روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه - ج1

- العلامة المجلسي الأول المزيد...
494 /
53

12

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

فِي الْمَاءِ الَّذِي تَبُولُ فِيهِ الدَّوَابُّ وَ تَلَغُ فِيهِ الْكِلَابُ وَ يَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ إِنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ

____________

الكافي في الصحيح عن بكر بن حبيب (و هو مجهول الحال) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة (1) و روي في الصحيح أنه بمنزلة الماء الجاري (2) و الأخبار في طهارة ماء الحمام و أنه بمنزلة الجاري كثيرة لكن الاشتراط بالمادة لم يذكر في غير خبر بكر بن حبيب لكن جهالته مجبورة بعمل الأصحاب، و مؤيدة بما يفهم من أخبار أخر، و المراد بماء الحمام على ما ذكره بعض الأصحاب الحياض الصغار التي لا تبلغ كرا إذا جرى من المادة فهو بحكم الجاري و يمكن الحمل على الأعم كما هو الظاهر من الأخبار بأن حكمه حكم الجاري في أنه لا ينجس بملاقاة الجنب و غيره من النجاسات إذا كان كرا ردا على أبي حنيفة و مشاركيه في القول بنجاسة مائه إذا دخل فيه الجنب، و لهذا لا يدخلون في الحياض في الحمام و غيره، و ما ذكره بعض الأصحاب داخل فيه أيضا لا أنه هو المراد فقط، و يفهم من هذه الأخبار طهارة الجاري أيضا باعتبار أن له مادة فلا يشترط كريته، و المشهور اشتراط الكرية في المادة كما هو الظاهر من الإطلاق عرفا، و لم يشترط المحقق كريتها لإطلاق لفظ المادة لغة، و ذكروا عنه أن مع الاشتراط لا فرق بينه و بين سائر المياه، و مبنى أمر الحمام على التخفيف لعموم البلوى، و ذكروا عنه أنه يكفي الكرية في المائين الأعلى و الأسفل و لا يشترط كون الأعلى كرا، فعلى هذا يقوى قوله و إن كان العمل بالمشهور أحوط.

«و قال الصادق (عليه السلام) في الماء الذي تبول فيه (إلى قوله) لم ينجسه شيء» هذا الخبر رواه ثقة الإسلام و شيخ الطائفة في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عنه (عليه السلام) (3)

54

13

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمْ قَطْرَةُ بَوْلٍ قَرَضُوا لُحُومَهُمْ بِالْمَقَارِيضِ وَ قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْكُمْ بِأَوْسَعِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ جَعَلَ لَكُمُ الْمَاءَ طَهُوراً فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ

____________

و روي أخبار صحاح فيه تزيد على التواتر في اعتبار الكر و كميته و بالجملة لا ريب في الخبر و اعتبار الكر، لكن هل هو على الوجوب أو على الاستحباب، فأكثر الأصحاب على الوجوب و قبول النجاسة أو مع عدمه النجاسة كما هو ظاهر مفهوم الشرط المعتبر عند المحققين.

و يؤيده الأخبار الكثيرة الدالة بظاهرها و بصريحها على نجاسة القليل- و قيل بالاستحباب جمعا بين الأخبار و لا يفهم من الصدوق ما ذهب إليه فيمكن أن يكون من المتوقفين كما هو دأب المتورعين، فإنه ذكر الأخبار من الطرفين و لم يذكر ما يدل على الترجيح أو يقول بنجاسة القليل فيما ورد فيه نص و بعدمه فيما لم يرد كما ذهب السيد الجليل ابن طاوس في البئر متمسكا بقوله (عليه السلام) اسكتوا عما سكت الله عنه (1)، و كذا حكم البئر أيضا لا يفهم من كلام الصدوق كما سنذكر إن شاء الله، و يظهر فائدة التوقف في الاحتياط من الطرفين بأنه إذا أمكن الوصول إلى الماء الطاهر بيقين اجتنب من هذا الماء و إذا لم يوجد فالاحتياط في الوضوء أو الغسل مع ضم التيمم و إن كان في هذا الاحتياط أيضا إشكال من حيث النجاسة المحتملة إلا أن يصلي مرتين و يطهر مواضع الوضوء بعد الوصول إلى الماء الطاهر يقينا و الاحتياط الأول هو المعمول به و الله تعالى يعلم.

«و قال الصادق (عليه السلام) كان بنو إسرائيل إلخ» هذا الخبر رواه الشيخ في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) و ظاهر أن مخرج البول كان مستثنى و يفهم من التوسعة طهارة القليل و البئر فإنه مع نجاستها يتضيق غاية التضييق و قوله (عليه السلام) «و جعل لكم

55

فَإِنْ دَخَلَتْ حَيَّةٌ فِي حُبِّ مَاءٍ وَ خَرَجَتْ مِنْهُ صُبَّ مِنَ الْمَاءِ ثَلَاثُ أَكُفٍّ وَ اسْتُعْمِلَ الْبَاقِي وَ قَلِيلُهُ وَ كَثِيرُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْتَقَى الْمَاءُ بِحَبْلٍ اتُّخِذَ مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ

____________

الماء طهورا» أي مطهرا كما هو الظاهر من المقام إشارة إلى قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) و أن المراد بالطهور في الآية هو المطهر أو يتطهر به «فانظروا كيف تكونون» يعني في الطهارة و الاجتناب من النجاسات، فإنهم مع ذلك التضييق كانوا يعملون به فأنتم مع هذه التوسعة أولى بالعمل أو الأعم منه و من شكر نعمه تعالى التي من جملتها التخفيف و التوسعة.

«فإن خرجت حية إلخ» هذا الخبر رواه الشيخ في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

سألته عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلك تقع في الماء فتخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء و يتوضأ منه؟ قال يسكب منه ثلاث مرات و قليله و كثيره بمنزلة واحدة ثمَّ يشرب منه و يتوضأ منه غير الوزغ فإنه لا ينتفع بما يقع فيه (2) و حمله الشيخ على الاستحباب لصحيحة علي ابن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن العظاية و الحية و الوزغ تقع في الماء و لا تموت أ يتوضأ منه للصلاة فقال: لا بأس به (3)- و غيره من الأخبار و استحباب صب الماء منه إما لاستخباثه أو لسمه المحتمل أو للتعبد و الاحتياط في الصب خروجا من الخلاف.

«و لا بأس أن يستقى الماء بحبل اتخذ من شعر الخنزير» و رواه الشيخ في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) و حمله الشيخ على ما لم يصل الحبل إلى الماء و ظاهره طهارة البئر و القليل معا إلا أن يقال بطهارة الشعر كما ذهب إليه المرتضى أو يؤول بجواز

56

14

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع

عَنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ يُجْعَلُ دَلْواً يُسْتَقَى بِهِ الْمَاءُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ

15

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع

عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ يُجْعَلُ فِيهَا اللَّبَنُ وَ الْمَاءُ وَ السَّمْنُ مَا تَرَى فِيهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَجْعَلَ فِيهَا مَا شِئْتَ مِنْ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ سَمْنٍ وَ تَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَ تَشْرَبَ وَ لَكِنْ لَا تُصَلِّ فِيهَا

وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْجُنُبِ وَ الْحَائِضِ مَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وَ إِنْ تَوَضَّأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ أَوِ اغْتَسَلَ أَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ وَ الْغُسْلِ وَ الصَّلَاةِ وَ غَسْلِ الثَّوْبِ وَ كُلُّ آنِيَةٍ صُبَّ فِيهَا ذَلِكَ الْمَاءُ

____________

الاستقاء لسقي الدواب أو لسقي الأرض كما هو المتعارف الآن أيضا و الله تعالى يعلم: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن جلد الخنزير إلخ» رواه الشيخ عن زرارة (1)- و حمله الشيخ على الاستقاء للبهائم و الدواب و ظاهره طهارة البئر و القليل للإجماع على نجاسة الجلد «و سئل الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة إلخ» (2) لا خلاف بين الأصحاب إلا نادرا في نجاسة الميتة من ذي النفس فحمل هذا الخبر على ميتة مثل الضب فإن مدار الأعراب على جلده يجعلون فيه الماء و اللبن و السمن، و منه وضوؤهم و شربهم، و يحمل النهي عن الصلاة على التنزيه.

«و لا بأس بالوضوء بفضل الحائض و الجنب ما لم يوجد غيره» الأخبار واردة بالنهي عن فضل الحائض و المرأة الجنب إذا كانت متهمة و واردة بالجواز فحمل النهي على الكراهة و ظاهر الصدوق الكراهة مطلقا إذا وجد غيره و إذا لم يوجد فلا بأس، و يمكن أن يكون مراده المتهمة كالأصحاب.

«فإن توضأ رجل (إلى قوله) ذلك الماء» يعني إذا استعمل الماء النجس عمدا فلا ريب في الإعادة- و إذا استعمل نسيانا أو جاهلا بالنجاسة فلا ريب أيضا في إعادة الوضوء

57

فَإِنْ دَخَلَ رَجُلٌ الْحَمَّامَ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَغْرِفُ بِهِ وَ يَدَاهُ قَذِرَتَانِ ضَرَبَ يَدَهُ

____________

و الغسل و الصلاة و الغسل (1) إذا توضأ أو اغتسل بالنجس- و إذا استعمله في غسل الثياب فقط (فإن) كان جاهلا فلا يعيد في الوقت و خارجه على الأظهر.

و قيل يعيد في الوقت (و إن) كان ناسيا فيعيد في الوقت (و قيل) مطلقا (و قيل) استحبابا فيهما- و يمكن حمل كلامه على الإعادة مطلقا أعم من الوجوب و الاستحباب و يحتمل أن يكون مراده المتغير مطلقا سواء كان التغير بالنجاسة أو من قبل نفسه كما قال سابقا من عدم الجواز و يحمل الإعادة في بعض الصور على الندب أو إذا كان عمدا، و الظاهر الأول لأن كلامه عبارة الرواية- و الظاهر أن المراد في الأخبار من المتغير ما يكون بالنجاسة و من الآجن ما يكون متغيرا من قبل نفسه كما هو الظاهر عند الماهر.

«فإن دخل رجل الحمام إلخ» روى الكليني بإسناده الحسن، عن محمد بن ميسر قال:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه و ليس له إناء يغترف به، و يداه قذرتان قال يضع يده و يتوضأ و يغتسل هذا مما قال الله عز و جل مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2) و في معناه أخبار أخر.

و لم نطلع على حديث الحمام و لا على قول بسم الله سوى أخبار التسمية عند الوضوء و عند كل فعل. ففي الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله و إذا لم تسم لم يطهر من جسدك إلا ما مر عليه الماء (3) فمراد الصدوق أنه إذا دخل رجل الحمام و لم يكن ماؤه كرا و يكون في الحياض الصغار كما هو الآن في بلاد العامة أو وصل في الطريق إلى الماء القليل و لم يكن عنده إناء يغترف به و يداه وسختان، ضرب يده في الماء و قال بسم الله حتى يحصل له الطهارة الحقيقية و يجبر النجاسة الوهمية و القذارة للضرورة و إلا فالمستحب غسل اليد ثلثا قبل إدخال الإناء و ما في حكمه من

58

فِي الْمَاءِ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَ هَذَا مِمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَ كَذَلِكَ الْجُنُبُ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ فِي الطَّرِيقِ وَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنَاءٌ يَغْرِفُ بِهِ وَ يَدَاهُ قَذِرَتَانِ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ

____________

الماء القليل، فلما كان الحال حال الضرورة يحصل الاستحباب بالتسمية بدل غسل اليدين (أو) يكون المراد بالتسمية الشروع بلا توقف كما يقال عند الأمر بسم الله أي أشرع بلا توقف (أو) يكون المراد بها أول أفعال الوضوء أو الغسل يعني يبتدئ بهما و يفعلهما لأنه حال الاضطرار (أو) يحمل القذر على النجس كما هو الظاهر من اللفظ و من حال الجنب و يحمل القليل على العرفي و إن كان كرا لأن الأفضل نظافة مائهما كما ورد في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى من يسأله يعني الرضا (عليه السلام) عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل فيه الجنب ما حده الذي لا يجوز؟ فقال لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه- و حمل على الكر القليل ماؤه أو يحمل على النجس و يكون القليل بمعناه، و لا يقال بالفرق بين ورود الماء على النجاسة و عكسه و يكون الفرق بالنية بأنه إذا قصد إزالة النجاسة به يكون طاهرا و إلا كان نجسا أو مطلقا بناء على طهارة الغسالة و إن كان الوضوء أو الغسل بها مكروها في حال الاختيار و هنا حال الاضطرار و تجبر بالتسمية و الظاهر أنه مراد الصدوق.

«و سئل على (الصادق- خ ل) (عليه السلام) أ يتوضأ من فضل إلخ» المراد بفضل الوضوء الماء الذي توضئ منه و بقي فضلته و يحتمل كونه أعم منه و من الغسالة «أو من ركو أبيض مخمر» قال في النهاية الركوة إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء و المراد بالأبيض

59

16

وَ سُئِلَ عَلِيٌّ ع-

أَ يُتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ يُتَوَضَّأُ مِنْ رَكْوٍ أَبْيَضَ مُخَمَّرٍ فَقَالَ لَا بَلْ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَحَبَّ دِينِكُمْ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ

____________

أن لا يكون وسخا و المخمر المغطى عليه لئلا يدخل فيه شيء و الحاصل المبالغة في النظافة و كأنه يسأل أنه إذا كان الماء نظيفا غاية النظافة أحب إليك أن يتوضأ منه أو يتوضأ من فضل المسلمين الذي يتوضأ منه من لا يعرف مذهبه و لا طهارته بل غالب أحوالهم النجاسة فقال (عليه السلام) لا يستحب من الإناء المخمر، بل يستحب من فضل جماعة المسلمين فإن ظاهرهم الطهارة و أفعالهم محمولة على الصحة و ببركة أيديهم تحصل البركة و بالاجتناب عنهم يحصل التنفر منهم و الحكم بنجاستهم كما هو مشاهد من أهل الوسواس بل يحصل اختلال العقل و يصير وسواسيا تابعا للوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

و لهذا ترى الأحمق الذي لا يعرف الهر من البر في نهاية الدقة في الوسواس بسبب إلقاء الشيطان و وحيه كما قال الله تعالى إِنَّ الشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ (1) و هو و سائر الحمقى من أضرابه و أشكاله يتوهمون أنها من الإلهام من الله تعالى- ففي الصحيح، عن عبد الله بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل: فقال أبو عبد الله (عليه السلام) و أي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان؟ فقال سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان (2) أعاذنا الله و سائر المؤمنين من شره و وسواسه.

