مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
255

[و منها: ما يثبت بشاهدين، و شاهد و امرأتين، و شاهد و يمين]

و منها: ما يثبت بشاهدين، (1) و شاهد و امرأتين، و شاهد و يمين.

و هو: الديون، و الأموال، كالقرض و القراض و الغصب، و عقود المعاوضات: كالبيع، و الصرف، و السلم، و الصلح، و الإجارات، و المساقاة، و الرهن، و الوصيّة له، و الجناية التي توجب الدية. و في

____________

فلا تقبل شهادتهنّ قطعا. و شذّ قول أبي الصلاح (1) بقبول شهادة امرأتين في نصف دية النفس و العضو و الجراح، و المرأة الواحدة في الربع.

و أن إطلاق (2) الخلاف في القصاص و حكمه بثبوته بشاهد و امرأتين يقتضي ثبوت القود بذلك، لأن ذلك هو مقتضاه. و بهذا المعنى صرّح كثير (3) من الأصحاب ممّن حكينا عنه سابقا القول به و غيره. و كذلك مقتضى الروايات الدالّة عليه.

و ذهب جماعة (4)- منهم الشيخ في النهاية (5)- إلى أنه يثبت بشهادة المرأتين مع الرجل الدية دون القود. و كأنّه جمع [به] (6) بين الأخبار، بحمل ما دلّ على عدم ثبوته على القود، و ما دلّ عليه على الدابة.

و المصنف- (رحمه اللّه)- مع حكمه هنا بثبوته بذلك أنكر الأمرين في كتاب القصاص (7)، و جزم بعدم ثبوته بشاهد و امرأتين، و نسب القول بثبوت الدية إلى الشذوذ، مع أنه قول كثير من الأصحاب.

قوله: «و منها ما يثبت بشاهدين. إلخ».

(1) ضابط هذا القسم ما كان متعلّق الشهادة مالا أو كان المقصود منه المال،

____________

(1) الكافي في الفقه: 439.

(2) في الحجريّتين: إطلاقه.

(3) لم نظفر على من صرّح بذلك من الأصحاب، راجع المختلف: 714.

(4) الكافي في الفقه: 436، المهذّب 2: 558، المختلف: 714.

(5) النّهاية: 333.

(6) من «ت» و الحجريّتين.

(7) شرائع الإسلام 4: 224.

256

الوقف تردّد، أظهره أنه يثبت بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين.

____________

كالأعيان و الديون و العقود الماليّة، فيثبت بشاهد و امرأتين كما يثبت برجلين. قال اللّه تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ (1). و قد تقدّم (2) أن مثل ذلك يثبت بشاهد و يمين بالرواية، و لا يثبت بشهادة النساء و حدهنّ.

فمن هذا القسم: البيع، و الإقالة، و الردّ بالعيب، و الرهن، و الحوالة، و الضمان، و الصلح، و القرض، و القراض، و الشفعة، و الإجارة، و المزارعة، و المساقاة، و الهبة، و الإبراء، و المسابقة، و الوصيّة بالمال، و الصداق في النكاح، و الوطء بالشبهة، و الغصب، و الإتلاف.

و الجنايات التي لا توجب إلا المال، كالقتل الخطأ، و قتل الصبيّ و المجنون، و قتل الحرّ العبد، و المسلم الذمّي، و الوالد الولد، و السرقة التي لا قطع فيها، و المال خاصّة فيما فيه القطع.

و كذلك حقوق الأموال و العقود، كالخيار، و شرط الرهن، و الأجل. و في الأجل احتمال، من حيث إنه ضرب سلطنة فكان كالوكالة. و منها قبض الأموال، و من جملتها نجوم الكتابة.

نعم، في النجم الأخير وجهان:

أحدهما: أنه لا يثبت إلا برجلين، بناء على أن العتق لا يثبت إلا بهما، لتعلّق العتق به. و به جزم في التحرير (3).

____________

(1) البقرة: 282.

(2) في ج 13: 510.

(3) تحرير الأحكام 2: 212.

257

..........

____________

و أصحّهما: أنه كسائر النجوم، لأن العتق يحصل بالكتابة، و إذا جمع النجوم فالأخير منها تمام السبب لا السبب التامّ للعتق، فلا فرق بينه و بين غيره. و هذا هو الذي اختاره الشيخ (1) و جماعة (2). و توقّف في القواعد (3).

و منه طاعة المرأة لاستحقاق النفقة، و قتل الكافر لاستحقاق السلب، و أزمان الصيد لتملّكه، و عجز المكاتب عن النجوم. و متعلّق الشهادة في هذه الأربعة ليس مالا و لكن المقصود منه المال.

و اختلف في الوقف، بناء على أنه هل ينتقل إلى اللّه تعالى، أو إلى الموقوف عليه، أو يبقى على ملك المالك؟ فعلى الثاني يثبت بالشاهد و المرأتين [مطلقا] (4) و بالشاهد و اليمين، لا على الأول، لأنه ليس بمال للموقوف عليه، بل له الانتفاع به فقط.

و الأقوى ثبوته بالشاهد و المرأتين مطلقا، و بالشاهد و اليمين إن كان على محصور، لتمكّن حلفه. و قد تقدّم (5) البحث فيه في باب الشاهد و اليمين.

و من هذا القسم ما لو مات سيّد المدبّر، فادّعى الوارث أنه كان قد رجع عن التدبير حيث يجوز الرجوع، فإنه يثبت دعواه برجل و امرأتين و بشاهد و يمين، لأنه يدّعي مالا.

____________

(1) المبسوط 8: 172.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 138.

(3) قواعد الأحكام 2: 239.

(4) من «أ، د».

(5) في ج 13: 514.

258

[الثالث: ما يثبت بالرجال و النساء، منفردات و منضمّات]

الثالث: ما يثبت (1) بالرجال و النساء، منفردات و منضمّات.

و هو: الولادة و الاستهلال، و عيوب النساء الباطنة. و في قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف، أقربه الجواز.

و تقبل (1) شهادة امرأتين مع رجل، في الديون و الأموال، و شهادة امرأتين مع اليمين. و لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات و لو كثرن.

____________

و لو توافق الزوجان على الطلاق، و قال الزوج: طلّقتك على كذا، و قالت:

بل مجّانا، تثبت دعوى الزوج (2) أيضا بهما. و كذا لو قال لعبده: أعتقتك على كذا، فقال: بل مجّانا.

قوله: «الثالث: ما يثبت. إلخ».

(1) ضابط هذا القسم: ما يعسر اطّلاع الرجال عليه غالبا. و ذلك: كالولادة، و البكارة، و الثيوبة، و عيوب النساء الباطنة، كالرتق و القرن و الحيض، و استهلال المولود، و أصله الصوت عند ولادته، و المراد منه ولادته حيّا ليرث.

و احترز بالباطنة عن مثل العرج و الجذام في الوجه و إن كانت حرّة، لأنه ليس من العورة.

و اختلف في الرضاع، و الأظهر أنه كذلك، لأنه أمر لا يطّلع عليه الرجال غالبا، فمسّت الحاجة إلى قبول شهادتهنّ فيه، كغيره من الأمور الخفيّة على الرجال من عيوب النساء و غيرها، و للأخبار الكثيرة عن الصادق (عليه السلام) أن

____________

(1) لم ترد العبارة: «و تقبل شهادة امرأتين- إلى- و لو كثرن» في متن نسخ المسالك الخطّية، و وردت في النسخة الخطّية المعتمدة من الشرائع، و كذا في الشرائع الحجريّة، و في الجواهر «41: 173»: أن الشارح الشهيد «(قدّس سرّه)» لم يشرحها في المسالك، و لعلّه لسقوطها من نسخته.

(2) في «أ»: الزوجة، و في «ث»: الزوجيّة.

259

و تقبل شهادة المرأة (1) الواحدة: في ربع ميراث المستهلّ، و في ربع الوصيّة. و كلّ موضع تقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقلّ من أربع.

____________

شهادة النساء تقبل فيما لا يجوز للرجال النظر إليه (1).

و يؤيّده ظاهر رواية ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق (عليه السلام): «في امرأة أرضعت غلاما و جارية، قال: يعلم ذلك غيرها؟ قلت: لا، قال: لا تصدّق إن لم يكن غيرها» (2). و مفهوم الشرط أنها تصدّق حيث يعلم بذلك غيرها، لأن عدم الشرط يقتضي عدم المشروط و هو عدم التصديق، فيثبت نقيضه و هو التصديق.

و قال الشيخ في الخلاف (3) و موضع من المبسوط (4)، و ابن إدريس (5)، و نجيب الدين يحيى بن سعيد (6)، و الأكثر: إنه لا تقبل فيه شهادة النساء، لأصالة الإباحة. و لا يخفى ضعف الأصالة مع معارضة الشهادة.

قوله: «و تقبل شهادة المرأة. إلخ».

(1) حيث تقبل شهادة النساء منفردات يعتبر كونهنّ أربعا، لما عهد من عادة الشارع في باب الشهادات من اعتبار المرأتين برجل، و الأمر بإشهاد رجلين أو رجل و امرأتين.

و استثني من ذلك أمران بنصّ خاصّ، و هما: الوصيّة بالمال، و ميراث

____________

(1) راجع الوسائل 18: 258 ب «24» من أبواب الشهادات ح 4، 5، 7، 9 و غيرها.

(2) التهذيب 7: 323 ح 1330، الوسائل 14: 304 ب «12» من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 3.

(3) الخلاف 6: 257 مسألة (9).

(4) المبسوط 5: 311.

(5) السرائر 2: 137.

(6) الجامع الشرائع: 543.

260

..........

____________

المستهلّ. فيثبت جميع المشهود به بشهادة أربع، و ثلاثة أرباعه بشهادة ثلاث، و نصفه باثنتين، و ربعه بواحدة.

و المستند صحيحة ربعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي، فقال: «يجوز ربع ما أوصى بحساب شهادتها» (1).

و صحيحة عمر بن يزيد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل، فوضعت بعد موته غلاما، ثمَّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهلّ و صاح حين وقع إلى الأرض ثمَّ مات، قال: على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام» (2).

و في رواية ابن سنان عنه (عليه السلام): «قلت: فإن كانتا امرأتين؟ قال:

تجوز شهادتهما في النصف من الميراث» (3). و غيرها من الأخبار (4).

و في ثبوت النصف بشهادة الرجل، لكونه بمنزلة امرأتين، أو الربع لعدم النصّ عليه، و كونه المتيقّن، إذ لا يقصر عن امرأة، أو لا يثبت به شيء أصلا، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، أوجه أجودها الوسط.

و ليس للمرأة تضعيف الحقّ ليصير ما يثبت بشهادتها مقدار الحقّ. فلو فعلت ذلك جاز للمشهود له أخذه إن علم بأصل الحقّ، و إلا فلا. و الخنثى هنا كالمرأة.

____________

(1) الكافي 7: 4 ح 4، التهذيب 9: 180 ح 719، الوسائل 13: 395 ب «22» من أبواب أحكام الوصايا ح 1.

(2) الكافي 7: 392 ح 12، التهذيب 6: 268 ح 720، الاستبصار 3: 29 ح 92، الوسائل 18: 259 ب «24» من أبواب الشهادات ح 6.

(3) الكافي 7: 156 ح 4، التهذيب 6: 271 ح 736، الاستبصار 3: 31 ح 104، الوسائل 18: 267 الباب المتقدّم ح 45.

(4) راجع الوسائل 13: 395 ب «22» من أبواب أحكام الوصايا.

261

[مسائل]

مسائل:

[الأولى: الشهادة ليست شرطا في شيء من العقود إلّا في الطلاق]

الأولى: الشهادة ليست شرطا (1) في شيء من العقود إلّا في الطلاق.

و يستحبّ في النكاح، و الرّجعة. و كذا في البيع.

