مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
155

..........

____________

و أما استثناء الجراح و القتل فلحسنة جميل قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تجوز شهادة الصبيان، قال: نعم، في القتل يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني منه» (1). و رواية محمد بن حمران عنه (عليه السلام) و قد سأله عن شهادة الصبيّ، قال: «فقال: لا، إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني» (2).

و لفظ الروايتين تضمّن القتل، فيمكن أن يدخل فيه الجراح بطريق أولى، و من ثمَّ ذكر الأكثر الجراح. و منهم من اقتصر على الجراح، كالشيخ في الخلاف (3)، و المصنف في المختصر (4) النافع. و لعلّه أراد بها ما يشمل البالغة القتل، لأن القتل هو المنصوص (5) فيما هو مستند الاستثناء.

و في الدروس (6) صرّح باشتراط أن لا يبلغ الجراح النفس. و اشتراط ذلك لا يخلو من إشكال، إلا أن يجعل مجرّد الاحتياط في النفوس، و إلا فمراعاة النصوص تقتضي إدخالها، و اطّراحها نظرا إلى عدم صحّتها و مخالفتها للأصل يقتضي إخراج الجراح أيضا.

ثمَّ اختلف القائلون بقبول شهادتهم في هذا النوع في الجملة في شرائطه، فالمستفاد من النصوص اشتراط أمر واحد، و هو أن يؤخذ بأول كلامهم مع الاختلاف دون باقيه.

____________

(1) الكافي 7: 389 ح 2، التهذيب 6: 251 ح 645، الوسائل 18: 252 ب «22» من أبواب الشهادات ح 1.

(2) الكافي 7: 389 ح 3، التهذيب 6: 251 ح 646، الوسائل 18: 252 الباب المتقدّم ح 2.

(3) الخلاف 6: 270 مسألة (20).

(4) المختصر النافع: 286.

(5) الوسائل 18: 252 ب «22» من كتاب الشهادات.

(6) الدروس الشرعيّة 2: 123.

156

..........

____________

و زاد المصنف و جماعة (1) اشتراط بلوغ سنّهم العشر، و أن لا يتفرّقوا قبل أداء الشهادة.

و زاد المصنف- (رحمه اللّه)- في المختصر النافع (2) تبعا للشيخ كونه في الجراح. فيمكن أن لا يدخل فيها القتل. و على تقدير دخوله فسببه (3) أعمّ من كونه بالجراح، مع أنه مورد النصّ.

و في المختصر النافع (4) نسب اشتراط عدم التفرّق إلى الشيخ في الخلاف (5)، مؤذنا بعدم ترجيحه. و عذره واضح، لعدم الدليل المقتضي لاشتراطه.

و لكن يرد مثله في اشتراط اجتماعهم على المباح، فإنه لا دليل عليه، و لا تكليف في حقّهم. و لو أريد المباح بالنسبة إلى غيرهم من المكلّفين لم يكن لتخصيصه وجه، بل ينبغي اشتراط باقي شرائط قبول الشهادة، من ترك المحرّمات على المكلّف، و القيام بالواجبات عليه، و ملازمة المروّة. و بالجملة، شرائط الشاهد عدا التكليف. و هذا بعيد في حقّ الصبيّ، لعدم وجوب شيء في حقّه و تحريمه، فلا يعدّ تركه و فعله قادحا.

و أما اشتراط بلوغ العشر فليس عليه دليل صالح إلا رواية موقوفة تأتي (6).

و لو أبدل هذا الشرط بالتمييز لكان أولى، حيث إن غير المميّز لا يصلح للشهادة،

____________

(1) الجامع للشرائع: 540، إرشاد الأذهان 2: 156، الدروس الشرعيّة 2: 123.

(2) المختصر النافع: 286.

(3) في «ا، ث» و الحجريّتين: بسببه.

(4) المختصر النافع: 286.

(5) الخلاف 6: 270 مسألة (20).

(6) في ص: 158.

157

..........

____________

و لا يميّز ما يشهد به، سواء بلغ العشر أم لا، كما أن التمييز قد يحصل قبل العشر، إلا أن يثبت الإجماع على اشتراط بلوغ العشر على وجه يكون حجّة، فيكون هو الحجّة، لكن إثبات ذلك بعيد.

و بقي في المسألة قولان آخران متقابلان على الطرفين:

أحدهما: عدم قبول شهادة الصبيّ مطلقا، لما تقدّم (1) من الدليل، و قصور هذه الروايات عن إثبات الحكم المخالف للأصل، خصوصا مع عدم وقوف القائلين بقبول شهادته فيما ذكروه على مورد النصّ، فما دلّ عليه لا يقولون به، و ما يقولون به لا دليل عليه. مع أنه يمكن أن يريد بقبول شهادة الصبيان فيما ذكر ثبوت الفعل بطريق الاستفاضة، بناء على الغالب من وقوع الجراح بينهم في الملعب حال اجتماعهم بكثرة يمكن أن يثبت بها الاستفاضة، إذ لا يشترط فيها بلوغ المخبر، بل و لا إسلامه.

و هذا القول اختاره الشيخ فخر الدين في شرحه (2). و له وجه وجيه، إلا أن رواية (3) جميل [بن درّاج] (4) حسنة مع اعتضادها بغيرها، فردّها على أصل القائل لا يخلو من نظر.

و القول الآخر قبول شهادة الصبيّ إذا بلغ عشرا مطلقا. نقل ذلك المصنف و جماعة (5)، و لم يظهر قائله. و قال صاحب كشف (6) الرموز: إنه الشيخ في النهاية.

____________

(1) في ص: 154.

(2) إيضاح الفوائد 4: 417.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 155 هامش (1).

(4) من «خ، ط، م».

(5) قواعد الأحكام 2: 235، الدروس الشرعيّة 2: 123.

(6) كشف الرموز 2: 514.

158

[الثاني: كمال العقل]

الثاني: كمال العقل (1) فلا تقبل شهادة المجنون إجماعا. أما من يناله الجنون أدوارا، فلا بأس بشهادته في حال إفاقته، لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقّن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته.

و كذا من يعرض له السهو غالبا، فربما سمع الشيء و أنسي بعضه، فيكون ذلك مغيّرا لفائدة اللفظ و ناقلا لمعناه، فحينئذ يجب الاستظهار عليه، حتّى يستثبت ما يشهد به.

و كذا المغفّل الذي في جبلّته البله، فربما استغلط، لعدم تفطّنه

____________

و هو وهم، و إنما ذكر الشيخ في النهاية (1) قبول شهادته في الجراح و القصاص خاصّة. نعم، له بعد ذلك عبارة موهمة لذلك، إلا أن مرادها غيره.

و مستند هذا القول رواية أبي أيّوب الخزّاز قال: «سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: و يجوز أمره؟

قال: فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتّى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره، و جازت شهادته» (2).

و في طريق هذه الرواية- مع وقوفها على إسماعيل- محمد بن عيسى عن يونس، فالاستدلال بها على هذا الحكم المخالف للإجماع في غاية البعد.

قوله: «كمال العقل. إلخ».

(1) لمّا كان الشاهد من شرطه أن يميّز المشهود به و عليه و له، و يكون متّصفا

____________

(1) النهاية: 331- 332.

(2) الكافي 7: 388 ح 1، التهذيب 6: 251 ح 644، الوسائل 18: 252 ب «22» من أبواب الشهادات ح 3.

159

لمزايا الأمور. فالأولى الإعراض عن شهادته، ما لم يكن الأمر الجليّ، الذي يتحقّق الحاكم استثبات الشاهد له، و أنه لا يسهو في مثله.

[الثالث: الإيمان]

الثالث: الإيمان.

فلا تقبل (1) شهادة غير المؤمن و إن اتّصف بالإسلام، لا على مؤمن و لا [على] غيره، لاتّصافه بالفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة.

____________

بالعدالة مرضيّا، لم تجز شهادة المجنون، سواء كان جنونه مطبقا أم يقع أدوارا، و قد قال تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1). و قال مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (2). و المجنون بنوعيه غير مرضيّ. و هذا محلّ وفاق بين المسلمين.

لكن غير المطبق إذا كمل عقله في غير دوره و استحكمت فطنته قبلت شهادته، لزوال المانع. و في معناه المغفّل الذي لا يحفظ و لا يضبط، و يدخل عليه التزوير و الغلط من حيث لا يشعر، كما هو مشاهد (3)، لأنه لا يوثق بقوله.

و كذا من يكثر غلطه و نسيانه، و من لا يتنبّه لمزايا الأمور و تفاصيلها، إلا أن يعلم الحاكم عدم غفلته فيما يشهد به، لكون المشهود به ممّا لا يسهو فيه غالبا.

و من هذه حاله فعلى الحاكم أن يستظهر في أمره، و يفتّش عن حاله إلى أن يغلب على ظنّه علمه و تيقّظه.

و أما الغلط القليل فلا يقدح في الشهادة، لبعد السلامة منه أو عدمها.

قوله: «الايمان فلا تقبل. إلخ».

(1) ظاهر الأصحاب الاتّفاق على اشتراط الايمان في الشاهد، و ينبغي أن

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) البقرة: 282.

(3) في «أ» و الحجريّتين:. مشاهد فلا يوثق.

160

..........

____________

يكون هو الحجّة.

و استدلّ المصنف- (رحمه اللّه)- عليه بأن غيره فاسق و ظالم، من حيث اعتقاده الفاسد الذي هو من أكبر الكبائر، و قد قال تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1). و قال وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (2).

و فيه نظر، لأن الفسق إنما يتحقّق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه بل مع اعتقاد أنها طاعة بل من أمّهات الطاعات فلا، و الأمر في المخالف للحقّ في الاعتقاد كذلك، لأنه لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهمّ الطاعات، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد. و مع ذلك لا يتحقّق الظلم أيضا، و إنما يتّفق ذلك ممّن يعاند الحقّ مع علمه به، و هذا لا يكاد يتّفق و إن توهّمه من لا علم له بالحال.

و العامّة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الأصول ما لم يبلغ خلافه حدّ الكفر، أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيّا، بحيث يكون اعتقاده ناشئا عن محض التقصير.

و الحقّ أن العدالة تتحقّق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، و يحتاج في إخراج بعض الأفراد إلى الدليل. و سيأتي (3) في شهادة أهل الذمّة في الوصيّة ما يدلّ عليه.

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) هود: 113.

(3) في الصفحة التالية.

161

نعم، تقبل شهادة (1) الذمّي خاصّة في الوصيّة، إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها.

و لا يشترط كون الموصي في غربة. و باشتراطه رواية مطّرحة.

____________

و على ما ذكره المصنف من فسق المخالف فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي (1) من اشتراط العدالة لا حاجة إليه، لدخوله فيه.

قوله: «نعم، تقبل شهادة. إلخ».

(1) من شرط قبول الشهادة إسلام الشاهد، و هو بالنسبة إلى غير الذمّي موضع وفاق، و كذلك فيه في غير الوصيّة.

أما الأول فلما مرّ من الدليل على اشتراط الايمان، و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمون، فإنهم عدول على أنفسهم و على غيرهم» (2). و قول الصادق (عليه السلام): «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، و لا تجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين» (3).

و أما قبول شهادة الذمّي في الوصيّة مع عدم [حضور] (4) عدول المسلمين فلقوله تعالى أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. (5) الآية. و يشترط فيه العدالة في دينه، لظاهر العطف على قوله: «منكم» الداخل في حيّز العدالة، و كأنّ التقدير: ذوي عدل منكم أو ذوي عدل من غيركم. إلخ، و لعموم أدلّة العدالة.

