مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
205

..........

____________

المملوك إذا كان عدلا فهو جائز الشهادة، إن أول من ردّ شهادة المملوك عمر، و ذلك أنه تقدّم إليه مملوك في الشهادة فقال: إن أقمت الشهادة تخوّفت على نفسي، و إن كتمتها أثمت بربّي، فقال: هات شهادتك، أما إنّا لا نجيز شهادة مملوك بعدك» (1).

و حسنة بريد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن المملوك تجوز شهادته؟ قال: نعم، إن أول من ردّ شهادة المملوك لفلان» (2).

و حسنة عبد الرحمن بن الحجّاج عنه (عليه السلام): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا» (3).

و هذه الأخبار كلّها تدلّ على القبول مطلقا، و تخصيصها على خلاف الأصل.

الثاني: عدم قبولها مطلقا. ذهب إلى ذلك الحسن بن أبي عقيل (4) من أصحابنا. و هو قول أكثر العامّة (5).

و مستنده من الأخبار صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)

____________

(1) الكافي 7: 389- 390 ح 2، التهذيب 6: 248 ح 633، الاستبصار 3: 15 ح 41، الوسائل 18:

254 ب «23» من أبواب الشهادات ح 3.

(2) الكافي 7: 390 ح 3، التهذيب 6: 248 ح 635، الاستبصار 3: 16 ح 43، الوسائل 18: 254 الباب المتقدّم ح 2.

(3) الكافي 7: 389 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 634، الاستبصار 3: 15 ح 42، الوسائل 18: 253 الباب المتقدّم ح 1.

(4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 720.

(5) حلية العلماء 8: 246، اللباب في شرح الكتاب 4: 60، الكافي للقرطبي 2: 894، روضة الطالبين 8: 199.

206

..........

____________

في حديث، و في آخره: «العبد المملوك لا تجوز شهادته» (1). و المراد بنفي الجواز نفي القبول، إذ هو الظاهر.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة ولد الزنا، قال: لا و لا عبد» (2).

و رواية سماعة قال: «سألته عمّا يردّ من الشهود، فقال: المريب، و الخصم، و الشريك، و دافع مغرم، و الأجير، و العبد، و التابع، و المتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهادتهم» (3).

و من الاعتبار أن الشهادة من المناصب الجليلة، فلا تليق بحال العبد كالقضاء. و لاستغراق وقته (4) بحقوق سيّده، فلا يتفرّغ لتحمّل الشهادة و لا لأدائها.

و لأن نفوذ القول على الغير نوع ولاية، فيعتبر فيها الحرّية كما في سائر الولايات.

و فيه نظر، لأن الجواز المنفيّ مغاير للقبول في المفهوم، فحمله عليه- خصوصا مع معارضة تلك (5) الأدلّة الكثيرة- ليس بجيّد. و من الجائز حمله على معناه بإرادة عدم جواز شهادته بدون إذن مولاه، لما في ذلك من تعطيل حقّ سيّده، و الانتفاع به بغير إذنه. و لو كان هذا خلاف الظاهر لكان المصير إليه أولى، مراعاة للجمع.

____________

(1) التهذيب 6: 249 ح 638، الاستبصار 3: 16 ح 46، الوسائل 18: 256 ب «23» من أبواب الشهادات ح 10.

(2) التهذيب 6: 244 ح 612، الوسائل 18: 277 ب «31» من أبواب الشهادات ح 6.

(3) التهذيب 6: 242 ح 599، الاستبصار 3: 14 ح 38، الوسائل 18: 278 ب «32» من أبواب الشهادات ح 3.

(4) في «ا»: رقبته.

(5) في «خ»: معارضته لتلك.

207

..........

____________

هذا مع أن صدر الرواية تضمّن قبول شهادة المملوك على أهل الكتاب، و هو ينافي عدم قبول شهادته مطلقا.

و أيضا فإن محمد بن (1) مسلم روى أيضا قبول شهادة المملوك على الحرّ المسلم، و روى (2) قبول شهادته مطلقا، فلا وجه لترجيح المنع.

و أما صحيحة الحلبي فليست صريحة في عدم القبول، و قابلة للتأويل جمعا. و اقترانه بولد الزنا في الشهادة يطرّق الاحتمال أيضا، لما سيأتي (3) من الخلاف فيه.

و أما رواية سماعة فوقوفها يوقف حالها، مضافا إلى ضعف سندها، فلا عبرة بها.

و أما كون الشهادة من المناصب المرتفعة عن مقام المملوكيّة فظاهر المنع، بل عين المتنازع، و فيما يسوغ للعبد من المناصب- كالامامة- ما هو أشرف منها.

و استغراق وقته في خدمة سيّده لا ينافي قبول شهادته، لإمكان وقوع ما لا ينافي ذلك و لو بإذنه.

فهذان القولان طرفا الأقوال، و بقي بينهما وسائط.

الثالث: قبولها مطلقا إلا على مولاه. و هذا مذهب الأكثر، و منهم

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في ص: 204 هامش (6).

(2) تقدّم ذكر مصادره في ص: 205 هامش (1).

(3) في ص: 221.

208

..........

____________

الشيخان (1)، و المرتضى (2)، و سلّار (3)، و القاضي (4)، و ابن إدريس (5)، و المصنف، و أكثر المتأخّرين (6).

و المستند التوفيق بين الأدلّة. و يناسب حمل أدلّة المنع على شهادته على مولاه مشابهته للولد في عدم قبول شهادته على والده، لاشتراكهما في وجوب الطاعة و تحريم العصيان و العقوق.

و فيه نظر، لأن حمل أخبار المنع على ذلك غير متعيّن، لما ذكرناه سابقا، و لما سيأتي (7) من الأخبار الدالّة على المنع من شهادته على غيره من الأحرار، فيمكن حملها عليه. و تشبيهه بالولد ممنوع. و لو سلّم فالأصل ممنوع أيضا. و قد تقدّم (8).

و استدلّ في المختلف (9) لعدم قبول شهادته على مولاه بصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «في رجل مات و ترك جارية و مملوكين فورثهما أخ له، فأعتق العبدين، و ولدت الجارية غلاما، فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية و أن الحمل منه، قال: تجوز شهادتهما، و يردّا

____________

(1) النّهاية: 331، المقنعة: 726.

(2) الانتصار: 246.

(3) المراسم: 232.

(4) المهذّب 2: 557.

(5) السرائر 2: 135.

(6) المختلف: 721، غاية المراد: 322، التنقيح الرائع 4: 301.

(7) في ص: 210.

(8) في ص: 195.

(9) المختلف: 721.

209

..........

____________

عبدين كما كانا» (1). قال: «و هي دالّة على قبول شهادته لسيّده، و المنع من قبولها على سيّده، و إلا لم يكن للعتق فائدة» (2).

و في كلّ منهما نظر:

أما الأول فلأنهما حين الشهادة لم يكونا شاهدين لسيّدهما ظاهرا، لأن مولويّة الولد إنما تحقّقت بعد شهادتهما و حكم الحاكم بها. نعم، شهادتهما مع الحكم كشفا عن كون الشهادة في نفس الأمر للمولى، و لا يلزم منه قبولها مع ظهور الأمر [له] (3).

و أمّا الثاني فلأن لفظ العتق لم يقيّد به الامام ليكون دليلا على اعتباره في القبول، بل هو في (4) لفظ الراوي بيانا للواقع. سلّمنا لكن مفهوم الصفة ليس بحجّة عنده.

و الشيخ في الاستبصار (5) حملها على أنها شهادة في الوصيّة، فتقبل فيها لا غير، كما تقبل شهادة عدول الذمّة عند عدم المسلمين.

الرابع: عكسه. و هو عدم قبولها مطلقا إلا على مولاه. و هذا القول نقله المصنف- (رحمه اللّه)- هنا أيضا، و كذلك العلامة في القواعد (6)، و لم نعلم قائله.

____________

(1) التهذيب 6: 250 ح 642، الاستبصار 3: 17 ح 50، الوسائل 18: 255 ب «23» من أبواب الشهادات ح 7.

(2) المختلف: 721.

(3) من «ت».

(4) في الحجريّتين: من.

(5) الاستبصار 3: 17 ذيل ح 50.

(6) قواعد الأحكام 2: 238.

210

..........

____________

و وجهه: الجمع بين الأخبار أيضا، بحمل أخبار القبول [بكونها] (1) على مولاه، و المانعة على غيره.

و لا يخفى عدم الموجب لهذا التخصيص. مضافا إلى ما ذكرناه سابقا من وجوه ترجيح غيره.

الخامس: قبولها على مثله و على الكافر، و ردّها على الحرّ المسلم. و هو مذهب أبي علي بن الجنيد (2). و حجّته- مع الجمع بين تلك الأخبار- قول الباقر (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم: «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم» (3). و التقييد بالصفة يدلّ على نفي الحكم عمّا عدا الموصوف. و على تقدير عدم حجّية مفهوم الوصف فيستدلّ على قبول شهادته على الذمّي بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب» (4). و على العبد بما روي عن عليّ (عليه السلام) أنه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض، و لا يقبل شهادتهم على الأحرار. ذكر ذلك الشيخ في الخلاف (5).

و فيه نظر، لأن رواية محمد بن مسلم المذكورة معارضة بروايته أيضا الصحيحة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ

____________

(1) من «خ، د، م».

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 720.

(3) التهذيب 6: 249 ح 637، الاستبصار 3: 16 ح 45، الوسائل 18: 256 ب «23» من أبواب الشهادات ح 12.

(4) الفقيه 3: 28 ح 81، التهذيب 6: 249 ح 638، الاستبصار 3: 16 ح 46، الوسائل 18: 254 الباب المتقدّم ح 4، و في الفقيه: عن أبي جعفر (عليه السلام).

(5) الخلاف 6: 269 مسألة (19).

211

..........

____________

المسلم» (1). و الرواية الثانية لا تدلّ على نفي قبولها على غير أهل الكتاب إلا بالمفهوم الضعيف. و الرواية الثالثة ليس لها استناد (2) يعتمد، و قد عارضها رواية عبد الرحمن بن الحجّاج أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: «لا بأس بشهادة المملوك» (3) من غير تقييد بكون شهادته على مثله.

السادس: قبولها لغير مولاه و عليه، و ردّها له و عليه. ذهب إلى ذلك أبو الصلاح (4) (رحمه اللّه). و حاول به أيضا الجمع بين الأخبار، و أن في شهادته لمولاه تهمة بجرّة النفع إليه، و عليه عقوق و معصية. و قد تقدّم (5) ما فيه.

السابع: قال ابنا بابويه: «لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيّده» (6).

و هو يعطي المنع ممّا عدا ذلك من حيث المفهوم لا المنطوق. و إطلاق شهادته لغير سيّده يشمل شهادته له على سيّده، و يخرج بمفهومها شهادته لسيّده على غيره.

و في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه؟ فقال: تجوز في الدّين و الشيء اليسير» (7).

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 204 هامش (6).

(2) في «خ، ط»: اسناد.

(3) الكافي 7: 389 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 634، الاستبصار 3: 15 ح 42، الوسائل 18:

253 ب «23» من أبواب الشهادات ح 1.

(4) الكافي في الفقه: 435.

(5) في ص: 208.

(6) المقنع: 133، و حكاه عنهما العلامة في المختلف: 720.

(7) التهذيب 6: 250 ح 640، الاستبصار 3: 17 ح 48، الوسائل 18: 255 ب «23» من أبواب الشهادات ح 8.

212

و لو أعتق، (1) قبلت شهادته و على مولاه.

و كذا حكم المدبّر (2) و المكاتب المشروط. أما المطلق، إذا أدّى من مكاتبته [شيئا]، قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرّر منه.