____________

و قال المفيد: «يقبل: في عيوب النساء، و الاستهلال، و النفاس، و الحيض، و الولادة، و الرضاع، شهادة امرأتين مسلمتين، و إذا لم يوجد إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه» (1). و تبعه سلّار (2).

و المستند صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «أنه سأله عن شهادة القابلة في الولادة، فقال: تجوز شهادة الواحدة» (3).

و أجاب في المختلف (4) بالقول بالموجب، فإنه يثبت بشهادة الواحدة الربع، مع أنه لا يدلّ على حكم غير الولادة. و ابن أبي عقيل (5) خصّ القبول بالواحدة بالاستهلال، عملا بظاهر الخبر.

قوله: «الشهادة ليست شرطا. إلخ».

(1) الإشهاد مستحبّ في البيع، لقوله تعالى وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ (6)، و في النكاح و الرجعة، للأخبار (7) الواردة بذلك، و قد تقدّمت (8) في بابها. و لا يجب في

____________

(1) المقنعة: 727.

(2) المراسم: 233.

(3) الكافي 7: 390 ح 2، التهذيب 6: 269 ح 723، الاستبصار 3: 29 ح 95، الوسائل 18: 258 ب «24» من أبواب الشهادات ح 2.

(4) المختلف: 716.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 716، و لكن عمّم الحكم في الولادة و في الصبيّ صاح أو لم يصح.

(6) البقرة: 282.

(7) الوسائل 14: 67 ب «43» من أبواب مقدّمات النكاح، و ج 15: 371 ب «13» من أبواب أقسام الطلاق.

(8) في ج 7: 18، و ج 9: 188.

262

[الثانية: حكم الحاكم تبع للشهادة]

الثانية: حكم الحاكم (1) تبع للشهادة، فإن كانت محقّة نفذ الحكم باطنا و ظاهرا، و إلّا نفذ ظاهرا.

و بالجملة الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا. و لا يستبيح المشهود له ما حكم له، إلا مع العلم بصحّة الشهادة أو الجهل بحالها.

____________

شيء من العقود و غيرها، عملا بالأصل، و ضعف الدليل الموجب. و قد تقدّم البحث في ذلك مرارا.

قوله: «حكم الحاكم. إلخ».

(1) أطبق علماؤنا و أكثر الجمهور على أن الحكم لا ينفذ إلا ظاهرا، و أما باطنا فيتبع الحقّ، فلا يستبيح المحكوم له أخذ المحكوم به مع علمه بعدم الاستحقاق، لأصالة بقاء الحقّ على أصله، و الحلّ و الحرمة كذلك. و قد روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «إنما أنا بشر مثلكم، و إنكم تختصمون إليّ، و لعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (1). أخرجه أصحاب السنن السبعة.

و خالف في ذلك أبو حنيفة (2)، فحكم باستباحة المحكوم له و إن علم بطلانه، سواء في ذلك المال أو البضع.

و قول المصنف: «أو الجهل بحالها» يندرج فيه ما إذا شهد لشخص شاهدان بحقّ، إما لكونه متروكا له من مورّثه، أو له مع احتمال نسيانه، فإنه يستبيح أخذه

____________

(1) صحيح البخاري 3: 235- 236، سنن ابن ماجه 2: 777 ح 2317، سنن أبي داود: 3: 301 ح 3583، سنن الترمذي 3: 624 ح 1339. سنن النسائي 8: 233، سنن الدار قطني 4: 239 ح 127، سنن البيهقي 10: 149.

(2) المبسوط للسرخسي 16: 180.

263

[الثالثة: إذا دعي من له أهليّة التحمّل وجب عليه]

الثالثة: إذا دعي (1) من له أهليّة التحمّل وجب عليه. و قيل: لا يجب.

و الأوّل مرويّ. و الوجوب على الكفاية. و لا يتعيّن إلّا مع عدم غيره ممّن يقوم بالتحمّل.

أمّا الأداء فلا خلاف في وجوبه على الكفاية، فإن قام غيره سقط عنه. و إن امتنعوا لحقهم الذمّ و العقاب.

و لو عدم الشهود إلا اثنان، تعيّن عليهما. و لا يجوز لهما التخلّف، إلّا أن تكون الشهادة مضرّة بهما ضررا غير مستحقّ.

____________

مع (1) الحكم بشهادتهما، ما لم يعلم فساد ذلك، بأن يتجدّد براءة المشهود عليه من غير أن يعلم به الشهود، و نحو ذلك، فلا يستبيح الأخذ، لعلمه بفساد الحكم.

و لو توقّف الحكم على يمينه، لكون الشهادة على ميّت أو ما ألحق به، أو كون الشاهد واحدا، لم يجز له الحلف إلا مع العلم بالحال، لأن استباحة الأخذ مترتّبة على حكم الحاكم، و حكمه مترتّب على يمينه، و ليس له الحلف بدون العلم بالحال.

قوله: «إذا دعي. إلخ».

(1) الكلام هنا في أداء الشهادة آخرا و تحمّلها أولا. أما الأول فلا خلاف في وجوبه و تحريم الامتناع منه، قال تعالى وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (2).

و روي عن الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من كتم شهادة، أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم، أو ليزوي مال امرء مسلم، أتى

____________

(1) في «ا، ث، خ»: من الحاكم.

(2) البقرة: 283.

264

..........

____________

يوم القيامة و لوجهه ظلمة مدّ البصر، و في وجهه كدوح، تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، و من شهد شهادة حقّ ليحيي بها حقّ امرئ مسلم أتى يوم القيامة و لوجهه نور مدّ البصر، تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، ثمَّ قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا ترى أن اللّه تعالى يقول وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ» (1).

و وجوبه على الكفاية إن زاد الشهود عن العدد المعتبر في ثبوت الحقّ، و إلا فهو عيني، و إن كان الجميع في الأصل كفائيّا، لأن الواجب الكفائي إذا انحصر في فرد كان كالعيني.

و المشهور عدم الفرق في الوجوب بين من استدعي و غيره، لعموم الأدلّة، و أنها أمانة حصلت عنده فوجب عليه الخروج منها، كما أن الأمانات الماليّة تارة تحصل عنده بقبولها كالوديعة، و تارة بغيره كتطيّر الريح.

و ذهب جماعة (2)- منهم الشيخ (3) و ابن الجنيد (4) و أبو الصلاح (5)- إلى عدم الوجوب إلا مع الاستدعاء، لصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها إن شاء شهد، و إن شاء سكت (6)».

و سأله أيضا عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما

____________

(1) الكافي 7: 380 ح 1، الفقيه 3: 35 ح 114، التهذيب 6: 276 ح 756، الوسائل 18: 227 ب «2» من أبواب الشهادات ح 2. و الآية في سورة الطلاق: 2.

(2) المهذّب 2: 560.

(3) النّهاية: 330.

(4) حكاه عنه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4: 441.

(5) الكافي في الفقه: 436.

(6) الكافي 7: 382 ح 5، التهذيب 6: 258 ح 678، الوسائل 18: 231 ب «5» من أبواب الشهادات ح 1.

265

..........

____________

يسمع منهما، قال: ذاك إليه إن شاء شهد و إن شاء لم يشهد، فإن شهد شهد بحقّ قد سمعه، و إن لم يشهد فلا شيء عليه، لأنهما لم يشهداه» (1).

و حسنة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها، فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت، و إذا أشهد لم يكن له إلا أن يشهد» (2). و غيرها من الأخبار (3). و لأنه لم يؤخذ منه التزام، بخلاف ما إذا تحمّل قصدا، فإنه يكون ملتزما كضمان الأموال.

و في المختلف (4) جعل النزاع لفظيّا لا معنويّا، نظرا إلى أنه فرض كفاية، فيجوز تركه إذا قام غيره مقامه، و لو لم يقم غيره مقامه و خاف لحوق ضرر بإبطال الحقّ وجب عليه إقامة الشهادة، و لا يبقى فرق بين أن يشهد من غير استدعاء و بين أن يشهد معه.

و فيه نظر، لأن الأخبار المذكورة مفصّلة و مصرّحة بالفرق بين من يستدعي و بين من لا يستدعي، و أنه يتعيّن على المستدعي الشهادة، مع أن الوجوب حينئذ كفائيّ اتّفاقا و إن عرض له التعيين. و على ما ذكره في المختلف من المعنى لا يبقى فرق بين الحالين، و لا يبقى للتفصيل في الأخبار فائدة أصلا. و لا وجه لهذا التكلّف الذي لا يساعد عليه الكلام. و الحقّ أن النزاع معنويّ صرف.

و لو لم يعلم صاحب الحقّ بشهادة الشهود، إما لكونه قد نسي الاستدعاء، أو لكون المستدعي مورّثه، أو مطلقا على المشهور، وجب عليهم تعريفه مع

____________

(1) الكافي 7: 382 ح 6، التهذيب 6: 258 ح 677، الوسائل 18: 232 الباب المتقدّم ح 5.

(2) الكافي 7: 381 ح 1، التهذيب 6: 258 ح 679، الوسائل 18: 231 الباب المتقدّم ح 2.

(3) راجع الوسائل 18: 231 الباب المتقدّم.

(4) المختلف: 725.

266

..........

____________

خوفهم من بطلان الحقّ. و يجب كفاية مع زيادتهم عن العدد إعلام العدد الذي يثبت به الحقّ.

و لو لم يكونوا عدولا، فإن أمكن ثبوت الحقّ بشهادتهم و لو عند حاكم الجور وجب أيضا، و إلا ففي الوجوب وجهان، من عدم الفائدة، و توقّع العدالة.

و قرّب في الدروس (1) الوجوب.

و لو كان أحدهما عدلا وجب عليه قطعا، رجاء أن يحلف معه إن أمكن، بأن يكون عالما بالحقّ، و إلا ففي الوجوب نظر، لعدم الفائدة. و يمكن الوجوب مطلقا، رجاء أن يكون له شاهد آخر لا يعلم به فيثبت الحقّ بهما.

و أما الثاني، و هو تحمّل الشهادة ابتداء، فالمشهور و المرويّ وجوبه أيضا على الكفاية كالأداء، لقوله تعالى وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا (2)، الشامل بعمومه الأمرين، أو لاختصاصه بهذه الحالة، فقد روى هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام): «في قول اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا، قال: قبل الشهادة، و قوله تعالى وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (3)، قال: بعد الشهادة» (4). و هو نصّ في الباب، و تصريح بحمل الآية على حالة التحمّل.

و لصحيحة أبي الصبّاح الكناني عن الصادق (عليه السلام): «في قوله تعالى:

وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا قال: لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد

____________

(1) الدروس الشرعيّة 2: 135.

(2) البقرة: 282.

(3) البقرة: 283.

(4) الكافي 7: 381 ح 2، الفقيه 3: 34 ح 112، التهذيب 6: 275 ح 750، الوسائل 18: 225 ب «1» من أبواب الشهادات ح 1.

267

..........

____________

عليها أن يقول: لا أشهد لكم عليها» (1). و «لا ينبغي» و إن كان ظاهره الكراهة إلا أنه فسّر به النهي في الآية، و الأصل فيه التحريم، فيحمل التفسير عليه.

و رواية جرّاح المدائني عنه (عليه السلام) قال: «إذا دعيت إلى الشهادة فأجب» (2).

و صحيحة محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام): «في قول اللّه تعالى وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا فقال: إذا دعاك الرجل لتشهد على دين أو حقّ لم يسع لك أن تقاعس عنه» (3).

و غيرها من الأخبار (4) الكثيرة الدالّة بعمومها أو إطلاقها على المطلوب.

و لأنه من الأمور الضروريّة التي لا ينفكّ الإنسان عنها، لوقوع الحاجة إلى المعاملات و المناكحات، فوجب في الحكمة إيجاب ذلك لتحسم مادّة النزاع المترتّب على تركه غالبا.