____________

(1) في ص: 165.

(2) رواه الشيخ في الخلاف 6: 273- 274 ذيل المسألة (22)، و الماوردي في الحاوي الكبير 17:

62، و انظر عوالي اللئالي 1: 454 ح 192، تلخيص الحبير 4: 198 ح 2108.

(3) الكافي 7: 398 ح 1، التهذيب 6: 252 ح 651، الوسائل 18: 284 ب «38» من كتاب الشهادات ح 1.

(4) من «ط».

(5) المائدة: 106.

162

..........

____________

و ظاهر الآية كون الموصي مسافرا، و بظاهرها أخذ الشيخ في المبسوط (1) و ابن الجنيد (2) و أبو الصلاح (3). و لخصوص حسنة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قال: «إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة» (4).

و رواية حمزة بن حمران عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فقال: اللّذان منكم مسلمان، و اللّذان من غيركم من أهل الكتاب، قال: فإنما ذلك إذا مات الرجل المسلم في أرض غربة، فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيّته فلم يجد مسلمين، فيشهد على وصيّته رجلين ذمّيين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما» (5).

و الأشهر عدم الاشتراط. و جعل المصنف- (رحمه اللّه)- الرواية به مطّرحة.

و يدلّ على عدم الاشتراط عموم حسنة ضريس الكناسي أو صحيحته قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة أهل الملل هل تجوز على رجل من غير أهل ملّتهم؟ فقال: لا إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيّة، لأنه لا يصلح إذهاب حقّ امرء مسلم، و لا تبطل

____________

(1) المبسوط 8: 187.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 722.

(3) الكافي في الفقه: 436.

(4) الكافي 7: 398 ح 6، التهذيب 6: 252 ح 653، الوسائل 18: 287 ب «40» من كتاب الشهادات ح 3.

(5) الكافي 7: 399 ح 8، التهذيب 9: 179 ح 718، الوسائل 13: 392 ب «20» من أبواب الوصايا ح 7.

163

..........

____________

وصيّته» (1). مع أنه يمكن تخصيص هذا العامّ بالآية (2) و الرواية (3) جمعا.

و الحكم مختصّ بوصيّة المال، فلا تثبت الوصيّة بالولاية المعبّر عنها بالوصاية، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده.

و لو تعارض شهادة عدول أهل الذمّة و فسّاق المسلمين فهم أولى، عملا بظاهر النصّ. و قدّم في التذكرة (4) عليهم فسّاق المسلمين إذا كان فسقهم بغير الكذب و الخيانة. و هو بعيد.

أما المستور من المسلمين، فإن اكتفينا في العدالة بظاهر الإسلام مع عدم ظهور المعارض، فلا ريب في ترجيحه على الذمّي و إن كان ظاهر العدالة. و إن منعنا من ذلك، احتمل تقديم عدول [أهل] (5) الذمّة للآية (6)، و تقديم المستور، و به قطع في التذكرة (7). و هو أولى.

و ظاهر الآية إحلاف الذمّي بعد العصر بالصورة المذكورة في الآية، و هو:

أنهما ما خانا و لا كتما شهادة اللّه تعالى، و لا اشتريا به ثمنا و لو كان ذا قربى.

و اعتبره العلامة أيضا في التحرير (8). و لا ريب في أولويّته، إذ لا معارض له، و عمومات النصوص غير منافية له.

____________

(1) الكافي 7: 399 ح 7، التهذيب 6: 253 ح 654، الوسائل 13: 390 الباب المتقدّم ح 1.

(2) المائدة: 106.

(3) المذكورة في الصفحة السابقة.

(4) التذكرة 2: 521.

(5) من «خ».

(6) المائدة: 106.

(7) التذكرة 2: 522.

(8) تحرير الأحكام 2: 208.

164

و يثبت الإيمان (1) بمعرفة الحاكم، أو قيام البيّنة أو الإقرار.

و هل تقبل شهادة الذمّي (2) على الذمّي؟ قيل: لا. و كذا لا تقبل على غير الذمّي.

و قيل: تقبل شهادة كلّ ملّة على ملّتهم. و هو استناد إلى رواية سماعة. و المنع أشبه.

____________

قوله: «و يثبت الإيمان. إلخ».

(1) و مرجع الثلاثة إلى الإقرار، لأن الإيمان أمر قلبيّ لا يمكن معرفته إلا من معتقده بالإقرار، و لكن المصنف- (رحمه اللّه)- اعتبر الوسائط بينه و بين المقرّ.

قوله: «و هل تقبل شهادة الذمّي. إلخ».

(2) ما تقدّم حكم شهادة الكافر على المسلم، أما على مثله فالمشهور بين الأصحاب أن الحكم كذلك، عملا بعموم الأدلّة.

و ذهب الشيخ في النهاية (1) إلى قبول شهادة كلّ ملّة على ملّتهم و عليهم (2)، لا على غيرهم و لا لهم.

و ذهب ابن الجنيد (3) إلى قبول شهادة أهل العدالة منهم في دينه على ملّته و على غير ملّته.

و مستند الشيخ رواية سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لا تجوز إلا على أهل ملّتهم» (4).

____________

(1) النهاية: 334، و في الحجريّتين بدل النهاية: المبسوط، و لكن صرّح فيه بعدم القبول، راجع المبسوط 8: 187.

(2) كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية، و الصحيح: و لهم.

(3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 722.

(4) الكافي 7: 398 ح 2، التهذيب 6: 252 ح 652، الوسائل 18: 284 ب «38» من كتاب الشهادات ح 2.

165

[الرابع: العدالة]

الرابع: العدالة (1) إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق، و لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر، كالقتل و الزّنا و اللّواط و غصب الأموال المعصومة. و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار أو في الأغلب.

أمّا لو كان في الندرة، فقد قيل: لا يقدح، لعدم الانفكاك منها، إلّا فيما يقلّ، فاشتراطه التزام للأشقّ. و قيل: يقدح، لإمكان التدارك بالاستغفار. و الأوّل أشبه.

____________

و لا يخفى ضعف [هذا] (1) المستند. و أولى بالمنع مذهب من عمّم.

قوله: «العدالة. إلخ».

(1) العدالة شرط في قبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الفاسق إجماعا، قال تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2)، و الشهادة نبأ، فيجب التبيّن عندها. و قال تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (3). و قال مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (4) و الفاسق ليس بمرضيّ الحال. و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «لا تقبل شهادة خائن و لا خائنة، و لا زان و لا زانية» (5).

و الكلام في العدالة يتوقّف على أمرين: أحدهما: ما به يثبت. و الثاني: ما به يزول.

____________

(1) من «ث».

(2) الحجرات: 6.

(3) الطلاق: 2.

(4) البقرة: 282.

(5) عوالي اللئالي 1: 242 ح 163، سنن أبي داود 3: 306 ح 3601، سنن البيهقي 10: 201.

166

..........

____________

فالأول: قد تقدّم (1) البحث فيه في القضاء، و أنه هل يحكم بها للمسلم من دون أن يعلم منه الاتّصاف بملكتها، أم لا بدّ من اختباره و تزكيته؟

و أما الثاني فلا خلاف في زوالها بمواقعة الكبائر من الذنوب، كالقتل و الزنا و عقوق الوالدين، و أشباه ذلك.

و إنما الكلام في أن الذنوب هل هي كلّها كبائر، أم تنقسم إلى كبائر و صغائر؟ و قد اختلف الأصحاب و غيرهم في ذلك، فذهب جماعة منهم المفيد (2) و ابن البرّاج (3) و أبو الصلاح (4) و ابن إدريس (5) و الطبرسي (6)- بل نسبه في التفسير إلى أصحابنا مطلقا- إلى الأول، نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمره تعالى و نهيه.

و جعلوا الوصف بالكبر و الصغر إضافيّا، فالقبلة المحرّمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا و كبيرة بالنسبة إلى النظر، و كذلك غصب الدرهم كبيرة بالنسبة إلى غصب اللقمة و صغيرة بالإضافة إلى غصب الدينار، و هكذا.

و ذهب المصنف- (رحمه اللّه)- و أكثر المتأخّرين (7) إلى الثاني، عملا بظاهر قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (8)، دلّ بمفهومه على أن اجتناب بعض الذنوب- و هي الكبائر- يكفّر السيّئات، و هو يقتضي كونها

____________

(1) في ج 13: 397.

(2) مصنّفات لشيخ المفيد 4: 83- 84.

(3) المهذّب 2: 556.

(4) الكافي في الفقه: 435.

(5) السرائر 2: 117- 118.

(6) مجمع البيان 3: 70.

(7) تحرير الأحكام 2: 208، إيضاح الفوائد 4: 421، الدروس الشرعيّة 2: 125.

(8) النساء: 31.

167

..........

____________

غير كبائر. و قال تعالى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ (1)، مدحهم على اجتناب الكبائر من غير أن يضايقهم في الصغائر. و في الحديث: «أن الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر» (2).

ثمَّ على القول بالفرق بين الكبائر و الصغائر فللعلماء في تفسير الكبيرة وجوه:

أحدها: أنها المعصية الموجبة للحدّ.

و الثاني: أنها التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد في الكتاب أو السنّة.

و الثالث: أنها الذنب الذي توعّد اللّه عليه بالنار.

و على هذا القول دلّ خبر ابن أبي يعفور السابق عن الصادق (عليه السلام)، حيث سأله بما تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟ إلى قوله (3): «و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار» (4). و روي أنها سبع (5). و روي أنها إلى السبعين (6) أقرب.

إذا تقرّر ذلك، فعلى القول الأول يقدح في العدالة مواقعة أيّ معصية كانت.

و لا يخفى ما في هذا من الحرج و الضيق، لأن غير المعصوم لا ينفكّ عن ذلك، و قد قال تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (7).

____________

(1) النجم: 32.

(2) لم نعثر عليهما.

(3) في «خ، م»: إلى أن قال.

(4) الفقيه 3: 24 ح 65، التهذيب 6: 241 ح 596، الاستبصار 3: 12 ح 33، الوسائل 18: 288 ب «41» من أبواب الشهادات ح 1.

(5) راجع الوسائل 11: 252 ب «46» من أبواب جهاد النفس.

(6) لم نعثر عليهما.

(7) الحجّ: 78.

168

..........

____________

و أجاب ابن إدريس (1) بأن الحرج ينتفي بالتوبة.

و أجيب (2) بأن التوبة تسقط الكبائر و الصغائر، و لا يكفي في الحكم بالتوبة مطلق الاستغفار و إظهار الندم حتّى يعلم من حاله ذلك، و هذا قد يؤدّي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشهادة و نحوها، فيبقى الحرج.

و على الثاني يعتبر اجتناب الكبائر كلّها و عدم الإصرار على الصغائر، فإن الإصرار عليها يلحقها بالكبيرة، و من ثمَّ ورد: «لا صغيرة مع الإصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار» (3).

و المراد بالإصرار الإكثار منها، سواء كان من نوع واحد أم من أنواع مختلفة. و قيل: المداومة على نوع واحد منها. و لعلّ الإصرار يتحقّق بكلّ منهما.

و في حكمه العزم على فعلها ثانيا و إن لم يفعل. [و] (4) أما من فعل الصغيرة و لم يخطر بباله بعدها العزم على فعلها و لا التوبة منها، فهذا هو الذي لا يقدح في العدالة، و إلا لأدّى إلى أن لا تقبل شهادة أحد. و لعلّ هذا ممّا تكفّره الأعمال الصالحة من الصلاة و الصيام و غيرهما، كما جاء في الخبر.