و فيه تردّد، أقربه المنع.

____________

قوله: «و لو أعتق. إلخ».

(1) لوجود المقتضي للقبول و هو الحرّية مع باقي الشرائط، و انتفاء المانع، إذ ليس إلا الرقّية و قد زالت. لكن لو كان قد أدّاها حال الرقيّة فردّت افتقر إلى إعادتها بعده، لأن السابقة مردودة فلا يبنى عليها. و كذا لو شهد الولد على والده ثمَّ مات الأب فأقامها بعده.

قوله: «و كذا حكم المدبّر. إلخ».

(2) المدبّر قبل موت مولاه بحكم القنّ. و كذا المكاتب المشروط، سواء أدّى شيئا من مال الكتابة أم لا، لبقائه على الرقّية ما بقي عليه شيء و إن قلّ، و عوده إليها لعجزه عنه كذلك.

أما المطلق، فإن لم يؤدّ شيئا فكذلك، لأن المقتضي للقبول هو الحرّية و لم تحصل.

و إن أدّى شيئا، قال الشيخ في النهاية (1) و ابن الجنيد (2) و القاضي (3) و جماعة (4): تقبل شهادته بنسبة ما أدّى إلى جملة المال، و تردّ حيث تردّ شهادة القنّ بنسبة المتخلّف، لانتفاء المانع عن ذلك البعض، و لرواية أبي بصير قال:

____________

(1) النّهاية: 331، و لكن ذكر ذلك فيما إذا شهد على سيّده.

(2) حكاه عنه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4: 430.

(3) المهذّب 2: 557، و لكن ذكر ذلك فيما إذا شهد لسيّده.

(4) الوسيلة: 230- 231، الجامع للشرائع: 540.

213

[الثالثة: إذا سمع الإقرار صار شاهدا]

الثالثة: إذا سمع الإقرار (1) صار شاهدا، و إن لم يستدعه المشهود عليه. و كذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا، كالبيع و الإجارة و النكاح و غيره.

و كذا لو شاهد الغصب أو الجناية. و كذا لو قال له الغريمان: لا تشهد علينا، فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما. و كذا لو خبأ (1)، فنطق المشهود عليه مسترسلا.

____________

«سألته عن شهادة المكاتب- إلى قوله- فإن كان أدّى النصف أو الثلث فشهد لك بألف على رجل، أعطيت من حقّك بحساب ما أعتق» (2).

و الرواية موقوفة، فمن ثمَّ قرّب المصنف- (رحمه اللّه)- المنع و إلحاقه بالقنّ إلى أن تكمل حرّيته.

و وجه القرب: أن المانع من قبول شهادته هو الرقّية، و المانع لم يزل بالكلّية، فيستصحب الحكم إلى أن يزول. و هذا هو الأقوى.

قوله: «إذا سمع الإقرار. إلخ».

(1) المعتبر في قبول شهادة الشاهد مع استجماعه للصفات المعتبرة فيه علمه بما يشهد به، سواء كان سبب العلم استدعاء المشهود له و عليه أم اتّفاق علمه بالواقعة، لاشتراك الجميع في المقتضي و هو العلم، حتّى لو فرض سماعه العقد و نحوه منهما أو تحاسبهما أو تصادقهما [معا] (3) فقالا له: لا تشهد علينا، فهذا القول لاغ، و له (4) بل عليه أن يشهد بما علم، لشمول الأدلّة لذلك كلّه.

____________

(1) خبأ الشيء: ستره. لسان العرب 1: 62.

(2) التهذيب 6: 279 ح 767، الوسائل 18: 257 ب «23» من أبواب الشهادات ح 14، مع اختلاف في بعض اللفظ.

(3) من «ت».

(4) سقط من «خ، ط».

214

[الرابعة: التبرّع بالشهادة قبل السؤال يطرّق التهمة، فيمنع القبول]

الرابعة: التبرّع بالشهادة (1) قبل السؤال يطرّق التهمة، فيمنع القبول.

أمّا في حقوق اللّه، أو الشهادة للمصالح العامّة، فلا يمنع، إذ لا مدّعي لها. و فيه تردّد.

____________

و كذا تقبل شهادة من خبأ و جلس في زاوية مستخفيا لتحمّل الشهادة. و لا يحمل ذلك على الحرص، إذ الحاجة قد تدعوا إليه، بأن يقرّ من عليه الحقّ إذا خلا به المستحقّ و يجحد إذا حضر غيره. و لأن الحرص على التحمّل لا على الأداء.

و يظهر من كلام ابن الجنيد (1) عدم قبول شهادته. و هو مذهب بعض العامّة (2). و فرّق آخرون (3) بين كون المشهود عليه ممّن يتخدّع (4) و غيره، فقبل الشهادة على الثاني دون الأول. و عموم الأدلّة- و منها قوله تعالى إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (5)- يشمله.

قوله: «التبرّع بالشهادة. إلخ».

(1) من أسباب التهمة الحرص على الشهادة بالمبادرة إليها قبل استنطاق الحاكم، سواء كان بعد دعوى المدّعي أم قبله.

و اعلم أن الحقوق على ضربين: ضرب يمنع المبادرة إلى الشهادة بها من قبولها، و هو حقوق الآدميّين المحضة. و ضرب مختلف فيه، و هو حقوق اللّه تعالى المحضة، كالزنا و شرب الخمر و الوقف على المصالح العامّة كالمساجد، أو للّه

____________

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 727، و الشهيد في الدروس الشرعيّة 2: 131.

(2) المغني لابن قدامة 12: 102، روضة الطالبين 8: 217.

(3) الكافي للقرطبي 2: 898- 899.

(4) في «م»: يخدع.

(5) الزخرف: 86.

215

..........

____________

تعالى فيه حقّ و إن كان مشتركا، كحدّ القذف، و الوقف على منتشرين، و العتق و الوقف على معيّن إن قلنا بانتقال الملك إلى اللّه تعالى. و تسمّى الشهادة على هذا القسم على وجه المبادرة شهادة الحسبة.

فالمبادر في القسم الأول لا تقبل شهادته. و في الخبر أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال في معرض الذمّ: «ثمَّ يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها» (1).

و في لفظ آخر: «ثمَّ يفشوا الكذب حتّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (2). و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» (3).

فجمع بين الحديثين بحمل الأول على الأول، و الثاني على الثاني.

و المصنف- (رحمه اللّه)- تردّد في عدم المنع في القسم الثاني. و وجه التردّد من عموم الأدلّة الدالّة على الردّ، و تطرّق التهمة، و من ثبوت الفرق الموجب لاختصاص الحكم بالأول، لأن هذه الحقوق لا مدّعي لها، فلو لم يشرع فيها التبرّع لتعطّلت، و هو غير جائز. و لأنه نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هو واجب، و أداء الواجب لا يعدّ تبرّعا. و هذا هو الأقوى.

إذا تقرّر ذلك، فالتبرّع بالشهادة في موضع المنع ليس جرحا (4) عندنا حتّى لا تقبل شهادته في غير تلك الواقعة، لأن الحرص المذكور ليس بمعصية، فتسمع شهادته في غيرها و إن لم يتب عمّا وقع و لا استبرئ من ذلك مدّة، و إنما الردّ

____________

(1) مسند أحمد 4: 426، تلخيص الحبير 4: 204 ح 2130.

(2) سنن ابن ماجه 2: 791 ح 2363، تلخيص الحبير 4: 204 ذيل ح 2130.

(3) مسند أحمد 5: 193، صحيح مسلم 3: 1344 ح 19، سنن أبي داود 3: 304 ح 3956، سنن الترمذي 4: 472 ح 2295 و 2297، سنن البيهقي 10: 159.

(4) في «ت، ط»: حرجا، و في «خ»: حرصا.

216

[الخامسة: المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته]

الخامسة: المشهور بالفسق (1) إذا تاب لتقبل شهادته، الوجه أنها لا تقبل حتّى يستبان استمراره على الصلاح. و قال الشيخ: يجوز أن يقول:

تب أقبل شهادتك.

____________

لمعنى حاصل في نفس الواقعة، و لا يلزم منه حصوله في غيرها.

و لو أعاد تلك الشهادة في مجلس آخر على وجهها ففي قبولها وجهان، من بقاء التهمة في الواقعة، و اجتماع الشرائط في الشهادة الثانية. و هذا أجود.

و ذهب بعض العامّة (1) إلى أنه يصير بذلك مجروحا، و أن المبادرة غير جائزة.

و اختلفوا في كونها من الصغائر أو الكبائر. و فرّعوا عدم قبولها إذا أعادها- كالشهادة المردودة بعلّة الفسق- على الثاني، و تقبل على الأول.

قوله: «المشهور بالفسق. إلخ».

(1) التوبة المعتبرة تنقسم إلى ما هي بين العبد و بين اللّه تعالى، و هي التي يندفع بها إثم الذنب، و إلى توبة في الظاهر، و هي التي يتعلّق بها عود (2) الشهادات و الولايات.

فأما التوبة الأولى فهي أن يندم على ما مضى، و يترك فعله (3) في الحال، و يعزم على أن لا يعود إليه، و يكون الباعث على ترك القبيح قبحه.

ثمَّ إن كانت المعصية لا يتعلّق بها حقّ للّه تعالى و لا للعباد، كالاستمتاع بما دون الوطء، فلا شيء عليه سوى ذلك.

و إن تعلّق بها حقّ مالي، كمنع الزكاة و كالغصب و الجنايات في أموال الناس، فيجب مع ذلك تبرئة الذمّة منه، بأن يؤدّي الزكاة، و يردّ أموال الناس إن

____________

(1) انظر روضة الطالبين 8: 217.

(2) في «ت»: قبول.

(3) في «ا، ت، ث، ط»: مثله.

217

..........

____________

بقيت، و يغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحلّ من المستحقّ فيبرؤه منها. و لو كان معسرا نوى الغرامة له إذا قدر.

و إن تعلّق بالمعصية حقّ ليس بمالي، كما لو زنى أو شرب، فإن لم يظهر، فيجوز أن يظهره و يقرّ به ليقام عليه الحدّ، و يجوز أن يستره. و هو الأولى.

فإن ظهر فقد فات الستر، فيأتي الحاكم ليقيم عليه الحدّ، إلا أن يكون ظهوره قبل قيام البيّنة عليه عند الحاكم، كما سيأتي (1) من سقوط الحدّ بالتوبة قبل قيام البيّنة مطلقا.

و إن كان حقّا للعباد، كالقصاص و القذف، فيأتي المستحقّ و يمكّنه من الاستيفاء. فإن لم يعلم المستحقّ وجب في القصاص أن يخبره و يقول: أنا الذي قتلت أباك مثلا، و لزمني القصاص، فإن شئت فاقتصّ، و إن شئت فاعف.

و في القذف و الغيبة إن بلغه فالأمر كذلك، و إن لم يبلغه فوجهان، من أنه حقّ آدميّ فلا يزول إلا من جهته، و إليه ذهب الأكثر، و من استلزامه زيادة الأذى و وغر (2) القلوب.

و على الأول فلو تعذّر الاستحلال منه بموته أو امتناعه فليكثر من الاستغفار و الأعمال الصالحة، عسى أن يكون عوضا عمّا يأخذه يوم القيامة من حسناته إن لم يعوّضه اللّه تعالى عنه. و لا اعتبار فيه بتحليل الورثة و إن ورثوا حدّ القذف.

____________

(1) في ص: 358.

(2) الوغر: الحقد و الضغن و العداوة.

218

..........