«فإن أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة» إشارة إلى قول سيد النبيين (صلى الله عليه و آله و سلم) بعثت إليكم بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء (3) أي الملة المائلة من الإفراط و التفريط إلى الوسط و العدل لقوله تعالى وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (4) أو المائلة عن الشرك

60

..........

____________

إلى التوحيد كما هو طريقة جده إبراهيم على نبينا و (عليه السلام) و قال تعالى اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً* (1) لا اليهودية و النصرانية و المجوسية المشركة القائلة بألوهية عزير و عيسى و العناصر و الكواكب و سائر الملل الباطلة.

و قيل الخالصة من جميع فنون الشرك أو الخالصة من ازدياد الطرق الباطلة إليها.

لأن الله تعالى خلق الخلق على التوحيد كما قال تعالى فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا (2) (و قوله) (صلى الله عليه و آله و سلم) كل مولود يولد على الفطرة و لكن أبواه اللذان يهودانه و ينصرانه و يمجسانه- و العرب كانوا يسمون دين إبراهيم الحنيفية و قول الله تعالى باتباعه، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) ببعثته إليها وردا تأليفا لهم و تنبيها إياهم بأنهم أخطأوا في هذا القول فإنه (عليه السلام) كان مكسر الأصنام و رافع الشرك كما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)- و كان الأمر بالمتابعة في إزالة الشرك أو في أصول الدين و الأخلاق الحسنة التي كانت طريقة المرسلين كما قال تعالى فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ (3).

و إلا فإنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و كلهم تابعوه في الكمالات كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم): نحن الآخرون السابقون- و قال تعالى لولاك لما خلقت الأفلاك.

و السمحة بمعنى السهلة و هي تفسيرها، و هي عبارة عن التيسير الذي في الأمة المرحومة. كما قال تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4) و قال تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (5) لا التعسير الذي كان في بني إسرائيل من قرض اللحم من البول و نحوه مما هو مذكور في التورية المحرفة أيضا في السفر الخامس و لو لا خوف الإطالة لذكرنا بعضها و ذكرنا وجه ورود الخبر، فإن شئت فلاحظ صحاحهم إنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قاله في عمر حين أخذ التوراة و جاء بها إليه (صلى الله عليه و آله) فغضب

61

فَإِنِ اجْتَمَعَ مُسْلِمٌ مَعَ ذِمِّيٍّ فِي الْحَمَّامِ اغْتَسَلَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْحَوْضِ قَبْلَ الذِّمِّيِّ وَ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِغُسَالَةِ الْحَمَّامِ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ غُسَالَةُ الْيَهُودِيِّ وَ الْمَجُوسِيِّ وَ النَّصْرَانِيِّ وَ الْمُبْغِضِ لآِلِ مُحَمَّدٍ(ع)وَ هُوَ أَشَرُّهُمْ

____________

فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تريد دينا أحسن من ديني و عقبه: بعثت إليكم. لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي.

و البيضاء عبارة عن وضوحها في الحقية بمرتبة لا تحتاج إلى المعجزات بالنظر إلى العاقل اللبيب، أن أميا جاء بعلوم الأولين و الآخرين و بملة متسقة منتظمة لو عمل عليها الناس لانتظم أمور معاشهم و معادهم، و انظر إلى أعقل الناس و أعلمهم أنه لا يمكنه إصلاح أمر داره و عياله إلا بإجراء شرعه (صلى الله عليه و آله)، فكيف بأمر الدارين مع اقترانه بالمعجزات الظاهرات الباهرات، و كلما أريد ضبط القلم للاختصار الموعود لا يطاوعني، و الحق معه.

«فإن اجتمع مسلم (إلى قوله) قبل الذمي» و الظاهر أن التقدم على الاستحباب لشرف المسلم، و لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) أخروهم حيث أخرهم الله- إن كان الحوض كرا فصاعدا و إلا فعلى الوجوب بناء على نجاستهم و نجاسة القليل.

«و لا يجوز التطهير (إلى قوله) و هو شرهم» روى محمد بن علي بن محبوب عن عدة من أصحابنا، عن محمد بن عبد الحميد، عن حمزة بن أحمد (و هو مجهول) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام، قال: ادخله بمئزر و غض بصرك و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم (1) و روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن رجل من بني هاشم عن أبي الحسن (عليه السلام): قال قلت ما تقول في الحمام! قال لا تدخل الحمام إلا بمئزر و غض بصرك و لا تغتسل من غسالة الحمام فإنه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل

62

..........

____________

البيت و هو شرهم (1) و روي، عن الحسين بن محمد و محمد بن يحيى، عن علي بن محمد ابن سعد، عن محمد بن سالم، عن موسى بن عبد الله بن موسى. عن محمد بن علي بن جعفر (و الأربعة مجاهيل) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: من أخذ من الحمام خرقة فحك بها جسده فأصابه المرض فلا يلومن إلا نفسه، و من اغتسل من الماء الذي اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه قال: محمد بن علي فقلت لأبي الحسن (عليه السلام) إن أهل المدينة يقولون إن فيه شفاء من العين. فقال: كذبوا، يغتسل فيه الجنب من الحرام (2) و الزاني و الناصب الذي شرهما و كل من خلق الله، ثمَّ يكون فيه شفاء من العين؟ إنما شفاء العين قراءة الحمد و المعوذتين و آية الكرسي و البخور بالقسط و المر و اللبان (3).

و الخبر الذي ذكرناه سابقا من الكافي في ولد الزنا يدل على المنع أيضا.

و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام)، قال: سألته عن ماء الحمام، فقال: ادخله بإزار و لا تغتسل من ماء آخر إلا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا تدري فيه جنب أم لا (4). و يدل على الجواز ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه؟ قال: نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب و لقد اغتسلت منه ثمَّ جئت فغسلت رجلي و ما غسلتهما إلا لما لزق بهما من التراب (5) و ما رواه بإسناده عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الهاشمي، قال: سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا أعرف اليهودي من النصراني و لا الجنب من غير الجنب قال: يغتسل منه

63

17

وَ سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع-

عَنْ مُجْتَمَعِ الْمَاءِ فِي الْحَمَّامِ مِنْ غُسَالَةِ النَّاسِ يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْهُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ

____________

و لا يغتسل من ماء آخر فإنه طهور الحديث (1) و يدل عليه الأخبار الدالة على أن ماء الحمام بمنزلة الجاري.

و يمكن الجمع بأن الأخبار السابقة ظاهرها الماء القليل المجتمع من غسالة الناس و ظاهر هذه الأخبار الحياض المغتسل منها، و لا ريب في أن الكثير لا ينجس باغتسال الناس و لا يحصل له حكم الغسالة فلا تعارض بينها، نعم ظاهر بعضها الكراهة مع أن الأصل الطهارة و الطهورية (2) ما لم يعلم النجاسة كما مر سابقا. نعم إن علم أنه غسالة الناصب و الكافر، فح لا ريب في وجوب الاجتناب، أو إن علم أنه غسالة الجنب فهو كسائر الغسالات و سيجيء حكمها إن شاء الله، و إلا فالظاهر الكراهة و إن كان الاجتناب أحوط.

«و سئل أبو الحسن (إلى قوله) لا بأس به» هذا الخبر رواه الكليني و الشيخ بإسنادهما عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام) (3) و يؤيده أخبار أخر و لا منافاة بينه و بين الخبر السابق، فإن السابق ظاهره عدم مطهرية الغسالة و ظاهر هذا الخبر و غيره من الأخبار طهارة الغسالة (4) إلا مع العلم بالنجاسة (أو) يحمل الخبر الأول على ما لو علم اغتسال الكفار أو ملاقاتهم إن كان قليلا، و الثاني على ما لم يعلم (أو) يحمل الأول على الكراهة و الثاني على الجواز كما فعله أكثر الأصحاب

64

وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ النَّاسُ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَضُوئِهِ فَيَتَوَضَّئُونَ بِهِ وَ الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ نَظِيفٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهُ غَيْرُهُ فَيَتَوَضَّأَ بِهِ فَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الثَّوْبُ أَوْ يُغْتَسَلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوْ تُزَالُ بِهِ نَجَاسَةٌ فَلَا يُتَوَضَّأُ بِهِ

____________

و إن كان الأول أظهر. و إنما خرجنا عن دأبنا لعموم البلوى و للاشتباه الذي حصل للأكثر فيها و إذا تأملت كلامهم يظهر لك.

«و لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل إلخ» أي المستعمل في الوضوء روى الشيخ بإسناد في طريقه أحمد بن هلال عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا توضأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤون به (1)- و الوضوء ما يتوضأ به، كالطهور ما يتطهر به أي يأخذون ماء وضوئه، و دلالة هذا الخبر لتقرير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إياهم على أخذ غسالته، و لو كان مختصا به لأخبرهم بالاجتناب عن ماء غيره و لم يقع بالاتفاق و ذكر الخبر الذي ورد في صحاحهم أيضا للرد على الحنفية و جماعة من العامة، و روى الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل و قال: الماء الذي يغسل الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه و أشباهه و أما الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه و يده في شيء نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضأ به (2).

و في طريق هذا الخبر أيضا أحمد بن هلال، لكن توقف ابن الغضائري في حديثه إلا فيما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة، و محمد بن أبي عمير من نوادره و قد سمع هذين الكتابين جل أصحاب الحديث و اعتمدوه فيهما و الظاهر أن اعتمادهم على ما يروي من الكتابين لموافقة ما يرويه عنهما لهما، و كذلك كان دأبهم، أو لكون رواية الكتابين عنه قبل الغلو و هذا وجه آخر لهم في النقل عن أمثاله.

و ظاهر الخبر الثاني عدم جواز الوضوء و الغسل من غسالة الجنب و غسالة الثوب

65

18

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع

عَنْ مَاءٍ شَرِبَتْ مِنْهُ دَجَاجَةٌ فَقَالَ إِنْ كَانَ فِي مِنْقَارِهَا قَذَرٌ لَمْ يُتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ لَمْ تَشْرَبْ وَ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ فِي مِنْقَارِهَا قَذَرٌ تَوَضَّأْ مِنْهُ وَ اشْرَبْ

وَ كُلُّ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ وَ الشُّرْبِ مِنْ مَاءٍ شَرِبَ مِنْهُ وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءٍ شَرِبَ مِنْهُ بَازٌ أَوْ صَقْرٌ أَوْ عُقَابٌ مَا لَمْ يُرَ فِي مِنْقَارِهِ دَمٌ فَإِنْ رُئِيَ فِي مِنْقَارِهِ دَمٌ لَمْ يُتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ لَمْ يُشْرَبْ

____________

أما غسالة الجنب فيؤيده أخبار أخر، لكن يعارضها أخبار أخر أصح و أكثر، فلهذا جمع بينها بالحمل على الكراهة الشديدة، و ظاهر كثير من القدماء الحرمة و هو الأحوط و أما غسالة الثوب فظاهر هذا الخبر عدم الغسل و الوضوء، و فهم بعض الأصحاب من جمعها مع غسالة الجنب أن حكمها حكمها في جواز إزالة النجاسة بها و هو مذهب جماعة من الأصحاب، و بعضهم قال بالطهارة و الطهورية سواء كان في الغسلة الأولى أو الثانية، و بعضهم بالنجاسة فيهما، و بعضهم بأن حكم الغسالة كالمحل قبل الغسل، و بعضهم كالمحل بعد الغسل- فعلى القول الثالث إذا صب غسالة الغسلة الأولى على ثوب يجب غسله مرتين و من الغسلة الثانية مرة- و على القول الرابع في الأولى مرة و في الثانية طاهرة، و كذا القول في الغسلات الزائدة فيما لا يطهر إلا بها هذا كله مع عدم تغيرها بالنجاسة و إلا فلا خلاف في النجاسة بالتغيير أي ماء كان، و الاحتياط الاجتناب و إن كان القول بالطهارة لا يخلو من قوة للعمومات مع عدم المخصص ظاهرا.

«و سئل الصادق (عليه السلام) عن ماء إلخ» روى الكليني و الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي، قال: سئل عن ماء شرب منه الحمامة فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب، و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب (1) و زاد الشيخ، و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة قال: إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه و لم يشرب، و إن لم تعلم أن في منقارها قذرا توضأ منه و اشرب (2) و في معناه أخبار أخر.

66

فَإِنْ رَعَفَ رَجُلٌ فَامْتَخَطَ فَصَارَ ذَلِكَ الدَّمُ قَطْراً صِغَاراً فَأَصَابَ إِنَاءَهُ وَ لَمْ يَسْتَبِنْ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ وَ إِنْ كَانَ شَيْءٌ بَيِّنٌ فِيهِ لَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ مِنْهُ

____________

و يظهر من أمثال هذه الأخبار أن زوال العين في الحيوانات كاف و لا يحتاج إلى الغيبة كما ذكره العامة، و يظهر من هذا الخبر و أمثاله نجاسة القليل و حمله على التغير بعيد إلا أن يقال النهي أعم من الحرمة و هو أيضا و إن كان خلاف الظاهر لكن لا علاج في ارتكابه للجمع مع أن الأمر و النهي في الأخبار يستعملان في الندب و الكراهة كثيرا من غير قرينة كما لا يخفى، و يفهم من مفهوم قوله كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب، أن ما لا يؤكل لحمه لا يتوضأ من سؤره و لا يشرب كما فهمه الشيخ و استثنى منه الطيور لدلالة هذا الخبر و غيره من الأخبار، لكن الأخبار الصحيحة الصريحة دالة على الجواز، مثل خبر الفضل المتقدم في قوله و إن شرب منه دابة و المفهوم لا يعارض المنطوق، مع أنه يمكن الجمع بالجواز و الكراهة، على أن المفهوم لا عموم له بأن يقال إن ما لا يؤكل لحمه ليس حكمه حكم ما يؤكل لحمه و الحال أنه كذلك فإن فيه الكلب و الخنزير و الكافر و هذا القدر يكفي لدلالة المفهوم.

