مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج14

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
305

يضمنا. و إن كان قبل الدخول، ضمنا نصف المهر المسمّى، لأنّهما لا يضمنان إلا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة.

____________

محرّم أو لعان أو فسخ بعيب أو غيرها من جهات الفراق، و حكم الحاكم بشهادتهما ثمَّ رجعا لم يردّ الفراق، لأن قولهما في الرجوع محتمل، فلا يردّ القضاء المبرم بقول محتمل.

و هل يجب الغرم على الشاهدين مطلقا، أم يتقيّد بعدم الدخول؟ يبنى على أن البضع هل يضمن بالتفويت أم لا؟ و فيه وجهان تقدّم (1) الكلام فيهما مرارا.

و المشهور أنه لا يضمن، و من ثمَّ لو قتلها أو قتلت نفسها لم يضمن. و كذا لو غصب أمة و ماتت في يده، فإنه يضمن بذلك قيمتها و قيمة منافعها و إن لم يستوفها، دون بعضها مع عدم استيفائه.

و وجه الضمان: أنه متقوّم بالمال، و من ثمَّ لو استوفاه مستوف ضمنه بقيمته، و هي مهر المثل. فعلى هذا يغرم الشاهدان مهر المثل، سواء كان قبل الدخول أم بعده، لأنهما فوّتا عليه ما يتقوّم فيغرمان قيمته، كما لو شهدا بعتق عبد ثمَّ رجعا.

و على المشهور إن كانت شهادتهما بالطلاق بعد الدخول لم يضمنا شيئا، لأنهما لم يتلفا المهر، لاستقراره بالدخول، و ما أتلفاه من البضع غير مضمون. و إن كانت قبل الدخول ضمنا نصف المسمّى، لأنهما ألزماه به، و قد كان بمعرض السقوط بالردّة و الفسخ من قبلها. و هذا هو الذي اختاره المصنف (رحمه اللّه)، و عليه العمل.

____________

(1) في ج 7: 111.

306

..........

____________

و في المسألة أقوال أخر نادرة:

منها: ما اختاره (1) الشيخ في موضع من المبسوط (2) من أن المهر إن كان مقبوضا بيدها غرم الشاهدان جميع مهر المثل، لأن الزوج لا يتمكّن من استرداد شيء، لزعمه أنها زوجته و أنها تستحقّ جميع الصداق. و إن كان قبل التسليم غرم النصف خاصّة، لأنها لا تطالبه إلا بالنصف.

و منها: ما اختاره في النهاية (3)، و هو أنها لو تزوّجت بعد الحكم بالطلاق ثمَّ رجعا ردّت إلى الأول بعد العدّة، و غرم الشاهدان المهر للثاني.

و استند الشيخ في ذلك إلى موثّقة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلّقها، فتزوّجت ثمَّ جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحدّ، و يضمّنان الصداق للزوج، ثمَّ تعتدّ ثمَّ ترجع إلى زوجها الأول» (4).

و الرواية ضعيفة بإبراهيم، فإنه واقفيّ و إن كان ثقة. و قد عرفت أن الحكم لا ينقض بعد وقوعه في مثل ذلك. و ربما حملت الرواية على ما لو تزوّجت بمجرّد الشهادة من غير حكم الحاكم. و في المختلف (5) جعل ذلك محملا لقول الشيخ.

و ليس بجيّد، فإن الشيخ استند إلى الرواية و عمل بظاهرها، فلا تأويل في كلامه.

____________

(1) في الحجريّتين: منها قول الشيخ. 294.

(2) المبسوط 8: 247- 248.

(3) النّهاية: 336.

(4) الكافي 7: 384 ح 7، التهذيب 6: 260 ح 689، الوسائل 18: 241 ب «13» من أبواب الشهادات ح 1.

(5) المختلف: 726.

307

[فروع]

فروع

[الأوّل: إذا رجعا معا، ضمنا بالسويّة]

الأوّل: إذا رجعا معا، ضمنا (1) بالسويّة. فإن رجع أحدهما، ضمن النصف.

و لو ثبت بشاهد و امرأتين فرجعوا. ضمن الرجل النصف، و ضمنت كلّ واحدة الربع.

و لو كان عشر نسوة مع شاهد، فرجع الرجل، ضمن السدس.

و فيه تردّد.

____________

و منها: ضمان مهر المثل مع الدخول و نصفه مع عدمه. حكاه في المبسوط (1)، و مال إليه في التحرير (2)، ثمَّ أفتى بالمشهور.

و وجهه: أن الرجوع على الشاهد إنما يكون بما يتلفه بشهادته، و بشهادتهما بالطلاق قبل الدخول لم يتلفا نصف المهر، لأنه واجب عليه بالعقد طلّق أم لم يطلّق، و بعد الدخول لم يتلفا المهر أيضا، لاستقراره في ذمّته به، و إنما أتلفا بشهادتهما البضع عليه، فيجب عليهما قيمته، و هو مهر المثل مع الدخول و نصفه قبل الدخول، لأنه إنما ملك نصف البضع، و لهذا إنما يجب عليه نصف المهر. و هذا القول مبنيّ على ضمان البضع، و الأصحّ عدمه.

قوله: «إذا رجعا معا ضمنا. إلخ».

(1) إذا رجع الشهود أو بعضهم [به] (3) على وجه يثبت به الغرم، فلا يخلو: إما أن يفرض و المحكوم (4) بشهادتهم على الحدّ المعتبر، أو يفرض و هم أكثر عددا منه.

____________

(1) المبسوط 8: 247.

(2) تحرير الأحكام 2: 216- 217.

(3) من «ث، م».

(4) في «خ»: المحكوم.

308

..........

____________

فإن كانوا على الحدّ المعتبر، كما لو حكم في العتق أو القتل بشهادة رجلين ثمَّ رجعا، فعليهما الغرم بالسويّة، و إن رجع أحدهما فعليه النصف. و كذا لو رجم في الزنا بشهادة أربعة، فإن رجعوا جميعا فعليهم الدية أرباعا، و إن رجع بعضهم فعليه حصّته منها.

هذا إذا كان جميع الشهود ذكورا، أو إناثا في موضع يقبل فيه شهادتهنّ منفردات. أما إذا انقسموا الى الذكور و الإناث، فإن لم يزيدوا على أقلّ ما يكفي، كرجل و امرأتين في الأموال، أو ما تقبل فيه شهادتهنّ منفردات، فنصف الغرم على الرجل عند الرجوع، و على كلّ واحدة منهما الربع.

و إن زادوا على الأقلّ، فالمشهود به إما أن يثبت بشهادة النساء وحدهنّ، أو لا يثبت. فالأول: كما لو شهد أربع نسوة مع رجل في الولادة أو الرضاع، فإن رجعوا جميعا فعلى الرجل ثلث الغرم و عليهنّ ثلثاه. و إن رجع الرجل وحده ففي غرمه وجهان يأتيان، من حيث بقاء الحجّة. و كذا لو رجعت امرأتان.

و الثاني: و هو ما لا يثبت بشهادة النساء المتمحّضات كالأموال، فشهد رجل و أربع نسوة و رجعوا، فوجهان:

أحدهما: أن على الرجل ثلث الغرم، و عليهنّ الثلثان كالأول.

و الثاني: أن نصف الغرم عليه و نصفه عليهنّ، لأن المال لا يثبت بشهادة النساء و إن كثرن، فنصف الحجّة يقوم بالرجل معهنّ كم كنّ. و هذا الوجه هو الذي طواه المصنف- (رحمه اللّه)- بتردّده في الأول.

309

[الثّاني: لو كان الشهود ثلاثة، ضمن كلّ واحد منهم الثلث]

الثّاني: لو كان الشهود ثلاثة، (1) ضمن كلّ واحد منهم الثلث، و لو رجع [واحد] منفردا. و ربّما خطر أنه لا يضمن، لأنّ في الباقي ثبوت الحقّ، و لا يضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له. و الأوّل اختيار الشيخ (رحمه اللّه).

و كذا لو شهد رجل و عشر نسوة، فرجع ثمان منهنّ، قيل: [كان] على كلّ واحدة نصف السدس، لاشتراكهم في نقل المال. و الإشكال فيه كما في الأول.

____________

فإذا قلنا بالثاني، فإن رجع النساء فعليهنّ نصف الغرم. و لو رجعت امرأتان فلا شيء عليهما على أحد الوجهين، لبقاء الحجّة. و لو رجع الرجل دونهنّ، فعلى الرجل الثلث على الأول، و النصف على الثاني. و لو رجع النساء دونه فعليهنّ ثلثاه أو نصفه. و هكذا.

قوله: «لو كان الشهود ثلاثة. إلخ».

(1) هذا هو القسم الثاني، و هو ما إذا زاد الشهود على الحدّ المعتبر، كما لو شهد بالمال أو القتل أو العتق ثلاثة، أو بالزنا خمسة، فإن رجع الكلّ فالغرم موزّع عليهم بالسويّة.

و إن رجع البعض، فإما أن يثبت العدد المعتبر على الشهادة، أو لا يثبت إلا بعضهم. فإن ثبت العدد المعتبر، كما لو رجع من الثلاثة في العتق أو من الخمسة في الزنا واحد، فوجهان:

أحدهما- و هو الذي اختاره الشيخ (1) (رحمه اللّه)-: أن على الراجع حصّته من الغرم إذا وزّع عليهم جميعا، لأن الحكم وقع بشهادة الجميع، و كلّ منهم قد

____________

(1) المبسوط 8: 248.

310

..........

____________

فوّت قسطا، فيغرم ما فوّت.

و الثاني- و هو الذي أشار (1) المصنف بخطوره-: أنه لا غرم على الراجع، لأنه يبقى من يقوم به الحجّة، و لو لم يشهد في الابتداء سوى من بقي لاكتفينا بشهادته، و كان الراجع كأن لم يشهد.

و على هذا لو شهد رجل و عشر نسوة فرجع ثمان منهنّ، فعلى الأول يجب على كلّ واحدة نصف السدس، لاشتراكهم جميعا في نقل المال، فيقابل شهادة الرجل السدس و شهادتهنّ خمسة أسداس، فإذا رجع ثمان فعليهنّ أربعة أسداس على كلّ واحدة نصف سدس. و على الثاني لا شيء عليهنّ، لبقاء من يقوم به الحجّة. و إليه أشار المصنف- (رحمه اللّه)- بالإشكال الأول.

و لو رجع الرجل دونهنّ، فإن كان الحقّ ممّا يثبت بشهادتهنّ منفردات فالوجهان. و إن كان ممّا لا يثبت بهنّ لم يبق من الشهود ما يثبت به الحكم، فيكون عليه النصف أو السدس على الخلاف.

و لو لم يثبت العدد المعتبر على الشهادة، كما إذا رجع من الثلاثة أو الخمسة اثنان، بني على الوجهين في الحالة السابقة.

فإن قلنا لا غرم على الراجعين هناك الزائدين على العدد المعتبر وزّع الغرم هنا على العدد المعتبر، و حصّة من نقص عن العدد توزّع على من رجع بالسويّة.

ففي صورة الثلاثة يكون نصف الغرم على الراجعين، لبقاء نصف الحجّة. و في صورة الخمسة عليهما ربع الغرم، لبقاء ثلاثة أرباع الحجّة.

و إن أوجبنا الغرم على من رجع هناك فعلى الراجعين من الثلاثة ثلثا الغرم، و من الخمسة خمساه.