____________

أما الحقّ المالي إذا مات مستحقّه، فإنه ينتقل إلى وارثه، و يبرأ بدفعه إليهم و بإبرائهم منه. و هكذا ينتقل من وارث إلى آخر. و متى دفع هو أو أحد من ورثته أو بعض المتبرّعين إلى الوارث في بعض الطبقات برئ منه. و إن بقي إلى يوم القيامة ففي مستحقّه حينئذ أوجه:

أحدها: رجوعه إلى صاحب الحقّ الأول. و هو المرويّ في الصحيح عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتّى مات، ثمَّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذ الورثة لهم، و ما بقي فهو للميّت يستوفيه منه في الآخرة، و إن هو لم يصالحهم على شيء حتّى مات و لم يقض عنه فهو للميّت يأخذه به» (1).

و المراد بالصلح على شيء في الأول إما على بعض الحقّ مع إبقاء البعض في ذمّته، أو الصلح على وجه غير لازم، إما لاستلزامه الربا، أو لعدم علم المستحقّ بمقدار الحقّ مع علم من عليه الحقّ به، أو نحو ذلك، و إلا فلو وقع على الجميع برئ منه و إن كان بأقلّ، و هو صلح الحطيطة، كما تقدّم في بابه (2).

و الوجه الثاني: أنه يكتب الأجر لكلّ وارث مدّة عمره، أو عوض المظلمة، ثمَّ يكون لآخر وارث و لو بالعموم كالإمام، لأن ذلك هو قضيّة التوارث لما يترك الميّت بعموم الكتاب (3) و السنّة (4).

____________

(1) الكافي 5: 259 ح 8، التهذيب 6: 208 ح 480، الوسائل 13: 166 ب «5» من أبواب أحكام الصلح ح 4.

(2) راجع ج 4: 261- 262.

(3) النساء: 11- 12.

(4) الوسائل 17: 414 أبواب موجبات الإرث.

219

..........

____________

و الثالث: أنه ينتقل بعد موت الكلّ إلى اللّه تعالى، لأنه الباقي بعد فناء كلّ شيء، و هو يرث الأرض و من عليها، و هو خير الوارثين. و أصحّها الأول.

و أما التوبة الظاهرة، فالمعاصي تنقسم إلى فعليّة و قوليّة. أما القوليّة- كالقذف- فقد تقدّم (1) الكلام في توبته. و أما الفعليّة- كالزنا و السرقة و الشرب- فإظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة و عود الولاية، لأنه لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غاية و غرض فاسد، فيختبر مدّة يغلب على الظنّ فيها أنه قد أصلح عمله و سريرته و أنه صادق في توبته. و لا يتقدّر ذلك بمدّة معيّنة، لاختلاف الأمر فيه باختلاف الأشخاص و أمارات الصدق. و عند بعض العامّة (2) يتقدّر بمضيّ الفصول الأربعة، لأن لها أثرا بيّنا في تهييج النفوس و انبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة. و اكتفى بعضهم (3) بستّة أشهر، لظهور عوده إن كانت فيها غالبا.

و لو كانت المعصية ممّا يترتّب عليها حقّ مالي فلا بدّ من التخلّص منه كالأولى. هذا هو المشهور بين الأصحاب.

و ذهب الشيخ في موضع من المبسوط (4) إلى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة، مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل.

و أجيب (5) بمنع اعتبار توبته حينئذ، لأن التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن

____________

(1) في ص: 173.

(2) الحاوي الكبير 17: 31، المغني لابن قدامة 12: 81، روضة الطالبين 8: 221.

(3) الحاوي الكبير 17: 31، المغني لابن قدامة 12: 82، روضة الطالبين 8: 222.

(4) المبسوط 8: 179.

(5) غاية المراد: 319- 320.

220

[السادسة: إذا حكم الحاكم، ثمَّ تبيّن في الشهود ما يمنع القبول]

السادسة: إذا حكم الحاكم، (1) ثمَّ تبيّن في الشهود ما يمنع القبول، فإن كان متجدّدا بعد الحكم لم يقدح، و إن كان حاصلا قبل الإقامة، و خفي عن الحاكم، نقض الحكم [إذا علم].

____________

القبيح لقبحه، و هاهنا ظاهرها أنها لا لقبحه بل لقبول الشهادة.

و فيه نظر، لأنه لا يلزم من قوله: «تب أقبل شهادتك» كون التوبة لأجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علّة في القبول، أما أنه غاية لها فلا. و أيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة، و المغيّاة بقبول شهادته ليست كذلك.

نعم، مرجع كلام الشيخ إلى أن مضيّ الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة. و الأمر كذلك إن فرض غلبة ظنّ الحاكم بصدقه في توبته في الحال، و إلا فالمعتبر ذلك.

قوله: «إذا حكم الحاكم. إلخ».

(1) إذا حكم الحاكم بشهادة اثنين ثمَّ بان له ما يمنع قبول الشهادة، فإن كان المانع متجدّدا بعد الحكم- كالكفر و الفسق- لم ينقض الحكم مطلقا، لوقوعه بشهادة عدلين. و إن كان حدوثه بعد الشهادة و قبل الحكم فسيأتي (1) البحث فيه.

و إن كان حاصلا قبل الإقامة و خفي على الحاكم، كما لو تبيّن له أنهما كانا كافرين أو صبيّين أو عبدين على وجه لا تقبل فيه شهادتهما، أو امرأتين، أو عدوّين للمشهود عليه، أو أحدهما عدوّا أو ولدا له على القول به، نقض حكمه، لأنه تيقّن الخطأ فيه، كما لو حكم باجتهاده ثمَّ ظهر النصّ بخلافه.

____________

(1) في ص: 294.

221

[الوصف السادس: طهارة المولد]

الوصف السادس: طهارة المولد (1) فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا. و قيل: تقبل في اليسير مع تمسّكه بالصلاح، و به رواية نادرة. و لو جهلت حاله، قبلت شهادته، و إن نالته بعض الألسن.

____________

و لو تبيّن لقاض آخر أنه حكم بشهادتهما كذلك نقض حكمه أيضا، إلا في صورة الحكم بالعبدين و الولد مع اختلافهما في الاجتهاد و ذهاب الحاكم إلى قبول شهادتهما، فليس للثاني نقضه حينئذ. و لو كان موافقا له في الاجتهاد بعدم قبول شهادتهما فاتّفق غلطه نقضه أيضا. و طريق ثبوت فسقهما سابقا يحصل بحضور جارحين لهما بأمر سابق على الشهادة.

فرع: لو قال القاضي بعد الحكم بشهادة شاهدين: قد بان لي أنهما كانا فاسقين، و لم يظهر بيّنة تشهد بفسقهما، ففي تمكينه من نقضه وجهان أظهرهما ذلك، بناء على جواز قضائه بعلمه.

و لو قال: أكرهت على الحكم بقولهما، و كنت أعرف فسقهما، قبل قوله من غير بيّنة على الإكراه، مع ظهور أمارته، كما لو كان قاضيا من قبل سلطان جائر يظهر في حقّه ذلك، و إلا فوجهان، و لعلّ القبول أقوى مطلقا.

قوله: «طهارة المولد. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب- و منهم الشيخ في الخلاف (1) و المرتضى (2) مدّعيا عليه الإجماع- عدم قبول شهادة ولد الزنا مطلقا. و اختلفوا في تعليله، فالجمهور علّلوه بورود الأخبار الصحيحة بذلك، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه

____________

(1) الخلاف 6: 309 مسألة (57).

(2) الانتصار: 247.

222

..........

____________

(عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة ولد الزنا فقال: لا و لا عبد» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تجوز شهادة ولد الزنا» (2).

و رواية أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد الزنا أ تجوز شهادته؟ قال: لا، قلت: إن الحكم يزعم أنها تجوز، فقال: اللّهم لا تغفر ذنبه» (3).

و رواية عبيد بن زرارة عن أبيه قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

لو أن أربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا و فيهم ولد زنا لحددتهم جميعا، لأنه لا تجوز شهادته، و لا يؤمّ الناس» (4).

و أجودها سندا الخبر الأول، لكن دلالته لا تخلو من قصور. و أما الثاني فصحّته ممنوعة، و إن شهد له بها العلامة في المختلف (5) و ولده في الشرح (6)، لأن في طريقه محمد بن عيسى عن يونس، و هو مقدوح إما مطلقا، أو على هذا الوجه. و في طريق الثالث أبان و أبو بصير، و هما مشتركان بين الثقة و غيره. و في طريق الرابع ابن فضّال، و حاله مشهور.

و علّله ابن إدريس (7) بأن ولد الزنا كافر، محتجّا بالإجماع، فمن ثمَّ لا تقبل شهادته كغيره من الكفّار. و الدعوى للحكم و الإجماع ممنوعان.

____________

(1) التهذيب 6: 244 ح 612، الوسائل 18: 277 ب «31» من أبواب الشهادات ح 6.

(2) الكافي 7: 395 ح 6، التهذيب 6: 244 ح 613، الوسائل 18: 276 الباب المتقدّم ح 3.

(3) الكافي 7: 395 ح 4، التهذيب 6: 244 ح 610، الوسائل 18: 275- 276 الباب المتقدّم ح 1.

(4) الكافي 7: 396 ح 8، التهذيب 6: 244 ح 614، الوسائل 18: 276 الباب

المتقدّم ح 4.

(5) المختلف: 718- 719.

(6) إيضاح الفوائد 4: 425.

(7) السرائر 2: 122.

223

..........

____________

و احتجّ له المرتضى [1] بالإجماع، و بالخبر الذي ورد أن ولد الزنا لا ينجب.

و أجاب عن ظواهر الآيات التي تقتضي قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا، و أنه وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ (2)، فلا يتعدّى إليه ذنب من خلق من نطفته: بأن اللّه تعالى قد علم ممّن خلق من نطفة زنا أن لا يختار هو الخير و الصلاح، فإذا علمنا بدليل قاطع أنه لا ينجب لم يلتفت إلى ما يظهره من الإيمان و العدالة، لأنه يفيد ظنّ صدقه، و نحن قاطعون بخبث باطنه و قبح سريرته، فلا تقبل شهادته.

و هذا كلّه مبنيّ على ثبوت الخبر الوارد بذلك، بل تواتره، لأن غير المتواتر لا يوجب الحجّة عنده، و نحن و من قبلنا لم يمكنّا إثباته بسند معتمد، فضلا عن كونه متواترا.

و اعتذر له في المختلف (3) بجواز كونه متواترا في زمانه ثمَّ انقطع. و لا يخفى ما فيه من التكلّف و ظهور المنع.

و علّله ابن الجنيد- (رحمه اللّه)- بورود الخبر أنه شرّ الثلاثة (4)، و عنى به هو و الزانيين. قال: «فإذا كنّا لا نقبل شهادة الزاني و الزانية، كان ردّ شهادة من هو شرّ منهما أولى» (5).

____________

[1] راجع الانتصار: 247- 248، و لكن حكى إجماع طائفتنا على أن ولد الزنا لا يكون نجيبا، لا أنه خبر وارد. نعم، احتجّ بالخبر الذي يروي بأن ولد الزنا لا يدخل الجنّة. و رواه الماوردي في الحاوي الكبير 17: 210، و البيهقي في سننه 10: 58، و الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 257.

____________

(2) الأنعام: 164.

(3) المختلف: 719.

(4) علل الشرائع: 564 ب «363» ح 2، سنن أبي داود 4: 29 ح 3963، المعجم الكبير للطبراني 10:

346 رقم 10674، سنن البيهقي 10: 57.

(5) الانتصار: 248.

224

..........