«فإن رعف رجل إلخ» روى الكليني في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناء هل يصلح له الوضوء منه فقال: إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس و إن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه، قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا (1).

و استدل الشيخ و جماعة من الأصحاب بهذا الخبر على أن ما لا يدركه الطرف من الدم لا ينجس الإناء و هو ظاهر الخبر، و أوله المتأخرون بأنه لا يظهر من الخبر أنه أصاب الماء بل الموجود إصابة الإناء- و يمكن أن يكون سؤال علي بن جعفر باعتبار أن إصابة الدم الإناء معلومة، و ظاهره وصوله إلى الماء أيضا، فهل يعمل على الظاهر

67

وَ الدَّجَاجَةُ وَ الطَّيْرُ وَ أَشْبَاهُهُمَا إِذَا وَطِئَ شَيْءٌ مِنْهَا الْعَذِرَةَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَاءَ فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كُرّاً فَإِنْ سَقَطَ فِي رَاوِيَةِ مَاءٍ فَأْرَةٌ أَوْ جُرَذٌ أَوْ صَعْوَةٌ مَيْتَةٌ فَتَفَسَّخَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ شُرْبُهُ وَ لَا الْوُضُوءُ مِنْهُ وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَفَسِّخٍ فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ وَ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَ تُطْرَحُ الْمَيْتَةُ إِذَا خَرَجَتْ طَرِيَّةً وَ كَذَلِكَ الْجَرَّةُ وَ حُبُّ الْمَاءِ وَ الْقِرْبَةُ وَ أَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ

____________

أو يعمل على الأصل؟ فأجابه (عليه السلام) بأنه يعمل على الأصل، و هذا هو حكم باقي النجاسات كما يظهر من الأخبار، و يتفرع عليه أنه إذا كان في الخلاء و الريح رشحت البول على البدن و أحس به باعتبار إحساسه و لا يعلم أنه هل أصيب الثوب أم لا، فيحكم بنجاسة البدن دون الثوب إن لم يكن وسواسيا، فإن الوسواسي يتخيل غير الواقع واقعا كما هو الواقع المشاهد، فإنه و إن كان مثل هذه الدقة من السائل بعيدا. لكن من علي بن جعفر الفاضل الوحيد ليس ببعيد، و على أي حال فلا شك أن الاجتناب أحوط إلا في حال فقدان غير هذا الماء فإن الاستعمال (ح) أحوط.

«و الدجاجة إلخ» روى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى ابن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما يطأ العذرة ثمَّ يدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء (1)- ظاهر هذا الخبر نجاسة القليل و اشتراط الكرية لكن يمكن أن يقال:

النهي عن الوضوء أعم من النجاسة، مع أن النهي أعم من الحرمة، على أن احتمال التغير هنا ظاهر فإن العذرة تغير القليل سريعا، و مع هذه الاحتمالات يشكل الاستدلال به فتدبر و لا تكن ممن يتبع المشهورات، فرب مشهور لا أصل له و الاحتياط طريق النجاة «فإن سقط في راوية إلخ» روى الشيخ بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضأ منها و إن كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية

68

فَإِنْ وَقَعَتْ فَأْرَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الدَّوَابِّ فِي بِئْرِ مَاءٍ فَمَاتَتْ فَعُجِنَ مِنْ مَائِهَا فَلَا بَأْسَ

____________

الماء قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء (1).

هذا الخبر و إن كان في طريقه علي بن حديد و أكثر الأصحاب ردوه به، لكن لما كان أصل زرارة موجودا عند الصدوق كما يظهر من أوله و الفهرست لا يمكن الاعتراض عليه، و ظاهر الخبر الذي عمل الصدوق عليه و هو سبيل الأخباريين أن الميتة ليس حكمها حكم سائر النجاسات بل تختلف أحكامها بالشدة و الضعف، فإن المني أشد من البول و هو أشد من الدم و الميتة، و لهذا عفى عن الدم عما دون الدرهم فيمكن أن لا تنجس الميتة الماء و تنجسه مع التفسخ باعتبار ملاقاة الماء للنجاسات التي في جوفها و مع عدمه لا يجزم بوصول الماء إليها (أو) يحمل على التغير كما هو الغالب حالته و يدل على هذا أخبار كثيرة لا يمكن طرح الجميع. و قوله (عليه السلام) «إذا كان الماء أكثر من راوية» معناه أنه إذا كان الماء كر إلا ينجس مطلقا إلا مع التغير، و لما كان الغالب هنا عدم التغير أطلق أولا و استدركه بحالة التغير، و الظاهر من الخبر أنه يكفي في الكر أن يكون أكثر من راوية كما يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم في التحديد بستمائة رطل و قد ذكرت، و ما رواه الكليني في الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكر من الماء نحو حبي هذا و أشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون في المدينة (2) و ما روي في الصحيح عن عبد الله ابن المغيرة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) من التحديد بالقلتين (3).

و حمل الشيخ الخبر الأول على أن الأكثر من الراوية مطلق و يحمل على الكر (و فيه) أن الإلغاز و التعمية لا يليق بالمعصوم في بيان الأحكام سيما في وقت الحاجة،

69

بِأَكْلِ ذَلِكَ الْخُبْزِ إِذَا أَصَابَتْهُ النَّارُ

19

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

أَكَلَتِ النَّارُ مَا فِيهِ

____________

و الخبر الثاني بما ذكر سابقا، و الخبر الثالث بما يكون الحب كرا بالمقدار الذي ذكره و أي حب يسع ذلك المقدار؟ مع قول الراوي (و أشار إلى حب من تلك الحباب) أي أمثال الحباب لا بينها كما هو الظاهر، و كذا الرابع، و هو أيضا بعيد (فإما) أن يحمل اعتبار الكر على الاستحباب بقرينة الاختلاف الكثير في التقديرات (أو يقال) إن كل واحد من هذه المقادير يكفي لعدم الانفعال كما ذكره ابن طاوس (رحمه الله) فيكون الزائد على الأقل محمولا على الاستحباب (أو يقال) إن التحديد تقريبي لا تحقيقي و يكون المراد كثرة لا ينفعل عن النجاسة كما كان يقول شيخنا التستري رضي الله عنه و في الحقيقة هذا القول يرجع إلى قول السيد ابن طاوس (رحمهما الله تعالى) مع كونه موافقا للأصل، و للشريعة السمحة، و لنفي الحرج و العسر و لا يحتاج إلى هذه التكلفات البعيدة في أخبار المعصومين صلوات الله عليم أجمعين بخيال أن القاضي ابن البراج و سلار لم يقولا بهذا القول و إن ورد فيه أخبار صحيحة كثيرة و قال به ثقة الإسلام و رئيس المحدثين و عملا عليه، و لعمري لا يجترئ على هذه الكلمات من كان له أدنى مسكة.

فإن وقعت فأرة (إلى قوله) أكلت النار ما فيه هذا الخبر رواه الشيخ عن عبد الله ابن الزبير (و هو مجهول و في سنده مجاهيل) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أ يؤكل ذلك الخبز. قال:

إذا أصابه النار فلا بأس بأكله (1) لكن ليس في هذا الخبر تتمة ما ذكره- نعم روى الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في عجين عجن و خبز ثمَّ علم أن الماء كانت فيه ميتة قال: لا بأس أكلت النار ما فيه (2) و الظاهر أن الصدوق حمل الخبر الثاني على ماء البئر بقرينة الخبر الأول الذي ذكر فيه العجين و لمخالفة الخبر الثاني ظاهرا للخبرين المشاركين له في السند، و هما ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا و ما أحسبه إلا حفص بن البختري. قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به. قال: يباع

70

فَإِنْ وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي خَابِيَةٍ فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ أَوْ عَسَلٌ وَ كَانَ جَامِداً أُخِذَتِ الْفَأْرَةُ مَعَ مَا حَوْلَهَا وَ اسْتُعْمِلَ الْبَاقِي وَ أُكِلَ

____________

ممن يستحل أكل الميتة (1) و في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا (به خ ل) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يدفن و لا يباع (2)- و إن كان الشيخ عمل بالأخير و تبعه الأصحاب، و للأخبار الكثيرة الواردة بطهارة البئر. و يكون (أكلت النار ما فيه) علاوة كما سيجيء إنشاء الله في الجص المطبوخ (إن الماء و النار قد طهراه) أو يقول بنجاسة البئر نجاسة ضعيفة يطهره النار بخلاف غيره. مع قوله (عليه السلام) في الخبر الأول (إذا أصابه النار فلا بأس) بمفهوم الشرط و إن كان الخبر و المفهوم ضعيفين عندنا فإن الصحيح عندهم بمعنى آخر.

و يمكن أن يكون المفهوم معتبرا عندهم لبعض الأخبار كما سنذكره إنشاء الله تعالى، و يمكن الجمع بين الأخبار الثلاثة، بأن يحمل الخبر الأول بأنه لما صار العجين خبزا قال بطهارة النار له، و الأخيرين لما لم يخبز بعد و بخبزه ينجس التنور أو يحصل له قذارة لم يقل (عليه السلام) بخبزه، و قال بالبيع جوازا و بالدفن استحبابا أو بهما استحبابا هذا إذ لم يمكن علف الدواب به و إلا فهو مقدم ظاهرا، للإسراف في الدفن و للإعانة على الإثم ظاهرا في البيع. و إن أمكن أن يقال مع الرخصة في الدفن بعبارة الأمر الذي أقل مراتبه الاستحباب يزول الإسراف المنهي عنه و يخصص به و كذا في البيع على أنهم لما كانوا أنجاسا و معتقدهم عدم نجاسته لا يكون إعانة على الإثم، مع قوله (عليه السلام) ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم و يمكن أن يكون وصل إلى الصدوق خبر بهذه الزيادة، و هكذا الظن به فإنه ليس من دأب الأخباريين العاملين بالنصوص أمثال هذه الزيادات إلا مع التصريح به كما يفعل كثيرا و سيجيء إن شاء الله.

«و إن وقعت فأرة إلخ» روى الشيخ في الموثق عن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الكلب و الفأرة إذا أكلا من الخبز و شبهه قال: يطرح منه و يؤكل الباقي،

71

وَ كَذَلِكَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الدَّقِيقِ وَ أَشْبَاهِهِ

____________

و سئل عن بول البقر يشربه الرجل. قال: إن كان محتاجا إليه يتداوى به شربه، و كذلك بول الإبل و الغنم، و عن الدقيق يصيب فيه خرء القارة هل يجوز أكله؟ قال إذا بقي منه شيء فلا بأس، يؤخذ أعلاه فيرمى به، و سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في اللبن و الزيت و السمن و شبهه. فقال: كل ما ليس له دم فلا بأس، و عن العظاية تقع في اللبن قال: يحرم اللبن. و قال: إن فيها السم و قال كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك (1) و روى الكليني في الصحيح عن معاوية ابن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام). قال: قلت له (2) جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل فقال (عليه السلام) أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به (3) و في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فإن كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك (4).

«و كذلك إذا وقعت في الدقيق و أشباهه» يعني تؤخذ الفأرة مع ما حولها و الأخبار التي ذكرناها لا تدل عليه إلا أن يفهم من خرء الفأر بأنه يؤخذ أعلاه فيرمى به، و الظاهر أنه يكفي أخذه فقط لأنه يابس غالبا، و الفأرة إذا ماتت يحصل منها الرطوبة غالبا فإذا كان في اليابس غالبا يجب أن يؤخذ، فيجب أن يؤخذ مما يكون رطبا غالبا بالطريق الأولى، أو وصل إليه خبر لم يصل إلينا، أو يقال بتنجيس اليابس من الميتة أيضا كما هو ظاهر بعض الأخبار، أو يحمل فيهما على الاستحباب، و أما جواز الاستصباح بالدهن النجس فيدل عليه الخبران، و أما اشتراط كونه تحت السماء

72

فَإِنْ وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي دُهْنٍ غَيْرِ جَامِدٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ فَإِنْ وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي حُبِّ دُهْنٍ فَأُخْرِجَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُدَّهَنَ مِنْهُ وَ يُبَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ

20

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع

عَنْ بِئْرٍ اسْتُقِيَ مِنْهَا فَتُوُضِّئَ بِهِ وَ غُسِلَ بِهِ الثِّيَابُ وَ عُجِنَ بِهِ ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ لَا بَأْسَ وَ لَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْهُ وَ لَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ

____________

كما هو المشهور و الاعتراضات عليه و الأجوبة على تقديره، فلم نطلع على خبر يدل عليه، فالإطلاق قوي كما ذكره الصدوق و إن كان العمل على المشهور تعبدا احتياطا أولى.

«فإن وقعت فأرة إلخ» هذه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن فأرة وقعت في حب دهن فأخرجت قبل أن تموت أ نبيعه من مسلم؟ قال نعم و تدهن منه (1) و تدل بظاهره على طهارة الفأرة كما هو ظاهر الأخبار الكثيرة و لا ينافيها صحيحته الأخرى عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أ يصلي فيها قال اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره فانضحه بالماء (2)- لأنها محمولة على الاستحباب جمعا، مع أن الغسل سيما للصلاة أعم من النجاسة.

«و سئل الصادق (عليه السلام) عن بئر إلخ» و روى الشيخ بإسناده الموثق عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بئر يستقى منها و يتوضأ به و غسل منه الثياب و عجن به ثمَّ علم أنه كان فيها ميت، قال: لا بأس به و لا يغسل الثوب و لا تعاد منه الصلاة (3) و في معناه أخبار كثيرة صحيحة تدل بظواهرها على طهارة البئر، و حملها القائلون بالنجاسة على صورة الظن الغالب فإنه قد يسمى علما مجازا شائعا كما سيجيء إنشاء الله تعالى.

73

وَ الْفَأْرَةُ وَ الْكَلْبُ إِذَا أَكَلَا مِنَ الْخُبْزِ أَوْ شَمَّاهُ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ مَا شَمَّاهُ وَ يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ وَ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْحِيَاضِ الَّتِي يُبَالُ فِيهَا إِذَا غَلَبَ لَوْنُ الْمَاءِ الْبَوْلَ وَ إِنْ غَلَبَ لَوْنُ الْبَوْلِ الْمَاءَ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا وَ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِاللَّبَنِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَاءِ أَوِ الصَّعِيدِ

____________

«و الفأرة و الكلب إلخ» هذه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام).