و ذهب ابن إدريس (5)- (رحمه اللّه)- إلى عدم الوجوب، عملا بالأصل، و طعنا في الأخبار و دلالة الآية، لأن إطلاق الشهداء حقيقة بعد تحمّل الشهادة، فتكون مخصوصة بالأداء، و إلا لزم المجاز أو الاشتراك.

____________

(1) الكافي 7: 379- 380 ح 2، التهذيب 6: 275 ح 751، الوسائل 18: 225 الباب المتقدّم ح 2.

(2) الكافي 7: 380 ح 5، التهذيب 6: 275 ح 752، الوسائل 18: 225 الباب المتقدّم ح 3.

(3) الكافي 7: 380 ح 3، التهذيب 6: 276 ح 754، الوسائل 18: 226 الباب المتقدّم ح 7.

(4) راجع الوسائل 18: 225 ب «1» من أبواب الشهادات.

(5) السرائر 2: 125- 126.

268

..........

____________

و أجيب (1): «بأنها وردت في معرض الإرشاد بالإشهاد، لأنه تعالى أمر (2) بالكتابة حال المداينة، و نهى الكاتب عن الإباء، ثمَّ أمر بالإشهاد، و نهى الشاهد عن الإباء». فكان سياق الآية يقتضي إرادة هذا المعنى، مضافا إلى تفسيره به في الرواية المعتبرة. و لأنه لا يشترط ثبوت المعنى المشتقّ منه في صحّة الاشتقاق.

و فيه نظر.

و اعلم أن إطلاق الأصحاب و الأخبار يقتضي عدم الفرق في التحمّل و الأداء بين كونه في بلد الشاهد و غيره ممّا [لا] (3) يحتاج إلى سفر، و لا بين السفر الطويل و القصير مع الإمكان. هذا من حيث السعي. أما المئونة المحتاج إليها في السفر من الركوب و غيره فلا يجب على الشاهد تحمّلها، بل إن قام بها المشهود له و إلا سقط الوجوب، فإن الوجوب في الأمرين مشروط بعدم توجّه ضرر على الشاهد غير مستحقّ، و إلا سقط الوجوب.

و احترز بالمستحقّ عمّا لو كان للمشهود عليه حقّ على الشاهد يناقشه عليه على تقدير الشهادة، و يمهله به أو يسامحه بدونها، فلا يعدّ ذلك عذرا، لأنه مستحقّ مع قدرته على الوفاء لا بدونه.

____________

(1) المختلف: 722.

(2) البقرة: 282.

(3) من «ط» و الحجريّتين.

269

[الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة]

الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة (1) و هي مقبولة: في حقوق الناس، عقوبة كانت كالقصاص، أو غير عقوبة، كالطلاق و النسب و العتق، أو مالا كالقراض و القرض و عقود المعاوضات، أو ما لا يطّلع عليه الرجال غالبا، كعيوب النساء و الولادة و الاستهلال.

و لا تقبل في الحدود، سواء كانت للّه محضا، كحدّ الزنا و اللواط و السّحق، أو مشتركة، كحدّ السرقة و القذف على خلاف فيهما.

____________

قوله: «في الشهادة على الشهادة. إلخ».

(1) الشهادة على الشهادة مقبولة مرّة واحدة في الجملة إجماعا، لعموم:

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (1). و خصوص قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم حيث سأل عن: «الشهادة على شهادة الرجل و هو بالحضرة في البلد، قال: نعم، و لو كان خلف سارية، إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه من أن يحضر و يقيمها» (2). و لدعاء الحاجة إليها، فإن شهود الواقعة قد يغيبون أو يموتون. و لأن الشهادة حقّ لازم الأداء، فتجوز الشهادة عليه كسائر الحقوق.

و محلّها ما عدا الحدود إجماعا، سواء في ذلك الأموال و الأنكحة و العقود و الإيقاعات و الفسوخ و غيرها، و سواء كانت حقّ الآدميّين أم حقّ اللّه تعالى، كالزكوات و أوقاف المساجد و الجهات العامّة و الأهلّة، كهلال رمضان و غيره.

____________

(1) البقرة: 282.

(2) الفقيه 3: 42 ح 141، التهذيب 6: 256 ح 672، الاستبصار 3: 20 ح 59، الوسائل 18: 297 ب «44» من أبواب الشهادات ح 1.

270

و لا بدّ أن يشهد اثنان (1) على الواحد، لأن المراد إثبات شهادة الأصل، و هو لا يتحقّق بشهادة الواحد.

____________

و أما الحدود، فإن كانت مختصّة باللّه- كحدّ الزنا- لم تسمع إجماعا. و إن كانت مشتركة- كحدّ السرقة و القذف- فالمشهور بين الأصحاب أن الحكم فيها كغيرها من الحدود، لإطلاق النصوص بعدم قبولها في الحدّ، كرواية طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «أنه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حدّ» (1). و مثله روى غياث بن (2) إبراهيم [عنه] (3) عن عليّ (عليه السلام).

و الطريق فيهما ضعيف، لكنّهما مؤيّدتان- مع الشهرة- بأن الحدود تدرأ بالشبهات. و قيام البدل مقام المبدل لا يخلو من شبهة.

و قال الشيخ في موضع من المبسوط (4) و ابن حمزة (5) بجوازها فيهما (6)، ترجيحا لحقّ الآدمي، و أخذا بالعموم.

و هذا أجود، لعدم دليل صالح للتخصيص فيهما. و هو اختيار الشهيد في الشرح (7).

قوله: «و لا بدّ أن يشهد اثنان. إلخ».

(1) و نبّه المصنف بقوله: «عقوبة كالقصاص. إلخ» على خلاف بعض

____________

(1) التهذيب 6: 255 ح 667، الوسائل 18: 299 ب «45» من أبواب الشهادات ح 1.

(2) الفقيه 3: 41 ح 140، التهذيب 6: 256 ح 671، الوسائل 18: 299 الباب المتقدّم ح 2.

(3) من «ت، ط».

(4) المبسوط 8: 231، لكن حكم بجوازها في القذف دون السرقة.

(5) الوسيلة: 233.

(6) في «ت، ث»: فيها.

(7) غاية المراد: 332.

271

فلو شهد على كلّ واحد اثنان صحّ. و كذا لو شهد اثنان، على شهادة كلّ واحد من شاهدي الأصل. و كذا لو شهد شاهد أصل، و هو مع آخر على شهادة أصل آخر.

و كذا لو شهد اثنان على جماعة، كفى شهادة الاثنين على كلّ واحد منهم. و كذا لو كان شهود الأصل شاهدا و امرأتين، فشهد على شهادتهم اثنان، أو كان الأصل نساء ممّا تقبل فيه شهادتهنّ منفردات، كفى شهادة اثنين عليهنّ.

____________

العامّة (1)، حيث نفاها في العقوبات كالقصاص و إن كانت حقّا للآدميّين.

و أكثرهم على اختصاص المنع بحدود اللّه تعالى. و منهم من أثبتها في الحدود أيضا.

و اعلم أن إطلاق المصنف كون محلّها حقوق الآدميّين قد يوهم خروج ما كان حقّا للّه تعالى و ليس حقّا للآدمي و إن لم يكن حدّا. و هذا ليس بمراد، بل الضابط ما ذكرناه من أن محلّها ما عدا الحدود، أو ما عدا حدود اللّه تعالى، كما تقتضيه الأدلّة و الفتاوى.

المقصود من الشهادة على الشهادة إثبات شهادة شاهد الأصل عند الحاكم، فكانت الشهادة كغيرها من الحقوق غير الماليّة، فيفتقر إثباتها إلى شاهدين ذكرين.

____________

(1) اللباب في شرح الكتاب 4: 68، الحاوي الكبير 17: 221، حلية العلماء 8: 295، المغني لابن قدامة 12: 87، روضة الطالبين 8: 261.

272

و للتحمّل مراتب، (1) أتمّها أن يقول شاهد الأصل: اشهد على شهادتي، أنني أشهد على فلان بن فلان، لفلان بن فلان بكذا. و هو الاسترعاء.

____________

ثمَّ إن شهد شاهدان على أحدهما و آخران على شهادة الآخر تمَّ النصاب بلا كلام. و إن شهد كلّ منهما على كلّ منهما، أو أحدهما مع شاهد الأصل على الأصل الآخر، فعندنا أن الحكم كذلك، لتحقّق إثبات شهادة الشاهد باثنين، و هو المعتبر في الإثبات.

و خالف في ذلك بعض العامّة (1)، فمنع من جميع هذه الصور التي ذكرها المصنف، و اعتبر المغايرة في شهود كلّ فرع. فشرط شهادة أربعة على الشاهدين، و على رجل و امرأتين ستّة. و لو شهدوا على أربع من النساء في مثل الولادة افتقر إلى ثمانية، يشهد على كلّ واحدة اثنان. و هكذا.

و الأكثر على ما اخترناه من الاجتزاء باثنين مطلقا، لأنهما شهدا على الجميع، كما لو شهدا على إقرار رجلين أو أربعة.

و مبنى الخلاف في جواز كون الأصل فرعا مع آخر على أن الإشهاد على الشهادة هل هو لإثبات الشهادة، أو [هو] (2) بحكم النيابة عنها؟ فعلى الأول- و هو مذهب الأصحاب- يجوز أن يكون الأصل فرعا، لا على الثاني، لأنه لا يصحّ كونه نائبا عن نفسه و غيره، لأن قيامه بنفسه يستدعي استغناءه عن الغير، و نيابته يقتضي افتقاره، فلا يجتمعان.

قوله: «و للتحمّل مراتب. إلخ».

(1) إنما يجوز التحمّل إذا عرف أن عند الأصل شهادة جازمة بحقّ ثابت.

____________

(1) حلية العلماء 8: 298- 299، المغني لابن قدامة 12: 95- 96، روضة الطالبين 8: 265.

(2) من «أ» و الحجريّتين.

273

و أخفض منه أن يسمعه، يشهد عند الحاكم، إذ لا ريب في تصريحه هناك بالشهادة.

و يليه أن يسمعه يقول: أنا أشهد لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا، و يذكر السبب، مثل أن يقول: من ثمن ثوب أو عقار، إذ هي صورة جزم. و فيه تردّد.

أما لو لم يذكر سبب الحقّ، بل اقتصر على قوله: أنا أشهد لفلان على فلان بكذا، لم يصر متحمّلا، لاعتياد التسامح بمثله. و في الفرق بين هذه و بين ذكر السبب إشكال.

____________

و لمعرفته أسباب ذكرها المصنف- (رحمه اللّه)- في ثلاث مراتب.

أحدها: الاسترعاء. و هو: التماس شاهد الأصل رعاية شهادته. و الشهادة بها و الشهادة معه جائزة إجماعا. و لكن اختلفوا في كيفيّته، فذكر المصنف- (رحمه اللّه)- و الأكثر أن يقول شاهد الأصل للفرع: اشهد على شهادتي أنّني أشهد على فلان. إلخ. و في معناها أن يسمعه يسترعي شاهدا آخر. و كذا لو قال:

أشهدك على شهادتي، أو يقول: إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد. و لا يقول: أشهدك عن شهادتي. إلخ.

و الفرق بين «على» و «عن» أن قوله: «أشهدك على شهادتي» تحميل، و قوله: «عن شهادتي» إذن في الأداء، فكأنّه يقول: أدّها عنّي، إذ لإذنه أثر في الطريق، ألا تراه لو قال له بعد التحميل: لا تؤدّ عنّي تلك الشهادة، امتنع عليه الأداء.

274

..........

____________

و ربما رجّح بعضهم «عن»، بل ناقش في «على»، من حيث إنها تقتضي كون الشهادة مشهودا عليها، و إنما هي مشهود بها، و المشهود عليه هو الشاهد، و لا بدّ من التمييز بين المشهود به و له و عليه.

لكن رعاية التحمّل في «على» سهّل أمرها، و أخرجها عن كون الشهادة مشهودا عليها صرفا. مضافا إلى كونه هو المشهور في الاستعمال.