____________

و اعترضه المرتضى- رضي اللّه عنه-: «بأنه خبر واحد لا يوجب علما و لا عملا، و لا يرجع بمثله عن ظواهر الآيات الموجبة للعلم» (1). و بانتقاضه بما لو تاب الزانيان، فإن شهادتهما تقبل إجماعا، فلا يلزم عدم قبول شهادته أبدا.

و إيراده الثاني متوجّه. أما الأول فهو مشترك بين خبريهما، فلا وجه للتخصيص.

و وراء هذا القول قولان آخران:

أحدهما: للشيخ في المبسوط (2) أنه تقبل شهادته مع عدالته في الزنا و غيره، نقل ذلك عن قوم. قال: «و هو قويّ، لكن أخبار أصحابنا تدلّ على أنه لا تقبل شهادته». و مجرّد معارضة أخبار أصحابنا (3) لا يقتضي الرجوع عمّا قوّاه، لجواز العدول عن الأخبار لوجه يقتضيه، فقد وقع له كثيرا. و وجه العدول واضح، فإن عموم الأدلّة من الكتاب (4) و السنّة (5) على قبول شهادة العدل ظاهرا يتناول ولد الزنا، و من ثمَّ ذهب إليه أكثر من خالفنا (6).

و الثاني: قوله في النهاية (7) أنه تقبل شهادته في الشيء اليسير دون الكثير، استنادا إلى رواية عيسى بن عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن

____________

(1) الانتصار: 248.

(2) المبسوط 8: 228.

(3) كذا في «أ»، و في سائر النسخ: أصحابه.

(4) الطلاق: 2.

(5) الوسائل 18: 288 ب «41» من أبواب الشهادات.

(6) اللباب في شرح الكتاب 4: 64، الحاوي الكبير 17: 210، حلية العلماء 8: 253، المغني لابن قدامة 12: 74، روضة الطالبين 8: 219.

(7) النّهاية: 326.

225

..........

____________

شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحا» (1). و إطلاق المنع من قبولها محمول على الكثير جمعا. و قد ورد أيضا في العبد المقترن (2) به رواية بقبول شهادته في اليسير، رواها ابن أبي يعفور في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه، فقال: تجوز في الدّين و الشيء اليسير» (3).

و أجاب في المختلف (4): «بالقول بالموجب، فإن قبول شهادته في الشيء اليسير يعطي المنع من قبول اليسير من حيث المفهوم، إذ لا يسير إلا و هو كثير بالنسبة إلى ما دونه، فإذن لا تقبل شهادته إلا في أقلّ الأشياء الذي ليس بكثير بالنسبة إلى ما دونه، إذ لا دون له، و مثله لا يملك».

و لا يخفى ما في هذا الجواب من التكلّف، فإن اليسير منزّل على العرف حيث لا معيّن له شرعا، و اليسير الإضافي داخل في العرف.

نعم، يمكن القدح في الرواية باشتراك عيسى بن عبد اللّه بين الثقة و غيره، فلا تعارض روايته تلك الأخبار الكثيرة أو عموم الكتاب و السنّة الدالّين على القبول مطلقا.

____________

(1) التهذيب 6: 244 ح 611، الوسائل 18: 276 ب «31» من أبواب الشهادات ح 5.

(2) في «ت»: القنّ و به رواية.

(3) التهذيب 6: 250 ح 640، الاستبصار 3: 17 ح 48، الوسائل 18: 255 ب «23» من أبواب الشهادات ح 8.

(4) المختلف: 719.

226

[الطرف الثاني في ما به يصير شاهدا]

الطرف الثاني في ما به يصير شاهدا (1) و الضابط: العلم، لقوله تعالى وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، و لقوله (عليه السلام) و قد سئل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».

و مستندها: إمّا المشاهدة، أو السماع، أو هما.

فما يفتقر إلى المشاهدة الأفعال، لأنّ آلة السمع لا تدركها، كالغصب، و السرقة، و القتل، و الرضاع، و الولادة، و الزنا، و اللواط. فلا يصير شاهدا بشيء من ذلك، إلّا مع المشاهدة. و يقبل فيه شهادة الأصمّ.

و في رواية: يؤخذ بأوّل قوله لا بثانيه. و هي نادرة.

____________

قوله: «في ما به يصير شاهدا. إلخ».

(1) الأصل في الشهادة البناء على العلم و اليقين، قال اللّه تعالى وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1)، أي: لا تتّبعه فتقول فيه بغير علم. يقال: قفوته أقفوه و قفيته إذا اتّبعت أثره. و قال تعالى إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (2). و قال (صلّى اللّه عليه و آله) لمن سأله عن الشهادة: «ترى الشمس؟ فقال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع» (3).

إلّا أن من الحقوق ما لا يحصل اليقين فيه، و لا يستغنى عن إقامة البيّنة عليه، فأقيم الظنّ المؤكّد فيه مقام اليقين، و جوّزت الشهادة بناء على ذلك الظنّ،

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) الزخرف: 86.

(3) عوالي اللئالي 3: 528 ح 1، الدرّ المنثور 8: 195.

227

..........

____________

كما سيأتي (1) عند بعض. و بعضهم طرّد الباب.

و قد قسّم المصنف- (رحمه اللّه)- و غيره (2) من الفقهاء المشهود به على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يكفي فيه الإبصار، و هو الأفعال، كالزنا و الشرب، و الغصب و الإتلاف و السرقة، و القتل، و الولادة و الرضاع، و الاصطياد و الإحياء، و كون المال في يد الشخص، فيشترط فيها الرؤية المتعلّقة بها و بفاعلها، و لا يجوز بناء الشهادة فيها على السماع من الغير.

و تقبل فيها شهادة الأصمّ، إذ لا مدخل للسمع فيها، و لعموم الأدلّة المتناولة له.

و ذهب الشيخ في النهاية (3) و تلميذه القاضي (4) إلى أنه يؤخذ بأول قوله، و لا يؤخذ بثانيه، استنادا إلى رواية جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة الأصمّ في القتل، قال: يؤخذ بأول قوله، و لا يؤخذ بثانيه» (5).

و أجيب بضعف سند الرواية، فإن في طريقها سهل بن زياد. و بالقول بالموجب، فإن قوله الثاني إن كان منافيا للأول ردّت شهادته، لأنه رجوع عمّا شهد به أولا، فلا يقبل، و إن لم يكن منافيا لم يكن ثانيا، بل شهادة أخرى مستأنفة.

____________

(1) في الصفحة التالية.

(2) قواعد الأحكام 2: 239، الدروس الشرعيّة 2: 134.

(3) النّهاية: 327.

(4) المهذّب 2: 556.

(5) الكافي 7: 400 ح 3، التهذيب 6: 255 ح 664، الوسائل 18: 296 ب «42» من أبواب الشهادات ح 3.

228

و ما يكفي فيه السّماع: (1) فالنسب، و الموت، و الملك المطلق، لتعذّر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب.

و يتحقّق كلّ واحد من هذه، بتوالي الأخبار من جماعة، لا يضمّهم قيد المواعدة، أو يستفيض ذلك حتى يتاخم العلم. و في هذا عندي تردّد.

و قال الشيخ (رحمه اللّه): لو شهد عدلان فصاعدا، صار السامع متحمّلا و شاهد أصل، لا شاهدا على شهادتهما، لأنّ ثمرة الاستفاضة الظنّ، و هو حاصل بهما. و هو ضعيف، لأنّ الظنّ يحصل بالواحد.

____________

و في هذا القسم الأخير نظر. و كيف كان، فالوجه القبول مطلقا.

قوله: «و ما يكفي فيه السماع. إلخ».

(1) هذا هو القسم الثاني، و هو ما يكفي فيه السماع، فمنه النسب، فيجوز أن يشهد بالتسامع أن هذا الرجل ابن فلان، و أن هذه المرأة إذا عرفها بعينها بنت فلان، أو أنهما من قبيلة كذا، لأنه أمر لا مدخل للرؤية فيه، و غاية الممكن رؤية الولادة على فراش الإنسان، لكن النسب إلى الأجداد المتوفّين و القبائل القديمة لا يتحقّق فيه الرؤية و معرفة الفراش، فدعت الحاجة إلى اعتماد التسامع.

و مقتضى إطلاق النسب عدم الفرق بين كونه من الأب و الأم. و في نسب الأم وجه أنه لا تجوز الشهادة عليه بالسماع، لإمكان رؤية الولادة. و الأشهر الجواز كالرجل.

و صفة التسامع في ذلك أن يسمع الشاهد الناس ينسبون المشهود بنسبة إلى ذلك الرجل أو القبيلة. و لا يعتبر التكرّر و الامتداد (1) مدّة السماع، و إن كان الحكم

____________

(1) في «ت، م»: و لا امتداد.

229

..........

____________

به آكد، بل لو حضر جماعة لا يرتاب في صدقهم، فأخبروه بنسبة دفعة واحدة على وجه إفادة الغرض، جاز له الشهادة.

و يعتبر مع انتساب الشخص و نسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة و الريبة، فلو كان المنسوب إليه حيّا و أنكر لم تجز الشهادة. و لو كان مجنونا جازت، كما لو كان ميّتا. و فيه وجه بالمنع، لاحتمال أن يفيق فينكر.

و هل يقدح في ذلك طعن من يطعن في النسب؟ وجهان أظهرهما مراعاة الشرط، و هو الظنّ المتاخم (1) أو العلم.

و منه الموت، و المشهور جواز الشهادة عليه بالاستفاضة كالنسب، لأن أسباب الموت ممّا يكثر، و منها ما يخفى و منها ما يظهر، و قد يعسر الاطّلاع عليها، فجاز أن يعتمد على الاستفاضة، و لأنه يقع في الأفواه و ينتشر كالنسب.

و فيه وجه بالمنع، لأنه يمكن فيه المعاينة، بخلاف النسب.

و منه الملك المطلق، لأن أسباب الملك يخفى على تطاول الأزمان، و يبقى [الملك] (2) المطلق المجرّد عن السبب، فلو لم يثبت بها أدّى إلى بطلان الحقّ و تعذّر إثبات الملك بموت الشهود. و كذا القول في الوقف و العتق و ولاية القاضي.

و قد تقدّم (3) في القضاء.

إذا تقرّر ذلك، فقد اختلف فيما به يصير الشاهد شاهدا بالاستفاضة، فقيل:

أن يكثر السماع من جماعة حتى يبلغ حدّ العلم بالمخبر عنه. و على هذا، فلا تكون هذه الأشياء خارجة عن أصل الشهادة. و قيل: يكفي بلوغه حدّا يوجب

____________

(1) في «خ»: المتاخم للعلم.

(2) من «ث» و الحجريّتين.

(3) في ج 13: 351.

230

..........

____________

الظنّ الغالب المقارب للعلم.

و المصنف- (رحمه اللّه)- تردّد في ذلك، من حيث إن ذلك على خلاف الأصل، فإثباته يحتاج إلى دليل صالح يخرجه عنه، و مجرّد ما ذكروه غير كاف في إثباته، و لإمكان العلم بكثير من هذه الأشياء كما أشرنا إليه.

و الحقّ أنّا إن اعتبرنا العلم لم ينحصر الحكم في المذكورات، و إن اكتفينا بالظنّ الغالب فللتوقّف [فيه] (1) مجال، إلا أن يفرض زيادة الظنّ على ما يحصل منه بقول الشاهدين، بحيث يمكن استفادته من مفهوم الموافقة بالنسبة إلى الشاهدين الذي هو حجّة منصوصة، فيمكن إلحاقه حينئذ به.

و بالغ الشيخ في المبسوط (2) فقال: يكفي أن يسمع من عدلين فصاعدا، فيصير بسماعه منهما شاهد أصل و متحمّلا للشهادة، لأن ثمرة الاستفاضة هو الظنّ و هو حاصل بهما.