و اعلم أن المصنف- (رحمه اللّه)- لم يتعرّض للمروّة في قادح العدالة، و كأنّه لم يجعل تركها قادحا أو يتوقّف في ذلك. و هو قول لبعض العلماء (5)، من حيث إنّه يخالف العادة لا الشرع.

____________

(1) السرائر 2: 118.

(2) المختلف: 718.

(3) الكافي 2: 288 ح 1، الوسائل 11: 268 ب «48» من أبواب جهاد النفس ح 3.

(4) من «أ».

(5) انظر الحاوي الكبير 17: 151.

169

..........

____________

و الأشهر اعتبارها في الشهادة، سواء جعلناها شطرا من العدالة، كما هو المشهور من أن العدل هو الذي تعتدل أحواله دينا و مروّة و حكما، أم جعلناها خارجة عنها و صفة برأسها، كما جرى عليه جماعة (1).

و قد أغرب في القواعد (2) حيث جعلها جزءا من العدالة، و عرّفها بأنها كيفيّة نفسانيّة راسخة تبعث على ملازمة التقوى و المروّة، ثمَّ جعلها قسيما للعدالة و شرطا آخر لقبول الشهادة، فجمع بين القولين.

و كيف كان، فالوجه أنه لا تقبل شهادة من لا مروّة له، لأن اطّراح المروّة إما أن يكون بخبل و نقصان، أو قلّة مبالاة و حياء، و على التقديرين يبطل الثقة و الاعتماد على قوله. أما المخبّل فظاهر. و أما قليل الحياء فلأن من لا حياء له يصنع ما شاء، كما ورد في الخبر (3).

و في ضبط المروّة عبارات متقاربة، منها: أن صاحب المروّة هو الذي يصون نفسه عن الأدناس و لا يشينها عند الناس، أو الذي يتحرّز عمّا يسخر منه و يضحك به، أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه و مكانه.

فمن ترك المروّة لبس ما لا يليق بأمثاله، كما إذا لبس الفقيه لباس الجندي، و تردّد به في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب. و كما إذا لبس التاجر ثوب الحمّالين و نحوهم بحيث يصير ضحكة.

و منه: المشي في الأسواق و المجامع مكشوف الرأس و البدن، إذا لم يكن

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 125.

(2) قواعد الأحكام 2: 236- 237.

(3) مسند أحمد 4: 121، صحيح البخاري 8: 35، سنن أبي داود 4: 252 ح 4797، سنن ابن ماجه 2: 1400 ح 4183.

170

و ربّما توهّم واهم: (1) أن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا مع الإحباط. و هذا بالإعراض عنه حقيق، فإنّ إطلاقها بالنسبة، و لكلّ فريق اصطلاح.

____________

الشخص ممّن يليق به مثله. و كذا مدّ الرجلين في مجالس الناس.

و منه: الأكل في السوق، إلا أن يكون الشخص سوقيّا أو غريبا لا يكترث بفعله.

و منه: أن يقبّل الرجل زوجته أو أمته بين يدي الناس، أو يحكي لهم ما يجري [لهم] (1) في الخلوة، أو يكثر من الحكايات المضحكة.

و منه: أن يخرج من حسن العشرة مع الأهل و الجيران و المعاملين، و يضايق في اليسير الذي لا يستقصي (2) فيه.

و منه: أن يبتذل الرجل المعتبر بنقل الماء و الأطعمة إلى بيته، إذا كان ذلك عن شحّ و ضنّة. و لو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف التاركين للتكلّف لم يقدح ذلك في المروّة. و كذا لو كان يلبس ما يجد و يأكل حيث يجد، لتقلّله (3) و براءته من التكلّفات العاديّة، و يعرف ذلك بتناسب حال الشخص في الأعمال و الأخلاق، و ظهور مخايل (4) الصدق عليه.

قوله: «و ربما توهّم واهم. إلخ».

(1) هذا الوهم ذهب إليه بعض الأصحاب، حيث قال: إنّ الصغائر لا تطلق على الذنب إلا على مذهب القائلين بالإحباط، على تقدير الموازنة بين الأعمال

____________

(1) من «ث».

(2) في «ت، د، ل»: يستقضي.

(3) في «ط»: لتبتّله.

(4) في «ا، د، ط»: محامل.

171

و لا يقدح في العدالة (1) ترك المندوبات. و لو أصرّ مضربا عن الجميع، ما لم يبلغ حدّا يؤذن بالتهاون بالسنن.

____________

الصالحة و المعاصي، كما نبّه عليه تعالى بقوله إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (1)، و قال تعالى وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا (2)، فجعل الذّنب الذي يحبط بالطاعة صغيرة، و الذنب الذي يحبط الطاعة كبيرة. و تحقيق القول في الكلام.

و هذا بناء ضعيف، لأن الكبائر قد اعتبرها من قال بالإحباط و من أبطله، و هم المحقّقون و الجمهور، و الصغائر تطلق بالنسبة إلى الكبائر، و لا ضرورة إلى بنائها على القول الضعيف، لإمكان جعلها إضافيّة بالنسبة إلى ذنب آخر أو مخصوصة بذنوب معيّنة، و هو ما عدا الكبائر المحصورة في الكتاب و السنّة، كما هو مذهب الأكثر. على أن القائل بالإحباط يعتبر الأكثر من الطاعة و المعصية، فيثبته أجمع، أو يثبت منه ما زاد عن مقابله من أيّ نوع كان من أنواع المعاصي، فربما كانت المعصية المخصوصة على هذا ممّا يحبط عن شخص، و يبقى على آخر بالنظر إلى ما يقابلها من الطاعة، فلا يتحقّق الصغيرة في نوع من أنواع المعاصي، و من ثمَّ أطلق على هذا الفهم الوهم، و جعله حقيقا بالإعراض عنه.

ثمَّ على تقدير تسمية القائلين بالإحباط ما يكفّر من السّيئات صغيرة فهو اصطلاح لهم لا يلزم الفقيه مثله، فلكلّ فريق اصطلاح يرجعون إليه، و أسماء يطلقونها لا يلزم مثلها لغيرهم.

قوله: «و لا يقدح في العدالة. إلخ».

(1) ترك المندوبات لا يقدح في التقوى، و لا يؤثّر في العدالة، إلا أن يتركها

____________

(1) هود: 114.

(2) هود: 16.

172

[و هنا مسائل]

و هنا مسائل:

[الأولى: كلّ مخالف في شيء من أصول العقائد تردّ شهادته]

الأولى: كلّ مخالف (1) في شيء من أصول العقائد تردّ شهادته، سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد.

و لا تردّ شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحقّ، إذا لم يخالف الإجماع. و لا يفسق و إن كان مخطئا في اجتهاده.

____________

أجمع فيقدح فيها، لدلالته على قلّة المبالاة بالدين و الاهتمام بكمالات الشرع.

و لو اعتاد ترك صنف منها، كالجماعة و النوافل و نحو ذلك، فكترك الجميع، لاشتراكهما في العلّة المقتضية لذلك. نعم، لو تركها أحيانا لم يضرّ.

قوله: «كلّ مخالف. إلخ».

(1) المراد بالأصول التي تردّ شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و المعاد. أما فروعها من المعاني و الأحوال و غيرهما من فروع علم الكلام فلا يقدح الاختلاف فيها، لأنها مباحث ظنيّة، و الاختلاف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير. و قد عدّ بعض العلماء (1) جملة ممّا وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى و شيخه المفيد، فبلغ نحوا من مائة مسألة، فضلا عن غيرهما.

و المراد بالفروع التي لا تقدح فيها المخالفة المسائل الشرعيّة الفرعيّة، لأنها مسائل اجتهاديّة، و الأصول التي تبنى عليها من الكتاب و السنّة كلّها ظنّية.

و ينبغي أن يراد بالإجماع الذي تقدح مخالفته فيها إجماع المسلمين قاطبة، أو إجماع الإماميّة مع العلم بدخول قول المعصوم في جملة قولهم، لأن

____________

(1) و هو قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي «(قدّس سرّه)»، انظر كشف المحجّة للسيّد ابن طاوس «(قدّس سرّه)»: 20.

173

[الثانية: لا تقبل شهادة القاذف]

الثانية: لا تقبل شهادة القاذف. (1) و لو تاب قبلت. و حدّ التوبة أن يكذب نفسه، و إن كان صادقا، و يورّي باطنا. و قيل: يكذبها إن كان كاذبا، و يخطّئها في الملإ إن كان صادقا. و الأوّل مرويّ.

____________

حجيّة الإجماع في قوله (1) على أصولهم، لا مطلق إجماعهم، إذ لا عبرة بقول غير المعصوم منهم مطلقا، و ما لم يعلم دخول قوله في قولهم فلا عبرة بقولهم و إن كثر القائل. و قد تمادى بعضهم فسمّى مثل ذلك إجماعا، بل سمّى المشهور. و مخالفة مثل ذلك غير قادح بوجه من الوجوه، كما تقتضيه قواعدهم الدالّة على حجيّة الإجماع. فتنبّه لذلك لئلّا تقع في الغلط، اغترارا بظاهر الاصطلاح، و اعتمادا على الدعوى.

قوله: «لا تقبل شهادة القاذف. إلخ».

(1) لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل توبته، و لقوله تعالى وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً (2). فإذا تاب قبلت شهادته.

و اختلفوا في حدّ توبته، فقيل: أن يكذب نفسه فيما كان قذف به، سواء كان صادقا في قذفه أم كاذبا.

ثمَّ إن كان كاذبا فتكذيبه نفسه مطابق للواقع. و إن كان صادقا ورّى باطنا بما يخرجه عن الكذب في تكذيبه نفسه، مع كونه غير كاذب في نفس الأمر.

و إنما لزمه التكذيب مطلقا لأن اللّه تعالى سمّى القاذف كاذبا متى لم يأت بالشهداء على ما قذف به، بقوله وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ (3) إلى قوله فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اللّٰهِ هُمُ الْكٰاذِبُونَ (4).

____________

(1) كذا في الحجريّتين: و لعلّه الصحيح، و فيما لدينا من النسخ الخطّية: قولهم.

(2) النور: 4.

(3) النور: 4.

(4) النور: 13.

174

..........

____________

و لما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «توبة القاذف إكذابه نفسه» (1).

و لرواية أبي الصبّاح الكناني عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته؟ قال: يكذب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه و تاب تقبل شهادته؟ قال: نعم» (2).

و مرسلة يونس عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحدّ إذا تاب؟ قال: نعم، قلت: و ما توبته؟ قال:

يجيء فيكذب نفسه عند الامام، و يقول: قد افتريت على فلانة، و يتوب ممّا قال» (3). و مثله رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4).

و إلى هذا ذهب الشيخ في النهاية (5)، و جماعة (6).

و قال في المبسوط (7) و ابن إدريس (8) و العلامة (9): حدّها أن يكذب نفسه إن

____________

(1) تلخيص الحبير 4: 204 ذيل ح 2131، الدرّ المنثور 6: 131.

(2) الكافي 7: 397 ح 1، التهذيب 6: 245 ح 615، الاستبصار 3: 36 ح 120، الوسائل 18: 282 ب «36» من أبواب الشهادات ح 1.

(3) الكافي 7: 397 ح 5، التهذيب 6: 245 ح 617، الاستبصار 3: 36 ح 122، الوسائل 18: 283 الباب المتقدّم ح 4.

(4) الكافي 7: 397 ح 6، التهذيب 6: 245 ح 616، الاستبصار 3: 36 ح 121، الوسائل 18: 283 ب «37» من أبواب الشهادات ح 1.

(5) النهاية: 326.