و ثانيها: أن يسمعه يشهد عند الحاكم أن لفلان على فلان كذا، فله أن يشهد على شهادته و إن لم يسترعه، لأنه لا يتصدّى لإقامة الشهادة عند الحاكم إلا بعد تحقّق الوجوب. و للحاكم أيضا أن يشهد على شهادته عند حاكم آخر. و الشهادة عند المحكّم (1) كالشهادة عند الحاكم المنصوب من الامام، لأنه لا يشهد عند المحكّم (2) أيضا إلا و هو جازم بثبوت المشهود به.

و ألحق بهذه المرتبة قوله: عندي شهادة مجزومة أو مثبوتة بأن على فلان لفلان كذا. و كذا لو قال: شهادة لا أرتاب فيها، أو لا أشكّ.

و يظهر من كلام ابن الجنيد منع هذه المرتبة، لأنه قال: «ليس للشهود أن يشهدوا إذا أخبرهم المشهود على شهادته، دون أن يسترعيهم إيّاها و يقول لهم بعد وصفه حال شهادته: فاشهدوا على شهادتي على فلان لفلان بكذا» (3).

و ثالثها: أن يبيّن سبب الوجوب، فيقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو قرض أو أرش جناية. فيجوز الشهادة على شهادته و إن لم يشهد عند الحاكم، و لا وجد منه استرعاء، لأن الاستناد إلى السبب يقطع احتمال الوعد

____________

(1) في «د، ط»: الحكم.

(2) في «ا، ط»: الحكم، و في «د»: الحاكم.

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 729.

275

..........

____________

و التساهل.

و المصنف- (رحمه اللّه)- تردّد في قبول هذه الصورة، و كذلك العلامة (1).

و منشأ التردّد ممّا ذكر، و من اعتياد التسامح بمثل ذلك في غير مجالس الحكّام. و الوجه القبول، لأن العدالة تمنع المسامحة إلى هذه الغاية.

و لو قال: أشهد أن عليه كذا. إلخ، و لم يذكر السبب، و لا كان ذلك في مجلس الحاكم، فهذه الصورة قطع المصنف- رحمه للّه- و غيره (2) بعدم جواز الشهادة عليها، لاعتياد التسامح بذلك من غير تحقيق لغرض صحيح أو فاسد، و لو آل الأمر إلى أن إقامة الشهادة لا تخلو عنها، و لاحتمال إرادة الوعد، بمعنى أن المشهود عليه كان قد وعد المشهود له بذلك فجعلها عليه، لأن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق، فنزّله منزلة الدّين. و ليس كذلك لو سمعه يقول: لفلان عليّ كذا، فإنه يجوز الشهادة عليه بالإقرار، و لا يحمل على الوعد و لا على التساهل.

و فرّقوا بين الإقرار و تحمّل الشهادة بوجهين:

أحدهما: أن الشهادة يعتبر فيها ما لا يعتبر في الإقرار، ألا ترى أنه لا تقبل شهادة الفاسق و المغفّل و الشهادة بالمجهول، و الإقرار يخالفه، فجاز أن يعتبر في تحمّل الشهادة ما لا يعتبر في تحمّل الإقرار.

و الثاني: أن المقرّ مخبر عن نفسه، و الشاهد مخبر عن غيره، [و المخبر عن غيره] (3) قد يتساهل، فيحتاج فيه إلى الاحتياط، بخلاف المخبر عن نفسه.

و اعلم: أن المصنف- (رحمه اللّه)- استشكل الفرق بين هذه الصورة التي سمعه يشهد من غير أن يذكر السبب، و بين ما لو ذكر السبب.

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 241.

(2) قواعد الأحكام 2: 241.

(3) من «ت، ث، خ».

276

ففي صورة الاسترعاء، (1) يقول: أشهدني [فلان] على شهادته.

و في صورة سماعه عند الحاكم، يقول: أشهد أن فلانا شهد عند الحاكم بكذا.

و في صورة السماع لا عنده، يقول: أشهد أن فلانا شهد على فلان لفلان بكذا، بسبب كذا.

____________

و وجه الإشكال: من حيث اشتمال الصيغتين على الجزم الذي لا يناسب العدل أن يتسامح فيه.

و استشكاله في الفرق يحتمل معنيين:

أحدهما- و هو الأظهر-: إلحاق الأولى بالثانية في عدم القبول، لقيام الاحتمال بالتسامح و الوعد، فيكون الإشكال موافقا لتردّده السابق في حكم ما لو ذكر السبب، و يقتضي عدم قبول الشهادة في الموضعين، بخلاف ما ذكره الشيخ (1) و غيره (2) من الفرق و قبول الأولى دون الثانية.

و الثاني: إلحاق الثانية بالأولى في القبول، لاشتراكهما في الشهادة بصيغة الجزم الذي لا يصحّ للعدل أن يتلفّظ به من غير علم بالحال، و لا يجوز في سماعه ذلك ممّن لا يوثق به أو وعد و نحوه. إلا أن هذا الحكم بعيد، بل لم يقل به أحد و إن كان محتملا.

و المحصّل من الاشكال هو أن الحكم في إحداهما بالقبول دون الأخرى ترجيح من غير مرجّح، ردّا على الشيخ (3) حيث فرّق.

قوله: «ففي صورة الاسترعاء. إلخ».

(1) يجب على الفرع عند أداء الشهادة أن يبيّن جهة التحمّل، لأن الغالب على

____________

(1) المبسوط 8: 231.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 142.

(3) المبسوط 8: 232.

277

و لا تقبل شهادة الفرع، (1) إلّا عند تعذّر حضور شاهد الأصل.

و يتحقّق العذر: بالمرض، و ما ماثله، و بالغيبة. و لا تقدير لها.

و ضابطه: مراعاة المشقّة على شاهد الأصل في حضوره.

____________

الناس الجهل بطريق التحمّل، فربما استند إلى سبب لا يجوز التحمّل به، فإذا ذكر السبب زال الريب، و للاختلاف (1) في المراتب كما عرفت، فربما أطلق الشهادة و كانت مستندة إلى وجه يجوز عنده لا عند الحاكم.

فإن استرعاه الأصل قال: أشهد أن فلانا شهد أن لفلان على فلان كذا و أشهدني على شهادته، أو يقول ابتداء: أشهدني فلان على شهادته أن لفلان.

إلخ. و إن لم يسترعه بيّن أنه شهد عند الحاكم، أو أنه أسند المشهود به إلى سببه.

و في الاكتفاء بقوله: أشهد على شهادة فلان بكذا، مع الوثوق بمعرفة المراتب، و موافقة رأيه لرأي الحاكم، فيها وجهان، من ظهور الاستناد إلى سبب صحيح نظرا إلى الثقة به، و من تطرّق الاحتمال.

قوله: «و لا تقبل شهادة الفرع. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب اشتراط تعذّر حضور شاهد الأصل في قبول شهادة الفرع. و في خبر محمد بن مسلم السابق (2) دليل عليه، لأنه شرط أن يكون به علّة تمنعه من أن يحضر و يقيمها.

و نقل الشيخ في الخلاف (3) عن بعض أصحابنا عدم اشتراط ذلك، و مال

____________

(1) في «ث، د، خ، م»: و الاختلاف.

(2) راجع ص: 269.

(3) الخلاف 6: 315 ذيل مسألة (65).

278

..........

____________

إليه. و استدلّ عليه بأن الأصل قبول الشهادة على الشهادة، و تخصيصها بوقت دون وقت أو على وجه دون وجه يحتاج إلى دليل.

قال: «و أيضا روى (1) أصحابنا أنه إذا اجتمع شاهد الأصل و شاهد الفرع و اختلفا، فإنه تقبل شهادة أعدلهما، حتى إن في أصحابنا من قال: تقبل شهادة الفرع و تسقط شهادة الأصل» (2).

و المذهب هو المشهور. و عليه، فالمعتبر تعذّر حضور الأصل لموت، أو زمانة، أو مانع يمنعه من حضور مجلس الحكم و إن كان حاضرا، أو يوجب له تحمّل مشقّة لا تتحمّل غالبا. و لا فرق بين أن يكون فوق مسافة العدوى، و هي التي لو خرج بكرة لأداء الشهادة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلا، و دونها عندنا، عملا بالأصل.

و اشترط بعض العامّة (3) كونه فوق مسافة القصر، و آخرون مسافة العدوى.

و إلى خلافهما أشار المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: «و لا تقدير لها» لأنه رجوع إلى ما لا دليل عليه. و في خبر محمد بن مسلم السابق (4): «و لو كان خلف سارية إذا كان لا يمكنه أن يقيمها».

____________

(1) الكافي 7: 399 ح 1 و 2، الفقيه 3: 41 ح 137، التهذيب 6: 256 ح 669 و 670، الوسائل 18:

299 ب «46» من أبواب الشهادات.

(2) الخلاف 6: 315- 316.

(3) الحاوي الكبير 17: 225، حلية العلماء 8: 297- 298، المغني لابن قدامة 12: 90- 91، روضة الطالبين 8: 267.

(4) راجع ص: 269.

279

و لو شهد شاهد الفرع، (1) فأنكر [شاهد] الأصل، فالمرويّ العمل بشهادة أعدلهما. فإن تساويا اطّرح الفرع.

و هو يشكل بما أنّ الشرط في قبول الفرع عدم الأصل. و ربّما أمكن، لو قال الأصل: لا أعلم.

____________

قوله: «و لو شهد شاهد الفرع. إلخ».

(1) الحكم في هذه المسألة مبنيّ على السابقة، فإن قلنا بعدم اشتراط تعذّر حضور شاهد الأصل في صحّة شهادة الفرع تمشّى هذا البحث هنا، لجواز إحضار الفرع و إن كان شاهد الأصل موجودا.

و أما على المشهور من اشتراط تعذّره، فشهد الفرع ثمَّ حضر الأصل، فإن كان بعد الحكم لم يعتدّ بإنكاره، و أمضي الحكم على وفق شهادة الفرع. و هذا لا إشكال فيه أيضا.

و إن كان حضوره قبل الحكم بشهادة الفرع فأنكر، فالمشهور سقوط شهادة الفرع، لأن الشرط في سماعها تعذّر الأصل و قد زال. و لأن مستند شهادة الفرع شهادة الأصل و هي مفقودة، فيفقد ما استند إليها. و هذا هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه)، و قبله الشيخ في المبسوط (1) و ابن إدريس (2) و جماعة [من] (3) المتأخّرين (4).

و ذهب جماعة- منهم الصدوقان (5)، و الشيخ في النهاية (6)، و تلميذه

____________

(1) المبسوط 8: 233.

(2) السرائر 2: 127.

(3) من «ل».

(4) المختلف: 723، غاية المراد: 333- 334، التنقيح الرائع 4: 321.

(5) المقنع: 399، و حكاه عنهما العلامة في المختلف: 723.

(6) النهاية: 329.

280

..........

____________

القاضي (1)- إلى الحكم بشهادة أعدلهما، لصحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام): «في رجل شهد على شهادة رجل، فجاء الرجل فقال: لم أشهده، فقال: تجوز شهادة أعدلهما، و لو كانت عدالتهما واحدة لم يجز الشهادة» (2).

و هذه الرواية و إن كان ظاهرها متروكا، من حيث اشتماله على شهادة الرجل الواحد على الواحد، إلّا أن المطلوب يتمّ منها. على أن ذكر الواحد لا ينفي غيره، فيمكن حملها على وجه يصحّ.

و لكن يشكل تمشّيها على القول المشهور من اشتراط تعذّر حضور شاهد الأصل.

و المصنف- (رحمه اللّه)- قال: يمكن ذلك على تقدير أن يقول الأصل: لا أعلم.

و اعترضه السيّد عميد الدين (3)- (رحمه اللّه)- بأنه لا يمكن حينئذ العمل بقول الأعدل إذا كان الأصل، لأنه غير شاهد.