و استضعفه المصنف- (رحمه اللّه)- بأن الظنّ يحصل بالواحد، و الشيخ لا يقول بالاكتفاء به، بل ربما حصل الظنّ بالواحد إذا كان أنثى، و هو باطل قطعا.

و أجيب (3): بأن الشيخ لم يعتبر الظنّ مطلقا، بل الظنّ الذي ثبت اعتباره شرعا و هو شهادة العدلين، و الظنّ يقبل الشدّة و الضعف، فلا يلزم من الاكتفاء بفرد قويّ منه الاكتفاء بالضعيف.

و فيه: أن الظنّ المستند إلى جماعة غير عدول ممّا لم يثبت اعتباره شرعا، فإنه عين المتنازع، فاكتفاؤه به و تعديته الحكم إلى العدلين يدلّ على عدم تقييده بالظنّ المعتبر شرعا، فالنقض بحاله.

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) المبسوط 8: 180- 181.

(3) غاية المراد: 326- 327.

231

[فرع]

فرع لو سمعه يقول للكبير: (1) هذا ابني و هو ساكت، أو قال: هذا أبي و هو ساكت، قال في المبسوط: صار متحمّلا، لأنّ سكوته في معرض ذلك رضا بقوله عرفا. و هو بعيد، لاحتماله غير الرضا.

[تفريع على القول بالاستفاضة]

تفريع على القول بالاستفاضة

[الأول: الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب]

الأول: الشاهد بالاستفاضة (2) لا يشهد بالسبب، مثل: البيع، و الهبة، و الاستغنام، لأنّ ذلك لا يثبت بالاستفاضة، فلا يعزى الملك إليه مع إثباته بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة.

____________

قوله: «لو سمعه يقول للكبير. إلخ».

(1) هذا متفرّع على ما اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- من الاكتفاء في الشهادة على الاستفاضة بالظنّ، و هو حاصل في هذه الصورة و إن لم يكن بطريق التسامع من الجماعة، لأن سكوت الكبير عند دعوى الآخر للنسب مع عدم المانع من الإنكار يفيد الظنّ الغالب بموافقته له عليه، فيكون ذلك بمنزلة إخبار الجماعة، إذ الاعتبار بالظنّ الغالب لا بالسماع من الجماعة من حيث هو سماع، و هو متحقّق هنا.

و يضعّف بأن السكوت أعمّ من موافقته على الدعوى. و يمنع من حصول الظنّ الغالب بذلك مطلقا. و بتقدير تسليمه لا نسلّم تعدّي الحكم إليه، للنهي عن العمل بالظنّ إلا ما دلّ عليه دليل صالح، و هو منفيّ هنا.

قوله: «الشاهد بالاستفاضة. إلخ».

(2) لمّا كانت الاستفاضة مخصوصة بأمور خاصّة منها الملك المطلق دون البيع

232

أمّا لو عزاه إلى الميراث صحّ، لأنه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة.

و الفرق تكلّف، لأنّ الملك إذا ثبت بالاستفاضة لم تقدح الضميمة، مع حصول ما يقتضي جواز الشهادة.

[الثاني: إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة]

الثاني: إذا شهد بالملك (1) مستندا إلى الاستفاضة، هل يفتقر إلى مشاهدة اليد و التصرّف؟ الوجه: لا. أمّا لو كان لواحد يد، و لآخر سماع

____________

و الهبة و الاستغنام و ما شاكلها، كان السبب الموجب للملك منه ما يثبت بالاستفاضة، كالموت بالنسبة إلى الملك بالإرث، و منه ما لا يثبت بها كالعقود.

فإذا سمع الشاهد بالاستفاضة أن هذا ملك زيد ورثه عن أبيه الميّت، فله أن يشهد بالملك و سببه، لأنهما يثبتان بالاستفاضة. و إذا سمع مستفيضا أن هذا الملك لزيد اشتراه من عمرو شهد بالملك المطلق لا بالبيع، لأن البيع لا يثبت بالاستفاضة.

فلو فعل ذلك احتمل عدم قبول الشهادة، لاشتمالها على أمرين: أحدهما تقبل الشهادة عليه، و الآخر لا تقبل، و الشهادة لا تتبعّض.

و الوجه أنها تسمع في الملك و تلغو الضميمة، و هي السبب الذي لا يثبت بالاستفاضة، لوجود المقتضي للقبول في أحدهما دون الآخر.

و تظهر الفائدة فيما لو كان هناك مدّع آخر و له شهود بالملك و سببه من غير استفاضة، فإن بيّنته ترجّح على بيّنة هذا الذي لم يسمع إلا في المطلق المجرّد عن السبب، و في القسم الأول يتكافئان. و لو كانت بيّنة الآخر شاهدة له بالملك المطلق رجّحت بيّنة هذا في الأول عليه، و كافأت بيّنة الآخر في الثاني. و هكذا.

قوله: «إذا شهد بالملك. إلخ».

(1) إذا اجتمع في ملك يد و تصرّف و استفاضة بالملك، فلا إشكال في جواز

233

مستفيض، فالوجه ترجيح اليد، لأنّ السماع قد يحتمل إضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره، فلا تزال اليد بالمحتمل.

____________

الشهادة له بالملك، بل هو غاية ما يبنى عليه الشهادة. و إنما يحصل الاشتباه فيما لو انفرد واحد من الثلاثة أو اجتمع اثنان.

و المصنف- (رحمه اللّه)- فرّق [في] (1) حكم المسألة في موضعين: هنا، و في المسألة الآتية، و لو جمعهما في مسألة واحدة كان أضبط.

و المقصود في هذه المسألة أن الشهادة المستندة إلى الاستفاضة بالملك هل يتوقّف سماعها على رؤية الشاهد من استفاض الملك له- زائدا على الملك- يتصرّف فيه بالبناء و الهدم و الإجارة و نحوها، أم تسمع من دون الأمرين؟ الوجه عند المصنف- (رحمه اللّه)- الثاني، لما تقدّم من أن الملك المطلق يثبت بالاستفاضة، لتعدّد أسبابه و خفاء بعضها، فلا يفتقر إلى انضمام أمر آخر معه.

و وجه العدم إمكان الاطّلاع على أسبابه، فلا بدّ من ضميمة ما يفيد القوّة و يقوم مقام السبب من اليد أو التصرّف.

و لا يخفى ضعفه، لأن اليد و التصرّف و إن كانا ظاهرين في الملك إلا أنهما ليسا من أسبابه، فاشتراط الاطّلاع على السبب لإمكانه لا يقتضي الاكتفاء باليد و التصرّف المجرّدين عن علم السبب.

و الأجود الاكتفاء في الشهادة بالملك المطلق بالتسامع على الوجه المتقدّم.

و على هذا، فلو تعارض السماع و اليد ففي ترجيح أيّهما وجهان:

____________

(1) من الحجريّتين.

234

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[الأولى: لا ريب أنّ المتصرّف بالبناء و الهدم و الإجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق]

الأولى: لا ريب أنّ المتصرّف بالبناء (1) و الهدم و الإجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق. أمّا من في يده دار، فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد. و هل يشهد له بالملك المطلق؟ قيل: نعم، و هو المرويّ.

و فيه إشكال من حيث إنّ اليد لو أوجبت الملك [له]، لم تسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي.

____________

أحدهما: ترجيح السماع، لأنه يفيد الملك الحالي، و قد تقدّم (1) في القضاء أن البيّنة بالملك مقدّمة على اليد، لأن اليد تحتمل غير الملك من العارية و الإجارة بل الغصب، بخلاف الملك، فإنه صريح في معناه.

و الثاني- و هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه)-: تقديم اليد، لأنها ظاهرة في الملك و إن كانت محتملة لغيره، و السماع مشترك بين الملك و الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره.

و هذا التوجيه إنما يتمّ إذا كان محصّل السماع أن هذه الدار مثلا لفلان، فإن اللام تحتمل الملك و الاختصاص الذي هو أعمّ منه. أما إذا كان محصّله أن الدار ملك فلان فلم يتمّ، لأنه صريح في المقصود، بخلاف اليد. و لا بدّ من فرض المسألة على الوجه الأول ليتمّ التعليل، و يناسب الحكم المتقدّم من ترجيح الملك على اليد، و إن كان إطلاق البيّنة المستندة إلى الاستفاضة أعمّ من ذلك.

قوله: «لا ريب أن المتصرّف بالبناء. إلخ».

(1) هذه تتمّة أقسام المسألة السابقة، و هي ما إذا انفرد التصرّف أو اليد عن

____________

(1) في ص: 95.

235

..........

____________

التسامع، فهل تجوز الشهادة بالملك أم لا؟ فالمصنف- (رحمه اللّه)- قطع بالجواز مع التصرّف المتكرّر بالبناء و الهدم و الإجارة و غيرها بغير منازع. و هذا اختيار الأكثر، بل ادّعى عليه في الخلاف (1) الإجماع، لقضاء العادة بأن ذلك لا يكون إلّا في الملك، و لجواز شرائه منه، و متى حصل عند المشتري يدّعي ملكيّته، و هو فرع على ملكيّة البائع. و يترتّب على ذلك ما لو ادّعي على المشتري فأنكر فله أن يحلف على القطع قطعا، و ذلك يساوي الشهادة، و إن كان أصل الشراء بناء على الظاهر لا يساويها.

و يعتبر في التصرّف التكرّر، لجواز صدور غيره من غير المالك كثيرا.

و كذلك عدم المنازع، إذ لو وجد لم يحصل الظنّ الغالب بملك المتصرّف.

و لا حدّ للمدّة التي يتصرّف فيها و يضع يده على الملك، بل ضابطها ما أفادت الأمر المطلوب من الاستفاضة. و في الخلاف (2) صرّح بعدم الفرق بين الطويلة و القصيرة. أما في المبسوط (3) فجعل القصيرة نحو الشهر و الشهرين غير كاف، و أطلق [في] (4) كون الطويلة كالسنين مجوّزة.

و قيل: لا تجوز الشهادة بالملك بذلك كلّه، لوقوع ذلك من غير المالك، كالوكيل و المستأجر و الغاصب، فإنهم أصحاب يد و تصرّف، خصوصا الإجارة، لأنها و إن تكرّرت فقد تصدر من المستأجر مدّة طويلة، و من الموصى له بالمنفعة، و كذلك الرهن قد يصدر من المستعير متكرّرا.

____________

(1) الخلاف 6: 264 مسألة (14).

(2) الخلاف 6: 264 مسألة (14).

(3) المبسوط 8: 182.

(4) من «د» و الحجريّتين.

236

..........

____________

و الشيخ في المبسوط (1) اقتصر على نقل القولين، و لم يرجّح أحدهما.

و أما إذا انفردت اليد عن التصرّف فالحكم فيه أضعف. فإن لم نجوّز الشهادة بالملك في الأول فهنا أولى. و إن جوّزناها فهنا وجهان:

أحدهما- و هو الذي اختاره العلامة (2) و أكثر المتأخّرين (3)-: الجواز، لدلالتها ظاهرا على الملك، كدلالة التصرّف، و إن كان التصرّف أقوى، إلا أن الاشتراك في أصل الدلالة عليه ظاهرا حاصل. و لما تقدّم من جواز شرائه منه، و الحلف عليه. و لرواية حفص بن غياث أنه: «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل رأى في يد رجل شيئا أ يجوز أن يشهد أنه له؟ قال: نعم، قلت: فلعلّه لغيره، قال:

و من أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك، ثمَّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك قبله؟! ثمَّ قال الصادق (عليه السلام): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق» (4).

و هذه الرواية ضعيفة الإسناد، إلّا أن مضمونها موافق للقواعد الشرعيّة، كما نبّهنا عليه سابقا.