(6) غنية النزوع: 440، إصباح الشيعة: 529، الدروس الشرعيّة 2: 126، و حكاه العلامة عن الصدوقين و ابن أبي عقيل في المختلف: 717- 718.

(7) المبسوط 8: 179.

(8) السرائر 2: 116.

(9) قواعد الأحكام 2: 236، تحرير الأحكام 2: 208، إرشاد الأذهان 2: 157.

175

و في اشتراط (1) إصلاح العمل، زيادة عن التوبة تردّد. و الأقرب الاكتفاء بالاستمرار، لأنّ بقاءه على التوبة إصلاح و لو ساعة.

____________

كان كاذبا، و يعترف بالخطإ إن كان صادقا، لأن تكذيبه نفسه مع (1) عدم كونه كاذبا في نفس الأمر قبيح، فيكفيه الاعتراف بالخطإ.

و فيه: [مع] (2) أن إثبات الفرق بين الحالين يفهم من قوله بأنه مخطئ دون كاذب أن ما قذف به واقع، فهو قذف آخر تعريضي، و هو غير جائز. فما اختاره المصنف- (رحمه اللّه)- أنسب بالحكمة المطلوبة للشارع من الستر، و جبر الفرية بالحدّ مؤيّد بظاهر الآية و صريح الرواية.

قوله: «و في اشتراط. إلخ».

(1) ذهب بعض الأصحاب (3) إلى اشتراط إصلاح العمل زيادة على التوبة في قبول شهادة القاذف، لقوله تعالى في حقّ القاذف وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (4) فاستثنى ممّن لا تقبل لهم شهادة منهم الّذين تابوا و أصلحوا، فلا يكفي التوبة وحدها، لأن المستثنى فاعل الأمرين معا.

و الأظهر- و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه)- الاكتفاء بالاستمرار على التوبة، لتحقّق الإصلاح بذلك. و الأمر المطلق (5) يكفي في امتثاله المسمّى.

و الأصل عدم اشتراط أمر آخر. و في الروايات السابقة ما يدلّ عليه.

____________

(1) في «د»: مع كونه صادقا في نفس.

(2) من إحدى الحجريّتين.

(3) الوسيلة: 231.

(4) النّور: 4 و 5.

(5) في الحجريّتين: بالمطلق.

176

و لو أقام بيّنة (1) بالقذف، أو صدّقه المقذوف، فلا حدّ عليه و لا ردّ.

[الثالثة: اللعب بآلات القمار كلّها حرام]

الثالثة: اللعب بآلات القمار (2) كلّها حرام، كالشطرنج و النرد و الأربعة عشر، و غير ذلك، سواء قصد الحذق أو اللهو أو القمار.

____________

قوله: «و لو أقام بيّنة. إلخ».

(1) لأن اللّه تعالى شرط في ردّ شهادته (1) عدم الإتيان بالشهداء بقوله:

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً (2). و إقرار المقذوف أقوى من البيّنة، فيسقطان به بطريق أولى.

قوله: «اللعب بآلات القمار. إلخ».

(2) مذهب الأصحاب تحريم اللّعب بآلات القمار كلّها، من الشطرنج و النرد و الأربعة عشر و غيرها. و وافقهم على ذلك جماعة من العامّة، منهم أبو حنيفة (3) و مالك (4) و بعض الشافعيّة (5). و رووا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «من لعب بالنرد فقد عصى اللّه و رسوله» (6). و في رواية أخرى أنه «من لعب بالنردشير فكأنّما غمس يده في لحم الخنزير» (7).

____________

(1) في «ا»: شهادتهم.

(2) النور: 4.

(3) الباب في شرح الكتاب 4: 62، بدائع الصنائع 6: 269، روضة القضاة 1: 236 رقم (1090)، رؤوس المسائل: 531 مسألة (391)، حلية العلماء 8: 251.

(4) المدوّنة الكبرى 5: 153، الكافي للقرطبي 2: 895، و راجع أيضا الحاوي الكبير 17: 179.

(5) روضة الطالبين 8: 203.

(6) عوالي اللئالي 1: 243 ح 167، مسند أحمد 4: 394، سنن أبي داود 4: 285 ح 4938، سنن ابن ماجه 2: 1237 ح 2762، مستدرك الحاكم 1: 50، سنن البيهقي 10: 214.

(7) عوالي اللئالي 1: 243 ح 168، مسند أحمد 5: 352، سنن أبي داود 4: 285 ح 4939، سنن ابن ماجه 2: 1238 ح 3763، سنن البيهقي 10: 214.

177

[الرابعة: شارب المسكر تردّ شهادته و يفسق]

الرابعة: شارب المسكر (1) تردّ شهادته و يفسق، خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصّفا أو فضيخا، و لو شرب منه قطرة. و كذا الفقّاع. و كذا العصير إذا غلى من نفسه أو بالنار، و لو لم يسكر، إلّا أن يغلي حتّى يذهب ثلثاه. أمّا غير العصير من التمر أو البسر، فالأصل أنه حلال ما لم يسكر.

____________

و روى الأصحاب عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الشطرنج و النرد هما الميسر» (1). و عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ للّه عزّ و جلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، إلّا من أفطر على مسكر، أو مشاحن، أو صاحب شاهين، قلت: و أيّ شيء صاحب شاهين؟ قال:

الشطرنج» (2).

و روى معمّر بن خلّاد في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، و كلّ ما قومر عليه فهو ميسر» (3). و في معناها أخبار كثيرة (4).

و ظاهر النهي أنها من الصغائر، فلا يقدح في العدالة إلا مع الإصرار عليها.

ثمَّ النرد و الشطرنج مشهوران. و أما الأربعة عشر ففسّروها (5) بأنها قطعة من خشب فيها حفر في ثلاثة أسطر، و يجعل في الحفر حصى صغار يلعب بها.

قوله: «شارب المسكر. إلخ».

(1) لا فرق في تحريم المسكر بين اتّخاذه من العنب و غيره عند الأصحاب

____________

(1) الكافي 6: 435 ح 3، الوسائل 12: 242 ب «104» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

(2) الكافي 6: 435 ح 5، الوسائل 12: 237 ب «102» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(3) الكافي 6: 435 ح 1، الوسائل 12: 242 ب «104» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(4) راجع الوسائل 12: 237 ب «102- 104» من أبواب ما يكتسب به.

(5) راجع المبسوط 8: 222.

178

..........

____________

و أكثر العامّة (1)، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «كلّ مسكر حرام» (2). و قول الصادق (عليه السلام): «إنما حرّم الخمر لفعلها و فسادها» (3). و روى عليّ بن يقطين في الصحيح عن الكاظم (عليه السلام) قال: «إن اللّه تبارك و تعالى لم يحرّم الخمر لاسمها، و لكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (4). و في حديث له عنه (عليه السلام): «فما فعل فعل الخمر فهو خمر» (5).

و لا فرق في المسكر بين ما يسكر منه و غيره، لتعليق التحريم على الاسم.

و في معناه الفقّاع عندنا. و كذا العصير العنبي إذا غلى و إن لم يشتدّ. و قد تقدّم البحث فيهما في باب الأطعمة (6). و [أما] (7) ما لا يسكر من الأشربة غير ما ورد النصّ بتحريمه فالأصل فيه الحلّ، و منه عصير الزبيب و التمر و غيرهما.

و في الدروس (8) قيّد العصير العنبي مع غليانه بالاشتداد. و ليس كذلك، فإن تحريمه معلّق على مجرّد الغليان، و إنما نجاسته عند من قال بها من الأصحاب (9) معلّقة على الاشتداد، و البحث هنا في التحريم لا في النجاسة. نعم، ذهب في

____________

(1) الحاوي الكبير 17: 184، بدائع الصنائع 5: 115.

(2) الكافي 6: 410 ح 12، الوسائل 17: 270 ب «17» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 8.

(3) الكافي 6: 412 ح 4، الوسائل 17: 273 ب «19» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 3.

(4) الكافي 6: 412 ح 2، التهذيب 9: 112 ح 486، الوسائل 17: 273 الباب المتقدّم ح 1.

(5) الكافي 6: 412 ح 1، الوسائل 17: 273 الباب المتقدّم ح 2.

(6) في ج 12: 72- 73.

(7) من «ث، خ».

(8) الدروس الشرعيّة 2: 126.

(9) قواعد الأحكام 1: 7.

179

و لا بأس باتّخاذ (1) الخمر للتّخليل.

[الخامسة: مدّ الصّوت المشتمل على الترجيع المطرب، يفسق فاعله]

الخامسة: مدّ الصّوت المشتمل (2) على الترجيع المطرب، يفسق فاعله، و تردّ شهادته، و كذا مستمعه، سواء استعمل في شعر أو قرآن.

و لا بأس بالحداء [به].

____________

الذكرى (1) إلى تلازم الوصفين. و هو ممنوع. و قد حقّقناه فيما سبق (2).

قوله: «و لا بأس باتّخاذ. إلخ».

(1) روى زرارة في الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلّا، قال: لا بأس» (3). و روى عبيد بن زرارة في الموثّق أو الصحيح عنه (عليه السلام): «في الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلّا، قال: لا بأس» (4).

و لا فرق بين اتّخاذها بشيء يجعل فيها و عدمه عند الأصحاب، و إن كان ترك العلاج بشيء أفضل. و قد تقدّم (5) البحث فيه.

قوله: «مدّ الصوت المشتمل. إلخ».

(2) الغناء عند الأصحاب محرّم، سواء وقع بمجرّد الصوت أم انضمّ إليه آلة من آلاته. فقد ورد في تفسير قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (6) أنه الغناء (7). و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «الغناء

____________

(1) الذكرى: 12.

(2) راجع ج 12: 72- 73.

(3) الكافي 6: 428 ح 2، التهذيب 9: 117 ح 504، الاستبصار 4: 93 ح 355، الوسائل 17:

296 ب «31» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1.

(4) الكافي 6: 428 ح 3، التهذيب 9: 117 ح 505، الاستبصار 4: 93 ح 356، الوسائل 17: 296 الباب المتقدّم ح 3.

(5) في ج 12: 101- 102.

(6) لقمان: 6.

(7) التبيان 8: 244، مجمع البيان 8: 76، النكت و العيون 4: 328، تفسير القرطبي 14: 51، الدرّ المنثور 6: 504- 505.

180

..........

____________

ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» (1).

و من طريق الخاصّة ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال سمعته يقول: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار، و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ» (2).

و روى أبو بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ:

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: الغناء» (3). و في معناها أخبار كثيرة (4).

و المراد بالغناء الصوت المشتمل على الترجيع المطرب. كذا فسّره به المصنف- (رحمه اللّه)- و جماعة (5). و الأولى الرجوع فيه إلى العرف، فما يسمّى فيه غناء يحرم، لعدم ورود الشرع بما يضبطه، فيكون مرجعه إلى العرف. و لا فرق فيه بين وقوعه بشعر و قرآن و غيرهما.

و كما يحرم فعل الغناء يحرم استماعه، كما يحرم استماع غيره من الملاهي.

أما الحداء بالمدّ- و هو الشعر الذي يحثّ به الإبل على الإسراع في السير-

____________

(1) سنن البيهقي 10: 223، تلخيص الحبير 4: 199 ح 2113، الدرّ المنثور 6: 505، الدرر المنثرة:

100 ح 308.

(2) الكافي 6: 431 ح 4، الوسائل 12: 226 ب «99» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(3) الكافي 6: 431 ح 1، الوسائل 12: 227 الباب المتقدّم ح 9.

(4) راجع الوسائل: 12، 225 ب «99» من أبواب ما يكتسب به.

(5) إرشاد الأذهان 2: 156، الدروس الشرعيّة 2: 126.