____________

(1) في «ا، ت، د»: اختاره.

311

[الثالث: لو حكم فقامت بيّنة بالجرح مطلقا، لم ينقض الحكم]

الثالث: لو حكم فقامت (1) بيّنة بالجرح مطلقا، لم ينقض الحكم، لاحتمال التجدّد بعد الحكم.

و لو تعيّن الوقت، و هو متقدّم على الشهادة، نقض. و لو كان بعد الشهادة، و قبل الحكم، لم ينقض.

____________

و الأظهر هنا الثاني، لأن البيّنة إذا نقص عددها زال حكمها، و صار الضمان متعلّقا بالإتلاف، و قد استووا فيه.

قوله: «لو حكم فقامت. إلخ».

(1) إذا حكم الحاكم بشهادة عدلين ثمَّ ثبت جرحهما بعد الحكم، فإن كانت الشهادة بالجرح مطلقة- أي: غير معيّنة (1) بوقت الجرح- لم ينقض الحكم، لاحتمال أن يكون الجرح متجدّدا عليه، فيستصحب حكم العدالة إلى أن يثبت المزيل.

و إن عيّن الجارح وقته و كان متقدّما على الشهادة نقض، لظهور وقوع الحكم بشهادة فاسقين.

و لو كان وقت الجرح بين الشهادة و الحكم لم ينقض، لأداء الشهادة حالة العدالة. و هذا يناسب ما ذكره سابقا (2) من أن الفسق المتجدّد بعد أداء الشهادة و قبل الحكم لا يمنع من الحكم. و على ما اختاره المتأخّرون من عدم جواز الحكم يتّجه نقضه هنا، لوقوعه في حالة لم يكن الشاهدان عدلين.

و يحتمل عدم نقضه هنا مطلقا، لوقوعه حالة الحكم بعدالتهما ظاهرا، فوقع جامعا لشرائطه، فلا ينقض. و بهذا قطع العلامة في القواعد (3)، مع اختياره عدم

____________

(1) في «ا، ت، ط»: مبيّنة لوقت.

(2) راجع ص: 294.

(3) قواعد الأحكام 2: 247.

312

و إذا نقض الحكم، (1) فإن كان قتلا أو جرحا فلا قود، و الدية في بيت المال.

و لو كان المباشر للقصاص هو الوليّ، ففي ضمانه تردّد، و الأشبه أنه لا يضمن، مع حكم الحاكم و إذنه. و لو قتل بعد الحكم و قبل الإذن ضمن الدّية.

أما لو كان مالا، فإنه يستعاد إن كانت العين باقية. و إن كانت تالفة، فعلى المشهود له، لأنّه ضمن بالقبض، بخلاف القصاص.

____________

جواز الحكم بتجدّد الفسق بعد الأداء و قبل الحكم.

و يضعّف بأن الاكتفاء في صحّة الحكم بظهور العدالة وقته (1) يستلزم صحّته و إن ثبت الجرح متقدّما على الشهادة، لاشتراكهما في المقتضي. و الوجه نقض الحكم على هذا القول، لثبوت فسقهما حالة الحكم المانع منه، كما يمنع منه مع سبقه على الشهادة.

قوله: «و إذا نقض الحكم. إلخ».

(1) إذا نقض الحكم بظهور مانع في الشهادة سابق على الأداء أو على الحكم على الخلاف، فإن كان المشهود به طلاقا أو عتقا أو عقدا من العقود تبيّن أنه لا طلاق و لا عتاق و لا عقد. فإن كانت المرأة قد ماتت فقد ماتت و هي زوجة، و إن مات العبد مات و هو رقيق، و يجب ضمانه على ما نذكره في ضمان المال.

و إن كان المشهود به قتلا أو قطعا أو حدّا و استوفي و تعذّر التدارك، فضمانه في بيت المال، لأنه من خطأ الحكّام، و حكم خطئهم كذلك.

و لا فرق بين أن يكون المباشر للفعل هو الوليّ أو غيره ممّن يأمره الحاكم،

____________

(1) كذا في «ت، د»، و في سائر النسخ: و فيه يستلزم.

313

و لو كان معسرا، (1) قال الشيخ: ضمن الامام، و يرجع به على المحكوم له إذا أيسر.

و فيه إشكال من حيث استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده، فلا وجه لضمان الحاكم.

____________

لاستناد الفعل إلى الحكم (1) على التقديرين.

و فيه وجه آخر يفرّق بين ما إذا كان المستوفي هو الوليّ و غيره، لأن استيفاء الوليّ مستند إلى أخذ حقّه الذي تبيّن عدمه، فيكون كفعله خطأ. و الأظهر الأول، لاستناده إلى حكم الحاكم على التقديرين.

نعم، لو باشر القتل بعد الحكم و قبل إذن الحاكم له في الاستيفاء تعلّق به الضمان، لتوقّف جواز استيفائه على إذن الحاكم، و إن كان أصل الحقّ في ذلك له.

و يحتمل عدم الضمان هنا أيضا و إن أثم، لأن حكم الحاكم بثبوت الحقّ اقتضى كونه المستحقّ، و إن أثم بالمبادرة بدون إذن الحاكم.

و لو كان المحكوم به مالا، فإن كان باقيا عند المحكوم له انتزع منه و ردّ إلى المأخوذ منه. و إن كان تالفا أخذ منه ضمانه، سواء أتلفه بنفسه أم تلف بآفة سماويّة. و فرّقوا بينه و بين الإتلافات السابقة حيث قلنا لا غرم عليه: بأن الإتلافات إنما تضمن إذا وقعت على وجه التعدّي، و حكم الحاكم أخرجه عن أن يكون متعدّيا، و أما المال فإذا حصل في يد الإنسان بغير حقّ كان مضمونا و إن لم يوجد منه تعدّ.

قوله: «و لو كان معسرا. إلخ».

(1) حيث قلنا بأن المال مضمون على المحكوم له مطلقا، فإن كان موسرا غرم

____________

(1) في الحجريّتين: الحاكم.

314

[مسائل]

مسائل:

[الأولى: إذا شهد اثنان أن الميّت أعتق أحد مماليكه و قيمته الثلث]

الأولى: إذا شهد اثنان (1) أن الميّت أعتق أحد مماليكه و قيمته الثلث، و شهد آخران أو الورثة أن العتق لغيره و قيمته الثلث، فإن قلنا: المنجّزات من الأصل عتقا. و إن قلنا: تخرج من الثلث، فقد انعتق أحدهما. فإن عرفنا السابق، صحّ عتقه، و بطل الآخر. و إن جهل استخرج بالقرعة.

و لو اتّفق عتقهما في حالة [واحدة]، قال الشيخ: يقرع بينهما و يعتق المقروع.

و لو اختلفت قيمتهما، أعتق المقروع. فإن كان بقدر الثلث صحّ، و بطل الآخر. و إن كان أزيد صحّ العتق منه في القدر الذي يحتمله الثلث. و إن نقص، أكملنا الثلث من الآخر.

____________

الحقّ. و إن كان معسرا قال الشيخ في المبسوط (1): ضمن الامام حتى يوسر المعسر فيرجع عليه. و على هذا فيتخيّر المضمون له بين رجوعه على الحاكم أو على المحكوم له المعسر، بأن ينظره إلى يساره. و مثله ما لو كان المحكوم له غائبا، و لا مال له حاضرا يتسلّط عليه الحاكم.

و المصنف- (رحمه اللّه)- استشكل ذلك، من حيث الحكم بضمان المحكوم له، و الحال أنه لا تقصير من الحاكم، فلا وجه لضمانه.

و الأقوى استقرار الضمان على المشهود له، و ينظر إلى يساره أو التمكّن من الاستيفاء منه.

قوله: «إذا شهد اثنان. إلخ».

(1) من الأصول الممهّدة أن المريض مرض الموت إذا أعتق عبدين كلّ واحد

____________

(1) المبسوط 8: 250.

315

..........

____________

منهما ثلث ماله على الترتيب، و لم يجز الورثة، ينحصر العتق في الأول. و إذا أعتقهما معا يقرع بينهما، كما فعل النبيّ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) بالعبيد الّذين أعتقهم الأنصاري و لا يملك سواهم.

و لو علم سبق أحدهما و لم يعلم عين السابق فوجهان:

أحدهما: أنه يقرع كما لو أعتقهما معا، لأن معرفة السبق من غير معرفة السابق لا تنفع شيئا.

و الثاني: أنه يعتق من كلّ واحد نصفه، لأنّا لو أقرعنا لم نأمن خروج الرقّ على السابق و للسابق حقّ الحريّة، فيلزم منه إرقاق حرّ و تحرير رقيق.

إذا تقرّر ذلك، فلو قامت بيّنة على أن المريض أعتق سالما، و أخرى على أنه أعتق غانما، من غير أن تتعرّض إحداهما لنفي عتق الآخر، و كلّ واحد منهما ثلث ماله، فإن أرّختا بتاريخين مختلفين عتق من أعتقه أولا. و إن أرّختا بتاريخ واحد أقرع بينهما. و إن أطلقت إحداهما أو أطلقتا احتمل السبق و المعيّة، فيجيء فيه الوجهان السابقان. و الشيخ (2)- (رحمه اللّه)- اختار القرعة. و هو حسن، لأنها لكلّ أمر مشتبه.

و المصنف- (رحمه اللّه)- نسب القول إليه مؤذنا بردّه. و وجهه: أنها لاستخراج السابق، و من المحتمل اقترانهما، فلا يكون أحدهما أولى من الآخر، فيعتق من كلّ واحد نصفه.

____________

(1) مسند أحمد 4: 426، صحيح مسلم 3: 1288 ح 56، سنن أبي داود 4: 28 ح 3958، سنن البيهقي 10: 285.

(2) المبسوط 8: 253.

316

..........

____________

و فيه: أن القرعة قد وردت في العتق مع الاقتران كما ذكرناه، و هي وجه الأولويّة.

و يتفرّع على القولين ما لو قامت البيّنتان كذلك، لكن أحد العبدين سدس المال، فإن قلنا بالقرعة و خرجت للعبد الخسيس عتق، و عتق معه نصف الآخر ليكمل الثلث. و إن خرجت للنفيس انحصر العتق فيه. فإن قلنا هناك يعتق من كلّ واحد نصفه فهنا وجهان:

أحدهما: أنه يعتق من كلّ واحد ثلثاه، لأن ما زاد على الثلث من التبرّع ينسب إلى جميع التبرّع، و ينقص بتلك النسبة من كلّ واحد منهم، و إذا نسبنا الزائد على الثلث- و هو السدس هنا- إلى جميع التبرّع- و هو النصف- كان ثلثه، فيردّ العتق في ثلث كلّ واحد منهما، و ينفذ في ثلثيه.

و الثاني: أنه يعتق من النفيس ثلاثة أرباعه، و من الخسيس نصفه، لأنه إن سبق إعتاق النفيس فجميعه حرّ، و إن سبق إعتاق الآخر فنصفه حرّ، فنصفه على التقديرين حرّ، و إنما النزاع و الازدحام في النصف الثاني و هو قدر سدس المال، فيقسّم بينهما، فيعتق من النفيس ربعه، و من الخسيس نصفه.

و نبّه المصنف- (رحمه اللّه)- بقوله: «و شهد آخران أو الورثة أن العتق لغيره» على أنه لا فرق هنا بين شهادة الوارث و غيره، إذ لا تهمة للوارث تمنع شهادته هنا، و إن كانت واردة في غير هذه الصورة، كما سيأتي (1) فيما لو شهدوا بالرجوع عن الأول.

