مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
51

الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ- وَ لَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَإِ لَكِنَّهُ الْمُنْشِئُ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَ صَوَّرَهُ وَ أَنْشَأَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ لَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئاً قُلْتُ أَجَلْ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ لَكِنَّكَ قُلْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ وَ قُلْتَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ اللَّهُ وَاحِدٌ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ أَ لَيْسَ قَدْ تَشَابَهَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ قَالَ يَا فَتْحُ أَحَلْتَ ثَبَّتَكَ اللَّهُ إِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي فَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ قِيلَ وَاحِدٌ

____________

ارتباطا يصحح الحمل و القول عليه، و المراد بالخلق إما مطلق الإيجاد، فقوله: و لا المنشئ، من المنشأ كالمفسر و المؤكد له، أو المراد به التقدير و التصوير، فقوله: و لا المنشأ تعميم، و الضمير في لكنه إما للشأن أو راجع إليه سبحانه.

قوله: فرق، إما اسم أي الفرق و الامتياز لازم بينه سبحانه و بين من جسمه أي أوجده جسما، أو أعطاه حقيقة الجسمية، و صوره أي أوجده متصورا بصورة خاصة و أنشأه من العدم، فقوله: إذ كان تعليل لعدم المعرفة أو الفرق، أو فعل، أي فرق و باين بين المهيات و صفاتها و لوازمها، و جعل لكل منها حقيقة خاصة و صفة مخصوصة فقوله:" إذ" يحتمل الظرفية و التعليل، فعلى الأول، المعنى: أنه خلقها في وقت لم يكن متصفا بشيء من تلك الحقائق و الصفات، و لم يكن في شيء منها شبيها بالمخلوقات و على الثاني لعل المعنى أنه أعطى المخلوقات المهيات المتباينة و الصفات المتضادة لأنه لم يكن يشبهه شيئا منها، إذ لو كان متصفا بأحد تلك الأضداد لم يكن معطيا لضدها، إذ لو كان حارا مثلا لم يكن معطيا و مفيضا للبرودة، فلما لم يكن متصفا بشيء منهما صار علة لكل منهما فيما يستحقه من المواد، و أيضا لو كان مشاركا لبعضها في المهية لم يكن معطيا تلك المهية غيره، و إلا لزم كون الشيء علة لنفسه.

قوله (عليه السلام): أحلت، أي أتيت بالمحال و قلت به، ثبتك الله، أي على الحق.

قوله (عليه السلام): إنما التشبيه بالمعاني، أي التشبيه الممنوع منه إنما هو تشبيه معنى حاصل فيه تعالى بمعنى حاصل للخلق، لا محض إطلاق لفظ واحد عليه تعالى، و على الخلق بمعنيين متغايرين، أو المعنى أنه ليس التشبيه هنا في كنه الحقيقة و الذات،

52

فَإِنَّهُ يُخْبَرُ أَنَّهُ جُثَّةٌ وَاحِدَةٌ وَ لَيْسَ بِاثْنَيْنِ وَ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَ أَلْوَانَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَ مَنْ أَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ وَ هُوَ أَجْزَاءٌ مُجَزَّاةٌ لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ وَ لَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ وَ عَصَبُهُ غَيْرُ عُرُوقِهِ وَ شَعْرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ وَ سَوَادُهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ وَ لَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ وَاحِدٌ لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَ لَا تَفَاوُتَ وَ لَا زِيَادَةَ وَ لَا نُقْصَانَ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ جَوَاهِرَ شَتَّى غَيْرَ أَنَّهُ بِالاجْتِمَاعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ فَقَوْلَكَ

اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

فَسِّرْهُ لِي كَمَا فَسَّرْتَ الْوَاحِدَ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لُطْفَهُ عَلَى خِلَافِ لُطْفِ خَلْقِهِ لِلْفَصْلِ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَشْرَحَ ذَلِكَ لِي فَقَالَ يَا فَتْحُ إِنَّمَا قُلْنَا اللَّطِيفُ لِلْخَلْقِ اللَّطِيفِ وَ لِعِلْمِهِ

____________

و إنما التشبيه في المفهومات الكلية التي هي مدلولات الألفاظ، و تصدق عليه سبحانه كما مر تحقيقه، فأما في الأسماء فهي واحدة، أي الأسماء التي تطلق عليه تعالى، و على الخلق واحدة، لكنها لا توجب التشابه، إذ الأسماء دالة على المسميات، و ليس عينها حتى يلزم الاشتراك في حقيقة الذات و الصفات، ثم بين (عليه السلام) عدم كون التشابه في المعنى في اشتراك لفظ الواحد بينه و بين خلقه تعالى، بأن الوحدة في المخلوق هي الوحدة الشخصية التي تجتمع مع أنواع التكثرات، و ليست إلا تألف أجزاء و اجتماع أمور متكثرة، و وحدته سبحانه هي نفي التجزي و الكثرة و التعدد عنه سبحانه مطلقا، و قوله (عليه السلام): فأما الإنسان، فيحتمل أن يكون كل من المخلوق و المصنوع و المؤلف و الظرف خبرا، و إن كان الأول أظهر.

قوله (عليه السلام): للفصل.

بالصاد المهملة، أي للفرق الظاهر بينه و بين خلقه، أو بالمعجمة أي لما بينت من فضله على المخلوق.

قوله (عليه السلام): إنما قلنا اللطيف، قيل: إن اللطيف هو الشيء الدقيق، ثم استعمل فيما هو سبب، و مبدء للدقيق من القوة على صنعه و العلم به، فيقال لعامله:

إنه دق و لطف بصنعه، و هو صانع دقيق في صنعه، و العالم به أنه دق و لطف بدركه،

53

بِالشَّيْءِ اللَّطِيفِ أَ وَ لَا تَرَى وَفَّقَكَ اللَّهُ وَ ثَبَّتَكَ إِلَى أَثَرِ صُنْعِهِ فِي النَّبَاتِ اللَّطِيفِ وَ غَيْرِ اللَّطِيفِ وَ مِنَ الْخَلْقِ اللَّطِيفِ وَ مِنَ الْحَيَوَانِ الصِّغَارِ وَ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الْجِرْجِسِ وَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا مَا لَا يَكَادُ تَسْتَبِينُهُ الْعُيُونُ بَلْ لَا يَكَادُ يُسْتَبَانُ لِصِغَرِهِ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى وَ الْحَدَثُ الْمَوْلُودُ مِنَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا رَأَيْنَا صِغَرَ ذَلِكَ فِي لُطْفِهِ وَ اهْتِدَاءَهُ لِلسِّفَادِ وَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْجَمْعَ لِمَا يُصْلِحُهُ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ مَا فِي لِحَاءِ الْأَشْجَارِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ وَ إِفْهَامَ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ مَنْطِقَهَا وَ مَا يَفْهَمُ بِهِ أَوْلَادُهَا عَنْهَا وَ نَقْلَهَا الْغِذَاءَ إِلَيْهَا ثُمَّ تَأْلِيفَ أَلْوَانِهَا حُمْرَةٍ مَعَ صُفْرَةٍ وَ بَيَاضٍ مَعَ حُمْرَةٍ وَ أَنَّهُ مَا لَا تَكَادُ عُيُونُنَا تَسْتَبِينُهُ لِدَمَامَةِ خَلْقِهَا لَا تَرَاهُ عُيُونُنَا وَ لَا تَلْمِسُهُ أَيْدِينَا عَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَ هَذَا الْخَلْقِ لَطِيفٌ لَطُفَ بِخَلْقِ مَا سَمَّيْنَاهُ

____________

و هو عالم دقيق في دركه. و قوله (عليه السلام) و لعلمه: ليس الواو في بعض النسخ فهو بدل للخلق أو علة له، و قال الجوهري: صغر الشيء فهو صغير و صغار بالضم، و قال:

الجرجس: البعوض الصغار فهو من قبيل عطف الخاص على العام.

قوله (عليه السلام): في لطفه، أي مع لطف ذلك المخلوق أو بسبب لطفه سبحانه و السفاد بالكسر: نزو الذكر على الأنثى، و لجة البحر معظمه، و اللحاء بالكسر و المد: قشر الشجر، و" إفهام" إما بالكسر أو بالفتح، و يؤيد الأخير ما في العيون: و فهم بعض عن بعض، و قال السيد الداماد (رحمه الله): الدمامة بفتح الدال المهملة و بميمين عن حاشيتي الألف: القصر و القبح، يقال رجل دميم و به دمامة إذا كان قصير الجثة، حقير الجثمان قبيح الخلقة، و أما الذمامة بإعجام الذال بمعنى القلة، من قولهم بئر ذمة بالفتح أي قليل الماء، و في هذا المقام تصحيف" انتهى".

و أقول: فلما كان لسائل أن يقول: اللطف بهذا المعنى أيضا يطلق على المخلوق فيقال: صانع لطيف، فأشار (عليه السلام) إلى جواب ذلك بقوله: بلا علاج و لا أداة و لا آلة، و الحاصل أن لطفه سبحانه ليس على ما يعقل في المخلوقين، بأي معنى كان، بل يرجع إلى نفي العجز عن خلق الدقيق، و نفي الجهل بالدقيق، فأما كيفية خلقه و كنه علمه

54

بِلَا عِلَاجٍ وَ لَا أَدَاةٍ وَ لَا آلَةٍ وَ أَنَّ كُلَّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ وَ اللَّهُ الْخَالِقُ اللَّطِيفُ الْجَلِيلُ خَلَقَ وَ صَنَعَ لَا مِنْ شَيْءٍ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ قَالَ

اعْلَمْ عَلَّمَكَ اللَّهُ الْخَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدِيمٌ وَ الْقِدَمُ صِفَتُهُ الَّتِي دَلَّتِ الْعَاقِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فِي دَيْمُومِيَّتِهِ فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ مُعْجِزَةُ الصِّفَةِ أَنَّهُ

____________

فهو مستور عنا، و قال الجزري: في أسماء الله تعالى اللطيف، و هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل و العلم بدقائق المصالح و إيصالها إلى من قدرها له من خلقه، يقال:

لطف له بالفتح يلطف لطفا إذا رفق به، و أما لطف بالضم يلطف فمعناه صغر و دق.

الحديث الثاني: مرسل و المراد بالقدم وجوب الوجود.

قوله (عليه السلام) فقد بأن لنا بإقرار العامة: الإقرار إما من أقر بالحق إذا اعترف به، أو من أقر الحق في مكانه فاستقر هو، ف قوله (عليه السلام): معجزة الصفة على الأول منصوب بنزع الخافض، و على الثاني منصوب على المفعولية، و المعجزة اسم فاعل من أعجزته بمعنى وجدته عاجزا أو جعلته عاجزا أو من أعجزه الشيء بمعنى فاته، و إضافتها إلى الصفة المراد بها القدم، من إضافة الصفة إلى الموصوف، و إنما وصفها بالإعجاز لأنها تجدهم أو تجعلهم لنباهة شأنها، عاجزين عن إدراكهم كنهها، أو عن اتصافهم بها، أو عن إنكارهم لها، أو لأنها تفوتهم، و هم فاقدون لها.

و يحتمل أن تكون المعجزة مصدر عجز عن الشيء عجزا و معجزة بفتح الميم و كسر الجيم و فتحها، أي إقرارهم بعجزهم عن الاتصاف بتلك الصفة، و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول بأن يكون حالا عن العامة أو صفة لها، أي بإقرارهم موصوفين بالعجز عن ترك الإقرار، أو و الحال أن صفة القدم أعجزتهم و ألجأتهم إلى الإقرار فالمقر به و البين شيء واحد، و هو قوله: أن لا شيء قبل الله، لكن في الحالية و أول احتمالي الوصفية مناقشة.

و قال بعض الأفاضل: المراد بقوله: إقرار العامة إذعانهم، أو الإثبات، و على

55

لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ وَ لَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ وَ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ فِي بَقَائِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقاً لِمَنْ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ وَ لَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ كَانَ الْأَوَّلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا هَذَا وَ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِلْأَوَّلِ ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِأَسْمَاءٍ دَعَا الْخَلْقَ إِذْ خَلَقَهُمْ وَ تَعَبَّدَهُمْ وَ ابْتَلَاهُمْ إِلَى أَنْ يَدْعُوهُ بِهَا فَسَمَّى نَفْسَهُ سَمِيعاً بَصِيراً قَادِراً قَائِماً نَاطِقاً ظَاهِراً بَاطِناً لَطِيفاً خَبِيراً قَوِيّاً عَزِيزاً حَكِيماً عَلِيماً وَ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ الْقَالُونَ الْمُكَذِّبُونَ وَ قَدْ سَمِعُونَا

____________

الأول متعلق الإذعان إما معجزة الصفة بحذف الصلة، أو محذوف، أي إقرار العامة بأنه خالق كل شيء و معجزة الصفة صفة للإقرار، أو بدل عنه أي إقرار العامة بأنه خالق كل شيء معجزة الصفة، أي صفة الخالقية لكل شيء، أو صفة القدم، لا يسع أحدا أن ينكره، و أما على الثاني فمعجزة الصفة من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الصفة التي هي معجزة لهم عن أن لا يثبتوا له خالقية كل شيء أو المعجزة بمعناه المتعارف و الإضافة لامية، أي إثباتهم الخالقية للكل معجزة هذه الصفة، حيث لا يسعهم أن ينكروها و إن أرادوا الإنكار، و يحتمل أن يكون معجزة الصفة فاعل بأن و يكون قوله: إنه لا شيء قبل الله، بيانا أو بدلا لمعجزة الصفة" انتهى".

