مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
105

..........

____________

للتحالف لورد في كلّ نزاع على حقّ مختلف المقدار، كما لو قال: أقرضتك عشرة، فقال: [لا] (1) بل خمسة، فإن عقد القرض المتضمّن لأحد المقدارين غير العقد المتضمّن للآخر. و كما لو قال: أبرأتني من عشرة من جملة الدّين الذي عليّ، فقال: بل من خمسة، فإن الصيغة المشتملة على إسقاط أحدهما غير الأخرى. و هكذا القول في غيره. و هذا ممّا لا يقول به أحد.

و الحقّ أن التحالف إنما يرد حيث لا يتّفق الخصمان على قدر و يختلفان في الزائد عنه، كما لو قال المؤجر: آجرتك الدار شهرا بدينار، فقال: بل بثوب، أو قال: آجرتك هذه الدار بعشرة، فقال: بل تلك الدار، و نحو ذلك. أما في المتنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هو الأصحّ.

و للشيخ في موضع من الخلاف (2) قول آخر بالقرعة، لأنه أمر مشكل، و كلّ أمر مشكل فيه القرعة. و المقدّمة الثانية مسلّمة دون الأولى، لأنه لا إشكال مع دخوله في عموم: «اليمين على من أنكر».

و لا فرق بين وقوع النزاع قبل مضيّ المدّة المشترطة و بعدها، لاشتراك الجميع في المقتضي. و فرّق في موضع من المبسوط (3) بين وقوع النزاع قبل انقضاء المدّة و بعده، و حكم بالتحالف في الأول، و تردّد في الثاني بين القرعة و بين تقديم قول المستأجر، لجريانه مجرى الاختلاف في ثمن المبيع إذا كان بعد تلفه.

الثانية: أن يقيما معا البيّنة. فإن تقدّم تاريخ إحداهما على الأخرى عمل بالمتقدّم و بطل المتأخّر، لأنه يكون عقدا على معقود عليه من المتعاقدين كما

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) الخلاف 3: 521 مسألة (10).

(3) المبسوط 3: 266.

106

و لو ادّعى استئجار (1) دار، فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها، قال الشيخ: يقرع بينهما. و قيل: القول قول المؤجر. و الأول أشبه، لأن كلّا منهما مدّع.

و لو أقام كلّ منهما بيّنة تحقّق التعارض مع اتّفاق التاريخ. و مع التفاوت يحكم للأقدم. لكن إن كان الأقدم بيّنة البيت حكم بإجارة البيت بأجرته، و بإجارة بقيّة الدار بالنسبة من الأجرة.

____________

كان، و هو باطل.

و إن اتّحد التاريخان، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة و الأخرى مؤرّخة، فإن قلنا بتقديم قول المستأجر مع عدم البيّنة فالبيّنة بيّنة المؤجر هنا، لأن البيّنة من طرف من لم يكن القول قوله، كما قد علم مرارا. و هذا هو الذي اختاره ابن إدريس (1) و أكثر المتأخّرين (2).

و إن قلنا بالتحالف في الأول أو بالقرعة اتّجه القول بالقرعة هنا. و هو الذي اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط (3)، لأنها لكلّ أمر مشكل، و لأنهما دعويان فلا ترجيح لإحداهما على الأخرى. و حينئذ فيحلف من أخرجته القرعة و يثبت مدّعاه.

و المصنّف- (رحمه اللّه)- تردّد في القولين. و قد ظهر من توجيه القولين منشأ التردّد. و الأصحّ هو الأول.

قوله: «و لو ادّعى استئجار. إلخ».

(1) البحث في هذه الصورة قريب من السابقة، لأن الاتّفاق هنا واقع على أصل

____________

(1) راجع السرائر 2: 464، فقد أطلق القول بأن على المؤجر البيّنة فيما إذا اختلفا في قدر الأجرة، سواء كان لهما بيّنة أم لا.

(2) تحرير الأحكام 2: 200.

(3) المبسوط 8: 264.

107

و لو ادّعى كلّ منهما (1) أنه اشترى دارا معيّنة و أقبض الثمن، و هي في يد البائع، قضي بالقرعة مع تساوي البيّنتين عدالة و عددا و تاريخا،

____________

الإجارة و على المدّة و مقدار الأجرة، و إنما الاختلاف في مقدار العين المؤجرة، مع اتّفاقهما أيضا على إيجار البيت و اختلافهما في الزائد، فقيل: القول قول المؤجر، لأنه ينكر الزائد، كما أن القول في السابقة قول المستأجر لذلك. و قال الشيخ (1): يقرع بينهما، لما ذكر في السابقة.

هذا إذا لم يقيما بيّنة. فلو أقاماها و اتّفق التاريخ، أو أطلقتا، أو إحداهما، تحقّق التعارض، و رجع إلى القرعة مع انتفاء المرجّح. و المصنف- (رحمه اللّه)- هنا رجّح القرعة، و تردّد في السابقة. و الفرق بينهما بعيد.

و لو اختلف تاريخ البيّنتين، فإن كان المتقدّم تاريخ الدار بأسرها بطلت إجارة البيت، لسبق إيجاره للمستأجر.

و إن كان المتقدّم تاريخ بيّنة البيت حكم به بالأجرة المسمّاة، و بطل من إجارة الدار ما قابله، و صحّ في الباقي. فلو كان البيت يساوي نصف أجرة الدار صحّ في باقيها بنصف الأجرة، فيجتمع على المستأجر مجموع الأجرة للبيت و نصفها لبقيّة الدار. فلو كان الاتّفاق على أن الأجرة عشرة، لكن ادّعى المستأجر أنها أجرة الجميع، و ادّعى المؤجر أنها أجرة البيت، و كان المتقدّم تاريخ بيّنة البيت، ثبت على المستأجر خمسة عشر في مقابلة المجموع، عشرة أجرة البيت ببيّنة المؤجر، و خمسة في مقابلة باقي الدار ببيّنته.

قوله: «و لو ادّعى كلّ منهما. إلخ».

(1) إذا ادّعى كلّ منهما شراء العين من ذي اليد و إيفاء الثمن، فإن انتفت البيّنة

____________

(1) المبسوط 8: 264.

108

و حكم لمن يخرج اسمه مع يمينه. و لا يقبل قول البائع لأحدهما، و يلزمه إعادة الثمن على الآخر، لأن قبض الثمنين ممكن، فتزدحم البيّنتان فيه.

و لو نكلا عن اليمين قسّمت بينهما، و يرجع كلّ منهما بنصف الثمن.

و هل لهما أن يفسخا؟ الأقرب نعم، لتبعّض المبيع قبل قبضه.

و لو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع، لعدم المزاحم. و في لزوم ذلك له تردّد، أقربه اللزوم.

____________

رجع إلى المالك، فإن كذّبهما حلف لهما و اندفعا عنه. و إن صدّق أحدهما دفع إليه المبيع، و حلف للآخر. و له إحلاف الأول أيضا. و إن صدّق كلّ واحد منهما في النصف حكم لكلّ منهما بما أقرّ به، و بقي النزاع في الباقي لكلّ منهما، فيحلف لهما كالسابق.

و إن أقاما بيّنة- فهي مسألة الكتاب- فإن تقدّم تاريخ إحداهما حكم له، و كان البيع الثاني باطلا، لأن البائع باع ما لا يملكه، و يردّ الثمن، إذ لا تعارض هنا.

و إن اتّفقتا، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، رجع إلى الترجيح بالعدالة أو العدد. فإن انتفى أقرع بينهما، و حكم لمن أخرجته القرعة بعد يمينه للآخر. فإن نكل الخارج بالقرعة أحلف الآخر. فإن نكلا قسّمت العين بينهما، و رجع كلّ منهما بنصف الثمن.

و هل لهما الفسخ لتبعّض الصفقة؟ وجهان أصحّهما ذلك، لوجود المقتضي للفسخ.

109

و لو ادّعى اثنان (1) أن ثالثا اشترى من كلّ منهما هذا المبيع، و أقام كلّ منهما بيّنة، فإن اعترف لأحدهما قضي له عليه بالثمن. و كذا إن اعترف لهما قضي عليه بالثمنين.

و لو أنكر، و كان التاريخ مختلفا أو مطلقا، قضي بالثمنين جميعا، لمكان الاحتمال.

و لو كان التاريخ واحدا تحقّق التعارض، إذ لا يكون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، و لا يمكن إيقاع عقدين في الزمان الواحد.

و يقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف و قضي له. و لو امتنعا من اليمين قسّم الثمن بينهما.

____________

و وجه العدم: أن التبعّض جاء من قبلهما، فإن الخارج بالقرعة لو حلف لأخذ الجميع، فكأنّ التبعّض جاء من قبله، كما لو أن الآخر لو حلف بعد نكول الأول لأخذ الجميع، فلا خيار لهما.

و لو فسخ أحدهما أخذ الآخر الجميع، لعدم المزاحم. و هل يلزمه أخذ الجميع؟ وجهان أصحّهما ذلك، لوجود المقتضي، و هو قيام بيّنته بشرائه، و انتفاء المانع، إذ ليس هناك مانع من أخذه الجميع إلا دعوى الغريم الآخر، و قد انتفت بتركه الأخذ. و لأن المقتضي للخيار تبعيض الصفقة، و قد انتفى.

و وجه عدم اللزوم: أنه قد ثبت له الفسخ ابتداء، و الأصل البقاء. و يضعّف بأنه كان مانعا، و قد زال موجبه.

هذا كلّه إذا كانت العين في يد البائع. و لو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج مع تسبّب البيّنتين. و قد تقدّم (1).

قوله: «و لو ادّعى اثنان. إلخ».

(1) هذه المسألة عكس السابقة، فإنه هناك ادّعى اثنان شراء ما في يده منه،

____________

(1) في ص: 84.

110

..........

____________

و كلّ يطالب بالمبيع، و هاهنا ادّعى اثنان بيع ما في يده منه، و كلّ يطالبه بالثمن. فإن أقرّ لهما طولب بالثمنين، لإمكان صدقهما، فيؤاخذ بإقراره.

و إن أقرّ لأحدهما طولب بالثمن الذي سمّاه، و حلف للآخر. و إن أنكر ما ادّعياه و لا بيّنة حلف لهما يمينين. و إن أقام أحدهما البيّنة قضي له، و حلف للآخر.

و إن أقام كلّ منهما بيّنة، نظر إن أرّختا بتاريخين مختلفين فعليه الثمنان، لإمكان اجتماعهما.

و إن أرّختا بتاريخ واحد، بأن عيّنتا أول يوم معيّن أو زواله، فهما متعارضتان، لامتناع كون الشيء الواحد ملكا في وقت واحد لهذا وحده و لهذا وحده. و حينئذ فيرجع إلى المرجّح، فإن انتفى أقرع بينهما، و من أخرجته القرعة قضي له بالثمن الذي شهد به شهوده بعد حلفه للآخر، لأنه لو اعترف له بعد ذلك لزمه. فإن امتنع من اليمين أحلف الآخر و أخذ. فإن امتنعا قسّم الثمن بينهما إن كان متّفق الجنس و الوصف. و إن كان مختلفا فلكلّ واحد نصف ما ادّعاه من الثمن.

و إن كانت البيّنتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة و الأخرى مؤرّخة، فالوجه أنهما كالمؤرّختين بتاريخين مختلفين، فيلزمه الثمنان، لأن التنافي غير معلوم، و العمل بكلّ واحدة من البيّنتين ممكن.

و يحتمل كونهما حينئذ كالمؤرّختين بتاريخ واحد، لأنهما ربما شهدتا على البيع في وقت واحد، و الأصل براءة ذمّة المشتري، فلا يؤاخذ إلا باليقين.