____________

(1) في الصفحة التالية.

317

[الثانية: إذا شهد شاهدان بالوصيّة لزيد، و شهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك و أوصى لخالد]

الثانية: إذا شهد شاهدان (1) بالوصيّة لزيد، و شهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك و أوصى لخالد، قال الشيخ: تقبل شهادة الرجوع، لأنهما لا يجرّان نفعا.

و فيه إشكال، من حيث إنّ المال يؤخذ من يدهما، فهما غريما المدّعي.

____________

و يزيد الورثة عن الأجانب أنه لا يشترط هنا كونهم عدولا، لأن شهادتهم بعتق الثاني مع عدم تعرّضهم للأول بمنزلة الإقرار بعتقه، مضافا إلى ما ثبت بالبيّنة.

نعم، يشترط كون الشاهد جميع الورثة، كما يرشد إليه قول المصنف- (رحمه اللّه)-: «أو الورثة». و قال في المسألة الثانية: «و شهد من ورثته عدلان».

و لو كانوا عدولا كفى منهم اثنان كالأجانب.

قوله: «إذا شهد شاهدان. إلخ».

(1) لا فرق في شهود العتق و الوصيّة بين أن يكونوا أجانب أو وارثين في اعتبار عدم التهمة، فكما أن الأجنبي قد يجرّ نفعا إلى نفسه بشهادته كما في الصور المتقدّمة في محلّها، فكذلك الوارث، فلا تقبل شهادته. و يزيد الوارث أن شهادته على تقدير ردّها قد تتضمّن إقرارا للمشهود له فيؤاخذ بها.

فلو شهد أجنبيّان أنه أوصى بوصيّة لزيد، و لنفرضها كالأولى عتق سالم، و هو ثلث ماله، و شهد وارثان عدلان أنه رجع عن تلك الوصيّة و أوصى بعتق غانم، و هو ثلث ماله أيضا، قبلت شهادتهما على الرجوع عن الوصيّة الأولى، و تثبت بهما الوصيّة الثانية، لأنهما أثبتا للمرجوع عنه بدلا يساويه، فارتفعت التهمة. و لا نظر إلى تبديل المال و خواصّه، فقد يكون الثاني أصلح من الأول.

و مجرّد هذا الاحتمال لو أثّر لما قبلت شهادة قريب لقريب يرثه.

318

[الثالثة: إذا شهد شاهدان لزيد بالوصيّة، و شهد شاهد بالرجوع، و أنه أوصى لعمرو]

الثالثة: إذا شهد شاهدان لزيد (1) بالوصيّة، و شهد شاهد بالرجوع، و أنه أوصى لعمرو، كان لعمرو أن يحلف مع شاهده، لأنّ شهادته منفردة لا تعارض الأولى.

____________

هذا هو الذي اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط (1) في فصل الرجوع. و المصنف- (رحمه اللّه)- استشكل ذلك. و العلامة (2)- (رحمه اللّه)- رجّح عدم القبول، لما أشار إليه المصنف- (رحمه اللّه)- من التعليل، و هو أنه ينتزع المال من يده، فهو غريم للموصى له الأول، فهو كما لو شهد ذو اليد بما في يده لغيره بعد إقامة آخر البيّنة أنه له، فإنها لا تسمع، و إن كان بين المثالين فرق قليل، و هو أن الدعوى في المتنازع ليست متمحّضة على الوارث، بخلاف المال.

و إنما اعتبر كون الورثة عدلين ليثبت بهما الرجوع على تقديره، فإنهما لو كانا فاسقين لم يثبت بقولهما الرجوع، و يحكم بالأولى بشهادة الأجنبيّين (3)، لأن الثلث يحتملها كما هو المفروض، و يصحّ من الثانية قدر ما يحتمله ثلث الباقي (4) من المال بعد الأول. و بهذا افترق حكم العدالة و عدمها في هذه المسألة و السابقة، لأن الوارث لو لم يتعرّض للسابقة كان الحكم كالمسألة الأولى.

قوله: «إذا شهد شاهدان لزيد. إلخ».

(1) لمّا تقدّم في باب القضاء (5) أن الشاهد مع اليمين لا يعارض الشاهدين، بل يقدّم الشاهدان مع التعارض، نبّه هنا على دفع توهّم أنه مع شهادة شاهدين

____________

(1) المبسوط 8: 251- 252.

(2) قواعد الأحكام 2: 230.

(3) في «ث، خ، ط»: الأجنبي.

(4) كذا في «خ، ص، م»، و في سائر النسخ: الثاني.

(5) في ص: 89.

319

[الرابعة: لو أوصى بوصيّتين منفردتين، فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما]

الرابعة: لو أوصى بوصيّتين (1) منفردتين، فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما، قال الشيخ: لا يقبل، لعدم التعيين، فهي كما لو شهدت بدار لزيد أو عمرو.

____________

بالوصيّة لزيد بعين، و شهادة واحد بالرجوع عنها و أنه أوصى بها لعمرو، من ذلك القبيل و أنه يقدّم الشاهدان، فنبّه على ما به يندفع الوهم، و أنه يحكم هنا بالشاهد و اليمين، لأنه لا تعارض بين الشاهدين و بينه، لأن الشاهد يشهد بأمر آخر غير ما شهد به الشاهدان، و يصدّق الشاهدين على ما شهدا به، و لكن يدّعي الرجوع عمّا شهدا به و أنه أوصى لغيره فيقدّم، لعدم التعارض، و يعمل بكلّ منهما في مورده، و يحكم ببطلان الوصيّة الأولى بالرجوع عنها.

قوله: «لو أوصى بوصيّتين. إلخ».

(1) وجه ما اختاره الشيخ (1) من البطلان أن الإبهام يمنع [من] (2) قبول الشهادة، كما لو شهدا بأنه أوصى لأحد هذين، أو شهدا بدار لزيد أو عمرو.

و نسب الحكم إلى الشيخ مؤذنا بعدم ترجيحه.

و وراء قول الشيخ وجهان آخران:

أحدهما: القرعة، لأنه أمر مشكل، و المستحقّ في نفس الأمر أحدهما، و نسبتهما إليه على السواء، و قد تعذّر علمه بموت الموصي، و كلّ أمر مشكل فيه القرعة.

و الثاني: القسمة بينهما، لأنه مال قد انحصر فيهما، و نسبتهما إليه على السواء، فيقسّم بينهما، و يجعل كأنّه ردّ وصيّة كلّ واحد إلى نصفها. و القرعة لا تخلو من قوّة.

____________

(1) المبسوط 8: 253.

(2) من «خ».

320

[الخامسة: إذا ادّعى العبد العتق، و أقام بيّنة تفتقر إلى البحث]

الخامسة: إذا ادّعى العبد العتق، (1) و أقام بيّنة تفتقر إلى البحث، و سأل التفريق حتى تثبت التزكية، قال في المبسوط: يفرّق.

و كذا قال: لو أقام مدّعي المال شاهدا واحدا، و ادّعى أنّ له آخر، و سأل حبس الغريم، لأنّه متمكّن من إثبات حقّه باليمين.

و في الكلّ إشكال، لأنّه تعجيل العقوبة قبل ثبوت الدّعوى.

____________

قوله «إذا ادّعى العبد العتق. إلخ».

(1) وجه ما ذهب إليه الشيخ (1) أن العبد قد فعل الواجب عليه حيث [قد] (2) أتى ببيّنة كاملة، و ليس عليه البحث عن حالها، لأن الظاهر العدالة حتى يثبت الجرح، و إنما البحث وظيفة الحاكم. و لأن المدّعي ربما كان أمة، فلو لا التفرقة لم يؤمن أن يواقعها، و هو ضرر عظيم.

و أما مقيم شاهد واحد بالمال، فلأنّه يتمكّن من إثبات حقّه باليمين، إذ هما حجّة في الأموال، فكان الشاهد الواحد في معنى الحجّة الكاملة.

و المصنف- (رحمه اللّه)- استشكل الحكم في الموضعين، من حيث إن التفرقة بين المالك ظاهرا و ماله قبل أن يثبت خروجه عن ملكه، و تعجيل الحبس عقوبة لم يثبت موجبها.

و دعوى أنه أتى ببيّنة كاملة في الأول مبنيّ على مذهب الشيخ من أن الأصل في المسلم العدالة، و بحث الحاكم عن التزكية للاستظهار. و على المشهور من اشتراط ظهور العدالة لا يسلّم كمال البيّنة قبل التزكية، بل يمنع من كماليّتها على مذهبه أيضا، فإن ظاهر هذا المذهب أن للحاكم أن يبحث عن التزكية

____________

(1) المبسوط 8: 254.

(2) من «ط، م».

321

..........

____________

و يرجئ الحكم إلى أن يظهر، و حينئذ فلا تكون كاملة على هذا التقدير. و قد تقدّم (1) البحث فيه.

و حينئذ فلا مانع من تمكين المولى من وطي الأمة قبل الثبوت، لأنها ملكه ظاهرا، و الناس مسلّطون على أموالهم إلى أن يثبت خلافه.

و أما مع إقامة الشاهد الواحد قبل اليمين فعدم الكمال أوضح، لأنه متمكّن من إثبات حقّه بالحلف و لم يفعل، فلا وجه للحبس قبل ثبوت الحقّ.

و إنما قيّد المصنف الشاهد بالمال ليمكن إثباته معجّلا باليمين، فيكون في قوّة البيّنة الكاملة. فلو كان الحقّ ممّا لا يثبت إلا بشاهدين- كالطلاق- لم يحبس، لعدم كمال البيّنة حينئذ. كذا نصّ عليه الشيخ (2)، و ذكر فيه احتمالا بالحبس أيضا.

و ربما قيل بجواز الحبس إن رآه الحاكم صلاحا. و لا بأس به، لأنها مسألة اجتهاديّة، فتناط برأي (3) الحاكم.

____________

(1) في ج 13: 386.

(2) المبسوط 8: 255.

(3) في «ا، ث»: بنظر.

322

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

323

كتاب الحدود و التعزيرات

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

كتاب الحدود و التعزيرات (1)

____________

(1) قوله: «كتاب الحدود و التعزيرات» الحدود جمع حدّ. و هو لغة: المنع. و منه أخذ الحدّ الشرعي، لكونه ذريعة إلى منع الناس عن فعل موجبه خشية من وقوعه.

و شرعا: عقوبة خاصّة تتعلّق بإيلام البدن، بواسطة تلبّس المكلّف بمعصية خاصّة، عيّن الشارع كمّيتها في جميع أفراده.

و التعزير لغة: التأديب. و شرعا: عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا.

و الأصل فيهما الكتاب و السنّة و الإجماع، و تفاصيله في الآيات و الأخبار كثيرة، لكثرة أفراده.

و اعلم أن الزنا من المحرّمات الكبائر، قال اللّه تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً (1). و قال تعالى وَ الَّذِينَ لٰا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً (2).

و أجمع أهل الملل على تحريمه حفظا للنسب. و قد كان الواجب به في صدر الإسلام الحبس و الإيذاء، على ما قال تعالى وَ اللّٰاتِي يَأْتِينَ الْفٰاحِشَةَ مِنْ نِسٰائِكُمْ إلى قوله تعالى وَ الَّذٰانِ يَأْتِيٰانِهٰا مِنْكُمْ فَآذُوهُمٰا (3). و ظاهر الآيات أن الحبس كان في حقّ النساء، و الإيذاء في حقّ الرجال، ثمَّ استقرّ الأمر على الحدود المفصّلة فيما سيأتي.