أقول: لا يخفى أنه يدل على أنه لا قديم سوى الله، و على أن التأثير لا يعقل إلا في الحادث، و أن القدم مستلزم لوجوب الوجود.

قوله (عليه السلام) ثم وصف: أي سمى نفسه بأسماء بالتنوين، دعاء الخلق بالنصب أي لدعائهم، و يحتمل إضافة الأسماء إلى الدعاء و الأظهر أنه على صيغة الفعل كما في التوحيد و العيون، و قوله: إلى أن يدعوه متعلق به، أو بالابتلاء أيضا على التنازع، لكن في أكثر نسخ الكتاب مهموز.

قوله (عليه السلام) و ابتلاهم: أي بالمصائب و الحوائج أو ألجأهم إلى أن يدعوه بتلك الأسماء.

56

نُحَدِّثُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِثْلُهُ وَ لَا شَيْءَ مِنَ الْخَلْقِ فِي حَالِهِ قَالُوا أَخْبِرُونَا إِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا مِثْلَ لِلَّهِ وَ لَا شِبْهَ لَهُ كَيْفَ شَارَكْتُمُوهُ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى فَتَسَمَّيْتُمْ بِجَمِيعِهَا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّكُمْ مِثْلُهُ فِي حَالاتِهِ كُلِّهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ إِذْ جَمَعْتُمُ الْأَسْمَاءَ الطَّيِّبَةَ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَلْزَمَ الْعِبَادَ أَسْمَاءً مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي- وَ ذَلِكَ كَمَا يَجْمَعُ الِاسْمُ الْوَاحِدُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ الْجَائِزُ عِنْدَهُمُ الشَّائِعُ وَ هُوَ الَّذِي خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ الْخَلْقَ فَكَلَّمَهُمْ بِمَا يَعْقِلُونَ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً فِي تَضْيِيعِ مَا ضَيَّعُوا فَقَدْ يُقَالُ لِلرَّجُلِ كَلْبٌ وَ حِمَارٌ وَ ثَوْرٌ وَ سُكَّرَةٌ وَ عَلْقَمَةٌ وَ أَسَدٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِهِ وَ حَالاتِهِ لَمْ تَقَعِ الْأَسَامِي عَلَى مَعَانِيهَا الَّتِي كَانَتْ بُنِيَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ بِأَسَدٍ وَ لَا كَلْبٍ فَافْهَمْ ذَلِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَادِثٍ عَلِمَ بِهِ الْأَشْيَاءَ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حِفْظِ مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ أَمْرِهِ وَ الرَّوِيَّةِ فِيمَا يَخْلُقُ مِنْ خَلْقِهِ وَ يُفْسِدُ مَا مَضَى مِمَّا أَفْنَى مِنْ

____________

قوله (عليه السلام): و الدليل على ذلك، أي على إطلاق اللفظ الواحد على المعنيين المختلفين، و القول الشائع هو ما فسره (عليه السلام) بقوله: و قد يقال، و في التوحيد و غيره السائغ، أي الجائز، و العلقم شجر مر، و يقال: للحنظل و لكل شيء مر علقم.

قوله (عليه السلام): على خلافه، أي على خلاف موضعه الأصلي.

قوله: و حالاته، عطف على الضمير المجرور في خلافه بدون إعادة الجار و هو مجوز، أو الواو بمعنى مع، أو يقدر المضاف، و في العيون و غيره: على خلافه لأنه لم يقع، و هو أظهر.

قوله (عليه السلام): و الروية، عطف على الحفظ، و قوله: و يفسد عطف على قوله يخلق و قوله: ما مضى بدل من الموصول، أو قوله: و يفسد حال، أي فيما يخلق من خلقه و الحال أنه يفسد عنه خلقه ما مضى، قوله: و يعينه كذا في بعض النسخ من التعيين أي من العلم الذي لو لم يحضر العالم ذلك العلم و يعينه و يحصله تعيينا و تحصيلا لا

57

خَلْقِهِ مِمَّا لَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ ذَلِكَ الْعِلْمُ وَ يَغِيبُهُ كَانَ جَاهِلًا ضَعِيفاً كَمَا أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا عُلَمَاءَ الْخَلْقِ إِنَّمَا سُمُّوا بِالْعِلْمِ لِعِلْمٍ حَادِثٍ إِذْ كَانُوا فِيهِ جَهَلَةً وَ رُبَّمَا فَارَقَهُمُ الْعِلْمُ بِالْأَشْيَاءِ فَعَادُوا إِلَى الْجَهْلِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ اللَّهُ عَالِماً لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ شَيْئاً فَقَدْ جَمَعَ الْخَالِقَ وَ الْمَخْلُوقَ اسْمُ الْعَالِمِ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى عَلَى مَا رَأَيْتَ وَ سُمِّيَ رَبُّنَا سَمِيعاً لَا بِخَرْتٍ فِيهِ يَسْمَعُ بِهِ الصَّوْتَ وَ لَا يُبْصِرُ بِهِ كَمَا أَنَّ خَرْتَنَا الَّذِي بِهِ نَسْمَعُ لَا نَقْوَى بِهِ عَلَى الْبَصَرِ وَ لَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَصْوَاتِ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا سُمِّينَا نَحْنُ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ بِالسَّمْعِ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَ هَكَذَا الْبَصَرُ لَا بِخَرْتٍ مِنْهُ أَبْصَرَ كَمَا أَنَّا نُبْصِرُ بِخَرْتٍ مِنَّا لَا نَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِهِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ لَا يَحْتَمِلُ شَخْصاً مَنْظُوراً إِلَيْهِ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَ هُوَ قَائِمٌ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى انْتِصَابٍ وَ قِيَامٍ عَلَى سَاقٍ فِي كَبَدٍ كَمَا قَامَتِ الْأَشْيَاءُ

____________

يكون له إلا بحصوله بعد خلوه عنه بذاته كان جاهلا، و في بعض النسخ و لغيبة من الغيبة فيكون عطفا على النفي و مفسرا له أو حالا، و في العيون و غيره و يعنه و هو الصواب، و في بعض نسخ العيون و تفنية ما مضى أي إفناءها، و في بعض نسخ التوحيد و تقفية ما مضى بما أفنى أي جعل بعض ما يفنى في قفاء ما مضى، أي يكون مستحضرا لما مضى مما أعدمه سابقا حتى يفنى ما يفنى بعده على طريقته، و على التقديرين معطوف على الموصول.

قوله (عليه السلام): لا بخرت، هو بالفتح و الضم الثقب في الأذن و غيرها.

قوله (عليه السلام): فقد جمعنا، بسكون العين على صيغة المتكلم أو بفتحها على صيغة الغائب، و الاسم على الأول منصوب، و على الثاني مرفوع.

قوله (عليه السلام): لا يحتمل شخصا، أي لا يقبل مثاله و لا ينطبع صورته الذهني و شبحه فيه، فيدل على أن الإبصار بالانطباع لا بخروج الشعاع، و في العيون و التوحيد:

لا يجهل شخصا و هو أظهر، و الكبد بالتحريك: المشقة و التعب، و القضافة بالقاف و الضاد المعجمة ثم الفاء: الدقة و النحافة.

58

وَ لَكِنْ قَائِمٌ يُخْبِرُ أَنَّهُ حَافِظٌ كَقَوْلِ الرَّجُلِ الْقَائِمُ بِأَمْرِنَا فُلَانٌ وَ اللَّهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَ الْقَائِمُ أَيْضاً فِي كَلَامِ النَّاسِ الْبَاقِي وَ الْقَائِمُ أَيْضاً يُخْبِرُ عَنِ الْكِفَايَةِ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ قُمْ بِأَمْرِ بَنِي فُلَانٍ أَيِ اكْفِهِمْ وَ الْقَائِمُ مِنَّا قَائِمٌ عَلَى سَاقٍ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ لَمْ نَجْمَعِ الْمَعْنَى وَ أَمَّا اللَّطِيفُ فَلَيْسَ عَلَى قِلَّةٍ وَ قَضَافَةٍ وَ صِغَرٍ وَ لَكِنْ ذَلِكَ عَلَى النَّفَاذِ فِي الْأَشْيَاءِ وَ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ لَطُفَ عَنِّي هَذَا الْأَمْرُ وَ لَطُفَ فُلَانٌ فِي مَذْهَبِهِ وَ قَوْلِهِ يُخْبِرُكَ أَنَّهُ غَمَضَ فِيهِ الْعَقْلُ وَ فَاتَ الطَّلَبُ وَ عَادَ مُتَعَمِّقاً مُتَلَطِّفاً لَا يُدْرِكُهُ الْوَهْمُ فَكَذَلِكَ لَطُفَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُدْرَكَ بِحَدٍّ أَوْ يُحَدَّ بِوَصْفٍ وَ اللَّطَافَةُ مِنَّا الصِّغَرُ وَ الْقِلَّةُ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَ أَمَّا الْخَبِيرُ فَالَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَ لَا يَفُوتُهُ لَيْسَ لِلتَّجْرِبَةِ وَ لَا لِلِاعْتِبَارِ بِالْأَشْيَاءِ فَعِنْدَ التَّجْرِبَةِ وَ الِاعْتِبَارِ عِلْمَانِ وَ لَوْ لَا هُمَا مَا عُلِمَ لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَاهِلًا وَ اللَّهُ لَمْ يَزَلْ خَبِيراً بِمَا يَخْلُقُ وَ الْخَبِيرُ مِنَ النَّاسِ الْمُسْتَخْبِرُ عَنْ جَهْلٍ الْمُتَعَلِّمُ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى

____________

قوله (عليه السلام): و فات الطلب، أي فات ذلك الشيء عن الطلب فلا يدركه الطلب، أو فات عن العقل الطلب فلا يمكنه طلبه، و يحتمل على هذا أن يكون الطلب بمعنى المطلوب" و عاد" أي العقل أو الوهم على التنازع، أو ذلك الشيء فالمراد أنه صار ذا عمق و لطافة و دقة لا يدركه الوهم لبعد عمقه و غاية دقته، و تفصيله: أنه يمكن أن يقرأ الطلب مرفوعا و منصوبا، فعلى الأول يكون فات لازما أي ضاع و ذهب الطلب، و على الثاني فضمير الفاعل إما راجع إلى الأمر المطلوب، أي لا يدرك الطلب ذلك الأمر كما ورد في الدعاء" لا يفوته هارب" أو إلى العقل على الوجهين المذكورين، و ربما يحمل الطلب على الطالب بإرجاع ضمير الفاعل إلى الأمر، و ربما يقال: يعود ضمير الفاعل في عاد إلى الطلب، و تقدير القول في قوله: لا يدركه وهم، أي يعود الطلب أو الطالب متعمقا متلطفا قائلا لا يدركه و هم، و لا يخفى بعده، و سنام كل شيء: أعلاه

59

وَ أَمَّا الظَّاهِرُ فَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَا الْأَشْيَاءَ بِرُكُوبٍ فَوْقَهَا وَ قُعُودٍ عَلَيْهَا وَ تَسَنُّمٍ لِذُرَاهَا وَ لَكِنْ ذَلِكَ لِقَهْرِهِ وَ لِغَلَبَتِهِ الْأَشْيَاءَ وَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا كَقَوْلِ الرَّجُلِ ظَهَرْتُ عَلَى أَعْدَائِي وَ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى خَصْمِي يُخْبِرُ عَنِ الْفَلْجِ وَ الْغَلَبَةِ فَهَكَذَا ظُهُورُ اللَّهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرَادَهُ وَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَ أَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِكُلِّ مَا بَرَأَ فَأَيُّ ظَاهِرٍ أَظْهَرُ وَ أَوْضَحُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِأَنَّكَ لَا تَعْدَمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ وَ فِيكَ مِنْ آثَارِهِ مَا يُغْنِيكَ وَ الظَّاهِرُ مِنَّا الْبَارِزُ بِنَفْسِهِ وَ الْمَعْلُومُ بِحَدِّهِ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ لَمْ يَجْمَعْنَا الْمَعْنَى وَ أَمَّا الْبَاطِنُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِبْطَانِ لِلْأَشْيَاءِ بِأَنْ يَغُورَ فِيهَا وَ لَكِنْ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْيَاءِ عِلْماً وَ حِفْظاً وَ تَدْبِيراً كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَبْطَنْتُهُ يَعْنِي خَبَّرْتُهُ وَ عَلِمْتُ مَكْتُومَ سِرِّهِ وَ الْبَاطِنُ مِنَّا الْغَائِبُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَتِرُ وَ قَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَ أَمَّا الْقَاهِرُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى عِلَاجٍ وَ نَصَبٍ وَ احْتِيَالٍ وَ مُدَارَاةٍ وَ مَكْرٍ كَمَا يَقْهَرُ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ الْمَقْهُورُ مِنْهُمْ يَعُودُ قَاهِراً وَ الْقَاهِرُ يَعُودُ مَقْهُوراً وَ لَكِنْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا خَلَقَ مُلَبَّسٌ بِهِ الذُّلُّ لِفَاعِلِهِ وَ قِلَّةُ الِامْتِنَاعِ لِمَا أَرَادَ بِهِ لَمْ

____________

و منه تسنمه أي علاه، و الذرى بضم الذال المعجمة و كسرها جمع الذروة بهما، و هي أيضا أعلى الشيء.