111

و لو ادّعى شراء المبيع (1) من زيد و قبض الثمن، و ادّعى آخر شراءه من عمرو و قبض الثمن أيضا، و أقاما بيّنتين متساويتين في العدالة و العدد و التاريخ، فالتعارض متحقّق، فحينئذ يقضى بالقرعة، و يحلف من خرج اسمه و يقضى له.

و لو نكلا عن اليمين قسّم المبيع بينهما، و رجع كلّ منهما على بائعه بنصف الثمن. و لهما الفسخ و الرجوع بالثمنين.

و لو فسخ أحدهما جاز، و لم يكن للآخر أخذ الجميع، لأن النصف الآخر لم يرجع إلى بائعه.

____________

قوله: و لو ادّعى شراء المبيع. إلخ».

(1) هذه المسألة مركّبة من السابقتين، فإن كلّا من البائع و المشتري هنا مغاير للآخر. و المراد أن العين خارجة عن يد المتداعيين، فيحكم (1) بترجيح إحدى البيّنتين ثمَّ بالقرعة. فلو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج. و لو كانت في يدهما قسّمت بينهما بعد التحالف أو النكول كما سبق.

و التفريع في هذه [المسألة] (2) كما سبق، إلا أنه على تقدير القسمة بنكولهما لو اختار أحدهما فسخ العقد و الآخر إجازته، لم يكن للمجيز أخذ النصف الآخر، سواء تقدّم الفسخ أم تقدّمت الإجازة، لأن دعوى الشراء من شخصين، فالمردود يعود إلى غير من يدّعي المجيز الشراء منه فكيف يأخذ؟! و حيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة فذلك إذا لم يتعرّض البيّنة لقبض المبيع و لا اعترف به المدّعي، و إلا فإذا جرى القبض استقرّ العقد، و ما

____________

(1) في «ت»: ليحكم.

(2) من الحجريّتين.

112

..........

____________

يحدث بعده فليس على البائع عهدته.

و اشترط بعضهم (1) زيادة على ما ذكره المصنف أن يقول كلّ واحد من المتداعيين في المسألة المفروضة: إنّي اشتريته من فلان و هو يملكه، لأن من ادّعى مالا في يد إنسان و قال: اشتريته من فلان، لم تسمع دعواه حتى يقول: و هو يملكه، و يقوم مقامه أن يقول: و تسلّمته منه أو سلّمه إليّ، لأن الظاهر أنه إنما يتصرّف بالتسليم فيما يملك. و في دعوى الشراء من صاحب اليد لا يحتاج أن يقول: و أنت تملكه، و يكتفى بأن اليد تدلّ على الملكيّة. و كذلك يشترط أن يقول الشاهد في الشهادة: اشتراه من فلان و هو يملكه، أو اشتراه و تسلّمه منه أو سلّمه هو إليه.

و هذا القيد (2) حسن. و سيأتي (3) اختيار المصنف- (رحمه اللّه)- إيّاه، و كأنّه تركه هنا اتّكالا عليه.

و فرّعوا عليه أنه يجوز أن يقيم شاهدين على أنه اشترى من فلان، و آخرين على أن فلانا كان يملكه إلى أن باع منه، لحصول المطلوب من جملة الشهود. و لكنّ الأخيرين إن شهدا هكذا فقد شهدا على البيع و الملك أيضا. و كأنّ المراد ما إذا أقام شهودا على أنه اشترى منه وقت كذا، و آخرين على أنه كان يملك ذلك إلى وقت كذا.

و لو أقام أحد المدّعيين بيّنة أنه اشترى الدار من فلان و كان يملكها، و أقام الآخر البيّنة على أنه اشتراها من مقيم البيّنة الأولى، حكم ببيّنة الثاني و إن لم يقل

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 228.

(2) في «خ، ط»: التوجيه.

(3) في ص: 116- 117.

113

و لو ادّعى عبد (1) أن مولاه أعتقه، و ادّعى آخر أن مولاه باعه منه، و أقاما البيّنة، قضي لأسبق البيّنتين تاريخا، فإن اتّفقتا قضي بالقرعة مع اليمين.

و لو امتنعا من اليمين قيل: يكون نصفه حرّا، و نصفه رقّا لمدّعي الابتياع، و يرجع بنصف الثمن.

و لو فسخ عتق كلّه. و هل يقوّم على بائعه؟ الأقرب نعم، لشهادة البيّنة بمباشرة عتقه.

____________

لمقيم (1) البيّنة: و أنت تملكها، كما لا يحتاج أن يقوله لصاحب اليد، لأن البيّنة تدلّ على الملك كما أن اليد تدلّ عليه.

قوله: «و لو ادّعى عبد. إلخ».

(1) إذا ادّعى عبد أن مولاه أعتقه، و ادّعى آخر أنه باعه منه بكذا، و أنكر صاحب اليد ما ادّعيا به، فإما أن يكون هناك بيّنة أو لا. فإن لم تكن، فإما أن يكون العبد في يد المالك المدّعى عليه البيع و العتق، أولا.

فإن كان في يده و لا بيّنة، و أنكر دعواهما، حلف لهما يمينين.

و إن أقرّ بالعتق ثبت، و لم يكن للمشتري تحليفه إن قلنا إن إتلاف البائع كالآفة السماويّة، لأنه بالإقرار بالعتق متلف قبل القبض، فينفسخ البيع. نعم، لو ادّعى تسليم الثمن حلف له.

و إن أقرّ بالبيع قضي به، و لم يكن للعبد تحليفه، لأنه لو أقرّ بعد ذلك بالعتق لم يقبل، و لم يلزمه غرم، فلا وجه للإحلاف. قيل: و ليس معنا موضع يقرّ لأحد

____________

(1) في «ت، د» مقيم.

114

..........

____________

المدّعيين (1) و لا يحلف للآخر قولا واحدا إلا هذا.

و إن كان في يد المشتري قدّم قوله.

و لو كان هناك بيّنة، فإن اختصّت بأحدهما عمل بها. و إن كانت لهما، فإن تقدّم تاريخ إحداهما عمل بها، لأن الثاني يكون باطلا.

و إن اتّحد التاريخان، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة و الأخرى مؤرّخة، قال الشيخ (2): قدّمت بيّنة المشتري إن كان في يده، لاجتماع البيّنة و اليد. و هو مبنيّ على أصله من تقديم بيّنة ذي اليد عند التعارض.

و إن كان في يد المالك الأول، أو لم يكن في يد أحدهما، تعارضتا، فيطلب الترجيح، و مع انتفائه يقضى بالقرعة مع يمين الخارج بها. و الشيخ (3)- (رحمه اللّه)- حكم باليمين احتياطا. و الأقوى اللزوم كغيره. فإن امتنع من اليمين حلف الآخر.

فإن امتنعا قسّم بينهما على القاعدة السابقة، و حكم برقّ نصفه و حرّية نصفه.

هكذا أطلقه الشيخ (4) و الجماعة (5) من غير تردّد. و لكن المصنف- (رحمه اللّه)- نسبه إلى القيل، مؤذنا بردّه (6). و المختار المشهور.

قال الشيخ (7)- (رحمه اللّه)-: و للمشتري حينئذ الخيار، لتبعّض الصفقة. و ردّ بأن التبعّض جاء من قبله حيث توجّهت عليه اليمين فلم يحلف.

____________

(1) في «ا»: المتداعيين.

(2) المبسوط 8: 286.

(3) المبسوط 8: 287.

(4) المبسوط 8: 287.

(5) تحرير الأحكام 2: 199، إيضاح الفوائد 4: 391- 392، الدروس الشرعيّة 2: 106.

(6) في «خ»: بتردّده.

(7) المبسوط 8: 287.

115

..........

____________

و على ما اختاره الشيخ لو فسخ عتق النصف الآخر، لأن البيّنة قامت على أنه أعتق الجميع، و إنما لم يحكم بموجبها لمزاحمة مدّعي الشراء، فإذا انقطعت زحمته حكم به. و فيه وجه آخر أنه لا يعتق، لأن قضيّة القسمة اقتصار العتق على النصف. و إن أجاز مدّعي الشراء استقرّ ملكه على النصف، و عليه نصف الثمن.

ثمَّ إن كان المدّعى عليه معسرا لم يسر العتق إليه. و إن كان موسرا فوجهان:

أحدهما: أن الأمر كذلك، لأنه عتق محكوم به قهرا، كما إذا ورث بعض قريبه، فإنه يعتق عليه و لا يسري.

و الثاني: أنه يسري، لقيام البيّنة على أنه أعتق باختياره. و هذا هو الذي اختاره المصنف و جماعة (1).

و اعترض الشهيد (2)- (رحمه اللّه)- على ذلك بأن: «الواقع في نفس الأمر إما العتق أو الشراء أو ليس أحدهما، و أيّما كان امتنع معه التقويم على المالك و السراية. أما على تقدير العتق فلأنه يكون للمجموع، و مع عتق المجموع لا بعض موجود حتى يقوّم. و أما على تقدير الشراء فلأنه أيضا للجميع، فلا سبب للتقويم، إذ السبب عتق البعض و هو منتف. و منهما يظهر انتفاؤه على تقدير انتفائهما».

و هذا إيراد موجّه، إلا أنه يمكن أن يقال على تقدير عتقه للجميع الذي قد قامت به البيّنة: يجب أن لا يؤخذ من المشتري عوض النصف الذي ثبت له، و قد حكم عليه بنصف الثمن، و هو قيمة النصف غالبا، فيجب تقويمه على المالك الأول، لأن الحكم بعتق شيء منه يقتضيه، لانحصار دلالة البيّنتين في أنه لم يعتق

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 199.

(2) غاية المراد: 316.

116

[مسائل]

مسائل:

[الأولى: لو شهد للمدّعي أن الدابّة ملكه منذ مدّة]

الأولى: لو شهد للمدّعي (1) أن الدابّة ملكه منذ مدّة، فدلّت سنّها على أقلّ من ذلك قطعا أو أكثر، سقطت البيّنة، لتحقّق كذبها.

[الثانية: إذا ادّعى دابّة في يد زيد، و أقام بيّنة أنه اشتراها من عمرو]

الثانية: إذا ادّعى دابّة (2) في يد زيد، و أقام بيّنة أنه اشتراها من عمرو، فإن شهدت البيّنة بالملكيّة مع ذلك للبائع أو للمشتري أو بالتسليم قضي للمدّعي.

و إن شهدت بالشراء لا غير، قيل: لا يحكم، لأن ذلك قد يفعل

____________

بعضه و يملك بعضه على وجه مانعة الجمع، بل الواقع عتق الجميع أو ملك الجميع. و بهذا يثبت التقويم و إن كان في اعتبار قيمة النصف مغايرة لثمنه على بعض الوجوه، إلا أنه أقرب إلى الواقع من بقاء الرقّية على النصف.

و أيضا فإن الموجب للتقويم ينظر إلى الثابت شرعا من العتق، و لا ينظر إلى الواقع في نفس الأمر، لأن الأحكام الشرعيّة مرتّبة على الظاهر، و الثابت شرعا هو كون المالك قد أعتق نصفه باختياره، فيقوّم عليه مع يساره.

قوله: «لو شهد للمدّعي. إلخ».

(1) أما على تقدير كون الدلالة قطعيّة فواضح، لأن الكذب حينئذ قطعيّ. و أما على تقدير الأكثريّة فالدلالة ظنّية. و يشكل معارضتها للحكم الظاهر من عدالة الشاهد (1). و في التحرير (2) اقتصر في الحكم بسقوط البيّنة على الدلالة القطعيّة.

و هو أولى.

قوله: «إذا ادّعى دابّة. إلخ».