____________

(1) الإسراء: 32.

(2) الفرقان: 68- 69.

(3) النساء: 15- 16.

326

كلّ ما له عقوبة (1) مقدّرة يسمّى: حدّا.

و ما ليس كذلك يسمّى: تعزيرا.

و أسباب الأوّل ستّة: الزنا، و ما يتبعه، و القذف، و السرقة، و شرب الخمر، و قطع الطريق.

____________

قوله: «كلّ ما له عقوبة. إلخ».

(1) تقدير الحدّ شرعا واقع في جميع أفراده، كما أشرنا إليه سابقا. و أما التعزير فالأصل فيه عدم التقدير، و الأغلب في أفراده كذلك، لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده، و ذلك في خمسة مواضع:

الأوّل: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان، مقدّر بخمسة و عشرين سوطا.

الثاني: من تزوّج أمة على حرّة و دخل بها قبل الإذن، ضرب اثنا عشر سوطا و نصفا، ثمن حدّ الزاني.

الثالث: المجتمعان تحت إزار واحد مجرّدين، مقدّر بثلاثين إلى تسعة و تسعين على قول.

الرابع: من افتضّ بكرا بإصبعه قال الشيخ (1): يجلد من ثلاثين إلى سبعة و سبعين. و قال المفيد (2): من ثلاثين إلى ثمانين. و قال ابن إدريس (3): من ثلاثين إلى تسعة و تسعين.

الخامس: الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد أو إزار مجرّدين،

____________

(1) النهاية: 699، و فيه: تسعة و تسعين، و لم نجده في سائر كتبه. و في الجواهر (41: 371) نقلا عن الشيخ: سبعة و تسعين.

(2) المقنعة: 785.

(3) السرائر 3: 449.

327

و الثاني أربعة: (1) البغي، و الردّة، و إتيان البهيمة، و ارتكاب ما سوى ذلك من المحارم.

فلنفرد لكلّ قسم بابا، عدا ما يتداخل أو سبق.

____________

يعزّران من عشرة إلى تسعة و تسعين. قاله المفيد (1). و أطلق الشيخ (2) التعزير.

و قال في الخلاف (3): روى أصحابنا فيه الحدّ.

و لقائل أن يقول ليس من هذه مقدّر سوى الأول (4)، و الباقي يرجع فيما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره، و إن لم يتحدّد في طرفيه بما ذكر.

قوله: «و الثاني أربعة. إلخ».

(1) جعل عقوبة الباغي- و هو المحارب و من في معناه- و المرتدّ تعزيرا غير معهود (5)، و المعروف بين الفقهاء تسميته حدّا. و لا ينافي كون الحدّ مقدّرا، لأن القتل أيضا مقدّر بإزهاق الروح، إما مطلقا أو على وجه مخصوص.

و جعل ارتكاب المحارم قسيما للثلاثة، نظرا إلى أن الثلاثة الأول منصوصة بخصوصها من الشارع، و الرابع داخل من حيث العموم. و الأولى جعل سبب التعزير أمرا واحدا، و هو ارتكاب المحرّم الذي لم ينصب الشارع له حدّا مخصوصا.

____________

(1) المقنعة: 774.

(2) النهاية: 689- 690.

(3) الخلاف 5: 373 مسألة (9).

(4) في «ث»: الأولين.

(5) في الحجريّتين: معروف.

328

[القسم الأول من كتاب الحدود]

القسم الأول من كتاب الحدود

[الباب الأول في حدّ الزنا]

الباب الأول في حدّ الزنا و النظر في: الموجب، و الحدّ، و اللواحق

[أما الموجب]

أما الموجب: (1) فهو إيلاج الإنسان ذكره، في فرج امرأة محرمة، من غير عقد و لا ملك و لا شبهة. و يتحقّق ذلك بغيبوبة الحشفة، قبلا، أو دبرا، و يشترط في تعلّق الحدّ: العلم بالتحريم، و الاختيار، و البلوغ.

و في تعلّق الرّجم- مضافا إلى ذلك-: الإحصان.

و لو تزوّج محرّمة: كالأمّ، و المرضعة، و المحصنة، و زوجة الولد، و [زوجة] الأب، فوطئ مع الجهل بالتحريم فلا حدّ.

____________

قوله: «أما الموجب. إلخ».

(1) هذا تعريف لمطلق الزنا الموجب للحدّ في الجملة. و يدخل في الإنسان الكبير و الصغير و العاقل و المجنون، فلو زاد فيه: المكلّف، كان أجود. و يمكن تكلّف إخراجها بقوله: «في فرج امرأة محرّمة» فإنه لا تحريم في حقّهما.

و كذا يدخل فيه المختار و المكره. و يجب إخراج المكره، إلا أن يخرج بما خرج به الأولان.

و كذا يدخل الذكر و الخنثى. لكن يمكن إخراج الخنثى بقوله: «ذكره» فإن ذكر الخنثى ليس بحقيقي، لعدم مبادرة المعنى عند إطلاقه إليه، و جواز سلبه عنه.

و من جعله ذكرا حقيقيّا زاد بعد قوله «ذكره»: الأصليّ يقينا، لإخراج ما للخنثى المشكل. و كذا القول في إخراج الخنثى من قوله: «في فرج امرأة» فإن الخنثى خرجت بقوله: «امرأة». و منهم من لم يخرجها بها، و زاد قوله: أصليّ يقينا.

329

و لا ينهض العقد (1) بانفراده شبهة في سقوط الحدّ. و لو استأجرها للوطء، لم يسقط بمجرّده. و لو توهّم الحلّ به سقط.

و كذا يسقط في كلّ موضع يتوهّم الحلّ، كمن وجد على فراشه امرأة، فظنّها زوجته فوطئها.

____________

و كما يتحقّق ذلك بغيبوبة الحشفة، يتحقّق بغيبوبة قدرها من مقطوعها. و لو قال: بغيبوبة قدر الحشفة، لشمل الأمرين.

و المراد بالمحرّمة تحريما أصليّا لتخرج المحرّمة بالعرض، كزوجته الحائض و المحرمة و الصائمة، فلا حدّ بوطيها، و إن استحقّ التعزير لفعل المحرّم.

قوله: «و لا ينهض العقد. إلخ».

(1) ضابط الشبهة المسقطة للحدّ توهّم الفاعل أو المفعول أن ذلك الفعل سائغ له، لعموم: «ادرؤا الحدود بالشبهات» (1) لا مجرّد وقوع الخلاف فيه مع اعتقاده تحريمه.

فإذا عقد على امرأة لا تحلّ له بالعقد و وطئها بذلك العقد لم يكف ذلك في سقوط الحدّ، لأنه عقد فاسد فلا يورث شبهة، كما لو اشترى حرّة فوطئها أو خمرا فشربها. و لأنه لو كان شبهة لثبت به النسب، و لا يثبت باتّفاق الخصم.

و كذا لو استأجرها للوطي، خلافا لأبي حنيفة (2) في الموضعين، حيث أسقط الحدّ عنه بمجرّد العقد و إن كان عالما بتحريمه، و إن كان العقد على الأم.

نعم، لو توهّم الحلّ بذلك كان شبهة من حيث الوهم تسقط الحدّ، كما يسقط بغيرها من أنواع الشبهة و إن لم يكن هناك عقد.

____________

(1) الفقيه 4: 53 ح 190، الوسائل 18: 336 ب «24» من أبواب مقدّمات الحدود ح 4.

(2) اللباب في شرح الكتاب 3: 191، الحاوي الكبير 13: 217- 218، روضة القضاة 4: 1301 رقم (7921)، حلية العلماء 8: 15، بدائع الصنائع 7: 35، تبيين الحقائق 3: 179- 180، المبسوط للسرخسي 9: 58 و 85.

330

و لو تشبّهت له [فوطئها]، فعليها الحدّ (1) دونه. و في رواية يقام عليها الحدّ جهرا، و عليه سرّا. و هي متروكة. و كذا يسقط لو أباحته نفسها، فتوهّم الحلّ.

و يسقط الحدّ مع الإكراه. (2) و هو يتحقّق في طرف المرأة قطعا. و في تحقّقه في طرف الرجل تردّد، و الأشبه إمكانه، لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع.

____________

قوله: «و لو تشبّهت له فعليها الحدّ. إلخ».

(1) أما وجوب الحدّ عليها دونه فلاختصاصها بالزنا، فتختصّ بالحدّ.

و الرواية التي أشار إليها رويت بطريق ضعيف يشتمل على مجاهيل: «إن امرأة تشبّهت بأمة رجل فواقعها على أنها أمته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى عليّ (عليه السلام) فقال: حدّها جهرا، و حدّه سرّا» (1). و عمل بمضمونها القاضي (2)، و اقتصر الشيخان (3) على ذكرها بطريق الرواية.

و الأصحّ عدم الحدّ عليه مطلقا، للشبهة، و أصالة البراءة، و ضعف مستند الثبوت.

قوله: «و يسقط الحدّ مع الإكراه. إلخ».

(2) الإكراه يسقط [به] (4) أثر التحريم عن المكره إجماعا، حذرا من تكليف ما لا يطاق، و عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع عن أمّتي الخطأ، و النسيان، و ما

____________

(1) الكافي 7: 262 ح 13، التهذيب 10: 47 ح 169، الوسائل 18: 409 ب «38» من أبواب حدّ الزنا.

(2) المهذّب 2: 524.

(3) المقنعة: 784، النهاية: 699.

(4) من «أ، م».

331

و يثبت للمكرهة (1) على الواطئ مثل مهر نسائها، على الأظهر.

____________

استكرهوا عليه» (1). و المراد رفع حكمها أو المؤاخذة عليها.

و الإكراه على الزنا يتحقّق في طرف المرأة إجماعا. و أما في طرف الرجل فقيل: لا يتحقّق، لأن الإكراه يمنع من انتشار العضو و انبعاث القوى، لتوقّفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل. و الأظهر إمكانه، لأن الانتشار يحدث عن الشهوة، و هو أمر طبيعي لا ينافيها تحريم الشرع. و على كلّ حال لا حدّ، لأنه شبهة و الحدّ يدرأ بالشبهة.

قوله: «و يثبت للمكرهة. إلخ».

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل لم يذكر كثير منهم فيه خلافا، لأن مهر المثل عوض البضع إذا كان محترما عاريا عن المهر، كقيمة المتلف (2) من المال، و البضع و إن لم يضمن بالفوات لكنّه يضمن بالتفويت و الاستيفاء، لأنها (3) ليست بغيّا، و النهي عن مهر البغيّ يدلّ على ثبوته لغيرها.

و القول بعدم ثبوت المهر للشيخ في موضع من الخلاف (4)، محتجّا عليه بنهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن مهر البغيّ (5). قال: «و البغيّ: الزانية».

و هو- كما قال ابن إدريس (6)- استدلال عجيب. و أوجبه في موضع آخر من

____________

(1) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى: 74 ح 159، الوسائل 16: 144 ب «16» من أبواب كتاب الأيمان ح 5.

(2) في «خ، د، ط»: المتلف المالي.

(3) في «ت، ط، م»: و لأنها.