181

و يحرم من الشعر (1) ما تضمّن كذبا، أو هجاء مؤمن، أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محلّلة له. و ما عداه مباح. و الإكثار منه مكروه.

____________

و سماعه فمباحان، لما فيه من إيقاظ النوّام و تنشيط الإبل للسير. و قد روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعبد اللّه بن رواحة: «حرّك بالقوم، فاندفع يرتجز» (1). و كان عبد اللّه جيّد الحداء، و كان مع الرجال، و كان أنجشة مع النساء، فلمّا سمعه أنجشة تبعه، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأنجشه: «رويدك رفقا بالقوارير» (2) يعني:

النساء.

قوله: «و يحرم من الشعر. إلخ».

(1) إنشاء الشعر و إنشاده و الاستماع إليه جائز، و كيف لا و كان للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شعراء يصغي إليهم، منهم حسّان بن ثابت، و عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنهما (3). و استنشد الشريد شعر أميّة بن أبي الصلت و استمع إليه (4). و في حفظ دواوين العرب أبلغ معونة على درك أحكام الكتاب و السنّة و معانيهما. و قد قال بعض العلماء: «الشعر كلام، فحسنة كحسنة، و قبيحة كقبيحه، و فضله على الكلام أنه سائر» (5).

و يحرم منه الهجاء لمؤمن، صدقا كان أم كذبا. و لا فرق فيه بين التعريض و التصريح.

____________

(1) تلخيص الحبير 4: 200 ح 2117.

(2) النّهاية لابن الأثير 4: 39.

(3) أنظر السيرة الحلبيّة 3: 425.

(4) مسند أحمد 4: 390، الأدب المفرد: 269 ح 801، صحيح مسلم 4: 1767 ح 1، المعجم الكبير للطبراني 7: 377 ح 7238، سنن البيهقي 10: 226- 227.

(5) الأمّ للشافعي 9: 311، الحاوي الكبير 17: 202.

182

..........

____________

و كذا يحرم منه ما اشتمل على الفحش أو التشبيب بامرأة بعينها، لما فيه من الإيذاء و الإشهار و إن كان صادقا.

و احترز بغير المحلّلة له عن زوجته و أمته غير المزوّجة، و مقتضاه جواز التشبيب بهما. و ربما قيل بأن ذلك يردّ الشهادة و إن لم يكن محرّما، لما فيه من سقوط المروّة. و هو حسن.

و كذا التشبيب بالغلام محرّم مطلقا، لتحريم متعلّقه.

و أما الشعر المشتمل على المدح و الإطراء، فما أمكن حمله على ضرب من المبالغة فهو جائز، ألا ترى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لفاطمة بنت قيس: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، و أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (1). و معلوم أنه كان يضعها كثيرا.

و إن لم يمكن حمله على المبالغة و كان كذبا محضا، فهو كسائر أنواع الكذب.

و ربما قيل بعدم التحاقه بالكذب مطلقا، لأن الكاذب يرى الكذب صدقا و يروّجه، و ليس غرض الشاعر أن يصدّق في شعره، و إنما هو صناعة، كما أن التشبيب بغير المعيّن فنّ للشاعر، و غرضه به إظهار الصنعة في هذا الفنّ لا تحقيق (2) المذكور، فلا يخلّ بالعدالة.

و على تقدير حلّه فالإكثار منه مكروه، على ما وردت به الروايات (3).

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 438 ح 155، مسند الشافعي: 187، سنن الدارمي 2: 135، مسند أحمد 6: 412.

(2) في «ص»: تحقّق.

(3) راجع الوسائل 5: 83 ب «51» من أبواب صلاة الجمعة.

183

[السادسة: الزّمر و العود و الصنج، و غير ذلك من آلات اللهو حرام]

السادسة: الزّمر و العود (1) و الصنج، و غير ذلك من آلات اللهو حرام، يفسق فاعله و مستمعه. و يكره الدفّ في الإملاك، و الختان خاصّة.

____________

قوله: «الزمر و العود. إلخ».

(1) آلات اللهو من الأوتار- كالعود- و غيره، كاليراع و الزمر و الطنابير و الرباب و الصنج، و هو الدفّ المشتمل على الجلاجل، حرام بغير خلاف. و قد روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «إن اللّه تعالى حرّم على أمّتي الخمر و الميسر و المزر و الكوبة» (1). و الكوبة هي الطبل. و يقال: طبل مخصوص. و قصّر بعض العامّة (2) التحريم عليه لذلك.

و روى محمد بن الحنفيّة عن أبيه (عليه السلام) أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إذا كان في أمّتي خمسة عشر خصلة حصل بها البلاء: إذا اتّخذوا الغنيمة دولة، و الأمانة مغنما، و الزكاة مغرما، و أطاع الرجل زوجته، و جفا أبيه، و عقّ أمه، و لبسوا الحرير، و شربوا الخمور، و اشتروا المغنّيات و المعازف، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرم الرجل السوء خوفا منه، و ارتفعت الأصوات في المساجد، و سبّ آخر هذه الأمّة أولها، فعند ذلك يرقبون ثلاثا: حجرا و خسفا و مسخا» (3).

و استثني من ذلك الدفّ غير المشتمل على الصنج عند النكاح و الختان، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أعلنوا النكاح [و الختان] (4)، و اضربوا عليها بالغربال» (5) يعني: الدفّ. و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فصل ما بين

____________

(1) مسند أحمد 2: 165، سنن أبي داود 3: 331 ح 3696، تلخيص الحبير 4: 202 ح 2124.

(2) روضة الطالبين 8: 206.

(3) الخصال: 500 ح 1 و 2، إرشاد القلوب: 71، الوسائل 12: 231 ب «99» من أبواب ما يكتسب به ح 31. و في المصادر: فارتقبوا عند ذلك: ريحا حمراء و خسفا.

(4) من «خ» فقط.

(5) سنن ابن ماجه 1: 611 ح 1895، نصب الراية 3: 167- 168، تلخيص الحبير 4: 201 ح 2122، سنن البيهقي 7: 290، و لم ترد في المصادر: و الختان.

184

[السابعة: الحسد معصية، و كذا بغضة المؤمن]

السابعة: الحسد معصية، (1) و كذا بغضة المؤمن. و التظاهر بذلك قادح في العدالة.

____________

الحلال و الحرام الضرب بالدفّ عند النكاح» (1).

و منع منه ابن إدريس (2) مطلقا. و رجّحه في التذكرة (3)، محتجّا بأن اللّه تعالى ذمّ (4) اللّهو و اللعب، و هذا منه.

قوله: «الحسد معصية. إلخ».

(1) لا خلاف في تحريم هذين الأمرين. و التهديد عليهما في الأخبار مستفيض (5). و هما من الكبائر، فيقدحان في العدالة مطلقا. و إنما جعل التظاهر بهما قادحا لأنهما من الأعمال القلبيّة، فلا يتحقّق تأثيرهما في الشهادة إلا مع إظهارهما، و إن كانا محرّمين بدون الإظهار.

و المراد بالحسد: كراهة النعمة على المحسود و تمنّي زوالها عنه، سواء وصلت إلى الحاسد أم لا. و ببغضه: كراهته و استثقاله لا لسبب دينيّ- كفسق- فيبغضه لأجله، سواء قاطعه مع ذلك أم لا. فإن هجره فهما (6) معصيتان. و قد يحصل كلّ منهما بدون الأخرى.

____________

(1) مسند أحمد 3: 418، سنن النسائي 6: 127، سنن الترمذي 3: 398 ح 1088، سنن ابن ماجه 1:

611 ح 1896، مستدرك الحاكم 2: 184، سنن البيهقي 7: 289.

(2) السرائر 2: 215.

(3) التذكرة 2: 581.

(4) في «د، م»: حرّم.

(5) راجع الوسائل 8: 569 ب «136»، و ص: 584 ب «144» من أبواب أحكام العشرة، و ج 11:

292 ب «55» من أبواب جهاد النفس.

(6) في «ث، خ، ط»: فيهما.

185

[الثامنة: لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرّم، تردّ به الشهادة]

الثامنة: لبس الحرير للرجال (1) في غير الحرب اختيارا محرّم، تردّ به الشهادة. و في التّكأة عليه و الافتراش له تردّد، و الجواز مرويّ. و كذا يحرم التختّم بالذهب. و التحلّي به للرجال.

____________

قوله: «لبس الحرير للرجال. إلخ».

(1) تحريم لبس الحرير و الذهب على الرجال موضع وفاق. و قد روي أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أحلّ الذهب و الحرير للإناث من أمّتي، و حرّم على ذكورها» (1). و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة» (2).

و استثني من الحرير أمور:

أحدها: حالة الحرب. فروى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن لباس الحرير و الديباج، فقال: أمّا في الحرب فلا بأس به، و إن كان فيه تماثيل» (3). و روى إسماعيل بن الفضل عنه (عليه السلام) قال: «لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلا في الحرب» (4).

و ثانيها: الضرورة إلى لبسه، لمرض و نحوه. فقد روي أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رخّص لعبد الرحمن بن عوف و الزبير في لبس الحرير، لحكّة كانت بهما (5). و في رواية أخرى «أنهما شكيا إليه القمّل، فرخّص لهما في قمص الحرير في غزاة» (6).

____________

(1) مسند أحمد 4: 392، سنن النسائي 8: 161، سنن البيهقي 3: 275.

(2) صحيح مسلم 3: 1641 ح 11، شرح السنّة 12: 30.

(3) الكافي 6: 453 ح 3، التهذيب 2: 208 ح 816، الاستبصار 1: 386 ح 1466، الوسائل 3: 270 ب «12» من أبواب لباس المصلّي ح 3.

(4) الكافي 6: 453 ح 4، الوسائل 3: 269 الباب المتقدّم ح 1.

(5) مسند أحمد 3: 273 صحيح البخاري 4: 50، صحيح مسلم 3: 1646 ح 24، سنن أبي داود 4:

50 ح 4056، سنن البيهقي 3: 268.

(6) مسند أحمد 3: 192، صحيح البخاري 4: 50، صحيح مسلم 3: 1647 ح 26.

186

[التاسعة: اتّخاذ الحمام للأنس و إنفاذ الكتب ليس بحرام]

التاسعة: اتّخاذ الحمام (1) للأنس و إنفاذ الكتب ليس بحرام. و إن اتّخذها للفرجة و التطيّر فهو مكروه. و الرهان عليها قمار.

____________

و ثالثها: اليسير منه، كالعلم و الرقعة و طرف الثوب. ففي رواية عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه «نهى عن لبس الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة» (1).

و في تعدّي التحريم إلى غير اللبس من التكأة عليه في الوسائد و الافتراش له قولان، منشؤهما اختلاف الأخبار، فروى العامّة عن حذيفة- (رحمه اللّه)- قال:

«نهانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن نشرب في آنية الذهب و الفضّة، و أن نأكل فيها، و عن لبس الحرير و الديباج، و أن نجلس عليه» (2). و يؤيّده إطلاق النهي عنه في الخبر السابق.

و الأصحّ الجواز، لصحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليهما السلام)، قال: «سألته عن فراش حرير و مثله من الديباج، و مصلّى من حرير و مثله من الديباج، يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة عليه؟ قال: يفرشه و يقوم عليه، و لا يسجد عليه» (3). و لأن النهي عنه في النصوص المعتبرة (4) معلّق على اللبس، فيبقى غيره على الأصل.

و أما الذهب فيحرم لبسه للرجال مطلقا، سواء في ذلك التختّم و التحلّي و غيرهما.

قوله: «اتّخاذ الحمام. إلخ».