(2) القولان للشيخ- (رحمه اللّه)- أولهما في المبسوط (3). و اختاره المصنف

____________

(1) في «د»: الشاهدين.

(2) تحرير الأحكام 2: 196.

(3) راجع المبسوط 8: 295، و فرض المسألة فيما إذا ادّعى دارا في يد زيد.

117

فيما ليس بملك، فلا تدفع اليد المعلومة بالمظنون. و هو قويّ.

و قيل: يقضى له، لأن الشراء دلالة على التصرّف السابق الدالّ على الملكيّة.

[الثالثة: الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد، و ادّعى رقيّته]

الثالثة: الصغير المجهول النسب (1) إذا كان في يد واحد، و ادّعى رقيّته، قضي [له] بذلك ظاهرا. و كذا لو كان في يد اثنين.

أما لو كان كبيرا و أنكر فالقول قوله، لأن الأصل الحريّة.

____________

و الأكثر. و الثاني في الخلاف (2). و وافقه في المختلف. (3) و تعليلهما واضح ممّا ذكره المصنف. و أصحّهما الأول. و يمنع من كون التصرّف مطلقا دالّا على الملكيّة.

و اعترض العلامة على الشيخ في اكتفائه في ثبوت الملك بالتسليم، بحكمه أنه لو شهدت البيّنة للخارج بأن الدار كانت في يده منذ أمس أنه لا تزال اليد المتصرّفة، فكيف يمكن الجمع بين ذلك و بين ترجيحه هنا بتسليم البائع إلى المشتري؟! و جوابه: أن ذلك مبنيّ على قوله بترجيح اليد السابقة، فإن له في المسألة قولين، فلا يعترض عليه بالقول الآخر، [كما] (4) أن له في هذه المسألة قولين أيضا، فلا ينضبط الاعتراض عليه في ذلك. و قد حقّقناه سابقا (5).

قوله: «الصغير المجهول النسب. إلخ».

(1) احترز بمجهول النسب عن معلومه بالحريّة، فإن دعوى رقيّته لا تسمع،

____________

(2) الخلاف 6: 345 مسألة (19).

(3) المختلف: 711.

(4) من «خ، د»، و في «ط»: مع أن له.

(5) راجع ص: 100.

118

و لو ادّعى اثنان رقيّته، فاعترف لهما، قضي عليه. و إن اعترف لأحدهما كان مملوكا له دون الآخر.

[الرابعة: لو ادّعى كلّ واحد منهما أن الذبيحة له، و في يد كلّ واحد بعضها]

الرابعة: لو ادّعى كلّ واحد (1) منهما أن الذبيحة له، و في يد كلّ واحد بعضها، و أقام كلّ [واحد] منهما بيّنة، قيل: قضي لكلّ واحد بما في يد الآخر. و هو الأليق بمذهبنا.

و كذا لو كان في يد كلّ واحد شاة، و ادّعى كلّ منهما الجميع، و أقاما بيّنة، قضي لكلّ منهما بما في يد الآخر.

____________

لظهور كذبها، بخلاف المجهول، فإنه و إن كان الأصل فيه الحرّية إلا أن رقّيته أمر ممكن، و قد ادّعاه ذو اليد و لا منازع له فيحكم به. و حيث تثبت الرقّية لا يلتفت إلى إنكار الصغير بعد بلوغه، لسبق الحكم برقّيته.

و في حكم الصغير المجنون. أما البالغ فيعتبر تصديقه، لاستقلاله بنفسه، و اعتبار قوله. و لا فرق بين تصديقه للواحد و الأكثر، لاشتراك الجميع في المقتضي. و قد تقدّم (1) البحث في ذلك كلّه في الإقرار بالنسب.

قوله: «لو ادّعى كلّ واحد. إلخ».

(1) إنما يقتضي لكلّ واحد بما في يد الآخر على تقدير كون البعض الذي في يد كلّ منهما منفصلا عن الآخر، لتحقّق اختصاص اليد به. أما لو كان متّصلا كانت بينهما نصفين على الإشاعة، كما لو أقام المدّعيان بينتين و العين في يدهما.

و القضاء لكلّ بما في يد الآخر مبنيّ على تقديم بيّنة الخارج، و هو الذي

____________

(1) راجع مسالك الأفهام 11: 125، و يلاحظ أنه لم يبحث هناك عن ادّعاء رقّية الصغير، بل عن الإقرار بنسبة.

119

[الخامسة: لو ادّعى شاة في يد عمرو و أقام بيّنة فتسلّمها]

الخامسة: لو ادّعى شاة (1) في يد عمرو و أقام بيّنة فتسلّمها، ثمَّ أقام الذي كانت في يده بيّنة أنها له، قال الشيخ: ينقض الحكم و تعاد. و هو بناء على القضاء لصاحب اليد مع التعارض. و الأولى أنه لا ينقض.

____________

أشار إليه بكونه أليق بمذهبنا. و على القول بتقديم بيّنة ذي اليد، كما هو أحد قولي الشيخ (1)، يقضي لكلّ منهما بما في يده.

و لو تعدّدت الشياة و اختصّ كلّ واحد بواحدة، فالحكم كما لو اختصّ بجزء منها منفصلا. و هذا واضح.

و ممّا يتفرّع على ذلك أنه لو كان أحدهما كافرا و الآخر مسلما، حكم بكون ما يقضى به للكافر ميتة و للمسلم مذكّى، و إن كان كلّ واحد من الجزأين قد انتزعه من الآخر، عملا بظاهر اليد المعتبرة شرعا. و لا يقدح في ذلك اليد السابقة، لظهور بطلانها شرعا.

قوله: «لو ادّعى شاة. إلخ».

(1) إذا ادّعى زيد على عمرو شاة في يد عمرو، و أقام زيد فقط البيّنة حكم له قطعا، لنهوض البيّنة بالحقّ و لا معارض لها. فإذا صارت في يد زيد فأقام عمرو بيّنة أنها له، فإما أن يطلق دعوى الملك، و هو الذي فرضه المصنف- (رحمه اللّه)-، أو يدّعي ملكا سابقا على إزالة يده، أو لاحقا عليها. فالصور ثلاث، و حكم المطلقة متفرّع على الأخيرتين. فلنبدأ بالبحث عنهما.

فالأولى: أن يدّعي ملكا سابقا على إزالة يده، فبيّنته على هذا الوجه معارضة للبيّنة الأولى، فيبنى على تقديم الخارج أو الداخل. و يزيد هنا أن المراد بالداخل و الخارج عند التعارض أو عند الملك المدّعى. فعلى المشهور و الظاهر

____________

(1) المبسوط 8: 300.

120

..........

____________

من تقديم الخارج و كون المراد به حال إقامة البيّنة يحكم بها لعمرو، لأنه الآن خارج. و كذا على القول باعتبار الدخول حال الملك و قدّمنا الداخل. و هو الذي علّل به المصنف- (رحمه اللّه)- حكم الشيخ (1)- (رحمه اللّه)- بتقديم عمرو. و لو قدّمنا الخارج على هذا التقدير لم ترفع يد زيد عنها، لأنه خارج حينئذ. و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه).

و الثانية: أن يدّعي ملكا لاحقا بعد زوال يده، و يقيم عليه البيّنة، سواء ذكر تلقّيه من زيد أم لا.

و الوجه القبول هنا، لعدم التعارض مع تصريحه بتلقّي الملك عن زيد أو إطلاقه، توفيقا بين البيّنتين. و مع تصريحه بتلقّيه من غيره يبنى على ترجيح الداخل أو الخارج. فعلى الأشهر من تقديم الخارج يقدّم هنا أيضا، عملا بالعموم (2).

و الثالثة: أن يطلق الدعوى و يقيم البيّنة. و هو الموافق لعبارة الكتاب، و إن كان تعليله يناسب الأولى. فإن قدّمنا عمرا في الصورتين السابقتين فهنا أولى، لانحصار أمره فيهما. و إن قدّمنا زيدا في إحداهما احتمل تقديم عمرو هنا، لما تقدّم من أنه مهما أمكن التوفيق بين البيّنتين وفّق، و هو هنا ممكن مع (3) الإطلاق، بجعل ملك عمرو متلقّى من زيد بعد انتقاله عنه حيث يمكن. و هذا أقوى (4).

و يحتمل العدم، لإمكان استناده إلى الملك السابق على وجه لا تقدّم فيه بيّنته، إما

____________

(1) المبسوط 8: 301- 302.

(2) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

(3) في «ا، ث»: فمع.

(4) في «د»: قويّ.

121

[السادسة: لو ادّعى دارا في يد زيد، و ادّعى عمرو نصفها، و أقاما البيّنة]

السادسة: لو ادّعى دارا (1) في يد زيد، و ادّعى عمرو نصفها، و أقاما البيّنة، قضي لمدّعي الكلّ بالنصف، لعدم المزاحم، و تعارضت البيّنتان في النصف الآخر، فيقرع بينهما، و يقضى لمن يخرج اسمه مع يمينه.

و لو امتنعا من اليمين قضي بها بينهما بالسويّة، فيكون لمدّعي الكلّ ثلاثة الأرباع، و لمدّعي النصف الربع.

____________

بجعله على هذه الحالة داخلا، أو لعدم ترجيح الخارج. و الوجه تقديم عمرو في جميع الصور.

قوله: «لو ادّعى دارا. إلخ».

(1) هذا الحكم هو المشهور بين الأصحاب، و هو مبنيّ على قاعدة تعارض البيّنتين مع خروج يد المدّعيين، فتقع القسمة مع امتناعهما من الحلف على النصف الذي فيه النزاع، لأن النصف الآخر لا نزاع بينهما فيه، و نسبتهما إلى النصف واحدة، و بيّنتهما متساوية، و كلّ منهما مدّع لكلّه، فيقسّم بينهما نصفين، فتخلص لمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع.

و ذهب ابن الجنيد (1)- (رحمه اللّه)- إلى اقتسامهما ما يتنازعان فيه على طريق العول، فيجعل هنا لمدّعي الكلّ الثلثان، و لمدّعي النصف الثلث، لأن المنازعة وقعت في أجزاء غير معيّنة و لا مشار إليها، بل كلّ واحد من أجزائها لا يخلو من دعوى كلّ منهما باعتبار الإشاعة، فلا يتمّ ما ذكروه من خلوص النصف لمدّعي الكلّ بغير منازع، بل كلّ جزء يدّعي مدّعي النصف نصفه و مدّعي الكلّ جميعه (2)، و نسبة إحدى الدعويين إلى الأخرى بالثلث، فتقسّم العين أثلاثا، واحد

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 701.

(2) في «ا، ث»: كلّه.

122

و لو كانت يدهما (1) على الدار، و ادّعى أحدهما الكلّ و الآخر النصف، و أقام كلّ منهما بيّنة، كانت لمدّعي الكلّ، و لم يكن لمدّعي النصف شيء، لأن بيّنة ذي اليد بما في يده غير مقبولة.

____________

لمدّعي النصف، و اثنان لمدّعي الكلّ، فيكون كضرب الديّان في مال المفلّس و الميّت.

و في المختلف (1) وافق ابن الجنيد على ذلك مع زيادة المدّعي على اثنين، إلا أن ابن الجنيد فرض الحكم على تقدير كون العين بيدهما، و العلّة تقتضي التسوية بين الداخلين و الخارجين حيث يقتسمان.

و في القواعد (2) جعل قول ابن الجنيد احتمالا على تقدير خروجهما، كما هو محتمل على تقدير الدخول.

و الأصحّ المشهور. و الجواب عن حجّة العول أن مدّعي الكلّ يسلّم له نصف مشاع بغير نزاع، و هو كاف في المطلوب، و إن كان النزاع واقعا في كلّ جزء باعتبار التعيين.