(4) الخلاف 3: 404 مسألة (16)، و ج 5: 393 مسألة (36).

(5) الخصال: 417 ح 10، الوسائل 12: 64 ب «5» من أبواب ما يكتسب به ح 13. و انظر مسند أحمد 1: 356، سنن ابن ماجه 2: 730 ح 2159، سنن أبي داود 3: 267 ح 3428، سنن الترمذي 3: 439 ح 1133 سنن النسائي 7: 189، سنن البيهقي 6: 6.

(6) السرائر 3: 436.

332

و لا يثبت الإحصان (1) الذي يجب معه الرجم، حتى يكون الواطئ بالغا حرّا، و يطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرّقّ، متمكّن منه يغدو عليه و يروح. و في رواية مهجورة: دون مسافة التقصير.

و في اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطئ المجنون عاقلة، وجب عليه الحدّ رجما أو جلدا. هذا اختيار الشيخين (رحمهما اللّه). و فيه تردّد.

____________

الخلاف (1)، و كذلك في المبسوط (2)، فلذلك لم يعدّها كثير من مسائل الخلاف.

قوله: «و لا يثبت الإحصان. إلخ».

(1) الإحصان و التحصين في اللغة المنع، قال تعالى لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ (3). و قال تعالى فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ (4).

و ورد في الشرع بمعنى الإسلام، و بمعنى البلوغ و العقل. و كلّ منهما قد قيل في تفسير قوله تعالى فَإِذٰا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفٰاحِشَةٍ (5). و بمعنى الحرّية، و منه قوله تعالى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مٰا عَلَى الْمُحْصَنٰاتِ مِنَ الْعَذٰابِ (6) يعني: الحرائر.

و بمعنى التزويج، و منه قوله تعالى وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (7). يعني: المنكوحات. و بمعنى العفّة عن الزنا، و منه قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ (8). و بمعنى الإصابة في النكاح، و منه قوله تعالى:

مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ (9).

____________

(1) الخلاف 5: 257 مسألة (67).

(2) المبسوط 3: 73.

(3) الأنبياء: 80.

(4) الحشر: 14.

(5) النساء: 25.

(6) النساء: 25.

(7) النساء: 24.

(8) النور: 4.

(9) المائدة: 5.

333

..........

____________

و يقال: أحصنت المرأة عفّت، و أحصنها زوجها فهي محصنة، و أحصن الرجل تزوّج.

و يعتبر في الإحصان المعتبر لوجوب الرجم بالزنا أمور:

أحدها: البلوغ. فالصبيّ ليس بمحصن، و لا حدّ عليه، لأن فعله ليس بجناية حتى يناط به عقوبة. و الأظهر أن المجنون كذلك، لاشتراكهما في العلّة.

فيشترط البلوغ و العقل، و يجمعهما التكليف. فلو وطئ المجنون فلا حدّ عليه رجما و لا جلدا، لعدم التكليف الذي هو مناط الحدود على المعاصي.

و ذهب الشيخان (1) و جماعة (2) إلى وجوب الحدّ على المجنون، و تحقّق الإحصان منه، فيثبت عليه الرجم معه و الجلد بدونه، استنادا إلى رواية أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحدّ، و إن كان محصنا رجم، قلت: و ما الفرق بين المجنون و المجنونة و المعتوه و المعتوهة؟

فقال: المرأة إنما تؤتى، و الرجل إنما يأتي، و إنما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذّة، و إن المرأة إنما تستكره و يفعل بها، و هي لا تعقل ما يفعل بها» (3).

و هذه الرواية ظاهرة في كون الفاعل غير مجنون، و إن كان صدرها قد تضمّن حكم المجنون، فتحمل على مجنون يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصينه (4)، لتناسب العلّة التي ذكرها في الرواية.

____________

(1) المقنعة: 779، النهاية: 696.

(2) المقنع: 436.

(3) الكافي 7: 192 ح 3، التهذيب 10: 19 ح 56، الوسائل 18: 388 ب «21» من أبواب حدّ الزنا ح 2.

(4) في «ت، د، ط، م»: تحصيله.

334

..........

____________

و ثانيها: الحرّية. فالرقيق ليس بمحصن، و لا يرجم بالزنا و إن أصاب في نكاح صحيح. و يستوي في ذلك القنّ و المدبّر و المكاتب و من بعضه رقيق.

قيل: و الوجه في اعتبار الحرّية أن العقوبة تتغلّظ بتغلّظ الجناية، و الحرّية تغلّظ الجناية من وجهين:

أحدهما: أنها تمنع من الفواحش، لأنها صفة كمال و شرف، و الشريف يصون نفسه عمّا يدنس عرضه، و الرقيق مبتذل مهان لا يتحاشى عمّا يتحاشى منه الحرّ.

و الثاني: أنها توسّع طريق الحلال، ألا ترى أن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيّد، و لا ينكح إلا امرأتين، بخلاف الحرّ، و من ارتكب الحرام مع اتّساع طريق الحلال عليه كانت جنايته أغلظ.

و ثالثها: الإصابة في نكاح صحيح. قيل: و المعنى في اعتبارها أن الشهوة مركّبة في النفوس، فإذا أصاب في النكاح فقد نال اللذّة و قضى الشهوة، فحقّه أن يمتنع عن الحرام. و أيضا فإن الإصابة تكمل طريق الحلال، من حيث إن النكاح قبل الدخول يبين بالطلقة الواحدة و بمجرّد اختلاف الدين، و بعد الدخول بخلافه.

و أيضا فإنه إذا أصاب امرأته فقد أكّد استفراشها، فلو لطخ غيره فراشه عظمت وحشته و أذيّته، فحقّه أن يمتنع من تلطيخ فراش الغير، فإذا لم يمتنع تغلّظت الجناية.

و يكفي في الإصابة تغيّب الحشفة. و لا يشترط الإنزال. و لا يقدح وقوعها في حالة محرّمة بالعرض كالحيض و الإحرام. و لا فرق في الموطوءة التي يحصل

335

..........

____________

بها الإحصان بين الحرّة و الأمة عندنا، لاشتراكهما في المقتضي (1) المذكور للإنسان.

و احترز بالعقد الدائم عن المنقطع، فإنه لا يحصن. و [قد] (2) يدلّ على الأمرين معا موثّقة إسحاق بن عمّار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل إذا هو زنى و عنده السرّيّة و الأمة يطؤها، تحصنه الأمة و تكون عنده؟

فقال: نعم، إنما ذلك لأن عنده ما يغنيه عن الزنا، قلت: فإن كانت عنده أمة زعم أنه يطؤها، فقال: لا يصدّق، قلت: فإن كانت عنده امرأة متعة أ تحصنه؟ قال: لا إنما هو على الشيء الدائم عنده» (3). و غيرها من الأخبار (4) الكثيرة.

و ذهب جماعة من أصحابنا- منهم ابن الجنيد (5) و ابن أبي عقيل (6) و سلّار (7)- إلى أن ملك اليمين لا يحصن، لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: «و كما لا تحصن الأمة و النصرانيّة و اليهوديّة إذا زنى بحرّة، فكذلك لا يكون عليه حدّ المحصن إن زنى بيهوديّة أو نصرانيّة أو أمة و تحته حرّة» (8).

____________

(1) في «ث»: الاقتضاء.

(2) من الحجريّتين.

(3) الكافي 7: 178 ح 1، التهذيب 10: 11 ح 26، الاستبصار 4: 204 ح 763، الوسائل 18: 352 ب «2» من أبواب حدّ الزّنا ح 2.

(4) راجع الوسائل 18: 351 ب «2» من أبواب حدّ الزّنا.

(5) حكاه عنهما العلامة في المختلف: 757.

(6) حكاه عنهما العلامة في المختلف: 757.

(7) انظر المراسم: 252، فقد نسب حصول الإحصان به إلى الرواية.

(8) الفقيه 4: 25 ح 59، التهذيب 10: 13 ح 31، الاستبصار 4: 205 ح 768، الوسائل 18: 354 الباب المتقدّم ح 9.

336

..........

____________

و رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يحصن الحرّ المملوكة، و لا المملوك الحرّة» (1).

و لأن ملك اليمين لا يقصد به اكتساب الحلّ، و لذلك يصحّ شراء من لا تحلّ له، فلا تكون الإصابة فيه كالإصابة في النكاح.

و أجاب الشيخ (2) عن الرواية الأولى بحملها على ما إذا كانوا عنده على سبيل المتعة، فلهذا حكم بأنهنّ لا يحصنّه. و عن الثانية بأنها لا دلالة فيها، لأن مقتضاها أن الحرّ لا يحصن الأمة، حتى إذا زنت وجب عليها الرجم كما لو كانت تحته حرّة، لأن حدّ المملوك و المملوكة خمسون جلدة، و لا رجم عليهما.

و رابعها: أن يكون متمكّنا من الفرج يغدو عليه و يروح، بمعنى القدرة عليه في أيّ وقت أراده ممّا يصلح لذلك، و الغدوّ و الرواح كناية عنه. و إلى هذا المعنى أشار الشيخ في النهاية (3)، فقال: «أن يكون له فرج يتمكّن من وطئه». و يحتمل اعتبار حقيقته، بمعنى التمكّن منه أول النهار و آخره، فلو كان بعيدا عنه لا يتمكّن من الغدوّ عليه و الرواح، أو محبوسا لا يتمكّن من الوصول إليه، خرج عن الإحصان.

و يدلّ على اعتبار ذلك صحيحة ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: ما المحصن رحمك اللّه؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن» (4).

____________

(1) التهذيب 10: 12 ح 30، الاستبصار 4: 205 ح 767، الوسائل 18: 253 الباب المتقدّم ح 7.

(2) التهذيب 10: 12 و 13، ذيل ح 30 و 31، الاستبصار 4: 205 ذيل ح 767 و 768.

(3) النهاية: 693.

(4) الكافي 7: 179 ح 10، التهذيب 10: 12 ح 28، الاستبصار 4: 204 ح 765، الوسائل 18:

351 ب «2» من أبواب حدّ الزّنا ح 1.

337

و يسقط الحدّ (1) بادّعاء الزوجيّة، و لا يكلّف المدّعي بيّنة و لا يمينا.

و كذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدّعي.

____________

و في حسنة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل محبوس في السجن و له امرأة حرّة في بيته في المصر و هو لا يصل إليها، فزنى في السجن، فقال: عليه الجلد، و يدرأ عنه الرجم» (1).

و الرواية المهجورة التي أشار إليها المصنف- (رحمه اللّه)- الدالّة على اعتبار قصور المسافة عن مسافة التقصير رواها عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الغائب عن أهله يزني، هل يرجم إذا كان له زوجة و هو غائب عنها؟ قال: لا يرجم الغائب، و لا المملك الذي لم يبن بأهله، و لا صاحب المتعة، قلت: ففي أيّ حدّ سفره لا يكون محصنا؟ قال: إذا قصّر و أفطر فليس بمحصن» (2).

و في مرفوعة أخرى عن محمد بن الحسين قال: «الحدّ في السفر الذي إن زنى لم يرجم إذا كان محصنا إذا قصّر و أفطر» (3).

و في طريق الرواية الأولى جهالة. و الثانية موقوفة (4)، فلذلك كانت مهجورة في العمل بمضمونها.

قوله: «و يسقط الحدّ. إلخ».

