روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه - ج1

- العلامة المجلسي الأول المزيد...
494 /
303

بِالْمَدِينَةِ- فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَ هُوَ قَيِّمُ الْحَمَّامِ فَقُلْتُ لَهُ يَا شَيْخُ لِمَنْ هَذَا- الْحَمَّامُ فَقَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ع- فَقُلْتُ أَ كَانَ يَدْخُلُهُ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ قَالَ كَانَ يَدْخُلُ فَيَبْدَأُ فَيَطْلِي عَانَتَهُ وَ مَا يَلِيهَا ثُمَّ يَلُفُّ إِزَارَهُ عَلَى أَطْرَافِ إِحْلِيلِهِ وَ يَدْعُونِي فَأَطْلِي سَائِرَ جَسَدِهِ فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ الَّذِي تَكْرَهُ أَنْ أَرَاهُ قَدْ رَأَيْتُهُ قَالَ كَلَّا إِنَّ النُّورَةَ سُتْرَةٌ

251

وَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَعْرُوفُ بِسَعْدَانَ

كُنْتُ فِي الْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ الْأَوْسَطِ فَدَخَلَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع- وَ عَلَيْهِ إِزَارٌ فَوْقَ النُّورَةِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَدْتُ (عليه السلام) وَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْحَوْضُ فَاغْتَسَلْتُ وَ خَرَجْتُ

وَ فِي هَذَا إِطْلَاقٌ فِي التَّسْلِيمِ فِي الْحَمَّامِ لِمَنْ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ وَ النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنِ التَّسْلِيمِ فِيهِ هُوَ لِمَنْ لَا مِئْزَرَ عَلَيْهِ

252

وَ رَوَى حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ

دَخَلْتُ أَنَا وَ أَبِي وَ جَدِّي وَ عَمِّي

____________

احتمال الرافعي بأن يكون من نسل عبيد الله بن أبي رافع و لم يذكر حاله في الرجال و يظهر من الصدوق أنه كان له كتاب معتمد و طريقه إليه حسن، لكن النقل من الحمامي و هو مجهول الحال و هذا الخبر كالسابق في الدلالة و التأويل إلا أن فيه ما يدل ظاهرا على أن العانة عورة كما قيل و دلالته على العورة أظهر.

و قال عبد الرحمن بن مسلم المعروف بسعدان إلخ «طريق الصدوق إليه صحيح و هو من أصحاب الأصول، و روى أصله أجلاء الأصحاب كالعباس بن معروف و أحمد ابن إسحاق بن سعد، و صفوان بن يحيى، و عبد الله بن الصلت، و محمد بن عذافر مع حكم الصدوق أولا، و الحاصل أن مثل هذا الخبر عندنا معتبر و يدل على استحباب الستر فوق النورة أو وجوبه.

و روى حنان بن سدير، عن أبيه طريق الصدوق إليه صحيح و لكن نقل وقفه و له كتاب معتمد و أبوه سدير روى خبرين أحدهما صحيح و الآخر حسن يدل على جلالة قدره و علو منزلته و يظهر من الأخبار أيضا جلالته قال دخلت أنا و أبي (إلى قوله)

304

حَمَّاماً فِي الْمَدِينَةِ- فَإِذَا رَجُلٌ فِي بَيْتِ الْمَسْلَخِ فَقَالَ لَنَا مِمَّنِ الْقَوْمُ فَقُلْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ- فَقَالَ وَ أَيُّ الْعِرَاقِ فَقُلْنَا الْكُوفِيُّونَ فَقَالَ مَرْحَباً بِكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ أَهْلًا أَنْتُمُ الشِّعَارُ دُونَ الدِّثَارِ ثُمَّ قَالَ وَ مَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْإِزَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ قَالَ فَبَعَثَ عَمِّي إِلَى كِرْبَاسَةٍ فَشَقَّهَا بِأَرْبَعَةٍ ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَاحِداً ثُمَّ

____________

و أي العراق السؤال باعتبار أن العراق يطلق على البصرة و الكوفة و باعتباره تسميان بالعراقين و ربما يطلق على عراق العرب و العجم» فقلنا الكوفيون فقال مرحبا بكم بمعنى شرفتم و آنستم» يا أهل الكوفة و أهلا و أنتم الشعار دون الدثار «الشعار الثوب الذي يلصق بالشعر كالقميص و الدثار بالكسر ما فوق الشعار من الثياب يعني (عليه السلام) أنكم من المخصوصين بنا لا المخالطين معنا كسائر الناس فإن أكثر أصحاب الأئمة (صلوات الله عليهم) كانوا من أهل الكوفة في ذلك الزمان و إن وقع منهم أولا بعض التقصير لكنهم (لما) رجعوا و جاهدوا و قاتلوا و قتلوا و طلبوا بثار الحسين و أبنائهم صاروا من المخصوصين بهم كما يظهر من التتبع، و لهذا يقال كلما يقع في كتب الرجال أنه كوفي أو قمي معناه أنه شيعي، و ملاطفاته (صلوات الله عليه) معهم كان تعليما لحسن المعاشرة و مقدمة لنهيهم عن المنكر الذي أرادوا أن يفعلوه من التعري في الحمام و إبداء العورة و أمرهم بالمعروف الذي هو ستر الباقي لأن بالإزار يحصلان معا غالبا، و لما كان النهي أهم ذكره (عليه السلام) بما يشمله و غيره.

ثمَّ قال و ما يمنعكم من الإزار؟ فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال عورة المؤمن على المؤمن حرام «و الظاهر أن المراد بالمؤمن هنا المسلم و تعبيره بالمؤمن كناية عن أنه من كان مؤمنا فيسترها و من كان مؤمنا فلا ينظر إليها أو لأنهم المنتفعون به أو لأن الحرمة في شأنهم أشد» فبعث عمي إلى كرباسة بالكسر معرب كرباسة بالفتح» فشقها بأربعة ثمَّ أخذ كل واحد منا واحدا ثمَّ دخلنا فيها «أي في بيوته الداخلة» فلما كنا في البيت الحار صمد «أي قصد» لجدي فقال يا كهل ما يمنعك

305

دَخَلْنَا فِيهَا فَلَمَّا كُنَّا فِي الْبَيْتِ الْحَارِّ صَمَدَ لِجَدِّي

[في الخضاب و التنوير]

فَقَالَ يَا كَهْلُ مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْخِضَابِ فَقَالَ لَهُ جَدِّي أَدْرَكْتُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ مِنْكَ لَا يَخْتَضِبُ فَقَالَ وَ مَنْ ذَاكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَقَالَ أَدْرَكْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ لَا يَخْتَضِبُ فَنَكَسَ رَأْسَهُ وَ تَصَابَّ عَرَقاً وَ قَالَ صَدَقْتَ وَ بَرِرْتَ ثُمَّ قَالَ يَا كَهْلُ إِنْ تَخْتَضِبْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ خَضَبَ وَ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ ع- وَ إِنْ تَتْرُكْ فَلَكَ بِعَلِيٍّ(ع)أُسْوَةٌ

____________

من الخضاب «يدل على استحباب الخضاب أو تأكده لكله و هو من حصل له شعر أبيض أو كثر شيبه أو استوى سواده و بياضه أو من جاوز الثلاثين أو أربعا و ثلاثين إلى إحدى و خمسين ذكره الفيروزآبادي» فقال له جدي (إلى قوله) و لا يختضب «كان الراوي تأسى به (عليه السلام) و لم يعلم أن له (صلوات الله عليه) عذرا في تركه و هو أخبار النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بخضابه من دمه كما رواه الكليني في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال خضب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم يمنع عليا (عليه السلام) إلا قول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يخضب هذه من هذه و قد خضب الحسين و أبو جعفر (عليهم السلام) (1) و في الحسن عن حفص الأعور قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن خضاب اللحية و الرأس أ من السنة؟ فقال نعم قلت إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يختضب فقال إنما منعه قول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن هذه ستخضب من هذه يعني اللحية من دم الرأس (2) فنكس رأسه و تصاب عرقا «إما حياء و إما للوجه الذي ذكره في الخبر و شهادته (صلوات الله عليه)، و يمكن أن يكون نكس الرأس بسبب التفكر في حال أمير المؤمنين (عليه السلام) و صب العرق كان من الحمام فتوهم الراوي أنه من الخجلة و الحياء أو لما كان (عليه السلام) إماما كان يجب عليه إظهار فضله على العالمين فلما ذكر عليا (عليه السلام) حصل له الحياء من فضله و كمالاته و كونه أفضل العالمين بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فصدقه» و قال صدقت و بررت «أي قلت صدقا و برا ثمَّ قال يا كهل إن تخضب فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد خضب و هو

306

قَالَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْحَمَّامِ سَأَلْنَا عَنِ الرَّجُلِ فِي الْمَسْلَخِ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ مَعَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ع

وَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إِطْلَاقٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدْخِلَ وَلَدَهُ مَعَهُ الْحَمَّامَ دُونَ مَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ مَعْصُومٌ فِي صِغَرِهِ وَ كِبَرِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةٍ فِي الْحَمَّامِ وَ لَا غَيْرِهِ

____________

خير من علي (عليه السلام) و إن تترك فلك بعلي أسوة» و يفهم جواز التأسي بل رجحانه مطلقا و عدم ذكره (صلوات الله عليه) عذر أمير المؤمنين (سلام الله عليه) يمكن أن يكون لعدم معرفة السائل بعد حتى يصدقه في كل شيء يقوله.

«قال فلما خرجنا من الحمام سألنا عن الرجل في المسلخ فإذا هو علي بن الحسين و معه ابنه محمد بن علي (عليهما السلام)» (1) و يظهر من الأخبار أن كراهة إدخال الابن مع الأب كان باعتبار التعري و لهذا لم ينكر (عليه السلام) دخول سدير مع أبيه و دخول أبيه مع جده لما لبسوا الإزار، و يمكن أن يكون هذا أيضا وجها من وجوه الإزار الذي أمره (عليه السلام) به و لما كان الأهم الحرمة و به يرتفع الكراهة أيضا لم يذكره، و الظاهر أن الصدوق فهم الحرمة و لهذا استثنى المعصوم، و الظاهر أن النهي للكراهة لو كانا عاريين أيضا لأنهم كانوا يسترون العورة بأيديهم فباحتمال النظر كان مكروها، و لهذا لم ينكر دخول الحمام مطلقا مع أن أكثرهم كانوا عراة و يكون الكراهة بالنسبة إلى الولد أشد، و يحتمل أن يكون الصدوق أيضا فهم الكراهة و يريد نفي الكراهة عن المعصوم لأنه معصوم عن النظر خطاء بخلاف غيره و غفل عن دخول سدير و أبيه و جده و تقريره (عليه السلام) إياهم إلا أن يقول إنه (عليه السلام) لا يعلم الغيب و لم يعلم أنه كان أباه و جده و هو يتم على قاعدته كما سيجيء في سهو النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).

307

253

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

الْفَخِذُ لَيْسَ مِنَ الْعَوْرَةِ

254

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع-

النُّورَةُ طَهُورٌ

255

وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع-

أَلْقُوا الشَّعْرَ عَنْكُمْ فَإِنَّهُ يُحَسِّنُ

256

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَوَّرَ فَلْيَأْخُذْ مِنَ النُّورَةِ وَ يَجْعَلُهُ عَلَى طَرَفِ أَنْفِهِ وَ يَقُولُ- اللَّهُمَّ ارْحَمْ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع- كَمَا أَمَرَنَا بِالنُّورَةِ- فَإِنَّهُ لَا تُحْرِقُهُ النُّورَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

«و قال الصادق (عليه السلام) الفخذ ليس من العورة» رواه الشيخ في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) و يؤيده أخبار أخر.

«و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) النورة طهور» و الأخبار الواردة بهذا اللفظ كثيرة و بعضها صحيح و يدل على أن الطهور بمعنى المطهر أو ما يتطهر به يعني يظهر البدن من الشعر و الوسخ أو من الذنوب و القبائح أو يحصل بها الطهارة المعنوية للعبادات.

«و قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ألقوا الشعر عنكم فإنه يحسن» رواه الشيخ في الصحيح عن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) و الظاهر شموله إلا ما خرج بالدليل من اللحية و الحاجب و الأجفان و الظاهر منه تحسين الظاهر و يمكن الباطن و الأعم و قرأ نحس بالنون و الحاء و نجس بالنون (3) و الجيم.

«و قال الصادق (عليه السلام) من أراد أن يتنور فليأخذ من النورة» و في الكافي و يشمها «و يجعله على طرف أنفه» (4) لإزالة شعره أو تعبدا و يقول «اللهم ارحم سليمان بن داود (عليه السلام) كما أمرنا بالنورة» لأن ابتداء هذه النعمة منه بإلهام الله تعالى لأجل بلقيس لما رأى ساقها كثيرة الشعر فألهم بإزالته بالنورة و كان قبله يحلقونه فإنه لا تحرقه النورة

308

257

وَ رُوِيَ

أَنَّ مَنْ جَلَسَ وَ هُوَ مُتَنَوِّرٌ خِيفَ عَلَيْهِ الْفَتْقُ

258

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع-

أُحِبُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَطَّلِيَ فِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً

259

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

السُّنَّةُ فِي النُّورَةِ فِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فَإِنْ أَتَتْ عَلَيْكَ عِشْرُونَ يَوْماً وَ لَيْسَ عِنْدَكَ فَاسْتَقْرِضْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

260

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ

فَلَا يَتْرُكْ عَانَتَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَدَعَ ذَلِكَ مِنْهَا فَوْقَ عِشْرِينَ يَوْماً

____________

إذا قالها «إن شاء الله عز و جل» يمكن أن يكون تبركا أو تعليقا و الأول أظهر.

«و قد روي من جلس و هو متنور خيف عليه الفتق» و أكثر هذه الأخبار مروية في الكافي مسندا عن الأئمة (صلوات الله عليهم) (1) و الظاهر أنه أخذه منه للسهولة كما ذكرناه من قبل و يدل على كراهة الجلوس بعد النورة و الفتق بالتحريك انفتاح في العانة نعوذ بالله منه.

«و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أحب للمؤمن أن يطلي» من باب الأفعال بتقدير المفعول و هو جسده أو من باب الافتعال «في كل خمسة عشرة يوما» و هذا نهاية وقت الاستحباب و إلا فالظاهر من الأخبار استحبابه بعد يومين أو يوم أيضا و يظهر منها كراهة التأخير عن العشرين و استحباب القرض لها بأنه على الله تعالى أدائها «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يترك عانته فوق أربعين يوما إلخ» ظاهر الخبر حرمة التأخير عنهما للرجل و المرأة و حمل على الكراهة المغلظة و الأحوط عدم تأخيرهما عنهما.

و يستحب أن يدعو عند النورة بدعاء علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) فإنه مشتمل على الأسرار الغريبة و الحقائق العجيبة و لا بأس بأن نذكره مع الترجمة و الإشارة لأن شرحه لا يفي الكتب المطولة به.

روى الكليني بإسناده عنه (عليه السلام) أنه قال من قال إذا أطلى بالنورة (اللهم طيب ما طهر مني و طهر ما طاب مني) المراد بما طهر يمكن أن يكون الأعضاء الظاهرة

309

..........