و الثاني: عدم جواز الشهادة بالملك بمجرّد اليد، لأن اليد لو دلّت على الملك لكان قوله: «الدار التي في يده لي» بمنزلة قوله: «الدار التي هي ملكه لي»،

____________

(1) المبسوط 8: 181- 182.

(2) قواعد الأحكام 2: 240.

(3) الدروس الشرعيّة 2: 134، المقتصر: 393.

(4) الكافي 7: 387 ح 1، الفقيه 3: 31 ح 92، التهذيب 6: 261 ح 695، الوسائل 18: 215 ب «25» من أبواب كيفيّة الحكم ح 2.

237

..........

____________

لكن التالي باطل فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة.

و هذا هو الذي جعله المصنف- (رحمه اللّه)- منشأ الإشكال. و قد ذكره الشيخ في المبسوط (1) كذلك دليلا لهذا القول.

و أجيب عن ذلك بأنه إنما جاز ذلك في الإقرار لأن دلالة اليد ظاهرة، و الإقرار بالملك قاطع، و الصرف عن الظاهر بقرينة جائز، بخلاف القاطع، و القرينة هنا موجودة، و هي ادّعاؤه بها. و بأنه معارض بالتصرّف، فإنه لو قال:

الدار التي في تصرّف هذا لي، سمعت مع حكمهم بجواز الشهادة فيه بالملك المطلق.

و أجاب الشهيد- (رحمه اللّه)- في شرح الإرشاد عن ذلك: «بأن الدلالة الظاهرة إما أن تثمر للشاهد العلم أو لا، فإن كان الأول فلا تفاوت بينها و بين الإقرار بالملك، و إلا لم تصحّ الشهادة. فحينئذ نقول: إذا كانت اليد ظاهرة لا تصحّ الشهادة بالملك المطلق بسببها، و هو المطلوب. و عن المعارضة بالتزام عدم السماع في التصرّف» (2).

و فيهما نظر، لأن الشهادة في هذه المواضع لم يعتبروا فيها العلم، بل اكتفوا فيها بالظنّ الغالب، لاتّفاقهم على أنه مع اجتماع الثلاثة- أعني: اليد و التصرّف و التسامع- تجوز الشهادة بالملك، و جعلوه غاية الإمكان، مع أن ذلك لا يبلغ حدّ العلم غالبا، لجواز تخلّف الملك معها، لأن كلّ واحد منها أعمّ من الملك، و لهذا اختلفوا فيها منفردة، و مع انضمامها تأكّد الظنّ، لا أنه بلغ حدّ العلم مطلقا أو في

____________

(1) المبسوط 8: 182.

(2) غاية المراد: 327.

238

[الثانية: الوقف و النكاح يثبت بالاستفاضة]

الثانية: الوقف و النكاح (1) يثبت بالاستفاضة. أمّا على ما قلناه، فلا ريب فيه. و أمّا على الاستفاضة المفيدة لغالب الظنّ، فلأنّ الوقف للتأبيد، فلو لم تسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف، مع امتداد الأوقات و فناء الشهود.

و أمّا النكاح فلأنّا نقضي: بأنّ خديجة (عليها السلام) زوجة النبيّ (عليه السلام)، كما نقضي بأنها أمّ فاطمة (عليها السلام).

و لو قيل: إنّ الزوجيّة تثبت بالتواتر، كان لنا أن نقول: التواتر لا يثمر إلا إذا استند السماع إلى محسوس. و من المعلوم أنّ المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد، و لا عن إقرار النبيّ (عليه السلام)، بل نقل الطبقات متّصل إلى الاستفاضة التي هي الطبقة الأولى. و لعلّ هذا أشبه بالصواب.

____________

بعض الفروض، و لو اعتبر العلم لما احتيج إلى جعله غاية الإمكان، بل كان التعليل بإفادته العلم أولى و أظهر.

و أما التزامه في التصرّف بعدم السماع كاليد المجرّدة فغير قادح في المعارضة، لأن المعارض أوردها على الشيخ و الجماعة القائلين بسماعها مع التصرّف دون اليد، فلا يضرّه التزام غيرهم بعدم السماع، مع ما فيه من البعد.

قوله: «الوقف و النكاح. إلخ».

(1) هذا الحكم ذكره الشيخ- (رحمه اللّه)- في الخلاف (1) كذلك، و استدلّ عليه بما لخّصه المصنف- (رحمه اللّه)- من أن الوقف مبنيّ على التأبيد، فلو لم تجز

____________

(1) الخلاف 6: 265 مسألة (15).

239

..........

____________

الشهادة فيه بالاستفاضة لأدّى إلى بطلان الوقف، لأن شهود الوقف لا يبقون أبدا، و الشهادة الثالثة لا تسمع. و أنه يجوز لنا الشهادة على أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يثبت ذلك إلا بالاستفاضة، لأنّا ما شاهدناهم.

و اعترض على الأول بأن الشهادة بدون العلم منهيّ عنها، فتخصيص ذلك بالوقف تحصيلا لمصلحة ثبوته ليس بأولى من تخصيص النهي عن سماع الشهادة الثالثة بالوقف لهذه المصلحة، بل هذا التخصيص أولى، لأنه لا مانع منه عقلا، بخلاف الشهادة بمجرّد الظنّ.

و بأن الشهادة على أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ليست مستندة إلى الاستفاضة، بل إلى التواتر، لإخبار جماعة كثيرة يفيد قولهم العلم بذلك في كلّ طبقة.

و أجاب المصنف- (رحمه اللّه)- عن الأول بأن المانع من سماع الشهادة الثالثة النقل و الإجماع، فلم يمكن معارضتهما (1) بالتخصيص، بخلاف الشهادة ب[مجرّد] (2) الظنّ، فإنه لا إجماع على منعها، بل الأكثر على تجويزها. و يمنع من كون العقل دالّا على النهي عن ذلك، لأن أكثر الأحكام الشرعيّة مبناها على الظنّ.

و عن الثاني بأن من شرط التواتر استناد المخبرين إلى محسوس، و هو منتف هنا، للعلم بأن الطبقة الأولى لم يخبروا عن مشاهدة العاقدين و سماع العقد، و إنما شاهده بعضهم و نقله إلى الباقين و استمرّ الأمر، فلم يحصل شرط التواتر، إذ من شرطه استواء جميع الطبقات فيه.

____________

(1) في «ا»: معارضتها.

(2) من «أ» و الحجريّتين.

240

[الثالثة: الأخرس يصحّ منه تحمّل الشهادة و أداؤها]

الثالثة: الأخرس يصحّ منه (1) تحمّل الشهادة و أداؤها. و يبنى على ما يتحقّقه الحاكم من إشارته. فإن جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف بإشارته.

نعم يفتقر إلى مترجمين. و لا يكون المترجمان شاهدين على شهادته، بل يثبت الحكم بشهادته أصلا، لا بشهادة المترجمين فرعا.

____________

و فيه نظر، لأن الطبقة الأولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين بالغون حدّ التواتر و زيادة، لأن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان ذلك الوقت من أعلى قريش، و عمّه أبو طالب المتولّي لتزويجه كان حينئذ رئيس بني هاشم و شيخهم و من إليه مرجع قريش، و خديجة (عليها السلام) أيضا كانت من أجلّاء (1) بيوتات قريش، و القصّة في تزويجها مشهورة، و خطبة أبي طالب- (رحمه اللّه)- في المسجد الحرام بمجمع [من] (2) قريش ممّن يزيد عن العدد المعتبر في التواتر، فدعوى معلوميّة عدم استناد الطبقة الأولى إلى مشاهدة العقد و سماعه ظاهرة المنع، و إنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر، لاجتماع شرائطه، فلا يتمّ الاستدلال به على هذا المطلوب.

و اعلم أن قول المصنف:- (رحمه اللّه)-: «أمّا على ما قلناه فلا ريب فيه» يدلّ على أن مختاره اشتراط العلم في الشهادة بالاستفاضة، و لم يصرّح به فيما سبق، و إنما تردّد (3) فيه، و التردّد يقتضي تساوي الطرفين لا رجحان أحدهما.

و على كلّ حال فالوجه ثبوت الأمرين بالاستفاضة.

قوله: «الأخرس يصحّ منه. إلخ».

(1) كما أن إشارة الأخرس المفهمة معتبرة في العبادات (4) اللفظيّة، و في العقود

____________

(1) في «م»: أعلى.

(2) من «أ».

(3) راجع ص: 228.

(4) في «ا، ت، خ»: العبارات.

241

[الثالث: ما يفتقر إلى السماع و المشاهدة]

الثالث: ما يفتقر إلى السماع (1) و المشاهدة، كالنكاح و البيع و الشراء و الصلح و الإجارة، فإنّ حاسّة السمع تكفي في فهم اللفظ، و يحتاج إلى البصر لمعرفة اللافظ. و لا لبس في شهادة من اجتمع له الحاسّتان.

أمّا الأعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا، لتحقّق الآلة الكافية في فهمه. فإن انضمّ إلى شهادته معرّفان، جاز له الشهادة على العاقد، مستندا إلى تعريفهما، كما يشهد المبصر على تعريف غيره.

و لو لم يحصل ذلك، و عرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه، قيل: لا يقبل، لأنّ الأصوات تتماثل. و الوجه أنها تقبل، فإنّ الاحتمال يندفع باليقين، لأنّا نتكلّم على تقديره.

____________

و الإيقاعات من النكاح و الطلاق و غيرهما، فكذا في أداء الشهادة، لاشتراك الجميع في المقتضي، و لحصول الإفهام المعتبر، لأنه الفرض.

ثمَّ إن عرف القاضي إشارته عمل بما يعلمه، و إلا افتقر إلى مترجمين يعرفان إشارته، كما يفتقر إليهما لو كان الشاهد أعجميّا و الحاكم لا يعرف لغته.

و حيث يفتقر إلى مترجمين يكونان مخبرين بمعنى إشارته لا شاهدين على شهادته، فلا يشترط غيبته عن مجلس الحكم حال ترجمتهما، و لا تعدّ شهادتهما مرتبة أولى حتى تمتنع الثانية، إلى غير ذلك من الأحكام المترتّبة على الشهادة الفرعيّة.

قوله: «الثالث: ما يفتقر إلى السماع. إلخ».

(1) هذا هو القسم الثالث، و هو ما يفتقر في الشهادة به إلى السمع و البصر معا،

242

و بالجملة: فإنّ الأعمى تصحّ شهادته، متحمّلا و مؤدّيا، عن علمه و عن الاستفاضة فيما يشهد به بالاستفاضة.

____________

و هو الأقوال، فلا بدّ من سماعها و من مشاهدة قائلها، و ذلك كالنكاح و الطلاق و البيع و جميع العقود و الفسوخ و الإقرار بها، فلا تقبل فيها شهادة الأصمّ الذي لا يسمع شيئا.

و أمّا الأعمى ففي جواز شهادته اعتمادا على ما يعرفه من الصوت وجهان:

أحدهما: المنع، لأن الأصوات تتشابه، و يتطرّق إليها التخييل (1) و التلبيس.

و الثاني- و هو الأشهر-: القبول، لأن الفرض علمه القطعي بالقائل و معرفته إيّاه، و وقوع ذلك أكثريّ مشاهد في كثير من العميان، يعلمون القائل بأدنى صوت يظهر منه، و يميّزون بينه و بين غيره ممّن يشبه صوته صوته، بل ربما يترقّون (2) إلى المعرفة بدون ذلك. و للإجماع على أن للأعمى أن يطأ حليلته اعتمادا على ما يعرفه من صوتها.