(1) اتّخاذ الحمام للبيض و الفرخ و الأنس بها و حمل الكتب جائز بلا كراهة، بل

____________

(1) مسند أحمد 1: 51، صحيح مسلم 3: 1643 ح 15، سنن البيهقي 3: 269.

(2) مسند أحمد 5: 404، سنن الدار قطني 4: 293 ح 87، سنن البيهقي 3: 266.

(3) الكافي 6: 477 ح 8، التهذيب 2: 373 ح 1553، الوسائل 3: 274 ب «15» من أبواب لباس المصلّي ح 1.

(4) راجع الوسائل 3: 266 ب «11» من أبواب لباس المصلّي ح 5، 6، 11.

187

..........

____________

في الأخبار (1) ما يدلّ على الترغيب فيه، روي «أن رجلا شكا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الوحدة، فقال: اتّخذ زوجا من حمام» (2).

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجنّ، إن سفهاء الجنّ يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام، و يدعون الإنسان» (3).

و روى عبد الكريم بن صالح قال: «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر فقلت: جعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش، فقال: لا إنه يستحبّ أن يسكن في البيت» (4).

و أما اقتناؤها للّعب بها، و هو أن يطيّرها تنقلب في السماء و نحو ذلك، فإنه مكروه، لما فيه من العبث و تضييع العمر فيما لا يجدي. و لكن لا تردّ به الشهادة، إلا أن يكثر بحيث يؤذن بقلّة المروّة، خلافا لابن إدريس (5) حيث جعل اللعب بها قادحا، لقبح اللعب. و هو ممنوع. و رواية العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق» (6) تدفع قبحه، و تدلّ على أن اللعب به ليس فسقا، و إلا لاستحال التقييد

____________

(1) راجع الوسائل 8: 376 ب «31» من أبواب أحكام الدوابّ.

(2) الكافي 6: 546 ح 6، الفقيه 3: 220 ح 1022، الوسائل 8: 378 الباب المتقدّم ح 15.

(3) الكافي 6: 546 ح 5، الوسائل 8: 377 الباب المتقدّم ح 8.

(4) الكافي 6: 548 ح 15، الوسائل 8: 380 ب «34» من أبواب أحكام الدوابّ ح 1.

(5) السرائر 2: 124.

(6) الفقيه 3: 30 ح 88، التهذيب 6: 284 ح 784، الوسائل 18: 305 ب «54» من أبواب الشهادات ح 1.

188

[العاشرة: لا تردّ شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة]

العاشرة: لا تردّ شهادة أحد (1) من أرباب الصنائع المكروهة، كالصياغة و بيع الرقيق، و لا من أرباب الصنائع الدنيّة، كالحياكة و الحجامة، و لو بلغت في الدناءة كالزبّال و الوقّاد، لأن الوثوق بشهادته مستند إلى تقواه.

____________

به. و في خبر آخر بالإسناد قال: «سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام» (1).

و أما الرهان عليها فمحرّم، لما تقدّم في كتاب السبق (2) من اختصاص جوازه بالخفّ و الحافر من الحيوان. و قيل: إن حفص بن غياث وضع للمهديّ العباسي في حديث: «لا سبق إلا في نصل أو خفّ أو حافر» (3) قوله: «أو ريش» ليدخل فيه الحمام، تقرّبا إلى قلب الخليفة حيث رآه يحبّ الحمام، فلمّا خرج من عنده قال: «أشهد أن قفاه قفا كذّاب، ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أو ريش، و لكنّه أراد التقرّب إلينا بذلك» (4) ثمَّ أمر بذبح الحمام.

قوله: «لا تردّ شهادة أحد. إلخ».

(1) أهل الحرف الدنيّة و المكروهة لا تردّ شهادتهم عندنا مطلقا، لأنها حرف مباحة و الناس محتاجون إليها، و لو ردّت شهادتهم لم يؤمن أن يتركوها فيعمّ الضرر.

____________

(1) التهذيب 6: 284 ح 785، الوسائل 18: 305 الباب المتقدّم ح 2.

(2) في ج 6: 84.

(3) الكافي 5: 50 ح 14، الوسائل 13: 348 ب «3» من كتاب السبق و الرماية ح 1. و انظر مسند أحمد 2: 474، سنن ابن ماجه 2: 960 ح 2878، سنن أبي داود 3: 29 ح 2574، سنن النسائي 6:

226.

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 275، و فيه: غياث بن إبراهيم، بدل: حفص بن غياث.

189

[الخامس: ارتفاع التهمة]

الخامس: ارتفاع التهمة (1) و يتحقّق المقصود ببيان مسائل:

[الأولى: لا تقبل شهادة من يجرّ بشهادته نفعا]

الأولى: لا تقبل شهادة من يجرّ بشهادته نفعا، كالشريك فيما هو شريك فيه، و صاحب الدّين إذا شهد للمحجور عليه، و السيّد لعبده المأذون، و الوصيّ فيما هو وصيّ فيه.

و كذا لا تقبل شهادة (2) من يستدفع بشهادته ضررا، كشهادة أحد

____________

و خالف في ذلك بعض العامّة (1)، محتجّا بأن اشتغالهم بهذه الحرف و رضاهم بها يشعر بالخسّة و قلّة المروّة، خصوصا الحياكة، لإزراء الناس بهم، و عدّهم النسبة إلى الحياكة سبّا و إيذاء.

و ألحق بعضهم الصبّاغين و الصيّاغين بهم. و فرّق آخرون بين من يليق به هذه الحرف و كانت صنعة آبائه و غيره، فتردّ شهادة الثاني دون الأول. نعم، من يكثر منهم و من سائر المحترفة الكذب و الخلف في الوعد تردّ شهادته لذلك عند الجميع.

قوله: «ارتفاع التهمة. إلخ».

(1) نبّه بقوله: «و يتحقّق المقصود» على أن مطلق التهمة غير قادح في الشهادة، بل التهمة في مواضع مخصوصة، و هي التي يذكرها، فإن شهادة الصديق لصديقه و الوارث لمورّثه مقبولة و إن كان مشرفا على التلف عندنا. و كذا شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين، مع ظهور التهمة في جميع ذلك.

و سيأتي (2) البحث فيه.

قوله: «لا تقبل شهادة. إلخ».

(2) شهادة المتّهم مردودة إجماعا، لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه

____________

(1) حلية العلماء 8: 249- 250، المغني لابن قدامة 12: 35، روضة الطالبين 8: 210.

(2) في ص: 192.

190

العاقلة بجرح شهود الجناية. و كذا شهادة الوكيل و الوصيّ بجرح شهود المدّعي على الموصي أو الموكّل.

____________

قال: «لا تقبل شهادة ظنين و لا خصم» (1). و الظنين: المتّهم. و صحيحة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّا يردّ من الشهود، قال: الظنين، و المتّهم، و الخصم» (2).

و للتهمة المانعة أسباب:

منها: أن يجرّ إلى نفسه بشهادته نفعا و لو بالولاية، أو يدفع ضررا، فلا تقبل شهادة السيّد لعبده المأذون، و الغريم للميّت و المفلّس المحجور عليه، و الوارث بجرح مورّثه، لأن الدية تجب له عند الموت بسبب الجرح، فيلزم أن يكون شاهدا لنفسه، و الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه، و الوكيل للموكّل فيما هو وكيل فيه، و الوصيّ و القيّم في محلّ تصرّفهما، خلافا لابن الجنيد (3) حيث قبل شهادة الوصيّ لليتيم بمال. و مال إليه في الدروس (4). و المشهور العدم. و لا تردّ شهادتهم في غير ذلك.

و كذا لا تقبل شهادة الشريك لشريكه في بيع الشقص و لا للمشتري، لأن شهادته تتضمّن إثبات الشفعة لنفسه. فإن لم يكن فيه شفعة أو عفا عنها قبل الشهادة قبلت.

____________

(1) رواه الشيخ في الخلاف 6: 296 ذيل مسألة (43)، و انظر سنن البيهقي 10: 202، تلخيص الحبير 4: 203 ح 2128.

(2) الكافي 7: 395 ح 3، التهذيب 6: 242 ح 598، الوسائل 18: 275 ب «30» من أبواب الشهادات ح 3.

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 727.

(4) الدروس الشرعيّة 2: 128.

191

[الثانية: العداوة الدينيّة لا تمنع القبول]

الثانية: العداوة الدينيّة (1) لا تمنع القبول، فإن المسلم تقبل شهادته على الكافر. أما الدنيويّة فإنها تمنع، سواء تضمّنت فسقا أو لم تتضمّن.

و تتحقّق العداوة، بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر، و المساءة بسروره، أو يقع بينهما تقاذف.

____________

و كذا تقبل شهادة الغريم لمديونه الموسر مطلقا، و المعسر قبل الحجر، لأن الحقّ متعلّق بذمّته حينئذ لا بعين أمواله. و يحتمل العدم، لأن المعسر لا مطالبة عليه، فإذا أثبت له شيئا أثبت المطالبة لنفسه.

و في المنع من شهادة السيّد للمكاتب مطلقا قولان، من انتفاء سلطنته عنه، و ظهور التهمة بعجزه، خصوصا المشروط. و بالأول قطع العلامة في القواعد (1)، و بالثاني في التحرير (2). و لعلّه أقوى.

و لا فرق في التهمة المانعة بين كون الشهادة جالبة لنفع كما ذكر، أو دافعة لضرر عن الشاهد، كجرح بعض العاقلة شهود الجناية خطأ، لأنها تدفع عنه الغرم، و كشهادة الوصيّ و الوكيل بجرح الشاهد على الموصي و الموكّل، لأنهما يدفعان بها الغرم المأخوذ من أيديهما و إن لم يكن من مالهما. و مثله شهادة الزوج بزنا زوجته التي قذفها على الأظهر.

قوله: «العداوة الدينيّة. إلخ».

(1) من أسباب التهمة العداوة الدنيويّة، فلا تقبل شهادة العدوّ على عدوّه عندنا، و عند أكثر العامّة (3).

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 237.

(2) تحرير الأحكام 2: 209.

(3) الحاوي الكبير 17: 161، الكافي للقرطبي 2: 894، حلية العلماء 8: 262، المغني لابن قدامة 12: 56، روضة الطالبين 8: 213.

192

و كذا لو شهد بعض الرفقاء (1) لبعض على القاطع عليهم الطريق، لتحقّق التهمة.

____________

لنا: قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الخبر السابق (1): «لا تقبل شهادة ظنين و لا خصم». و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا تقبل شهادة خائن، و لا خائنة، و لا ذي غمز على أخيه» (2). قيل: المراد من الخصم العدوّ.

و العداوة التي تردّ بها الشهادة هي التي تبلغ حدّا يتمنّى هذا زوال نعمة ذاك، و يفرح بمصيباته و يحزن بمسرّاته. و ذلك قد يكون من الجانبين، و قد يكون من أحدهما، فيختصّ بردّ شهادته على الآخر. فإن أفضت العداوة إلى ارتكاب ما يوجب الفسق فهو مردود الشهادة على الإطلاق. و إن عاداه من يريد أن يشهد عليه و بالغ في خصومته، فلم يجب و سكت ثمَّ شهد عليه قبلت شهادته، و إلا اتّخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات.

و العداوة الدينيّة لا توجب ردّ الشهادة، بل تقبل شهادة المسلم على الكافر، و المحقّ على المبتدع. و كذا من أبغض الفاسق لفسقه لم تردّ شهادته عليه.

قوله: «و كذا لو شهد بعض الرفقاء. إلخ».

