقوى من مطلق اليد، لاشتراكهما في قيام الاحتمال دون الملك.

____________

(1) في ص: 100.

(2) في «ت، ط»: المتشبّث، و في «د»: المسبّب.

(3) في «ا، د»: المبيّن.

96

[الثالثة: إذا ادّعى شيئا، فقال المدّعى عليه: هو لفلان]

الثالثة: إذا ادّعى شيئا، (1) فقال المدّعى عليه: هو لفلان، اندفعت عنه المخاصمة، حاضرا كان المقرّ له أو غائبا. فإن قال المدّعي: أحلفوه أنه لا يعلم أنها لي، توجّهت اليمين، لأن فائدتها الغرم لو امتنع، لا القضاء بالعين لو نكل أو ردّ.

و قال الشيخ (رحمه اللّه): لا يحلف و لا يغرم لو نكل.

و الأقرب أنه يغرم، لأنه حال بين المالك و [بين] ماله بإقراره لغيره.

و لو أنكر المقرّ له حفظها الحاكم، لأنها خرجت عن [ملك] المقرّ، و لم تدخل في ملك المقرّ له. و لو أقام المدّعي بيّنة قضي له.

أما لو أقرّ المدّعى عليه بها لمجهول لم تندفع الخصومة، و ألزم البيان.

____________

قوله: «إذا ادّعى شيئا. إلخ».

(1) إذا ادّعى شيئا على إنسان فقال المدّعى عليه: إنه ليس لي، فإما أن يقتصر عليه، أو يضيفه إلى مجهول، أو إلى معلوم.

فإن اقتصر عليه، أو أضافه إلى مجهول، بأن قال: هو لرجل لا أعرفه أو لا أسمّيه، ففي انصراف الخصومة عنه و انتزاع المال من يده وجهان، أصحّهما- و هو الذي لم يذكر المصنف غيره- أنها لا تنصرف و لا ينتزع المال من يده، لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، و ما صدر عنه ليس بمزيل، و لم يظهر لغيره استحقاقا. و على هذا، فإن أقرّ بعد ذلك لمعيّن قبل، و انصرفت الخصومة إلى ذلك المعيّن، و إلّا فيقيم المدّعي البيّنة عليه أو يحلفه.

97

..........

____________

و الوجه الثاني: أنها تنصرف عنه بذلك، لأنه (1) يبرأ من المدّعي، و ينتزع الحاكم المال من يده. فإن أقام المدّعي بيّنة على الاستحقاق فذاك، و إلا حفظه إلى أن يظهر مالكه.

و إن أضافه إلى معلوم، فالمضاف إليه ضربان:

أحدهما: أن يمتنع مخاصمته و تحليفه، كما إذا قال: هو وقف على الفقراء، أو على مسجد كذا، أو على ابني الطفل، أو هو ملك له، فتنصرف الخصومة عنه، و لا سبيل إلى تحليف الوليّ و لا طفله، و لا تغني إلا البيّنة. و إذا قضى له الحاكم بالبيّنة، و كان الإقرار لطفل، كتب الحاكم صورة الحال في السجلّ، ليكون الطفل على حجّته إذا بلغ.

و الثاني: من لا يمتنع مخاصمته و لا تحليفه، كما إذا أضافه إلى شخص معيّن، فهو إما حاضر، و إما غائب.

فإن كان حاضرا روجع، فإن صدّق المدّعى عليه انصرفت الخصومة إليه.

و إن كذّبه ففيه أوجه:

أحدها- و هو الذي قطع به المصنف (رحمه اللّه) هنا-: أنه ينتزع منه، و يحفظه الحاكم إلى أن يظهر مالكه، لخروجه عن ملك المقرّ بالإقرار، و عدم ظهور مالكه بإنكار المقرّ له.

و الثاني: أنه يترك في يد المدّعى عليه، إذ لا منازع له، و لعلّه يرجع و يدّعيه.

و الثالث: أنه يسلّم للمدّعي، لخروجه عن ملك المقرّ، و لا منازع فيه للمدّعي.

____________

(1) في «ث، خ، م»: لأنها تبرئ.

98

..........

____________

و إن أضاف إلى غائب انصرفت عنه الخصومة أيضا، لأن المال بظاهر الإقرار قد صار لغيره، و لهذا لو حضر الغائب و صدّقه أخذه، و إذا كان لغيره وجب انصراف الخصومة عنه. و لا فرق بين أن يطلق ذلك، و بين أن يقول:

و هو في يدي بإجارة أو أعاره أو وديعة أو غيرها.