____________

من المعاصي بأن يطيبها بالعبادات و الطاعات و أن يطهر الأعضاء الطيبة من اللسان و العين و الاذن و غيرها من المخالفات أو يطيب الأعضاء الظاهرة بالعبادات و يطهر الباطنة من القلب و العقل و الروح و السر و أخفى من ملاحظة غير الله بأن يكون التطيب أيضا متعلقا بالباطن بأن يطيبه بالإخلاص و المحبة و المعرفة (أو) يعم بأن يطيب ظاهره و باطنه بالعبادات و الأسرار اللاهوتية و الجبروتية و الملكوتية و يطهرهما من المخالفات و التوجهات إلى غير جنابة الأقدس الأعلى و بمناسبة تطهير الأعضاء من الأوساخ يطلب التطهير الأعظم كأنه يشير إلى أن ما بيدي من التطهير أمثال هذه التطهيرات بتأييدك و الباقي الذي هو الأعم من التطيب و التطهير المعنويين لا يحصل لي إلا بفضلك و عونك و فيضك و إشارة إلى أن كلما خلقته من الأعضاء الظاهرة و الباطنة خلقتها كلها طاهرة طيبة و ما حصل لها من الأرجاس فهو بتشأم أعمالي و أخلاقي.

و فيه أسرار عجيبة و احتمالات غريبة لم نذكرها إلا ما أشرنا إلى بعضها و يمكن فهمهما بعد التأمل و الباقي من الدعاء يشير إليها كلها (و أبدلني شعرا) بفتح الشين طاهرا (لا يعصيك) يعني أني أزلت الشعر الذي وقع معه المعاصي فأبدله شعرا لا يحصل مني معه معصية و لا مخالفة و إشعار بإزالة المخالفات لأن الشعر الذي كان مصحوبا بالمخالفة صار لازم المخالفة فكيف بصاحبه الذي نجسه (اللهم إني تطهرت ابتغاء سنة المرسلين) يعني أني أريد أن أتطهر بالنورة لمحض متابعة الأنبياء خصوصا سيدهم و أفضلهم فكأنه ينبه كما وقع في الصلاة بوجهت وجهي و في الحج بأحرم لك و في الوضوء ببسم الله و في الغسل بها و بالأدعية و إشارة إلى ما ذكرته من قبل أن ما هو من فعلي ففعلته فافعل ما هو منك (و ابتغاء رضوانك و مغفرتك) تتميم للنية أي ليس غرضي من النورة الطهارة و النظافة الظاهرية لرضى النفس الأمارة بل غرضي متابعة الأنبياء و رضاك تعالى عني و طلبا لمغفرتك ذنوبي لرضاك فإنه تعالى يريد من العبد ما يكون سببا لرضاه و المغفرة حتى لا يكون منافيا للإخلاص و إن كان ظاهره أن إرادة الخلاص

310

..........

____________

من العقاب لا ينافي الإخلاص لكن يختلف بالنسبة إلى الناس فدأب المخلصين بل الواجب عليهم أن لا يشوبوا نياتهم بملاحظة الثواب و الخلاص من العقاب و بالنظر إلى العوام لو خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فعسى الله تعالى أن يعفو عنهم و يقبل منهم (فحرم شعري و بشري على النار) و إن وقع مني موجباتها «و طهر خلقي و طيب خلقي» فيه الاحتمالات المذكورة أولا و زك عملي حتى يكون أعمالي كلها خالصة لك و إن كان فيها شوب لا أعلمه فزكها عنه بفضلك (و اجعلني ممن يلقاك على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم خليلك و دين محمد حبيبك و رسولك) بعد ما طلب من الله تعالى المقربات طلب حسن الخاتمة بأن تكون مع الاعتقادات الحسنة و هي الملة الحنيفية المائلة عن غيره إليه تعالى الخالصة عن التوجه إلى غير جنابة الأقدس بل عن رؤية غير ذاته المتعالية، و الأول هو مقام إبراهيم فلهذا سمي بالخليل، و الثاني مقام سيد الأنبياء، و لهذا سمي بالحبيب، فإن مقام إبراهيم لما كان عدم الاستعانة بغيره تعالى لم يلتفت إلى جبرئيل حين ألقي في النار و المحبة تقتضي فناء المحب في المحبوب و لهذا قال تعالى مٰا زٰاغَ الْبَصَرُ وَ مٰا طَغىٰ (1) و كان نظره إلى المحبوب تعالى شأنه و فيه أسرار عجيبة لا يسع المقام ذكرها و أشار بقوله و رسولك إلى أن مرتبة الرسالة حقه و باقي الأنبياء أمته صلى الله عليهم أجمعين كما قال تعالى لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ (2) حين أخذ الميثاق منهم و قال (صلى الله عليه و آله و سلم) كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) نحن الآخرون السابقون و غير ذلك مما لا يسع الرسالة ذكرها (عاملا بشرائعك تابعا لسنة نبيك (صلى الله عليه و آله) آخذا به متأدبا بأحسن تأديبك و تأديب رسولك (صلى الله عليه و آله) و تأديب أوليائك الذين غذوتهم بأدبك و زرعت الحكمة في صدورهم و جعلتهم معادن لعلمك صلواتك عليهم

311

..........

____________

و لما طلب منه تعالى حسن الخاتمة بالاعتقادات الحسنة الكاملة طلب منه تعالى أن يكون عاملا بشرائع الله تعالى من الواجبات التي شرعها لقرب الفرائض و يكون تابعا لسنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) لقرب النوافل و هما أقصى كمالات العبد.

فإنه روى الكليني في الصحيح عن أبي جعفر باقر علوم الأولين و الآخرين صلوات الله و سلامه عليه أنه قال لما أسري بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال يا رب ما حال المؤمن عندك قال يا محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و أنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي و ما ترددت في (عن- خ) شيء أنا فاعله كترددي (عن خ) في وفاة عبدي المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و إن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغني لو صرفته إلى غير ذلك لهلك و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو صرفته إلى غير ذلك لهلك و ما يتقرب إلى عبد من عبادي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه و أنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده الذي يبطش بها إن دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته (1) و هذا الخبر رواه العامة و الخاصة بطرق كثيرة صحيحة و يمكن القول بتواتره و حقائقه و أسراره غير متناه لا يمكن بيانها في كتب كثيرة و نحن ذكرناه لشرح الدعاء مع أنه محتاج إلى الشرح: لكن الظاهر أن المراد من الدعاء هذه المرتبة الكاملة لقوله آخذا به متأدبا بأحسن تأديبك و هذه أحسنها و تأديب رسولك (صلى الله عليه و آله) و تأديب أوليائك.

و الظاهر أن الإضافات الثلاث (2) إضافة إلى الفاعل ببيان الشرائع و الأحكام و الأخلاق و الكمالات و القرب فإنها تأديب منهم لنا و يمكن أن يكون الأخيرتان إضافة إلى المفعول كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) (أدبني ربي فأحسن أدبي) يعني أدبني كما أدبتهم (صلوات الله عليهم) و المراد بالأولياء الذين قال الله في كتابه إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ

312

..........

____________

آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1) و المراد بالذين آمنوا هم الأئمة المعصومون بالأخبار المتواترة من الخاصة و باتفاق المفسرين من العامة و رواياتهم المتكثرة هو علي (عليه السلام) و في كثير من رواياتهم أنهم الأئمة منقولا بأسمائهم (2) (الذين غذوتهم بأدبك) أي بتأديبك أو بأخلاقك الكاملة كما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) تخلقوا بأخلاق الله (3) و هم المتخلقون بأخلاقه باتفاق العامة و الخاصة (و زرعت الحكمة في صدورهم و جعلتهم معادن لعلمك صلواتك عليهم) فإنهم أبواب العلم و الحكمة كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) (أنا مدينة العلم و على بابها) (4) و قال (صلى الله عليه و آله و سلم) (أنا مدينة الحكمة) (أو) دار الحكمة (أو) بيت الحكمة و على بابها على اختلاف الروايات عنهم و روي متواترا عن العامة و الخاصة أنه قال (صلى الله عليه و آله و سلم) علمني ألف باب يفتح من كل باب ألف باب في مجلس واحد و كذا كان في كل مجلس.

و كلما وصل إليه من الحكمة و العلم و الكمالات و الأمانات وصل إلى المعصومين من أولاده واحد بعد واحد حتى انتهى إلى خليفة الله في أرضه و حجته على عباده المهدي الهادي صاحب العصر و الزمان صلوات عليهم أجمعين و روى طرفا منها الكليني و سعد بن عبد الله، و البرقي في (5) الكافي، و بصائر الدرجات، و المحاسن، و الصدوق في كتبه سيما في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة و في عيون أخبار الرضا و غيرهما، و غيرهم من علمائنا و أصحابنا المتقدمين و المتأخرين فلينظر هناك (من قال ذلك) الدعاء عند النورة في أولها أو وسطها أو آخرها و الأولى تكراره (طهره الله تعالى من الأدناس في الدنيا و من الذنوب و أبدله شعرا لا يعصى) أي لا يعصى معه (و خلق الله

313

261

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

احْلِقُوا شَعْرَ الْبَطْنِ لِلذَّكَرِ وَ الْأُنْثَى

262 وَ كَانَ الصَّادِقُ(ع)يَطْلِي إِبْطَيْهِ فِي الْحَمَّامِ وَ يَقُولُ نَتْفُ الْإِبْطِ يُضْعِفُ الْمَنْكِبَيْنِ وَ يُوهِي وَ يُضْعِفُ الْبَصَرَ

263

وَ قَالَ ع

- حَلْقُهُ أَفْضَلُ مِنْ نَتْفِهِ وَ طَلْيُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَلْقِهِ

264

وَ قَالَ عَلِيٌّ ع

نَتْفُ الْإِبْطِ يَنْفِي الرَّائِحَةَ الْمَكْرُوهَةَ وَ هُوَ طَهُورٌ وَ سُنَّةٌ مِمَّا أَمَرَ بِهِ الطَّيِّبُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ

265

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

لَا يُطَوِّلَنَّ أَحَدُكُمْ شَعْرَ إِبْطَيْهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَّخِذُهُ مِجَنّاً يَسْتَتِرُ بِهِ

وَ الْجُنُبُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَّلِيَ فَإِنَّ النُّورَةَ تَزِيدُهُ نَظَافَةً

266

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع- قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع

يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَقَّى النُّورَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ- فَإِنَّهُ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ وَ يَجُوزُ النُّورَةُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ

267

وَ رُوِيَ

أَنَّهَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ تُورِثُ الْبَرَصَ

268

وَ رَوَى الرَّيَّانُ بْنُ الصَّلْتِ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ-

مَنْ تَنَوَّرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَصَابَهُ الْبَرَصُ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ

____________

بكل شعرة من جسده ملكا يسبح له إلى أن تقوم الساعة و إن تسبيحة من تسبيحهم تعدل ألف تسبيحة من تسبيح أهل الأرض) (1) «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) احلقوا شعر الإبط للذكر و الأنثى» أي قاله لهما و لا يختص بالذكور «و كان الصادق (عليه السلام) يطلي إبطيه» من باب الأفعال «في الحمام (إلى قوله) و يضعف البصر» إزالة الشعر عن الإبط مستحبة بأي وجه كان و لو كان بالنتف لكن بالنورة أحسن من الحلق و بالحلق أحسن من النتف كما في الخبر بل الأخبار الكثيرة «و قال علي (عليه السلام) نتف الإبط إلخ» الظاهر أن المراد به الإزالة و لو كان بالنتف و هو طهور من الأوساخ أو الذنوب أو الأحداث المعنوية و يصير سببا لكمال الصلاة مع أنه سنة نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) يعني كونه سنة علة أخرى للفعل مع أنه أمر به الطيب و هو رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و تسميته (عليه السلام) بهذا الاسم إشارة إلى أنه طيب و طاهر يحب الطيب و الطاهر فتطيبوا حتى تكونوا محبوبه.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (إلى قوله) مخبأ» أو مجنا بمعناه أي يسكن فيه لأنه يسكن في المواضع الوسخة كما سيجيء كثيرا «و الجنب (إلى قوله) نظافة» أي مع الغسل: لكن ينبغي أن يلاحظ أن لا تبقى النورة في الأظفار بدلكها حتى تزول و يغتسل بعده كما ذكر.

314

وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَدَلَّكَ الرَّجُلُ فِي الْحَمَّامِ بِالسَّوِيقِ وَ الدَّقِيقِ وَ النُّخَالَةِ وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَدَلَّكَ بِالدَّقِيقِ الْمَلْتُوتِ بِالزَّيْتِ وَ لَيْسَ فِيمَا يَنْفَعُ الْبَدَنَ إِسْرَافٌ إِنَّمَا الْإِسْرَافُ فِيمَا أَتْلَفَ الْمَالَ وَ أَضَرَّ بِالْبَدَنِ

____________

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» يدل على كراهة النورة في يوم الأربعاء و التعليل بأنه يوم نحس مستمر يعني نحوسته أبدية إلى انقضاء الدنيا و يفهم منه الاجتناب من الأربعاء، و الأخبار فيه مختلفة، ففي بعضها الاجتناب منه مطلقا، و في بعضها عدمه مطلقا و في بعضها الاجتناب من الأربعاء الآخرة من الشهر و في بعضها أنها من باب الطيرة و لا أصل لها و لكن من تأثر نفسه منها فلا بأس بأن يجتنب منها و قد تقدم و سيجيء إن شاء الله و يمكن أن يكون للتقية «و روي أنها في يوم الجمعة تورث البرص» و روي جواز النورة في يوم الجمعة بل استحبابه و يفهم من بعض الأخبار أن النهي للتقية و الأولى الاجتناب في اليومين.

«و لا بأس أن يتدلك بالسويق و الدقيق و النخالة إلخ» روى مضمونه الشيخ بإسناد فيه ضعف و إرسال عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) و توهم البأس باعتبار الإسراف فإن تضييع المال إسراف فروي (أنه لا بأس به و ليس بإسراف لأنه ينفع البدن) و يظهر منه أن نفع السويق (و هو الدقيق المطبوخ) و الدقيق أكثر من النخالة و إلا فيشكل إذا كان نفعهما مثل نفع النخالة و الأولى فيما لم يعلم كثرة النفع الترك و الاكتفاء بالنخالة و الأولى لت النخالة بالزيت إلا أن يكون نفع الدقيق أكثر جزما.