(1) إذا شهد بعض الرفقاء لبعض على اللصوص، فإن لم يكن الشاهد مأخوذا قبلت شهادته، لعدم التهمة.

و إن كان مأخوذا، فإن تعرّض لما أخذ منه لم تقبل في حقّ نفسه قطعا.

و في قبولها في حقّ غيره، و كذا لو لم يتعرّض لما أخذ منه، وجهان، من ظهور التهمة فتردّ. و هو الذي قطع به المصنف- (رحمه اللّه)- و جماعة (3). و يدلّ

____________

(1) راجع ص: 190.

(2) معاني الأخبار: 208 ح 3، الوسائل 18: 279 ب «32» من أبواب الشهادات ح 8.

(3) راجع النّهاية: 326، السرائر 2: 122، الجامع للشرائع: 541 فقد أطلقوا الحكم بعدم القبول.

193

أما لو شهد العدوّ (1) لعدوّه قبلت، لانتفاء التهمة.

____________

عليه إطلاق رواية محمد بن الصلت قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق، فأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار اللصوص، أو بشهادة من غيرهم عليهم» (1). و من وجود العدالة المانعة من التهجّم على غير الواقع.

و منع التهمة المانعة، بل هو كشهادة بعض غرماء المديون لبعض، و كما لو شهدا لاثنين بوصيّة من تركة، و شهد المشهود لهما للشاهدين بوصيّة منها أيضا.

و اختار في الدروس (2) القبول فيهما. أما في هذه الصورة فلما ذكر. و أما في صورة (3) التبعّض فلتحقّق المقتضي في أحد الطرفين، و المانع في الآخر. و كذا القول في كلّ شهادة مبعّضة.

قوله: «أما لو شهد العدوّ. إلخ».

(1) هذا إذا لم تتضمّن العداوة فسقا. و إلا لم تقبل لذلك لا للعداوة نفسها.

و لا يخفى أن الفرح بمساءة المؤمن و الحزن بمسرّته معصية، فإن كانت العداوة من هذه الجهة و أصرّ على ذلك فهو فسق. و ظهور الفسق مع التقاذف أوضح. فالجمع بين العداوة و قبول الشهادة لا يخلو من إشكال، إلا أن يفسّر الإصرار بالإكثار من الصغائر، لا بالاستمرار على واحدة مخصوصة.

____________

(1) الكافي 7: 394 ح 2، الفقيه 3: 25 ح 68، التهذيب 6: 246 ح 625، الوسائل 18: 272 ب «27» من أبواب الشهادات ح 2.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 127- 128.

(3) في بعض النسخ الخطّية:. صورة ما مع التبعّض.

194

[الثالثة: النسب و إن قرب لا يمنع قبول الشهادة]

الثالثة: النسب و إن قرب (1) لا يمنع قبول الشهادة، كالأب لولده و عليه، و الولد لوالده، و الأخ لأخيه و عليه.

و في قبول شهادة الولد على والده خلاف، و المنع أظهر، سواء شهد بمال، أو بحقّ متعلّق ببدنه، كالقصاص و الحدّ.

____________

قوله: «النسب و إن قرب. إلخ».

(1) ليس من أسباب التهمة عندنا البعضيّة، فتقبل شهادة جميع الأقرباء لأقربائهم، حتّى الابن و الأب، للأصل، و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة الولد لوالده، و الوالد لولده، و الأخ لأخيه» (1). و سأل أبو بصير أبا عبد اللّه (عليه السلام): «عن شهادة الولد لوالده، و الوالد لولده، و الأخ لأخيه، فقال: تجوز» (2).

و لا تشترط الضميمة في شهادة كلّ من الولد و الوالد و الأخو الزوجين للآخر، خلافا للشيخ في النهاية (3)، للأصل و عموم الأخبار.

و استثنى أكثر الأصحاب من شهادة القريب [على القريب] (4) شهادة الولد على والده، فحكموا بعدم قبولها، حتّى نقل الشيخ في الخلاف (5) عليه الإجماع.

و احتجّوا عليه مع ذلك بقوله تعالى وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (6)، و ليس من المعروف الشهادة عليه و الردّ لقوله و إظهار تكذيبه، فيكون ارتكاب ذلك عقوقا مانعا من قبول الشهادة.

____________

(1) الكافي 7: 393 ح 3، الوسائل 18: 270 ب «26» من أبواب الشهادات ح 1.

(2) الكافي 7: 393 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 632، الوسائل 18: 271 الباب المتقدّم ذيل ح 3.

(3) النّهاية: 330.

(4) من «د».

(5) الخلاف 6: 297 مسألة (45).

(6) لقمان: 15.

195

..........

____________

و لا يخفى عليك ضعف هذه الحجّة، فإن قول الحقّ و ردّه عن الباطل و تخليص ذمّته من الحقّ عين المعروف، كما ينبّه عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله):

«انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يا رسول اللّه كيف أنصره ظالما؟ قال: تردّه عن ظلمه، فذلك نصرك إيّاه» (1). و لأن إطلاق النهي عن عصيان الوالد يستلزم وجوب طاعته عند أمره له بارتكاب الفواحش و ترك الواجبات، و هو معلوم البطلان.

و أما دعوى الإجماع على وجه يتحقّق بها الحجّة فممنوعة، و قد خالف في ذلك المرتضى (2)- رضي اللّه عنه-، و كثير من المتقدّمين كابن الجنيد و ابن أبي عقيل لم يتعرّضوا للحكم بنفي و لا إثبات.

و يدلّ على القبول مع الأصل عموم قوله تعالى كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ (3). و قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (4).

و رواية داود بن الحصين أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول: «أقيموا الشهادة على الوالدين و الولد» (5).

و رواية عليّ بن سويد الشامي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «كتب أبي

____________

(1) صحيح البخاري 9: 28- 29، مسند أحمد 3: 99، سنن البيهقي 6: 94.

(2) راجع الانتصار: 244، و لكن ظاهره ذلك، حيث نسب عدم القبول إلى بعض الأصحاب.

(3) النساء: 135.

(4) الطّلاق: 2.

(5) الفقيه 3: 30 ح 89، التهذيب 6: 257 ح 675، الوسائل 18: 250 ب «19» من أبواب الشهادات ح 3.

196

..........

____________

في رسالته إليّ و سألته عن الشهادات لهم: فأقم الشهادة للّه و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين» (1). و روى إسماعيل بن مهران (2) مثله.

و إلى هذا القول ذهب الشهيد في الدروس (3)، مع أنه في الشرح (4) اختار المشهور، معوّلا على الإجماع المنقول بخبر الواحد.

و اعترض في المختلف (5) على الاحتجاج بالآية بأن الأمر بالإقامة لا يستلزم القبول.

و أجيب (6) بأنه لولاه لزم العبث في إقامتها، و بأنه معطوف على القبول و هو الشهادة على نفسه، و معطوف عليه بالقبول و هو الشهادة على الأقربين، فلو كان غير مقبول لزم عدم انتظام الكلام، و أنه محال.

و على القولين ففي تعدّي الحكم إلى من علا من الآباء و سفل من الأولاد وجهان، من الشكّ في صدق الأبوّة و البنوّة على الجدّ و ولد الولد بطريق الحقيقة.

و أولى بالقبول هنا لو قيل به في القريب.

و لا يتعدّى إلى الأب و الولد من الرضاعة، لعدم كونه ولدا حقيقة، و من ثمَّ لم يتبادر إليه عند الإطلاق، و صحّ سلبه عنه. مع احتمال دخوله.

و نبّه المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: «سواء شهد بمال أو بحقّ متعلّق ببدنه،

____________

(1) الكافي 7: 381 ح 3، التهذيب 6: 276 ح 757، الوسائل 18: 229 ب «3» من أبواب الشهادات ح 1.

(2) الكافي 7: 381 ذيل ح 3.

(3) الدروس الشرعيّة 2: 132.

(4) غاية المراد: 321.

(5) المختلف: 720.

(6) غاية المراد: 321.

197

و كذا تقبل (1) شهادة الزوج لزوجته، و الزوجة لزوجها، مع غيرها من أهل العدالة.

و منهم من شرط في الزوج الضميمة كالزوجة. و لا وجه له.

و لعلّ الفرق إنّما هو لاختصاص الزوج بمزيد القوّة في المزاج، [من] أن تجذبه دواعي الرغبة.

و الفائدة تظهر، لو شهد فيما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين.

و تظهر الفائدة في الزوجة، لو شهدت لزوجها في الوصيّة.

____________

كالقصاص و الحدّ» على خلاف بعض العامّة (1)، حيث حكم بقبول شهادة الولد على والده بالمال دون القصاص و الحدّ، محتجّا بأنه لا يجوز أن يكون سببا لعقوبة الأب، كما لا يقتصّ منه (2) و لا يحدّ بقذفه.

قوله: «و كذا تقبل. إلخ».

(1) لا خلاف عندنا في قبول شهادة كلّ من الزوجين للآخر، لوجود المقتضي، و انتفاء المانع، و ضعف التهمة مع وصف العدالة.

لكن شرط الشيخ- (رحمه اللّه)- في النهاية (3) انضمام عدل آخر إلى كلّ منهما، استنادا إلى صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة الرجل لامرأته، و المرأة لزوجها، إذا كان معها غيرها» (4). و موقوف (5)

____________

(1) الحاوي الكبير 17: 165، روضة الطالبين 8: 213.

(2) في «ت، ط»: به.

(3) النّهاية: 330.

(4) الكافي 7: 392- 393 ح 1، التهذيب 6: 247 ح 627، الوسائل 18: 269 ب «25» من أبواب الشهادات ح 1.

(5) في «د»: و موثّق.

198

و تقبل شهادة الصديق (1) لصديقه، و إن تأكّدت بينهما الصحبة و الملاطفة، لأنّ العدالة تمنع التسامح.

____________

سماعة قال: «سألته عن شهادة الرجل لامرأته؟ قال: نعم، و المرأة لزوجها؟ قال:

لا، إلا أن يكون معها غيرها» (1).

و جوابه: منع الدلالة، لأنه أطلق القبول في الزوج و قيّده في الزوجة، فإلحاقه بها قياس مع وجود الفارق. و أبعد منه إلحاق باقي الأقارب كما مرّ (2).

و وجه التقييد في الرواية أن المرأة لا يثبت بها الحقّ منفردة و لا منضمّة إلى اليمين، بل يشترط أن يكون معها غيرها، إلا ما استثني نادرا و هو الوصيّة، بخلاف الزوج، فإنه يثبت بشهادة الحقّ مع اليمين، و الرواية باشتراط الضميمة معها مبنيّة على الغالب في الحقوق، و هي ما عدا الوصيّة.

و المصنف- (رحمه اللّه)- وافق الشيخ في الزوجة دون الزوج، عملا بإطلاق الرواية الصحيحة. و جعل الفائدة في شهادتها له بالوصيّة، فلا تقبل في الربع، بخلاف ما لو شهدت لغيره. و فرّق بينها و بين الزوج بقوّة مزاجه و سداد عقله، بخلافها، و من ثمَّ كانت شهادة امرأتين بشهادة رجل، فلا يوثق بعدالتها أن تميل إلى مطلوبه بدواعي الطبع، بخلاف الرجل.

و الأظهر عدم اشتراط الضميمة مطلقا. و على القول بها يكفي انضمام امرأة أخرى فيما يكتفى فيه بشهادة المرأتين، كنصف الوصيّة و المال الذي يكتفى فيه بهما مع اليمين.

قوله: «و تقبل شهادة الصديق. إلخ».

(1) نبّه بالغاية على خلاف

____________

(1) التهذيب 6: 247 ح 629، الوسائل 18: 270 الباب المتقدّم ح 3.