ثمَّ إن كان للمدّعي بيّنة أقامها، و قضي على الغائب بشرطه. و إن لم يكن له بيّنة أقرّ في يد المدّعى عليه.

و حيث تنصرف الخصومة عنه، و طلب المدّعي إحلافه أنه لا يعلم أن العين له، ففي إجابته قولان مبنيّان على أنه لو أقرّ له بعد ما أقرّ لغيره هل يغرم القيمة؟

فيه قولان مذكوران في محلّه (1).

فإن قلنا: نعم- و هو الأظهر- فله إحلافه، فلعلّه يقرّ فيغرمه القيمة.

و إن قلنا: لا، و هو أحد قولي الشيخ (2)- (رحمه اللّه)-، فإن قلنا النكول و ردّ اليمين كالإقرار لم يحلفه، لأنّه و إن أقرّ أو (3) نكل و حلف المدّعي لا يستفيد شيئا.

و إن قلنا كالبيّنة فله التحليف، لأنه قد ينكل فيحلف المدّعي، فإذا حلف و كانت العين تالفة أخذ القيمة.

و حيث قلنا بوجوب القيمة، فأخذها بإقرار المدّعى عليه ثانيا أو بيمين المدّعي بعد نكوله، ثمَّ سلّمت له العين بالبيّنة أو بيمينه بعد نكول المقرّ له، فعليه ردّ القيمة، لأنه إنما أخذ القيمة للحيلولة و قد زالت.

____________

(1) في ج 11: 109- 110.

(2) المبسوط 8: 266.

(3) في «ث، خ»: و نكل.

99

[الرابعة: إذا ادّعى أنه آجره الدابّة، و ادّعى آخر أنه أودعه إيّاها]

الرابعة: إذا ادّعى أنه آجره الدابّة، (1) و ادّعى آخر أنه أودعه إيّاها، تحقّق التعارض مع قيام البيّنتين بالدعويين، و عمل بالقرعة مع تساوي البيّنتين في عدم الترجيح.

____________

فروع:

الأول: لو رجع الغائب و كذّب المدّعى عليه فالحكم كما ذكرناه فيما إذا أضاف إلى حاضر و كذّبه.

الثاني: لو أقام المقرّ له الحاضر أو الغائب بعد رجوعه البيّنة على الملك، لم يكن للمدّعي تحليف المقرّ ليغرمه و إن قلنا به في الأول، لأن الملك استقرّ بالبيّنة، و خرج الإقرار عن أن تكون الحيلولة به.

الثالث: لو قال المدّعي: هذه الدار وقف عليّ، و قال من هي في يده: هي ملك لفلان، و صدّقه فلان و انتقلت الخصومة إليه، فإن قلنا بعدم إحلاف المقرّ ليغرمه القيمة فهنا أولى. و إن قلنا به ففي إحلافه هنا وجهان، من حيث إن المدّعي قد اعترف [هنا] (1) بالوقف و الوقف لا يعتاض عنه، و من أنه مضمون بالقيمة عند الإتلاف، و الحيلولة في الحال كالإتلاف. و هذا أقوى.

قوله: «إذا ادّعى أنه آجره الدابّة. إلخ».

(1) المراد أن الدابّة في يد المدّعى عليه و المدّعيان خارجان، فادّعى أحدهما أنه آجرها من صاحب اليد، و ادّعى الآخر أنه أودعه إيّاها. فإن لم يقيما بيّنة يحكم بها لمن يصدّقه المتشبّث. و إن أقام كلّ منهما بيّنة بدعواه تحقّق التعارض مع الإطلاق أو اتّحاد التاريخين. و حينئذ فيرجع إلى الترجيح في إحدى البيّنتين بالعدالة أو العدد، فإن انتفى فالقرعة. و لو تقدّم تاريخ إحداهما بني على الترجيح

____________

(1) من «أ».

100

[الخامسة: لو ادّعى دارا في يد إنسان، و أقام بيّنة أنها كانت في يده أمس]

الخامسة: لو ادّعى دارا (1) في يد إنسان، و أقام بيّنة أنها كانت في يده أمس أو منذ شهر، قيل: لا تسمع هذه البيّنة.

و كذا لو شهدت له بالملك أمس، لأن ظاهر اليد الآن الملك، فلا يدفع بالمحتمل.

و فيه إشكال، و لعلّ الأقرب القبول.