قوله: «و لو كانت يدهما. إلخ».

(1) إذا كانت يدهما على الدار فالنصف لمدّعي الكلّ بغير معارض، و تعارضت البيّنتان في النصف الذي في يد مدّعي النصف، فعلى المشهور من تقديم بيّنة الخارج فهو لمدّعي الكلّ أيضا، و لا شيء لمدّعي النصف. و على القول بتقديم ذي اليد فهو لمدّعي النصف. و لو لم يكن لهما بيّنة فهي بينهما بالسويّة، لأن مدّعي النصف يده عليه، فيقدّم قوله فيه بيمينه، و لا يمين على الآخر.

____________

(1) المختلف: 701.

(2) قواعد الأحكام 2: 223- 224.

123

و لو ادّعى أحدهم (1) النصف و الآخر الثلث و الثالث السدس، و [كانت] يدهم عليها، فيد كلّ واحد منهم على الثلث. لكن صاحب الثلث لا يدّعي زيادة على ما في يده، و صاحب السدس يفضل في يده ما لا يدّعيه هو و لا مدّعي الثلث، فيكون لمدّعي النصف، فيكمل له النصف. و كذا لو قامت لكلّ منهم بيّنة بدعواه.

____________

و قال ابن الجنيد (1): تقسّم بينهما أثلاثا، سواء أقاما بيّنة أم لم يقيماها، نظرا إلى العول.

قوله: «و لو ادّعى أحدهم. إلخ».

(1) هذه الصورة لا يقع فيها نزاع في الحقيقة، لأن سهام المدّعيين (2) لا تزيد عن أجزاء العين، فلا يفرّق فيها بين أن يقيما (3) بيّنة و عدمه، و لا يمين لأحد منهم على الآخر، لعدم المعارضة.

و نبّه بذكر حكمها كذلك على خلاف بعض (4) العامّة، حيث جعل لمدّعي النصف ثلثا و نصف سدس، بناء على أن السدس الزائد على ما في يده لا يدّعيه على مدّعي السدس خاصّة، إنما يدّعيه شائعا في بقيّة الدار، و هي في يد الآخرين جميعا، فيستحلفهما. و إن كان السدس مدّعى على الشيوع فنصفه على مدّعي الثلث، و عارضت فيه بيّنته، و ترجّحت باليد على تقدير إقامتهما البيّنة، و قدّم قول ذي اليد على تقدير عدمها. و نصفه على مدّعي السدس فيحكم به لمدّعي النصف ببيّنته، لأن بيّنة مدّعي السدس لا تعارضها. فيجعل لمدّعي النصف

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 701.

(2) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح- سيّما بملاحظة فرض المسألة في المتن، و تعبير الشارح «(قدّس سرّه)» بعيد هذا: لأحد منهم-: المدّعين. أن يقيموا.

(3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح- سيّما بملاحظة فرض المسألة في المتن، و تعبير الشارح «(قدّس سرّه)» بعيد هذا: لأحد منهم-: المدّعين. أن يقيموا.

(4) روضة الطالبين 8: 333- 334.

124

و لو ادّعى أحدهم الكلّ، (1) و الآخر النصف، و الثالث الثلث، و لا بيّنة، قضي لكلّ واحد [منهم] بالثلث، لأنّ يده عليه. و على الثاني و الثالث اليمين لمدّعي الكلّ، و عليه و على مدّعي الثلث اليمين لمدّعي النصف.

و إن أقام كلّ منهم بيّنة، فإن قضينا مع التعارض ببيّنة الداخل، فالحكم كما لو لم تكن بيّنة، لأنّ لكلّ واحد بيّنة و يدا على الثلث.

و إن قضينا ببيّنة الخارج، و هو الأصحّ، كان لمدّعي الكلّ ممّا في يده، ثلاثة من اثني عشر بغير منازع، و الأربعة التي في يد مدّعي النصف، لقيام البيّنة لصاحب الكلّ بها، و سقوط بيّنة صاحب النصف بالنظر إليها، إذ لا تقبل بيّنة ذي اليد، و ثلاثة ممّا في يد مدّعي الثلث.

و يبقى واحد ممّا في يد مدّعي الكلّ لمدّعي النصف. و واحد ممّا في يد مدّعي الثلث، يدّعيه كلّ واحد من مدّعي النصف و مدّعي الكلّ، يقرع بينهما، و يحلف من يخرج اسمه و يقضى له. فإن امتنعا، قسّم بينهما

____________

ثلث و نصف سدس، و للآخرين مدّعاهما، و يبقى بيد (1) مدّعي السدس نصف سدس لا يدّعيه أحد.

و لا يخفى عليك ضعف هذا القول على تقدير الإشاعة كما هو المفروض.

و أيضا فما ذكروه مبنيّ على تقديم الداخل مع تعارض البيّنتين. و على القول بتقديم الخارج يقدّم مدّعي النصف في نصف السدس الذي يدّعيه على مدّعي الثلث، و يبقى نصف السدس الذي بيد مدّعي السدس يدّعيه مدّعي الثلث ليتمّ له سهمه، إذ التقدير الإشاعة. فما اختاره الأصحاب أوضح.

قوله: «و لو ادّعى أحدهم الكلّ. إلخ».

(1) إذا ادّعى أحدهم جميع الدار، و الآخر نصفها، و الثالث ثلثها، فلا يخلو: إما

____________

(1) في «ا، خ»: بعد لمدّعي، و في «ط»: مع مدّعي.

125

نصفين، فيحصل لصاحب الكلّ عشرة و نصف، و لصاحب النصف واحد و نصف، و تسقط دعوى مدّعي الثلث.

____________

أن تكون أيديهم عليها، أو يكونوا خارجين عنها. ثمَّ إما أن يكون لكلّ واحد بيّنة، أو لا يكون لأحدهم، أو يكون لبعضهم دون بعض.

فإن كانت أيديهم عليها و لا بيّنة لأحدهم ففي يد كلّ واحد ثلث. فمدّعي الثلث لا يدّعي زائدا على ما في يده، و مدّعي النصف يدّعي سدسا عليهما، و مدّعي الكلّ يدّعي جميع ما بأيديهما، فيقدّم قول كلّ واحد فيما بيده. و يحلف مدّعي الثلث لكلّ واحد منهما، لأنهما معا يدّعيان عليه. و يحلف مدّعي النصف لمدّعي الجميع خاصّة، و بالعكس.

و إن أقام المستوعب خاصّة بيّنة أخذ الجميع، لأن قوله مقدّم في الثلث الذي بيده بغير بيّنة، و يأخذ الباقي بها.

و إن أقامها مدّعي النصف خاصّة أخذ ثلثا ممّا في يده، و السدس منهما بالبيّنة، و النصف الباقي بين الآخرين نصفان، للمستوعب السدس بغير منازع، و لمدّعي الثلث ربع ممّا في يده، و هو الباقي بعد نصف السدس الذي أخذه ذو البيّنة، و يحلف عليه للمستوعب، و يبقى للمستوعب من النصف نصف سدس يأخذه باليمين لمدّعي الثلث.

و إن أقامها مدّعي الثلث أخذه، و الباقي بين الآخرين، للمستوعب السدس الزائد عن مدّعي النصف بغير يمين، و يحلف على باقي ما في يده و هو السدس، و يحلف مدّعي النصف على جميع ما يأخذه للمستوعب.

و إن أقام كلّ بيّنة، فإن رجّحنا بيّنة الداخل قسّمت أثلاثا، لأن لكلّ واحد بيّنة و يدا على الثلث.

126

..........

____________

و إن رجّحنا الخارج فللمستوعب جميع ما بيد مدّعي النصف، لسقوط بيّنته بالنظر إليه، و عدم المنازع له فيه من خارج. و تتعارض بيّنته و بيّنة [الخارج فهو] (1) مدّعي النصف في نصف سدس ممّا في يد مدّعي الثلث، فيقرع بينهما فيه، و يحلف الخارج بالقرعة. فإن امتنعا من اليمين قسّم بينهما، و خلص للمستوعب ما في يد مدّعي الثلث- و هو الربع- بغير منازع. و يسلّم له أيضا ثلاثة أرباع ما في يده بغير منازع، لأن مدّعي النصف يدّعي ممّا في يده نصف سدس، فيأخذه ببيّنته.

فأصل المسألة من ستّة، لأن فيها نصفا و ثلثا، ثمَّ ترتقي إلى اثني عشر، للاحتياج فيها إلى نصف سدس، ثمَّ ترتقي إلى أربعة و عشرين، حيث يقسّم نصف السدس بين اثنين إذا امتنعا من اليمين، في يد كلّ واحد منهم ثمانية.

فمدّعي الثلث لا يدّعي زيادة عمّا في يده، و هو داخل، فلا بيّنة له. و مدّعي النصف يدّعي على كلّ واحد اثنين تتمّة النصف، فيأخذهما من المستوعب ببيّنته، لعدم المعارض، و يبقى للمستوعب ستّة ممّا في يده. و يأخذ جميع ما في يد مدّعي النصف، و ينازع مدّعي النصف في الاثنين اللّذين يدّعيهما على مدّعي الثلث، فمع عدم اليمين يقتسمانهما لكلّ واحد واحد. و يأخذ من مدّعي الثلث ستّة هي الزائد عمّا يدّعيه مدّعي النصف، و تتعارض بيّنتاهما في اثنين، فيقتسمان بينهما مع امتناعهما من اليمين. فيجتمع للمستوعب أحد و عشرون، و لمدّعي النصف ثلاثة. و لك أن تردّها إلى ثمانية، للمستوعب سبعة أثمان، و لمدّعي النصف ثمن.

____________

(1) من الحجريّتين.

127

..........

____________

هذا هو الذي تقتضيه قاعدة البيّنة الخارجة، و هو الذي حكم به الأكثر، و منهم العلامة في التحرير (1). و أما في القواعد (2) فجعله احتمالا، و اختار أن لمدّعي النصف سدسا، لأن بيّنته خارجة فيه، و للمستوعب خمسة أسداس، لأن له السدس بغير بيّنة، إذ لا منازع له فيه، و الثلاثين، لكون بيّنته خارجة فيهما.

و الأصحّ الأول.

و لو كانت أيديهم خارجة، و اعترف ذو اليد أنه لا يملكها، و لا بيّنة، فللمستوعب النصف بغير منازع. و يقرع بينهم في النصف الباقي، فإن خرجت لصاحب الكلّ أو لصاحب النصف حلف و أخذه. و إن خرجت لصاحب الثلث حلف و أخذ الثلث. ثمَّ يقرع بين الآخرين في السدس الباقي، فمن خرجت له القرعة حلف و أخذه.

و لو أقام أحدهم خاصّة بيّنة، فإن كانت للمستوعب أخذ الجميع. و إن أقامها مدّعي النصف أخذه، و يبقى للمستوعب السدس بغير منازع، و الثلث يتنازع فيه مدّعيه و المستوعب، فيكون الحكم فيه كما لو لم يكن بيّنة. و لو أقامها مدّعي الثلث أخذه، و للمستوعب السدس أيضا بغير منازع، و النصف يقرع فيه بين مدّعيه و المستوعب، و يكمل العمل.

و لو أقام كلّ واحد بيّنة، فالنصف لمدّعي الكلّ، لعدم المنازع، و السدس الزائد عن الثلث يتنازعه المستوعب و مدّعي النصف، و الثلث يدّعيه الثلاثة، و قد تعارضت البيّنات فيه، فيقرع بينهم مع عدم المرجّح، و يحلف من خرجت له

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 197.

(2) قواعد الأحكام 2: 224- 225.