(1) إنما يسقط الحدّ عنه بمجرّد الدعوى و إن لم يثبت الزوجيّة، لأن دعواه

____________

(1) الكافي 7: 179 ح 12، التهذيب 10: 15 ح 39، الوسائل 18: 355 ب «3» من أبواب حدّ الزنا ح 2.

(2) الكافي 7: 179 ح 13، التهذيب 10: 13 ح 32، الاستبصار 4: 205 ح 769، الوسائل 18: 356 ب «4» من أبواب حدّ الزنا ح 1.

(3) الكافي 7: 179 ح 11، الفقيه 4: 29 ح 74، الوسائل 18: 356 الباب المتقدّم ح 2.

(4) في «خ»: مرفوعة.

338

و الإحصان في المرأة (1) كالإحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعا.

فلا رجم و لا حدّ على مجنونة في حال الزّنا، و لو كانت محصنة، و إن زنى بها العاقل.

و لا تخرج المطلّقة رجعيّة (2) عن الإحصان. و لو تزوّجت عالمة، كان عليها الحدّ تامّا. و كذا الزّوج إن علم التحريم و العدّة. و لو جهل فلا حدّ. و لو كان أحدهما عالما، حدّ حدّا تامّا، دون الجاهل. و لو ادّعى أحدهما الجهالة قبل، إذا كان ممكنا في حقّه.

و تخرج بالطلاق البائن عن الإحصان.

____________

شبهة في الحلّ، و الحدّ يدرأ بالشبهة. و مثله ما لو ادّعى شراء الأمة من مالكها و إن لم يثبت ذلك. و لا يسقط فيه من أحكام الوطي سوى الحدّ. فلو كانت أمة فعليه لمولاها العقر، أو حرّة مكرهة فمهر المثل إن لم يثبت استحقاق الوطي.

قوله: «و الإحصان في المرأة. إلخ».

(1) بمعنى اشتراط كونها مكلّفة حرّة، موطوءة بالعقد الدائم، متمكّنة من الزوج بحيث يغدو عليها و يروح.

و يشكل الحكم في القيد الأخير، من حيث إن المرأة لا تتمكّن من الوطي متى شاءت، لأن الأمر بيد غيرها، و الحقّ له في ذلك غالبا، بخلاف العكس.

قوله: «و لا تخرج المطلّقة رجعيّة. إلخ».

(2) لأن المطلّقة رجعيّة في حكم الزوجة، و المطلّق متمكّن منها في كلّ وقت بالمراجعة. و تزويجها في العدّة بالنسبة إلى الحدّ كتزويج الزوجة، فيحدّان مع

339

و لو راجع المخالع، (1) لم يتوجّه عليه الرجم، إلّا بعد الوطي. و كذا المملوك لو أعتق، و المكاتب إذا تحرّر.

____________

العلم بالتحريم، و يسقط الحدّ مع الشبهة. و يقبل قولهما فيها إن كانت ممكنة في حقّهما، بأن كانا مقيمين في بادية بعيدة عن معالم الشرع، أو قريبي العهد بالإسلام، و نحو ذلك.

و كذا لو تزوّجت المطلّقة بائنا، و إن فارقتها في الخروج عن الإحصان، فتجلد كغير المعتدّة ممّن لم تحصن.

و لو تزوّجت الزوجة بغير الزوج فكتزويج المطلّقة رجعيّا، و أولى بالحكم.

و يدلّ على حكم المطلّقة صحيحة يزيد الكناسي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة تزوّجت في عدّتها، قال: إن كانت تزوّجت في عدّة طلاق لزوجها عليه الرجعة فإن عليها الرجم، و إن كانت تزوّجت في عدّة ليس لزوجها عليها الرجعة فإن عليها حدّ الزاني غير المحصن» (1).

و يدلّ على حكم المزوّجة صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة تزوّجت رجلا و لها زوج، فقال: إن كان زوجها الأول مقيما معها في المصر الذي هي فيه تصل إليه و يصل إليها، فإن عليها ما على الزاني المحصن الرجم، و إن كان زوجها الأول غائبا عنها أو كان مقيما معها في المصر لا يصل إليها و لا تصل إليه، فإن عليها ما على الزانية غير المحصنة» (2).

قوله: «و لو راجع المخالع. إلخ».

(1) أما المخالع فلأنه بالخلع الموجب للبينونة خرج عن الإحصان حيث لا

____________

(1) الكافي 7: 192 ح 2، التهذيب 10: 20 ح 61، الوسائل 18: 396 ب «27» من أبواب حدّ الزنا ح 3.

(2) الكافي 7: 192 ح 1، التهذيب 10: 20 ح 60، الوسائل 18: 395، الباب المتقدّم ح 1.

340

و يجب الحدّ على الأعمى، (1) فإن ادّعى الشبهة، قيل: لا تقبل.

و الأشبه القبول مع الاحتمال.

____________

يملك فرجا آخر غيرها، فيشترط في عوده إلى الزوجة- و إن كان برجوعه في البذل بعد رجوعها- تجدّد الوطي ليتحقّق إحصان جديد، لبطلان الأول بالفرقة البائنة (1).

و أما المملوك و المكاتب فوطئهما في حال الرقّية و الكتابة لا يحصن، لعدم الوطي حالة الشرط و هو الحرّية، كما لا يكتفى في إحصان البالغ العاقل بوطيه صغيرا أو مجنونا.

و يدلّ عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في العبد يتزوّج الحرّة ثمَّ يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرّة بعد ما يعتق» (2).

قوله: «و يجب الحدّ على الأعمى. إلخ».

(1) القول بعدم القبول للشيخين (3)، و تبعهما ابن البرّاج (4) و سلّار (5)، و لم يذكروا عليه دليلا مقنعا. و الأظهر- و هو مذهب الأكثر (6)- قبول دعواه كالمبصر، لأن ذلك شبهة يدرأ بها الحدّ، و لأنه مسلم و الأصل في إخباره المطابقة.

و قيّد ابن إدريس (7) قبول دعواه بشهادة الحال بما ادّعاه، بأن يكون قد

____________

(1) كذا في «خ، م»، و في سائر النسخ: الثانية.

(2) الكافي 7: 179 ح 9، الفقيه 4: 27 ح 65، التهذيب 10: 16 ح 40، الوسائل 18: 358 ب «7» من أبواب حدّ الزّنا ح 5.

(3) المقنعة: 783- 784، النهاية: 698- 699.

(4) المهذّب 2: 524.

(5) المراسم: 254.

(6) إرشاد الأذهان 2: 170، المقتصر: 399.

(7) السرائر 3: 447- 448.

341

[و يثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة]

و يثبت الزنا بالإقرار أو البيّنة

[أما الإقرار]

أما الإقرار:

فيشترط فيه: بلوغ المقرّ، و كماله، و الاختيار، و الحرّية، و تكرار الإقرار أربعا (1) في أربعة مجالس.

و لو أقرّ دون الأربع لم يجب الحدّ، و وجب التعزير.

و لو أقرّ أربعا في مجلس واحد، قال في الخلاف و المبسوط: لا يثبت. و فيه تردّد.

و يستوي في ذلك الرجل و المرأة. و تقوم الإشارة المفيدة للإقرار في الأخرس مقام النّطق.

____________

وجدها على فراشه فظنّها زوجته أو أمته، و لو شهدت الحال بخلاف ذلك لم يصدّق.

و ربما قيّد بعضهم (1) قبول قوله بكونه عدلا. و الوجه القبول مطلقا.

قوله: «و تكرار الإقرار أربعا. إلخ».

(1) اتّفق الأصحاب- إلا من شذّ- على أن الزنا لا يثبت على المقرّ به على وجه يثبت به الحدّ إلا أن يقرّ به أربع مرّات. و يظهر من ابن أبي (2) عقيل الاكتفاء بمرّة. و هو قول أكثر العامّة (3). و منهم (4) من اعتبر الأربع كالمشهور عندنا.

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 332.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 763.

(3) مختصر المزني: 261، الحاوي الكبير 13: 206، الوجيز 2: 169، رحمة الأمة: 286، بداية المجتهد 2: 438، الكافي للقرطبي 2: 1070.

(4) اللباب في شرح الكتاب 3: 182، المبسوط للسرخسي 9: 91، تبيين الحقائق 3: 166، بدائع الصنائع 7: 50، المغني لابن قدامة 10: 160.

342

..........

____________

لنا: ما روي أن ماعز بن مالك جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: «يا رسول اللّه إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثمَّ جاء من شقّه الأيمن فقال: يا رسول اللّه إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثمَّ جاء فقال: إنّي قد زنيت، إلى أن قال ذلك أربع مرّات، قال: أ بك جنون؟ قال: لا يا رسول اللّه، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اذهبوا به فارجموه» (1).

و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: «لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يا رسول اللّه، قال: أ نكحتها لا يكني؟ قال: كما يغيب المرود في المكحلة و الرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: ما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهّرني، فأمر به فرجم» (2).

فلو لا اعتبار الإقرار أربع مرّات لاكتفى منه بأول مرّة و أمر برجمه.

قالوا: ارتاب في أمره، فاستثبت ليعرف أبه جنون أم شرب خمرا أم لا؟

قلنا: الاستثبات لا يتقيّد بهذا العدد. و كان يمكن البحث عنه من أول مرّة.

و في بعض ألفاظ الحديث: «شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به فارجموه» (3). و في رواية أخرى أنه لمّا اعترف ثلاث مرّات قال له: «إن اعترفت

____________

(1) الكافي 7: 185 ح 5، عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، الوسائل 18: 376 ب «15» من أبواب حدّ الزنا ح 1. و انظر مسند أحمد 2: 453 و 3: 323، صحيح البخاري 7: 59 و 8: 205، صحيح مسلم 3: 1318، سنن أبي داود 4: 145- 148، سنن ابن ماجه 2: 854 ح 2554، سنن الترمذي 4: 27، المستدرك للحاكم 4: 361، سنن البيهقي 8: 225، تلخيص الحبير 4: 56.

(2) الكافي 7: 185 ح 5، عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، الوسائل 18: 376 ب «15» من أبواب حدّ الزنا ح 1. و انظر مسند أحمد 2: 453 و 3: 323، صحيح البخاري 7: 59 و 8: 206، صحيح مسلم 3: 1323، سنن أبي داود 4: 148، سنن ابن ماجه 2: 854 ح 2554، سنن الترمذي 4: 28، المستدرك للحاكم 4: 363، سنن البيهقي 8:

227، تلخيص الحبير 4: 58.

(3) سنن أبي داود 4: 147 ح 4426.

343

..........

____________

الرابعة رجمتك، فاعترف الرابعة» (1).

و من طريق الخاصّة قول أحدهما (عليهما السلام): «لا يرجم الزاني حتى يقرّ أربع مرّات بالزنا إذا لم يكن شهود، فإن رجع ترك و لم يرجم» (2).

احتجّ ابن أبي (3) عقيل بصحيحة الفضيل عن الصادق (عليه السلام) قال: «من أقرّ على نفسه عند الامام بحقّ حدّ من حدود اللّه تعالى مرّة واحدة، حرّا كان أو عبدا، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الامام أن يقيم الحدّ عليه للذي أقرّ به على نفسه، كائنا من كان، إلا الزاني المحصن، فإنه لا يرجم حتى يشهد عليه أربعة شهود» (4).

و أجيب بحمله على غير حدّ الزنا جمعا بين الأخبار.