«و ليس فيما ينفع (إلى قوله) بالبدن» الحصر باعتبار الفرد الحرام أو الأكمل في الإسراف

315

269

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

مَنِ اطَّلَى وَ اخْتَضَبَ بِالْحِنَّاءِ آمَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ الْآكِلَةِ إِلَى طَلْيَةٍ مِثْلِهَا

____________

و إلا فالظاهر تحقق الإسراف فيما لا ينفع و لا يضر أيضا و لكنه إسراف مكروه كما يظهر من الأخبار من الحكم بالإسراف في طرح نوى التمر و صب بقية ماء الكوز و لو كان عند الفرات و الدجلة فإن الظاهر أن أمثال هذه ليس بحرام و لهذا قال الله تعالى (كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (1) أعم من كونه حراما أو مكروها لأن الظاهر أن اللقمة و اللقمتين زيادة على المتعارف إسراف مكروه و الزيادة التي تضرر ضررا بينا فهو حرام. و جمع الله بينهما بقوله (لا يحب) فإنهما غير محبوبين لله تعالى و صرف المال في الحرام إسراف حرام و يسمى بالتبذير و لهذا قال تعالى وَ لٰا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (2) و صرف المال في وجوه الخير ليس بإسراف و إن بالغ فيه على المشهور- و الصرف في الأغذية النفيسة و الثياب للزينة ليس بإسراف إذا كانا لا يقين بحاله- بأن اعتادهما مع التمول و في غيرها من الصور- فالاحتياط طريقة المتقين حتى في ابتذال ثوب الزينة و الأولى التغيير في الليالي بل في الأيام أيضا- بأن يكون ثوب الدار غير ثوب خارجها و كذا الدار و الفرس و الخادم بل يحتاط في المأكل و المشرب بأن يحتاط في ترك الزيادة لظاهر النهي و الاحتياط بأن لا يأكل حتى يحصل الشهوة الصادقة أو يعلم هضم الغذاء السابق و يمتنع منهما مع بقاء الشهوة مع أنه سبب للصحة دائما و أكثر الأمراض من كثرة الأكل و الشرب.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من أطلى (إلى قوله) الجذام» بضم الجيم علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء و هيئاتها، و ربما انتهى إلى تأكل الأعضاء و سقوطها عن تفرج- ذكره الفيروزآبادي «و البرص و الأكلة» كفرحة داء

316

270

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

الْحِنَّاءُ عَلَى أَثَرِ النُّورَةِ أَمَانٌ مِنَ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ

271

وَ رُوِيَ

أَنَّ مَنِ اطَّلَى وَ تَدَلَّكَ بِالْحِنَّاءِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ نَفَى اللَّهُ عَنْهُ الْفَقْرَ

272

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

اخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَ يُطَيِّبُ الرِّيحَ وَ يُسَكِّنُ الزَّوْجَةَ

273

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

الْحِنَّاءُ يَذْهَبُ بِالسَّهَكِ وَ يَزِيدُ فِي مَاءِ الْوَجْهِ وَ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَ يُحَسِّنُ الْوَلَدَ

وَ لَا بَأْسَ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ الْخَلُوقَ فِي الْحَمَّامِ وَ يَمْسَحَ بِهِ يَدَهُ

____________

في العضو يأتكل منه و الأكلة بكسر الهمزة و سكون الكاف الحكة و قرأ بها ليتغاير العلتان و تحصل الثلاث و على ما نقلنا من القاموس لا يحتاج إليها لأن الأول مقدمة للآخر أعاذنا الله و سائر المؤمنين من الثلاث المعلونة «إلى طلية مثلها» و أعاذه الله منها في المدة القليلة لئلا يتركوا هذا العمل الحسن.

«و قال الصادق (عليه السلام) الحناء على أثر النورة إلخ» بفتح الهمزة و الثاء أو بكسر الهمزة و سكون الثاء بمعنى عقيبها أو ما تنور منها من مواضع النورة و على الأول يشمل كل البدن كظاهر الخبر الآتي «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) اختضبوا بالحناء» و الظاهر منه و من جميع أوامر الحناء الحناء على الرأس و اللحية أو الأعم منهما و من الحناء عقيب النورة و خضاب اليدين و الرجلين للمرأة لا للرجل فإن الظاهر من الأخبار أنه زي النساء و ربما حرم بعض، و لو اختضب اليدين و الرجلين عقيب النورة حتى يحصل لهما الحمرة أو السواد فالظاهر أنه لا كراهة و لو لم يدع حتى لا يحصل لهما الحمرة الشديدة سيما السواد لكان أحسن «و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) و تسكن الزوجة» معناه أنها إذا رأت الشعر الأبيض على زوجها تيأس منه و إذا اختضب بالحناء تسكن و تختال أنه شاب بعد.

«و قال الصادق (عليه السلام) الحناء يذهب بالسهك» محركة الريح الكريهة من العرق «و يزيد في ماء الوجه و يطيب النكهة» ريح الفم «و يحسن الولد» و يصير سببا لحسنه «و لا بأس أن يمس (إلى قوله) إدمانه» و لا أن يرى أثره عليه رواه الكليني بإسناده،

317

مِنْ شُقَاقٍ يُدَاوِيهِ وَ لَا يُسْتَحَبُّ إِدْمَانُهُ وَ لَا أَنْ يُرَى أَثَرُهُ عَلَيْهِ

274

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع

الْخِضَابُ هَدْيُ مُحَمَّدٍ(ص)وَ هُوَ مِنَ السُّنَّةِ

275

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

لَا بَأْسَ بِالْخِضَابِ كُلِّهِ

276

وَ دَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع-

وَ قَدِ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فَقَالَ إِنَّ فِي الْخِضَابِ أَجْراً وَ الْخِضَابُ وَ التَّهْيِئَةُ مِمَّا يَزِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ وَ لَقَدْ تَرَكَتْ نِسَاءٌ الْعِفَّةَ بِتَرْكِ أَزْوَاجِهِنَّ التَّهْيِئَةَ فَقَالَ لَهُ بَلَغَنَا أَنَّ الْحِنَّاءَ تَزِيدُ فِي الشَّيْبِ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَزِيدُ فِي الشَّيْبِ وَ الشَّيْبُ يَزِيدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ

277

وَ سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبَا جَعْفَرٍ ع-

عَنِ الْخِضَابِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص

____________

عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) و الخلوق ضرب من الطيب أحد أجزائه الزعفران و روي روايات في كراهة لون غير الحناء من الزعفران و غيره بأن يبقى أثره على الجسد، و استثنى منه الخلوق لدواء الشقاق الذي يحصل على اليد بشرط أن يكون في الحمام لئلا يبقى أثره عليه و المداومة عليه مكروهة، لأن في المداومة يتلون اليد و يبقى الأثر «و قال الصادق (عليه السلام) لا بأس بالخضاب كله» أي بأي خضاب كان من الوسمة و الحناء و الكتم و غيرها مما يغير الشيب.

«و دخل الحسن بن الجهم على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) و قد اختضب» يعني الإمام (عليه السلام) «بالسواد» فذكر فضله، و المراد بالتهيئة تحسين الهيئة بالخضاب و غيره لتزيد في عفة النساء و لا يكرههن الزوج و لا يمكن إلى غيره، و ورد في الأخبار أن الحناء يزيد في الشيب و الذي نفاه (عليه السلام) هو الشيب بمعنى الهرم و ضعف القوة و الذي يحصل إن حصل هو بياض الشعر و البياض يستر بالخضاب مع أن له فوائد جمة دنيوية و أخروية و هذا نوع من البلاغة.

«و سأل محمد بن مسلم (إلى قوله) عندنا» بيان كون الشعر المختضب عنده

318

يَخْتَضِبُ وَ هَذَا شَعْرُهُ عِنْدَنَا

278

وَ رُوِيَ

أَنَّهُ(ع)كَانَ فِي رَأْسِهِ وَ لِحْيَتِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ شَيْبَةً

279 وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)وَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ع- يَخْتَضِبُونَ بِالْكَتَمِ

280 وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع- يَخْتَضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَ الْكَتَمِ

281

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ أُنْسٌ لِلنِّسَاءِ وَ مَهَابَةٌ لِلْعَدُوِّ

282

وَ قَالَ ع-

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى

وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ

قَالَ مِنْهُ الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ وَ إِنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ صَفَّرَ لِحْيَتَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا أَحْسَنَ هَذَا ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا وَ قَدْ أَقْنَى بِالْحِنَّاءِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ قَالَ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ ذَاكَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَ قَدْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ فَضَحِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ ذَاكَ وَ ذَاكَ

283

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَطِّلَ نَفْسَهَا وَ لَوْ أَنْ تُعَلِّقَ فِي عُنُقِهَا قِلَادَةً وَ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَدَعَ يَدَهَا مِنَ الْخِضَابِ وَ لَوْ أَنْ تَمْسَحَهَا بِالْحِنَّاءِ مَسْحاً وَ إِنْ

____________

باعتبار نفي بعض العامة خضاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و للتيمن و التبرك.

«و قال (عليه السلام) في قول الله (إلى قوله) بالسواد» يعني قال الله تعالى هيأوا للكفار بكل نوع من القوة و التهيئة و من ذلك ربط الفرس و حفظ السلاح: فقال (عليه السلام) من جملتها الخضاب بالسواد لأن الكفار يظنونكم بالخضاب شبابا و يخافون منكم و كل شيء يحصل منه الخضاب السواد فهو حسن و أحسن منه الحناء أولا ثمَّ الوسمة بعده أو الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة، و قيل هو الوسمة و لو كان غير الوسمة لم يعرف الآن في هذه البلاد.

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» يعني يستحب للمرأة أن لا تعطل نفسها من الزينة و لو بتعليق القلادة للمتزوجة و غيرها، أما المتزوجة لئلا يكرهها

319

كَانَتْ مُسِنَّةً

284

وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ع

إِنَّ الْأَظَافِيرَ إِذَا أَصَابَتْهَا النُّورَةُ غَيَّرَتْهَا حَتَّى أَنَّهَا تُشْبِهُ أَظَافِيرَ الْمَوْتَى فَلَا بَأْسَ بِتَغْيِيرِهَا

وَ قَدْ خَضَبَ الْأَئِمَّةُ(ع)بِالْوَسِمَةِ وَ الْخِضَابُ بِالصُّفْرَةِ خِضَابُ الْإِيمَانِ وَ الْإِقْنَاءُ خِضَابُ الْإِسْلَامِ وَ بِالسَّوَادِ إِسْلَامٌ وَ إِيمَانٌ وَ نُورٌ

285

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِعَلِيٍّ ع

يَا عَلِيُّ دِرْهَمٌ فِي الْخِضَابِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي غَيْرِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً يَطْرُدُ الرِّيحَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ وَ يَجْلُو الْبَصَرَ وَ يُلَيِّنُ الْخَيَاشِيمَ وَ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَ يَشُدُّ اللِّثَةَ وَ يَذْهَبُ بِالضَّنَى وَ يُقِلُّ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ وَ تَفْرَحُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ يَسْتَبْشِرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ- وَ يَغِيظُ بِهِ الْكَافِرُ وَ هُوَ زِينَةٌ وَ طِيبٌ وَ يَسْتَحِي مِنْهُ مُنْكَرٌ وَ نَكِيرٌ وَ هُوَ بَرَاءَةٌ لَهُ فِي قَبْرِهِ

[في حكم الحلق و بعض آداب الحمام]

286

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

إِنِّي لَأَحْلِقُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ- فِيمَا بَيْنَ الطَّلْيَةِ إِلَى الطَّلْيَةِ

____________

الزوج، و أما غيرها فليحصل لها الزوج «و إن كانت مسنة» و يستحب لها أن لا يترك يدها من الخضاب و لو بالمسح بالحناء و لو كانت مسنة عجوزة و الخضاب باليد و الرجل لم ينقل من الأئمة (صلوات الله عليهم) للرجال و قد تقدم و الاحتياط أن لا يخضبوا أيديهم و أرجلهم لئلا يتشبهوا بالنساء و من تشبه بقوم فهو منهم إلا الأظافير بعد النورة فإن غيرها بالحناء لئلا يشبه أظافير الموتى فلا بأس.

«و فيه أربعة عشر خصلة» و فائدة «يطرد الريح من الأذنين و يجلو الغشاء عن البصر و يلين الخياشيم» و لا يحصل لهما اليبوسة «و يطيب النكهة» أي رائحة الفم «و يشد اللثة» بالتخفيف ما حول الأسنان «و يذهب بالضنى» أي الضعف أو بالصنان أي نتن الإبط، و في بعض النسخ بالصفار و هو داء في البطن. و في الكافي الغثيان و هو الخبث و الرداءة «و يقل وسوسة الشيطان (إلى قوله) منكر و نكير» و لا يسألان «و هو براءة له في قبره» من العذاب.

«و قال الصادق (عليه السلام) إني لا حلق إلى قوله إلى الطلية» يعني يكون الحلق في كل يوم جمعة مني، و يكون الاطلاء بالنورة في جمعة و جمعة لا يكون فيها ففي كل

320

287

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِرَجُلٍ

احْلِقْ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي جَمَالِكَ

288

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

حَلْقُ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَ لَا عُمْرَةٍ مُثْلَةٌ لِأَعْدَائِكُمْ وَ جَمَالٌ لَكُمْ وَ مَعْنَى هَذَا

فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ص

حِينَ وَصَفَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ إِنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ وَ عَلَامَتُهُمُ التَّسْبِيدُ وَ هُوَ الْحَلْقُ وَ تَرْكُ التَّدَهُّنِ

____________

خمسة عشر يوما يتنور يوما. لكن في يوم الجمعة كما ذكرناه من استحباب النورة في الجمعة، و بناء على الأخبار التي وردت بالنهي فالمراد بالجمعة الأسبوع يعني في كل أسبوع احلق مرة و في كل أسبوعين أتنور، و يمكن أن يكون الحلق في يوم الجمعة و النورة في كل أسبوعين بأن لا يكون البين حقيقيا. «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لرجل احلق فإنه يزيد في جمالك» و الأخبار تدل على استحباب الحلق مطلقا سيما في الجمعة للخبر السابق و في الخميس لمن يكون يوم الجمعة مشتغلا بالعبادة.

«و قال الصادق (عليه السلام) حلق الرأس (إلى قوله) لكم» اعلم أنه كان قبل زمان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حلق الرأس عيبا و عارا عظيما عند العرب و كان جز الرأس عندهم أسهل من جز شعره، فلما جاء رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بحلق الرأس في الحج كان عندهم عسيرا لكن لما كان في العمر مرة غالبا كانوا يتساهلون فيه، و لما كان الواجب ألا يكون النبي مما يتنفر عنه لم يحلق رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا في الحج و العمرة غالبا و كان شعره وفرة قدر أربع أصابع. لكن لما سن الحلق و كان بعضهم يحلقون و لم يوجب عليهم فكان بعضهم لا يحلقون ندبهم بتربية الشعر بالدهن، و التمشط لئلا يقمل و لا يشعث إلى أن صار في زمن أئمتنا (صلوات الله عليهم) بحيث ارتفع القبح فكانوا (صلوات الله عليهم) يحلقون رؤوسهم و يتابعونهم الشيعة في حلق الرأس.

و لما كان أكثرهم من بلاد العراق و هم بين عرب و عجم و ارتفع القبح عندهم بالكلية كان الحلق جمالا لهم و لما كان العرب أكثرهم ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و تركوا وصيه و كتاب الله و اتخذوا العجل إلها يتبع بإغواء سامري هذه الأمة عمر بن

321

..........

____________

الخطاب عجلها أبا بكر بن أبي قحافة كما في زمن هارون بعد غيبة موسى و متابعتهم السامري في عبادة العجل و سعيهما في تجديد سنة آبائهم، كما في نقل المقام إلى مقامه الأول بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و كما في رفع حج التمتع و المتعة و غيرها كما سيجيء في موضعه، فإن كان يقع من العرب الحلق أحيانا كان بمنزلة المثلة عندهم يتنفرون منه.