أما لو شهدت بيّنة المدّعي أن صاحب اليد غصبه أو استأجرها منه، حكم بها، لأنها شهدت بالملك و سبب يد الثاني.

____________

به و عدمه.

و قد تقدّم نظيره في الملك، و سيأتي مثله في اليد. و قد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى، لأن الاختلاف فيها اختلاف في العقود.

قوله: «لو ادّعى دارا. إلخ».

(1) إذا كان في يد أحد دار و ادّعاها غيره، و أقام بيّنة على أنها كانت في يده و ملكه بالأمس أو منذ شهر مثلا، فقد تعارض هنا اليد الحاليّة و القديمة أو الملك القديم. و في تقديم أيّهما قولان للشيخ في كلّ واحد من المبسوط (1) و الخلاف (2).

أحدهما: أن القديمة منهما لا تسمع أصلا، و يقضى باليد الحاليّة، لأن اليد ظاهرها الآن الملك فلا يدفعها أمر محتمل، إذ يحتمل أن يكون مع الأول بعارية و نحوها في صورة دعوى اليد، و ثبوت مطلق اليد لا يستلزم ثبوت اليد الخاصّة المفيدة للملك، و يحتمل في صورة دعوى الملك أن ينتقل بعد الأمس إلى غيره، فكلّ واحد من الأمرين غير متحقّق الملكيّة (3) الآن.

____________

(1) المبسوط 8: 269 و 299.

(2) الخلاف 6: 339 مسألة (11)، و ص: 345 مسألة (19).

(3) في «ا، ث، خ»: الملك.

101

..........

____________

و احتجّ في المبسوط (1) أيضا بعدم المطابقة بين الدعوى و الشهادة، إذ الدعوى بالملك الحالي و الشهادة بالملك القديم. و لو قيل: إن ثبوته في الماضي يوجب استصحابه إلى الآن، منع بأن اليد الحاضرة الظاهرة في الملك معارضة له فلم يتمّ استدامته، خصوصا اليد الماضية، لانقطاعها رأسا.

و الثاني- و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه)-: القبول، لأن اليد الحاضرة إن كانت دليل الملك فالسابقة المستصحبة أو الملك الفعليّ المستصحب أولى، لمشاركتهما لها في الدلالة على الملك الآن و انفرادهما بالزمن السابق، فيكونان أرجح. و الحكم باستصحابها أوجب المطابقة بين الدعوى و الشهادة.

و قد تقدّم (2) البحث فيه.

و الفرق بين هذه و السابقة الموجب لإعادة البحث: أن المعارضة في هذه بين اليد المتحقّقة و اليد السابقة الثابتة بالبيّنة أو الملك السابق كذلك، و السابقة وقع فيها التعارض بين البيّنتين الدالّة إحداهما على اليد في الحال مع عدم ظهورها، و الأخرى على الملك السابق، و لا (3) تعرّض فيها للمعارضة بين اليد السابقة و الحاليّة.

و قد تأكّد من إطلاقه الحكم هنا و في السابقة بتقديم الملك القديم، بغير تقييد له بكونه إلى الآن أو عدم علم المزيل، أن إضافة ذلك غير شرط. و الأصحّ

____________

(1) لم نجد هذا الاحتجاج في المبسوط، بل ذكره في الخلاف ذيل المسألة (11) راجع الهامش (2) في الصفحة السابقة.

(2) في ص: 92.

(3) في «ا، ث، د»: فلا.

102

و لو قال: غصبني (1) إيّاها، و قال آخر: بل أقرّ لي بها، و أقاما البيّنة قضي للمغصوب [منه]، و لم يضمن المقرّ، لأن الحيلولة لم تحصل بإقراره، بل بالبيّنة.

____________

اشتراط إضافة ما يعلم منه أن الشاهد لم يتجدّد عنده علم الانتقال، لما بيّنّاه من عدم المنافاة بين علمه بالملك (1) السابق و شهادته به مع انتقاله عن المالك الآن.

و اعلم أن موضع الخلاف في تقديم بيّنة الملك و اليد السابقين على اليد الحاليّة ما إذا لم تشهد بيّنة السابق بفساد اليد الحاليّة، بأن (2) قالت: إنّه غصبها من ذي الملك أو اليد القديمين، أو بعدم (3) استحقاقها للملك، بأن شهدت أنها في يد الثاني بالإجارة من الأول أو العارية، و إلا قدّمت السابقة بغير إشكال، لعدم التعارض على هذا الوجه.