قال: سألته عن الفأرة و الكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه أ يؤكل؟ قال يطرح ما شماه و يؤكل ما بقي (1) ينبغي أن يحمل الأمر الواقع في هذا الخبر على الأعم من الوجوب، فإن الظاهر أن سؤر الفأرة مكروه و كذا ما شمته، و ما أكله الكلب باعتبار الظاهر منه أنه يرطب غالبا بسبب الأكل يحمل على الوجوب لأنه نجس (أو) يحمل الأمر على الاستحباب مطلقا بناء على تغليب الأصل على الظاهر كما في نظائره (و يحتمل) الحمل على الوجوب فيهما أيضا و إن لم نقل بنجاسة الفأرة بناء على أن رطوبتهما خبيثة حرام و كذا ما شماه فإن الغالب على أنفهما الرطوبة فيما شاهدناه.

«و لا بأس بالوضوء من الحياض التي يبال فيها إلخ» هذه رواية العلاء بن فضيل الثقة و في الطريق محمد بن سنان و لا بأس به، لأنه أخذه الصدوق من كتابه، مع أن المفيد و غيره ذكرا توثيقه، و الروايات عنه كثيرة و اعتمد على رواياته ثقة الإسلام و الصدوق، و نهاية القدح فيه أنه كان يعمل بالوجادة و لا بأس بها مع تحقق انتساب الكتب إلى أصحابها كما ذكرنا في الروايات في المقدمة، و حملت الرواية على ما إذا كان كرا- لما ورد في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شيء و الكر ستمائة رطل (2) و غيرها من الأخبار الصحيحة.

«و لا يجوز التوضؤ باللبن إلخ» هذه رواية حريز عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) و في الطريق ياسين الضرير و لا بأس به، لأنه مأخوذ إما من أصل حريز أو أبي

74

وَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ لِأَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ وَ كَانَ ذَلِكَ مَاءً قَدْ نُبِذَتْ فِيهِ تُمَيْرَاتٌ وَ كَانَ صَافِياً فَوْقَهَا فَتَوَضَّأَ بِهِ فَإِذَا غَيَّرَ التَّمْرُ لَوْنَ الْمَاءِ لَمْ يَجُزِ

____________

بصير مع أنه عملت الطائفة عليه- قال سألته عن الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منه للصلاة؟ قال لا إنما هو الماء و الصعيد (1) و الضمير راجع إلى الطهور أو المطهر بقرينة المقام و إنما للحصر في لغة العرب و يفهم من الخبر أيضا، و كأنه يقول (عليه السلام) لا يكون الطهور إلا مما وضعه الله و لم يشرع الله لعباده إلا الماء في قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (2) و إلا الصعيد في قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (3) لأن الطهارة أمر شرعي و لا يجوز إلا مما قرره الشارع، و التقرير منهما معلوم و من غيرهما غير معلوم و لا مظنون و كأنه (عليه السلام) حاول بهذه الكلمة الوجيزة الرد على العامة مع الدليل.

«و لا بأس بالتوضي من النبيذ إلخ» جمع الصدوق بذلك الروايتين الواردتين في هذا الباب مع الجواب عن العامة- أما الرواية الأولى فرواها الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين و الظاهر أنه الكاظم أو الرضا (صلوات الله عليهما)، و لا يطلق المحدث العالم هذه العبارة إلا على المعصوم كما قال الله تعالى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ (4) و روي في الأخبار المتواترة أن المراد بالصادقين هم الأئمة المعصومون (صلوات الله عليهم أجمعين). قال: إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ إنما هو الماء أو التيمم فإن لم يقدر على الماء (ظاهره أنه كلام عبد الله بن المغيرة المنقول عن أصله)- و كان نبيذا فإني سمعت حريزا يذكر في حديث أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد توضأ بنبيذ و لم يقدر على الماء (5).

75

الْوُضُوءُ بِهِ وَ النَّبِيذُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ وَ أُحِلَّ شُرْبُهُ هُوَ الَّذِي يُنْبَذُ بِالْغَدَاةِ وَ يُشْرَبُ بِالْعَشِيِّ أَوْ يُنْبَذُ بِالْعَشِيِّ وَ يُشْرَبُ بِالْغَدَاةِ

____________

و الخبر الثاني رواه الكليني بإسناده، عن الكليني النسابة قال سألت أبا عبد الله (عليهم السلام) عن النبيذ فقال: حلال قلت إنا ننبذه فنطرح فيه العكر (1) و ما سوى ذلك فقال: (عليه السلام) شه شه (2) تلك الخمرة المنتنة قال قلت جعلت فداك فأي نبيذ تعنى فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) تغير الماء و فساد طبائعهم فأمرهم (عليه السلام) أن ينبذوا، فكان الرجل منهم يأمر خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من تمر فيلقيه في الشن (3) فمنه شربه، و منه طهوره فقلت و كم كان عدد التمرات التي يلقى قال: ما يحمل الكف قلت واحدة أو اثنتين فقال (عليه السلام) ربما كانت واحدة و ربما كانت اثنتين فقلت و كم كان يسع الشن ماء؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثلاثين إلى ما فوق ذلك. قال فقلت بأي أرطال؟ فقال: أرطال بمكيال العراق (4).

(أما الخبر الأول) فالجزء الأول منه موافق لخبر حريز في الدلالة على الحصر، و أما حكاية عبد الله عن حريز فيمكن أن يكون حكاية لخبر العامة، فإنهم ينقلون هذا الخبر و لم يفت عبد الله و لا حريز بجواز الوضوء، و إنما يسمى هذا النوع من الكلام عند أصحاب الحديث تخليطا و لا يجوز إلا مع القرينة، و القرينة هنا ظاهرة من أسلوب الكلام، مع أن الظاهر من الخبر هذا النوع من النبيذ للحصر المستفاد من أوله (و أما الثاني) فإنه و إن كان في الطريق ضعف لكنه معتضد بأخبار كثيرة، (و قوله واحدة أو اثنتين) المراد بها الكف و قوله (ما بين الأربعين إلى الثلاثين) ففي التهذيب و الاستبصار إلى الثمانين و هو الأظهر و الغرض من تحقيق قدر المنبوذ و المنبوذ فيه أنه بمقدار يتغير و يصير مضافا أولا، و يفهم من الجواب أنه لا يصير مضافا بل يتغير طعم الملوحة به و قوله

76

فَإِنِ اغْتَسَلَ الرَّجُلُ فِي وَهْدَةٍ وَ خَشِيَ أَنْ يَرْجِعَ مَا يَنْصَبُّ عَنْهُ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَخَذَ كَفّاً وَ صَبَّهُ أَمَامَهُ وَ كَفّاً عَنْ يَمِينِهِ وَ كَفّاً عَنْ يَسَارِهِ وَ كَفّاً مِنْ خَلْفِهِ وَ اغْتَسَلَ مِنْهُ

____________

(فإذا غير لون الماء لم يجز) المراد به إذا صار مضافا لأن التمر ليس له لون فإذا تغير لونه فالتغير بسبب استهلاك التمر في الماء بحيث صيره مضافا غالبا و قوله فقلت (بأي أرطال إلخ) يفهم منه أنهم (عليهم السلام) يراعون بلد السائل.

(فإن اغتسل الرجل في وهدة إلخ) روى الشيخ بإسناده، عن عبد الله بن مسكان (و في الطريق محمد بن سنان) قال حدثني صاحب لي ثقة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل و ليس معه إناء و الماء في وهدة، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع، قال ينضح بكف بين يديه، و كفا من خلفه، و كفا عن يمينه، و كفا عن شماله ثمَّ يغتسل (1)- و في معناه صحيحة علي بن جعفر (2) و غيرها من الأخبار و اختلف الأصحاب في المراد من الخبر، (فقال) بعضهم إن المنضوح هو الأرض لتصير رطبة و تشرب ماء الغسالة لئلا ينحدر إلى الوهدة، (و بعضهم) قال هو البدن ليصير رطبا و يزول يبوسته و دهنيته حتى لا ينحدر الماء عنه، (و قيل) هو الأرض لتزول نجاستها الموهومة كما في سائر مواضع الرش و النضح، (و قيل) الأرض و المراد دفع ما على وجه الماء من الأشياء المتقذرة، و المشهور أن النضح لعدم جريان ماء الغسالة أو لقلته بناء على الضرورة، و يمكن أن يكون تعبدا و الأولى الصب على البدن و الأرض معا إن و في الماء بهما و يفهم من صحيحة علي بن جعفر أن المنضوح هو البدن لقلة الماء بمعنى أنه لا يحتاج إلى الصاع في الضرورة و الحاصل أن هذا الخبر من متشابهات الأخبار و لا يمكن الجزم بأحد المعاني و الله تعالى يعلم و الذي صدر عنه: (3)

77

فَإِنِ انْتَضَحَ عَلَى ثِيَابِ الرَّجُلِ أَوْ عَلَى بَدَنِهِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْجِي بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَإِنْ تَرَشَّشَ مِنْ يَدِهِ فِي الْإِنَاءِ أَوِ انْصَبَّ فِي الْأَرْضِ فَوَقَعَ فِي الْإِنَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَ كَذَلِكَ فِي الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ إِنْ وَقَعَتْ مَيْتَةٌ فِي مَاءٍ جَارٍ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْمَيْتَةُ

____________

«فإن انتضح على ثياب الرجل إلخ» روى الشيخ في الصحيح عن عبد الكريم ابن عتبة الهاشمي: قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجس ذلك ثوبه؟ فقال لا (1) و في معناه أخبار أخر و روى الشيخ في الصحيح عن الفضيل قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح الماء من الأرض في الإناء: فقال لا بأس هذا مما قال الله مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2) و في معناه أخبار كثيرة.

«و إن وقعت ميتة إلخ» روى الشيخ في الموثق عن سماعة: قال سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء فقال يتوضأ من الناحية التي ليست فيها الميتة (3) و لفظ الماء شامل للجاري و الساكن كما قال الشيخ و ظاهره طهارة القليل من الجاري أيضا و يدل عليه العمومات و الإجماع على ما نقل (أو) يقال بعدم التنجس من الميتة كما هو ظاهر الخبر و الأخباريين (4) في العمل بالنص و روي، عن علي بن أبي حمزة: قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الساكن و الاستنجاء منه: فقال يتوضأ من الجانب الآخر و لا يتوضأ من جانب الميتة (5) و روى الكليني في الصحيح، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان: قال سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا جالس عن غدير أتوه و فيه جيفة فقال إذا كان الماء قاهرا و لا يوجد فيه الريح

78

21

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع

عَنِ الْمَاءِ السَّاكِنِ تَكُونُ فِيهِ الْجِيفَةُ قَالَ يُتَوَضَّأُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبِ الْجِيفَةِ

22

وَ سُئِلَ ع

- عَنْ غَدِيرٍ فِيهِ جِيفَةٌ فَقَالَ إِنْ كَانَ الْمَاءُ قَاهِراً لَهَا لَا تُوجَدُ الرِّيحُ مِنْهُ فَتَوَضَّأْ وَ اغْتَسِلْ

وَ مَنْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا الثَّلْجَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ أَيْضاً يَدْلُكُ بِهِ جِلْدَهُ وَ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْرِفَ الْجُنُبُ الْمَاءَ مِنَ الْحُبِّ بِيَدِهِ وَ إِنِ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ فَنَزَا الْمَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فَوَقَعَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ سَالَ مِنْ بَدَنِهِ فِي الْإِنَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ

____________

فتوضأ (1) و ظاهر الخبرين طهارة القليل و حمل على الكر جمعا بين الأخبار (أو يقال) بعدم تنجس القليل من الميتة كما مر.

«و من أجنب في سفر إلخ» روى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام): قال سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا أيهما أفضل! أ يتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم (2).

«و لا بأس أن يغرف إلخ» روى الشيخ في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إن لم يكن أصاب يده شيء من المني و يدل عليه أيضا أخبار كثيرة لكن كلما نذكر من الأخبار فهو باعتبار أنه أصل الخبر أو قريب من خبر الأصل.

«و إن اغتسل الجنب إلخ» روى الكليني في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في الجنب يغتسل فيقطر الماء من جسده في الإناء و ينضح الماء من الأرض فيصير في الإناء أنه لا بأس بهذا كله (3) و لو قيل بعدم مطهرية غسالة الجنب فلا بأس

79

وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَ الْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَ لَكِنْ تَغْتَسِلُ بِفَضْلِهِ وَ لَا يَغْتَسِلُ بِفَضْلِهَا

____________

من القطرات المنضوحة بلا شك و ريب للأخبار الصحيحة الكثيرة.

«و لا بأس بأن يغتسل إلخ» روى الشيخ، في الصحيح، عن زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا توضأ رسول الله (صلى الله عليه و آله). بمد و اغتسل بصاع ثمَّ قال اغتسل هو و زوجته بخمسة أمداد من إناء واحد: قال زرارة: فقلت كيف صنع هو؟ قال بدء هو فضرب بيده في الماء قبلها و أنقى فرجه، ثمَّ ضربت هي فأنقت فرجها، ثمَّ أفاض هو و أفاضت بيده في الماء قبلها و أنقى فرجه، ثمَّ ضربت هي فأنقت فرجها، ثمَّ أفاض هو و أفاضت هي على نفسها حتى فرغا، فكان الذي اغتسل به رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثلاثة أمداد، و الذي اغتسلت به مدين، و إنما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا جميعا و من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع (1).

و الظاهر أن استحباب التقديم باعتبار أشرفية الرجل لا أن فضل الرجل أفضل من فضل المرأة- فإنه كما أنه فضل الرجل فهو فضل المرأة أيضا و يحتمل أن يكون مراده التقديم في جميع الأجزاء من خبر آخر و هو بعيد: فإن الظاهر من الخبر المجمل هذا التفصيل و أيضا إنما خرجنا عما كنا بصدده من الاختصار ليظهر أن ما ذكره الصدوق هو متون الأخبار المسندة فلا يظن به أنه اجتهاده، بل اجتهاد الأخباريين ترجيح بعض الأخبار على بعض للقرائن التي تظهر لهم في الصحة أو في الأصحية- و لهذا لم يذكر الكليني الأخبار المتعارضة إلا نادرا لأنه كلما كان عنده معمولا عليه ذكره في كتابه رضي الله عنه و أرضاه، و كان لنا مقاصد أخر من استئناس المبتدئ و إظهار عدم تتبع جماعة من الفضلاء في الحكم بأنه لم ينقل خبر غير الذي ذكروه.