و لهذا قال الصادق (عليه السلام) مثلة لأعدائكم و لم يقل لأعدائنا حتى يكونوا الخوارج، و على ما فهم الصدوق فالمراد أن الحلق و إن كان سنة فبالنظر إلى الخوارج بمنزلة المثلة لما خرجوا من الدين و جمال لكم لتمسككم بالدين، و يمكن تأويل كلام الصدوق بأن يكون مراده بالخوارج كل العامة لأنهم قاطبة خرجوا من الدين كما هو المتواتر في صحاحهم الستة في حديث الحوض و النظر في جامع أصولهم في باب الضاد أنه قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إني أكون على الحوض و يرد طائفة من أمتي عليه و ليذادن أو يمنعن أو يسلبن أو يختطفن عنه، فأقول إلهي أصحابي، أصحابي؟

فيقاللي يا محمد ما تدري ما أحدثوا بعدك؟ ارتدوا عن الدين. أو لم يزالوا مرتدين، أو ارتدوا على أعقابهم القهقرى (1)- على اختلاف الروايات.

و مع هذه الأخبار المتواترة اتفقوا على أن الصحابة كلهم عدول، و قال علامتهم التفتازاني، و أما ما جرى من الصحابة من الظلم و العدوان على أهل البيت فعليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، و إنما منع علماؤنا اللعن لئلا يتعدى إلى الأعلى فالأعلى في عبارة طويلة اقتصرنا عليها- و يمكن أن يكون علامة الخوارج الحلق و ترك التدهن معا لا كل واحد منهما، و التسبيت كالتسبيد بمعنى الحلق «و يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» بتشديد الياء- الغرض، يعني يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الغرض المرمي، أو يكون الرمية بمعنى المرمي به،

322

289

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

أَخْذُ الشَّعْرِ مِنَ الْأَنْفِ يُحَسِّنُ الْوَجْهَ

290

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ- أَمَانٌ مِنَ الْبَرَصِ وَ الْجُنُونِ

291

وَ قَالَ ع-

غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ يَنْفِي الْفَقْرَ وَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ

292

وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ قَالَ ع-

غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ نُشْرَةٌ

293

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع

غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ يَذْهَبُ بِالدَّرَنِ وَ يُنَقِّي الْأَقْذَاءَ

294 وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)اغْتَمَّ فَأَمَرَهُ جَبْرَئِيلُ ع- أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ وَ كَانَ ذَلِكَ سِدْراً مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى

295

وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع-

غَسْلُ الرَّأْسِ بِالسِّدْرِ يَجْلِبُ الرِّزْقَ جَلْباً

296

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

اغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ بِوَرَقِ السِّدْرِ فَإِنَّهُ قَدَّسَهُ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَ مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِوَرَقِ السِّدْرِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ سَبْعِينَ يَوْماً وَ مَنْ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ سَبْعِينَ يَوْماً لَمْ يَعْصِ اللَّهَ وَ مَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ دَخَلَ الْجَنَّةَ

وَ مَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَمَّامِ فَلَا بَأْسَ وَ إِنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا فَلَا بَأْسَ

____________

يعني القوس و هو أنسب معنى و الأول لفظا، و يحتمل التخفيف يعني بسببها لكن الأول هو المشهور بين المحدثين.

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» يدل على استحباب إزالة شعر الأنف لأن تحسين الوجه مندوب إليه، و يحتمل كونه من المنافع الدنيوية من حيث الظاهر. لكن عموم أخبار استحباب إزالة الشعر يشمله «و» في خبر آخر «قال (عليه السلام) غسل الرأس بالخطمي نشرة» أي بمنزلة التعويذ يدفع الأمراض و قوله (عليه السلام) «ينفي الأقذاء» أي أمراض العين أو ما يقع فيها أو الأوساخ مطلقا فيكون تفسيريا و يظهر من هذه الأخبار و غيرها استحباب غسل الرأس بالخطمي و السدر مطلقا سيما في الجمعة مع دخوله في التنظيف المندوب إليه.

«و من غسل رجليه إلخ» يعني ماء الغسالة أو أرض الحمام طاهر ما لم يعلم النجاسة كما هو في الأخبار الصحيحة ففي الصحيح عن الصادق (عليه السلام) و لقد اغتسلت

323

وَ خَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع- مِنَ الْحَمَّامِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ طَابَ اسْتِحْمَامُكَ فَقَالَ لَهُ يَا لُكَعُ وَ مَا تَصْنَعُ بِالاسْتِ هَاهُنَا فَقَالَ طَابَ حَمَّامُكَ قَالَ إِذَا

____________

فيه أي في الحمام ثمَّ جئت فغسلت رجلي و ما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب (1) و في الصحيح عن محمد بن مسلم: قال رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائيا من الحمام و بينه و بين داره قذر فقال: لو لا ما بيني و بين داري ما غسلت رجلي و لا تجنبت ماء الحمام (2) و في بعض النسخ الصحيحة (و لا تحيت) و قرأ الشهيد الثاني (و لا تحيت) و قال الظاهر أن أصله تحيدت قلبت الدال تاء و أدغمت التاء في التاء من الحيود و هو الميل و العدول عن الشيء، و غيرهما من الأخبار و قد تقدم القول فيه.

«و خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى قوله يا لكع» بالضم كصرد السفيه و الأحمق و الظاهر أنه كان من العامة أو كان للتأديب «و ما تصنع بالاست هنا» يعني أن لفظة الاست لفظة قبيحة فإنه بمعنى الدبر. و يمكن أن يكون قاله بما يتوهم منه است حمامك. و لهذا أدبه أو لم يقله هكذا و لكن هذه الكلمة قابلة لأن يقال هكذا و لا ينبغي التكلم بالكلمة المستهجنة أو يكون المعنى أن الاست للطلب، فإن قيل هذه الكلمة عند الدخول فمناسب. لكن بعد الخروج لا مناسبة لها. «فقال طاب حمامك» و هذه و إن أمكن التقدير بما يفيد المعنى أي دخول حمامك و مثله، لكن الكلمة التي يعلمها إياه مشتملة على المطالب العالية و صادرة من عيون الأسرار الإلهية لا نسبة لها بهذه الكلمة «قال إذا طاب الحمام فما راحة البدن منه» لأن العبارة بغير تقدير معناه هذا «قال فطاب حميمك فقال ويحك» و هذه كلمة يقال للتهجين و التحسين، لكن الأنسب الأول لأن اللائق بحاله أن يقول ما قاله أخيرا من الاستعلام لا أن يقول برأيه «أ ما علمت أن الحميم العرق» يعني يطلق عليه أيضا، و أن المتكلم قصد به العرق و إن كان قصده الماء الحار فيرجع طاب حمامك «فقال له كيف أقول؟ فقال قل

324

297 طَابَ الْحَمَّامُ فَمَا رَاحَةُ الْبَدَنِ مِنْهُ فَقَالَ طَابَ حَمِيمُكَ فَقَالَ وَيْحَكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَمِيمَ الْعَرَقُ قَالَ لَهُ كَيْفَ أَقُولُ قَالَ قُلْ طَابَ مَا طَهُرَ مِنْكَ وَ طَهُرَ مَا طَابَ مِنْكَ

298

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

إِذَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ وَ قَدْ خَرَجْتَ مِنَ الْحَمَّامِ طَابَ حَمَّامُكَ فَقُلْ أَنْعَمَ اللَّهُ بَالَكَ

299

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

الدَّاءُ ثَلَاثَةٌ وَ الدَّوَاءُ ثَلَاثَةٌ فَأَمَّا الدَّاءُ فَالدَّمُ وَ الْمِرَّةُ

____________

طاب ما طهر منك و طهر ما طاب منك» أي طيب الله ما طهر منك من العقل و القلب و الروح و السر و الخفي. بالأنوار الملكوتية و الجبروتية و اللاهوتية، و طهرها الله من الغواشي الناسوتية الظلمانية الحاجبة عن جناب قدسه تعالى، أو طيب الله الأعضاء الطاهرة بالعبادات، و الطاعات، و طهر الله الأجزاء الباطنة الطيبة من المخالفات و التوجهات إلى غير وجهه المقدس المتعالي، أو الأعم منهما في الفقرتين.

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» قوله (عليه السلام) «أنعم الله بالك» أي سر الله قلبك و يظهر منه رجحان رد التحية و يحتمل الوجوب أيضا كما يظهر من قوله تعالى وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا (1) و إن فسر بالسلام، لكن اللفظ عام يشمله و غيره و الاحتياط الرد و لا منافاة بين الخبرين، لأن الخبر الأول تعليم التحية و الخبر الثاني تعليم الجواب، و لا يلزم أن يكون الجواب مقابلا للسؤال الحسن بل يلزم جواب كل تحية و إن لم تكن حسنة و يشمله قوله تعالى (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا)- بل أصل هذا الخبر أيضا يدل على ذلك.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الداء ثلاثة و الدواء ثلاثة» أي معظمهما و أكثرهما «فأما الداء فالدم، و المرة و البلغم» لأن المرض يحصل بزيادة الأخلاط الأربعة و المرة شامل للسوداء و الصفراء.

«فدواء الدم الحجامة» يمكن أن يكون على سبيل المثال أو الأفضل أو لعدم شيوع الفصد في زمانه (صلوات الله عليه)، مع أن ضرر الفصد أعظم من ضرر الحجامة

325

وَ الْبَلْغَمُ فَدَوَاءُ الدَّمِ الْحِجَامَةُ وَ دَوَاءُ الْبَلْغَمِ الْحَمَّامُ وَ دَوَاءُ الْمِرَّةِ الْمَشِيُّ

300

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

ثَلَاثَةٌ يَهْدِمْنَ الْبَدَنَ وَ رُبَّمَا قَتَلْنَ أَكْلُ الْقَدِيدِ الْغَابِّ وَ دُخُولُ الْحَمَّامِ عَلَى الْبِطْنَةِ وَ نِكَاحُ الْعَجُوزِ

وَ رُوِيَ

الْغِشْيَانُ عَلَى الِامْتِلَاءِ

تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَ أَخْذُ الشَّارِبِ وَ الْمَشْطُ

[في تقليم الأظفار و تسريح الشعر و حكم الشارب و اللحية]

301

وَ رَوَى هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ-

تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُؤْمِنُ مِنَ الْجُذَامِ وَ الْجُنُونِ وَ الْبَرَصِ وَ الْعَمَى فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ فَحُكَّهَا حَكّاً

302

وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ

فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ فَأَمِرَّ عَلَيْهَا السِّكِّينَ أَوِ الْمِقْرَاضَ

____________

و نفعهما بالعكس «و دواء البلغم الحمام» يعني أفضلها و أسهلها فإن بالتعريق خصوصا إذا شرب جرعة من الماء الحار يخرج الفضلات البلغمية بالعرق غالبا و إذا كانت المادة غليظة فإنه و إن كان ينفع الحمام أيضا، لكن المشي أنفع و أسهل، و لهذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم) بلفظ المرة ليشمله أيضا «و دواء المرة» أي الأخلاط الثلاثة أو الخليطين أو الصفراء، فإن الأمراض الصفراوية خصوصا في البلاد الحارة أكثر «المشي» أي المسهل، لأنه يبعث شاربه على المشي.

«و قال الصادق (عليه السلام) ثلاثة يهدمن البدن، و ربما يقتلن، أكل القديد الغاب» أي اللحم الذي يبس و حصل فيه نتن أو المملوح المجفف في الشمس، و الظاهر أنه بالنتن القليل لا يصير خبيثا حتى يكون حراما إلا إذا حصل فيه الدود فهو حرام إذا لم يخرج منه. و ربما يفهم الحرمة من قوله (عليه السلام) (ربما قتلن) فإن حفظ النفس واجب «و دخول الحمام على البطنة» أي امتلاء البطن فإنه يدفع الخلط الصالح بالعرق و إذا كان بالامتلاء شديدا فالضرر عظيم و ربما يكون حراما «و نكاح العجوز» أي جماع المرأة المسنة فإنه مهلك غالبا و ضرر هذه الثلاثة بين، فالاحتياط في تركها مهما أمكن و روي الغشيان أي الجماع على الامتلاء فإنه أيضا يدفع كل قوة في البدن و يصير منيا و يخرج و هو أيضا مذموم، و ربما كان مهلكا إذا كان الامتلاء شديدا.

«و روى هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) إلخ» يدل هذا الخبر الصحيح و غيره من الأخبار الكثيرة على استحباب تقليم الأظفار في كل جمعة و إن لم يكن محتاجا

326

303

وَ رَوَى عَبْدُ الرَّحِيمِ الْقَصِيرُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ-

مَنْ أَخَذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَ شَارِبِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ وَ قَالَ حِينَ يَأْخُذُهُ- بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ عَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليهم) لَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ قُلَامَةٌ وَ لَا جُزَازَةٌ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِهَا عِتْقَ نَسَمَةٍ وَ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَهُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ

304

وَ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ

أَنَّهُ مَنْ يُقَلِّمْ أَظَافِيرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- يَبْدَأْ بِخِنْصِرِهِ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى وَ يَخْتِمْ بِخِنْصِرِهِ مِنَ الْيَدِ الْيُمْنَى

305

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

أَخْذُ الشَّارِبِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ- أَمَانٌ مِنَ الْجُذَامِ

306

وَ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ لِلصَّادِقِ ع

مَا ثَوَابُ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ وَ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ قَالَ لَا يَزَالُ مُطَهَّراً إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى

____________

إليه بأن كان قلم من قرب فيستحب الحك حتى ينثر منه الأجزاء الصغيرة و يحصل له ثواب القلم يوم الجمعة.

«و في خبر آخر فإن لم تحتج فأمر عليه السكين أو المقراض» و إن لم يسقط منه شيء تعبدا، و إن أسقط منه شيئا كان أفضل، بل الظاهر أنه يكون له بكل جزازة ثواب عتق رقبة إذا كان مع الدعاء، و كذا في أخذ الشارب مع صحة البدن بفضل الله إلى الأجل الذي لا يستأخر ساعة و لا يستقدم- «و روي في خبر آخر إلخ» الخبر موجود في الكافي بدون يوم الجمعة (1) و أكثر أخباره المرسلة منه، فيمكن أن يكون في النسخة التي عند الصدوق هكذا. و من طريق آخر و على أي حال فهذا الترتيب مستحب و إن لم يكن في يوم الجمعة.

«و قال الحسين بن أبي العلاء إلخ لا يزال مطهرا» أي من الذنوب بأن يعصمه الله منها بهما، أو من الوسخ المانع من صحة العبادة أو كمالها أو كفارة لما قبلها أو الطهارة المعنوية أو الأعم.