128

و لو كانت في يد أربعة (1)، فادّعى أحدهم الكلّ، و الآخر الثلاثين، و الثالث النصف، و الرابع الثلث، ففي يد كلّ واحد ربعها. فإن لم تكن بيّنة قضينا لكلّ واحد بما في يده، و أحلفنا كلّا منهم لصاحبه.

و لو كانت يدهم خارجة، و لكلّ بيّنة، خلص لصاحب الكلّ الثلث، إذ لا مزاحم له، و يبقى التعارض بين بيّنة مدّعي الكلّ و مدّعي الثلاثين في السدس، فيقرع بينهما فيه. ثمَّ يقع التعارض بين بيّنة مدّعي الكلّ، و مدّعي الثلاثين، و مدّعي النصف، في السدس أيضا، فيقرع بينهم فيه. ثمَّ

____________

القرعة، و مع نكوله يحلف الخصم الآخر، و مع امتناع الجميع يرجع إلى القسمة، فيقسّم السدس نصفين، و الثلث أثلاثا، و يصحّ من ستّة و ثلاثين، لأن فيها نصف سدس و تسعا (1)، و هو ثلث الثلث، و مخرج الأول إثنا عشر و الثاني تسعة، و بينهما توافق بالثلث، و مضروب ثلث أحدهما في الآخر ستّة و ثلاثون.

و لك أن تجعل أصل القسمة ستّة، ثمَّ تحتاج إلى قسمة السدس نصفين، فتضرب اثنين في ستّة، و إلى قسمة الثلث أثلاثا، فتضرب ثلاثة في المرتفع و هو اثنا عشر. للمستوعب النصف و نصف السدس و ثلث الثلث، و ذلك خمسة و عشرون. و لمدّعي النصف نصف السدس و ثلث الثلث، و ذلك سبعة. و لمدّعي الثلث ثلثه أربعة.

و على القول بالعول يصحّ من أحد عشر سهما، للمستوعب ستّة، و لمدّعي النصف ثلاثة، و لمدّعي الثلث سهمان، لأن فريضتهم من ستّة، و يعال عليها نصفها و ثلثها.

قوله: «و لو كانت في يد أربعة. إلخ».

(1) إذا كان المتداعون في الدار أربعة على الوجه المذكور،

____________

(1) فيما لدينا من النسخ الخطّية: و تسع، و الصحيح ما أثبتناه.

129

يقع التعارض بين الأربعة في الثلث، فيقرع بينهم، و يخصّ به من تقع القرعة له. و لا يقضى لمن يخرج اسمه إلا مع اليمين.

و لا يستعظم أن يحصل بالقرعة الكلّ لمدّعي الكلّ، فإن ما حكم اللّه تعالى به غير مخطئ.

و لو نكل الجميع عن الأيمان قسّمنا ما يقع التدافع فيه بين المتنازعين، في كلّ مرتبة بالسويّة.

فتصحّ القسمة من ستّة و ثلاثين سهما، لمدّعي الكلّ عشرون، و لمدّعي الثلاثين ثمانية، و لمدّعي النصف خمسة، و لمدّعي الثلث ثلاثة.

____________

فأقسامها (1) كالسابقة، لأنه لا يخلو: إما أن يكون في يدهم، أو خارجة عنهم (2). ثمَّ إما أن يكون لكلّ واحد بيّنة، أو لا يكون لأحدهم، أو يكون لبعضهم دون بعض.

فإن كانت يدهم عليها و لا بيّنة لأحدهم، قضي لكلّ واحد بما في يده مع يمينه لكلّ واحد منهم، فإنه لم يخلص لأحد منهم ما يدّعيه. و لو كان لهم بيّنة مع دخولهم فسيأتي حكمه.

و لو كانت يدهم خارجة و هي في يد من لا يدّعيها، و أقام كلّ واحد بيّنة، فلا تعارض في الثلث، فيختصّ به مدّعي الكلّ، و يقع التعارض في الباقي. ففي السدس الزائد على النصف تتعارض بيّنة مدّعي الكلّ و مدّعي الثلاثين. و في السدس الزائد على الثلث تتعارض بيّنتهما و بيّنة مدّعي النصف. و في الثلث الباقي تتعارض بيّنات الأربع. فمع عدم المرجّح يقرع بين المتعارضين،

____________

(1) في «ا»: فاقتسامها.

(2) في إحدى الحجريّتين: عنها.

130

..........

____________

و يحلف الخارج بالقرعة. و مع امتناعه من اليمين يحلف الآخر و يأخذه. و مع امتناعهما يقسّم بينهما.

فيقسّم السدس الزائد على النصف بين مدّعي الكلّ و مدّعي الثلاثين بالسويّة، و السدس الزائد على الثلث بينهما و بين مدّعي النصف أثلاثا، و الثلث الباقي بين الأربعة أرباعا.

فتجعل الدار ستّة و ثلاثين سهما، لحاجتنا إلى عدد ينقسم سدسه على اثنين و على ثلاثة، فتضرب اثنين في ستّة، ثمَّ في ثلاثة، لمدّعي الكلّ ثلثها اثنا عشر، و نصف السدس الزائد على النصف ثلاثة، و ثلث السدس الزائد على الثلث اثنان، و ربع الثلث الباقي و هو ثلاثة، و ذلك عشرون، و هي خمسة أتساع الدار. و لمدّعي الثلاثين ثلاثة أسهم من السدس الزائد على النصف، و سهمان من السدس الزائد على الثلث، و ثلاثة من الثلث الباقي، فيبلغ ثمانية، و هي تسعا الدار. و لمدّعي النصف سهمان من السدس الزائد على الثلث، و ثلاثة من الثلث الباقي، و ذلك خمسة، و هي تسع و ربع تسع. و لمدّعي الثلث ثلاثة من الثلث الباقي لا غير، و هي ثلاثة أرباع تسع. فالمجتمع مجموع سهام الدار.

و كذا البحث لو لم يكن لأحدهم بيّنة. و لو أقامها أحدهم خاصّة قضي له بما يدّعيه، فإن فضل عنه شيء تعارضت فيه الدعوى، و اعتبر ما أسلفناه.

131

و لو كان المدّعى في يد الأربعة، (1) ففي يد كلّ واحد [منهم] ربعها.

فإذا أقام كلّ واحد منهم بيّنة بدعواه، قال الشيخ (1): يقضى لكلّ واحد [منهم] بالربع، لأنّ له بيّنة و يدا.

و الوجه: القضاء ببيّنة الخارج على ما قرّرناه، فيسقط اعتبار بيّنة كلّ واحد بالنظر إلى ما في يده، و يكون ثمرتها [في دعوى التكملة] فيما يدّعيه ممّا في يد غيره. فيجمع بين كلّ ثلاثة على ما في يد الرابع، و ينتزع لهم، و يقضى فيه بالقرعة و اليمين، و مع الامتناع بالقسمة.

فيجمع بين مدّعي الكلّ و النصف و الثلث، على ما في يد مدّعي الثلاثين، و ذلك ربع اثنين و سبعين، و هو ثمانية عشر. فمدّعي الكلّ يدّعيها أجمع، و مدّعي النصف يدّعي منها ستّة، و مدّعي الثلث يدّعي اثنين. فتكون عشرة منها لمدّعي الكلّ، لقيام البيّنة بالجميع الذي تدخل فيه العشرة. و يبقى ما يدّعيه صاحب النصف- و هو ستّة- يقرع بينه و بين مدّعي الكلّ فيها و يحلف، و مع الامتناع يقسّم بينهما. و ما يدّعيه صاحب الثلث- و هو اثنان- يقرع عليه بين مدّعي الكلّ و بينه، فمن خرج اسمه احلف و أعطي، و لو امتنعا قسّم بينهما.

ثمَّ تجمع دعوى الثلاثة، على ما في يد مدّعي النصف. فصاحب الثلاثين يدّعي عليه عشرة، و مدّعي الثلث يدّعي اثنتين، و يبقى في يده ستّة لا يدّعيها إلا مدّعي الجميع، فتكون له، و يقارع الآخرين، ثمَّ يحلف، و إن امتنعوا أخذ نصف ما ادّعياه.

ثمَّ يجتمع الثلاثة على ما في يد مدّعي الثلث، و هو ثمانية عشر.

____________

قوله: «و لو كان المدّعى في يد الأربعة. إلخ».

(1) إذا كانت الدار المذكورة في يد المتداعيين الأربعة، و أقام كلّ منهم بيّنة

____________

(1) المبسوط 8: 292- 293.

132

فمدّعي الثلاثين يدّعي منه عشرة، و مدّعي النصف يدّعي ستّة، يبقى اثنان لمدّعي الكلّ، و يقارع على ما أفرد للآخرين، فإن امتنعوا عن الأيمان، قسّم ذلك بين مدّعي الكلّ، و بين كلّ واحد منهما بما ادّعاه.

ثمَّ يجتمع الثلاثة على ما في يد مدّعي الكلّ. فمدّعي الثلاثين يدّعي عشرة، و مدّعي النصف يدّعي ستّة، و مدّعي الثلث يدّعي اثنين، فتخلص يده عمّا كان فيها. فيكمل لمدّعي الكلّ ستّة و ثلاثون من أصل اثنين و سبعين، و لمدّعي الثلاثين عشرون، و لمدّعي النصف اثنا عشر، و لمدّعي الثلث أربعة. هذا إن امتنع صاحب القرعة من اليمين و مقارعه.

____________

بمدّعاه، فإن قدّمنا بيّنة الداخل كان الحكم كما لو لم يكن هناك بيّنة، فيقسّم بينهم أرباعا. و إن رجّحنا بيّنة الخارج- كما هو المشهور- سقط اعتبار بيّنة كلّ واحد منهم بالنظر إلى ما في يده، و تكون فائدتها فيما في يد غيره. فيجمع بين كلّ ثلاثة على ما في يد الرابع، و يكون الفاضل عن الدعاوي للمستوعب، و يقارع في المدّعى به و يحلف، فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلوا قسّم.

و يصحّ حينئذ من اثنين و سبعين، لأن أصلها أربعة بعددهم، ثمَّ مدّعي الثلاثين يدّعي على الثلاثة سهما و ثلثين زيادة على ما في يده، و مخرجه تسعة، و مدّعي النصف يدّعي سهما عليهم، و مخرجه ثلاثة، و مدّعي الثلث يدّعي ثلث سهم عليهم، و مخرجه أيضا تسعة، و الثلاثة تداخلها، و العددان متماثلان فيقتصر على أحدهما، و تضربه في أربعة، ثمَّ [يضرب] (1) المرتفع في اثنين، لأن السهم المتنازع يقسّم على تقدير النكول عن اليمين، فيبلغ ذلك اثنين و سبعين.

____________

(1) من الحجريّتين.

133

..........

____________

أو نقول: إن مدّعي الثلث يدّعي تسع ما في يد المستوعب و هو الربع، و بعد النكول يقسّم، فيحتاج إلى نصف تسع الربع، و ذلك يتمّ بضرب ثمانية عشر في أربعة، في يد كلّ واحد ثمانية عشر.

فيجمع بين المستوعب و الثالث و الرابع على ما في يد الثاني و هو مدّعي الثلاثين، فالمستوعب يدّعيه أجمع، و مدّعي النصف- و هو الثالث- يدّعي ثلثه (1)، لأن الفائت عن مدّعاه ممّا في يده ثمانية عشر يدّعيها على الثلاثة، و مدّعي الثلث- و هو الرابع- يدّعي منها اثنين، لأن الباقي عمّا في يده من مدّعاه ستّة يدّعيها على الثلاثة بالسويّة. فيبقى ممّا في يد الثاني عشرة للمستوعب بغير معارض. ثمَّ يتقارع المستوعب و الآخرين في الستّة و الاثنين، و يقسّم بينهما مع عدم اليمين، فيكمل له ثلاثة من الثالث و واحد من الرابع، فيجتمع له أربعة عشر من الثاني.