قوله (عليه السلام): لا يخفى عليه شيء، يحتمل إرجاع الضمير المجرور إلى الموصول، أي لا يخفى على من أراد معرفته شيء من أموره: من وجوده و علمه و قدرته و حكمته و على تقدير إرجاعه إليه تعالى لعله ذكر استطرادا، أو إنما ذكر لأنه مؤيد لكونه مدبرا لكل شيء، أو لأنه مسبب عن علية كل شيء، أو لأن ظهوره لكل شيء و ظهور كل شيء له مسببان عن تجرده تعالى، و يحتمل أن يكون وجها آخر لإطلاق الظاهر عليه تعالى، لأن في المخلوقين لما كان المطلع على شيء حاضرا عنده ظاهرا له، جاز أن يعبر عن هذا المعنى بالظهور، و العلاج: العمل و المزاولة بالجوارح.

60

يَخْرُجْ مِنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَ الْقَاهِرُ مِنَّا عَلَى مَا ذَكَرْتُ وَ وَصَفْتُ فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَ هَكَذَا جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ وَ إِنْ كُنَّا لَمْ نَسْتَجْمِعْهَا كُلَّهَا فَقَدْ يَكْتَفِي الِاعْتِبَارُ بِمَا أَلْقَيْنَا إِلَيْكَ وَ اللَّهُ عَوْنُكَ وَ عَوْنُنَا فِي إِرْشَادِنَا وَ تَوْفِيقِنَا

بَابُ تَأْوِيلِ الصَّمَدِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَ لَقَبُهُ

____________

قوله (عليه السلام) لم يخرج منه طرفة عين: لعله يدل على أن الأشياء في كل آن محتاجة إلى إفاضة جديدة و إيجاد جديد، و في التوحيد طرفة عين، غير أنه يقول له و قد أشار إلى ما أومأنا إليه بهمنيار في التحصيل و غيره، حيث قالوا: كل ممكن بالقياس إلى ذاته باطل، و به تعالى حق كما يرشد إليه قوله تعالى:" كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ" فهو آنا فآنا يحتاج إلى أن يقول له الفاعل الحق: كن، و يفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول و الإفاضة طرفة عين، لعاد إلى البطلان الذاتي و الزوال الأصلي، كما أن ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضيء لعاد إلى ظلمته الأصلية.

باب تأويل الصمد الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

و اعلم أن العلماء اختلفوا في تفسير الصمد، فقيل: إنه فعل بمعنى المفعول من صمد إليه إذا قصده، و هو السيد المقصود إليه في الحوائج، كما ورد في هذا الخبر، و روت العامة عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قالا: ما الصمد؟ قال (صلوات الله عليه و آله): هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، و قيل: إن الصمد هو الذي لا جوف له.

61

شَبَابٌ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا

الصَّمَدُ

قَالَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ فِي الْقَلِيلِ وَ الْكَثِيرِ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ

____________

و قال ابن قتيبة: الدال فيه مبدلة من التاء و هو الصمت، و قال بعض اللغويين:

الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار و لا يدخله و لا يخرج منه شيء، فعلى الأول عبارة عن وجوب الوجود و الاستغناء المطلق و احتياج كل شيء في جميع أموره إليه، أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كل شيء، و يكون رفع حاجة الكل إليه و لم يفقد في ذاته شيئا مما يحتاج إليه الكل و إليه يتوجه كل شيء بالعبادة و الخضوع و هو المستحق لذلك، و أما على الثاني فهو مجاز عن أنه تعالى أحدي الذات، أحدي المعنى، ليست له أجزاء ليكون بين الأجزاء جوف، و لا صفات زائدة فيكون بينها و بين الذات جوف، أو عن أنه الكامل بالذات، ليس فيه جهة استعداد و إمكان، و لا خلو له عما يليق به، فلا يكون له جوف يصلح أن يدخله ما ليس له في ذاته، فيستكمل به، فالجوف كناية عن الخلو عما يصلح اتصافه به، و أما علي الثالث فهو كناية عن عدم الانفعال و التأثر عن الغير، و كونه محلا للحوادث كما مر عن الصادق (عليه السلام):

أن الرضا دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، لأن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه مدخل، و خالقنا لا مدخل للأشياء فيه لأنه واحد واحدي الذات واحدي المعنى، و قد ورد بكل من تلك المعاني أخبار.

و قد روى الصدوق في التوحيد و معاني الأخبار خبرا طويلا مشتملا على معاني كثيرة للصمد، و قد نقل بعض المفسرين عن الصحابة و التابعين و الأئمة و اللغويين قريبا من عشرين معنى، و يمكن إدخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الأول، لأنه لاشتماله على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، و لدلالته على كونه مبدء للكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية، و به يمكن الجمع بين الأخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى، و قد أوردنا الأخبار في كتاب بحار الأنوار.

الحديث الثاني: مجهول كالصحيح، و قوله: واحد خبر إن و الجملتان

62

بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ الَّتِي يُدْعَا بِهَا وَ تَعَالَى فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ وَاحِدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوَحُّدِهِ ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ فَهُوَ وَاحِدٌ صَمَدٌ قُدُّوسٌ يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ يَصْمُدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَ

وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً

فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ الصَّمَدِ لَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ أَنَّ تَأْوِيلَ الصَّمَدِ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ هُوَ أَعْظَمُ وَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تَقَعَ الْأَوْهَامُ عَلَى صِفَتِهِ أَوْ تُدْرِكَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ وَ لَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الصَّمَدِ فِي صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُصْمَتَ لَكَانَ مُخَالِفاً لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا مِثْلِ الْحَجَرِ وَ الْحَدِيدِ وَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً فَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ ذَلِكَ- فَالْعَالِمُ(ع)أَعْلَمُ بِمَا قَالَ وَ هَذَا الَّذِي قَالَ ع

____________

معترضتان، تباركت أسماؤه: أي تطهرت عن النقائص أو كثرت صفات جلاله و عظمته أو ثبتت و لا يعتريها التغير من قولهم: برك البعير بالمكان أي أقام، و كلمة" في" في قوله: في علو كنهه، تعليلية، و قوله (عليه السلام): توحد بالتوحيد، أي لم يكن في الأزل أحد يوحده، فهو كان يوحد نفسه، فكان متفردا بالوجود، متوحدا بتوحيد نفسه، ثم بعد الخلق عرفهم نفسه، و أمرهم أن يوحدوه، أو المراد أن توحده لا يشبه توحد غيره، فهو متفرد بالتوحد، أو كان قبل الخلق كذلك و أجرى سائر أنواع التوحد على خلقه، إذا الوحدة تساوق الوجود أو تستلزمه، لكن وحداتهم مشوبة بأنواع الكثرة كما عرفت.

قوله: فهذا هو الصحيح، من كلام الكليني (ره).

قوله: من ذلك، أي تفسير الصمد بالصمت فالعالم (عليه السلام) أعلم، أي هو (عليه السلام) أعلم بتفسيره و مراده، و الجمرة بالتحريك و الفتح واحدة جمرات المناسك، و القصوى: العقبة

63

إِنَّ الصَّمَدَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ هُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ الْمَقْصُودُ فِي اللُّغَةِ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي بَعْضِ مَا كَانَ يَمْدَحُ بِهِ- النَّبِيَّ(ص)مِنْ شِعْرِهِ-

وَ بِالْجَمْرَةِ الْقُصْوَى إِذَا صَمَدُوا لَهَا- * * * يَؤُمُّونَ قَذْفاً رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ

يَعْنِي قَصَدُوا نَحْوَهَا يَرْمُونَهَا بِالْجَنَادِلِ يَعْنِي الْحَصَى الصِّغَارَ الَّتِي تُسَمَّى بِالْجِمَارِ وَ قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ شِعْراً

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْتاً ظَاهِراً- * * * لِلَّهِ فِي أَكْنَافِ مَكَّةَ يُصْمَدُ-

يَعْنِي يُقْصَدُ وَ قَالَ ابْنُ الزِّبْرِقَانِ-

وَ لَا رَهِيبَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدٌ-

وَ قَالَ شَدَّادُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ-

عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ- * * * خُذْهَا حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ-

وَ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي جَمِيعُ الْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِلَيْهِ يَصْمُدُونَ فِي الْحَوَائِجِ وَ إِلَيْهِ يَلْجَئُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَ مِنْهُ يَرْجُونَ الرَّخَاءَ وَ دَوَامَ النَّعْمَاءِ لِيَدْفَعَ عَنْهُمُ الشَّدَائِدَ

بَابُ الْحَرَكَةِ وَ الِانْتِقَالِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ الْخَرَاذِينِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)قَالَ

ذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا

____________

و الحصى بالفتح و القصر جمع الحصاة" ما كنت أحسب" أي أظن و" رهيبة" اسم رجل" علوته بحسام" الحسام: السيف، أي رفعته فوق رأسه، و حذيف: منادي مرخم.

باب الحركة و الانتقال الحديث الأول: ضعيف.

64

فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِنَّمَا مَنْظَرُهُ فِي الْقُرْبِ وَ الْبُعْدِ سَوَاءٌ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَرِيبٌ وَ لَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ بَعِيدٌ- وَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَيْءٍ بَلْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ هُوَ ذُو الطَّوْلِ

لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

أَمَّا قَوْلُ الْوَاصِفِينَ إِنَّهُ يَنْزِلُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَنْسُبُهُ إِلَى نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُحَرِّكُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ بِهِ فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هَلَكَ فَاحْذَرُوا فِي صِفَاتِهِ مِنْ أَنْ تَقِفُوا لَهُ عَلَى

____________

قوله (عليه السلام): إنما منظره: أي نظره و علمه و إحاطته بأن يكون مصدرا ميميا أو ما ينظر إليه في القرب و البعد منه سواء، أي لا يختلف اطلاعه على الأشياء بالقرب و البعد، لأنهما إنما يجريان في المكانيات بالنسبة إلى أمثالها و هو سبحانه متعال عن المكان، إذ يوجب الحاجة إلى المكان، و هو لم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه على المجهول، أي كل شيء غيره محتاج إليه، و الطول: الفضل و الإنعام.

قوله (عليه السلام) فإنما يقول ذلك" إلخ" أي النزول المكاني إنما يتصور في المتحيز و كل متحيز موصوف بالتقدر، و كل مقتدر متصف بالنقص عما هو أزيد منه و بالزيادة على ما هو أنقص منه، أو يكون في نفسه قابلا للزيادة و النقصان، و الوجوب الذاتي ينافي ذلك لاستلزامه التجزي و الانقسام المستلزمين للإمكان، و أيضا كل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، لأن المتحرك إما جسم أو متعلق بالجسم، و الجسم المتحرك لا بد له من محرك، لأنه ليس يتحرك بجسميته، و المتعلق بالجسم لا بد له في تحركه من جسم يتحرك به، و هو سبحانه منزه عن الاحتياج إلى المحرك، و عن التغير بمغير، و عن التعلق بجسم يتحرك به.

و يحتمل أن يكون المراد بالأول الحركة القسرية، و بالثاني ما يشمل الإرادية و الطبيعية، بأن يكون المراد بمن يتحرك به ما يتحرك به من طبيعة أو نفس، و قوله:

من أن يقفوا، من وقف يقف، أي أن يقوموا في الوصف له و توصيفه على حد فتحدونه بنقص أو زيادة، و يحتمل أن يكون من قفا يقفو، أي تتبعوا له في البحث عن صفاته

65

حَدٍّ تَحُدُّونَهُ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ تَحْرِيكٍ أَوْ تَحَرُّكٍ أَوْ زَوَالٍ أَوِ اسْتِنْزَالٍ أَوْ نُهُوضٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ وَ نَعْتِ النَّاعِتِينَ وَ تَوَهُّمِ الْمُتَوَهِّمِينَ

وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرٰاكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّٰاجِدِينَ

[الحديث 2]

2

وَ عَنْهُ رَفَعَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنَّهُ قَالَ

لَا أَقُولُ إِنَّهُ قَائِمٌ فَأُزِيلَهُ عَنْ مَكَانِهِ وَ لَا أَحُدُّهُ بِمَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ وَ لَا أَحُدُّهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَرْكَانِ وَ الْجَوَارِحِ وَ لَا أَحُدُّهُ بِلَفْظِ شَقِّ فَمٍ وَ لَكِنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

كُنْ فَيَكُونُ

بِمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ صَمَداً فَرْداً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَرِيكٍ يَذْكُرُ لَهُ مُلْكَهُ وَ لَا يَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابَ عِلْمِهِ

____________

تتبعا على حد تحدونه بنقص أو زيادة، قوله:" حِينَ تَقُومُ" أي إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الأمور كلها" وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّٰاجِدِينَ" أي ترددك و حركاتك بين المصلين بالقيام و القعود و الركوع و السجود، و المعنى توكل عليه في جميع أمورك عارفا بأنه عالم بجميع أحوالك في جميع الأوقات، أو توكل عليه في توصيفه بصفاته فقل في صفته بما وصف به نفسه، و لا تعتمد في توصيفه على ما يذهب إليه و همك.

الحديث الثاني: ضعيف.