و أورد عليه الشهيد- (رحمه اللّه)- أيضا بأن ذلك غير منطوق الرواية، لتضمّنها قوله: «لم أشهده».

ثمَّ وجّهها بأنه: «لا يلزم من أنه يشترط في إحضار شاهد الفرع تعذّر الأصل أن يكون ذلك في السماع. سلّمنا لكن المراد إذا كان الأصل و الفرع متّفقين، فإنه حينئذ لا يحتاج إلى شهادة الفرع، للاستغناء بالأصل، و زيادة الكلفة

____________

(1) المهذّب 2: 561.

(2) الكافي 7: 399 ح 1، التهذيب 6: 256 ح 670، الوسائل 18: 300 ب «46» من أبواب الشهادات ح 3.

(3) حكاه عنه الشهيد الأول في غاية المراد: 334.

281

و لو شهد الفرعان (1) ثمَّ حضر شاهد الأصل، فإن كان بعد الحكم لم يقدح في الحكم وافقا أو خالفا. و إن كان قبله، سقط اعتبار الفرع. و بقي الحكم لشاهد الأصل.

و لو تغيّرت حال الأصل بفسق أو كفر، لم يحكم بالفرع، لأنّ الحكم مستند إلى شهادة الأصل.

____________

بالبحث عن الجرح و التعديل، أما مع التناكر فيمتنع تناول العبارة له.

و بالجملة، فهم لم يصرّحوا بأن ذلك مناف لشهادة الفرع، بل ظاهر كلامهم أن سماع شهادة الفرع مشروط بتعذّر شاهد الأصل إذا كان يشهد، و المنكر لم يشهد» (1).

و في المختلف حمل الرواية: «على ما إذا أنكر بعد الحكم، فإنه لا يقدح في الحكم بشهادة أعدلهما، اعتبارا بقوّة الظنّ، أما قبل الحكم فإن شهادة الفرع تبطل قطعا» (2).

و الأقوى أن إنكاره بعد الحكم أيضا لا يلتفت إليه. و قيل: يطرح الفرع.

فالرواية تخالف الأصول على التقديرين.

قوله: «و لو شهد الفرعان. إلخ».

(1) إذا طرأ بعد التحمّل ما يمنع شهادة الفرع، بأن حضر الأصل بناء على اعتبار غيبته، أو كفر أو فسق، أو طرأ له عداوة للمشهود عليه، فإن كان بعد الحكم بشهادة الفرع لم ينقض، كما لو شهد الأصل بنفسه ثمَّ تجدّد فسقه أو غيره من موانع الشهادة.

____________

(1) غاية المراد: 333.

(2) المختلف: 723.

282

..........

____________

و لم يخالف في ذلك إلا ابن حمزة (1)، فإنه حكم بتقديم أعدلهما. و مال إليه في المختلف (2)، مؤوّلا به الرواية السابقة. و قد تقدّم.

و إن كان قبل الحكم و قبل أداء الشهادة، فلا إشكال في بطلانها أيضا، لأنها شهادة على فاسق أو غيره ممّن لا تقبل شهادته، و لسقوط اعتبار الفرع بحضور الأصل.

و إن كان بعد الشهادة و قبل الحكم، فالمشهور بين الأصحاب أن الحكم كذلك. أما مع الحضور فلسقوط اعتبار الفرع، فلو حكم به اقتضى (3) الحكم بشهادة الفرع مع حضور الأصل، و هو ممنوع. و أما مع عروض قوادح الشهادة فلصدق القضاء بشهادة الفاسق و نحوه، لأن الفرع إنما يؤدّي شهادة الأصل، و الحكم إنما هو بها، و كما لو فسق الأصل بعد شهادته و قبل الحكم.

و وجّهوه أيضا بأن هذه الحالات لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث الريبة فيما تقدّم، و الردّة تشعر بخبث في العقيدة سابق، و العداوة لضغائن كانت مستكنّة، و ليس لمدّة الريبة من قبل ضبط، فينعطف إلى حالة التحمّل.

و لو فرض زوالها قبل الشهادة عليه فهل للفرع أن يشهد بالتحمّل الأول، أم يحتاج إلى تحمّل جديد، بناء على انعطاف الريبة إلى حالة التحمّل؟ فيه وجهان ناشئان من كونه عدلا عند الشهادة عليه و عند أدائها، و من الريبة المذكورة.

و لا يقدح طروّ جنون الأصل و الإغماء عليه، و العمى فيما لا تقبل شهادة الأعمى فيه، كما لو مات، لأن ذلك لا يوقع ريبة فيما مضى، و لأن العمى لا يبطل أهليّة الشهادة بالكلّية.

____________

(1) الوسيلة: 233- 234.

(2) المختلف: 723.

(3) في الحجريّتين: اختصّ.

283

و تقبل شهادة النساء (1) على الشهادة، فيما تقبل فيه شهادة النساء منفردات، كالعيوب الباطنة و الاستهلال و الوصيّة. و فيه تردّد، أشبهه المنع.

____________

قوله: «و تقبل شهادة النساء. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في جواز شهادة النساء فرعا في موضع تجوز شهادتهنّ فيه أصلا على قولين:

أحدهما: الجواز. ذهب إليه الشيخ في الخلاف (1)، محتجّا بالإجماع و الأخبار، و قوّاه في المبسوط (2)، لكنّه جعل الآخر أحوط، و ابن الجنيد (3) و العلامة في المختلف (4)، للأصل، و عموم قوله تعالى فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ (5). و عموم رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) أن عليّا (عليه السلام) قال: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق و لا نكاح و لا حدود، إلا في الديون و ما لا يستطيع الرجال النظر إليه» (6). و ذلك شامل للشهادة الأصليّة و الفرعيّة. و لأن شهادتهنّ أصلا ثابتة فالفرع أولى، لاستناده إلى شهادة الأصل أو مساو.

و الثاني: المنع. ذهب إليه الشيخ في موضع من المبسوط (7)، و ابن

____________

(1) الخلاف 6: 316 مسألة (66).

(2) المبسوط 8: 233- 234.

(3) حكاه فخر المحقّقين عنه في إيضاح الفوائد 4: 447.

(4) المختلف: 724.

(5) البقرة: 282.

(6) التهذيب 6: 281 ح 773، الاستبصار 3: 25 ح 80، الوسائل 18: 267 ب «24» من أبواب الشهادات ح 42.

(7) لم نجده فيه، و لعلّه أراد ما حكاه عنه قبل أسطر من الحكم بالأحوطيّة. و نسب إليه المنع الشهيد في غاية المراد: 333.

284

..........

____________

إدريس (1)، و العلامة في غير المختلف (2)، و المصنف- (رحمه اللّه)- هنا، و تردّد في النافع (3)، و كذا العلامة في الإرشاد (4).

و وجه المنع: أن المجوّز له إنما هو الضرورة، أما لضرورة الانفراد أو لفقد الرجال، كما في حالة الوصيّة، و لا ضرورة هنا. و لاختصاص النساء ببعض (5) الأحكام غالبا.

و الجواب عن الأول: أن الأصل عدل عنه للدليل. و الآية محلّها الأموال، و الشهادة ليست مالا. و رواية السكوني مع ضعفها لا تدلّ على المطلوب، مع أنها عمدة الشيخ و العلامة في المختلف، لأنه صدّر بها الاستدلال.

و وجه عدم الدلالة: أنه جعل مورد شهادتهنّ الديون و ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، و شهادتهنّ فرعا إنما هي على الشهادة، و نفس الشهادة ليست من الديون و لا الأموال، و يطّلع عليها الرجال، فلا يدخل في الخبر، و لا في قاعدة ما تدخل فيه شهادة النساء. و هذا أقوى.

إذا تقرّر ذلك، فاعلم أن قول المصنف: «تقبل شهادة النساء على النساء.

إلخ» يدلّ على أن مورد الخلاف شهادتهنّ عليهنّ في موضع ينفردن بالشهادة، فيخرج من ذلك ما لو كان في موضعهنّ رجال حيث يجوز انفرادهنّ، فإن الشهادة في هذا المحلّ لا تختصّ بهنّ، بل يجوز بالرجال أيضا بطريق أولى.

و يخرج من ذلك أيضا ما لو كان المحلّ ممّا تقبل فيه شهادتهنّ منضمّات،

____________

(1) السرائر 2: 128- 129.

(2) قواعد الأحكام 2: 242، تحرير الأحكام 2: 216.

(3) المختصر النافع 2: 290.

(4) إرشاد الأذهان 2: 165.

(5) في «ا، ث، د، ط»: بنقض.

285

ثمَّ الفرعان (1) إن سمّيا الأصل و عدّلاه، قبل. و إن سمّياه و لم يعدّلاه سمعها الحاكم، و بحث عن الأصل، و حكم مع ثبوت ما يقتضي القبول، و طرح مع ثبوت ما يمنع القبول لو حضر و شهد. أما لو عدّلاه و لم يسمّياه، لم تقبل.

____________

سواء شهدن فرعا على النساء أم على الرجال.

و في النافع (1) جعل مورد الخلاف شهادتهنّ على الشهادة في الموضع الذي تقبل فيه شهادتهنّ، و هو شامل لجميع هذه الموارد. و بهذا صرّح جماعة منهم الشهيد في الشرح (2) و العلامة في المختلف (3). و هو الحقّ.

و على هذا، فموضع القول بالجواز شهادتهنّ على الشهادة فيما لهنّ فيه مدخل، سواء شهدن على مثلهنّ أم على الرجال. و حينئذ فتشهد على شاهد أربع نساء، سواء كان المشهود عليه رجلا أم امرأة. فلو كنّ أربع نساء شهدت عليهنّ ستّ عشرة امرأة، إن لم يشتركن في الشهادة على أزيد من واحدة، و إلا أمكن الاجتزاء بالأربع، كما مرّ (4) في شهادة الرجلين.

قوله: «ثمَّ الفرعان. إلخ».

(1) يجب على الفروع تسمية شهود الأصل و تعريفهم، لاشتراط معرفة عدالتهم، و ما لم يعرّفوا لا تعرف عدالتهم. و لو وصفوا الأصول بالعدالة و لم يسمّوهم، بأن قالوا: نشهد على شهادة عدلين أو عدول، لم يجز، لأن الحاكم قد يعرفهم بالجرح لو سمّوا. و لأنهم قد يكونون عدولا عند قوم و فسّاقا عند آخرين،

____________

(1) المختصر النافع 2: 290.

(2) غاية المراد: 332.

(3) المختلف: 724.

(4) في ص: 271.

286

و لو أقرّ باللواط، (1) أو بالزّنا بالعمّة أو الخالة، أو بوطي البهيمة، ثبت بشهادة شاهدين. و تقبل في ذلك الشهادة على الشهادة.

و لا يثبت بها حدّ، و يثبت انتشار حرمة النكاح. و كذا لا يثبت التعزير في وطي البهيمة، و يثبت تحريم الأكل في المأكولة. و في الأخرى، وجوب بيعها في بلد آخر.

____________

لأن العدالة مبنيّة على الظاهر. و لأن ذلك يسدّ باب الجرح على الخصم.

و لا يشترط في شهادة الفرع تزكية شهود الأصل، بل له إطلاق الشهادة، ثمَّ الحاكم يبحث عن عدالتهم، خلافا لبعض العامّة (1). و على تقدير تزكيتهم و هم بصفات المزكّين تثبت عدالتهم، لوجود المقتضي و انتفاء المانع.

قوله: «و لو أقرّ باللواط. إلخ».

(1) قد عرفت أن الشهادة على الشهادة إنما تردّ في الحدود، فلو اشتمل سبب الحدّ على أمرين أو أمور منها الحدّ، كاللواط المترتّب عليه نشر الحرمة بأمّ المفعول و أخته و بنته، و الزنا بالعمّة و الخالة المترتّب عليه تحريم بنتهما، أو الزنا مطلقا على ما تقدّم (2) من الخلاف، و كالزنا مكرها للمرأة بالنسبة إلى ثبوت المهر، و كوطي البهيمة المترتّب عليه التعزير و تحريم الأكل أو البيع، لم تقبل في الحدّ.