ثمَّ تجتمع دعوى الثلاثة على ما في يد مدّعي النصف، فالثاني يدّعي منه عشرة، لأن الزائد عمّا في يده من مدّعاه ثلاثون يدّعيها على الثلاثة بالسويّة، و قد عرفت أن الرابع يدّعي على كلّ واحد اثنين، يفضل للمستوعب ستّة بغير منازع. و يقارع الثاني في العشرة و الرابع في الاثنين، و يقسّم بينهما على تقدير النكول عن اليمين، فيجتمع له من الثالث إثنا عشر.

ثمَّ تجتمع دعوى الثلاثة على ما في يد الرابع، فالثاني يدّعي منه عشرة، و الثالث ستّة، يبقى للمستوعب اثنان بغير معارض. و يقاسم الآخرين في الستّة و العشرة بعد النكول، فيجتمع له عشرة.

ثمَّ يجتمع الثلاثة الأخيرة على ما في يد الأول، فالثاني يدّعي منه عشرة،

____________

(1) في «أ» و نسخة بدل «ت»: ستّة.

134

[السابعة: إذا تداعى الزوجان متاع البيت]

السابعة: إذا تداعى الزوجان (1) متاع البيت، قضي لمن قامت له البيّنة. و لو لم تكن بيّنة، فيد كلّ واحد منهما على نصفه.

قال في المبسوط: يحلف [كلّ واحد منهما] لصاحبه، و يكون بينهما بالسويّة، سواء كان ممّا يختصّ الرجال أو النساء أو يصلح لهما، و سواء كانت الدار لهما أو لأحدهما، و سواء كانت الزوجيّة باقية بينهما أو زائلة. و يستوي في ذلك تنازع الزوجين و الورّاث.

و قال في الخلاف: ما يصلح للرجال للرجل، و ما يصلح للنساء للمرأة، و ما يصلح لهما يقسّم بينهما. و في رواية أنه للمرأة، لأنّها تأتي

____________

و الثالث ستّة، و الرابع اثنين، فيأخذ كلّ منهم ما يدّعيه، لعدم المعارض.

فيجتمع للمستوعب نصف الدار، و هو أربعة عشر سهما من الثاني، و اثنا عشر من الثالث، و عشرة من الرابع، و ذلك ستّة و ثلاثون.

و للثاني ربعها و ربع تسعها، و هو عشرون سهما، خمسة من الثالث، و خمسة من الرابع، و عشرة من الأول.

و للثالث سدسها اثنا عشر سهما، ستّة من الأول، و من كلّ واحد من الآخرين ثلاثة.

و للرابع نصف التسع، و هو أربعة أسهم، اثنان من الأول، و من كلّ واحد من الآخرين واحد. و ذلك مجموع الدار، لأن السدس تسع و نصف تسع، إذا ضمّا إلى نصف التسع نصيب الرابع، ثمَّ إلى ربع التسع بلغت ربعا، يضاف إلى ثلاثة الأرباع التي بيد الأول و الثاني يبلغ ذلك المجموع.

هذا إذا امتنع الخارج بالقرعة عن اليمين و خصومه، و إلا أخذ الحالف مجموع ما وقع فيه التنازع. و لا يخفى حينئذ الحساب لو وقع ذلك من المجموع أو من البعض.

قوله: «إذا تداعى الزوجان. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في حكم متاع البيت عند تنازع الزوجين فيه على

135

بالمتاع من أهلها.

و ما ذكره في الخلاف أشهر في الروايات، و أظهر بين الأصحاب.

____________

أقوال، منشؤها الاعتبار أو اختلاف الأخبار، ثلاثة منها للشيخ- (رحمه اللّه)-، و ثلاثة للعلامة متداخلة.

الأول: أنهما فيه سواء، فيقسّم بينهما بعد حلف كلّ لصاحبه، سواء كان المتنازع فيه ممّا يصلح للرجال، كالعمائم و الدروع و السلاح، أم يصلح للنساء، كالحليّ و المقانع و قمص النساء، أم يصلح لهما، كالفرش و الأواني. و سواء كانت الدار لهما، أم لأحدهما، أم لثالث. و سواء كانت الزوجيّة باقية، أم زائلة. و سواء كانت يدهما عليه تحقيقا، أم تقديرا. و سواء كان التنازع بينهما، أم بين ورثتهما، أم بين أحدهما و ورثة الآخر.

و حجّة هذا القول إلحاقه بسائر الدعاوي، لدخوله في العموم. و لا ريب أنه الذي يقتضيه الأصل، إلا أن فيه اطّراحا للأخبار المعتبرة. و إلى هذا القول ذهب الشيخ في المبسوط (1)، و تبعه العلامة في القواعد (2)، و ولده الفخر في الشرح (3).

و نبّه بهذه التسويات على خلاف جماعة من العامّة (4)، حيث ذهب بعضهم إلى التفصيل بالصلاحيّة. و هو أحد أقوالنا. و بعض إلى أنه إن كان في يدهما تحقيقا كالمشاهدة فهو بينهما، و إن كان تقديرا رجع إلى الصلاحيّة، و مع كونها

____________

(1) المبسوط 8: 310.

(2) قواعد الأحكام 2: 223.

(3) إيضاح الفوائد 4: 380- 381.

(4) الحاوي الكبير 17: 409، حلية العلماء 8: 213- 214، المقنع في شرح مختصر الخرقي 4:

1325، الكافي في فقه أحمد 4: 326.

136

..........

____________

[صالحة] (1) لهما يحكم به للرجل. و بعض إن [كان] (2) الاختلاف بين أحدهما و ورثة الآخر يقدّم فيه قول الباقي من الزوجين.

الثاني: أن ما يصلح للرجال [خاصّة] (3) يحكم به للزوج، و ما يصلح للنساء خاصّة يحكم به للمرأة، و ما يصلح لهما يقسّم بينهما بعد التحالف أو النكول.

ذهب إلى ذلك الشيخ في الخلاف (4)، و قبله ابن الجنيد (5)، و تبعهما ابن إدريس (6) و المصنف- (رحمه اللّه)- و العلامة في التحرير (7) و الأكثر.

و المستند- مع قضاء العادة بذلك- صحيحة رفاعة النّخاس عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا طلّق الرجل امرأته و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، و ما يكون للرجال و النساء يقسّم بينهما، و إذا طلّق المرأة فادّعت أن المتاع لها، و ادّعى الرجل أن المتاع له، كان له ما للرجال و لها ما للنساء» (8).

و ليست هذه الرواية صريحة في جميع مدّعى القائلين، إذ ليس فيها أن ما يصلح لهما يقسّم بينهما على تقدير التنازع، و ذكره في صدر الرواية كان قبل النزاع. لكنّه ظاهر في ذلك، على تهافت في لفظ الرواية. لكنّها مؤيّدة بجريان

____________

(1) من إحدى الحجريّتين.

(2) من «خ».

(3) من «ت، م».

(4) الخلاف 6: 352 مسألة (27).

(5) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 313.

(6) السرائر 2: 193- 194.

(7) تحرير الأحكام 2: 200.

(8) الفقيه 3: 65 ح 215، التهذيب 6: 294 ح 818، الاستبصار 3: 46 ح 153، الوسائل 17: 525 ب «8» من أبواب ميراث الأزواج ح 4.

137

..........

____________

العادة بذلك، و رجوع الشرع في باب الدعاوي إلى العادات، كتقديم قول المنكر و المتشبّث.

و الشيخ في الاستبصار (1) حمل هذه الرواية على التقيّة أو على الصلح، دون مرّ الحكم.

الثالث: أن القول قول المرأة مطلقا. ذهب إلى ذلك الشيخ في الاستبصار (2)، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألني كيف قضى ابن أبي ليلى؟ قال: قلت: قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه في التي يتوفّى عنها زوجها، فيجيء أهله و أهلها في متاع البيت، فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي ما كان من متاع الرجل فللرجل، و ما كان من متاع النساء فللمرأة، و ما كان من متاع يكون للرجل و المرأة قسّمه بينهما نصفين.

ثمَّ ترك هذا القول، فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو أن رجلا أضاف رجلا فادّعى متاع بيته كلّفه البيّنة، و كذلك المرأة تكلّف البيّنة، و إلا فالمتاع للرجل.

و رجع إلى قول آخر، فقال: إن القضاء أن المتاع للمرأة، إلا أن يقيم الرجل البيّنة على ما أحدث في بيته.

ثمَّ ترك هذا القول، فرجع إلى قول إبراهيم الأول.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): القضاء الأخير و إن كان رجع عنه، المتاع متاع المرأة، إلا أن يقيم الرجل البيّنة، قد علم من بين لابتيها- يعني بين جبلي

____________

(1) الاستبصار 3: 47 ذيل ح 153.

(2) راجع الاستبصار 3: 47، فقد ذكر ذيل الرواية الأخيرة في الباب أن الروايات الدالّة على أن متاع البيت للمرأة لا يوافق عليها أحد من العامّة، و حمل غيرها على التقيّة.

138

و لو ادّعى أبو الميّتة (1) أنه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره، كلّف البيّنة، كغيره من الأنساب. و فيه رواية بالفرق بين الأب و غيره ضعيفة.

____________

منى- أن المرأة تزفّ إلى بيت زوجها بمتاع، و نحن يومئذ بمنى» (1).

و في خبر آخر صحيح رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عنه (عليه السلام)، و في آخره: «قلت له: يكون المتاع للمرأة، فقال: لو سألت من بينهما- يعني الجبلين، و نحن يومئذ بمكّة- لأخبروك أن الجهاز و المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل، فتعطى التي جاءت به، و هو المدّعي، فإن زعم أنه أحدث فيه شيئا فليأت البيّنة» (2).

الرابع: الرجوع في ذلك إلى العرف العامّ أو الخاصّ، فإن وجد عمل به، و إن انتفى أو اضطرب كان بينهما، لتصادم الدعويين، و عدم الترجيح.

ذهب إلى ذلك العلامة في المختلف (3)، و الشهيد في الشرح (4)، و جماعة (5) من المتأخّرين. و هو المعتمد، لما فيه من الرجوع إلى العرف، و الجمع بين الأخبار، مع مراعاة الأصول المقرّرة.

قوله: «و لو ادّعى أبو الميّتة. إلخ».

(1) القول بالتسوية بين الأب و غيره في الدعوى هو مذهب الأصحاب، عملا بالأصل، مع عدم ثبوت ما يوجب الخروج عنه.

____________

(1) التهذيب 6: 297 ح 829، الاستبصار 3: 44 ح 149.

(2) الكافي 7: 130 ح 1، الوسائل 17: 523 ب «8» من أبواب ميراث الأزواج ح 1.

(3) المختلف: 698.

(4) غاية المراد: 313.

(5) المهذّب البارع 4: 491.

139

[المقصد الثالث في دعوى المواريث]

المقصد الثالث في دعوى المواريث و فيه مسائل:

[الأولى: لو مات المسلم عن ابنين، فتصادقا على تقدّم إسلام أحدهما على موت الأب]

الأولى: لو مات المسلم (1) عن ابنين، فتصادقا على تقدّم إسلام أحدهما على موت الأب، و ادّعى الآخر مثله، فأنكر أخوه، فالقول قول المتّفق على تقدّم إسلامه، مع يمينه أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه.

____________

و الرواية المشار إليها هي رواية محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن عيسى، قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك المرأة تموت فيدّعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع و خدم، أتقبل دعواه بلا بيّنة أم لا تقبل إلا ببيّنة؟ فكتب إليه: يجوز بلا بيّنة».