إذا تقرّر ذلك، فاختلف القائلون باشتراط تكراره أربعا في اشتراط تعدّد مجالسه، بأن يقع كلّ إقرار في مجلس، أم يكفي وقوع الأربعة في مجلس واحد.

فذهب جماعة- منهم الشيخ في الخلاف (5) و المبسوط (6) و ابن حمزة (7)- إلى الأول، لأن ماعز بن مالك أقرّ في أربعة مواضع، و الأصل براءة الذمّة من هذه

____________

(1) مسند أحمد 1: 8.

(2) الكافي 7: 219 ح 2، التهذيب 10: 122 ح 491، الاستبصار 4: 250 ح 948، الوسائل 18:

320 ب «12» من أبواب مقدّمات الحدود ح 5.

(3) انظر المختلف: 763.

(4) التهذيب 10: 7 ح 20، الاستبصار 4: 203 ح 761، الوسائل 18: 343 ب «32» من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

(5) الخلاف 5: 377 مسألة (16).

(6) المبسوط 8: 4.

(7) الوسيلة: 410.

344

و لو قال: زنيت بفلانة، (1) لم يثبت الزنا في طرفه، حتى يكرّره أربعا. و هل يثبت القذف للمرأة؟ فيه تردّد.

____________

العقوبة بدون ما وقع الاتّفاق عليه. و لأن هذا الاختلاف مع ورود الواقعة كذلك شبهة يدرأ بها الحدّ.

و أطلق الأكثر- و منهم الشيخ في النهاية (1) و المفيد (2) و أتباعهما (3) و ابن إدريس (4)- ثبوته بالإقرار أربعا، لأصالة عدم اشتراط التعدّد. و قضيّة ماعز بن مالك وقعت اتّفاقا، مع أنها ليست صريحة في اختلاف المجالس. و رواية الخاصّة السابقة (5) مطلقة أيضا. و الأقوى عدم الاشتراط، لعدم دليل يقتضيه.

قوله: «و لو قال: زنيت بفلانة. إلخ».

(1) إذا أقرّ بالزنا و نسبه إلى امرأة معيّنة، كقوله: زنيت بفلانة، فلا إشكال في احتياج ثبوت الزنا في حقّه إلى إقراره أربع مرّات.

أما ثبوت قذف المرأة ففيه تردّد، منشؤه من أن ظاهره القذف، لأنه رمى المحصنة، أي: غير المشهورة بالزنا، فيكون قاذفا بأول مرّة كما لو رماها بغيره، و من أنه إنما نسب الزنا إلى نفسه، و زناه ليس مستلزما لزناها، لجواز الاشتباه عليها أو الإكراه، و العامّ لا يستلزم الخاصّ. و لأن إقراره على نفسه بالزنا بها ليس إقرارا على المرأة بالزنا، إذ ليس موضوعا له، و لا جزءا من مسمّاه، و لا لازما له،

____________

(1) النهاية: 689.

(2) المقنعة: 775.

(3) المهذّب 2: 524، المراسم: 252، إصباح الشيعة: 517.

(4) راجع السرائر 3: 429، و لكنّه اشترط وقوعه في أربعة أوقات. نعم، نسب إليه الإطلاق العلامة في المختلف: 761.

(5) راجع الصفحة السابقة.

345

و لو أقرّ بحدّ و لم يبيّنه، (1) لم يكلّف البيان، و ضرب حتى ينهي عن نفسه.

و قيل: لا يتجاوز به المائة، و لا ينقص عن ثمانين.

و ربّما كان صوابا في طرف الكثرة، و لكن ليس بصواب في طرف النقصان، لجواز أن يريد بالحدّ التعزير.

____________

فانتفت الدلالات الثلاث عنه، فلا قذف. و على هذا فيثبت التعزير للإيذاء.

و الوجه ثبوت القذف بالمرأة مع الإطلاق، لأنه ظاهر فيه، و الأصل عدم الشبهة و الإكراه. و لو فسّره بأحدهما قبل، و اندفع عنه الحدّ، و وجب التعزير.

قوله: «و لو أقرّ بحدّ و لم يبيّنه. إلخ».

(1) الأصل في هذه المسألة رواية محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر في رجل أقرّ على نفسه بحدّ و لم يسمّ أن يضرب حتى ينهي عن نفسه» (1). و بمضمونها عمل الشيخ (2) و القاضي (3).

و زاد ابن إدريس (4) أنه لا ينقص عن ثمانين و لا يزاد على مائة، نظرا إلى أن أقلّ الحدود حدّ الشرب، و أكثرها حدّ الزنا.

و كلاهما ممنوع. أما في جانب القلّة فلأن حدّ القوّاد خمسة و سبعون، و حدّ الزنا قد يتجاوز المائة، كما لو زنى في مكان شريف أو وقت شريف، فإنه يزاد على المائة بما يراه الحاكم.

____________

(1) الكافي 7: 219 ح 1، التهذيب 10: 45 ح 160، الوسائل 18: 318 ب «11» من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

(2) النهاية: 702- 703.

(3) المهذّب 2: 529.

(4) السرائر 3: 455- 456.

346

..........

____________

و اعترض المصنف- (رحمه اللّه)- أيضا على جانب النقصان، لجواز أن يريد بالحدّ التعزير، فإنه يطلق عليه لغة، فلا يتحقّق ثبوت الحدّ المعهود عليه، إذ لا يثبت عليه إلا ما علم أنه مراد من اللفظ.

و فيه نظر، لأن الحدّ حقيقة شرعيّة في المقدّرات المذكورة، و إطلاقها على التعزير مجاز لا يصار إليه عند الإطلاق بدون القرينة. ثمَّ على تقدير حمله على التعزير فأمره منوط بنظر الحاكم غالبا، و نظر الحاكم يتوقّف على معرفة المعصية ليرتّب عليها ما يناسبها، لا بمجرّد التشهّي، و من التعزير ما هو مقدّر، فجاز أن يكون أحدها، فيشكل تجاوزها أو نقصها (1) بدون العلم بالحال.

و يشكل الخبر أيضا باستلزامه أنه لو أنهى عن نفسه فيما دون الحدود المعلومة قبل منه، و ليس هذا حكم الحدّ و لا التعزير. و أيضا، فإن من الحدود ما يتوقّف على الإقرار أربع مرّات، و منها ما يتوقّف على الإقرار مرّتين، و منها ما يثبت بمرّة، فلا يتمّ إطلاق القول بجواز بلوغ المائة مع الإقرار دون الأربع، و بلوغ الثمانين بدون الإقرار مرّتين، و اشتراط ذلك كلّه خروج عن مورد الرواية رأسا.

و الحقّ أن الرواية مطرحة، لضعف سندها باشتراك محمد بن قيس الذي يروي عن الباقر (عليه السلام) بين الثقة و غيره، فلا تصلح لإثبات هذا الحكم المخالف للأصل. مع أنه قد روي بطريق يشاركه في الضعف- إن لم يكن أقرب منه- عن أنس بن مالك قال: «كنت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فجاءه رجل فقال: يا رسول اللّه إني أصبت حدّا فأقمه عليّ، و لم يسمّه، قال: و حضرت الصلاة فصلّى مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا قضى النبيّ الصلاة قام إليه الرجل فقال:

____________

(1) في «ا، ث، د»: بعضها.

347

..........

____________

يا رسول اللّه إني أصبت حدّا فأقم فيّ كتاب اللّه، فقال: أ ليس قد صلّيت معنا؟

قال: نعم، قال: فإن اللّه قد غفر لك ذنبك أو حدّك» (1).

و لو كان الحدّ يثبت بالإقرار مطلقا لما أخّره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا حكم بأن الصلاة تسقط الحدّ. و إنما أجابه بذلك من حيث عدم ثبوته مع إطلاقه كذلك، و إن تكرّر الإقرار.

و أيضا، فإن الحدّ- كما قد علم- يطلق على الرجم، و على القتل بالسيف، و الإحراق بالنار، و رمي الجدار عليه، و غير ذلك ممّا ستقف عليه، و على الجلد.

ثمَّ الجلد يختلف كمّية و كيفيّة، فحمل مطلقه على الجلد غير مناسب للواقع، و لا يتمّ معه إطلاق أن الإقرار أربع مرّات يجوز جلد المائة. فالقول بعدم ثبوت شيء بمجرّد الإقرار المجمل قويّ.

و على هذا، فيمكن القول بعدم وجوب استفساره، بل و لا استحبابه، تأسّيا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الخبر و غيره من ترديد عزم المقرّ، فكيف بالساكت؟! و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه، فإن من أبدى صفحته أقمنا عليه الحدّ» (2). و أقلّ مراتب الأمر الاستحباب.

و في حديث المزني الذي أقرّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) بالزنا أربع مرّات، و في كلّ مرّة يأمره بالانصراف، ثمَّ قال له في الرابعة: «ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ! أ فلا تاب في

____________

(1) صحيح البخاري 8: 207، صحيح مسلم 4: 2117 ح 44.

(2) الموطّأ 2: 825 ح 12، سنن البيهقي 8: 329- 330، تلخيص الحبير 4: 57 ذيل ح 1756.

348

و في التقبيل، (1) و المضاجعة في إزار واحد، و المعانقة، روايتان:

إحداهما: مائة جلدة. و الأخرى: دون الحدّ. و هي أشهر.

____________

بيته؟! فو اللّه لتوبته فيما بينه و بين اللّه أفضل من إقامتي عليه الحدّ» (1).

قوله: «و في التقبيل. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب و الروايات في حكم المجتمعين في إزار واحد و ما أشبهه، و الاستمتاع بما دون الفرج.

فقال الشيخ في النهاية (2): يجب به التعزير، و أطلق. و قال في الخلاف:

«روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة أجنبيّة يقبّلها و يعانقها في فراش واحد أن عليهما مائة جلدة، و روي ذلك عن عليّ (عليه السلام)، و قد روي أن عليهما أقلّ من الحدّ» (3). و قريب منه قوله في المبسوط (4).

و قال المفيد: «فإن شهدوا عليه بما عاينوه من اجتماع في إزار واحد و التصاق جسم بجسم و ما أشبه ذلك، و لم يشهدوا عليه بالزنا قبلت شهادتهم، و وجب على المرأة و الرجل التعزير حسب ما يراه الامام من عشر جلدات إلى تسع و تسعين، و لا يبلغ التعزير في هذا الباب حدّ الزنا المختصّ به في شريعة الإسلام» (5).

و هذا القول و إن كان محصّله التعزير إلا أنه حدّه في جانب القلّة بعشر، فهو مخالف لقول من أطلق الحكم بالتعزير، فإنه يجوز نقصانه عن العشر إذا رآه

____________

(1) الكافي 7: 188 ح 3، الوسائل 18: 327 ب «16» من أبواب مقدّمات الحدود ح 2.

(2) راجع النهاية: 705 و 707، و لكن صرّح بأن التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين.

(3) الخلاف 5: 373 مسألة (9).

(4) المبسوط 8: 7.

(5) المقنعة: 774.

349

..........

____________

الحاكم صلاحا.

و المعتمد ثبوت التعزير مطلقا. و هو اختيار المصنف و المتأخّرين (1)، لأنه فعل محرّم لم يبلغ حدّ الزنا، فيكون عقوبته منوطة برأي (2) الحاكم في مقدار التعزير.