و ليعلم: أن الأصول كانت عندهم فإذا نقل من الأصل ثلاثة من الفضلاء و الأخيار بأسانيد مختلفة يمكن أن يحصل لك العلم في بعض الأحيان أو الظن المتاخم للعلم في آخر، و لهذا تعرف من حالك أن اللغة الغريبة إذا اجتمع عليها ثلاثة من الثقات

80

وَ أَكْبَرُ مَا يَقَعُ فِي الْبِئْرِ الْإِنْسَانُ فَيَمُوتُ فِيهَا فَيُنْزَحُ مِنْهَا سَبْعُونَ دَلْواً وَ أَصْغَرُ مَا يَقَعُ فِيهَا الصَّعْوَةُ فَيُنْزَحُ مِنْهَا دَلْوٌ وَاحِدٌ وَ فِيمَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَ الصَّعْوَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يَقَعُ فِيهَا

____________

كالجوهري (1) و الفيروزآبادي (2) و المطرزي (3) يحصل لك العلم خصوصا إذا ضم إليه قرائن أخر، لا إن نقل ثقتهم قرينة صحة الخبر كما ذكره الفاضل الأسترآبادي و ينقل أخبارا كثيرة في النهي عن اتباع الظن و وجوب متابعة العلم، و يقول بحصول العلم من نقل كل ضعيف- بل كافر- من المعصوم إذا وثق بأن هذا قرينة الصدق، و أنت إذا تأملت كلامه (رحمه الله) وجدته كما نقلنا و أمرنا في اتباع الخبر الواحد الموجب للظن من باب أكل الميتة، لأنه لا يمكننا ترك الأعمال، و لا يحصل لنا سوى الظن نعم كلما أمكن تحصيل أقوى الظنون كان أقرب إلى الحق و أبعد من الارتياب، و بالتتبع التام يحصل الظنون القوية وفقنا الله و إياكم لما يحب و يرضى.

«و أكبر ما يقع في البئر الإنسان إلخ» رواه الشيخ في الموثق عنه (عليه السلام) و عمل به الأصحاب و الظاهر أن المراد بالأكبر بالنسبة إلى ما ينزح بالدلاء أو بالإضافة إلى ما يقع فيها غالبا، و الأكبر في النسخ بالباء الموحدة (4) و في نسخ التهذيب

81

فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا فَأْرَةٌ وَ لَمْ تَتَفَسَّخْ يُنْزَحُ مِنْهَا دَلْوٌ وَاحِدٌ وَ إِذَا انْفَسَخَتْ فَسَبْعُ دِلَاءٍ وَ إِنْ وَقَعَ فِيهَا حِمَارٌ يُنْزَحُ مِنْهَا كُرٌّ مِنْ مَاءٍ وَ إِنْ وَقَعَ فِيهَا كَلْبٌ نُزِحَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ دَلْواً إِلَى أَرْبَعِينَ دَلْواً

____________

بالثاء المثلثة و الإنسان شامل للكبير و الصغير و الرجل و المرأة و المسلم و الكافر و إن كان الأحوط في الكافر نزح الكل مع الإمكان، و مع عدمه فالسبعون، و نهاية الاحتياط في التراوح، و فيما بين الإنسان و الصعوة على قدر ما يقع فيها يمكن أن يكون بتخمين المكلف أو بنصهم (عليهم السلام)، و الغرض من ذكره أن يعلموا أنه لا ينقص من واحد و لا يزيد على السبعين، فإن سئل عنهم (عليهم السلام)، و إلا احتاطوا بنزح السبعين و هو أحسن من نزح الكل، و يمكن أن يكون المراد الأكبر باعتبار النزح لا الجثة و يكون عاما في الميتة إلا ما أخرجه الدليل من الكل- و الكر-، و المائة دلو.

«فإن وقع إلخ» تفصيل لما بين الإنسان و الصعوة بالنصوص الواردة عن أهل البيت (سلام الله عليهم)، و القول بالتفصيل في الفأرة هو المشهور و الظاهر جواز الاكتفاء بالثلاثة و الأحوط السبعة و الأولى الأربعون، و في التغير الجميع جمعا بين الأخبار و إن كان الظاهر في الجميع الاستحباب.

«و إن وقع فيها حمار ينزح منها كر من ماء» الظاهر إجزاء الكر، و الأحوط الكل «و إن وقع فيها كلب نزح منها ثلاثون دلوا إلى أربعين دلوا» الأخبار في الكلب مختلفة ظاهرا ففي موثقة سماعة كما ذكره الصدوق، و في الأخبار الصحاح: أنه ينزح دلاء و الظاهر منها أجزاء الثلاثة و نهاية ما قيل فيها العشرة أو الإحدى عشرة دلوا بناء على أنه جمع كثرة، مع أنه يطلق كل واحد منهما على الآخر إطلاقا شائعا كما نص عليه أهل اللغة أيضا، و في صحيحة زيد الشحام أجزاء الخمس دلاء، و في موثقة إسحاق بن عمار أنه إذا كان شاة و ما أشبهها فتسعة أو عشرة، و الشيخ (رحمه الله) عمل بالأربعين بأنه إذا عملنا بالأربعين عملنا بكلها، و الحق أنه إذا عمل بالأقل عمل بالكل لأنه يحمل الزيادة على الاستحباب، و إذا عمل بالأربعين مع أنه لم يرد فيه خبر على لزوم أربعين بل في خبر علي بن أبي حمزة عشرون أو ثلاثون أو أربعون، و في خبر سماعة ثلاثون

82

وَ إِنْ وَقَعَ فِيهَا سِنَّوْرٌ نُزِحَ مِنْهَا سَبْعَةُ دِلَاءٍ وَ إِنْ وَقَعَ فِيهَا دَجَاجَةٌ أَوْ حَمَامَةٌ نُزِحَ مِنْهَا سَبْعَةُ دِلَاءٍ وَ إِنْ وَقَعَ فِيهَا بَعِيرٌ أَوْ ثَوْرٌ أَوْ صُبَّ فِيهَا خَمْرٌ نُزِحَ الْمَاءُ كُلُّهُ

____________

إلى أربعين لم يعمل بحديث أصلا و طرح كل الأخبار، و في موثقة عمار، و ظاهر صحيحة أبي مريم: نزح الكل و حمل على التغير أو الاستحباب.

«و إن وقع فيها سنور نزح منها سبع دلاء» و هو مثل الكلب في الأخبار، فإن السنور وارد في أكثر أخبار الكلب معه و حكمه حكمه، و الظاهر فيه أيضا إجزاء الثلاثة، و غاية ما يقال إنه يحمل الدلاء على الخمس بأن يقال مجمل يفسره الخمس و السبع و يحمل الزيادة على الاستحباب، مع أن الظاهر من هذا الاختلاف الاستحباب و يؤيده صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: ماء البر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير طعمه أو ريحه فينزح كله حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنه له مادة (1) مع علو إسنادها و صراحتها للحكم بالسعة و نفي إفساد شيء له لأنه نكرة في سياق النفي و اشتمالها على الحصر المستفاد من الاستثناء في سياق النفي و وجود التعليل بالمادة، و بعض الأصحاب ضعف الخبر بأنه مكاتبة و غفل عن المشافهة مع أن هذه المكاتبات لا تقصر عن المشافهات، بل كانت عند القدماء أكثر اعتبارا من المشافهات و يباهون بها كما يظهر من تتبع آثارهم و سيجيء من الصدوق أيضا ما يشعر بما قلناه.

«و إن وقع فيها دجاجة أو حمامة نزح منها سبع دلاء» الأخبار المعتبرة في الطير مطلقا خصوصا في الدجاجة و الحمامة واردة بالدلوين و الثلاثة و الدلاء مطلقا و الخمس و السبع فيجوز الاكتفاء بالثلث و الخمس أفضل و السبع أكمل.

«و إن وقع فيها بعير أو ثور أو صب فيها خمر نزح الماء كله» أما البعير ففي الخبر الصحيح أنه ينزح الماء كله، و في صحيحة أخرى على الظاهر معمول عليها كر من ماء، و الظاهر أن الكر يكفي و الكل أفضل و أحوط (و أما الثور) ففي الصحيح نزح الماء كله، و في صحيحة الفضلاء عن أبي عبد الله و أبي جعفر (عليهما السلام): في

83

وَ إِنْ قَطَرَ فِيهَا قَطَرَاتٌ مِنْ دَمٍ اسْتُقِيَ مِنْهَا دِلَاءٌ

____________

البئر تقع فيها الدابة و الفأرة و الكلب و الطير فتموت قال: تخرج ثمَّ ينزح من البئر دلاء ثمَّ يشرب و يتوضأ (1)- و الظاهر شمول الدابة له لكن يشكل الاستدلال به، لأن الدابة تطلق على الفرس و عليه و على الحمار و البغل كثيرا، و لذات القوائم الأربع شائعا و لما يدب على الأرض أيضا فالفرس متيقن و الباقي محتمل، و إن كان ظاهر الإطلاق الثالث.

و أما صب الخمر ففي الأخبار الصحيحة (2) أنه ينزح كله، و روي في القطرة منها و النبيذ المسكر ثلاثون دلوا و روي عشرون- و يمكن الجمع بينها بحمل الأخبار الأولة على ما يطلق عليه الصب عرفا و لا يطلق على القطرة عرفا أنها صبت و إن أطلق لغة، و الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية، لكن في طريق الخبرين جهالة على اصطلاح المتأخرين و إن أمكن القول بالصحة في حديث الثلاثين باعتبار صحته عن ابن أبي عمير و إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه و تكرره في الكتب كما يظهر من التتبع.

«و إن قطر فيها قطرات من دم استقى منها دلاء» (3) يدل عليه صحيحتا علي بن جعفر و محمد بن إسماعيل بن بزيع و في خبر كردويه ينزح منها ثلاثون دلوا (4) و حمل على الاستحباب و الأكثر على أنه ينزح عشر دلاء لأنه أكثر جمع يضاف إليه العدد أو أقل جمع الكثرة و فيهما ما لا يخفى، فالظاهر جواز الاكتفاء بالثلث و إن كان الأحوط العشر خروجا من الخلاف و الأولى الثلاثون عملا بالأخبار.

84

وَ إِنْ بَالَ فِيهَا رَجُلٌ اسْتُقِيَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْواً وَ إِنْ بَالَ فِيهَا صَبِيٌّ قَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ اسْتُقِيَ مِنْهَا ثَلَاثُ دِلَاءٍ وَ إِنْ كَانَ رَضِيعاً اسْتُقِيَ مِنْهَا دَلْوٌ وَاحِدٌ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ زَبِيلٌ مِنْ عَذِرَةٍ رَطْبَةٍ أَوْ يَابِسَةٍ أَوْ زَبِيلٌ مِنْ سِرْقِينٍ

____________

«و إن بال فيها رجل استقى منها أربعون دلوا» رواه الشيخ في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) و عمل الأصحاب عليه «و إن بال فيها صبي قد أكل الطعام استقى ثلاث دلاء و إن كان رضيعا استقى منها دلو واحد» اعلم أنه ورد في الصحيح لبول الصبي سبع و جميع الماء (2) و حمل على التغير أو الاستحباب و روي في الموثق بعلي بن أبي حمزة في الفطيم دلو واحد (3) و الفطيم في اللغة بمعنى المفصول عن الرضاع و حمله الأصحاب على الرضيع مجازا، أو يقال إذا كان الدلو الواحد يكفي في الفطيم ففي الرضيع بالطريق الأولى، لأنه نجست البئر و يجب تطهيره على القول بالنجاسة فيجب نزح دلو لأن تطهر، و يفهم من الخبر أن الصبي إذا قرب من الفطام يكفي في بوله دلو واحد و بعده ثلث بناء على رواية الصدوق و سبع على الرواية الصحيحة (4) و مع التغير الجميع، و روي في البول مطلقا نزح ثلاثين دلوا، و روي في قطرات البول في الصحيح أن ينزح منها دلاء و روي الجميع و حمل على التغير و هو بعيد و الحمل على الاستحباب أظهر و أحوط.

«فإن وقع في البئر زبيل (زنبيل خ ل) من عذرة رطبة أو يابسة إلخ» رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) و رواه في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال لا بأس إذا كان فيها ماء كثير (6)

85

فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا وَ لَا يُنْزَحُ مِنْهَا شَيْءٌ هَذَا إِذَا كَانَتْ فِي زَبِيلٍ وَ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْبِئْرِ وَ مَتَى وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ عَذِرَةٌ اسْتُقِيَ مِنْهَا عَشَرَةُ دِلَاءٍ فَإِنْ ذَابَتْ فِيهَا اسْتُقِيَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْواً إِلَى خَمْسِينَ دَلْواً

____________

و ظاهرهما طهارة البئر و في الثاني مع اشتراط الكرية و يؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شيء قلت و كم الكر قال: ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها (1) و لا يضر جهالة الحسن بن صالح أو ضعفه على قول الشيخ لأن الراوي عنه الحسن بن محبوب و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و لا يضر ذكر بعضهم مكانه الحسن بن علي بن فضال لأنه لا منافاة في نقل الإجماعين، مع أنه أحد الأركان الأربعة في عصره، و يؤيد الخبرين عموم أخبار الكر لو لم نقل بطهارة البئر مطلقا كما هو ظاهر الأخبار الصحيحة سيما خبر علي بن جعفر هذا. و خبر محمد بن إسماعيل، و قد تقدم.

و التأويلات المذكورة في الخبرين في غاية الضعف مثل تأويل الصدوق، هذا إذا كانت في زبيل و لم ينزل منه شيء في البئر لأن ظاهر الزبيل إذا كان مخلوطا بالعذرة كما هو الغالب فلا فائدة في التأويل، و إن لم يكن مخلوطا فلا فائدة في السؤال بل هو قبيح سيما من علي بن جعفر الذي هو أحد الأركان في الدين و لم يوجد مثله من الهاشميين و لا في أولاد الأئمة المعصومين و لا من أصحابهم على ما هو الظاهر عندنا. و الله تعالى هو العالم بحقائق الأحوال.