قوله (عليه السلام): فأزيله عن مكانه، أي لا يتصف بالقيام اتصاف الأجسام لاستلزامه الزوال في الجملة عن مكانه، كزوال ما يقوم من الأجسام عن مكانه الذي استقر فيه، و لأن القيام نسبة إلى المكان بخلو بعض المكان عن بعض القائم عنه و شغل بعضه ببعض، و نسبته تعالى إلى كل الأمكنة سواء.

أقول: و يمكن أن يكون المراد بالمكان: الدرجة الرفيعة التي له سبحانه من التقدس و التنزه و التجرد، أي نسبة القيام إليه تعالى مستلزم لإزالته عن تجرده و تقدسه و تنزهه سبحانه.

قوله (عليه السلام): في شيء من الأركان، أي الأركان البدنية أو النواحي و الجوانب أي أركان الخلق" و الجوارح" بأن يتحرك رأسه أو عينه أو يده سبحانه" بلفظ شق فم" أي لفظ خارج من فرجة الفم.

66

[الحديث 3]

3

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قَالَ

قَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي بَعْضِ مَا كَانَ يُحَاوِرُهُ ذَكَرْتَ اللَّهَ فَأَحَلْتَ عَلَى غَائِبٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيْلَكَ كَيْفَ يَكُونُ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ وَ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ

مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ

يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَ يَرَى أَشْخَاصَهُمْ وَ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَ لَيْسَ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ وَ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ كَيْفَ يَكُونُ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا وَصَفْتَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي إِذَا انْتَقَلَ عَنْ مَكَانٍ اشْتَغَلَ بِهِ مَكَانٌ وَ خَلَا مِنْهُ مَكَانٌ فَلَا يَدْرِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَأَمَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الْمَلِكُ الدَّيَّانُ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ وَ لَا يَكُونُ إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي قَدْ رُوِيَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

وَ أَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ بَعْضُ مَوَالِيكَ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ فَقَدْ يُلَاقِيهِ الْهَوَاءُ وَ يَتَكَنَّفُ عَلَيْهِ

____________

الحديث الثالث: مجهول.

قوله (عليه السلام): من حبل الوريد، لعل فيه إشارة إلى أن قربه سبحانه قرب العلية و التأثير و التدبير، إذ عرق العنق سبب للحياة و بانقطاعه يكون الموت و الفناء، أي هو تعالى أدخل في حياة الشخص من عرق العنق، إذ هو خالقه و مسبب سائر أسباب حياته الحديث الرابع: ضعيف، و سنده الثاني صحيح على الظاهر.

قوله (عليه السلام): علم ذلك عنده، أي علم كيفية نزوله عنده سبحانه، و ليس عليكم معرفة ذلك، ثم أشار إشارة خفية إلى أن المراد بنزوله: تقديره نزول رحمته، و إنزالها بتقديره بقوله: و هو المقدر له بما هو أحسن تقديرا، ثم أفاد أن ما عليكم علمه أنه

67

وَ الْهَوَاءُ جِسْمٌ رَقِيقٌ يَتَكَنَّفُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقَدْرِهِ فَكَيْفَ يَتَكَنَّفُ عَلَيْهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فَوَقَّعَ(ع)عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَ هُوَ الْمُقَدِّرُ لَهُ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ تَقْدِيراً وَ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَهُوَ كَمَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَهُ سَوَاءٌ عِلْماً وَ قُدْرَةً وَ مُلْكاً وَ إِحَاطَةً

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى مِثْلَهُ

[الحديث 5]

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ

5

عَنْهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى

مٰا يَكُونُ

____________

لا يجري عليه أحكام الأجسام و المحيزات من المجاورة و القرب المكاني، و التمكن في الأمكنة، بل حضوره سبحانه حضور و شهود علمي و إحاطة بالعلم و القدرة و الملك بقوله: و علم أنه" إلخ".

قوله: في قوله.

هذا كلام المصنف (ره) أي روي في تفسير هذه الآية الرواية الآتية، و قيل: عطف على عنوان الباب، أي باب في قوله، و هو بعيد.

الحديث الخامس: صحيح.

قوله تعالى" مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ" أي ما يقع من تناجي ثلاثة، و يجوز أن يقدر مضاف أو يؤول نجوى من متناجين و يجعل ثلاثة صفة لها" إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ" أي إلا الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها" وَ لٰا خَمْسَةٍ" أي و لا نجوى خمسة، و تخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، أو لأن الله وتر يحب الوتر و الثلاثة أول الأوتار، أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين، و ثالث يتوسط بينهما.

68

مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لٰا خَمْسَةٍ إِلّٰا هُوَ سٰادِسُهُمْ-

فَقَالَ هُوَ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ بِذَاكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَ هُوَ

بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ

بِالْإِشْرَافِ وَ الْإِحَاطَةِ وَ الْقُدْرَةِ-

لٰا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقٰالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ لٰا فِي الْأَرْضِ وَ لٰا أَصْغَرُ مِنْ ذٰلِكَ وَ لٰا أَكْبَرُ

بِالْإِحَاطَةِ وَ الْعِلْمِ لَا بِالذَّاتِ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا كَانَ بِالذَّاتِ لَزِمَهَا الْحَوَايَةُ

[الحديث 6]

فِي قَوْلِهِ الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

6

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

فَقَالَ اسْتَوَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ

____________

ثم اعلم أنه لما كان القدام و الخلف و اليمين و الشمال غير متميزة إلا بالاعتبار عد الجميع حدين، و الفوق و التحت حدين، فصارت أربعة، و المعنى أنه ليست إحاطته سبحانه بالذات، لأن الأماكن محدودة، فإذا كانت إحاطته بالذات بأن كانت بالدخول في الأمكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكن، و إن كانت بالانطباق على المكان لزم كونه محيطا بالمتمكن كالمكان.

الحديث السادس: ضعيف.

و اعلم أن الاستواء يطلق على معان:" الأول" الاستقرار و التمكن على الشيء" الثاني" قصد الشيء و الإقبال إليه" الثالث" الاستيلاء على الشيء، قال الشاعر:

قد استوى شبر على العراق * * * من غير سيف و دم مهراق

" الرابع" الاعتدال يقال: سويت الشيء فاستوى" الخامس" المساواة في النسبة.

فأما المعنى الأول فيستحيل على الله تعالى، لما ثبت بالبراهين العقلية و النقلية

69

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ

أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

فَقَالَ اسْتَوَى

____________

من استحالة كونه تعالى مكانيا، فمن المفسرين من حمل الاستواء في هذه الآية على الثاني، أي أقبل على خلقه و قصد إلى ذلك، و قد ورد أنه سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء، و نحو هذا قال الفراء و الزجاج في قوله عز و جل:" ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ*" و الأكثرون منهم حملوها على الثالث، أي استولى عليه و ملكه و دبره قال الزمخشري: لما كان الاستواء على العرش و هو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على السرير يريدون ملكه، و إن لم يعقد على السرير البتة، و إنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح و أقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك، و نحوه قولك يد فلان مبسوطة، و يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال، أو لم يكن له يد رأسا و هو جواد قيل فيه يد مبسوطة، لأنه لا فرق عندهم بينه و بين قولهم جواد" انتهى".

و يحتمل أن يكون المراد المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه، فيكون قوله تعالى" عَلَى الْعَرْشِ*" حالا و سيأتي توجيهه، و لكنه بعيد.

و أما المعنى الخامس فهو الظاهر مما مر من الأخبار.

فاعلم أن العرش قد يطلق على الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات، و قد يطلق على جميع المخلوقات، و قد يطلق على العلم أيضا كما وردت به الأخبار الكثيرة، و قد حققناه في كتاب السماء و العالم من كتاب بحار الأنوار، فإذا عرفت هذا فإما أن يكون (عليه السلام) فسر العرش بمجموع الأشياء، و ضمن الاستواء ما يتعدى بعلى

70

مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ

____________

كالاستيلاء و الاستعلاء و الإشراف، فالمعنى استوت نسبته إلى كل شيء حالكونه مستوليا عليها، أو فسره بالعلم، و يكون متعلق الاستواء مقدرا، أي تساوت نسبته من كل شيء حالكونه متمكنا على عرش العلم، فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى و أنها بالعلم و الإحاطة، أو المراد بالعرش عرش العظمة و الجلال و القدرة كما فسر بها أيضا في بعض الأخبار، أي استوى من كل شيء مع كونه في غاية العظمة و متمكنا على عرش التقدس و الجلالة، و الحاصل أن علو قدره ليس مانعا من دنوة بالحفظ و التربية و الإحاطة و كذا العكس.

و على التقادير فقوله" اسْتَوىٰ" خبر، و قوله" عَلَى الْعَرْشِ" حال، و يحتمل أن يكونا خبرين على بعض التقادير، و لا يبعد على الاحتمال الأول جعل قوله: على العرش، متعلقا بالاستواء بأن تكون كلمة" على" بمعنى إلى، و يحتمل على تقدير حمل العرش على العلم أن يكون قوله على العرش خبرا، و قوله: استوى، حالا عن العرش و لكنه بعيد.

و على التقادير يمكن أن يقال أن النكتة في إيراد الرحمن بيان أن رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا و حفظا و تربية و علما إلى الجميع، بخلاف الرحيمية فإنها تقتضي إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط، و كذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما حققناه في الكتاب المذكور.

و يؤيد بعض الوجوه الذي ذكرنا ما ذكره الصدوق (ره) في كتاب العقائد حيث قال: اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق، و العرش في وجه آخر هو العلم، و سئل الصادق (عليه السلام): عن قول الله عز و جل:" الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ" فقال: استوى من كل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء" انتهى" و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الأخبار على أكثر الأفهام.

71

[الحديث 7]

7

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

فَقَالَ اسْتَوَى فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بَعِيدٌ وَ لَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ قَرِيبٌ اسْتَوَى فِي كُلِّ شَيْءٍ

[الحديث 8]

8

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْءٍ أَوْ فِي شَيْءٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ قُلْتُ فَسِّرْ لِي قَالَ أَعْنِي بِالْحَوَايَةِ مِنَ الشَّيْءِ لَهُ أَوْ بِإِمْسَاكٍ لَهُ أَوْ مِنْ شَيْءٍ سَبَقَهُ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْصُوراً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمُولًا

[الحديث 9]

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ

9

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ

قَالَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ- إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً هِيَ قَوْلُنَا قُلْتُ مَا هِيَ فَقَالَ-

وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ

فَلَمْ أَدْرِ بِمَا أُجِيبُهُ فَحَجَجْتُ فَخَبَّرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ هَذَا كَلَامُ زِنْدِيقٍ خَبِيثٍ إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ فَقُلْ لَهُ مَا اسْمُكَ بِالْبَصْرَةِ

____________

الحديث السابع: صحيح.

الحديث الثامن: صحيح و آخره مرسل.

قوله: بالحواية من الشيء له، تفسير لقوله: في شيء، و قوله: أو بإمساك له، تفسير لقوله: على شيء، و قوله: أو من شيء سبقه، تفسير لقوله: من شيء.

الحديث التاسع: حسن، و لعل هذا الديصاني لما كان قائلا بإلهين: نور، ملكه السماء، و ظلمة ملكها الأرض، أول الآية بما يوافق مذهبه بأن جعل قوله:" وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ" جملة تامة معطوفة على مجموع الجملة السابقة، أي و في الأرض إله

72

فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ فَقُلْ كَذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا

فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ

وَ فِي الْبِحَارِ إِلَهٌ وَ فِي الْقِفَارِ إِلَهٌ وَ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَهٌ قَالَ فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُ أَبَا شَاكِرٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ هَذِهِ نُقِلَتْ مِنَ الْحِجَازِ

بَابُ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ قَالَ

سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْمِلُ الْعَرْشَ أَمِ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَامِلُ الْعَرْشِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنَّ اللّٰهَ يُمْسِكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولٰا

____________

آخر، و يظهر من بعض الأخبار أنه كان من الدهريين، فيمكن أن يكون استدلاله بما يوهم ظاهر الآية من كونه بنفسه حاصلا في السماء و الأرض، فيوافق ما ذهبوا إليه من كون المبدإ الطبيعة، فإنها حاصلة في الأجرام السماوية و الأجسام الأرضية معا، فأجاب (عليه السلام) بأن المراد أنه تعالى مسمى بهذا الاسم في السماء و في الأرض، و الأكثرون على أن الظرف متعلق بالإله لأنه بمعنى المعبود أو مضمن معناه، كقولك: هو حاتم في البلد.

باب العرش و الكرسي الحديث الأول: مرفوع، و قال في القاموس: الجاثليق بفتح الثاء المثلثة. رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام.

قوله تعالى" أَنْ تَزُولٰا" أي يمسكهما كراهة أن تزولا بالعدم و البطلان، أو يمنعهما و يحفظهما أن تزولا، فإن الإمساك متضمن للمنع و الحفظ، و فيه دلالة على أن الباقي في البقاء محتاج إلى المؤثر" إِنْ أَمْسَكَهُمٰا" أي ما أمسكهما" مِنْ بَعْدِهِ" أي من بعد الله أو من بعد الزوال و" من" الأولى زائدة للمبالغة في الاستغراق، و الثانية

73

وَ لَئِنْ زٰالَتٰا إِنْ أَمْسَكَهُمٰا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً غَفُوراً

قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ

وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمٰانِيَةٌ

فَكَيْفَ قَالَ ذَلِكَ وَ قُلْتَ إِنَّهُ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ نُورٍ أَحْمَرَ مِنْهُ احْمَرَّتِ الْحُمْرَةُ وَ نُورٍ أَخْضَرَ مِنْهُ اخْضَرَّتِ الْخُضْرَةُ وَ نُورٍ أَصْفَرَ مِنْهُ اصْفَرَّتِ الصُّفْرَةُ وَ نُورٍ أَبْيَضَ مِنْهُ ابْيَضَّ الْبَيَاضُ وَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ الْحَمَلَةَ وَ ذَلِكَ نُورٌ مِنْ عَظَمَتِهِ فَبِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ مِنْ

____________

للابتداء.