و يدلّ على أنه لا يبلغ به حدّ الزاني- مضافا إلى ذلك- صحيحة حريز عن الصادق (عليه السلام): «أن عليّا (عليه السلام) وجد رجلا و امرأة في لحاف، فجلد كلّ واحد منهما مائة سوط إلا سوطا» (3). و عن زيد الشّحام عن الصادق (عليه السلام): «في الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة غير سوط» (4).

و استند القائل بوجوب الحدّ كملا إلى صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد» (5). و رواية عبد الرحمن الحذّاء عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد جلدا مائة» (6). و غيرهما من الأخبار.

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 332، اللمعة الدمشقيّة: 166.

(2) في «ا، د»: بنظر.

(3) الفقيه 4: 15 ح 22، التهذيب 10: 41 ح 145، الاستبصار 4: 213 ح 796، الوسائل 18: 367 ب «10» من أبواب حدّ الزنا ح 20.

(4) الكافي 7: 181 ح 2، التهذيب 10: 40 ح 141، الاستبصار 4: 213 ح 792، الوسائل 18:

364 ب «10» من أبواب حدّ الزنا ح 3.

(5) الكافي 7: 181 ح 1، التهذيب 10: 42 ح 148، الاستبصار 4: 214 ح 799، الوسائل 18: 363 الباب المتقدّم ح 1.

(6) الكافي 7: 181 ح 5، التهذيب 10: 43 ح 153، الاستبصار 4: 215 ح 804، الوسائل 18: 364 ب «10» من أبواب حدّ الزنا ح 5.

350

و لو أقرّ بما يوجب الرّجم (1) ثمَّ أنكر، سقط الرجم. و لو أقرّ بحدّ غير الرجم، لم يسقط بالإنكار.

و لو أقرّ بحدّ ثمَّ تاب، كان الإمام مخيّرا في إقامته، رجما كان أو جلدا.

____________

و حملها الشيخ (1) على وقوع الزنا مع علم الامام بذلك، أو على تكرّر الفعل منهما و قد عزّرهما مرّتين أو ثلاثا، جمعا بين الأخبار. مع أن الرواية الصحيحة ليست صريحة في المطلوب، لأن إطلاق الجلد لا يتعيّن حمله على المائة.

و يسهل الخطب في الباقي، لضعف السند. و مع ذلك فليس فيها حكم الاستمتاع بغير الجماع، و غير الاجتماع في الثوب الواحد.

قوله: «و لو أقرّ بما يوجب الرجم. إلخ».

(1) مستند سقوط الرجم بالإنكار دون غيره روايات، منها حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أقرّ على نفسه بحدّ أقمت عليه الحدّ، إلا الرجم، فإنه إذا أقرّ على نفسه ثمَّ جحد لم يرجم» (2).

و تخيّر الامام بعد توبة المقرّبين حدّه و العفو عنه مطلقا هو المشهور بين الأصحاب. و قيّده ابن إدريس (3) بكون الحدّ رجما. و المعتمد المشهور، لاشتراك الجميع في المقتضي.

و لأن التوبة إذا أسقطت تحتّم أشدّ العقوبتين، فإسقاطها لتحتّم الأضعف أولى.

____________

(1) تهذيب الأحكام 10: 44 ذيل ح 156 و 158، الاستبصار 4: 216 و 217 ذيل ح 808 و 810.

(2) الكافي 7: 220 ح 5، التهذيب 10: 45 ح 161، الوسائل 18: 319 ب «12» من أبواب مقدّمات الحدود ح 3.

(3) السرائر 3: 444.

351

و لو حملت و لا بعل، (1) لم تحدّ، إلّا أن تقرّ بالزنا أربعا.

[و أمّا البيّنة]

و أمّا البيّنة: (2) فلا يكفي أقلّ من أربعة رجال، أو ثلاثة و امرأتين. و لا تقبل شهادة النساء منفردات، و لا شهادة رجل و ستّ نساء. و تقبل شهادة رجلين و أربع نساء، و يثبت به الجلد لا الرجم.

____________

و أما سقوط الرجم بالإنكار فيدلّ عليه قصّة ماعز و تعريض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) [له] (1) بالإنكار بعد الإقرار، و لو لا قبوله منه لم يكن لترديده فائدة، و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لأصحابه لمّا فرّ من الحفيرة فأدركوه و قتلوه: «هلّا تركتموه و جئتموني به» (2) ليستتيبه. و في بعض ألفاظها: «هلّا رددتموه إليّ لعلّه يتوب» (3).

قوله: «و لو حملت و لا بعل. إلخ».

(1) لأن الحمل لا يستلزم الزنا، و الأصل في تصرّف المسلم حمله على الصحّة. و لأصالة براءة الذمّة من وجوب الحدّ. و لاحتمال أن يكون من شبهة أو من إكراه، و الحدّ يدرأ بالشبهة، و لا يجب البحث عنه و لا الاستفسار.

و قال الشيخ في المبسوط: «إنها تسأل عن ذلك، فإن قالت: من زنا، فعليها الحدّ، و إن قالت: من غير زنا، فلا حدّ» (4). و نقل عن بعضهم أن عليها الحدّ، ثمَّ قوّى الأول.

قوله: «و أما البيّنة. إلخ».

(2) قد تقدّم البحث في ذلك

____________

(1) من «د، ط».

(2) سنن أبي داود 4: 145 ح 4420.

(3) تلخيص الحبير 4: 58 ذيل ح 1758.

(4) المبسوط 8: 7- 8.

352

و لو شهد ما دون (1) الأربع، لم يجب. و حدّ كلّ منهم للفرية.

و لا بدّ في شهادتهم، (2) من ذكر المشاهدة للولوج، كالميل في المكحلة، من غير عقد و لا ملك و لا شبهة. و يكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سبب التحليل.

و لو لم يشهدوا بالمعاينة، لم يحدّ المشهود [عليه]، و حدّ الشهود.

____________

في كتاب الشهادات (1)، و أنه ليس على ثبوت الجلد بشهادة رجلين و أربع نساء دليل صالح، و أن جماعة (2) من الأصحاب ذهبوا إلى عدم وجوب شيء بهذه البيّنة لذلك. و هو الوجه.

قوله: «و لو شهد ما دون. إلخ».

(1) أي: لافترائهم عليه. سمّاه فرية مع إمكان صدقهم لأن اللّه تعالى وصف من لم يأت عليه بأربعة شهداء كاذبا بقوله تعالى لَوْ لٰا جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدٰاءِ فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اللّٰهِ هُمُ الْكٰاذِبُونَ (3). و متى حكم بكذبه وجب حدّه للقذف.

قوله: «و لا بدّ في شهادتهم. إلخ».

(2) لمّا كان الزنا قد يطلق على ما دون الجماع، فيقال: زنت العين و زنت الاذن و زنى الفرج، و الجماع يطلق على غير الوطي لغة، و كان الأمر في الحدود- سيّما الرجم- مبنيّا على الاحتياط التامّ و يدرأ بالشبهة، فلا بدّ في قبول الشهادة به من التصريح بالمشاهدة لوقوع الفعل على وجه لا ريبة فيه، بأن يشهدوا بمعاينة الإيلاج.

____________

(1) راجع ص: 247- 248.

(2) المقنع: 402، المهذّب 2: 558، المختلف: 715.

(3) النور: 13.

353

و لا بدّ من تواردهم (1) على الفعل الواحد، و الزمان الواحد، و المكان الواحد.

فلو شهد بعض بالمعاينة و بعض لا بها، أو شهد بعض بالزنا في زاوية من بيت، و بعض في زاوية أخرى، أو شهد بعض في يوم الجمعة، و بعض في يوم السبت، فلا حدّ. و يحدّ الشهود للقذف.

____________

و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حدّ الرجم أن يشهد أربعة أنهم رأوه يدخل و يخرج» (1). و في رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) قال: «لا يرجم الرجل و المرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع و الإيلاج و الإدخال، كالميل في المكحلة» (2). و قد تقدّم في قصّة ماعز أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما قبل منه الإقرار حتى صرّح بكونه قد أدخل مثل الميل في المكحلة و الدلو في البئر (3)، فكذا البيّنة، بل هنا أولى.

و إنما يحدّ الشهود إذا لم يشهدوا بالإيلاج على ذلك الوجه بتقدير أن يكون شهادتهم بالزنا، أما لو شهدوا بالفعل و لم يتعرّضوا للزنا سمعت شهادتهم، و وجب على المشهود عليه التعزير.

قوله: «و لا بدّ من تواردهم. إلخ».

(1) لا ريب في عدم قبول شهادتهم على تقدير الاختلاف في الفعل بالزمان أو المكان أو الصفة، لأن كلّ واحد من الفعل الواقع على أحد الوجوه غير الفعل الآخر، و لم يقم على الفعل الواحد أربعة شهداء.

____________

(1) الكافي 7: 183 ح 1، التهذيب 10: 2 ح 4، الاستبصار 4: 217 ح 815، الوسائل 18: 371 ب «12» من أبواب حدّ الزنا ح 1.

(2) الكافي 7: 184 ح 4، التهذيب 10: 2 ح 1، الاستبصار 4: 217 ح 812، الوسائل 18: 371 الباب المتقدّم ح 4.

(3) عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، سنن أبي داود 4: 148 ح 4428، سنن البيهقي 8: 227.

354

..........

____________

و إنما الكلام في اشتراط تعرّضهم لهذه القيود، و ظاهر المصنف و العلامة (1) اشتراط ذلك، فلا يكفي إطلاقهم الشهادة على الزنا على الوجه السابق، إلا مع تصريحهم باتّحاد الزمان و المكان، حتى لو أطلق بعضهم و قيّد آخرون حدّوا.

و النصوص (2) خالية من اشتراط ذلك، و دالّة على الاكتفاء بالإطلاق. و هذا هو الظاهر من كلام المتقدّمين. فقال الشيخ في النهاية في البيّنة بالزنا: «و هو أن يشهد أربعة نفر عدول على رجل بأنه وطئ امرأة، و ليس بينه و بينها عقد و لا شبهة عقد، و شاهدوه وطئها في الفرج، فإذا شهدوا كذلك قبلت شهادتهم، و حكم عليه بالزنا، و كان عليه ما على فاعله ممّا نبيّنه» (3). و هذا صريح في عدم اعتبار التقييد بالزمان و المكان.

و قال ابن الجنيد (4): ليس تصحّ الشهادة بالزنا حتى يكونوا أربعة عدول، و ليس فيهم خصم لأحد المشهود عليهما، و يقولوا: إنّا رأيناه يولج ذلك منه في ذلك منها و يخرجه كالمرود في المكحلة، و يكون الشهادة في مجلس واحد، فإذا شهدوا بذلك و لم يدّع أحد المشهود عليهما شبهة وجب الحدّ.

و هذا أيضا صريح في ذلك. و كلام غيرهما من المتقدّمين (5) قريب من ذلك.

و هذا هو المعتمد. و يمكن تنزيل كلام المصنف و ما أشبهه على ذلك، بحمل عدم القبول على تقدير التعرّض لذلك و الاختلاف فيه.

____________

(1) إرشاد الأذهان 2: 172، قواعد الأحكام 2: 251، تحرير الأحكام 2: 220.

(2) راجع الوسائل 18: 371 ب «12» من أبواب حدّ الزّنا.

(3) النهاية: 689.

(4) لم نعثر عليه.

(5) الكافي في الفقه: 404، فقه القرآن للراوندي 2: 371، إصباح الشيعة: 517.