327

307

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

لَا يُطَوِّلَنَّ أَحَدُكُمْ شَارِبَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَّخِذُهُ مِجَنّاً يَسْتَتِرُ بِهِ

308

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- لَمْ تَشْعَثْ أَنَامِلُهُ

309

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ تَرَكَ وَاحِداً لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ نَفَى اللَّهُ عَنْهُ الْفَقْرَ

310

وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ لِلصَّادِقِ ع-

جُعِلْتُ فِدَاكَ يُقَالُ مَا اسْتُنْزِلَ الرِّزْقُ بِشَيْءٍ مِثْلِ التَّعْقِيبِ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَالَ أَجَلْ

____________

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يطولن أحدكم شاربه» يمكن الاستدلال به بحرمة الإطالة و كذا أمثاله من الأخبار الكثيرة بلا معارض، و المشهور الكراهة بقرينة الوعيد «فإن الشيطان يتخذه مخبأ أو مجنا» يستتر به و يوقعه بسببه في الوساوس الباطلة من الظلم و العدوان (أو) يكون كناية عن أن هذا فعل الشيطان لأنه خلاف آداب الرسول و الأئمة المعصومين كما رواه العامة عن عبد الله بن عمر أنه كان يستقصي شاربه كأنه حلقه فيقال له إن أباك كان يطول السبال و الشارب فلم تستقصي؟ فقال إذا كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يستقصي فأنا أتبعه أو أتبع أبي مع أنه خالف الرسول و الاحتياط في عدم الإطالة.

«و قال الصادق (عليه السلام) من قلم أظفاره يوم الجمعة لم تشعث» أو لم تسعف «أنامله» و السعف التشعث حول الأظفار بالأجزاء الصغار التي تنفصل من جلدها، فما لم ينفصل عنها فليس بنجس اتفاقا و إذا انفصل عنها ففيه و في أمثاله من الأجزاء الصغار خلاف بين الأصحاب، فذهب بعضهم إلى الطهارة للاستصحاب و الأصل، و بعضهم إلى النجاسة لأنه جزء من الحيوان ذي النفس، و ميتته نجس، و بعضهم بالنجاسة و العفو للحرج و بعضهم بالنجاسة إن تأثر البدن عند الانفصال و إلا فلا و بعضهم بالنجاسة إن كانت قطعة كبيرة و إلا فلا للرواية التي وردت بنجاسته بلفظ القطعة و الصغيرة لا تسمى بها عرفا و إن سميت

328

وَ لَكِنْ أُخْبِرُكَ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ أَخْذِ الشَّارِبِ وَ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْخَمِيسِ يَدْفَعُ الرَّمَدَ

311

وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع

مَنْ أَخَذَ مِنْ أَظْفَارِهِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ- لَمْ يَرْمَدْ وَلَدُهُ

312

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ وَ يَوْمَ الْخَمِيسِ- وَ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ عُوفِيَ مِنْ وَجَعِ الضِّرْسِ وَ وَجَعِ الْعَيْنِ

313

وَ قَالَ مُوسَى بْنُ بَكْرٍ- لِلصَّادِقِ ع

إِنَّ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ إِنَّمَا أَخْذُ الشَّارِبِ وَ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ خُذْهَا إِنْ شِئْتَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ إِنْ شِئْتَ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ

314

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

قُصَّهَا إِذَا طَالَتْ

315

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

لِلرِّجَالِ قُصُّوا أَظَافِيرَكُمْ وَ لِلنِّسَاءِ اتْرُكْنَ مِنْ

____________

بها لغة لتقدم العرف على اللغة و الرواية ضعيفة يمكن حملها على الاستحباب.

و الظاهر الطهارة و إن كان الاحتياط في الاجتناب خصوصا في صورة التأثر و القطعة الكبيرة و كذا الحكم في الجدر التي تكون في البدن و تكون غالبا في اليد ما لم ينفصل عنها فهو طاهر و ما لم ينشق لا يجب شقها و إيصال الماء تحتها و إذ انشقت و ظهر تحتها فيجب إيصال الماء إليه و إن لم يظهر فالاحتياط الإيصال- و كذا ثقبة الاذن في الغسل و إذا مات الدم تحت الجدر و لم ينشق عنه فلا يجب الإزالة و لا إيصال الماء تحته و إذا انشق فالاحتياط في الإخراج و إن شق و كذا الدم الذي يموت في الأظفار و يظهر عند قلمها و يبقى بعضه في الظفر فالاحتياط في إخراج ما يرى منه.

«و قال موسى بن بكر للصادق (عليه السلام) (إلى قوله) إذا طالت» الظاهر أنه (لما) ذكر السائل أن أصحابنا يقولون أن ليس الأخذ إلا في يوم الجمعة بالحصر بإنما و ظاهره الحرمة في غيرها أو فهم السائل الحرمة، (أجاب (عليه السلام)) بالتسوية الجوازية فلا ينافي الأخبار المتقدمة من الاستحباب التخييري بين أن يأخذ كلها يوم الجمعة أو يوم الخميس أو يترك واحد اليوم الجمعة و أن يأخذهما في يوم الخميس و يوم السبت جمعا و تفريقا و لكن إذا طالت فالتقليم أولى من ملاحظة الوقت.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (إلى قوله) لكن» ظاهر هذا الخبر و غيره مما ورد بلفظ

329

أَظْفَارِكُنَّ فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لَكُنَّ

316

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

يَدْفِنُ الرَّجُلُ أَظَافِيرَهُ وَ شَعْرَهُ إِذَا أَخَذَ مِنْهَا وَ هِيَ سُنَّةٌ

317

وَ رُوِيَ

أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ دَفْنَ الشَّعْرِ وَ الظُّفُرِ وَ الدَّمِ

318

وَ سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا ع-

عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

قَالَ مِنْ ذَلِكَ التَّمَشُّطُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ

319

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَشْطُ الرَّأْسِ يَذْهَبُ بِالْوَبَاءِ وَ مَشْطُ اللِّحْيَةِ يَشُدُّ الْأَضْرَاسَ

320

وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع-

إِذَا سَرَّحْتَ لِحْيَتَكَ وَ رَأْسَكَ فَأَمِرَّ الْمُشْطَ عَلَى صَدْرِكَ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْهَمِّ وَ الْوَنَا

____________

الأمر محتمل الوجوب لو لم نقل بالوجوب و ربما كان وجه الوجوب وصول الماء إلى تحتها على أنه لو كان مستحبا لا ينافي وجوب الإيصال بإزالة الوسخ فيكون فردا كاملا للواجب التخييري فالاحتياط التام في الإيصال و القلم و قوله (عليه السلام) «للنساء اتركن من أظافيركن» الظاهر أن (من) للتبعيض أي أبقوا بعضها و لا تستأصلوها كالرجال لأن الزينة لا تحصل بإبقائها كلها بل قبيح مستهجن.

«و سأل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) (إلى قوله) عند الصلاة» المسجد في الآية كما يظهر من الخبر مصدر ميمي بمعنى السجدة، و يمكن أن يكون للمكان و الزمان و فسره (عليه السلام) بالصلاة للزومهما للصلاة غالبا و الأمر للاستحباب أو الأعم ليدخل الطهارة من الحدث و الخبث، و المضمضة و الاستنشاق و السواك و الرداء و اللباس الأبيض و الفاخر في بعض الأوقات و الخشن في بعضها و النظيف دائما، و العمامة، و الحنك و الطيب، و السجادة الطاهرة، و التمشط قبلها و غير ذلك مما سيجيء إن شاء الله تعالى في محالها و لهذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم) (من ذلك) بالتبعيضية، و هذه المذكورات زينة الظاهر و المقصود الأعظم تزين الباطن بالإخلاص و حضور القلب و الخضوع و الخشوع، و الخوف و الرجاء و المراقبة و الفناء و البقاء و لهذه الظواهر تأثيرات عظيمة في البواطن يدركها العارفون المحبون المخلصون.

330

321

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً وَ عَدَّهَا مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَقْرَبْهُ الشَّيْطَانُ أَرْبَعِينَ يَوْماً

وَ لَا بَأْسَ بِأَمْشَاطِ الْعَاجِ وَ الْمَكَاحِلِ وَ الْمَدَاهِنِ

322

وَ قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع-

تَمَشَّطُوا بِالْعَاجِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْوَبَاءِ

323

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

الْمَشْطُ يَذْهَبُ بِالْوَبَاءِ

وَ هُوَ الْحُمَّى وَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ يَذْهَبُ بِالْوَنَا وَ هُوَ الضَّعْفُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لٰا تَنِيٰا فِي ذِكْرِي أَيْ لَا تَضْعُفَا

324

وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع

ثَلَاثٌ مَنْ عَرَفَهُنَّ لَمْ يَدَعْهُنَّ جَزُّ الشَّعْرِ وَ تَشْمِيرُ الثَّوْبِ وَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ

____________

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» العد بأن يقول في كل مرة يمر المشط على اللحية واحد، اثنان، ثلاثة- بالعربية أو العجمية حتى يتمها سبعين مرة و يحتمل أن يكون المراد أن يعد كل مرة لكل صلاة فريضة أو نافلة حتى يتمها سبعين و الأول أظهر و أولى.

«و لا بأس بأمشاط العاج و المكاحل و المداهن» الظاهر من هذا الخبر و غيره من الأخبار طهارة عظم الفيل، و ربما يقال بظهور طهارة الفيل بل جميع المسوخ بأنه لا قائل بالفصل و في هذا النوع من الاستدلال إشكال لكن الأظهر طهارتها للعمومات التي يظهر منها أن الأصل في الأشياء الطهارة ما لم يعلم النجاسة و لم يظهر دليل على نجاستها.

«و قال الله عز و جل» استدلال للبرقي بالآية بأن الوني بمعنى الضعف و الظاهر أنه وصل إليه الخبر بالنون و يستشهد بصحتها بالآية لا أنه قرأ بالنون للآية و إن كان هذا ظاهر العبارة.

«و قال أبو الحسن (إلى قوله) و نكاح الإماء» يمكن أن يكون المراد استحباب الثلاثة أو الإرشاد إلى الفائدة الدنيوية و الالتذاذ بها و الأعم أولى فإنه لا منافاة بينهما مع ورود الأخبار الكثيرة بها أما جز الشعر فالظاهر أن المراد به جز الشارب و العنفقة و الزيادة عن القبضة في اللحية أو يعم بما يشمل حلق الرأس و النورة و جميع ما ذكر من قبل- غير أصل اللحية و الحاجب و الأهداب و أما تشمير الثوب فهو رفع أسفله لو كان

331

325

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع- لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ

اسْتَأْصِلْ شَعْرَكَ يَقِلُّ دَرَنُهُ وَ دَوَابُّهُ وَ وَسَخُهُ وَ تَغْلُظُ رَقَبَتُكَ وَ يَجْلُو بَصَرَكَ وَ يَسْتَرِيحُ بَدَنُكَ

326

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

مَنِ اتَّخَذَ شَعْراً فَلْيُحْسِنْ وِلَايَتَهُ أَوْ لِيَجُزَّهُ

327

وَ قَالَ ع

الشَّعْرُ الْحَسَنُ مِنْ كِسْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَكْرِمُوهُ

328

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَنِ اتَّخَذَ شَعْراً

____________

طويلا أو قصره و القصر أفضل إلى نصف الساق و التجاوز عن الكعب مكروه إلا أن يرفعه و الأخبار به كثيرة.

و في كثير من الأخبار فسر قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (1) (بقصر) و في بعضها (بشمر) لئلا يصل إلى الأرض و ينجس فكأنه أريد لازمها أو من الطهارة بمعنى التنظيف لئلا يتسخ أو لطهارة النفس من العجب و الخيلاء و الكبر فإن الثوب الطويل غالب لأجلها و بالتشمير تطهر النفس من الكبر لأنه خلاف آداب المتكبرين و لهذا يظهر من الأخبار أن التشمير أفضل من التقصير لأن انكسار النفس فيه أكثر و إن كان مشتركين في إزالة التكبر كما ورد في الأخبار و الآثار.

و أما نكاح الإماء فالظاهر أن المراد به الجماع بالتسري لا مطلقا لكراهة عقد الإماء إلا مع عدم الطول و خوف العنت و قال قوم بالحرمة لظاهر الآية و الأحوط الاجتناب و سيجيء إن شاء الله تفصيل أحكامه في باب النكاح.

«و قال الصادق (عليه السلام) لبعض أصحابه استأصل شعرك إلخ» حمل على شعر الرأس و ما يستحب إزالته و إن كان الظاهر منه شعر الرأس بقرينة الفوائد المذكورة من قلة القمل و غلظ الرقبة و جلاء البصر لاشتراك بقية العلل من تخفيف الدرن و الوسخ و استراحة البدن.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه» الظاهر من هذا الخبر و غيره من الأخبار الاستحباب التخييري بين حلق الرأس و إطالته بشرط حسن تربيته بالتمشط و الادهان و التطيب و الفرق و غيرها و إن كان الظاهر من الأخبار كون

332

فَلَمْ يَفْرُقْهُ فَرَقَهُ اللَّهُ بِمِنْشَارٍ مِنْ نَارٍ

وَ كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَفْرَةً لَمْ يَبْلُغِ الْفَرْقَ

329

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

حُفُّوا الشَّوَارِبَ وَ أَعْفُوا اللِّحَى وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ

____________

الحلق أفضل، و قيل بالعكس، و ربما يفهم من هذا الخبر أيضا كون الحلق أفضل لقوله (صلوات الله عليه) و آله من اتخذ شعرا فليحسن ولايته (1) بأن علق استحباب حسن الولاية على الاتخاذ و لم يقل اتخذوا بخلاف الحلق فإن أخباره ورد بلفظ الأمر أو ما في معناه و إن كان ظاهر الخبر الذي بعد هذا الخبر أنه من كسوة الله يفهم منه الفضيلة لكن ليس البحث فيها بل في الأفضلية و لهذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم) (فأكرموه) كان المعنى الأول علة للإكرام و هو حسن الولاية ظاهرا ليوافق الخبران على أنه يمكن أن يكون منسوخا لما ذكرنا سابقا أن العرب لا يحلقونه و كانوا يعيرون من حلقه و لهذا لم يكن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يداوم على الحلق بل كان يحلق أحيانا لئلا يتنفر منه الطباع و لما ارتفع قبحه بالتدريج كان الأئمة (صلوات الله عليهم) يداومون على الحلق و يأمرون به كما يظهر من الأخبار.

«و كان شعر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) وفرة لم يبلغ الفرق» يعني كان شعره (صلى الله عليه و آله و سلم) يبلغ إلى شحمتي الاذن و لم يكن طويلا حتى يمكن فرقه بنصفين، و يظهر من الخبر الصحيح أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكن هكذا دائما، بل كان إذا طال شعره كان إلى شحمة أذنه، و يفهم من الأخبار أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يطل شعر رأسه قط و لا غيره من الأنبياء بحيث يحتاج إلى الفرق، و إنما وقع منه (صلى الله عليه و آله و سلم) مرة حين صد في الحديبية أمسك شعره ليحلقه في الحج الذي وعده الله تعالى بقوله- لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ (2)- فطال شعر رأسه ففرق (3).