قوله: فأخبرني عن قوله.

لعله توهم المنافاة من جهتين:" الأولى" أن حملة العرش ثمانية لا هو، و قلت هو حامله، و الثانية أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لأنه على العرش، و قلت إنه حامل جميع ما سواه.

قوله (عليه السلام): و هو العلم، أي العرش أو البياض أي النور الأبيض، و الأخير أنسب بما مضى في باب النهي عن الصفة في تفسير الأنوار منقولا عن الوالد العلامة، و على الأول لعل المعنى أن العلم أحد معاني العرش، إذ يظهر من الأخبار أن العرش يطلق على الجسم المحيط بجميع الأجسام، و عليه مع ما فيه من الأجسام أعني العالم الجسماني، و قد يراد به جميع ما سوى الله من العقول و الأرواح و الأجسام، و قد يراد به علم الله سبحانه المتعلق بما سواه، و قد يراد به علم الله الذي اطلع عليه أنبيائه و رسله و حججه (صلوات الله عليهم) خاصة، و لعل أحد الأخيرين هو المراد في هذا الخبر و الذي بعده، و الله يعلم.

قوله (عليه السلام): أبصر قلوب المؤمنين، أي ما يبصرون و يعلمون.

قوله (عليه السلام): عاداه الجاهلون، لأن الجهل مساوق الظلمة التي هي ضد النور،

74

جَمِيعِ خَلَائِقِهِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ فَكُلُّ مَحْمُولٍ يَحْمِلُهُ اللَّهُ بِنُورِهِ وَ عَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ ضَرّاً وَ لَا نَفْعاً وَ لَا مَوْتاً وَ لَا حَيَاةً وَ لَا نُشُوراً فَكُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٌ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْمُمْسِكُ لَهُمَا أَنْ تَزُولَا وَ الْمُحِيطُ بِهِمَا مِنْ شَيْءٍ وَ هُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَ نُورُ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً قَالَ لَهُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْنَ هُوَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هُوَ هَاهُنَا وَ هَاهُنَا وَ فَوْقُ وَ تَحْتُ وَ مُحِيطٌ بِنَا وَ مَعَنَا وَ هُوَ قَوْلُهُ-

مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لٰا خَمْسَةٍ إِلّٰا هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لٰا أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لٰا أَكْثَرَ إِلّٰا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا

فَالْكُرْسِيُّ مُحِيطٌ بِالسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ

وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ وَ إِنْ تَجْهَرْ

____________

و المعاداة إنما يكون بين الضدين كذا قيل، و الأظهر عندي أن المراد أن ظهوره صار سببا لخفائه كما قيل: يا خفيا من فرط الظهور، فتأمل" ابتغى" أي طلب، و لعل المعنى أن نوره سبحانه لما ظهر في عالم الوجود طلبه جميع الخلق، لكن بعضهم أخطأوا طريق الطلب و تعيين المطلوب، فمنهم من يعبد الصنم لتوهمه أنه هناك، و منهم من يعتقد الدهر لزعمه أنه الإله و المدبر، فكل منهم يعلمون اضطرارهم إلى مدبر و خالق و رازق و حافظ و يطلبونه و يبتغون إليه الوسيلة لكنهم لعماهم يخطئون و يتحيرون، و لبسط هذا الكلام مقام آخر.

قوله (عليه السلام): الممسك لهما، أي للسماوات و الأرض" و المحيط" يجوز جر المحيط بالعطف على ضمير لهما، و" من" بيان له، يعني الممسك للشيء المحيط بهما، أو متعلق بقوله:" أَنْ تَزُولٰا" يعني الممسك لهما و للمحيط بهما أن تزولا، و قوله: من شيء، للتعميم و يجوز رفعه بالعطف على الممسك" و من" بيان لضمير بهما لقصد زيادة التعميم، أو بيان المحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شيء.

قوله (عليه السلام): و هو حياة كل شيء، أي من الحيوانات أو الحيات بمعنى الوجود و البقاء مجازا" و نور كل شيء" أي سبب وجوده و ظهوره.

قوله (عليه السلام): فالكرسي، يمكن أن يكون المراد تفسير الكرسي أيضا بالعلم فتأمل.

75

بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ

وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى-

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لٰا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

فَالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ وَ لَيْسَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ شَيْءٌ خَلَقَ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ وَ أَرَاهُ خَلِيلَهُ(ع)فَقَالَ-

وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ

وَ كَيْفَ يَحْمِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ اللَّهَ وَ بِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ وَ بِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَتِهِ

[الحديث 2]

2

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ

سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ مَحْمُولٌ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)كُلُّ مَحْمُولٍ مَفْعُولٌ بِهِ مُضَافٌ إِلَى غَيْرِهِ مُحْتَاجٌ وَ الْمَحْمُولُ اسْمُ نَقْصٍ فِي اللَّفْظِ وَ الْحَامِلُ فَاعِلٌ

____________

قوله تعالى:" وَ لٰا يَؤُدُهُ" أي لا يثقل عليه.

قوله (عليه السلام): هم العلماء، إذا كان المراد بالعرش عرش العلم كان المراد بالأنوار الأربعة صنوف العلم و أنواعه، و لا يخرج عن تلك الأنواع أحد، و إذا كان المراد بالأنوار نور المحبة و المعرفة و العبادة و العلم كما مر فهو أيضا صحيح، إذ لا يخرج شيء أيضا منها، إذ ما من شيء إلا و له محبة و عبادة و معرفة، و هو يسبح بحمده، و قال الوالد العلامة (قدس سره): الظاهر أن المراد بالأربعة العرش و الكرسي و السماوات و الأرض، و يحتمل أن يكون المراد بها الأنوار الأربعة التي هي عبارة عن العرش لأنه محيط على ما هو المشهور.

الحديث الثاني: صحيح.

قوله (عليه السلام): و المحمول اسم نقص، ليس المراد أن كل ما ورد على صيغة المفعول اسم نقص، و إلا لانتقض بالموجود و المعبود و المحمود، بل ما دل على وقوع تأثير و تغيير من غيره، كالمحفوظ و المربوب و المحمول و أمثالها، و قيل: لما رأى (عليه السلام) قصور

76

وَ هُوَ فِي اللَّفْظِ مِدْحَةٌ وَ كَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ فَوْقَ وَ تَحْتَ وَ أَعْلَى وَ أَسْفَلَ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ

وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا

وَ لَمْ يَقُلْ فِي كُتُبِهِ إِنَّهُ الْمَحْمُولُ بَلْ قَالَ إِنَّهُ الْحَامِلُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ الْمُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَ الْمَحْمُولُ مَا سِوَى اللَّهِ وَ لَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ آمَنَ بِاللَّهِ وَ عَظَمَتِهِ قَطُّ قَالَ فِي دُعَائِهِ يَا مَحْمُولُ قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ

وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمٰانِيَةٌ

وَ قَالَ

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ

فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)الْعَرْشُ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ وَ الْعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وَ قُدْرَةٍ وَ عَرْشٍ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ثُمَّ أَضَافَ الْحَمْلَ إِلَى غَيْرِهِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ لِأَنَّهُ اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِحَمْلِ عَرْشِهِ

____________

فهمه عن إدراك الدلائل العقلية احتج عليه بصورة الألفاظ و مدلولاتها الأولية، تارة بأن المحمول اسم مفعول فعل به فاعل فعله، و كل مفعول به فهو مضاف إلى غيره الذي هو فاعله، و هو محتاج إلى غيره، و تارة بأن المحمول لكونه اسم المفعول اسم نقص في اللفظ، و الحامل لكونه اسم الفاعل اسم مدحة، و قوله (عليه السلام): و كذلك قول القائل فوق" إلخ" يعني أن مثل ذينك اللفظين في كون أحدهما اسم مدح و الآخر اسم نقص، قول القائل: فوق، و تحت، فإن فوق اسم مدح، و تحت اسم نقص، و كذلك أعلى اسم مدح و أسفل اسم نقص.

قوله (عليه السلام): خلق، بالجر بدل من غيره، و أشار بذلك إلى أن الحامل لما كان من خلقه، فيرجع الحمل إليه تعالى و هم حملة علمه، أي و قد يطلق حملة العرش على حملة العلم أيضا، أو حملة العرش في القيامة هم حملة العلم في الدنيا.

قوله (عليه السلام): بحمل عرشه، و الحاصل أنه لا يحتاج في حمل العرش إلى غيره بل استعبد أصناف خلقه بأصناف الطاعات، و حملة العرش عبادتهم حمل العرش من غير حاجة إليهم، و قوله (عليه السلام): و خلقا و ملائكة معطوفان على خلقه، ذكر كل ذلك للتنظير أي كما أنه تعالى لا يحتاج إلى تسبيح الملائكة و كتابتهم أعمال العباد و طواف العباد حول

77

وَ هُمْ حَمَلَةُ عِلْمِهِ وَ خَلْقاً يُسَبِّحُونَ حَوْلَ عَرْشِهِ وَ هُمْ يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِ وَ مَلَائِكَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ عِبَادِهِ وَ اسْتَعْبَدَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِالطَّوَافِ حَوْلَ بَيْتِهِ وَ اللَّهُ

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ

كَمَا قَالَ وَ الْعَرْشُ وَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَ مَنْ حَوْلَ الْعَرْشِ وَ اللَّهُ الْحَامِلُ لَهُمُ الْحَافِظُ لَهُمُ الْمُمْسِكُ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ وَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا يُقَالُ مَحْمُولٌ وَ لَا أَسْفَلُ قَوْلًا مُفْرَداً لَا يُوصَلُ بِشَيْءٍ فَيَفْسُدُ اللَّفْظُ وَ الْمَعْنَى قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا غَضِبَ إِنَّمَا يُعْرَفُ غَضَبُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَجِدُونَ ثِقْلَهُ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ فَيَخِرُّونَ سُجَّداً فَإِذَا ذَهَبَ الْغَضَبُ خَفَّ وَ رَجَعُوا إِلَى مَوَاقِفِهِمْ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مُنْذُ لَعَنَ إِبْلِيسَ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا هُوَ غَضْبَانُ عَلَيْهِ فَمَتَى رَضِيَ وَ هُوَ فِي صِفَتِكَ لَمْ يَزَلْ غَضْبَانَ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ عَلَى

____________

بيته، فكذا لا يحتاج إلى من يحمل عرشه، و إنما أمرهم بجميع ذلك ليعبدوه و يستحقوا ثوابه.

قوله (عليه السلام): و هم يعملون بعلمه، أي بما أعطاهم من العلم، و قوله (عليه السلام): و العرش و ما عطف عليه مبتدأ خبره محذوف، أي محمول كلهم، أو سواء في نسبتهم إليه تعالى قوله (عليه السلام): كما قال، أي استواؤه سبحانه على العرش على النحو الذي قال، و أراد [من] استواء النسبة أو الاستيلاء كما مر لا كما تزعمه المشبهة.

قوله (عليه السلام): قولا مفردا لا يوصل بشيء، أي لا يوصل بقرينة صارفة عن ظاهره أو ينسب إلى شيء آخر على طريقة الوصف بحال المتعلق، بأن يقال: عرشه محمول أو أرضه تحت كذا و جحيمه أسفل و نحو ذلك، و إلا فيفسد اللفظ لعدم الإذن الشرعي و أسمائه توقيفية، و أيضا هذا اسم نقص كما مر، و المعنى لأنه يوجب نقصه و عجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

قوله (عليه السلام): و هو في صفتك، أي وصفك إياه أنه لم يزل غضبانا على الشيطان و على أوليائه، و الحاصل أنه لما فهم من كلامه أن الملائكة الحاملين للعرش قد يكونون قائمين، و قد يكونون ساجدين، يطريان الغضب و ضده، و حمل الحديث على ظاهره

78

أَتْبَاعِهِ كَيْفَ تَجْتَرِئُ أَنْ تَصِفَ رَبَّكَ بِالتَّغْيِيرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَمْ يَزُلْ مَعَ الزَّائِلِينَ وَ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ الْمُتَغَيِّرِينَ وَ لَمْ يَتَبَدَّلْ مَعَ الْمُتَبَدِّلِينَ وَ مَنْ دُونَهُ فِي يَدِهِ وَ تَدْبِيرِهِ وَ كُلُّهُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَمَّنْ سِوَاهُ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ-

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ

فَقَالَ يَا فُضَيْلُ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْكُرْسِيِّ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْكُرْسِيِّ

____________

نبه (عليه السلام) على خطائه إلزاما عليه بقدر فهمه بأنه لا يصح ما ذكرت إذ من غضبه تعالى ما علم أنه لم يزل كغضبه على إبليس فيلزم أن يكون حملة العرش منذ غضب على إبليس إلى الآن سجدا غير واقفين إلى مواقفهم فعلم أن ما ذكرته و فهمته خطاء و الحديث على تقدير صحته محمول على أن المراد بغضبه سبحانه إنزال العذاب و بوجدان الحملة ثقل العرش اطلاعهم عليه بظهور مقدماته و أسبابه، و بسجودهم خضوعهم و خشوعهم له سبحانه خشية و خوفا من عذابه، فإذا انتهى تزول العذاب و ظهرت مقدمات رحمته اطمأنوا و رغبوا في طلب رحمته، ثم بعد إلزامه (عليه السلام) بذلك شرع في الاستدلال على تنزيهه سبحانه مما فهمه، فقال: كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، و هو من صفات المخلوقات و الممكنات،" لم يزل" بضم الزاء من زال يزول، و ليس من الأفعال الناقصة، و وجه الاستدلال بما ذكره (عليه السلام) على ما ما ذكر قد مر مرارا فلا نعيده.