(2) في ص: 194.

199

[الرابعة: لا تقبل شهادة السائل في كفّه]

الرابعة: لا تقبل شهادة السائل (1) في كفّه، لأنه يسخط إذا منع، و لأنّ ذلك يؤذن بمهانة النفس، فلا يؤمن على المال.

و لو كان ذلك مع الضرورة نادرا، لم يقدح في شهادته.

____________

بعض الشافعيّة (1)، حيث ذهب إلى أنه إذا كان بينهما ملاطفة و هديّة لا تقبل شهادته له. و عموم الأدلّة يمنعه. و التهمة تندفع بالعدالة.

قوله: «لا تقبل شهادة السائل. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب عدم قبول شهادة السائل في كفّه مطلقا، لصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن السائل الذي يسأل في كفّه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفّه» (2).

و موثّقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ردّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة السائل الذي يسأل في كفّه، قال أبو جعفر (عليه السلام):

لأنه لا يؤمن على الشهادة، و ذلك لأنه إن أعطي رضي، و إن منع سخط» (3). و في التعليل إيماء إلى تهمته.

و استثنى ابن إدريس (4) من دعته الضرورة إلى ذلك. و وافقه المصنف و جماعة (5) من المتأخّرين. و هو حسن.

و في حكم السائل بكفّه الطفيلي. و المراد بالسائل في كفّه من يباشر السؤال و الأخذ بنفسه، و السؤال في الكفّ كناية عنه.

____________

(1) هذا الخلاف من مالك، انظر الكافي للقرطبي 2: 894، و لم ينقل عن الشافعيّة، راجع الحاوي الكبير 17: 162- 163، حلية العلماء 8: 260- 261، المغني لابن قدامة 12: 71.

(2) الكافي 7: 397 ح 14، التهذيب 6: 244 ح 609، الوسائل 18: 281 ب «35» من أبواب الشهادات ح 1.

(3) الكافي 7: 396 ح 13، التهذيب 6: 243 ح 608، الوسائل 18: 281 الباب المتقدّم ح 2.

(4) السرائر 2: 122.

(5) تحرير الأحكام 2: 210، الدروس الشرعيّة 2: 131- 132، التنقيح الرائع 4: 299.

200

[الخامسة: تقبل شهادة الأجير و الضيف، و إن كان لهما ميل إلى المشهود له]

الخامسة: تقبل شهادة الأجير (1) و الضيف، و إن كان لهما ميل إلى المشهود له، لكن يرفع التهمة تمسّكهما بالأمانة.

____________

قوله: «تقبل شهادة الأجير. إلخ».

(1) لا خلاف في قبول شهادة الضيف من حيث هو ضيف، لعموم الأدلّة المتناولة له، و ارتفاع ريبة التهمة بواسطة التقوى. و في رواية أبي بصير قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا» (1).

و أما الأجير فاختلف الأصحاب في شأنه، فجزم المصنف- (رحمه اللّه)- و قبله ابن إدريس (2) بقبول شهادته، و عليه المتأخّرون (3)، للأصل، و عموم قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (4) وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (5).

و ذهب الشيخ في النهاية (6) و الصدوقان (7) و أبو الصلاح (8) و جماعة (9) إلى عدم قبول شهادته ما دام أجيرا، لرواية العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجيز شهادة الأجير» (10). و رواية زرعة

____________

(1) الفقيه 3: 27 ح 77، التهذيب 6: 258 ح 676، الاستبصار 3: 21 ح 64، الوسائل 18: 274 ب «29» من أبواب الشهادات ح 3.

(2) السرائر 2: 121.

(3) تحرير الأحكام 2: 210، كشف الرموز 2: 520، التنقيح الرّائع 4: 297- 298.

(4) البقرة: 282.

(5) الطلاق: 2.

(6) النهاية: 325.

(7) الهداية: 75، و حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 718.

(8) الكافي في الفقه: 436.

(9) الوسيلة: 230، غنية النزوع: 440، إصباح الشيعة: 529.

(10) الكافي 7: 394 ح 4، التهذيب 6: 246 ح 624، الاستبصار 3: 21 ح 62، الوسائل 18: 274 ب «29» من أبواب الشهادات ح 2.

201

[لواحق هذا الباب]

لواحق هذا الباب و هي ستّ:

[الأولى: الصغير و الكافر و الفاسق المعلن، إذا عرفوا شيئا، ثمَّ زال المانع عنهم]

الأولى: الصغير و الكافر و الفاسق (1) المعلن، إذا عرفوا شيئا، ثمَّ زال المانع عنهم، فأقاموا تلك الشهادة قبلت، لاستكمال شرائط القبول.

و لو أقامها أحدهم في حال المانع فردّت، ثمَّ أعادها بعد زوال المانع، قبلت.

____________

قال: «سألته عمّا يردّ من الشهود، فقال: المريب، و الخصم، و الشريك، و دافع مغرم، و الأجير» (1).

و في طريق الرواية الأولى أحمد بن فضّال عن أبيه. و الثانية ضعيفة موقوفة. فكان القول بالقبول أجود.

و يمكن حملهما على الكراهة، جمعا بينهما و بين رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «تكره شهادة الأجير لصاحبه، و لا بأس بشهادته لغيره، و لا بأس به له بعد مفارقته» (2). أو على ما إذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو شهد لمن استأجره على قصارة الثوب أو خياطته به (3) و نحو ذلك، فإنها لا تقبل قطعا.

قوله: «الصغير و الكافر و الفاسق. إلخ».

(1) عدّ بعضهم (4) من أسباب التهمة أن يدفع عار الكذب عن نفسه، فإذا شهد

____________

(1) التهذيب 6: 242 ح 599، الاستبصار 3: 14 ح 38، الوسائل 18: 278 ب «32» من أبواب الشهادات ح 3. و في المصادر: عن زرعة، عن سماعة، قال.

(2) تقدّم ذكر مصادرها في الصفحة السابقة هامش (1).

(3) في «ث، ط»: له.

(4) قواعد الأحكام 2: 237، الدروس الشرعيّة 2: 129.

202

و كذا العبد لو ردّت شهادته على مولاه، ثمَّ أعادها بعد عتقه، أو الولد على أبيه فردّت، ثمَّ مات الأب و أعادها.

أمّا الفاسق المستتر، إذا أقام فردّت، ثمَّ تاب و أعادها، فهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه، لاهتمامه بإصلاح الظاهر. لكنّ الأشبه القبول.

____________

فاسق مستتر بفسقه فردّ الحاكم شهادته ثمَّ تاب فشهادته مقبولة بعد ذلك، لكن لو أعاد تلك الشهادة قيل: لا تقبل.

و هذا بخلاف ما لو ردّت شهادة الفاسق المعلن فسقه أو العبد أو الصبيّ أو الكافر، ثمَّ تاب الفاسق و أعتق العبد و بلغ الصبيّ و أسلم الكافر، فأعادوا شهادتهم، فإنها تقبل.

و الفرق من وجهين:

أحدهما: أن العدالة و الفسق يدركان بالنظر و الاجتهاد، فإذا أدّى نظر الحاكم و اجتهاده إلى فسق الشاهد حكم بردّها، و ما حكم بردّه فقد أبطله، فليس له أن يصحّحه من تلك الجهة التي أبطله بها. و العبد و الصبيّ و الكافر و الفاسق المعلن ليس لهم أهليّة الشهادة، و ما أتوا به ليس بشهادة معتدّ بها حتّى تقبل أو تردّ، و لو علم الحاكم حالهم لم يصغ إلى كلامهم، فليس في أمرهم نظر و لا اجتهاد.

و الثاني: أن المذكورين لا يتعيّرون بردّ الشهادة. أما العبد و الصبيّ فليس إليهما نقصانهما. و أما الكافر فلا يعتقد كفره نقصانا، بل يفتخر به، و لا يبالي بردّ

203

..........

____________

شهادته، لتمسّكه بدينه. و كذا الفاسق المعلن، فإنه غير مبال بفسقه، و لا يعدّه عارا، فكان كالكافر، بخلاف الفاسق المستتر، فإنه يتعيّر بالردّ، لأن الردّ يظهر فسقه الذي يسعى في إخفائه، و يعترف بأنه نقص. و لأنه يتّهم بالكذب و المجازفة إذا ردّت شهادته، فإذا أعاد تلك الشهادة فقد يريد دفع غضاضة الكذب، أو يرى أنه كان الحاكم مخطئا في ظنّ الفسق به فلمّا تبيّن خلافه قبل شهادته، و قد يتوهّم أنه على فسقه لكن أظهر التوبة ليعيد الشهادة و يدفع العار، و مثل هذا لا يقدح في بلوغ الصبيّ و ما في معناه.

و المصنف- (رحمه اللّه)- بعد أن فرّق في الحكم بين الفاسق و المذكورين رجّح المساواة بينهم في القبول، لتحقّق العدالة الدافعة لمثل هذه التهمة. و هو حسن مع ظهور صدق توبته، و الثقة بعدم استنادها إلى ما يوجب التهمة.

و لو كان الكافر مستترا بكفره ثمَّ أسلم و أعادها فالوجهان. و كذا لو شهد على إنسان فردّت شهادته لعداوة بينهما، ثمَّ زالت العداوة فأعاد تلك الشهادة، فإن كان مستترا للعداوة فالوجهان، و إلا لم يمنع، لأن الردّ بالسبب الظاهر لا يورث عارا.

و لو شهد لمكاتبه بمال، أو لعبده بنكاح، فردّت شهادته، فأعادها بعد عتقهما، أو شهد اثنان من الشفعاء بعفو شفيع ثالث قبل أن يعفو فردّت شهادتهما، ثمَّ أعاداها بعد ما عفوا، أو شهد اثنان يرثان من رجل بجراحة عليه غير مندملة فردّت شهادتهما، ثمَّ أعاداها بعد اندمال الجراحة، قبلت في الجميع. و ربما جاء احتمال المنع من حيث التهمة بالردّ. و هو ممنوع، لظهور هذه الموانع.

204

[الثانية: قيل: لا تقبل شهادة المملوك أصلا]

الثانية: قيل: لا تقبل شهادة المملوك (1) أصلا. و قيل: تقبل مطلقا.

و قيل: تقبل إلّا على مولاه. و منهم من عكس. و الأشهر القبول إلّا على المولى.

____________

قوله: «قيل: لا تقبل شهادة المملوك. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في شهادة المملوك بسبب اختلاف الروايات، و النظر في الجمع بينها، على أقوال.

الأول: قبول شهادته مطلقا. نقله المصنف- (رحمه اللّه)- هنا عن بعض الأصحاب، و هو اختيار ابن عمّه نجيب الدين يحيى بن سعيد في جامعه (1).

و حجّته: عموم قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (2) وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (3) و غيرهما (4) من آيات العموم، فإنها تتناول المملوك كما تتناول الحرّ في أصحّ القولين للأصوليّين (5).

و خصوص صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ» (6). و هي تدلّ على جوازها على مثله بطريق أولى، لما سيأتي (7) من الروايات الدالّة على جوازها على مثله زيادة على هذه.

و رواية محمد بن مسلم أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شهادة

____________

(1) الجامع للشرائع: 540.

(2) الطلاق: 2.

(3) البقرة: 282.

(4) النساء: 6.

(5) البحر المحيط 3: 181.

(6) الفقيه 3: 26 ح 69، التهذيب 6: 249 ح 636. الاستبصار 3: 16 ح 44، الوسائل 18: 254 ب «23» من أبواب الشهادات ح 5. و في المصادر: الحرّ المسلم.

(7) في ص: 210.