قوله: «و لو قال: غصبني. إلخ».

(1) إنما قدّمت بيّنة المغصوب [منه] (4) لأنها تشهد له بالملك و بسبب يد المتشبّث، و أنها عادية في مجموع وقتها، فيكون إقراره للغير بها في زمن اليد إقرارا بعين مغصوبة، فلا ينفذ إقراره. و لا يغرم المدّعى عليه للمقرّ له، لأنه لم يحل بينه و بين ملكه، إنما الحائل البيّنة.

____________

(1) في «ث، خ»: علمه بالسابق.

(2) كذا في «خ»، و في سائر النسخ: فإن.

(3) في «ث، خ»: عدم.

(4) من إحدى الحجريّتين.

103

[المقصد الثاني في الاختلاف في العقود]

المقصد الثاني في الاختلاف في العقود إذا اتّفقا على استئجار (1) دار معيّنة شهرا معيّنا، و اختلفا في الأجرة، و أقام كلّ منهما بيّنة بما قدّره، فإن تقدّم تاريخ أحدهما عمل به، لأن الثاني يكون باطلا.

و إن كان التاريخ واحدا، تحقّق التعارض، إذ لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين. و حينئذ يقرع بينهما، و يحكم لمن خرج اسمه مع يمينه. هذا اختيار شيخنا في المبسوط.

و قال آخر: يقضى ببيّنة المؤجر، لأن القول قول المستأجر لو لم تكن بيّنة، إذ هو يخالف على ما في ذمّة المستأجر، فيكون القول قوله، و من كان القول قوله مع عدم البيّنة، كانت البيّنة في طرف المدّعي.

و حينئذ نقول: هو مدّع زيادة، و قد أقام البيّنة بها، فيجب أن تثبت.

و في القولين تردّد.

____________

قوله: «إذا اتّفقا على استئجار. إلخ».

(1) إذا اتّفق المؤجر و المستأجر على استئجار الدار المعيّنة مثلا، و على مدّة الإجارة، و اختلفا في قدر الأجرة، فادّعى المؤجر أنها عشرة دنانير مثلا، و ادّعى المستأجر أنها خمسة، فلا يخلو إما أن لا يقيم كلّ واحد بيّنة على مدّعاه، أو يقيماها، أو يقيمها أحدهما خاصّة. و المصنف- (رحمه اللّه)- اقتصر على حكم الوسطى، و هو مترتّب على حكم الأولى كما ستعرفه، فاحتيج إلى البحث عنهما (1)

____________

(1) في «د، ط»: عنها.

104

..........

____________

هنا. و أما الأخيرة فحكمها واضح، لأن من أقام البيّنة حكم له دون الآخر.

فهنا مسألتان:

الأولى: أن يعد ما البيّنة. و المشهور بين الأصحاب تقديم قول المستأجر مع يمينه، لأنه منكر للزائد الذي يدّعيه المؤجر، مع اتّفاقهما على ثبوت ما يدّعيه المستأجر (1)، فيكون الأمر بمنزلة ما لو ادّعى عليه عشرة دنانير مطلقا فأقرّ له منها بخمسة، فإن القول قوله في نفي الزائد بغير إشكال، لأنه منكر له و المؤجر مدّع، فيدخلان في عموم الخبر (2).

و للشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط (3) قول بالتّحالف و ثبوت أجرة المثل.

و وافقه بعض (4) المتأخّرين، نظرا إلى أن كلّا منهما مدّع و مدّعى عليه، لأن العقد المتشخّص بالعشرة غير العقد المشتمل على الخمسة خاصّة، فيكون كلّ واحد منهما مدّعيا لعقد غير العقد الذي يدّعيه الآخر، و هذا يوجب التحالف حيث لم يتّفقا على شيء و يختلفان (5) فيما زاد عنه.

و يضعّف بأن العقد لا نزاع بينهما فيه، و لا في استحقاق العين المؤجرة للمستأجر، و لا في استحقاق المقدار الذي يعترف به المستأجر، و إنما النزاع في القدر الزائد، فيرجع فيه إلى عموم الخبر (6). و لو كان ما ذكروه من التوجيه موجبا

____________

(1) كذا في «ط» و نسخة بدل «ت»، و هو الصحيح، و في سائر النسخ و الحجريّتين: المؤجر.

(2) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

(3) المبسوط 3: 265- 266.

(4) المختلف: 462.

(5) كذا في «د، ط»، و في سائر النسخ: و يختلفا.

(6) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.