الحديث الثالث: كالصحيح، و في التوحيد هكذا: يا فضيل السماوات و الأرض و كل شيء في الكرسي، بدون تلك الزيادة، و إحاطة الكرسي بالسماوات و الأرض لا ينافي كون العرش محيطا بالجميع.

79

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ-

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ

السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ أَمِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ بَلِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشَ وَ كُلَّ شَيْءٍ وَسِعَ الْكُرْسِيُّ

[الحديث 5]

5

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ

____________

الحديث الرابع: صحيح.

قوله: السماوات و الأرض وسعن، و لعل سؤال زرارة لاستعلام أن في قرآن أهل البيت كرسيه منصوب أو مرفوع، و إلا فعلى تقدير العلم بالرفع لا يحسن منه هذا السؤال، و يروي عن الشيخ البهائي (قدس سره) أنه قال: سألت عن ذلك والدي، فأجاب (رحمه الله) بأن بناء السؤال على قراءة وسع بضم الواو و سكون السين مصدرا مضافا، و على هذا يتجه السؤال، و إني تصفحت كتب التجويد فما ظفرت على هذه القراءة إلا هذه الأيام رأيت كتابا في هذا العلم مكتوبا بالخط الكوفي و كانت هذه القراءة فيه، و كانت النسخة بخط مصنفه.

و قوله (عليه السلام): و العرش، لعله منصوب بالعطف على الأرض، فالمراد بالكرسي العلم أو بالعرش فيما ورد أنه محيط بالكرسي العلم، و روى الصدوق في التوحيد عن حفص قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل" وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ" قال: علمه، و قيل: العرش معطوف على الكرسي أي و العرش أيضا وسع السماوات و الأرض، فالمراد أن الكرسي و العرش كلا منهما وسع السماوات و الأرض و قيل: العرش مرفوع بالابتدائية، أي و العرش و كل شيء من أجزاء العرش و دوائره وسع الكرسي بنصب الكرسي، و على الاحتمالين الأولين قوله: و كل شيء، جملة مؤكدة لما سبق في التوحيد في آخر الخبر: و كل شيء في الكرسي.

الحديث الخامس: موثق كالصحيح.

80

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ

السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ أَوِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْكُرْسِيِّ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَ الْعَرْشُ الْعِلْمُ ثَمَانِيَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنَّا وَ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ

____________

الحديث السادس: مجهول.

قوله (عليه السلام): و العرش العلم، جملة معترضة، و المراد بقوله أربعة منا محمد و على و الحسن و الحسين (عليه السلام)، و الأربعة الأخرى نوح و إبراهيم و موسى و عيسى على نبينا و (عليهم السلام) كما ورد في الخبر، و سائر الأئمة داخلون في الحسين (عليه السلام) لأنهم من صلبه، و قيل: الأربعة الأخيرة سلمان و أبو ذر و مقداد و عمار، و الأول أصوب لما روي عن الكاظم (عليه السلام) أنه قال: إذا كان يوم القيامة كان حملة العرش ثمانية: أربعة من الأولين: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، و أربعة من الآخرين محمد و علي و الحسن و الحسين.

و في اعتقادات الصدوق (رحمه الله): فأما العرش الذي هو جملة الخلق فحملته أربعة من الملائكة، لكل واحد منهم ثماني أعين، كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة آدم يسترزق الله تعالى لولد آدم، و الآخر على صورة الثور يسترزق الله تعالى للبهائم كلها، و الآخر على صورة الأسد يسترزق الله للسباع، و الآخر على صورة الديك يسترزق الله للطيور، فهم اليوم هؤلاء الأربعة، و إذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية، و أما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الأولين و أربعة من الآخرين، فأما الأربعة من الأولين فنوح و إبراهيم و موسى و عيسى، و أما الأربعة من الآخرين، فمحمد و علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) أجمعين، هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة (عليهم السلام) في العرش و حملته" انتهى".

81

[الحديث 7]

6- 7 مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ

فَقَالَ مَا يَقُولُونَ قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ وَ الرَّبُّ فَوْقَهُ فَقَالَ كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اللَّهَ مَحْمُولًا وَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَ لَزِمَهُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ قُلْتُ بَيِّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ

____________

الحديث السابع: ضعيف على المشهور.

قوله (عليه السلام): و علمه الماء، قال السيد الداماد: كثيرا ما وقع اسم الماء في التنزيل الكريم و في الأحاديث الشريفة على العلم أو على العقل القدسي الذي هو حامله، و اسم الأرض على النفس المجردة التي هي بجوهرها قابلة العلوم و المعارف، و منه قوله:

عز سلطانه" وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً، فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" على ما قد قرره غير واحد من أئمة التفسير، فكذلك قول مولانا أبي عبد الله (عليه السلام) في هذا الحديث، الماء تعبير عن الجوهر العقلي الحامل لنور العلم من الأنوار العقلية القدسية" انتهى".

و أقول: هذه التأويلات في الأخبار جرأة على من صدرت عنه، و الأولى تسليمها و رد علمها إليهم.

و يحتمل أن يكون المراد بحمل دينه و علمه على الماء: أنه تعالى جعله مادة قابلة لأن يخلق منه الأنبياء و الأوصياء (عليه السلام)، الذين هم قابلون و حاملون لعلمه و دينه، أو أن علمه سبحانه لما كان قبل خلق الأشياء غير متعلق بشيء من الموجودات العينية بل كان عالما بها و هي معدومة، فلما أوجد الماء الذي هو مادة سائر الموجودات كان متعلقا لعلمه سبحانه به، و بما يوجد منه، فلعل هذا الكلام إشارة إلى ذلك،

82

رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الْأَئِمَّةُ (صلوات الله عليهم) فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ الْعِلْمَ وَ الدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وَ عِلْمِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ الْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالْوَلَايَةِ وَ الطَّاعَةِ فَقَالُوا نَعَمْ رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ اشْهَدُوا فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَى أَنْ لَا يَقُولُوا غَداً

إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمٰا أَشْرَكَ آبٰاؤُنٰا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّٰا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ

يَا دَاوُدُ وَلَايَتُنَا مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ

بَابُ الرُّوحِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنِ الْأَحْوَلِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنِ الرُّوحِ الَّتِي فِي آدَمَ(ع)قَوْلِهِ

فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

قَالَ هَذِهِ رُوحٌ مَخْلُوقَةٌ وَ الرُّوحُ الَّتِي فِي عِيسَى مَخْلُوقَةٌ

____________

مع أنه لا يمتنع أن يكون الله سبحانه أفاض على الماء روحا و أعطاه علما.

و قد أول بعض من سلك مسلك الحكماء: الماء بالمادة الجسمانية تشبيها لها بالماء، لقبولها الأنواع و الأشكال، و قال: قبلية حمل الدين و العلم إياه على الموجودات المذكورة قبليته بالذات و المرتبة لا بالزمان، و هي أقوى لأنها بعلاقة ذاتية، و قال: نثرهم، أي نثر مهياتهم و حقائقهم بين يدي علمه، فاستنطق الحقائق بالسنة قابليات جواهرها، و ألسن استعدادات ذواتها، و فيه إشارة إلى قوله سبحانه" وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ" الآية.

أقول: و سيأتي بعض الكلام فيه في كتاب الإيمان و الكفر.

باب الروح أي بيان الروح التي أضافها الله إلى نفسه، و معنى إضافتها إليه سبحانه.

الحديث الأول: صحيح.

83

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ حُمْرَانَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ رُوحٌ مِنْهُ

قَالَ هِيَ رُوحُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ فِي آدَمَ وَ عِيسَى

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

كَيْفَ هَذَا النَّفْخُ فَقَالَ إِنَّ الرُّوحَ مُتَحَرِّكٌ كَالرِّيحِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ رُوحاً لِأَنَّهُ اشْتَقَّ اسْمَهُ مِنَ الرِّيحِ وَ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَنْ لَفْظَةِ الرِّيحِ لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ مُجَانِسَةٌ لِلرِّيحِ وَ إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَرْوَاحِ كَمَا قَالَ لِبَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ بَيْتِي وَ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ خَلِيلِي وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ وَ كُلُّ

____________

الحديث الثاني: حسن.

الحديث الثالث: مجهول و لعل إخراجه على لفظة الريح عبارة عن التعبير عن إيجاده في البدن بالنفخ فيه، لمناسبة الروح للريح و مجانسته إياه و إنما أضافه إلى نفسه سبحانه لأنه اصطفاه بتقدسه و تشرفه على سائر الأرواح.

و اعلم أن الروح قد تطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة و هي محل للعلوم و الكمالات و مدبرة للبدن، و قد تطلق على الروح الحيواني و هو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع الجسد، و تلك الأخبار تحتملهما و إن كانت بالأخير بعضها أنسب، و قيل: الروح و إن لم تكن في أصل جوهرها من هذا العالم إلا أن لها مظاهر و مجالي في الجسد، و أول مظهر لها فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته و اعتداله بالجرم السماوي، و يقال له: الروح الحيواني، و هو مستوي الروح الرباني الذي هو من عالم الأمر و مركبة و مطيته قواه، فعبر (عليه السلام) عن الروح بمظهره تقريبا إلى الأفهام، لأنها قاصرة عن فهم حقيقته كما أشير إليه بقوله تعالى:

" قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا" و لأن مظهره هذا هو

84

ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مُحْدَثٌ مَرْبُوبٌ مُدَبَّرٌ

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَمَّا يَرْوُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَقَالَ هِيَ صُورَةٌ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ وَ اصْطَفَاهَا اللَّهُ وَ اخْتَارَهَا عَلَى سَائِرِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ فَأَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَضَافَ الْكَعْبَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَ الرُّوحَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ

بَيْتِيَ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

بَابُ جَوَامِعِ التَّوْحِيدِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً رَفَعَاهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

أَنَّ

____________

المنفوخ دون أصله.

الحديث الربع: ضعيف.

قوله (عليه السلام): فأضافها إلى نفسه، أي تشريفا و تكريما، و روى الصدوق (ره) في العيون بإسناده عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إن الله خلق آدم على صورته؟ فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك و وجه من يشبهك. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله):

يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك، فإن الله عز و جل خلق آدم على صورته، فلعل الباقر (عليه السلام) أجاب هكذا على تقدير تسليم الخبر، أو لم يتعرض لنفيه تقية، و ربما يجاب أيضا بأن المراد على صفته، لأنه مظهر للصفات الكمالية الإلهية، أو يقال: إن الضمير راجع إلى آدم أي صورته المناسبة له اللائقة به.

باب جوامع التوحيد الحديث الأول: مرفوع.

85

أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اسْتَنْهَضَ النَّاسَ فِي حَرْبِ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَمَّا حَشَدَ النَّاسُ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الْمُتَفَرِّدِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ قُدْرَةٌ بَانَ بِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ وَ بَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ فَلَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ وَ لَا حَدٌّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الْأَمْثَالُ كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ وَ ضَلَّ هُنَاكَ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ

____________

قوله: حشد، أي جمع، و في بعض النسخ بالراء بمعناه.

قوله (عليه السلام): المتفرد، أي في الخلق و التدبير أو بسائر الكمالات،" و لا من شيء خلق" أي ليس إحداثه للأشياء موقوفا على مادة أو شيء ليس هو موجده.

قوله (عليه السلام): قدرة، أي له قدرة، أو هو عين القدرة بناء على عينية الصفات، و قيل: نصب على التميز، أو على أنه منزوع الخافض، أي و لكن خلق الأشياء قدرة، أو بقدرة، و في التوحيد: قدرته فهو مبتدأ" و بأن بها" خبره أو خبره" كافية"، فكانت جملة استئنافية، فكأن سائلا سئل و قال: فكيف خلق لا من شيء؟ فأجاب بأن قدرته كافية.