«و متى وقع في البئر عذرة استقى منها عشر دلاء إلخ» رواه الشيخ في الحسن بالكاهلي (2) و هو لا يقصر عن الصحيح، بل عده جماعة من الصحاح و عمل الأصحاب عليه و لا منافاة بينه و بين ما تقدم بأن يحمل على الاستحباب كما هو ظاهر الجمع بين كثير من الأخبار أو على الكرية على احتمال ذكر.

86

وَ الْبِئْرُ إِذَا كَانَ إِلَى جَانِبِهَا كَنِيفٌ فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَذْرُعٍ وَ إِنْ كَانَتْ رِخْوَةً فَسَبْعَةُ أَذْرُعٍ

____________

«و البئر إذا كان على جانبها كنيف إلخ» المراد بالكنيف البئر التي وصلت إلى الماء و يدخل فيها النجاسات، و يستحب التباعد بينها و بين البئر بخمسة أذرع و في رواية بثلاثة أو أربعة أذرع إذا كانت الأرض صلبة أو كانت البئر فوقها مقرا أو جهة بأن تكون في مهب الشمال و هو من القطب الشمالي إلى مغرب الاعتدال، فإن مجرى العيون كلها من مهب الشمال و إلا فسبعة و الأفضل تسعة، و الأكمل اثني عشر، كما يظهر من مجموع الأخبار الواردة في هذا الباب، و حسنها بل صحيحها يدل على الجهة و التباعد بالثلاثة أو الأربعة و التسعة كما في الكافي و التهذيب، و السبعة كما في الاستبصار و بقية الأخبار و إن كان فيها ضعف باصطلاح المتأخرين، لكن تلقوها بالقبول و انجبر به ضعفها مع التساهل في أدلة السنن، للخبر الحسن بل الصحيح المستفيض عنهم (عليهم السلام) الدال على أنه يثاب على العمل بالمنقول عنهم (1) و إن لم يكن واقعا بل الإجماع كما نقل، على أن أكثرها منقول في الكافي و حكم الكليني بصحتها، و ما نقل هنا حكم بصحته الصدوق و إن كان في طريقه مجهول أرسله عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام). فإنك إذا تتبعت كتب الرجال وجدت أكثر أصحاب الأصول الأربعمائة غير مذكور في شأنهم تعديل و لا جرح (إما) لأنه يكفي في مدحهم و توثيقهم أنهم أصحاب الأصول فإن أصحاب الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) المصنفين للكتب كانوا أربعة آلاف رجال-، و صنف أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة كتابا في أحوالهم و نقل من كل واحد حديثا من كتابه و كان يقول أحفظ مائة و عشرين ألف حديث بأسانيدها و إذا كر بثلاثمائة ألف حديث، و اختاروا من جملتها و جملة ما نقله أصحاب بقية أئمتنا (صلوات الله عليهم) أربعمائة كتاب و سموها الأصول و كانت هذه الأصول عند

87

23

وَ قَالَ الرِّضَا ع

لَيْسَ يُكْرَهُ مِنْ قُرْبٍ وَ لَا بُعْدِ بِئْرٌ يُغْتَسَلُ مِنْهَا وَ يُتَوَضَّأُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ

____________

أصحابنا و يعملون عليها مع تقرير الأئمة الذين في أزمنتهم (سلام الله عليهم) إياهم على العمل بها و كانت الأصول عند ثقة الإسلام، و رئيس المحدثين، و شيخ الطائفة و جمعوا منها هذه الكتب الأربعة و لما أحرقت كتب الشيخ و كتب المفيد ضاعت أكثرها و بقي بعضها عندهم حتى أنه كان عند ابن إدريس طرف منها و بقي إلى الآن بعضها. لكن لما كان هذه الأربعة كتب موافقة لها و كانت مرتبة بالترتيب الحسن ما اهتموا غاية الاهتمام بشأن نقل الأصول:

و كنت أنا أضعف عباد الله محمد تقي أردت في عنفوان الشباب أن أرتب الكتب الأربعة بالترتيب الأحسن، لأنها مع ترتيبها كثيرا ما ينقلون الخبر في غير بابه و صار سبب الاشتباه على بعض أصحابنا بأنهم كثيرا ما ينفون الخبر مع وجوده في غير بابه (لكن) خفت أن تضيع هذه الكتب كما ضاعت الأصول، و لهذا تركت الجمع و الترتيب (و إما) (1) لبعد العهد بين أرباب الرجال و بين أصحاب الأصول و غيرهم من أصحاب الكتب التي تزيد على ثمانين ألف كتاب كما يظهر من التتبع، نقل أنه كان عند السيد المرتضى رضي الله عنه ثمانون ألف مجلد من مصنفاته و محفوظاته و مقرواته، و ذكر الوشاء أنه سمع الحديث في مسجد الكوفة فقط من تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد، و لو لا خوف الإطالة لذكرنا كثيرا منهم لكن غرضنا إراءة الطريق حتى يوصلكم الله إلى المطلوب و إيانا بجاه محمد و آله الطاهرين.

«و قال الرضا (عليه السلام) (إلى قوله) ما لم يتغير الماء» و روى الشيخ بإسناده عن محمد ابن القاسم و الظاهر أنه ابن الفضيل بن يسار الثقة هو و أبوه و جده و في الطريق عباد بن سليمان، و المذكور من حاله أنه صاحب كتاب روى عنه الثقات عن أبي الحسن (عليه السلام) و الظاهر أنه الرضا (عليه السلام): في البئر يكون بينها و بين الكنيف خمسة و أقل و أكثر يتوضأ

88

24

وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ أَنَّهُ قَالَ

نَزَلْنَا فِي دَارٍ فِيهَا بِئْرٌ إِلَى جَنْبِهَا بَالُوعَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا نَحْوٌ مِنْ ذِرَاعَيْنِ فَامْتَنَعُوا مِنَ الْوُضُوءِ مِنْهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ تَوَضَّئُوا مِنْهَا فَإِنَّ لِتِلْكَ الْبَالُوعَةِ مَجَارِيَ تُصَبُّ فِي وَادٍ يَنْصَبُّ فِي الْبَحْرِ

____________

منها؟ قال: ليس يكره من قرب و لا بعد يتوضأ منها و يغتسل ما لم يتغير الماء (1) و العبارة التي ذكرها الشيخ من الخبر أظهر من عبارة الصدوق، و عبارة الشيخ نوع تفسير لعبارة الصدوق فإن الظاهر من عبارة الشيخ أن اسم ليس مضمر بقرينة السؤال، بمعنى أنه ليس وجود البالوعة مكروها سواء كان قريبا من البئر أو بعيدا منها (أو) ليس الوجود من قرب و لا بعد مكروها (أو) ليس المكروه وجود البالوعة من قرب البئر و لا بعدها، و يكون على التقادير قوله (عليه السلام) يتوضأ منها و يغتسل أو بالعكس بيانا للجملة الأولى و حكما بجواز الوضوء و الغسل- فبناء عليه المراد من قول الصدوق أن يكون المستتر في (ليس) وجود البالوعة و يكون القرب و البعد مضافين إلى البئر أي بئر الماء، و يكون قوله (يغتسل منها و يتوضأ) جملة للبيان و الحكم و مع قطع النظر عن رواية الشيخ يمكن أن يكون الجملة صفة لبئر و يتضمن جواز الغسل و الوضوء أيضا (و يمكن) إرادة العكس أيضا بأن يكون المستتر وجود بئر الماء و يكون المراد بالبئر الثاني المتوضأ بالمعنى اللغوي، و المغتسل يعني بئر يسيل إليها ماء الاستنجاء و ماء غسالة الجنب (و هذا الاحتمال) بعيد من عبارة الشيخ غاية البعد، إلا بإضمار البئر و معه بعيد أيضا و ظاهر الخبر طهارة البئر لأنه بنى الحكم بالنجاسة على التغير بقرينة الحصر (و يمكن) أن يكون المراد به ما لم يعلم لأنه ما لم يتغير لا يعلم وصول النجاسة إليها غالبا و يكون من باب المثال. (و فيه) من البعد ما لا يخفى و إنما أطلنا الكلام هنا لأنه لم يذكره العلماء، و لاستيناس المبتدئ لأن لا يجترئ على معنى الحديث لمجرد ظاهر الحديث، أو يرده لأجل عدم الفهم و لفوائد أخر لا نذكرها لئلا يصير قدحا في الأصحاب.

«و روي عن أبي بصير إلخ» طريق الصدوق إلى أبي بصير مذكور في الفهرست

89

..........

____________

مشتمل على ممدوح، و موثق و هذا النوع من الخبر لم يسم باسم على اصطلاح المتأخرين و الظاهر أنه منوط على اعتقاد الفقيه في الحسن و الموثق، فإن كان عنده الحسن أحسن فالحديث موثق، و بالعكس حسن لأنه تابع لأخس الرجال كالنتيجة أو تابع لأحوالهم- فإنها مختلفة غاية الاختلاف، فإن الحسن باعتبار حمران أو الكاهلي أو إبراهيم بن هاشم مقدم على موثق علي بن أبي حمزة أو ابنه الحسن أو السكوني و أضرابهم و الموثق بابان بن عثمان و الحسن بن علي بن فضال و عبد الله بن بكير مقدم على الحسن بسلام و مثنى بن عبد السلام و مثنى بن الوليد.

و الظاهر أن أبا بصير هذا هو يحيى بن القاسم، لرواية علي بن أبي حمزة فائدة عنه و رماه العلامة بالوقف و تبعه من تأخر عنه، و الظاهر أن اشتباه العلامة حصل من رجال الشيخ فإنه ذكر في أصحاب الكاظم (عليه السلام) قال: يحيى بن أبي القاسم يكنى أبا بصير، ثمَّ قال في هذا الباب يحيى بن القاسم الحذاء واقفي فتوهم أنه هو المذكور قبل، مع أنه مذكور فيه بأبي القاسم، و الثاني بدون لفظة (أبي) و يؤيده أن النجاشي وثقه و لم يذكره بالوقف، و ذكر أنه مات سنة خمسين و مائة و كان وفاة الكاظم (عليه السلام) سنة ثلاث و ثمانين و مائة و لم يحصل الوقف إلا بعد وفاة الكاظم (عليه السلام)، و يمكن أن يقال إنه وقف على أبي عبد الله (عليه السلام) لكن لم يصطلح فإنه يسمى بالناووسي، و الواقف على الكاظم (عليه السلام) بالواقفي بقول مطلق.

و أما المتن فقوله (عليه السلام) (فامتنعوا) أي أصحابنا بسبب قرب البالوعة إلى بئر الماء و قوله (عليه السلام) (فإن لتلك البالوعة مجاري تصب في واد ينصب في البحر) يمكن أن يكون المراد ظاهره و تكون لها مجاري إلى قناة تنصب في البحر الذي يكون قرب المدينة، كما في النجف الأشرف لاتصال قناته بالبحر، و يمكن أن تكون تلك البالوعة هكذا لقوله (عليه السلام) (فإن لتلك البالوعة) و ظاهره اختصاصها بالحكم، و يمكن أن يكون إشارة باتصال المياه التي تحت الأرض و سماها واديا مجازا، مثل

90

وَ مَتَى وَقَعَ فِي الْبِئْرِ شَيْءٌ فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ وَجَبَ أَنْ يُنْزَحَ الْمَاءُ كُلُّهُ وَ إِنْ كَانَ كَثِيراً وَ صَعُبَ نَزْحُهُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُتَكَارَى عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ يَسْتَقُونَ مِنْهَا عَلَى التَّرَاوُحِ مِنَ الْغُدْوَةِ إِلَى اللَّيْلِ وَ أَمَّا مَاءُ الْحَمَّاتِ فَإِنَّ النَّبِيَّ(ص)إِنَّمَا نَهَى أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا وَ لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّوَضُّؤِ بِهَا وَ هِيَ الْمِيَاهُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْجِبَالِ يُشَمُّ مِنْهَا رَائِحَةُ الْكِبْرِيتِ

25

وَ قَالَ ع

إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ

____________

قوله (عليه السلام) (فإن لها مادة في البئر) و قد تقدم، و اتصال مياه تحت أرض المدينة بالبحر ظاهر باعتبار القرب حقيقة أو مجازا: «و متى وقع في البئر شيء إلخ» رواه الشيخ في الصحيح عن عمرو بن سعيد بن هلال (1) و في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2)- و المراد بالتراوح على ما ذكره جماعة من الأصحاب أن ينزح أربعة رجال أو أكثر- اثنان- اثنان، بأن يكون أحدهما في البئر و الآخر خارجها ليكون أسهل للنزح و أكثر للمنزوح و عبارة الخبر أعم منه و من نزح الرجلين معا، بل ظاهر خبر الساباطي الثاني فالأحوط الجمع بينهما بأن ينزح ثلاثة ثلاثة، و يكون رجل في البئر و اثنان خارجه ينزحان من الصبح إلى الغروب الذي هو ذهاب الحمرة المشرقية على المشهور، و يدخل الطرفان من باب المقدمة و الذي ذكره الصدوق في حكم التغير هو مذهب جماعة، و ذهب جماعة من الأصحاب إلى أنه يكفي زوال التغير، و يدل عليه الأخبار الصحيحة فيجب حمل الخبرين على الاستحباب جمعا، و جمع بعض الأصحاب بينها بوجوب نزح الجميع، فإن تعذر فينزح حتى يزول التغير، و يستوفي المقدر أي يكمله إن كان له مقدر، فيحمل التراوح على الاستحباب أيضا و فيه أقوال أخر لم نذكرها للإطالة و الضعف.