و هل تردّ في غيره؟ وجهان، من تلازم الأمرين أو الأمور، و كونها معلول علّة واحدة، فلو ثبت بعضها لزم ثبوت البعض الآخر، لترتّب الجميع على ثبوت أصل الفعل و هو الوطي، و من وجود المانع في بعضها و هو الحدّ بالنصّ أو الإجماع، فيبقى الباقي، لأنه حقّ آدميّ لا مانع من إثباته بشهادة الفرع.

____________

(1) روضة الطالبين 8: 267.

(2) راجع ص: 269.

287

..........

____________

و تلازم معلولات الأحكام المستندة إلى علّة واحدة ممنوع، و من ثمَّ ثبت بالشهادة على الشهادة بالسرقة المال دون الحدّ، و كذا مع الشاهد و المرأتين و بالعكس لو كان المقرّ سفيها، إلى غير ذلك من الأحكام التي ينفكّ بعض معلولاتها عن بعض مع استنادها إلى علّة واحدة، فإن هذه العلل معرّفات، و جاز أن تكون العلّة في بعضها ذلك الأمر مع شيء آخر ممّا يقتضيه الحكم. و هذا هو الأقوى.

فعلى هذا يثبت بشهادة الفرع حقّ الآدمي دون الحدّ، سواء كانت الشهادة على نفس السبب و هو الزنا و اللّواط [و الوطي] (1)، أم على الإقرار بذلك.

و إنما فرض المصنف الحكم في الإقرار حذرا من تبعيض حكم السبب الواحد على تقدير الشهادة بنفس الزنا مثلا، فإنه سبب في الحدّ و في نشر الحرمة، فيشكل تبعّض الشهادة في أحدهما دون الآخر، بخلاف الإقرار بالفعل، فإنه ليس سببا للحدّ، و إنما السبب هو الفعل المقرّ به.

و الأصحّ عدم الفرق. و حينئذ فإن كانت الشهادة على الإقرار كفى اثنان في الأصل و [في] (2) الفرع على كلّ منهما، لأن الإقرار ممّا يثبت بشاهدين. و قيل:

يتوقّف الإقرار بالزنا على أربعة كأصله. و اختاره العلامة (3).

و إن كانت شهادة الأصل على نفس الزنا اعتبر كونهم أربعة. و هل يشترط ذلك العدد في شاهد الفرع، أم يكفي على كلّ واحد اثنان؟ فيه وجهان منشؤهما

____________

(1) من «ت، ث، ط، م».

(2) من «ت، خ، ط، م».

(3) لم نعثر عليه. و نسبه فخر المحقّقين إلى مختلفة في إيضاح الفوائد 4: 432.

288

[الطرف الخامس في اللواحق]

الطرف الخامس في اللواحق و هي قسمان:

[الأوّل في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد]

الأوّل في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد و تترتّب عليه مسائل:

[الأولى: توارد الشاهدين (1) على الشيء الواحد شرط في القبول]

الأولى: توارد الشاهدين (1) على الشيء الواحد شرط في القبول، فإن اتّفقا معنى حكم بهما و إن اختلفا لفظا، إذ لا فرق بين أن يقولا:

غصب، و بين أن يقول أحدهما: غصب، و الآخر: انتزع.

و لا يحكم لو اختلفا معنى، مثل: أن يشهد أحدهما بالبيع، و الآخر بالإقرار بالبيع، لأنّهما شيئان مختلفان. نعم، لو حلف مع أحدهما ثبت.

____________

من أنها (1) شهادة على الزنا و تلك الأحكام تابعة له، و أنه لو اكتفي باثنين لكان شهود الأصل أسوء حالا من شهود الفرع، مع أن الظاهر العكس أو التساوي، و من أن المقصود هو حقّ الآدميّ من المال و غيره، و هو ممّا يكفي فيه اثنان، و يمنع اشتراط مساواة شهود الفرع للأصل مطلقا، إذ لا دليل عليه.

قوله: «توارد الشاهدين. إلخ».

(1) لا بدّ في قبول الشهادة من موافقتها للدعوى، و توافق الشاهدين معنى لا لفظا، لأن المشهود به لا يثبت إلا بتمام العدد. فلو قال أحدهما: غصب، و الآخر:

انتزع قهرا أو ظلما، فالمعنى واحد و إن اختلف اللفظ، فقد حصل بالفعل الواحد

____________

(1) في «ت، ث، ط»: أنهما.

289

[الثانية: لو شهد أحدهما أنه سرق نصابا غدوة، و شهد الآخر أنه سرق عشيّة]

الثانية: لو شهد أحدهما (1) أنه سرق نصابا غدوة، و شهد الآخر أنه سرق عشيّة، لم يحكم بها، لأنها شهادة على فعلين.

و كذا لو شهد الآخر أنه سرق ذلك بعينه عشيّة، لتحقّق التعارض، أو لتغاير الفعلين.

[الثالثة: لو قال أحدهما: سرق دينارا، و قال الآخر: درهما]

الثالثة: لو قال أحدهما: سرق دينارا، (2) و قال الآخر: درهما، أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض، و قال الآخر: أسود، و في كلّ واحد يجوز أن يحكم مع أحدهما و مع يمين المدّعي، لكن يثبت له الغرم، و لا يثبت

____________

شاهدان، بخلاف ما لو شهد أحدهما بالبيع و الآخر بالإقرار به، فإن البيع لم يقم به إلا شاهد واحد، و كذلك الإقرار، لتعدّدهما، فيحلف المدّعي مع أحدهما.

و كذا لو كانت الشهادة على أمر واحد و اختلفا في زمانه أو مكانه أو وصفه، بأن قال أحدهما: إنه غصبه الثوب يوم الجمعة، و قال الآخر: يوم السبت، أو في البيت، و قال الآخر: في المسجد، أو ثوب كتّان، و قال الآخر: قطن، لاقتضاء ذلك تغاير الفعلين. و حينئذ فيحلف مع أحدهما، سواء تكاذبا أم لا (1)، لأن التعارض إنما يكون بين البيّنتين الكاملتين.

قوله: «لو شهد أحدهما. إلخ».

(1) في التعليل لفّ و نشر غير مرتّب، فإن تحقّق التعارض الذي علّل به أولا يحصل في الفرض الثاني، و تغاير الفعلين يحصل في الأول، لأن النصاب المشهود به في الأول غير معيّن، فكانت الشهادة على فعلين. و في المسألتين لا يثبت الفعل، لأن به شاهدا واحدا.

قوله: «لو قال أحدهما: سرق دينارا. إلخ».

(2) كما يجوز للمدّعي أن يحلف مع أحدهما يجوز له أن يحلف معهما، لعدم

____________

(1) في «ط»: أم تصادقا.

290

القطع.

و لو تعارض في ذلك بيّنتان على عين واحدة، سقط القطع للشبهة، و لم يسقط الغرم.

و لو كان تعارض البيّنتين لا على عين واحدة، ثبت الثوبان و الدرهمان.

____________

المنافاة، فيثبت الدينار و الدرهم و الثوب الأبيض و الأسود، إذا لم يعيّنا الزمان بحيث يحصل التنافي، فيقتصر على الحلف مع أحدهما خاصّة. و لا يثبت القطع هنا، لأن الحدّ لا يثبت باليمين.

و لو شهد بالفعلين شاهدان، فإن تعارضا، بأن شهد شاهدان أنه سرق منه دينارا يوم الجمعة عند الزوال، و شهد آخران أنه سرق منه ذلك الدينار بعينه في وقت آخر، بحيث لا يمكن الجمع بين الفعلين، سقط القطع، للشبهة و الحدّ يدرأ بها، و لا يسقط الغرم، لثبوت سرقة الدينار المعيّن على التقديرين.

و إن لم يتعارضا، بأن شهدت إحداهما بسرقته غدوة، و الأخرى عشيّة، بحيث يمكن أن يستردّه المالك ثمَّ يسرقه مرّة أخرى، ثبت القطع و الغرم.

و كذا لو اختلفت العين، بأن شهدت إحداهما بسرقة الثوب الأبيض، و الأخرى بسرقة الأسود و لو في وقت واحد، أو شهدت إحداهما بسرقة الدينار، و الأخرى بسرقة الدرهم كذلك، يثبت الأمران، لإمكان الجمع حتى مع اتّحاد الزمان، لجواز أن يسرق فيه الأمران.

و في قول المصنف- (رحمه اللّه)-: «و لو كان تعارض البيّنتين لا على عين واحدة» تجوّز، لأنه لا تعارض حينئذ. و كذا في قوله: «تعارض في ذلك»، لأن

291

[الرابعة: لو شهد أحدهما أنه باعه هذا الثوب [غدوة] بدينار]

الرابعة: لو شهد أحدهما أنه باعه (1) هذا الثوب [غدوة] بدينار، و شهد [له] الآخر أنه باعه [ذلك الثوب] بعينه في ذلك الوقت بدينارين، لم يثبتا، لتحقّق التعارض، و كان له المطالبة بأيّهما شاء مع اليمين. و لو شهد له مع كلّ واحد شاهد آخر، ثبت الديناران.

و لا كذلك لو شهد واحد بالإقرار بألف، و الآخر بألفين، فإنه يثبت الألف بهما، و الآخر بانضمام اليمين.

و لو شهد بكلّ واحد شاهدان، ثبت ألف بشهادة الجميع، و الألف الآخر بشهادة اثنين.

____________

الإشارة تعود إلى الأمرين المختلفين، و الفرض هنا اتّحاد العين. و أما قوله: «ثبت الدرهمان» فالمراد به الدينار و الدرهم، و ثنّاهما باسم أحدهما أو باسم أخفّهما، كالقمرين و العمرين.

قوله: «لو شهد أحدهما أنه باعه. إلخ».

(1) إثبات التعارض بين الشاهدين باعتبار صورته، و إلا فالتعارض لا يتحقّق إلا بين البيّنتين الكاملتين كما مرّ (1). و لو اقتصر على قوله: «لم يثبتا، و كان له المطالبة. إلخ» كما فعل غيره كان أثبت، لأنه لم يقم بكلّ واحد من البيّنتين إلا شاهد واحد، فلذلك لم يثبتا.

و الفرق بين الإقرار و البيع- حيث يثبت القدر الأقلّ بهما، و يتوقّف الزائد على اليمين في الإقرار دون البيع-: أن الإقرار ليس سببا في ثبوت الحقّ في ذمّته، بل كاشف عن سبقه، فجاز تعدّده، و لم يناف أحد الإقرارين الآخر، بخلاف البيع، فإنه سبب لثبوت الحقّ، و لم يقم بكلّ واحد من السببين بيّنة كاملة.

____________

(1) راجع ص: 80 و 89.

292

و كذا لو شهد (1) أنه سرق ثوبا قيمته درهم، و شهد الآخر أنه سرقه و قيمته درهمان، ثبت الدرهم بشهادتهما، و الآخر بالشاهد و اليمين.

و لو شهد بكلّ صورة شاهدان، ثبت الدرهم بشهادة الجميع، و الآخر بشهادة الشاهدين بهما.

و لو شهد أحدهما بالقذف (2) غدوة، و الآخر عشيّة، أو بالقتل كذلك، لم يحكم بشهادتهما، لأنه شهادة على فعلين.

أما لو شهد أحدهما بإقراره بالعربيّة، و الآخر بالعجميّة، قبل، لأنه إخبار عن شيء واحد.

____________

و عليه يترتّب ما لو شهد بكلّ واحد من الإقرارين شاهدان، فإنه يثبت الأقلّ بشهادة الجميع و الزائد بشهادة الاثنين، بخلاف البيع، فإنه لا يثبت المجموع إلا بشاهدين، لعدم إمكان تعدّد السبب فيه.

قوله: «و كذا لو شهد. إلخ».