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حفوا الشوارب و أعفو اللحى و لا تشبهوا باليهود» اعلم أنه وردت الأخبار الكثيرة بما يتضمن إحفاء الشوارب و إعفاء اللحى و تطويلها بحيث

333

330 وَ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى رَجُلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ فَقَالَ مَا كَانَ هَذَا لَوْ هَيَّأَ مِنْ لِحْيَتِهِ فَبَلَغَ الرَّجُلَ ذَلِكَ فَهَيَّأَ مِنْ لِحْيَتِهِ بَيْنَ اللِّحْيَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَلَمَّا رَآهُ قَالَ هَكَذَا فَافْعَلُوا

331

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

إِنَّ الْمَجُوسَ جَزُّوا لِحَاهُمْ وَ وَفَّرُوا شَوَارِبَهُمْ وَ إِنَّا نَجُزُّ الشَّوَارِبَ وَ نُعْفِي اللِّحَى وَ هِيَ الْفِطْرَةُ

____________

لا يزيد عن القبضة من طرق الخاصة و العامة، و لا ريب في رجحانهما- أما إحفاء الشوارب فلا شك أن جزها مطلوب، و إطالتها مرجوحة، و هل يجوز حلقها؟ الظاهر الجواز للأوامر المطلقة الشاملة له، و إن كان الأحوط العدم لأنه لم ينقل من النبي و الأئمة صلى الله عليهم حلقها و لا الرخصة في حلقها- و أما إطالتها فورد الأخبار بالنهي عنها و ذم فعلها و أنها فعل اليهود و المجوس، بل ورد في الكافي مع حكم الكليني بصحة أخباره، عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، أن أقواما حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا (1) و يظهر من الأوامر بإعفاء اللحى، و هذا الخبر، و من أنه زي اليهود و جزه زي المجوس، الحرمة، و لم يذكره فيما رأينا منهم غير الشهيد (رحمه الله)، فإنه ذكر حرمة الحلق بلا ذكر خلاف، و المسموع من المشايخ أيضا حرمته.

و يؤيده أنه لم ينقل تجويزه من النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم)، و لو كان جائزا لفعلوه مرة لبيان الجواز كما في كثير من المكروهات، أو وقع منهم الرخصة لأحد، مع أنه معلوم منهم متواترا، بل من أصحابهم المداومة على جز الشارب و إعفاء اللحية، و الحاصل أن الاحتياط في الدين ترك حلق اللحية، بل الشارب و ترك جز اللحية كالحلق فإنهما كالضروريات من الدين، بل ترك إطالة الشوارب و فتلها أيضا و ترك إطالة اللحية زيادة عن القبضة فإنه ورد في الأخبار الكثيرة أن الزائد عن القبضة في النار و أنه تقبض بيدك على اللحية و تجز ما فضل.

«و نظر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (إلى قوله) فهيأ من لحيته» أي أصلحها «بين اللحيتين» يعني الوسط و هو قدر القبضة كما في الأخبار الأخر «ثمَّ دخل (إلى قوله) فافعلوا»

334

332

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

مَا زَادَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنْ قَبْضَةٍ فَهُوَ فِي النَّارِ

333

وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ

رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ ع- وَ الْحَجَّامُ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ فَقَالَ دَوِّرْهَا

334

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

تَقْبِضُ بِيَدِكَ عَلَى لِحْيَتِكَ وَ تَجُزُّ مَا فَضَلَ

335

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

الشَّيْبُ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ يُمْنٌ وَ فِي الْعَارِضَيْنِ سَخَاءٌ وَ فِي الذَّوَائِبِ شَجَاعَةٌ وَ فِي الْقَفَا شُؤْمٌ

336

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

أَوَّلُ مَنْ شَابَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ(ع)وَ إِنَّهُ ثَنَى لِحْيَتَهُ فَرَأَى طَاقَةً بَيْضَاءَ فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذَا فَقَالَ هَذَا وَقَارٌ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ اللَّهُمَّ

____________

و الأخبار في القبضة و إن كان بلفظ الأمر، لكن المعروف بين الأصحاب استحبابها، و الاحتياط أن لا يقصر عنها لخلوها عن المعارض.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلخ» و هي الفطرة أي الخلقة التي خلق الله الناس عليها فيقبح تغييرها، و الدخول في ذم الله تعالى و المغيرين لخلق الله إلا ما ورد الرخصة فيه مثل الزيادة على القبضة، أو أنها من السنن الحنيفية التي كان يداوم عليها نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) و قبله إبراهيم (صلوات الله عليه)، و التغيير كان من المجوس و اليهود.

«و قال محمد بن مسلم (إلى قوله) دورها» أو دوروها، و على الأول فالظاهر أنه (عليه السلام) قالها للمزين حين الإصلاح و يدل على الاستحباب، و على نسخة الجمع فالظاهر أنه خاطب أصحابه بالأمر بالتدوير حين الإصلاح إما بنفسه أو بالمزين.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، الشيب» يعني بياض الشعر مطلقا أو ظهوره أولا، و هو أظهر «في مقدم الرأس يمن» يعني مباركا و يدل على أنه محل رحمة الله أو يدل على أنه يحصل به سعة الرزق و غيرها من النعم الدنيوية أو الأعم «و في العارضين» أي طرفي الوجه «سخاء» أي يدل على أنه سخي «و في الذوائب» أي الناصية مقدم الرأس أو أطراف الرأس شجاعة «و في القفا وراء العنق شؤم» يدل على نحوسة صاحبه أو يدل على أنه يصيبه بلاء.

«و قال الصادق (عليه السلام) أول من شاب إبراهيم الخليل» يعني أن الناس لم يكونوا

335

زِدْنِي وَقَاراً

337

وَ قَالَ ع

مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

338

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

الشَّيْبُ نُورٌ فَلَا تَنْتِفُوهُ

339 وَ كَانَ عَلِيٌّ ع- لَا يَرَى بِجَزِّ الشَّيْبِ بَأْساً وَ يَكْرَهُ نَتْفَهُ

فَالنَّهْيُ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ نَهْيُ كَرَاهِيَةٍ لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ

340

الصَّادِقَ(ع)يَقُولُ-

لَا بَأْسَ بِجَزِّ الشَّمَطِ وَ نَتْفِهِ وَ جَزُّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَتْفِهِ

____________

يشيبون، و كانت لحاهم سودا كما يظهر من أخبار أخر و أنه اشتبه إبراهيم بإسماعيل (سلام الله عليهما)، فكل من يرى واحدا منهما يتخيل أنه الآخر و يشتبه عليه، فمن الله عليه ببياض الشعر لزوال الاشتباه و لما يذكر هنا «و أنه ثنى لحيته» أي عطفها و أما لها حتى رآها «فرأى طاقة» أي شعرا واحدا بيضاء «فقال يا جبرائيل (إلى قوله) وقارا» الوقار الحلم و الرزانة و الثبات لأن الشباب شعبة من الجنون و كلما زاد في السن يحصل له التجارب و يزيد في العقل و ينكسر القوي الشهوانية و الجسمانية باعتبار ضعف القوي فويل لشيخ كلما زاد عمره ازداد غيه.

«و قال (عليه السلام) من شاب شيبة في الإسلام» يعني حصل له شعر أبيض في أي موضع كان من بدنه (أو) في لحيته و رأسه (أو) في لحيته «كانت له نورا في ظلمات يوم القيمة» و لهذا ورد في الأخبار المعتبرة الأمر بتعظيمهم ففي الصحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم (1). و عنه (عليه السلام) عظموا كباركم و ليس منا من لم يوقر كبيرنا و يرحم صغيرنا (2) و غير ذلك من الأخبار الكثيرة، و لو اجتمع مع الإسلام العلم و العقل و التقوى كان نورا على نور.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الشيب نور فلا تنتفوه» و النهي للتنزيه لأن الخبر الصحيح ورد بالجواز مع غيره من الأخبار، و المراد بالجز و النتف جز و نتف شعرة أو شعرات بيض في اللحية السوداء، لا الكل و الأكثر بل الكثير أيضا، و كذا العكس، و الأولى الترك مطلقا.

336

فَأَخْبَارُهُمْ(ع)لَا تَخْتَلِفُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ مَخْرَجَهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ إِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ

____________

و قوله «فأخبارهم (عليهم السلام) لا تختلف في حالة واحدة» الظاهر أن مراده أنه إذا وقع منهم نهي و جواز، فإن لم يحمل النهي على الكراهة يلزم الاختلاف في حالة واحدة، و هو ممتنع عنهم لأنهم معصومون، و كلما يقولونه فهو قول الله، و يمتنع الاختلاف في قوله تعالى إلا في الأحوال المختلفة- مثلا إذا جامع جماعة في الظهار، فقال:

لأحدهم عليك عشر كفارات، و لواحد منهم تسع و هكذا إلى الواحد، و قال له، عليك عتق رقبة. و قال لآخر عليك صوم شهرين متتابعين، و قال لآخر عليك إطعام ستين مسكينا، و قال لآخر استغفر الله، فلا اختلاف فيها، و هم (عليهم السلام) يجيبون كل واحد بحسب حاله.

مثلا في الصورة الأولى، إذا قال رجل تسع مرات إن زوجته عليه كظهر أمه- يجب عليه تسع كفارات حتى يجوز له الجماع، فإن جامع قبل التكفير يجب عليه العشر، و لو كفر في هذه الصورة كفارة واحدة و جامع، فعليه تسع كفارات، أو تكلم بالكلمة ثمان مرات و جامع قبل الكفارة، فعليه أيضا تسع و هكذا، إلى الكفارة الواحدة، فلو كان يقدر على العتق يجب عليه العتق، و لو لم يستطع، فعليه صيام شهرين متتابعين، و لو لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا، فلو لم يقدر على الصيام و لا الإطعام فعليه الاستغفار، فمثل هذه الاختلافات لا يضر، لأن الأحوال مختلفة.

و لكن تطبيق قول الصدوق في هذا المقام على هذه القاعدة يحتاج إلى نوع تكلف، لأنه ليست الأحوال بمختلفة، بل النهي يحتمل الحرمة و الكراهة (فلما) ورد نهي و ورد خبر بالجواز (علمنا) أن النهي للتنزيه لكنهم (صلوات الله عليهم) إن أطلقوا النهي، فإنما يطلقون بالنظر إلى شخص يفهم من كلامهم الكراهة، و بالنظر إلى شخص لا يفهم (أو) ليس قرينة يفهم يصرحون بها و بالنظر إلى شخص لا يناسب حاله مثل الفضلاء من أصحابه من أهل الورع و التقوى يطلقون، لأنهم يعلمون أنهم

337

341

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

أَرْبَعٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ(ع)التَّطَيُّبُ وَ التَّنْظِيفُ بِالْمُوسَى وَ حَلْقُ الْجَسَدِ بِالنُّورَةِ وَ كَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ

342

وَ قَالَ ع

قَلِّمُوا أَظْفَارَكُمْ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ- وَ اسْتَحِمُّوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ- وَ أَصِيبُوا مِنَ الْحِجَامَةِ حَاجَتَكُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ- وَ تَطَيَّبُوا بِأَطْيَبِ طِيبِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ [و جملة من أحكام الأموات]

[في تلقين المحتضر و تلقين الموتى]

343

قَالَ الصَّادِقُ ع-

إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ- وَ هُوَ فِي

____________

يعملون بالواجب و المندوب أيهما كان، و ينتهون عن الحرمة و الكراهة، مهما كان و إذا لم يكونوا في هذه المرتبة يرخصون لهم أو بحسب اختلاف أحوالهم في الضرورة و غيرها و إذا أخذت هذه القاعدة يسهل لك توجيه الاختلافات، و هذا الوجه وراء ما ذكره الأصحاب في كتب الأصول من العام و الخاص و المطلق و المقيد و المحكم و المتشابه و غيرها و نحن بعون الله نبين لك في كل اختلاف ما تيسر.

«و قال الصادق (عليه السلام) أربع (إلى قوله) بالموسى» بفتح السين ما يحلق به و التنظيف فيما ذكر من الرأس و الإبط و العانة أو كل البدن غير ما استثني مع تعذر النورة «و حلق الجسد بالنورة» و يمكن أن يكون هنا سهو من الراوي بأن كان ورد الحلق مع الموسى و التنظيف مع النورة فعكس سهوا أو يكون تجوزا «و كثرة الطروقة» أي الجماع.

باب غسل الميت «قال الصادق (عليه السلام) (إلى قوله) لا إله إلا الله» اختلف العلماء في تقدير خبر (لا) فقيل (موجود) و أنه يدل على نفي وجود الآلهة، و التوحيد نفي إمكان غير الله، و قيل (ممكن) و لا يلزم بالاستثناء وجود الله بل إمكانه (و أجيب) بأجوبة ضعيفة و الحق أن كلا التقديرين صحيح و مستلزم للتوحيد (أما الأول) فلان نفي الوجود في الواجب يستلزم نفي الإمكان ضرورة- لأنه إذا لم يكن ممتنعا يجب وجوده فإنه لا واسطة

338

النَّزْعِ فَقَالَ لَهُ قُلْ- لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ رَبِّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ

____________

فيه و كذا (في الثاني) لأنه إذا أمكن وجوده بالإمكان العام يجب وجوده لأنه لا يمكن تصور واجب ممكن بالإمكان الخاص للزوم اجتماع النقيضين.

«الحليم الكريم» الحليم هو الذي لا يعجل في عقوبة العاصين و إطلاق أكثر الأسماء عليه تعالى باعتبار الغايات فإن من له تثبت و رزانة، و عقل و لا يعجل في الأمور يسمى بالحليم- و لما كان المبادي ممتنعة في حقه تعالى فإنه ليس بمحل الحوادث و لا يعتريه الحالات من الرضا و الغضب و أمثالهما فهو باعتبار الغايات فحلمه تعالى عدم تعجيل العقوبة و غضبه تعالى عقوبته و رضاه تعالى ثوابه تعالى الله عن المشابهة و المشاكلة و المماثلة علوا كبيرا- و الكريم المستجمع لجميع صفات الكمال (أو) الجواد المفضل الذي لا ينفد عطاؤه، و كلا المعنيين يطلقان على الله تعالى، و المناسب للمقام المعنى الثاني و إن استلزمه الأول أيضا.

«لا إله إلا الله العلي العظيم» و العلي فعيل من العلو بمعنى علو ذاته و صفاته و أفعاله رتبة و كمالا (أو) بمعنى أنه أعلى من عقول العاقلين و تفكر المتفكرين و توهم المتوهمين (أو) العلو عما ينسب إليه مما لا يليق بذاته أو صفاته أو أفعاله، و يمكن إرادة المجموع كما يفهم من الأخبار، و كذا العظيم بالمعاني الثلاث لكن لكل منها معنى لطيف مباين للمعنى الآخر لا يمكن ذكره، و إنما يدركه العارفون و إن كان ما يدركونه بأي معنى كان فهو تعالى أجل و أعظم منه.

«سبحان الله رب السماوات السبع» يعني أنزهه تنزيها عما لا يليق بذاته و صفاته و أفعاله و الرب يجيء بمعنى الخالق و المربي و الرازق، و السماوات السبع فلك زحل، و المشتري، و المريخ، و الشمس، و زهرة، و عطارد، و القمر.