«و أما ماء الحمات إلخ» روي في الكافي في الحسن عن مسعدة بن صدقة عن

91

وَ إِنْ قَطَرَ خَمْرٌ أَوْ نَبِيذٌ فِي عَجِينٍ فَقَدْ فَسَدَ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى بَعْدَ أَنْ يُبَيَّنَ لَهُمْ وَ الْفُقَّاعُ مِثْلُ ذَلِكَ

____________

أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الاستشفاء بالحمات و هي العيون الحارة التي تكون في الجبال التي يوجد فيها رائحة الكبريت و قال (قيل خ ل) إنها من فيح جهنم (1) و في معناه أخبار أخر، و الظاهر أن ما في المتن من كلام الصدوق و استدل بأنه ماء، و يمكن أن يكون من الإمام و يستدل بأنه ماء و لم يرد نهي على عدم جواز التطهر به فيكون باقيا على أصل الجواز، و لا يمكن قياس الوضوء به على الاستشفاء، لأن أصل القياس من إبليس مع أنه لا جامع بينهما و اعتل (2) النبي (صلى الله عليه و آله) نهى الاستشفاء به بأنه من فيح جهنم أي رائحتها أو فورانها فكيف يستشفي به، و الظاهر كما قال بعض إنه خرج مخرج التشبيه في الحرارة أو الحرارة الكبريتية، كما فسر قوله تعالى وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ* (3) بحجارة الكبريت فإنها أسرع قبولا للنار و أبطأ خمودا من غيرها و أنتن، و يمكن حمله على الحقيقة بأن يراد أن جهنم تحت الأرض السابعة و وصل ريحها أو فورانها إلى هذه الجبال، أو يكون من باب إنما يأكلون في بطونهم نارا (4)- بأن الاستشفاء يوصل المستشفى إلى فيح جهنم مبالغة.

«و إن قطر خمر إلخ» مضمونه مروي في الكافي عن زكريا بن آدم عن الرضا (عليه السلام) (5)- و الفساد يمكن أن يكون باعتبار النجاسة، و أن يكون باعتبار الحرمة و هو الأظهر من العبارة، و البيع بعد البيان من أهل الذمة يمكن أن يكون باعتبار الاستهلاك و تخفيف

92

26

وَ سَأَلَ عَمَّارُ بْنُ مُوسَى السَّابَاطِيُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع

- عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ فِي إِنَائِهِ فَأْرَةً وَ قَدْ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ مِرَاراً وَ اغْتَسَلَ مِنْهُ أَوْ غَسَلَ ثِيَابَهُ وَ قَدْ كَانَتِ الْفَأْرَةُ مُنْسَلِخَةً فَقَالَ إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ وَ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَ الصَّلَاةَ وَ إِنْ كَانَ إِنَّمَا رَآهَا بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَ فِعْلِهِ فَلَا يَمَسَّ مِنَ الْمَاءِ شَيْئاً وَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى سَقَطَتْ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَقَطَتْ فِيهِ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي رَآهَا

27

وَ سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع-

عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ هَلْ يُجْزِيهِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنْ يَقُومَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يُغْسَلَ رَأْسُهُ وَ جَسَدُهُ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَاءٍ سِوَى ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا غَسَلَهُ اغْتِسَالَهُ بِالْمَاءِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ

____________

النجاسة أو الحرمة، و باعتباره جوز البيع منهم و يكون مخصصا من أخبار حرمة البيع مطلقا و إن كان الأحوط عدمه و البيان يمكن أن يكون للإخبار بالعيب أو ليكون الإثم عليهم لو أكلوه.

«و سأل عمار بن موسى الساباطي إلخ» هذا الخبر موثق و يدل على أنه ما لم يعلم بالنجاسة لا يحكم بها و إن حصل الظن القوي بها، و عمل الأصحاب عليه.

«و سأل علي بن جعفر إلخ» طريق الصدوق إليه صحيح، و يدل ظاهرا على جواز الغسل في المطر اختيارا إذا جرى الماء على بدنه و يكون نوعا آخر من الغسل، و يمكن أن يكون التشبيه في قوله (عليه السلام) (إذا غسله اغتسالة بالماء) أجزائه في الترتيب أو الارتماس إذا جاء المطر بقوة يصل الماء إلى أعضائه في زمان يسير يصدق عليه الدفعة العرفية و الأحوط أن ينوي و يغسل رأسه أولا، ثمَّ الأيمن ثمَّ الأيسر، و مثله في الوضوء ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه، هل يجزيه ذلك من الوضوء قال: إن غسله فإن ذلك يجزيه. (1)

93

28

وَ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)كَانَ يَقُولُ

لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ الْفَأْرَةِ إِذَا شَرِبَتْ مِنَ الْإِنَاءِ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ أَوْ تَتَوَضَّأَ مِنْهُ

وَ الْوَزَغَةُ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ مِنْهَا ثَلَاثُ دِلَاءٍ وَ إِذَا ذَبَحَ رَجُلٌ طَيْراً مِثْلَ دَجَاجَةٍ أَوْ حَمَامَةٍ فَوَقَعَ بِدَمِهِ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ مِنْهَا دِلَاءٌ

____________

«و روى إسحاق بن عمار إلخ» الخبر قوي يدل على طهارة الفأرة و جواز الوضوء بسؤرها و لا ينافي الكراهة الظاهرة من صحيحة علي بن جعفر، بل يؤيدها كما ذكره الشهيد (رحمه الله) أن قول لا بأس به يطلق غالبا على ما فيه كراهة على ما يظهر من التتبع.

«و الوزغة إذا وقعت في البئر نزح منها ثلاث دلاء» رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) و عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «و إذا ذبح رجل طيرا إلخ» الظاهر أنه خبر علي بن جعفر و فيه دلاء يسيرة و مع التقييد يصير أظهر في جواز الاكتفاء بالثلاث و قد تقدم.

«و سأل علي بن جعفر إلخ»- و قوله «و أوداجها تشخب» أي عروقها تسيل منه الدم، و استدل بظاهره على نجاسة البئر بالملاقاة، لأنه لا يمكن حمله على التغير لأنه مع التغير لا يحد بالثلاثين و الأربعين بل بزواله كما مر، إلا أن يقال الغالب زواله به، و يمكن حمله على الاستحباب جمعا سيما للوضوء و الغسل و ظاهر قوله (عليه السلام) ما بين ثلاثين دلوا إلى أربعين دلوا يشمل الثلاثين و الأربعين أيضا بخلاف قول بعض الأصحاب من الثلاثين إلى الأربعين، فإن فيه الخلاف من دخول ما قبل (من) و ما بعد (إلى) لأن لفظ (ما بين) أعم شمولا كما لا يخفى- و ظاهره أنه من قبيل الوجوب أو الاستحباب التخييري في الأفراد الأحد عشر و كلما كان أزيد كان أفضل، أو يقال بناء على الوجوب إن الثلاثين واجب و البواقي مستحبة، لأن النزح ليس بعبادة حتى يشترط فيه النية، و إن كان حصول الثواب مشروطا بها، و لا يعتل الوجوب في الزائد في غير المشروط صحته بالنية

94

29

وَ سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع

- عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ شَاةً فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي بِئْرِ مَاءٍ وَ أَوْدَاجُهَا تَشْخُبُ دَماً هَلْ يُتَوَضَّأُ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ قَالَ يُنْزَحُ مِنْهَا مَا بَيْنَ ثَلَاثِينَ دَلْواً إِلَى أَرْبَعِينَ دَلْواً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا

30

وَ سَأَلَ يَعْقُوبُ بْنُ عُثَيْمٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع

فَقَالَ لَهُ بِئْرُ مَاءٍ فِي مَائِهَا رِيحٌ يَخْرُجُ مِنْهَا قِطَعُ جُلُودٍ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْوَزَغَ رُبَّمَا طَرَحَ جِلْدَهُ إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ دَلْوٌ وَاحِدٌ

31

وَ سَأَلَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ أَبَا جَعْفَرٍ ع

عَنِ السَّامِّ أَبْرَصَ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ

____________

و سيجيء تحقيقه التام في بحث النية إن شاء الله تعالى.

و استدل بهذا الخبر على أن للدم القليل مطلقا ينزح منها دلاء، و للكثير ما بين ثلاثين إلى أربعين و إن كان دم الحدث أو دم نجس العين، لأنه و إن ورد في دم الشاة لكن الدماء النجسة مشتركة في الحكم ما لم يدل دليل على خلافه و ليس، و ما ورد في استثناء دم الحيض في الصلاة لو صح فلا يتجاوز عنها، و لا يدل على شدة النجاسة لأنه غير معلوم العلة، و كذا إلحاق دم النفاس و الاستحاضة به أشكل، و إلحاق دم نجس العين بها شك في شك كما ذكره في الذكرى، لكن الاستدلال بالعموم من هذا الخبر أشكل، نعم صحيحة محمد بن إسماعيل في الدم القليل مطلقا، بل يفهم منه العموم أيضا، و لا فرق بين القليل و الكثير من هذه الحيثية، و الأحوط نزح الكل في دم الحدث و نجس العين خروجا من الخلاف.

«و سأل يعقوب بن عيثم إلخ» الظاهر أنه من أصحاب الأصول و إن لم يذكر في كتب الرجال، و طريق الصدوق إليه صحيح، و ظاهر الخبر يدل على تغليب الأصل على الظاهر، و تجويز الاحتمالات البعيدة، إلا أن يقال الظاهر ذلك لكثرة الوزغ عندهم أو يكون معلوما عنده (عليه السلام) لخصوص الواقعة، و ظاهره الاكتفاء في الوزغ المتفسخ بالدلو الواحد فيحمل الثلث و السبع على الاستحباب و إن كان الأظهر في الجميع الاستحباب، و يمكن أن يقال ظاهره طرح جلده من الخارج فلا يدل على المتفسخ في الماء بشيء، و الظاهر أن يكون النزح له لدفع توهم السم، أو وقوعه لطهارته و إن قيل بالزيادة للشرب كما يظهر مما سيجيء و من غيره من الأخبار: «و سأل جابر بن يزيد الجعفي إلخ» «الذي ظهر لنا من التتبع أنه ثقة جليل من

95

فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَرِّكِ الْمَاءَ بِالدَّلْوِ

32

وَ سَأَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ عُثَيْمٍ

عَنْ سَامِّ أَبْرَصَ وَجَدْنَاهُ فِي الْبِئْرِ قَدْ تَفَسَّخَ فَقَالَ إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَنْزَحَ مِنْهَا سَبْعَةَ دِلَاءٍ فَقَالَ لَهُ فَثِيَابُنَا قَدْ صَلَّيْنَا فِيهَا نَغْسِلُهَا وَ نُعِيدُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا

وَ الْعَظَايَةُ إِذَا وَقَعَتْ فِي اللَّبَنِ حُرِّمَ اللَّبَنُ وَ يُقَالُ إِنَّ فِيهَا السَّمَّ

____________

أصحاب أسرار الأئمة و خواصهم و العامة تضعفه لهذا كما يظهر من مقدمة صحيح مسلم و تبعهم بعض الخاصة، لأن أحاديثه تدل على جلالة الأئمة (صلوات الله عليهم)، و لما لم يمكنه القدح فيه لجلالته قدح في رواته، و إذا تأملت أحاديثه يظهر لك أن القدح ليس فيهم، بل فيمن قدحه باعتبار عدم معرفة الأئمة (صلوات الله عليهم) كما ينبغي، و الذي ظهر لنا من التتبع التام أن أكثر المجروحين سبب جرحهم علو حالهم كما يظهر من الأخبار التي وردت عنهم (عليهم السلام)، اعرفوا منازل الرجال على قدر رواياتهم عنا (1) و الظاهر أن المراد بقدر الرواية، الأخبار العالية التي لا يصل إليها عقول أكثر الناس و ورد متواترا عنهم (عليهم السلام) إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان (2) و لذا ترى ثقة الإسلام، و علي بن إبراهيم، و محمد بن الحسن الصفار، و سعد بن عبد الله، و أضرابهم ينقلون أخبارهم و يعتمدون عليهم، و ابن الغضائري المجهول حاله و شخصه يجرحهم، و المتأخرون (رحمهم الله تعالى) يعتمدون على قوله، و بسببه يضعف أكثر أخبار الأئمة (صلوات الله عليهم)، و سيجيء في هذا الكتاب أيضا ما يدل عليه و الله تعالى يعلم.

«و السام أبرص من كبار الوزغ، و قوله (عليه السلام) «ليس بشيء حرك الماء بالدلو» يمكن أن يكون المراد أنه ليس ينجس، بل حرك الماء بالدلو لأجل السم أو توهمه و احتماله ليستهلك في الماء لو حصل فيه، أو لرفع الاستقذار و أن يكون المراد بالتحريك النزح مجازا بدلو واحد أو ثلاثة أو سبعة و الأولى السبع مع التفسخ و الثلث مع عدمه.

96

وَ إِنْ وَقَعَتْ شَاةٌ وَ مَا أَشْبَهَهَا فِي بِئْرٍ يُنْزَحُ مِنْهَا تِسْعَةُ دِلَاءٍ إِلَى عَشَرَةِ دِلَاءٍ

33

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ بِئْرٌ فِي وَسَطِ مَزْبَلَةٍ فَكَانَتِ

____________

و العظاية دويبة كسام أبرص، و الغالب أنها تكون في العمران و قد تقدم في خبر عمار، و عن العظاية تقع في اللبن قال يحرم: و قال إن فيها السم (1) و يمكن أن يكون نسخة الصدوق و يقال كما نقله أو يكون سهوا من النساخ، لأن الحكم بالحرمة بمجرد الاحتمال الناشئ من قول بعيد، إلا أن يحمل على الكراهة الشديدة و الاعتماد على القول، و الظاهر أن تأثير سمها في اللبن أشد من غيره كما شاهدناه و في حسنة هارون بن حمزة إلى أن قال غير الوزغ فإنه لا ينتفع بماء تقع فيه (2) ما يؤيده.

و إن وقعت شاة (إلى قوله) عشرة دلاء روى الشيخ في الموثق، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يقول الدجاجة و مثلها تموت في البئر ينزح منها دلوان و ثلاثة، فإذا كانت شاة و ما أشبهها فتسعة أو عشرة (3) و التغيير الذي وقع من الصدوق في الرواية لا وجه له، و يمكن أن نسخته هكذا، أو يكون من خبر آخر، و على نسخة المتن يمكن حمل لفظة (إلى) على أنه من التسعة إلى كمال العشرة و يكون البين أجزاء الدلو نصفه و ثلثه و ثلثاه و إن كان بعيدا، و الظاهر أنه سهو من النساخ، و الظاهر أن المراد بما أشبهها في الجثة فتشمل الكلب و الخنزير، و يمكن حمله بالمشابهة في الجثة و الحلية كالغزال فيخرجان ليوافق الخبر المتقدم في الكلب.