قوله: و لا حد، أي جسماني أو عقلي، أو ليس لمعرفة ذاته و صفاته تعالى حد و نهاية حتى يضرب له فيه الأمثال، إذ الأمثال إنما تصح إذا كان له مشابهة بالممكنات أو مناسبة بينه و بين المدركات بالعقول و المشاعر، و الكلال: العجز و الإعياء، و التحبير التحسين أي أعيى قبل الوصول إلى بيان صفاته أو عنده تزيين الكلام باللغات البديعة الغريبة" و ضل هنالك" أي في ذاته تعالى أو في توصيفه بصفاته صفات تصاريف صفات الواصفين، و أنحاء تعبيرات العارفين، أو ضل و ضاع في ذاته الصفات المتغيرة الحادثة فيكون نفيا للصفات الحادثة عنه تعالى، أو مطلق الصفات، أي ليس في ذاته التغيرات الحاصلة من عروض الصفات المتغايرة، فيكون نفيا لزيادة الصفات مطلقا، كل ذلك أفاده الوالد العلامة (قدس الله روحه)" في ملكوته" فعلوت من الملك، و قد يخص بعالم الغيب و عالم المجردات، و الملك بعالم الشهادة و عالم الماديات، و أفكر في الشيء و فكر

86

وَ حَارَ فِي مَلَكُوتِهِ عَمِيقَاتُ مَذَاهِبِ التَّفْكِيرِ وَ انْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ جَوَامِعُ التَّفْسِيرِ وَ حَالَ دُونَ غَيْبِهِ الْمَكْنُونِ حُجُبٌ مِنَ الْغُيُوبِ تَاهَتْ فِي أَدْنَى أَدَانِيهَا طَامِحَاتُ الْعُقُولِ فِي لَطِيفَاتِ الْأُمُورِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ وَ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ

____________

فيه و تفكر بمعنى، أي تحير في إدراك حقائق ملكوته و خواصها و آثارها و كيفية نظامها و صدورها عنه تعالى الأفكار العميقة، الواقعة في مذاهب التفكير أو مذاهب التفكير العميقة، فيكون إسناد الحيرة إليها إسنادا مجازيا.

" دون الرسوخ في علمه" الرسوخ: الثبوت أي انقطع جوامع تفسيرات المفسرين قبل الثبوت في علمه أو عنده، إشارة إلى قوله تعالى:" وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ" و قد مرت الإشارة إلى توجيهه في باب النهي عن التفكر في ذاته تعالى هذا إذا كان المراد بقوله: في علمه، في معلومه، و يحتمل أن يكون المراد في العلم به سبحانه أو في إبانة حقيقة علمه سبحانه بالأشياء.

" و حال دون غيبه المكنون" المكنون: المستور، و المراد معرفة ذاته و صفاته، فالمراد بالحجب النورانية و الظلمانية المعنوية من كماله تعالى و نقص مخلوقاته أو الأعم منها و من سائر العلوم المغيبة، فالحجب أيضا أعم أو المراد أسرار الملكوت الأعلى من العرش و الكرسي و الملائكة، الحافين بهما و سائر ما هو مستور عن حواسنا بالحجب الجسمانية، و التيه: التحير، و الأدنى: الأقرب، و الإضافة في" طامحات العقول و لطيفات الأمور" من إضافة الصفة إلى الموصوف، و الطامح: المرتفع، و الظرف في قوله: في لطيفات، متعلق بالطامحات، بأن يكون" في" بمعنى إلى، أو حال منه فتبارك إما مشتق من البروك بمعنى الثبات و البقاء أو من البركة و هي الزيادة، و الهمة العزم، و يقال: فلان بعيد الهمة إذا كانت إرادته تتعلق بالأمور العالية، و المعنى لا تبلغه الهمم العالية الطالبة لأعلى و أبعد ما من شأنها الوصول إليه، و كذا المراد بغوص

87

وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ سُبْحَانَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ مُبْتَدَأٌ وَ لَا غَايَةٌ مُنْتَهًى وَ لَا آخِرٌ يَفْنَى سُبْحَانَهُ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ الْوَاصِفُونَ لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ وَ حَدَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عِنْدَ خَلْقِهِ إِبَانَةً لَهَا مِنْ شِبْهِهِ وَ إِبَانَةً لَهُ مِنْ شِبْهِهَا لَمْ يَحْلُلْ فِيهَا فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا فَيُقَالَ لَهُ أَيْنَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَ أَتْقَنَهَا صُنْعُهُ وَ أَحْصَاهَا حِفْظُهُ لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ خَفِيَّاتُ غُيُوبِ الْهَوَاءِ وَ لَا غَوَامِضُ مَكْنُونِ ظُلَمِ الدُّجَى وَ لَا مَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى إِلَى

____________

الفطن: الفطن الغائصة في بحار الفكر لدرك دقائق الأمور.

" ليس له وقت معدود و لا أجل ممدود" أي ليس له زمان متناه و لا غير متناه لخروجه عن الزمان، أو ليس له زمان متناه و لا غاية لوجوده و إن امتد الزمان.

" و لا نعت محدود" أي بالحدود الجسمانية أو العقلانية بأن يحاط بنعته" و لا آخر يفنى" أي بعده" هو كما وصف نفسه" أي في كتبه و على ألسنة رسله و حججه و بقلم صنعه على دفاتر الآفاق و الأنفس،" حد الأشياء كلها" أي جعل للأشياء حدودا و نهايات أو أجزاء و ذاتيات ليعلم بها أنها من صفات المخلوقين، و الخالق منزه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات التي من شأنها المحدودية ليعلم بذلك أنه ليس كذلك، كما قال تعالى: فخلقت الخلق لأعرف، أو خلقها محدودة لأنها لم يكن يمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصفات التي هي من لوازم وجوب الوجود، و لعل الأوسط أظهر" و لم يخل منها" أي بالخلو الذي هو بمعنى عدم الملكة، بقرينة التفريع، أي الخلو المحل عن الحال و المكان عن المتمكن" فيقال له أين" أي يسأل أين هو، و يمكن أن يقرأ أين بالتنوين، أي يقال إنه أين و مكان للأشياء، ثم بين (عليه السلام) نسبته سبحانه إلى الأشياء و كيفية قربه منها، بقوله" لكنه سبحانه" إلخ، أي قربه قرب العلية و إحاطته الإحاطة العلمية،" لم يعزب" أي لم يغب، و الدجى: جمع دجية بالضم و هي الظلمة.

88

الْأَرَضِينَ السُّفْلَى لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا حَافِظٌ وَ رَقِيبٌ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ مُحِيطٌ وَ الْمُحِيطُ بِمَا أَحَاطَ مِنْهَا الْوَاحِدُ الْأَحَدُ

الصَّمَدُ

الَّذِي لَا يُغَيِّرُهُ صُرُوفُ الْأَزْمَانِ وَ لَا يَتَكَأَّدُهُ صُنْعُ شَيْءٍ كَانَ إِنَّمَا قَالَ لِمَا شَاءَ

كُنْ*

فَكَانَ ابْتَدَعَ مَا خَلَقَ بِلَا مِثَالٍ سَبَقَ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ كُلُّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ وَ اللَّهُ لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ وَ كُلُّ عَالِمٍ فَمِنْ بَعْدِ جَهْلٍ تَعَلَّمَ وَ اللَّهُ لَمْ يَجْهَلْ وَ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَاطَ بِالْأَشْيَاءِ عِلْماً قَبْلَ كَوْنِهَا فَلَمْ يَزْدَدَ بِكَوْنِهَا عِلْماً عِلْمُهُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهَا كَعِلْمِهِ بَعْدَ تَكْوِينِهَا لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ وَ لَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ لَا نُقْصَانٍ وَ لَا اسْتِعَانَةٍ عَلَى ضِدٍّ مُنَاوٍ وَ لَا نِدٍّ مُكَاثِرٍ وَ لَا شَرِيكٍ مُكَابِرٍ لَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ

____________

" لكل شيء منها حافظ و رقيب" الظرف خبر لقوله: حافظ و رقيب، أو متعلق بكل منهما و المبتدأ محذوف أي هو لكل شيء منها حافظ و رقيب، و الأول أظهر فيكون إشارة إلى الملائكة الموكلين بالعرش و الكرسي و السماوات و الأرضين و البحار و الجبال و سائر الخلق.

قوله (عليه السلام): و كل شيء منها، أي من السماوات و الأرض و ما بينهما محيط بشيء منها إحاطة علم و تدبير فيكون تأكدا للسابق على أحد الوجهين أو إحاطة جسمية، و المحيط بكل من تلك المحيطات علما و قدرة و تدبيرا هو الله الواحد بلا تعدد الأحد بلا مشارك له في الحقيقة" الصمد" المستجمع لجميع كمالاته اللائقة بذاته الأحدية" الذي لا يغيره صروف الأزمان" أي تغيراتها" و لا يتكأده" أي لا يشق عليه" صنع شيء" من الأشياء" كان" و حصل بتكوينه" ابتدع" و خلق لا من مادة" ما خلق" مخترعا" بلا مثال سبق" و قوله: و لا تعب و لا نصب إما عطف على قوله: مثال، و لا لتأكيد النفي أو مستأنف و لا لنفي الجنس، و التعب ضد الاستراحة، و النصب:

الإعياء" على ضد مناف" و في بعض النسخ" مناو" أي معاد" و لا ند" أي مثل" مكاثر" أي يغالبه بالكثرة" و لا شريك مكابر" أي يعارضه بالكبر أو الإنكار للحق،

89

فَسُبْحَانَ الَّذِي لَا يَئُودُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ وَ لَا تَدْبِيرُ مَا بَرَأَ وَ لَا مِنْ عَجْزٍ وَ لَا مِنْ فَتْرَةٍ بِمَا خَلَقَ اكْتَفَى عَلِمَ مَا خَلَقَ وَ خَلَقَ مَا عَلِمَ- لَا بِالتَّفْكِيرِ فِي عِلْمٍ حَادِثٍ أَصَابَ مَا خَلَقَ وَ لَا شُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَخْلُقْ لَكِنْ قَضَاءٌ مُبْرَمٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ وَ أَمْرٌ مُتْقَنٌ تَوَحَّدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ اسْتَخْلَصَ بِالْمَجْدِ وَ الثَّنَاءِ وَ تَفَرَّدَ بِالتَّوْحِيدِ وَ الْمَجْدِ وَ السَّنَاءِ وَ تَوَحَّدَ بِالتَّحْمِيدِ وَ تَمَجَّدَ بِالتَّمْجِيدِ وَ عَلَا عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ تَطَهَّرَ وَ تَقَدَّسَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ وَ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ مُجَاوَرَةِ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا خَلَقَ ضِدٌّ وَ لَا لَهُ فِيمَا مَلَكَ نِدٌّ وَ لَمْ يَشْرَكْهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ

الصَّمَدُ

الْمُبِيدُ لِلْأَبَدِ وَ الْوَارِثُ لِلْأَمَدِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَحْدَانِيّاً أَزَلِيّاً قَبْلَ بَدْءِ الدُّهُورِ وَ بَعْدَ صُرُوفِ الْأُمُورِ الَّذِي لَا يَبِيدُ وَ لَا يَنْفَدُ بِذَلِكَ أَصِفُ رَبِّي فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ عَظِيمٍ مَا أَعْظَمَهُ وَ مِنْ جَلِيلٍ مَا أَجَلَّهُ وَ مِنْ عَزِيزٍ مَا أَعَزَّهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً

____________

و الدخور الصغار و الذل" لا يؤوده" أي لا يثقل عليه" و لا من عجز" أي لم يكتف بخلق ما خلق لعجز و لا فتور، بل لعدم كون الحكمة في أزيد من ذلك.

ثم أكد (عليه السلام) ذلك بقوله:" علم ما خلق، و خلق ما علم" أي ما علمه أن الصلاح في خلقه" و لا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق" بل لم يخلق لعدم الداعي إلى خلقه و إيجاده" لكن" الإيجاد" باقتضاء تام و قضاء مبرم و علم محكم" و إحاطة بالخير و الأصلح" و أمر متقن" أي نظام كامل" استخلص بالمجد و الثناء" أي جعلهما مخصوصين بذاته الأحدية.

" و توحد بالتحميد" أي باستحقاق الحمد من العباد، أو بتحميد نفسه، و في التوحيد فتحمد بالتحميد، يقال: هو يتحمد علي أي يمنن، أي أنعم علينا و استحق منا الحمد و الثناء بأن رخص لنا في تحميدة، أو بأن حمد نفسه و لم يكل حمده إلينا و التمجد إظهار المجد و العظمة، و التمجيد يحتمل الوجهين أيضا" المبيد للأبد" أي المهلك المفني للدهر و الزمان و الزمانيات" و الوارث للأمد" أي الباقي بعد فناء

90

وَ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ(ع)حَتَّى لَقَدِ ابْتَذَلَهَا الْعَامَّةُ وَ هِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَ فَهِمَ مَا فِيهَا فَلَوِ اجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ بِأَبِي وَ أُمِّي مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَ لَوْ لَا إِبَانَتُهُ(ع)مَا عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى بِقَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَعْنَى الْحُدُوثِ وَ كَيْفَ أَوْقَعَ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ صِفَةَ الْخَلْقِ وَ الِاخْتِرَاعِ بِلَا أَصْلٍ وَ لَا مِثَالٍ نَفْياً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً إِلَّا مِنْ أَصْلٍ وَ لَا يُدَبِّرُ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ فَدَفَعَ(ع)بِقَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ جَمِيعَ حُجَجِ الثَّنَوِيَّةِ وَ شُبَهِهِمْ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَعْتَمِدُ الثَّنَوِيَّةُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ أَنْ يَقُولُوا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنْ لَا شَيْءٍ فَقَوْلُهُمْ مِنْ شَيْءٍ خَطَأٌ وَ قَوْلُهُمْ مِنْ لَا شَيْءٍ مُنَاقَضَةٌ وَ إِحَالَةٌ لِأَنَّ مِنْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ لَا شَيْءٍ تَنْفِيهِ فَأَخْرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَبْلَغِ الْأَلْفَاظِ وَ أَصَحِّهَا فَقَالَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى مِنْ إِذْ كَانَتْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ نَفَى الشَّيْءَ إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقاً مُحْدَثاً لَا مِنْ أَصْلٍ أَحْدَثَهُ الْخَالِقُ كَمَا قَالَتِ الثَّنَوِيَّةُ إِنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ فَلَا يَكُونُ تَدْبِيرٌ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ ثُمَّ قَوْلُهُ ع- لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ وَ لَا حَدٌّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الْأَمْثَالُ كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ فَنَفَى(ع)أَقَاوِيلَ الْمُشَبِّهَةِ حِينَ شَبَّهُوهُ بِالسَّبِيكَةِ وَ الْبِلَّوْرَةِ وَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مِنَ الطُّولِ وَ الِاسْتِوَاءِ وَ قَوْلَهُمْ مَتَى مَا لَمْ تَعْقِدِ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى إِثْبَاتِ هَيْئَةٍ لَمْ تَعْقِلْ شَيْئاً فَلَمْ تُثْبِتْ صَانِعاً فَفَسَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ وَاحِدٌ بِلَا كَيْفِيَّةٍ وَ أَنَّ الْقُلُوبَ تَعْرِفُهُ بِلَا تَصْوِيرٍ وَ لَا إِحَاطَةٍ

____________

الأمد أي الغاية و النهاية، أو امتداد الزمان" و بعد صروف الأمور" أي تغيرها و فناؤها و هذا ناظر إلى قوله: لا يزال، كما أن ما قبله ناظر إلى قوله لم يزل.