قال: «و كتبت إليه: إن ادّعى زوج المرأة الميّتة أو أبو زوجها أو أم زوجها في متاعها أو خدمها، مثل الذي ادّعى أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم، أ يكون بمنزلة الأب في الدعوى؟ فكتب: لا» (1).

و الأصحّ التسوية بين الجميع، لعموم: «البيّنة على المدّعي، و اليمين على من أنكر» (2).

قوله: «لو مات المسلم. إلخ».

(1) إذا مات مسلم و له ابنان أسلم أحدهما قبل موت الأب بالاتّفاق، و قال

____________

(1) الكافي 7: 431 ح 18، الفقيه 3: 64 ح 214، التهذيب 6: 289 ح 800، الوسائل 18: 213 ب «23» من أبواب كيفيّة الحكم ح 1. و في الفقيه: عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن جعفر بن عيسى.

(2) راجع الوسائل 18: 170 ب «3» من أبواب كيفيّة الحكم.

140

و كذا لو كانا مملوكين فأعتقا، و اتّفقا على تقدّم حرّيّة أحدهما، و اختلفا في الآخر.

____________

الآخر: أسلمت أيضا قبله، و قال المتّفق على إسلامه: بل أسلمت بعد موته، فله أحوال:

أحدها: أن يقتصرا على هذا القدر، و لا يتعرّضا لتاريخ موت الأب، و لا لتاريخ الإسلام.

و الثانية: أن يتّفقا على موت الأب في رمضان، فقال المسلم: أسلمت في شعبان، و ادّعى أخوه المعلوم الإسلام أن إسلامه في شوّال، أو أنه لا يعلم تقدّم إسلامه، فالقول قول المتّفق على إسلامه [مع يمينه] (1) أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه في الحالين، لأن الأصل استمراره على دينه إلى أن يثبت المزيل.

و إنما كفاه الحلف على نفي العلم لأنه حلف على نفي فعل الغير. و كذا القول في نظائرها، كما لو مات الأب حرّا و أحد الابنين حرّ بالاتّفاق، و اختلفا في أن الآخر عتق قبل موته أو بعده.

و لو أنهما اتّفقا في حقّ أحدهما أنه لم يزل مسلما، و قال الآخر: لم أزل مسلما أيضا، و نازعه الأول و قال: كنت نصرانيّا، و إنما أسلمت بعد موت الأب، احتمل المساواة، لأصالة عدم الإسلام، و تقديم قوله: إنّي لم أزل مسلما، لأن ظاهر الدار يشهد له، و ليس مع صاحبه أصل يستصحب هنا، بخلاف السابق.

و لو قال كلّ منهما: إنّي لم أزل مسلما، و [كان] (2) صاحبي أسلم بعد موت

____________

(1) من «خ، د».

(2) من «أ، ث».

141

[الثانية: لو اتّفقا أن أحدهما أسلم في شعبان، و الآخر في غرّة رمضان]

الثانية: لو اتّفقا أن أحدهما (1) أسلم في شعبان، و الآخر في غرّة رمضان، ثمَّ قال المتقدّم: مات الأب قبل شهر رمضان، و قال المتأخّر:

مات بعد دخول [شهر] رمضان، كان الأصل بقاء الحياة، و التركة بينهما نصفين.

____________

الأب، فوجهان:

أحدهما: أنه لا يصرف إلى واحد منهما شيء، لأن الأصل عدم الاستحقاق.

و أصحّهما: أنه يحلف كلّ واحد منهما و يجعل المال بينهما، لأن ظاهر الدار يشهد لكلّ واحد منهما فيما يقول في حقّ نفسه.

و لو أقام أحدهما بيّنة في هذه المسائل قضي بها. و لو أقام كلّ واحد بيّنة في الصورة الأخيرة تعارضتا، فيرجع إلى القرعة مع عدم المرجّح.

و في الأولى يحتمل ذلك أيضا، للتعارض و تقديم بيّنة مدّعي تقدّم الإسلام، لاشتمالها على زيادة، و هي نقله إلى الإسلام في الوقت السابق، و الأول يستصحب دينه، فمع الأول زيادة علم.

و ردّ بأن بيّنة المتأخّر تشهد بالحياة في زمان بيّنة المتقدّم، فيتحقّق التناقض.

و ربما احتمل ضعيفا تقديم بيّنة المتأخّر، بناء على أنه قد يغمى عليه في التاريخ المتقدّم فيظنّ الشاهدان موته. و هو ضعيف، لأنه قدح في الشاهد.

قوله: «لو اتّفقا أن أحدهما. إلخ».

(1) هذه هي الحالة الثالثة للمسألة الأولى، و كان إدراجها فيها أولى. و إنما قدّم هنا قول مدّعي تقدّم الإسلام لاتّفاقهما على إسلامه في وقت مخصوص لا يقبل

142

[الثالثة: دار في يد إنسان، ادّعى آخر أنّها له و لأخيه الغائب إرثا]

الثالثة: دار في يد إنسان، (1) ادّعى آخر أنّها له و لأخيه الغائب إرثا عن أبيهما، و أقام بيّنة. فإن كانت كاملة، شهدت أنه لا وارث سواهما، سلّم إليه النصف، و كان الباقي في يد من كانت الدار في يده. و [قال] في الخلاف: يجعل في يد أمين حتى يعود. و لا يلزم القابض للنصف إقامة ضمين بما قبض.

و نعني بالكاملة: ذات المعرفة المتقادمة و الخبرة الباطنة.

و لو لم تكن البيّنة كاملة، و شهدت أنها لا تعلم وارثا غيرهما، أرجئ التسليم حتى يبحث الحاكم عن الوارث مستقصيا، بحيث لو كان وارث لظهر، و حينئذ يسلّم إلى الحاضر نصيبه، و يضمنّه استظهارا.

____________

التقدّم و التأخّر، و اختلافهما في وقت موت الأب على وجه يحتمل التقدّم و التأخّر، فيكون الأصل استمرار حياة الأب إلى بعد الوقت الذي اتّفقا على إسلام المسلم فيه.

و المراد بغرّة رمضان أوله حقيقة، ليلائم قوله: «و قال المتأخّر: مات بعد دخول رمضان». و قد تطلق الغرّة على ثلاثة أيّام من أول الشهر، و هي بهذا المعنى لا تطابق الفرض، لإمكان إسلامه فيها و موت الأب بعد دخوله و قبل إسلامه.

قوله: «دار في يد إنسان. إلخ».

(1) إذا شهد عدلان و هما من أهل الخبرة بباطن حال الميّت أن هذا ابنه مع أخ آخر غائب، ليس له وارث غيرهما فيما يعلمان، و لا يجب القطع بل لا يصحّ، و لا تبطل به شهادتهم، دفع إلى الحاضر نصف التركة، سواء في ذلك الدار المذكورة و غيرها، من غير أن يطالب بضمين، لأن المطالبة به حينئذ طعن في الشهود.

و إن لم يكونا من أهل الخبرة، أو كانا و لم يقولا: لا نعلم وارثا سواه، لم

143

..........

____________

يعط في الحال، بل يتفحّص الحاكم عن حال الميّت في البلاد التي سكنها أو طرقها، فيكتب إليها للاستكشاف، أو يرسل من يستعلم الحال، فإذا تفحّص مدّة يغلب على الظنّ في مثلها أنه لو كان له وارث لظهر و لم يظهر، فحينئذ يدفع إلى الحاضر نصيبه، و يكون البحث و التفحّص قائما مقام خبرة الشهود. و في هذه الحالة لا يدفع إليه المال إلا بضمين احتياطا و استيثاقا، بناء على جواز ضمان الأعيان، و لا يكتفى بالكفيل.

و هل تنتزع حصّة الغائب على تقدير كمال البيّنة من ذي اليد؟ قال الشيخ في الخلاف (1): نعم، و تجعل في يد أمين حتى يعود الغائب، لأن العين قد ثبتت لغير من هي في يده، و أنها لغائب و الحاكم وليّ الغائب، فيضعها في يد أمين.

و قال في المبسوط (2): يقرّ الباقي في يد من هو في يده، لأن الدعوى للميّت، و البيّنة بالحقّ له، بدليل أنه إذا حكم بالدار تقضى منها ديونه و تنفذ منها وصاياه، و متى كانت الدعوى له لم تتمّ إلى أن يحضر الغائب، فيبقى في يد المتشبّث. و الأصحّ الأول.

و اعلم أنه قد اختلفت عبارات الأصحاب في معنى البيّنة الكاملة هاهنا، فمقتضى عبارة المصنف و الأكثر أن المراد بها ذات الخبرة و المعرفة بأحوال الميّت، سواء شهدت بأنها لا تعلم وارثا غيرهما أم لا، و أنها حينئذ تنقسم إلى ما يثبت بها حقّ المدّعي، بأن تشهد بنفي وارث غيره، و إلى غيره، و هي التي لا تشهد بذلك.

____________

(1) الخلاف 6: 340 مسألة (12).

(2) المبسوط 8: 274.

144

و لو كان ذو فرض (1) أعطي مع اليقين بانتفاء الوارث نصيبه تامّا.

و على التقدير الثاني يعطيه اليقين أن لو كان وارث، فيعطي الزوج الربع، و الزوجة ربع الثمن، معجّلا من غير تضمين، و بعد البحث يتمّم الحصّة مع التضمين.

و لو كان الوارث ممّن يحجبه غيره، كالأخ، فإن أقام البيّنة الكاملة أعطي المال، و إن أقام بيّنة غير كاملة، أعطي بعد البحث و الاستظهار بالضمين.

____________

و يوجد في كلام بعضهم- و به صرّح في الدروس (1)- أن المراد بالكاملة ذات الخبرة كذلك مع شهادتها بنفي وارث و لو بعدم العلم بغيره، فانتفاء الكمال يحصل بانتفاء الخبرة و الشهادة بنفي العلم أو أحدهما.

و لكلّ وجه، لأن الكمال أمر إضافيّ فيصدق بهما، و إن كان الثاني أقعد، حملا للكمال على ما يثبت به الحقّ، و هو لا يثبت بدون الأمرين.

و هل يعتبر في الشهادة بالقريب- كالابن- إضافة كونه وارثا؟ وجهان، من كونه أعمّ من الوارث فلا يدلّ على الخاصّ، و من أصالة عدم المانع.

قوله: «و لو كان ذو فرض. إلخ».

(1) إذا ادّعى كونه وارثا مع الغائب و أقام البيّنة المذكورة، فلا يخلو: إما أن يكون ذا فرض، أو وارثا بالقرابة. و على تقدير كونه ذا فرض: إما أن يكون بحيث لا ينقص عنه، أو ينقص باختلاف الوارث.

فإن كان ذا فرض، و أقام البيّنة الكاملة الشاهدة بانتفاء وارث ينقصه عن مدّعاه، أعطي نصيبه تامّا.

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 108.

145

[الرابعة: إذا ماتت امرأة و ابنها]

الرابعة: إذا ماتت امرأة (1) و ابنها، فقال أخوها: مات الولد أوّلا ثمَّ المرأة، فالميراث لي، و للزوج نصفان، و قال الزوج: بل ماتت المرأة ثمَّ الولد، فالمال لي، قضي لمن تشهد له البيّنة. و مع عدمها لا يقضى بإحدى الدعويين، لأنّه لا ميراث إلا مع تحقّق حياة الوارث. فلا ترث الأم من الولد، و لا الابن من أمه. و تكون تركة الابن لأبيه، و تركة الزوجة بين الأخ و الزوج.

____________

و إن لم تكن البيّنة كذلك، فإن كان محجوبا على بعض التقادير أرجئ إلى أن يبحث ثمَّ دفع إليه بضمين. و لو اختلف فرضه أعطي الأقلّ، إلا مع الكمال أو البحث و الضمين.