(1) الكلام في سببيّة السرقة بالنسبة إلى القيمة كالإقرار، فإن السرقة نفسها ليست سببا في كون قيمة الثوب درهما أو درهمين، و إنما القيمة أمر لازم للعين، سواء سرق أم لم يسرق، فكان ذلك بمنزلة ما لو شهد أحدهما أن له في ذمّته درهما، و الآخر أن له في ذمّته درهمين، فيثبت الدرهم بشهادتهما و الآخر مع اليمين.

و لو شهد بكلّ [واحد] (1) من الفرضين شاهدان ثبت الزائد بشهادة الاثنين، و الأقلّ بشهادة الجميع، لعدم التنافي.

قوله: «و لو شهد أحدهما بالقذف. إلخ».

(2) لأن القذف الواقع غدوة غير الواقع عشيّة، و لم يقم بكلّ واحد إلا شاهد

____________

(1) من «ث، ط».

293

[القسم الثاني في الطّوارئ]

القسم الثاني في الطّوارئ

[و هي مسائل]

و هي مسائل:

[الأولى: لو شهدا و لم يحكم [بهما]، فماتا، حكم بهما]

الأولى: لو شهدا و لم يحكم (1) [بهما]، فماتا، حكم بهما. و كذا لو شهدا ثمَّ زكيّا بعد الموت.

____________

واحد، فلا يثبت أحدهما و إن أمكن تعدّده، و لا محلّ لليمين مع أحدهما في الحدّ.

و أما القتل فكذلك، و يزيد أنه لا يقبل التكرّر، فالتكاذب متحقّق.

و أما شهادة أحدهما بالإقرار بالعربيّة و الآخر بالعجميّة، فإن أطلقا وقته أو ذكراه مختلفا ثبت مدلولهما، لما ذكرناه من أنه ليس بسبب حتى يحصل بتعدّد فعله اختلاف، و إنما مدلوله أمر خارج يمكن التعبير عنه في أوقات كثيرة و بلغات متعدّدة، و المدلول شيء واحد.

و لو اتّحد الوقت بحيث لا يمكن الاجتماع، بأن شهد أحدهما أنه أقرّ عند الزوال بلا فصل بالعربيّة، و الآخر أنه أقرّ في ذلك الوقت بعينه بالعجميّة، لم يثبت، للتكاذب.

قوله: «لو شهدا و لم يحكم. إلخ».

(1) لأن الحكم مستند إلى أدائهما و قد حصل. و الموت ليس قادحا في الشهادة، و إنما هو عذر طار غير منقّص (1) و لا يوجب تهمة، كما لو ناما أو جنّا أو أغمي عليهما أو على أحدهما.

____________

(1) في «ت، د»: منقض.

294

[الثانية: لو شهدا ثمَّ فسقا قبل الحكم، حكم بهما]

الثانية: لو شهدا ثمَّ فسقا (1) قبل الحكم، حكم بهما، لأن المعتبر بالعدالة عند الإقامة.

و لو كان حقّا للّه كحدّ الزنا، لم يحكم، لأنه مبنيّ على التخفيف، و لأنه نوع شبهة.

و في الحكم بحدّ القذف و القصاص تردّد أشبهه الحكم، لتعلّق حقّ الآدميّ به.

____________

و كذا الحكم لو شهدا و عدالتهما مجهولة عند الحاكم، و ماتا قبل التزكية، ثمَّ زكيّا بعد الموت، لأن الحكم بشهادتهما المؤدّاة لا بالتزكية، و إنما التزكية كاشفة عن صحّة الاعتماد على شهادتهما، فلم يقدح فيه موتهما قبلها (1).

قوله: «لو شهدا ثمَّ فسقا. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في جواز الحكم بشهادة العدلين لو طرأ فسقهما أو أحدهما بعد أداء الشهادة و قبل الحكم، فذهب الشيخ في الخلاف (2) و المبسوط (3) و ابن إدريس (4) و المصنف- (رحمه اللّه)- و العلامة (5) في أحد القولين إلى الجواز، محتجّين بأن الاعتبار بالعدالة عند الإقامة لا عند الحكم و قد حصل، و لأن الحكم بشهادتهما مع استمرار العدالة ثابت فكذا مع زوالها، عملا بالاستصحاب. مع أن المصنف- (رحمه اللّه)- قد حكم فيما سبق (6) بأنه لو طرأ فسق شاهد الأصل قبل

____________

(1) في «ا، د»: قبل الحكم.

(2) الخلاف 6: 320 مسألة (73).

(3) المبسوط 8: 244.

(4) السرائر 2: 179.

(5) قواعد الأحكام 2: 247.

(6) في ص: 281.

295

..........

____________

الحكم بشهادة الفرع لم يحكم، محتجّا بأن الحكم مستند إلى شهادة الأصل.

و هكذا فعل الشيخ في المبسوط (1)، و العلامة في التحرير (2). و لا فرق بين الأمرين، بل الحكم هنا بعدم الحكم أولى، لأنه مستند إلى شهادة من قد فسق خاصّة.

و ذهب العلامة في المختلف (3) و الشهيد (4) و جماعة (5) إلى عدم جواز الحكم، لأنهما فاسقان حال الحكم فلا يجوز الحكم بشهادتهما، إذ يصدق أنه حكم بشهادة فاسقين، كما لو رجعا قبله، و كما لو كانا وارثين و مات المشهود له قبل الحكم [بشهادتهما] (6). و لأن طروّ الفسق يضعّف ظنّ العدالة السابقة، لبعد طروّها دفعة واحدة.

و أجابوا عن الاستدلال الأول بأنه مصادرة، لأن كون الاعتبار بالعدالة حالة الأداء لا حال الحكم عين المتنازع. و هذا هو الأولى. و طروّ العدالة كطروّ الفسق.

و اتّفق القائلان (7) على أن المشهود به إذا كان حقّا للّه تعالى، كحدّ الزنا و اللواط و شرب المسكر، لم يحكم به، لوقوع الشبهة الدارئة للحدّ.

و لو اشترك الحدّ كالقذف و القصاص، ففي جواز الحكم عند القائل به في غيره وجهان، من بنائه على التخفيف و درئه بالشبهة، و من تعلّق حقّ الآدميّ به.

____________

(1) المبسوط 8: 233.

(2) تحرير الأحكام 2: 215.

(3) المختلف: 728.

(4) الدروس الشرعيّة 2: 133.

(5) الجامع للشرائع: 546.

(6) من «خ».

(7) في «ث»: القائلون.

296

[الثالثة: لو شهدا لمن يرثانه، فمات قبل الحكم]

الثالثة: لو شهدا لمن يرثانه، (1) فمات قبل الحكم، فانتقل المشهود به إليهما، لم يحكم لهما بشهادتهما.

[الرابعة: لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم، لم يحكم]

الرابعة: لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم، لم يحكم. و لو رجعا بعد الحكم و الاستيفاء و تلف المحكوم به، لم ينقض الحكم، و كان الضمان على الشهود.

و لو رجعا بعد الحكم و قبل الاستيفاء، فإن كان حدّا للّه نقض

____________

و رجّح المصنف- (رحمه اللّه)- حقّ الآدميّ.

و على هذا، لو كان المشهود به السرقة حكم بالمال خاصّة. و عدمه فيها (1) أقوى.

قوله: «لو شهدا لمن يرثانه. إلخ».

(1) نبّه بقوله: «لم يحكم لهما بشهادتهما» على وجه الحكم، فإنه لو حكم بشهادتهما لزم أن يكون قد حكم للمدّعي بشهادته، و هو باطل قطعا.

و لو كان لهما في الميراث شريك ففي ثبوت حصّته بشهادتهما وجهان، من انتفاء المانع من جهته، و من أنها شهادة واحدة فلا تتبعّض، كما لو شهد بعض رفقاء القافلة المأخوذين لبعض. و هذا أقوى. و به قطع في القواعد (2).

و يجيء على القول بعدم قدح طروّ الفسق احتمال عدمه هنا اعتبارا بحالة الأداء، كما علّل به السابق، و عند الأداء لم يكن الشهادة لهما، إلا أن الجميع اتّفقوا على امتناع الحكم هنا.

قوله: «لو رجعا عن الشهادة. إلخ».

(2) رجوع الشهود عن الشهادة إما أن يفرض قبل القضاء بشهادتهم، أو بعده.

____________

(1) في «خ، ط»: فيهما.

(2) قواعد الأحكام 2: 247.

297

الحكم، للشبهة الموجبة للسقوط. و كذا لو كان للآدمي، كحدّ القذف، أو مشتركا كحدّ السرقة. و في نقض الحكم لما عدا ذلك من الحقوق تردّد.

أما لو حكم و سلّم، فرجعوا و العين قائمة، فالأصحّ أنه لا ينقض و لا تستعاد العين. و في النهاية: تردّ على صاحبها. و الأوّل أظهر.

____________

فإن كان قبله امتنع القضاء مطلقا، لأنّا لا ندري أنهم صدقوا في الأول أو في الآخر، فلا يبقى ظنّ الصدق، و لم يحصل حكم يمتنع نقضه.

ثمَّ إن اعترفوا بأنّهم تعمّدوا الكذب فهم فسقة يستبرؤن. و إن قالوا: غلطنا، لم يفسقوا، لكن لا تقبل تلك الشهادة لو أعادوها.

و لو كانوا قد شهدوا بالزنا، فرجعوا و اعترفوا بالتعمّد، حدّوا للقذف. و إن قالوا: غلطنا، ففي حدّ القذف وجهان:

أحدهما: المنع، لأن الغالط معذور.

و أظهرهما الوجوب، لما فيه من التعيير، و كان من حقّهم التثبّت و الاحتياط. و على هذا تردّ شهادتهم. و لو قلنا لا حدّ فلا ردّ.

و لو رجعوا بعد القضاء، فرجوعهم إما أن يكون قبل الاستيفاء أو بعده. فإن رجعوا قبل الاستيفاء، نظر إن كانت الشهادة في مال استوفي، لأن القضاء قد نفذ فيه، و ليس هو ممّا يسقط بالشبهة حتى يتأثّر بالرجوع. و فيه وجه آخر أنه لا يستوفي، لأن الحكم لم يستقرّ بعد، و الظنّ قد اختلّ بالرجوع.

و إن كانت في حدّ (1) للّه تعالى [قيل] (2) لم يستوف، لأنه مبنيّ على

____________

(1) في «ص»: حقّ.

(2) من «أ، د».

298

..........

____________

التخفيف، و يدرأ بالشبهة، و هي متحقّقة بالرجوع.

و إن كان حقّ آدميّ أو مشتركا فوجهان، من تغليب حقّ الآدميّ، و وجود الشبهة الدارئة له في الجملة. و هذا أولى.

و المصنف- (رحمه اللّه)- جزم بالحكم في القسمين استضعافا للفرق. و تردّد في نقض الحكم لما عدا الحدّ من الحقوق، سواء في ذلك الماليّة و غيرها. و منشأ التردّد ممّا ذكرناه في المال.

و ينبغي إلحاق العقوبات كالقتل و الجرح بالحدود، و العقود و الإيقاعات بالمال، لسهولة خطرها، و ترجيحا لحقّ الآدميّ. و يحتمل إلحاق النكاح بالحدود، لعظم خطره، و عدم استدراك فائت البضع.

و حيث قلنا بالاستيفاء بعد الرجوع فاستوفي فالحكم [كذلك] (1) كما لو رجعوا بعد الاستيفاء. و لم يتعرّض الأكثر لحكم الرجوع في غير المال قبل الاستيفاء، و لم يحرّروا الحكم فيه.

و إن رجعوا بعد الاستيفاء لم ينقض الحكم مطلقا، لنفوذ الحكم بالاجتهاد [به] (2) فلا ينقض بالاحتمال. و لأن شهادتهم إقرار، و رجوعهم إنكار، و الإنكار بعد الإقرار غير مسموع. و لأن الشهادة أثبتت الحقّ فلا يزول بالطارئ كالفسق و الموت، خلافا للشيخ في النهاية (3)، حيث حكم بردّ العين على صاحبها مع قيامها، و تبعه القاضي (4) و جماعة (5)، محتجّين بأن الحقّ ثبت بشهادتهما فإذا رجعا

____________

(1) من «ث، خ، م».