و فرّق المانع من شهادته بأن الشهادة مبنيّة على العلم ما أمكن، كما تقدّم (3)، و الوطء يجوز بالظنّ. و أيضا فالضرورة تدعو إلى تجويز الوطء، و لا تدعو إلى الشهادة، فإن في البصراء غنية عنه. و في هذين الجوابين تكلّف.

و للعامّة في ذلك اختلاف، فمالك (4) و أحمد (5) على قبول شهادته كما هو

____________

(1) في «م»: التحييل، و في «ت»: التحيل.

(2) في الحجريّتين: يطرقون.

(3) في ص: 226.

(4) الكافي للقرطبي 2: 898.

(5) المغني لابن قدامة 12: 62، الإنصاف 12: 61.

243

و لو تحمّل شهادة (1) و هو مبصر ثمَّ عمي، فإن عرف نسب المشهود أقام الشهادة. و إن شهد على العين، و عرف الصوت يقينا، جاز أيضا.

أمّا شهادته على المقبوض (2) فماضية قطعا.

____________

المشهور عندنا، و الباقون (1) على المنع.

و قد حكي أن جماعة من الفقهاء القائلين بالمنع من قبول شهادته سألوا رجلا قائلا بقبولها عن ذلك، قصدا للتشنيع عليه، فقال: ما قولكم في أعمى يطأ زوجته و أقرّت تحته بدرهم فشهد عليها، أتصدّقونه في أنه عرفها حتى استباح بضعها، و تقولون إنه لم يعرفها للإقرار بدرهم؟! فانعكس التشنيع.

قوله: «و لو تحمّل شهادة. إلخ».

(1) إذا تحمّل شهادة يحتاج إلى البصر و هو بصير ثمَّ عمي، نظر إن تحمّلها على رجل معروف النسب و الاسم لرجل بهذه الصفة فله أن يشهد بعد ما عمي، لحصول العلم بالمشهود له و المشهود عليه. و كذا لو عمي و يد المقرّ في يده، فشهد عليه لمعروف الاسم و النسب.

و إن لم يكن كذلك بني على القولين، فإن منعنا من شهادته على الصوت امتنع هنا، لأنه لا يمكنه تعيين المشهود عليه، و لا الإشارة إلى المشهود له. و إن قبلناها مع العلم فكذا هنا.

قوله: «أما شهادته على المقبوض. إلخ».

(2) هذه الصورة ممّا استثناها القائلون بالمنع من قبول شهادته، و سمّوها الضبطة، و هي أن يضع رجل فمه على أذن الأعمى و يد الأعمى على رأسه، بحيث يتيقّن أنه يسمع منه، فيقرّ بطلاق أو عتق أو حقّ لرجل معروف الاسم

____________

(1) اللباب في شرح الكتاب 4: 60، الحاوي الكبير 17: 41، روضة الطالبين 8: 232.

244

و تقبل شهادته (1) إذا ترجم للحاكم عبارة حاضر عنده.

____________

و النسب، و يقبضه الأعمى، و لا يزال يضبطه حتى يشهد بما سمع منه عند الحاكم، فتقبل شهادته على القولين، لحصول العلم بالمشهود له و عليه.

و ربما قيل باطّراد المنع هنا، لأن التصوير المذكور فيه عسر و تدقيق، و اللائق حسم الباب، كما أنّا لا نقبل شهادة الفاسق على الإطلاق، و إن كان قد يغلب على ظنّنا صدقه في بعض الموارد.

و يضعّف بانتفاء المانع في هذه الصورة قطعا، مع وجود المقتضي للقبول.

و دقّة الفرض لا تدفع الحكم. و تشبيه بالفاسق الذي يغلب على الظنّ صدقه فاسد، لوجود الفارق، و هو أن الفاسق منهيّ عن الركون إلى قوله مطلقا، لا باعتبار ظنّ صدقه و عدمه، بل من حيث كونه فاسقا، بخلاف الأعمى، فإن المانع من قبول شهادته عدم علمه بالمشهود عليه و له، لا من حيث هو أعمى، فإذا فرض العلم قبل.

قوله: «و تقبل شهادته. إلخ».

(1) هذه الصورة أيضا مستثناة من شهادة الأعمى على الأقوال على القول بعدم قبولها، فإنه لو شهد عند الحاكم أعجميّ لا يفهم كلامه، أو أقرّ عنده مقرّ و الأعمى يعرف لغته، فترجمها للحاكم قبلت، لانتفاء المانع حينئذ، إذ الحاكم يعرف المشهود عليه و له، و إنما يشتبه عليه معنى اللفظ الواقع، فشهادة الأعمى بترجمته (1) لا تتوقّف على البصر.

____________

(1) في «ت، ط»: و ترجمته.

245

[الطّرف الثّالث في أقسام الحقوق]

الطّرف الثّالث في أقسام الحقوق (1) و هي قسمان: حقّ للّه سبحانه، و حقّ للآدميّ

[و الأوّل منه: حق الله]

و الأوّل منه:

ما لا يثبت إلّا بأربعة (2) رجال: كالزّنا و اللواط و السّحق. و في إتيان البهائم قولان، أصحّهما ثبوته بشاهدين.

____________

قوله: «في أقسام الحقوق. إلخ».

(1) جعل العنوان في أقسام الحقوق ثمَّ جعلها قسمين قد يوهم التنافي، من حيث جعل الجمع الذي أقلّه ثلاثة شيئين.

و الوجه فيه: أن الأقسام أزيد من ثلاثة كما ستقف عليها، و لكن جعل أصلها قسمين، و قسّم كلّ واحد منهما إلى أقسام. و الكلام في قوّة: أن أقسام الحقوق المتكثّرة ترجع إلى أمرين، ثمَّ كلّ منهما ينقسم إلى أقسام.

قوله: «منه ما لا يثبت إلا بأربعة. إلخ».

(2) الغرض من هذا الباب بيان العدد المعتبر في الشهادات، و [بيان] (1) مواضع اعتبار الذكورة و عدم اعتبارها.

و اعلم أن قول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به مطلقا، إلا ما قيل به في هلال رمضان. و مسألة الشاهد و اليمين ليست مستثناة، لأن القضاء ليس بالشاهد وحده، بل اليمين إما جزء أو شرط فيه.

ثمَّ للفقهاء في هذا التقسيم اعتبارات، فالمصنف- (رحمه اللّه)- قسّم الحقوق قسمين: حقّ للّه تعالى، و حقّ للآدمي، ثمَّ قسّم كلّ واحد منهما على حدة.

____________

(1) من الحجريّتين.

246

..........

____________

و منهم (1) من قسّمها ابتداء إلى الأقسام. و كثيرا ما تتداخل الأقسام في كلامهم، و الأمر سهل.

فمن حقوق اللّه تعالى الزنا. و في معناه اللّواط و السّحق عندنا. و إنما يثبت بشهادة أربعة رجال، قال اللّه تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ (2). و قال تعالى لَوْ لٰا جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ (3). و قال تعالى:

فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (4). و قال سعد: «يا رسول اللّه أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم» (5).

قيل: و الحكمة في اختصاصه بذلك أن الشهادة فيه على اثنين، فاعتبر لكلّ واحد رجلان. و هذا التعليل مرويّ (6) أيضا عن أبي حنيفة رواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و فيه: أن شهادة الاثنين مقبولة على الجماعة إذا شهدا على كلّ واحد منهم.

و لأنه قد لا يعرفون (7) أحد الزانيين فلا يمكنهم (8) الشهادة عليه. و في أخبار (9) كثيرة أن ذلك تعبّد محض، و أن فيه دليلا على بطلان القياس، و إلا لكان القتل

____________

(1) كالشهيد في الدروس الشرعيّة 2: 136.

(2) النور: 4.

(3) النور: 13.

(4) النساء: 15.

(5) مسند أحمد 2: 465، صحيح مسلم 2: 1135 ح 15، سنن أبي داود 4: 181 ح 4533، سنن البيهقي 10: 147.

(6) الكافي 7: 404 ح 7، التهذيب 6: 277 ح 760، الوسائل 18: 302 ب «49» من أبواب الشهادات ح 1.

(7) كذا في «ا، د» و في سائر النسخ: يعرف.

(8) في «ت، ط»: يمكنه.

(9) راجع الوسائل 18: 371 ب «12» من أبواب حدّ الزنا.

247

و يثبت الزّنا (1) خاصّة: بثلاثة رجال و امرأتين، و برجلين و أربع نساء، غير أنّ الأخير لا يثبت به الرّجم، و يثبت به الجلد، و لا يثبت بغير ذلك.

____________

أولى باعتبار الأربعة، لأنه أفحش.

و اختلفوا في إتيان البهائم هل يتوقّف على أربعة رجال أم يكتفى فيه بشاهدين؟ فقيل بالأول، عملا بالأصل، و كونه وطيا محرّما في معنى الزنا، و مشتملا على الهتك.

و الأصحّ ما اختاره المصنف و الأكثر من ثبوته بشاهدين، لأن الشارع جعل ثبوت الأحكام في غير الزنا بشاهدين، لقوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1) و قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (2). و إتيان البهائم ليس بزنا، و لا يوجب الحدّ، و إنما يوجب التعزير. و بهذا فارق اللّواط و السّحق، فإنهما يوجبان الحدّ عندنا. و من أوجب بهما التعزير من العامّة (3) أثبتهما بشاهدين.

قوله: «و يثبت الزنا. إلخ».

(1) هاتان الصورتان خارجتان عن ظاهر الآية باشتراط أربعة رجال بنصّ خاصّ، و غير منافيتين لما دلّت عليه الآيات (4)، إذ ليس فيها ما يدلّ على الحصر، فإذا ثبت بدليل آخر عمل به.

و مستند الحكم في الأولى روايات كثيرة، منها صحيحة عبد اللّه بن سنان

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) البقرة: 282.

(3) حلية العلماء 8: 271، الكافي في فقه أحمد 4: 349- 350.

(4) النور: 4 و 13، النساء: 15.

248

..........

____________

قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، و لا تجوز في الرجم شهادة رجلين و أربع نسوة، و يجوز في ذلك ثلاثة رجال و امرأتان» (1).

و حسنة الحلبي عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، فإذا كان رجلان و أربع نسوة لم يجز في الرجم» (2).

و صحيحة محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) قال: «إذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان لم تجز في الرجم» (3). و غيرها من الأخبار (4) الكثيرة.

و هي مع كثرتها ليس فيها تصريح بثبوت الجلد برجلين و أربع نسوة. لكن الشيخ (5) و جماعة (6) استندوا في ثبوته إلى رواية أبان، عن عبد الرحمن، عن الصادق (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال» (7). و حيث انتفى الرجم بالأخبار الكثيرة ثبت الجلد.

____________

(1) الكافي 7: 391 ح 8، التهذيب 6: 264 ح 702، الاستبصار 3: 23 ح 70، الوسائل 18: 260 ب «24» من أبواب الشهادات ح 10.

(2) الكافي 7: 390 ح 3، التهذيب 6: 264 ح 703، الاستبصار 3: 23 ح 71، الوسائل 18: 258 الباب المتقدّم ح 3.

(3) التهذيب 6: 265 ح 708، الاستبصار 3: 24 ح 76، الوسائل 18: 264 الباب المتقدّم ح 28.

(4) راجع الوسائل: 18: 258 الباب المتقدّم ح 4، 5، 7.

(5) النهاية: 332.

(6) السرائر 2: 137، إصباح الشيعة: 528.

(7) التهذيب 6: 270 ح 728، الاستبصار 3: 30 ح 100، الوسائل 18: 262 ب «24» من أبواب الشهادات ح 21.

249

..........