و لو صدّق المتشبّث المدّعي على عدم وارث غيره فلا عبرة به إن كان المدّعى به عينا، لأنه إقرار في حقّ الغير. و إن كان دينا أمر بالتسليم، لأنه إقرار في حقّ نفسه، إذ لا يتعيّن للغائب على تقدير ظهوره إلا بقبضه أو قبض وكيله.

و قد تقدّم (1) البحث في نظيره من دعوى وكالة الغائب في الأمرين.

قوله: «إذا ماتت امرأة. إلخ».

(1) إذا كان الرجل له زوجة و ابن فماتا، و اختلف الرجل و أخو الزوجة، فقال الرجل: ماتت الزوجة أولا فورثتها أنا و ابني، ثمَّ مات الابن فورثته أنا، و قال الأخ: بل مات الابن أولا فورثته مع أختي، ثمَّ ماتت الأخت فورثناها. فإن كان لأحدهما بيّنة قضي بها. و إن أقاما بيّنة متكافئة تعارضتا و أقرع.

و إن لم تكن لهما معا بيّنة فالقول قول الرجل في مال ابنه و قول الأخ في

____________

(1) راجع ج 5: 285.

146

[الخامسة: لو قال: هذه الأمة ميراث من أبي]

الخامسة: لو قال: هذه الأمة (1) ميراث من أبي، و قالت الزوجة: هذه أصدقني إيّاها أبوك، ثمَّ أقام كلّ منهما بيّنة، قضي ببيّنة المرأة، لأنّها تشهد بما يمكن خفاؤه على الأخرى.

____________

مال أخته مع اليمين. فإن حلفا أو نكلا فهي من صور استبهام (1) الموت، فلا يورث أحد الميّتين من الآخر، بل مال الابن لأبيه، و مال الزوجة للزوج و الأخ.

هذا إذا لم يتّفقا على وقت موت أحدهما. فإن اتّفقا عليه و اختلفا في موت الآخر قبله أو بعده فالمصدّق مدّعي التأخّر، لأن الأصل دوام الحياة.

قوله: «لو قال: هذه الأمة. إلخ».

(1) إذا ادّعت الزوجة إصداق عين من التركة، أو ادّعى أجنبيّ شراء عين منها، و أنكره الوارث و ادّعى الإرث، فالقول قوله، لأصالة عدم انتقالها إلى غيره. فإن أقام المدّعي بيّنة قضي بها.

و إن أقاما معا بيّنة فالمدّعي للإصداق و الشراء خارج، فيبنى على تقديم الخارج مع التعارض. فإن قلنا به مطلقا فهنا أولى. و إن قلنا بتقديم الداخل فالأقوى هنا تقديم الخارج أيضا، لشهادة بيّنته بأمر زائد يخفى على الأخرى.

و لو كانت العين في يد أجنبيّ لا يدّعيها فكذلك، لعدم التعارض. نعم، لو تناقضتا (2) قطعا، بأن يدّعي الإصداق أو الشراء في وقت بعينه، فتشهد البيّنة بموته قبل ذلك، أو بكونه غائبا عن موضع الدعوى بحيث لا يمكن حضوره في ذلك الوقت، تحقّق التعارض، و رجع إلى القرعة مع عدم المرجّح.

____________

(1) في «د»: اشتباه.

(2) في «ا، خ»: تعارض.

147

[المقصد الرابع في الاختلاف في الولد]

المقصد الرابع في الاختلاف في الولد إذا وطئ اثنان امرأة (1) وطيا يلحق به النسب، إمّا بأن تكون زوجة لأحدهما و مشتبهة على الآخر، أو مشتبهة عليهما، أو يعقد كلّ واحد منهما عليها عقدا فاسدا، ثمَّ تأتي بولد لستّة أشهر فصاعدا، ما لم يتجاوز أقصى الحمل، فحينئذ يقرع بينهما، و يلحق بمن تصيبه القرعة، سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أو حرّين، أو مختلفين في الإسلام و الكفر و الحرّيّة و الرّق، أو أبا و ابنه. هذا إذا لم يكن لأحدهم بيّنة.

____________

قوله: «إذا وطئ اثنان امرأة. إلخ».

(1) الولد لا يلحق بأبوين فصاعدا مطلقا عندنا. و لا عبرة بخبر القائف.

و خبر (1) المدلجيّ الذي سرّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بإخباره أن إقدام زيد و أسامة بعضها من بعض لا يدلّ على الاعتماد عليه، لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن في شكّ من ذلك، و إنما سرّ بذلك لطعن المنافقين فيهما إغاظة له (صلّى اللّه عليه و آله)، و اعتمادهم على قول القائف. و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «لا يأخذ بقول عرّاف و لا قائف» (2). و أنه لم يكن يقبل شهادة أحد من هؤلاء. و عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «من سمع قول قائف أو كاهن أو

____________

(1) مسند أحمد 6: 226، صحيح البخاري 8: 195، صحيح مسلم 2: 1082 ح 39، سنن أبي داود 2:

280 ح 2267، سنن ابن ماجه 2: 787 ح 2349، سنن البيهقي 10: 262، تلخيص الحبير 4: 211 ح 2144.

(2) الفقيه 3: 30 ح 91، الوسائل 18: 278، ب «32» من أبواب الشهادات ح 4.

148

..........

____________

ساحر فصدّقه، أكبّه اللّه على منخريه في النار» (1).

فإذا اشتبه نسب الولد، بأن وطئها اثنان وطيا يلحق به الولد، بأن اشتبهت عليهما، أو على أحدهما و كانت زوجة للآخر، و جاءت به في مدّة يمكن إلحاقه بهما، أقرع بينهما و ألحق بمن أخرجته القرعة.

و قد روي عن زيد بن أرقم أنهم أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة أتوها في طهر واحد كلّهم يدّعي الولد، فأقرع بينهم و ألحق الولد بمن أقرع، و غرّمه ثلثي قيمة الأم. و أنهم سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك فقال:

ما أعلم إلا ما قال عليّ، و كان عليّ عاملا على اليمن. و في بعض الحديث أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا خبّر بذلك ضحك حتى بدت نواجذه (2).

و عن الباقر (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أعجب ما ورد عليه، فخبّره بذلك، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ليس من قوم يتنازعون ثمَّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحقّ (3).

و العامّة (4) رجعوا في أمر الولد المتنازع فيه إلى القائف، استنادا إلى الخبر

____________

(1) لم نجده في الجوامع الحديثيّة.

(2) مسند أحمد 4: 373، سنن أبي داود 2: 281 ح 2269- 2271، سنن ابن ماجه 2: 786 ح 2348، سنن النسائي 6: 182، سنن البيهقي 10: 267.

(3) الكافي 5: 491 ح 2، التهذيب 8: 170 ح 592، الاستبصار 3: 369 ح 1320، الوسائل 14:

567 ب «57» من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 4.

(4) الأم للشافعي 6: 246- 247، الحاوي الكبير 17: 380، بداية المجتهد 2: 359، المغني لابن قدامة 6: 425، بدائع الصنائع 6: 244.

149

و يلحق النسب (1) بالفراش المنفرد و الدعوى المنفردة، و بالفراش المشترك و الدعوى المشتركة، و يقضى فيه بالبيّنة، و مع عدمها بالقرعة.

____________

الذي أشرنا إليه. و قد تقدّم (1) البحث في الإلحاق و شرائطه في باب أحكام الأولاد.

و نبّه المصنف- (رحمه اللّه)- بالتسوية بين المدّعيين المذكورين على خلاف بعض (2) العامّة، حيث فرّق فألحق الولد بالمسلم منهما و الحرّ مع الاختلاف، نظرا إلى الأصل أو الظاهر.

قوله: «و يلحق النسب. إلخ».

(1) يتحقّق اشتراك الفراش بما ذكره سابقا من الأمثلة، من كونها زوجة لأحدهما و مشتبهة على الآخر، أو مشتبهة عليهما.

هذا إذا وطئاها في طهر واحد. أما لو تخلّل بين وطئهما حيض، قيل:

انقطع الإمكان عن الأول، إلا أن يكون الأول زوجا في نكاح صحيح، نظرا إلى جعل الشارع الحيض أمارة على براءة الرحم من الحمل، و من ثمَّ اعتبر به الاستبراء و العدّة. و هذا يتمّ مع القول بأن الحمل و الحيض لا يجتمعان مطلقا، و إلا أشكل الأمر، لتحقّق الإمكان، إلا أن ينزّل الغالب منزلة المتعيّن (3)، و يطرح النادر.

و لا بأس به.

و كما يقرع بينهما مع عدم البيّنة، فكذا مع قيامها من الطرفين. و اللّه وليّ التوفيق.

____________

(1) في ج 8: 373.

(2) الحاوي الكبير 17: 395، بدائع الصنائع 6: 252- 253.

(3) في «خ»: المتيقّن، و في «ا»: اليقين.

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

كتاب الشهادات

152

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

153

كتاب الشهادات و النّظر في أطراف خمسة

[الأوّل في صفات الشّهود]

الأوّل في صفات الشّهود و يشترط [فيه] ستّة أوصاف:

[الأوّل: البلوغ]

الأوّل: البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي، (1) ما لم يصر مكلّفا. و قيل: تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا. و هو متروك.

____________

الشهادة لغة: الإخبار عن اليقين. و شرعا: إخبار جازم عن حقّ لازم لغيره، واقع من غير حاكم. و بالقيد الأخير يخرج إخبار اللّه و رسوله و الأئمّة (عليهم السلام)، و إخبار الحاكم حاكما آخر، فإن ذلك لا يسمّى شهادة.

و تعرّض الكتاب و السنّة (1) للشهادة و أحكامها مستفيض، كقوله تعالى:

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (2). و قال تعالى وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ (3). و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه سئل عن الشهادة، فقال للسائل:

«هل ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع» (4).

قوله: «فلا تقبل شهادة الصبيّ. إلخ».

(1) قد اختلف الأصحاب في شهادة الصبيّ، بعد الاتّفاق على عدم قبول شهادة

____________

(1) الوسائل 18: 225، ب «1» و غيره من كتاب الشهادات.

(2) البقرة: 282.

(3) البقرة: 283.

(4) عوالي اللئالي 2: 345 ح 12، و أخرجه بلفظ آخر الحاكم في المستدرك 4: 98، و البيهقي في السنن 10: 156.

154

و اختلفت عبارة الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح و القتل، فروى جميل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «تقبل شهادتهم في القتل، و يؤخذ بأوّل كلامهم». و مثله روى محمد بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و قال الشيخ في النهاية: تقبل شهادتهم في الجراح و القصاص.

و قال في الخلاف: تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرّقوا، إذا اجتمعوا على مباح.

و التهجّم على الدماء بخبر الواحد خطر. فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر، و بقاء الاجتماع، إذا كان على مباح، تمسّكا بموضع الوفاق.

____________

غير المميّز. و نقل جماعة (1) منهم الشيخ (2) فخر الدين الاتّفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر، و الخلاف فيمن زاد عن ذلك.

فالمشهور بينهم عدم قبول شهادته مطلقا إلا في الجراح و القتل. أما عدم القبول في غيرهما فلعموم قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ، و لفظ الرجال لا يقع على الصبيان. و لأن الصبيّ لا يقبل قوله على نفسه، فأولى أن لا يقبل [قوله] (3) على غيره بالشهادة.

____________

(1) كشف الرموز 2: 514، المهذّب البارع 4: 507.

(2) إيضاح الفوائد 4: 417، و لكنّه نقل الإجماع على عدم القبول في غير القصاص و القتل و الجراح.

(3) من الحجريّتين.