«و رب الأرضين السبع» بفتح الراء جمع أرض بسكونها، و الأرضين السبع (قيل)

339

وَ مَا فِيهِنَّ وَ مَا بَيْنَهُنَّ وَ مَا تَحْتَهُنَّ

____________

هي الأقاليم السبعة (و قيل) هي طبقات سبع كالسماوات كما في صحيحة زينب العطارة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) و هو ظاهر قوله تعالى وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (2) و روي عن أبي الحسن الرضا (صلوات الله عليه) أن محدب كل سماء أرض لمقعر السماء التي فوقها- كما أن مقعر فلك القمر سماء أهل الأرض، و يظهر من بعض الأخبار أن الأرض سبع و هذه إحداها (و قيل) المراد بالأرض غير السماء و باعتبار كرة الأثير، و الزمهرير. و الهواء، و البخار، و الماء، و الطين، و الأرض المركب، و التراب أو الأرض البسيط سبع. «و ما فيهن و ما بينهن» و في نسخة (و ما تحتهن) و المراد بما في السماوات السبع الكواكب السبعة التي في تحتها الأفلاك الجزئية على ما قيل، و بما في الأرضين المعادن، و العيون. و الأنهار، و الأشجار، و بما بين السماوات الملائكة و الذي يظهر من الأخبار المستفيضة الصحيحة أن ما بين كل سماء إلى السماء الأخرى بعدا عظيما و هو مشحون من الملائكة و لم يدل دليل على امتناعه إلا أن أهل الهيئة لم يثبتوه لأنهم يثبتون ما يصل إليهم عقولهم مما لا بد منه، و لا ينفون الزائد كما هو مصرح به في كتبهم و بما بين الأرضين الإنس و الجن و الملائكة- و الحيوانات و غير ذلك (و ما- تحتهن) إشارة إلى قوله تعالى لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ (3) و في حديث زينب- أن السبع الأرضين بمن فيهن و من عليهن على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة- و السبع و الديك بمن فيه و من عليه على الصخرة كحلقة ملقاة في فلاة- و الصخرة بمن فيها و من عليها على ظهر الحوت كحلقة في فلاة- (4).

340

وَ- رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ

فَقَالَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ

وَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ هِيَ كَلِمَاتُ الْفَرْجِ

344

وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع-

إِنَّكُمْ تُلَقِّنُونَ مَوْتَاكُمْ- لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَ نَحْنُ نُلَقِّنُ مَوْتَانَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

345

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّ مَنْ

____________

«و رب العرش العظيم» و العرش عبارة عن الفلك الأطلس على المشهور (و قيل) غيره و محيط به و لا يعلم عظمته إلا الله تعالى وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّٰا هُوَ (1) و لما افتتح الكلام بالتمجيد لله تعالى ثناه بالسلام على الأنبياء، و المقصود بالذات نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) و ختم الكلام بحمده كما افتتحه بمجده، فله الحمد أولا و آخرا «و هذه الكلمات هي كلمات الفرج»، و الظاهر أنه بهذا الاعتبار تسمى بها، و يمكن أن يكون هذا فردا من أفراد الفرج الذي يحصل منها، فكل مكروب يقرأها يحصل له الفرج مع الخلاص من النار.

«و قال أبو جعفر (عليه السلام) (إلى قوله) رسول الله» يمكن أن يكون المراد إنا أهل البيت لما كنا مشتغلين دائما بكلمة التوحيد لا نحتاج إلى التلقين بها، و لما كان أهل البيت بسبب انتسابهم إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يغفلون عن الشهادة بالرسالة، فنحن نلقنهم بها لئلا يغفلوا عنها كما غفلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما)، فلقنها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)- بابنك ابنك (أو) لما كانت الشهادة بالرسالة مستلزمة للشهادة بالتوحيد، فنحن نلقن بالملزوم، و يتبعه اللازم (أو) لما وصل إليكم أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة أنتم تكتفون بها و نحن نلقن بالكلمتين و ما بعدهما، لأن الغرض من التلقين تذكير الاعتقادات، فنحن نلقنها جميعا، و التخصيص بذكر الرسالة لا يدل على نص ما عداها بل يفهمها أولى الألباب أن ذكر الرسالة لبيان عدم

341

كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ

346

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

أَعْقَلُ مَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ

347

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

اعْتُقِلَ لِسَانُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَقَالَ لَهَا هَلْ لِهَذَا الرَّجُلِ أُمٌّ فَقَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أُمُّهُ فَقَالَ لَهَا أَ فَرَاضِيَةٌ أَنْتِ عَنْهُ أَمْ لَا فَقَالَتْ لَا بَلْ سَاخِطَةٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَرْضَيْ عَنْهُ فَقَالَتْ قَدْ رَضِيتُ عَنْهُ لِرِضَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَقَالَ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ قُلْ يَا مَنْ يَقْبَلُ الْيَسِيرَ وَ يَعْفُو عَنِ الْكَثِيرِ اقْبَلْ مِنِّي الْيَسِيرَ وَ اعْفُ عَنِّي الْكَثِيرَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَفُوُّ الْغَفُورُ فَقَالَهَا فَقَالَ لَهُ مَا ذَا تَرَى فَقَالَ أَرَى أَسْوَدَيْنِ قَدْ دَخَلَا عَلَيَّ قَالَ أَعِدْهَا فَأَعَادَهَا فَقَالَ مَا ذَا تَرَى فَقَالَ قَدْ تَبَاعَدَا عَنِّي وَ دَخَلَ أَبْيَضَانِ وَ خَرَجَ الْأَسْوَدَانِ فَمَا أَرَاهُمَا وَ دَنَا الْأَبْيَضَانِ مِنِّي الْآنَ يَأْخُذَانِ بِنَفْسِي فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ

348

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع-

عَنْ تَوْجِيهِ الْمَيِّتِ فَقَالَ اسْتَقْبِلْ بِبَاطِنِ قَدَمَيْهِ الْقِبْلَةَ

____________

الاكتفاء بالتوحيد، فيلزمها جميع الاعتقادات من السابقة و اللاحقة أو يكون للتقية.

«و قال الصادق (عليه السلام)، أعقل ما يكون المؤمن عند موته» يمكن أن يكون من العقل بمعنى القوة الروحانية التي تميز الأشياء. و يؤيده ما سيجيء من راحة الموت أو من العقل بمعنى العقلية و يؤيده الخبر الآتي و خبر استيثاق ملك الموت.

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» يدل على استحباب التلقين بهذه الكلمات و هو أيضا للفرج و يدل على مدخلية العقوق لعسر النزع بل على أنه مهلك.

«و سأل الصادق (عليه السلام) عن توجيه الميت إلخ» أكثر الأصحاب فهم من هذا الخبر و أمثاله وجوب الاستقبال حال الاحتضار، و لا يعقل الدلالة عليه إلا مجازا و ليس هنا قرينة للتجوز بل الظاهر أنه الاستقبال المستحب بعد الموت و يمكن أن يكون لهم قرينة فهموها كما فهمه ثقة الإسلام و الصدوق، و تبعهما الأصحاب رضي الله

342

349

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَى رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ فِي السُّوقِ وَ قَدْ وُجِّهَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ وَجِّهُوهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَ أَقْبَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى يُقْبَضَ

350

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَا مِنْ أَحَدٍ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ إِلَّا وَكَّلَ بِهِ إِبْلِيسُ مِنْ شَيَاطِينِهِ

____________

عنهم أجمعين.

«و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إلخ» هذا الخبر صريح في الاستقبال حال الاحتضار لكن الخبر مرسل و لم نطلع عليه مسندا صحيحا، و ذكره الصدوق في العلل بسند لا يخلو عن ضعف، (1) و على تقدير الصحة فلا يدل على الوجوب، بل ظاهره الاستحباب و إن كان بلفظ الأمر بقرينة الوعد، فإن الغالب استعماله في المندوب و الوعيد في الواجب، فالجزم بالوجوب مشكل، و لكن الأحوط أن لا يترك و الظاهر أنه كفائي كسائر أمور الميت و إن كان بالنسبة إلى الحاضرين آكد سيما الأولياء، و هم الوراث سيما الولد الأكبر مع الأولاد و الجد للأب بالنسبة إلى غيره (و ربما يقال) بالنسبة إلى الأب فقط لا الأم و غير ذلك من الترجيحات المذكورة في كتب الأصحاب، و الكل مشكل إلا في أصل الوارث لعموم آية أولي الأرحام و خبر غير نقي السند، لكن ورد عموما أولوية الزوج في أخبار غير معتبرة، و الاحتياط ظاهر لا يترك و على المشهور فالوارث أولى من غيره لكن إذا لم يفعل الوارث فعلى الجميع و إقبال الملائكة عبارة عن استغفارهم له، و إقبال الله إليه كناية عن الرحمة و الفضل و المغفرة كأنه متوجه إليه بوجهه.

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» هذا الشيطان يسمى بالعديلة. و ربما يجيء بصورة أبيه و جده و أقاربه و يقول له اعدل عن هذا المذهب فإني كنت عليه و أنا الحال معذب فلا بد من التلقين و تذكير الاعتقادات و كل من كان إيمانه باليقين فيدفعه و لا يعدل

343

مَنْ يَأْمُرُهُ بِالْكُفْرِ وَ يُشَكِّكُهُ فِي دِينِهِ حَتَّى يَخْرُجَ نَفْسُهُ فَإِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَلَقِّنُوهُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتُوا

351

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا

مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرَةٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ وَ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمْعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْجُمْعَةَ لَكَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ يَوْماً لَكَثِيرٌ وَ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَكَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَابَ وَ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ وَ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ

352

وَ سُئِلَ الصَّادِقُ ع-

عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي

____________

عنه و لكن يجب التمسك بالله و الاعتصام بفضله في جميع الأحوال فإن الشيطان للإنسان عدو مبين و التلقين مشتمل على الأئمة المعصومين في جميع الأحوال في الأخبار المستفيضة و ما لم يرد فيها ذكرهم (إما) للظهور عند أصحابهم (صلوات الله عليهم) (و إما) للتقية.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلخ» الظاهر أن اختلاف المراتب بحسب اختلاف الكمال فإن التوبة الكاملة ما يكون مع إصلاح النفس و الأعمال بعدها كما قال الله تعالى إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ (1) فإذا كانت قبل الموت بسنة و أصلح أعماله بتدارك ما فات منه حتى يظهر على نفسه و على العالمين أنه من التائبين حتى يقتدي به غيره فهو أكمل و هذا أحد معاني التوبة النصوح و لو لم يحصل له توفيق السنة فلا أقل من شهر. و بعده الأسبوع كما في خبر آخر. و يعده اليوم، و آخر مراتبها عند حضور الموت قبل معاينة أمور الآخرة فإنها لا تقبل بعدها كما في فرعون، و قوله تعالى (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (1) و قيل

344

تُبْتُ الْآنَ

قَالَ ذَاكَ إِذَا عَايَنَ أَمْرَ الْآخِرَةِ

353 وَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لَهُ حَشَمٌ وَ جِمَالٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

الَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ

فَقَالَ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى

لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا

فَهِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ فَيُبَشَّرُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ فِي الْآخِرَةِ

فَإِنَّهَا بِشَارَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمَوْتِ يُبَشَّرُ بِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَ لِمَنْ يَحْمِلُكَ إِلَى قَبْرِكَ

354

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ ع- كَيْفَ تَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ وَ بَعْضُهَا فِي الْمَغْرِبِ وَ بَعْضُهَا فِي الْمَشْرِقِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ أَدْعُوهَا فَتُجِيبُنِي قَالَ فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ ع- إِنَّ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيَّ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا مَا شَاءَ وَ الدُّنْيَا عِنْدِي كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ

355

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

مَا يَخْرُجُ مُؤْمِنٌ عَنِ الدُّنْيَا إِلَّا بِرِضاً مِنْهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَكْشِفُ لَهُ الْغِطَاءَ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مَكَانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَ تُنْصَبُ لَهُ الدُّنْيَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَتْ لَهُ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَيَخْتَارُ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَقُولُ مَا أَصْنَعُ بِالدُّنْيَا وَ بَلَائِهَا فَلَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ كَلِمَاتِ الْفَرَجِ

____________

التغييرات من قبيل النسخ تفضلا من الله على عباده.

«و أتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) رجل إلخ» أما البشارة في الدنيا فبأن يرى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أو أحدا من الأئمة (صلوات الله عليهم) يبشرونه بالجنة (أو) بأنه من الفائزين (أو) أصل رؤيتهم (أو) كل رؤيا حسنة، و (أما) البشارة في الآخرة (أو) في الساعة الآخرة فيبشر بأن الله قد غفر لك، و لمن يحملك إلى قبرك حتى يجود بنفسه و لا يشق عليه الموت، «قوله (عليه السلام) فلقنوا موتاكم كلمات الفرج» التفريع باعتبار أنه لما رأى المؤمن

345

356

وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ع-

لَوْ أَدْرَكْتُ عِكْرِمَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَنَفَعْتُهُ فَقِيلَ لِلصَّادِقِ(ع)بِمَا ذَا كَانَ يَنْفَعُهُ قَالَ كَانَ يُلَقِّنُهُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ

357

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

إِنَّ مَوْتَ الْفَجْأَةِ تَخْفِيفٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَ رَاحَةٌ وَ أَخْذَةُ أَسَفٍ عَلَى الْكَافِرِ

____________

مكانه من الجنة و هو يرضى الموت فلقنوهم حتى يجعل فرجهم (أو) لأن هذه الكلمات سبب لهذه البشارة أو لكمالها.

«و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لو أدركت عكرمة» و هو مولى ابن عباس و كان يرى رأي الخوارج، و لكنه كثير الاختلاف إلى الأئمة و كان يحبهم، فلما أخبر (عليه السلام) بأنه في الاحتضار، قام من مجلسه و ذهب إليه لكي يرده عن مذهبه الفاسد، فقبل أن يصل (صلوات الله عليه) إليه قضى نحبه فرجع، و قال لو أدركته لنفعته بكلمات ينتفع بها، فقيل له و ما ذاك الكلام فقال (عليه السلام) هو و الله ما أنتم عليه فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله و الولاية، و كذا قيل للصادق (عليه السلام)، فأجاب بما أجاب به أبوه (صلوات الله عليه)، و الظاهر أن السائل لم يسمع جواب أبيه أو سمعه، و لكن يريد ليطمئن قلبه و عنه (صلوات الله عليه) و الله لو أن عابد وثن وصف ما تصفون عند خروج نفسه ما طعمت النار من جسده أبدا- و حكاية أبي بكر الحضرمي معروفة منقولة بطرق متعددة أنه لقن رجلا بالاعتقاد بالأئمة مفصلا فمات فرأى في المنام في حالة حسنة فقال نجوت بكلمات لقنيهن أبو بكر، و لو لا ذلك كدت أهلك و أما الخبر طويل.

«و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)- إن موت الفجأة تخفيف على المؤمن» أي للمؤمن «و راحة» عطف على تخفيف «و أسف على الكافر» و في نسخة (أخذه أسف على الكافر) مكان قوله (و راحة) كما في الكافي (1) يعني أن المؤمن يجهز أمر موته قبل حلوله بكل تجهيز، و لا يكون عليه حق من حقوق الله، و لا حقوق الناس حتى يحتاج إلى

346

358

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

الْمَوْتُ كَفَّارَةُ ذَنْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ

____________

الوصية فإذا مات فجأة يسهل عليه النزع، و لم يحصل له مشقة المرض و غضب على الكافر، لأنه يمكن أن يحصل له الرجوع و التوبة لو مرض أو طال مرضه و يرجع عن العناد، و لهذا يحصل لبعضهم الرجوع فيه بسبب نياتهم الحسنة (أو) أخلاقهم الفاضلة (أو) أعمالهم الصالحة (أو) بسبب جهلهم، فَإِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ و لو كانوا كفارا، و يوفقهم (الله خ) للتوبة و الإنابة، و إذا لم يكن أعمالهم بهذه المثابة يخفف عنهم النزع لئلا يبقى لهم شيء يستحقون به المغفرة، و إن كانت أعمالهم كلها باطلة، لكن الله تعالى يعوضهم بفضله و رحمته في الدنيا بكثرة الأموال و صحة البدن و سائر النعم، مع أنه يتم بها حجته عليهم أيضا، و يدل على ما ذكرناه الأخبار الكثيرة و يمكن تعميم الكافر بحيث يشمل غير المؤمن المتقي يعني كافر نعم الله لأن الأسف و الندامة يحصل لجميعهم في الفجأة فيفهم منه الترغيب في التجهيز و إصلاح الأعمال و رد الحقوق أو الوصية بها لئلا يموت فجأة و يكون مشغول الذمة بها.