(2) من «ت».

(3) النّهاية: 336.

(4) المهذّب 2: 564.

(5) الوسيلة: 234.

299

[الخامسة: المشهود به إن كان قتلا أو جرحا فاستوفي ثمَّ رجعوا]

الخامسة: المشهود به إن كان قتلا (1) أو جرحا فاستوفي ثمَّ رجعوا، فإن قالوا تعمّدنا اقتصّ منهم. و إن قالوا: أخطأنا كان عليهم الدّية. و إن قال بعض تعمّدنا، و بعض أخطأنا، فعلى المقرّ بالعمد القصاص، و على المقرّ بالخطإ نصيبه من الدّية. و لوليّ الدّم قتل المقرّين بالعمد أجمع، و ردّ الفاضل عن دية صاحبه. و له قتل البعض، و يردّ الباقون قدر جنايتهم.

____________

جرى مجرى عدم الشهادة. و لا يخفى ضعفه.

و حيث لا ينقض يغرم الشهود للمحكوم عليه، لحصول الحيلولة بشهادتهم، و ما يضمن بالتفويت بغير الشهادة يضمن بها كالنفس. و يؤيّده حسنة جميل عمّن أخبره عن أحدهما (عليهما السلام): «في الشهود إذا شهدوا على رجل ثمَّ رجعوا عن شهادتهم و قد قضي على الرجل، ضمنوا ما شهدوا به و غرموا، و إن لم يكن قضي طرحت شهادتهم، و لم يغرم الشهود شيئا» (1).

و لبعض العامّة (2) قول إنهم لا يغرمون، لأنهم لم يثبتوا اليد على المال و لم يتلفوه، فلا يضمنون، و إن أثموا بما يفضي إلى الفوات، كمن حبس المالك عن ماشيته حتى ضاعت.

قوله: «المشهود به إن كان قتلا. إلخ».

(1) إذا رجعوا بعد الاستيفاء و كان المشهود به ممّا يتعذّر تداركه كالقتل و الجرح، فإن قالوا تعمّدنا فعليهم القصاص أو الدية في موضع لا يقتصّ فيه من

____________

(1) الكافي 7: 383 ح 1، الفقيه 3: 37 ح 124، التهذيب 6: 259 ح 685، الوسائل 18: 238 ب «10» من أبواب الشهادات.

(2) الحاوي الكبير 17: 267.

300

و لو قال أحد شهود الزنا (1) بعد رجم المشهود عليه: تعمّدت، فإن صدّقه الباقون، كان لأولياء الدم قتل الجميع، و يردّوا ما فضل عن دية المرجوم.

و إن شاءوا قتلوا واحدا، و يردّ الباقون تكملة ديته بالحصص بعد وضع نصيب المقتول.

و إن شاءوا قتلوا أكثر من واحد، و ردّ الأولياء ما فضل عن دية صاحبهم، و أكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين.

____________

المتعمّد موزّعة، على ما هو مذكور في الجنايات. و كذا لو شهدوا بالردّة فقتل، أو على المحصن فرجم، أو على غير المحصن فجلد و مات منه. لكن هنا يلزمهم الدية، لأنه عمد شبيه الخطأ، لقصدهم إلى الفعل المؤدّي إلى القتل.

و إن قالوا أخطأنا فعليهم الدية، على ما يفصّل في قتل الخطأ. و إن تفرّقوا في الوصف اختصّ كلّ بحكمه، على ما سيأتي (1) في المشتركين في القتل و الجرح.

قوله: «و لو قال أحد شهود الزنا. إلخ».

(1) الضابط: أن الشهادة متى أوجبت القتل، سواء كان ذلك بسبب الزنا أو بسبب القصاص أو الردّة، فالحكم ما ذكر من جواز قتل المتعمّد و أخذ الدية من الخاطئ. و حكم الردّ مع زيادة المقتول على ما يفصّل في بابه، فلا حاجة إلى تفصيل كلّ واحد من حكم الشهادة بالرجم و بالقتل على حدة.

____________

(1) انظر شرائع الإسلام 4: 205- 206.

301

أما لو لم يصدّقه (1) الباقون، لم يمض إقراره إلّا على نفسه فحسب.

و قال في النهاية: يقتل و يردّ عليه الباقون ثلاثة أرباع الدّية. و لا وجه له.

____________

قوله: «أما لو لم يصدّقه. إلخ».

(1) إذا رجع أحد شهود الزنا عن الشهادة و قال: كذبنا، و لم يصدّقه الباقون، لم يقبل قوله عليهم، لاختصاص حكم الإقرار بالمقرّ. فإن اختار الوليّ قتله ردّ عليه ثلاثة أرباع ديته. و إن اختار أخذ الدية كان عليه الربع خاصّة، لأنه إنما أقرّ بالشركة في القتل. و كذا لو قال: أخطأت.

و قال الشيخ في النهاية (1): إن قال: تعمّدت، قتل، و أدّى الثلاثة إليه ثلاثة أرباع الدية. و إن رجع اثنان و قالا: أوهمنا، ألزما نصف الدية. و إن قالا: تعمّدنا، كان للوليّ قتلهما، و يؤدّي إلى ورثتهما دية كاملة بالسويّة بينهما، و يؤدّي الشاهدان الآخران إلى ورثتهما نصف الدية. و إن اختار الوليّ قتل واحد قتله، و أدّى الآخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع الدية.

و وافقه ابن الجنيد (2).

و مستندهما حسنة إبراهيم بن نعيم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلمّا قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال: فقال:

يقتل الراجع، و يؤدّي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية» (3).

و وجه العدول عنها: مخالفتها للأصل، فإن أحدا لا يلزم بإقرار غيره. و ربما حملت على ما إذا رجعوا بأجمعهم، لكن قال أحدهم: تعمّدت، و قال الباقون:

أخطأنا.

____________

(1) النّهاية: 335.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 726.

(3) الكافي 7: 384 ح 5، التهذيب 6: 260 ح 690، الوسائل 18: 240 ب «12» من أبواب الشهادات ح 2.

302

و لو شهدا بالعتق (1) فحكم، ثمَّ رجعا، ضمنا القيمة، تعمّدا أو أخطئا، لأنهما أتلفاه بشهادتهما.

____________

و في المختلف (1) جعل ذلك محملا لقول الشيخين. و ليس بجيّد. و إنما يصلح حملا للرواية التي هي مستند الحكم، و أما حكمهما فعلى ظاهر ما فهمناه من الرواية.

قوله: «و لو شهدا بالعتق. إلخ».

(1) إنما ضمناه مطلقا لأن إتلاف المال لا يفرّق فيه بين العامد و الخاطئ، و قد فوّتا ماليّته على المالك بشهادتهما و هو لا يريد (2)، لبنائه على التغليب، مع نفوذ الحكم فيه. و لا فرق بين أن يكون المشهود بعتقه قنّا أو مدبّرا أو مكاتبا أو أم ولد أو معلّق العتق بصفة، خلافا لبعض العامّة (3) في أم الولد، حيث قال: لا غرم.

و لو كانت الشهادة على تدبير عبد ثمَّ رجعا بعد القضاء لم يغرما في الحال، لأن الملك لم يزل، فإذا مات غرما بالرجوع السابق، لأن عتقه بسبب الشهادة و إن كان قادرا على نقضه، إذ لا يجب عليه إنشاء الرجوع لنفع الوارث. و يحتمل عدم الرجوع، لقدرته على نقضه إن لم يكن لازما بنذر و شبهه. نعم، لو كان رجوعهما بعد موته أغرما للورثة. و كذا لو شهدا على العتق (4) بصفة على وجه يصحّ.

و لو شهدا بكتابته و رجعا و أدّى العبد النجوم و عتق ظاهرا، ففيما يغرمان وجهان:

أحدهما: ما بين قيمته و بين النجوم.

____________

(1) المختلف: 726.

(2) في الحجريّتين: لا يزيد.

(3) الكافي للقرطبي 2: 919.

(4) في «د» و الحجريّتين: المعتق نصفه.

303

[السادسة: إذا ثبت أنّهم شهدوا بالزور، نقض الحكم و استعيد المال]

السادسة: إذا ثبت أنّهم شهدوا (1) بالزور، نقض الحكم و استعيد المال.

فإن تعذّر، غرّم الشهود.

و لو كان قتلا ثبت عليهم القصاص، و كان حكمهم حكم الشهود إذا أقرّوا بالعمد.

____________

و أصحّهما: جميع القيمة، لأن المؤدّى من كسبه و كسبه للسيّد. و لو عجز فردّ في الرقّ لم يغرما سوى ما فات من منفعته زمن الكتابة.

و لو شهدا أنه أعتقه على مال هو دون القيمة فكالكتابة، لأنه يؤدّى من كسبه.

و لو شهدا أنه وقفه على مسجد أو جهة عامّة فكالعتق، و لا يردّ الوقف بالرجوع. و كذا لو شهد أنه جعل الشاة أضحيّة.

قوله: «إذا ثبت أنهم شهدوا. إلخ».

(1) وجه نقض الحكم مع ثبوت التزوير تبيّن اختلال شرط الشهادة، كما لو تبيّن فسقهما قبل الحكم، و أولى بالبطلان هنا.

و يدلّ عليه أيضا صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في شاهد الزور قال: «إن كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه، و إن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل» (1).

و روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث، إن كان شهد هذا و آخر معه» (2).

____________

(1) الكافي 7: 384 ح 3، الفقيه 3: 35 ح 116، التهذيب 6: 259 ح 686، الوسائل 18: 239 ب «11» من أبواب الشهادات ح 2.

(2) الكافي 7: 383 ح 2، التهذيب 6: 260 ح 687، الوسائل 18: 238 الباب المتقدّم ح 1.

304

و لو باشر الوليّ القصاص، (1) و اعترف بالتزوير، لم يضمن الشهود، و كان القصاص على الوليّ.

[السابعة: إذا شهدا بالطلاق ثمَّ رجعا]

السابعة: إذا شهدا بالطلاق (2) ثمَّ رجعا، فإن كان بعد الدخول لم

____________

و اعلم أن الزور إنما يتحقّق بتعمّد الكذب لا بمطلق كون الشهادة باطلة، و لذلك (1) كان حكمهم حكم من أقرّ بالعمد. و إنما يثبت شهادتهم بالزور بأمر مقطوع به، كعلم الحاكم أو الخبر المفيد للعلم، لا بالبيّنة لأنه تعارض، و لا بالإقرار لأنه رجوع.

قوله: «و لو باشر الوليّ القصاص. إلخ».

(1) إذا رجع وليّ الدم وحده و اعترف بالتزوير فعليه القصاص، أو كمال الدية على تقدير اعترافه بالخطإ.

و لو رجع مع الشهود فوجهان:

أجودهما (2): أن القصاص أو الدية بكمالها عليه، لأنه المباشر، و هم معه كالممسك مع القاتل.

و الثاني: أنه معهم كالشريك، لتعاونهم على القتل، و ليسوا كالممسك مع القاتل، فإنّهم (3) صوّروه بصورة المحقّين.

و على هذا، فعليهم جميعا القصاص أو الدية منصّفة أو بالحساب. و ينبغي على هذا الوجه أن لا يجب كمال الدية على الوليّ إذا رجع وحده.

قوله: «إذا شهدا بالطلاق. إلخ».

(2) إذا شهدا على طلاق بائن كالطلاق بعوض و الطلقة الثالثة، أو على رضاع

____________

(1) في «ت، ث»: و كذلك.

(2) في «ت، د»: أحدهما، و في نسخة بدل «د»: أجودهما.

(3) في «ث»: كأنّهم.