____________

و فيه نظر، لضعف الطريق عن إثبات مثل ذلك، مع ورود روايات كثيرة (1) بأنه لا تقبل شهادتهنّ في حدّ، و من ثمَّ ذهب جماعة- منهم الصدوقان (2)، و أبو الصلاح (3)، و العلامة في المختلف (4)- إلى عدم ثبوت الحدّ بذلك، عملا بالأصل، و بأنه لو ثبت الزنا بشهادتهم لثبت الرجم، و التالي باطل، للأخبار (5) الكثيرة الدالّة على عدم سماع رجلين و أربع نسوة في الرجم، فالمقدّم مثله. و بيان الملازمة دلالة الإجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فإن ثبت هذا الوصف ثبت الحكم، و إلا فلا. و هذا [الحكم] (6) متّجه.

و نبّه المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: في الزنا خاصّة، على خلاف جماعة من الأصحاب- منهم الصدوق (7) و ابن الجنيد (8)- بتعدّي الحكم إلى اللّواط و السّحق.

و هو ضعيف، لعدم المقتضي لإلحاقهما بالزنا، مع عموم الأخبار بعدم قبول شهادتهنّ في الحدّ.

و بقوله: «و لا يثبت بغير ذلك» على خلاف الشيخ في الخلاف (9)، حيث ذهب إلى ثبوت الحدّ دون الرجم بشهادة رجل واحد و ستّ نساء. و لعلّه استند إلى عموم رواية عبد الرحمن السابقة. و هو شاذّ.

____________

(1) راجع الوسائل: 18: 264 الباب المتقدّم ح 29، 30، 42.

(2) المقنع: 402، و حكاه العلامة عنهما في المختلف: 715.

(3) الكافي في الفقه: 436، 438.

(4) المختلف: 715.

(5) راجع الصفحة السابقة.

(6) من الحجريّتين.

(7) المقنع: 402.

(8) حكاه عنه العلامة في المختلف: 715، و الشهيد في الدروس الشرعيّة 2: 136.

(9) الخلاف 6: 251 مسألة (2).

250

و منه ما يثبت بشاهدين، (1) و هو ما عدا ذلك، من الجنايات الموجبة للحدود، كالسرقة و شرب الخمر و الردّة.

و لا يثبت شيء من حقوق اللّه [تعالى] بشاهد و امرأتين، و لا بشاهد و يمين، و لا بشهادة النساء منفردات و لو كثرن.

[و أمّا حقوق الآدميّ]

و أمّا حقوق الآدميّ (2) فثلاثة:

[منها، ما لا يثبت إلّا بشاهدين]

منها، ما لا يثبت إلّا بشاهدين.

و هو: الطلاق، و الخلع، و الوكالة، و الوصيّة إليه، و النسب، و رؤية الأهلّة.

و في العتق، و القصاص، و النكاح، تردّد، أظهره ثبوته بالشاهد و المرأتين.

____________

قوله: «و منه ما يثبت بشاهدين. إلخ».

(1) لا فرق في حقوق اللّه تعالى بين كونها ماليّة كالزكاة و الخمس و الكفّارة، و غيرها كالحدود. و قد دلّ على عدم قبول شهادتهنّ في الحدود روايات، و استثني منها ما تقدّم.

و أمّا حقوق اللّه الماليّة فليس عليها نصّ بخصوصها، لكن لمّا كان الأصل في الشهادة شهادة رجلين، و كان مورد الشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين الدّيون و نحوها من حقوق الآدميّين، قصّر على مورده، و بقي غيره على الأصل.

قوله: «و أما حقوق الآدميّ. إلخ».

(2) مورد الشاهدين من حقوق الآدميّ كلّ ما ليس بمال و لا المقصود منه المال، فمن ثمَّ توقّفت الستّة الأول على الشاهدين، إذ لا تعلّق لها بالمال أصلا.

و لكن اختلف كلام الشيخ في ثبوت الطلاق بشهادة النساء منضمّات، ففي

251

..........

____________

الخلاف (1) و النهاية (2) نصّ على المنع، عملا بالقاعدة، و لورود الروايات (3) الكثيرة به. و قوّى في المبسوط (4) قبول شهادتهنّ فيه مع الرجال. و إليه ذهب جماعة (5) و هو ضعيف.

و أما الخلع، فإن كان مدّعيه المرأة فكالطلاق. و إن كان هو الرجل فهو متضمّن لدعوى المال، و مع ذلك فالمشهور عدم ثبوته بذلك مطلقا، من حيث تضمّنه البينونة، و الحجّة لا تتبّعض. و قيل: يثبت من جهة تضمّنه المال، و هو مستلزم للبينونة، فيثبت أيضا لذلك. و لو تضمّن الطلاق عوضا فكالخلع.

و أما العتق و القصاص و النكاح ففي توقّفها على الشاهدين، أو ثبوتها بالشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين، خلاف منشؤه اختلاف الروايات في الأخيرين، و الاعتبار في الأول، فإن العتق ليس بمال، و إنما هو فكّ ملك، فلا تقبل فيه شهادتهنّ و لا اليمين، و لأنه حقّ للّه تعالى، و من رجوعه إلى إزالة الماليّة و إثباتها للمملوك. فلذلك اختلف فيه كلام الشيخ و غيره، ففي الخلاف (6): لا يثبت بشهادة رجل و امرأتين. و قوّى في المبسوط (7) القبول. و اختاره المصنف (رحمه اللّه). و الوجه الأول.

____________

(1) الخلاف 6: 252 مسألة (4).

(2) النّهاية: 332.

(3) راجع الوسائل 18: 258 ب «24» من أبواب الشهادات ح 2، 4، 5، 7، 8.

(4) المبسوط 8: 172.

(5) حكاه العلامة في المختلف: 714 عن ظاهر كلام ابن أبي عقيل و ابن الجنيد.

(6) الخلاف 6: 252 مسألة (4).

(7) المبسوط 8: 172.

252

..........

____________

و أما النكاح فالمقصود الذاتيّ منه ليس هو المال، و لكنّه مشتمل عليه من النفقة و المهر و غيرهما، خصوصا من طرف الزوجة، و من ثمَّ اختلف فيه.

و اختلف فيه الرواية أيضا، فروى محمد بن الفضيل قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقلت: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو في رجم؟ قال:

تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه و ليس معهنّ رجل، و تجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهنّ رجل» (1).

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم، و لا تجوز في الطلاق» (2). و مثله روى الكناني (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و روى إبراهيم (4) الحارثي (5) عنه (عليه السلام).

و هذه الروايات مؤيّدة للقبول، و إن كان في طريقها ضعف أو جهالة، فإن محمد بن الفضيل الذي يروي عن الرضا (عليه السلام) لم ينصّ علماء الرجال عليه بما يقتضي قبول روايته، بل اقتصروا على مجرّد ذكره، و الطريق إليه صحيح. و هو أيضا في طريق رواية الكناني. و في طريق رواية زرارة سهل بن زياد. و راوي الأخيرة مجهول. و على كلّ حال، فهي شاهد قويّ لهذا القول.

____________

(1) الكافي 7: 391 ح 5، الفقيه 3: 31 ح 94، التهذيب 6: 264 ح 705، الاستبصار 3: 23 ح 73، الوسائل 18: 259 ب «24» من أبواب الشهادات ح 7.

(2) الكافي 7: 391 ح 9، التهذيب 6: 265 ح 706، الاستبصار 3: 24 ح 74، الوسائل 18: 260 الباب المتقدّم ح 11.

(3) التهذيب 6: 267 ح 713، الاستبصار 3: 27 ح 84، الوسائل 18: 263 الباب المتقدّم ح 25.

(4) الكافي 7: 392 ح 11، التهذيب 6: 265 ح 707، الاستبصار 3: 24 ح 75، الوسائل 18: 259 الباب المتقدّم ح 5. و في التهذيبين: إبراهيم الخارقي.

(5) في «د، ط»: الخارقي.

253

..........

____________

و أما جانب المنع فيؤيّده رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن عليّ (عليهما السلام) أنه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق و لا نكاح و لا في حدود، إلا في الديون، و ما لا يستطيع الرجال النظر إليه» (1).

و فيها مع ضعف السند إمكان حملها على المنع من قبول شهادتهنّ فيه منفردات، فقد روي (2) ذلك أيضا.

و بالجملة، فالأخبار مختلفة، و ليس فيها خبر نقيّ (3)، و الأكثر (4) دلّ على القبول. و يمكن الجمع بينها بحمل أخبار المنع على ما إذا كان المدّعي الزوج، لأنه لا يدّعي مالا، و أخبار القبول على ما إذا كان المدّعي المرأة، لأن دعواها تتضمّن المال من المهر و النفقة. و هذا متّجه.

و أمّا القصاص- أعني الجناية الموجبة له- فاختلف كلام الشيخ في حكمه أيضا، ففي الخلاف (5) منع من قبول شهادتهنّ مع الرجال فيه. و قوّى في المبسوط [1] و النهاية (7) القبول. و عليه الأكثر.

و الأخبار مختلفة أيضا، إلا أن أصحّها و أكثرها دالّ على القبول. فروى

____________

[1] راجع المبسوط 8: 172، و لكن قوّى القبول في الجناية الموجبة للقود، و استثنى منه القصاص، أي: ثبوت الدية بها دون القود. و في ج 7: 248 صرّح بعدم القبول مطلقا. و نسب إليه القبول مطلقا العلامة في المختلف: 714.

____________

(1) التهذيب 6: 281 ح 773، الاستبصار 3: 25 ح 80، الوسائل 18: 267 الباب المتقدّم ح 42.

(2) التهذيب 6: 280 ح 769، الاستبصار 3: 25 ح 79، الوسائل 18: 266 الباب المتقدّم ح 39.

(3) كذا في «خ»، و في سائر النسخ: نفي.

(4) في الحجريّتين: و الأكثرون على القبول.

(5) الخلاف 6: 252 مسألة (4).

(7) النهاية: 333.

254

..........

____________

جميل بن درّاج و ابن حمران في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلنا:

أ تجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، إن عليّا (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم رجل مسلم» (1).

و روى الكناني عن الصادق (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال» (2).

و عن زيد الشّحام قال: «سألته عن شهادة النساء- إلى أن قال- قلت:

أ فتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ فقال: نعم» (3).

و استند المانع إلى القاعدة المشهورة بأنه (4) ليس بمال و لا متضمّنا له. و إلى رواية ربعي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تجوز شهادة النساء في القتل» (5).

و رواية محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) قال: «لا تجوز شهادتهنّ في الطلاق و لا في الدم» (6).

و أجيب بحملها على شهادتهنّ منفردات جمعا، أو أنه لا يثبت القود بشهادتهنّ، بل تجب الدية.

و اعلم: أن محلّ الاشكال شهادتهنّ منضمّات إلى الرجال، أما على الانفراد

____________

(1) الكافي 7: 390 ح 1، التهذيب 6: 266 ح 711، الاستبصار 3: 26 ح 82، الوسائل 18: 258 ب «24» من أبواب الشهادات ح 1.

(2) التهذيب 6: 267 ح 713، الاستبصار 3: 27 ح 84، الوسائل 18: 263 الباب المتقدّم ح 25.

(3) التهذيب 6: 266 ح 712، الاستبصار 3: 27 ح 83، الوسائل 18: 264 الباب المتقدّم ح 32.

(4) في «خ، د»: فإنه.

(5) التهذيب 6: 267 ح 716، الاستبصار 3: 27 ح 87، الوسائل 18: 263 الباب المتقدّم ح 27.

(6) الكافي 7: 391 ح 5، الفقيه 3: 31 ح 94، التهذيب 6: 264 ح 705، الاستبصار 3: 23 ح 73، الوسائل 18: 259- 260 الباب المتقدّم ح 7.