«و قال الصادق (عليه السلام) الموت كفارة ذنب كل مؤمن» يعني أن المؤمن كلما يقع عليه من الأمراض و البلايا فهو كفارة لذنوبه، فإذا بقي منها شيء فالموت كفارة له، و لا يدل على أن الموت كفارة كل ذنوبه إلا باعتبار أنه جنس مضاف و يدل على العموم و فيه شيء، و في الأخبار الكثيرة أنه إذا بقي شيء منه فكفارته عذاب القبر و إذا بقي منه شيء فبأهوال يوم القيمة، و الظاهر من الأخبار أن الإمامية لا تدخل جهنم لأنهم هم الفرقة الناجية، و إن وقع في بعضها أن لا تتكلوا علينا فإن من المذنبين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة، و إن احتمل أن يكونوا غير الإمامية من سائر فرق الشيعة أو من بعض العامة إذا كان لهم محبة و انقطاع إليهم كما يظهر من الأخبار، و بالجملة المؤمن يجب أن يكون بين الخوف و الرجاء و إن كانت أعماله كلها صالحة بل خوف الأتقياء أكثر، و إن كان رجاؤهم من فضل الله و رحمته أعظم، بل ينبغي أن يكون الخوف من أعماله، و الرجاء من فضله متساويين، إلا في حال الشيب و المرض

347

359

وَ قَالَ ع

إِنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ أَلْفَ عَقَبَةٍ أَهْوَنُهَا وَ أَيْسَرُهَا الْمَوْتُ

____________

خصوصا عند الاحتضار ففي هذه الأحوال ينبغي أن يكون الرجاء أكثر من الخوف بل لا يخطر بباله الخوف أصلا و ينظر إلى سعة رحمته و فضله.

«و قال» أي الصادق «(عليه السلام) إن (إلى قوله) الموت» و المراد من البين عالم البرزخ و المراد بالآخرة يوم القيمة، و المراد بالألف أما الحقيقي أو الكثرة كما في قوله تعالى (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)- (1) أن المراد بها الكثرة و لم يثبت قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (لأزيدن على السبعين) فأما العقبات التي أهونها الموت فلا يعلم حقيقتها كما هي، إلا الله تعالى و أولياءه، و لكن الذي نفهمه هو موافق للواقع.

و يمكن أن يكون المراد من الخبر أنه لا شك أن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح عن البدن و عن جميع ما تعلقت بها: مثلا إذا قطع بعض أعضاء شخص من اليد و الرجل، و اللسان و الأنف مثلا يتألم البدن من مفارقة ذلك العضو تألما بينا و يتألم النفس من مفارقة ذلك الجزء أشد من تألم البدن و كذا إذا سرق منه شيء أو غصب منه مال يتألم النفس منهما باعتبار تعلقه بهما فالموت عبارة عن سلب جميع الأعضاء التي لها تعلق بكل واحدة منها تعلقا عظيما و كذا يسلب منه زوجاته و أولاده و أقاربه و أحباءه و أمواله التي لها بكل واحدة منها تعلق عظيم في أكثر العالمين إلا من وفقه الله تعالى بقطع تعلقه من الجميع أو من الأكثر و بقدر ما ينقطع التعلق يسهل الموت و إذا انقطع جميع تعلقات شخص فهو داخل في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (موتوا قبل أن تموتوا) فظهر أن عقبة الموت صعبة بالنظر إلى أكثر الناس فانظر إلى عقبات ما بعد الموت.

و اعلم أن النفس بسبب اكتساب الكمالات يحصل لها الملكات الحسنة و باكتساب السيئات يحصل لها الأخلاق الرذيلة، و كلها لازمة للنفس لا ينفك عنها، و يظهر عنه

348

..........

____________

النوم أن الأخلاق الحسنة يتصور بصور حسنة مليحة، و خلافها بصور قبيحة، و كل خلق كان للنفس أكمل و أتم فالغالب أنه يرى صورة تناسبه، مثلا إذا كان خلق السباع لها أتم فكلما ينام يرى السباع، و إذا كان الغالب عليها الحرص فيرى الفأرة و النملة إلى غير ذلك، و إذا رسخ فيها الكمالات ففي النوم يرى المياه و العيون و الأشجار النورانية و الثمرات الروحانية.

و كذا لكل عمل مثال كما أن لكل خلق مثالا، و لهذا قال سيد العارفين و إمام الواصلين (صلى الله عليه و آله و سلم) (النوم أخ الموت)، بل بالنسبة إلى أكثرهم يظهر أحوالهم في كل ليلة، و لكن لا يعقلون، فإذا مات و انقطع التعلق بالكلية يظهر أخلاقه الطيبة و ملكاته السيئة في الصور المناسبة لها، فإن كان مؤمنا عارفا و عالما محبا لله و عاملا لله فيرى نفسه نورانيا، بل نورا محضا و أخلاقه أنوارا و أعماله أنوارا كما سيجيء في دعاء عرفة و غيره من الأدعية، و في عالم البرزخ هو داخل في الجنة التي وعدها الله لعباده الصالحين و له من النعم، لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، و كان له ما قال الله تعالى وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (1) بل في هذه الدنيا كما قال تعالى أَلٰا إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (2) و الآيات و الأخبار غير مختصين بالنشأة الآخرة و إن كان في تلك النشأة أتم و أكمل و بالنسبة إلى أكثر العالمين يزيد عقباتهم على ألف ألف عقبة كما يظهر من الأخبار أن لكل حسنة عقبة و لكل سيئة عقبة، فإذا قصر في الصلاة، و الصوم، و الزكاة، و الخمس و الحج، و غيرها، و لم يحصل للنفس الكمالات الممكنة من أفعالها يحصل لها غم عظيم و ألم جسيم يفوق على كل الآلام الجسمانية، و يحصل لها بسبب الملكات الرديئة

349

360

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا عِنْدَ مَوْتِهِ- عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ لِيُضِلَّهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَيَأْبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى-

يُثَبِّتُ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّٰابِتِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ

361

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع

فِي الْمَيِّتِ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَ إِنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَيَرَى مَا يَسُرُّهُ ثُمَّ قَالَ أَ مَا تَرَى الرَّجُلَ يَرَى مَا يَسُرُّهُ وَ مَا يُحِبُّ فَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ وَ يَضْحَكُ

____________

و الأفعال الرذيلة ما يتصور بصور العقارب، و الحيات، و السباع، و سائر المؤذيات المهلكات و تلدغها، و تفترسها إلى المحشر، فانظر إلى الأعمال الصالحة، فإن أصولها تزيد على ألف، بل ألف ألف، و النظر إلى المخالفات و الأخلاق الرذيلة فهو أكثر من أن يحصى، و حاسب نفسك قبل أن تحاسب، و لا تكن ممن ينقل الأخبار و لا يفهم معانيها (أو) يفهمها و لا يتفكر في عواقبها- تفضل الله علينا، و عليكم بالانتباه من هذا النوم الطويل الذي هو أخ الموت، بل الموت.

«و قال الصادق (عليه السلام) إن الشيطان إلخ» إتيانه عن اليمين و الشمال كناية، عن السعي في إضلاله (أو) الإتيان عن اليمين كناية عن إضلاله عن العقائد و الأعمال الصالحة مثلا الخيرات و المبرات و الوصية بها و عن الشمال كناية عن إضلاله بالفسق و الفجور خصوصا في شرب الخمر و الترياق للعلاج و الحيف في الوصية و الأقارير الكاذبة لضرر الورثة و غير ذلك و لكن الله بفضله و رحمته يدفع الشياطين عنه بنفسه و بأوليائه الأئمة المعصومين و بملائكته المقربين و كلهم داخلون في قول الله عز و جل يُثَبِّتُ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّٰابِتِ و يفهم منه أنه إذا كان في حال الحياة اعتقاده صحيحا ثابتا ثبته الله تعالى بأن لا يزل و لا يضل في الحياة و عند الموت.

350

362

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع-

إِذَا رَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ قَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ وَ سَالَتْ عَيْنُهُ الْيُسْرَى وَ رَشَحَ جَبِينُهُ وَ تَقَلَّصَتْ شَفَتَاهُ وَ انْتَشَرَ مَنْخِرَاهُ فَأَيَّ ذَلِكَ رَأَيْتَ فَحَسْبُكَ بِهِ

____________

«و قال الصادق (عليه السلام) إلخ» روى الكليني بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا حيل بينه و بين الكلام أتاه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و من شاء الله فجلس رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن يمينه و الآخرة عن يساره فيقول له رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أما ما كنت ترجو فيها فهو ذا أمامك و أما ما كنت تخاف منه فقد أمنت ثمَّ يفتح له باب إلى الجنة فيقول هذا منزلك في الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا و لك فيها ذهب و فضة فيقول لا حاجة لي فيها فعند ذلك يبيض لونه و يرشح جبينه و تقلص شفتاه و تنتشر منخراه و تدمع عينه اليسرى فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما يعرض عليه و هو في الجسد فيختار الآخرة فيغسله فيمن يغسله و يقلبه فيمن يقلبه فإذا أدرج في أكفانه و وضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما و تلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه و يبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه ثمَّ يسأل عما يعلم فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فيدخل عليه من نورها و بردها و طيب ريحها قال قلت جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟ فقال هيهات على المؤمنين منها من شيء و الله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فتقول وطئ على ظهري و لم يطأ على ظهرك مؤمن فتقول له الأرض لقد كنت أحبك و أنت تمشي على ظهري فأما إذا وليتك فستعلم ما أصنع بك؟ فتفتح له مد بصره (1) قوله (عليه السلام) (فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها) أي يكفيك هذه العلامات أو كل واحد منها أنه رأى ما يسره من مكانه في الجنة (أو) الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) (أو) أنه يموت، و فائدة الاستقبال إلى القبلة و قراءة القرآن عنده

351

363

وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع-

إِنَّ آيَةَ الْمُؤْمِنِ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ يَبْيَضَّ وَجْهُهُ أَشَدَّ مِنْ بَيَاضِ لَوْنِهِ وَ يَرْشَحَ جَبِينُهُ وَ يَسِيلَ مِنْ عَيْنَيْهِ كَهَيْئَةِ الدُّمُوعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةَ خُرُوجِ رُوحِهِ وَ إِنَّ الْكَافِرَ تَخْرُجُ رُوحُهُ سَلًّا مِنْ شِدْقِهِ كَزَبَدِ الْبَعِيرِ كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُ الْحِمَارِ

364

وَ رُوِيَ

أَنَّ آخِرَ طَعْمٍ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ مَوْتِهِ طَعْمُ الْعِنَبِ

____________

و التلقين بكلمات الفرج و بالشهادتين و الأئمة (صلوات الله عليهم) و سائر المستحبات و المكروهات، بل إذا وقع الموت معها يعلم أنه مات و لم يحصل له الغشية خصوصا إذا اجتمعت كل العلامات، و الأحوط عدم الاكتفاء بها ما لم يعلم الموت بالنتن و النفخ الفاحش و غيرهما فكثيرا ما تحصل و لا يموت.

و في الخبر الأول دموع العينين، و في هذا الخبر دموع اليسرى، فيمكن أن يكون دموعهما عند معاينة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة و دموع اليسرى مع عدمها إذا قيل أنها من علامات الموت لا المسرة أو يكونان للمسرة و يكون الدموع من اليسرى أكثر بقرينة قوله (و سالت) لا (و دمعت).

«و قال أبو جعفر (عليه السلام) إن آية المؤمن إلخ» و المراد بالمؤمن هنا المعتقد للحق و بالكافر غيره و هذا أيضا يؤيد احتمال المسرة «يخرج سيلا» أو سلا «من شدقه» أي أطراف فمه كما يزيد البعير عند هيجانه بالغلمة و كما يخرج نفس الحمار و في الكافي (1) بدل الحمار (البعير) تشبيه آخر و كناية عن أنهم كالأنعام نفس الحمار و في الكافي (1) بدل الحمار (البعير) تشبيه آخر و كناية عن أنهم كالأنعام بل هم أضل فإنهم لما أفسدوا النفس الناطقة بالاعتقادات الخبيثة و الأعمال الرذيلة فصارت نفوسهم كنفس الجمال أو الحمير أو الكلاب كما وقع في القرآن المجيد (2) و الأخبار المتواترة و العنب الذي يجده طعمه من عنب الجنة.

352

365

وَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص

كَيْفَ يَتَوَفَّى مَلَكُ الْمَوْتِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَيَقِفُ مِنَ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ مَوْتِهِ مَوْقِفَ الْعَبْدِ الذَّلِيلِ مِنَ الْمَوْلَى فَيَقُومُ وَ أَصْحَابُهُ لَا يَدْنُونَ مِنْهُ حَتَّى يَبْدَأَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَ يُبَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ

366

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع

إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَثَّقَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ

وَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ إِلَّا مُثِّلَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)وَ الْحُجَجُ (صلوات الله عليهم أجمعين)

____________

«و سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كيف يتوفى ملك الموت إلخ» أي يقبض روح المؤمن فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) يعظمه هو و أصحابه و أصل المجيء مع الأصحاب أيضا للتعظيم و لا يقرب منه حتى يسلم عليه و يبشره بالجنة و يرضى بالخروج من الدنيا ثمَّ يقبض روحه و المراد من المؤمن الإمامي الصالح كما هو الظاهر و يحتمل الأعم. «و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (إلى قوله) ملك الموت» أي بالبشارة بما أعد الله له أو بإراءته الجنة و مراتبها المعدة له فلو لا ذلك لم يستقر و لم يطمئن في الذهاب أو وثقه بمشاهدته كما ترى أنه إذا رأى الشخص أسدا كأنه يتوثق و لا يمكنه الحركة أو بأنياب المنية أو بغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى و الرسول و الأئمة (صلوات الله عليهم).

«و ما من أحد يحضره الموت إلخ» روى الكليني بإسناده، عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك يا بن رسول الله، هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال لا و الله إنه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عنه ذلك فيقول له ملك الموت يا ولي الله لا تجزع فو الذي بعث محمدا، لأنا أبر بك و أشفق عليك من والد رحيم، لو حضرك، افتح عينيك فانظر، قال و يمثل له رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ذريتهم (عليهم السلام) فيقال له هذا رسول الله و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة رفقاؤك قال: فيفتح عينيه و ينظر فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول (يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) إلى محمد و أهل بيته (ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً) بالولاية (مَرْضِيَّةً) بالثواب (فَادْخُلِي