«و قال الصادق (عليه السلام) كانت في المدينة بئر إلخ» لم نطلع على سنده و يدل بظاهره على طهارة البئر بل على عدم كراهة استعمال مائها في الوضوء مع الملاقاة لعبارة المستقبل الدالة بظاهرها على المداومة على ذلك. و يمكن حمله على ما لم يعلم

97

الرِّيحُ تَهُبُّ فَتُلْقِي فِيهَا الْقَذَرَ وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)يَتَوَضَّأُ مِنْهَا

34

وَ سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبَا جَعْفَرٍ ع

- عَنِ الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهَا الْمَيْتَةُ فَقَالَ إِنْ كَانَ لَهَا رِيحٌ نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْواً

35

وَ سَأَلَ كُرْدَوَيْهِ الْهَمْدَانِيُّ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع-

عَنْ بِئْرٍ يَدْخُلُهَا مَاءُ الطَّرِيقِ فِيهِ الْبَوْلُ وَ الْعَذِرَةُ وَ أَبْوَالُ الدَّوَابِّ وَ أَرْوَاثُهَا وَ خُرْءُ الْكِلَابِ فَقَالَ يُنْزَحُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ دَلْواً وَ إِنْ كَانَتْ مُبْخِرَةً

____________

و إن كان الظاهر الوقوع و يغلب الأصل على الظاهر كما في نظائره. و يمكن أن يكون منسوخا و يكون نقله (عليه السلام) حكاية عن الحكم المنسوخ. لما روي أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) طمها باعتبار وقوع النجاسات فيها.

«و سأل محمد بن مسلم إلخ» طريق الصدوق إلى كتابه و إن كان فيه جهالة لكنه لا يضر لما ذكر مرارا أنه من كتابه المعروف. على أنه رواه الشيخ في الصحيح (1) عنه أيضا. و ظاهره أنه إذا لم يكن للميتة أي ميتة كانت ريح لا يجب نزح شيء أصلا لمفهوم الشرط و لتأخير البيان عن وقت الحاجة إن وجب و لم يذكر و ظاهره إجزاء العشرين لكل ميتة. للأم المفيد للاستغراق عرفا و قد تقدم. و يمكن إرجاع الضمير إلى البئر و إن بعد و على التقديرين ظاهره طهارة البئر أو عدم نجاسة الميتة كما تقدم أمثاله.

و يفهم منه أجزاء العشرين لما لم يرد فيه نص من الميتة.

«و سأل كردويه الهمداني إلخ» طريق الصدوق إليه حسن بإبراهيم بن هاشم و رواه الشيخ في الصحيح (2) عن محمد بن أبي عمير، عنه و الظاهر أنه من أصحاب الأصول كما ذكر، و يمكن الحكم بصحته لرواية محمد بن أبي عمير عنه و هو ممن أجمعت العصابة و لهذا عمل الأصحاب به قوله «و إن كانت مبخرة» بضم الميم كما نقل عن الشيخ أي نتنة على أن يكون الضمير راجعا إلى الأشياء المذكورة، و يروى بفتح الميم على أن يكون راجعا إلى البئر أو إلى الأشياء أي متغيرة، و التقييد بالثلثين مع التغير باعتبار أن الغالب

98

وَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ فَأَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُولَ فِيهِ وَ لَكِنْ يُتَخَوَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ الْبَوْلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ يُورِثُ النِّسْيَانَ

بَابُ ارْتِيَادِ الْمَكَانِ لِلْحَدَثِ وَ السُّنَّةِ فِي دُخُولِهِ وَ الْآدَابِ فِيهِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ

36

قَالَ الصَّادِقُ ع

- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَشَدَّ النَّاسِ تَوَقِّياً لِلْبَوْلِ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ

____________

زوال التغير بنزحها كما في الخبر السابق على الاحتمال الأخير، و الإشكال بأن فيها ما يوجب الجميع و الأربعين، و الأربعين أو الخمسين فمع الاجتماع كيف يكفي الثلاثون مدفوع، بجواز أضعاف المطر حكمها، مع أن مبنى البئر على توافق المختلفات و تباين المتفقات كما لا يخفى.

«و لا يجوز أن يبول إلخ» الظاهر أن مراده الكراهة بقرينة التعليل بأنه يورث النسيان و لظاهر الأخبار: لكن في الراكد أشد كراهة، و علل في الجاري بأن للماء أهلا يعني من الملائكة أو من الجن أو منهما، و هو موجب لإيذائهما غالبا فيكون في الراكد أولى كما يظهر من الأخبار و النسيان أيضا من الشيطان.

باب ارتياد المكان الارتياد بمعنى الطلب يعني لا يبول أي موضع وقع بل يطلب مكانا مرتفعا أو لينا لئلا يرجع عليه رشاش بوله كما ورد عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: من فقه الرجل أن يرتاد لموضع بوله و صار على موضع مرتفع فبال (1) «قال الصادق (عليه السلام)» رواه الشيخ في

99

إِذَا أَرَادَ الْبَوْلَ عَمَدَ إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ التُّرَابُ الْكَثِيرُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُنْضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ

37 وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمُتَوَضَّإِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النِّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ اللَّهُمَّ أَمِتْ عَنِّي الْأَذَى وَ أَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَ إِذَا اسْتَوَى جَالِساً لِلْوُضُوءِ قَالَ اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنِّي الْقَذَى وَ الْأَذَى وَ اجْعَلْنِي مِنَ

____________

الحسن كالصحيح عنه (عليه السلام) (1) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أشد الناس توقيا» أي احترازا «للبول» أي عنه كما في النسخة الأخرى أو لأجله قوله «عمد» أي قصد «إلى مكان مرتفع» أي بحيث لا يترشح لا الكثير بحيث يقبح كما سيجيء «قال اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس» الرجس القذر و كل قبيح، و النجس إما تفسيره أو الرجس باعتبار القبائح الباطنة و النجس بالنجاسة الظاهرة لكفره و تجسمه، أو باعتبار القبائح الظاهرة «الخبيث» في نفسه «المخبث» لغيره باعتبار إغرائهم على القبائح، أو المغتاب الذي يوقعهم في الغيبة، و فسر المخبث بمن أعوانه خبثاء «الشيطان» البعيد من الرحمة أو المتكبر «الرجيم» المرجوم بلعنة الله و الملائكة، أو الطريد من السماء أو من الجنة.

«اللهم أمط» أي أبعد «عني الأذى» أي الفضلات التي تؤذي أو الأعم منها و من القبائح باعتبار المناسبة، فإنه إذا كان أمثال هذه القاذورات تؤذي بل تهلك، فإن أكثر الأمراض باحتباسها و بدوامه الهلاك فكيف بالقاذورات المعنوية من الملكات الرديئة المهلكة للنفس من الرياء، و العجب، و الحسد، و الكبر، و البخل، و الحقد، و غيرها و إذا كان المطلوب دفع الفضلات الظاهرة فيكون الباطنة بالطلب أولى، و لهذا استعاذ بالله ثانيا من الشيطان الرجيم لأجلها و يكون إشارة بأنه مع العلم و العبادات الكثيرة صار مطرودا بسبب الكبر و العجب و الحسد، فينبغي للمؤمن أن يستعيذ بالله دائما من أمثالها و يسعى في إزالتها كما يسعى في إزالة الظاهرة «و إذا استوى جالسا للوضوء» يعني التغوط تسمية له باسم مسببه و باعتباره

100

الْمُتَطَهِّرِينَ وَ إِذَا تَزَحَّرَ قَالَ- اللَّهُمَّ كَمَا أَطْعَمْتَنِيهِ طَيِّباً فِي عَافِيَةٍ فَأَخْرِجْهُ مِنِّي خَبِيثاً فِي عَافِيَةٍ

38

وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ

مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ بِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يُلَوِّي عُنُقَهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى حَدَثِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ يَا ابْنَ آدَمَ هَذَا رِزْقُكَ فَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَهُ وَ إِلَى مَا صَارَ فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ- اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الْحَلَالَ وَ جَنِّبْنِي الْحَرَامَ

____________

يسمى المتوضأ، و يحتمل الاستنجاء أيضا لكن الأول أظهر «قال اللهم أذهب عني القذى و الأذى» و الظاهر أن المراد بالقذى النجاسات و بالأذى لازمها أو الصفات المهلكة التي هي النجاسات الحقيقية «و اجعلني من المتطهرين» أي الطاهرين منهما أو من الساعين في التطهر منهما «و إذا تزحر» يعني إذا خرج الغائط أو إذا عسر خروجه كما هو الظاهر «قال اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافية» يعني كما رزقتني من الطيبات و جعلتها غذائي و جعلت خالصها جزء بدني حال كوني في عافية و لم أكن مريضا و هذه كلها من إفضالك و إنعامك بلا استحقاق مني «فأخرجه» مني يعني فضلاتها حال كوني «في عافية» بلا احتباس و لا إسهال و أكون صحيحا. «و كان علي (عليه السلام) يقول» الضمير (1) يرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و هذا دأبه في كل ضمير بإرجاعه إلى من تقدم من المعصومين (عليهم السلام)، و على النسخة الأخرى فظاهر.

قوله «يلوي عنقه» يقال ألوى برأسه و لواه إذا ماله من جانب إلى جانب- قوله «فانظر من أين أخذته و إلى ما صار» يعني كنت تتعب في طلبه أو لم تلاحظ الحرام من الحلال و صار عليه عاقبته هكذا، فلا يليق بمن كان أبوه مسجود الملائك و هو

101

وَ لَمْ يُرَ لِلنَّبِيِّ(ص)قَطُّ نَجْوٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَكَّلَ الْأَرْضَ بِابْتِلَاعِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ

39 وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَذْهَبِ ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ يَسَارِهِ إِلَى مَلَكَيْهِ فَيَقُولُ أَمِيطَا عَنِّي فَلَكُمَا اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا أُحَدِّثَ بِلِسَانِي شَيْئاً حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا

____________

مخدومهم أبدا أن يكون همه البطن و ما يخرج منه «فعند ذلك» العطف و النظر و معاتبة الملك «ينبغي للعبد أن» يتوسل إلى الله تعالى و «يقول اللهم ارزقني الحلال و جنبني الحرام» فإن التوفيق منك و الخيرات بيدك فسهل لي مسلكها و أعذني مما يباعدني عنك من المحرمات كلها، و فيه أيضا من التنبيه ما لا يخفى.

«و لم ير للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نجو قط» النجو ما يخرج من الإنسان من البول و الغائط، و الاستنجاء إزالته و كذا حال باقي الأئمة (صلوات الله عليهم) كما سيجيء في آخر الكتاب «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد الحاجة» أي الدخول إلى بيت الخلاء للحدث وقف على باب المذهب أي بيت الخلاء فإن أحدا لا يخلو من الذهاب إليه في كل يوم مرارا «ثمَّ التفت عن يمينه و عن يساره إلى ملكيه» الكاتبين للأعمال الحسنة و السيئة و إن كان كاتباه لم يكتبا في عمره إلا الحسنات «فيقول» للحياء منهما «أميطا عني» أي أبعد أو لا تجيئا معي «فلكما الله على» أي أقول الله علي لأجلكما، أو لأجلكما يكون الله علي شاهدا، و هذا أيضا حلف عظيم «أن لا أحدث بلساني شيئا» و في التهذيب في الموثق أن لا أحدث حدثا (1) و هو الأظهر و على النسخة يكون التقييد باللسان لأنه لا يفعل فعل فيه غالبا بغير اللسان، أو لأنه مشتغل بالأدعية و لا يكون له فعل سواها فكأنه قال إني لا أفعل شيئا سوى الأدعية التي هي لي لا على، و تبرعت بكتابتها عنكم فإنه الحفيظ الرقيب على، و ظاهره الاختصاص بمن يكون معصوما لا يمكن وقوع شيء منه، و يحتمل شموله لغيره (عليه السلام) لعموم التأسي إلا فيما تحقق الاختصاص و ليس.

102

40 وَ كَانَ(ع)إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ- الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَافِظِ الْمُؤَدِّي- فَإِذَا خَرَجَ مَسَحَ بَطْنَهُ وَ قَالَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ عَنِّي أَذَاهُ وَ أَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ لَا يَقْدِرُ الْقَادِرُونَ قَدْرَهَا

41 وَ كَانَ الصَّادِقُ(ع)إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يُقَنِّعُ رَأْسَهُ وَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ- بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ

____________

و كان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء ممدودا يقول الحمد لله الحافظ المؤدي «لما كان المقام مقام ذكر أمثال هذه النعم و الشكر عليها حمد الله تعالى أولا بصفاته الذاتية بل بجميع صفات الكمال، ثمَّ خص من بينها النعمتين العظيمتين، و هما القوي الماسكة بل الغاذية أيضا لأنها تلزمها، و القوة الدافعة اللتان بهما الصحة بل الحياة أيضا على القول بهما، كأنه يقول الحمد لله الذي يحفظنا بالماسكة و يدفع عنا المضار بالدافعة، و لو لم نقل بالواسطة كما هو الظاهر فظاهر (1) و يمكن أن يكون الأول إشارة إلى القوتين و يكون المؤدى كناية عن أسباب التوفيق لعبادة الله تعالى، فكأنه يقول إن هذه مقدمة و تهيئة للحضور بين يديك، فسهل لنا هذا العمل بأن يكون خالصة لك و سائر الأعمال، فإنه لا يحصل الصالحات و لا تؤدى إلا بتأييدك، أيدنا الله و سائر المؤمنين لما يحب و يرضى بجاه محمد و آله الطاهرين.

فإذا خرج مسح بطنه من تتمة الخبر» و قال الحمد لله الذي أخرج عني أذاه الظاهر أن الضمير راجع إلى الطعام المفهوم بقرينة المقام و كذا قوله و أبقى في جسدي قوته و يمكن إرجاعها إلى الله تعالى لأن الكل يرجع إليه تعالى» فيا لها من نعمة اللام للتعجب و الهاء مبهم يفسره من نعمة و يحتمل إرجاعه إلى النعم المذكورات أو بقرينة المقام» لا يقدر القادرون قدرها أي لا يطيق المقدرون تقديرها، أو لا يعظمون حق تعظيمها بمعرفتها و الشكر عليها. و كان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء أي أراد الدخول يقنع رأسه يعني