قوله: لقد ابتذلها، أي اشتهرت بينهم، فكأنها صارت مبتذلة، و لو لا إبانته،

91

ثُمَّ قَوْلُهُ(ع)الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ وَ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ ثُمَّ قَوْلُهُ(ع)لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ فَنَفَى(ع)بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ صِفَةَ الْأَعْرَاضِ وَ الْأَجْسَامِ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ التَّبَاعُدَ وَ الْمُبَايَنَةَ وَ مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ الْكَوْنَ فِي الْأَجْسَامِ بِالْحُلُولِ عَلَى غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَ مُبَايَنَةُ الْأَجْسَامِ عَلَى تَرَاخِي الْمَسَافَةِ ثُمَّ قَالَ(ع)لَكِنْ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَ أَتْقَنَهَا صُنْعُهُ أَيْ هُوَ فِي الْأَشْيَاءِ بِالْإِحَاطَةِ وَ التَّدْبِيرِ وَ عَلَى غَيْرِ مُلَامَسَةٍ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ

____________

أي تمييزه الحق عن الباطل" نفيا لقول من قال" أي من الحكماء و الدهرية و الملاحدة حيث يقولون بقدم الأنواع، و أن كل حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية" لأن أكثر ما يعتمده الثنوية" لعل المراد بالثنوية غير المصطلح من القائلين بالنور و الظلمة، بل القائلين بالقدم و أنه لا يوجد شيء إلا عن مادة، لأن قولهم بمادة قديمة إثبات لإله آخر، إذ لا يعقل التأثير في القديم، فقال (عليه السلام): لا من شيء خلق، فإنه رد عليهم بأن ترديدهم غير حاصر، إذ نقيض من شيء لا من شيء لا من لا شيء" فنفى" أي نفي لفظة من بإدخال لا عليها، إذ كانت نفي من توجب شيئا، فلو دخلت على حرف النفي كما قالوا لزم التناقض" ثم قوله" بالجر عطف على قوله في قوله: أ لا ترون إلى قوله. و قوله: و مباينة الأجسام عطف على مماسته أو على الكون، أو مبتدأ و على تراخي المسافة خبره، ليكون مؤيدا للجملة السابقة فتأمل.

الحديث الثاني: ضعيف على المشهور.

قوله (عليه السلام): إن الله تبارك و تعالى اسمه، أي اسمه ذو بركة عظيمة أو ثابت غير متغير، أو بريء عن العيوب و النقائص، و الجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن،

92

وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ وَ تَقَدَّسَ وَ تَفَرَّدَ وَ تَوَحَّدَ وَ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَ

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ

فَلَا أَوَّلَ لِأَوَّلِيَّتِهِ رَفِيعاً فِي أَعْلَى عُلُوِّهِ شَامِخُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ عَظِيمُ السُّلْطَانِ مُنِيفُ الْآلَاءِ سَنِيُّ الْعَلْيَاءِ الَّذِي عَجَزَ الْوَاصِفُونَ عَنْ كُنْهِ صِفَتِهِ وَ لَا يُطِيقُونَ حَمْلَ مَعْرِفَةِ إِلَهِيَّتِهِ وَ لَا يَحُدُّونَ حُدُودَهُ لِأَنَّهُ

____________

" و تعالى ذكره" عن الوصف بما يليق بالإمكان، و جل ثناؤه سبحانه عن إحصار الألسن و إحاطة الأذهان، و تقدس عن الاتصاف بما في بقعة الإمكان، و تفرد بقدرته عن مشاركة الأعوان، و توحد بعز جلاله عن مجاورة الأمثال، و اتخاذ الأزواج و الولدان و هو بذاته لم يزل و لا يزال لا بإحاطة الدهور و الأزمان، و هو الأول الذي يبتدأ منه وجود كل موجود و الآخر الذي ينتهي إليه أمد كل معدود، و هو باق بعد فناء كل موجود، و الظاهر الغالب على الأشياء و المحيط بها بقدرته و علمه الشامل، و الباطن الذي لا يصل إليه و لا يحيط به إدراك الأوهام و العقول الكاملة، فلا أول لأوليته أي لأزليته و قوله: رفيعا، منصوب على الحالية أو على المدح.

" في أعلى علوه" أي في علوه الأعلى من الوصف و البيان، أو الأعلى من كل علو يصل إليه و يدركه الأوهام، و الأذهان أو يعبر عنه بالعبارة و اللسان.

" شامخ الأركان" أي أركان خلقه أو مخلوقاته العظيمة أو صفاته التي هي بمنزلة الأركان، أو استعارة تمثيلية بتشبيه المعقول بالمحسوس، إيضاحا لعلوه و رفعته و كذا قوله (عليه السلام): رفيع البيان يحتمل الوجوه و الأول فيه أظهر.

" منيف الآلاء" أي مشرفها على الخلق بالفيضان من بحر جوده أو زائدها من أناف عليه أي زاد" سني العليا" رفيعة و العليا السماء و رأس الجبل و المكان المرتفع و كل ما علا من شيء، و لعل المراد هنا كل مرتفع يليق بأن ينسب إليه، لا يحدون حدوده أي حدود الرب سبحانه، أي لا يقدرون على تحديده لأنهم إنما يقدرون على التحديد بالكيفيات و أشباهها و هو سبحانه متعال عن الكيفيات و الصفات الزائدة و قال السيد الداماد (ره): الضمير في حدوده يعود إلى الحمل، يعني: لا يحدون

93

بِالْكَيْفِيَّةِ لَا يُتَنَاهَى إِلَيْهِ

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ

ضَمَّنِي وَ أَبَا الْحَسَنِ(ع)الطَّرِيقُ فِي مُنْصَرَفِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى خُرَاسَانَ وَ هُوَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ يُتَّقَى وَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ يُطَاعُ فَتَلَطَّفْتُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ فَوَصَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ يَا فَتْحُ مَنْ أَرْضَى الْخَالِقَ لَمْ يُبَالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ وَ مَنْ أَسْخَطَ الْخَالِقَ فَقَمَنٌ أَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَخَطَ الْمَخْلُوقِ وَ إِنَّ الْخَالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ أَنَّى يُوصَفُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ وَ الْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ وَ الْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ وَ الْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ جَلَّ عَمَّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ وَ تَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتُونَ نَأَى فِي قُرْبِهِ وَ قَرُبَ فِي نَأْيِهِ فَهُوَ فِي نَأْيِهِ قَرِيبٌ وَ فِي قُرْبِهِ بَعِيدٌ كَيَّفَ الْكَيْفَ فَلَا يُقَالُ كَيْفَ وَ أَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقَالُ أَيْنَ إِذْ هُوَ مُنْقَطِعُ

____________

حدود حمل معرفته إذ بالوصف لا يدرك إلى مداه، و بالصفة لا يدرك منتهاه، و بالكيفية لا يتناهى إلى حده و لا يخفى بعده.

الحديث الثالث: مجهول و أبو الحسن الثاني كما يظهر من العيون أو الثالث كما يظهر من كشف الغمة و غيره،" يتقى" أي يخافه كل شيء" يطاع": أي يجعل الله الخلق مطيعا له.

قوله (عليه السلام): فلطفت، أي وصلت إليه بلطف و رفق، أو بحيل لطيفة، و قال في المغرب هو قمن بكذا و قمين به أي خليق، و الجمع قمنون و قمناء، و أما قمن بالفتح فيستوي فيه المذكر و المؤنث و الاثنان و الجمع.

قوله (عليه السلام): إذ هو منقطع الكيفوفية، أي عنده تعالى ينقطع الكيف و الأين، و قيل: يحتمل أن يكون من قبيل الوصف بحال المتعلق، و على صيغة اسم الفاعل أي الكيفوفية و الأينونية منقطعة عنه، و يحتمل أن يكون على صيغة اسم المفعول أي هو منقطع فيه و عنده الكيفوفية و الأينونية، أو اسم مكان أي مرتبته مرتبة انقطع

94

الْكَيْفُوفِيَّةِ وَ الْأَيْنُونِيَّةِ

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ- ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي الْخُطَبِ شُجَاعُ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ اللَّطَافَةِ- لَا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لَا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ كَبِيرُ الْكِبْرِيَاءِ لَا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ جَلِيلُ الْجَلَالَةِ لَا يُوصَفُ بِالغِلَظِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لَا يُقَالُ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ لَا يُقَالُ لَهُ بَعْدٌ شَاءَ الْأَشْيَاءَ لَا بِهِمَّةٍ- دَرَّاكٌ لَا بِخَدِيعَةٍ فِي

____________

فيها الكيفوفية و الأينونية.

الحديث الرابع: مرفوع، و ذعلب اليماني ضبطه الشهيد في قواعده بكسر الذال المعجمة و سكون العين المهملة و كسر اللام.

قوله: بحقائق الإيمان، أي بحقائق هي الإيمان أو بمحققاته أو بالتصديقات التي هي أركان الإيمان، أو بالأنوار التي حصلت في القلب من الإيمان، أو بالإذعانات الحقة الثابتة، أو بما هو حق الإيمان به" لطيف اللطافة" أي لطافته تعالى خفية لا تصل إليها العقول، و لا يوصف باللطف الجسماني" لا يوصف بالعظم" أي لا يمكن وصف عظمته أو لا يوصف بعظمته الجسم" لا يوصف بالغلظ" أي ليس جلالته تعالى بمعنى الغلظ في الجثة، أو ليس جلالته مقرونة بالغلظ في الخلق كما في المخلوقين،" قبل كل شيء أي" بالعلية و سائر أنواع التقدم" لا يقال شيء قبله" بنحو من أنحاء القبلية و أقسامها الأزلية" و بعد كل شيء" فينتهي وجود كل شيء إليه، و هو الباقي بعده" لا يقال له بعد" ينتهي وجوده سبحانه إليه، و قيل: أي لا يقال له بعد على الإطلاق و منفردا عن ذكر القبل كما يقال: هو الأول و الآخر، و لا يقال له الآخر منفردا عن ذكر الأول" شاء" اسم فاعل أو فعل ماض.

" لا بهمة" أي إرادة و خطور بال،" لا بخديعة" أي لا بحيلة في إدراكها في

95

الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا غَيْرُ مُتَمَازِجٍ بِهَا وَ لَا بَائِنٌ مِنْهَا ظَاهِرٌ لَا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ مُتَجَلٍّ لَا بِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ نَاءٍ لَا بِمَسَافَةٍ قَرِيبٌ لَا بِمُدَانَاةٍ لَطِيفٌ لَا بِتَجَسُّمٍ مَوْجُودٌ لَا بَعْدَ عَدَمٍ فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَارٍ مُقَدِّرٌ لَا بِحَرَكَةٍ مُرِيدٌ لَا بِهَمَامَةٍ سَمِيعٌ لَا بِآلَةٍ بَصِيرٌ لَا بِأَدَاةٍ لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ وَ لَا تَضْمَنُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لَا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ وَ لَا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ

____________

الأشياء كلها بعلمه بها و تدبيره لها" غير متمازج بها" بالمجاورة و الخلط" و لا بائن منها" مفارقا عنها بالبعد، فإن القرب و البعد المكانيين و ما بحكمهما لا يليقان به سبحانه" ظاهر" أي غالب، أو بين، و ليس غلبته بكونه سبحانه راكبا فوقها، أو ليس تبينه بأن يكون ملموسا أو مدركا بحس" متجل" أي ظاهر غير خفي على عباده بالآيات و الأدلة، لا بظهور و انكشاف من رؤية.

و قال في المغرب أهل الهلال و استهل مبنيا للمفعول فيهما إذا أبصر ناء من الأشياء بعيد عنها لعجزها عن الوصول إلى معرفة ذاته و حقيقته، لا ببعد مسافة، قريب من الأشياء لعلمه بجميعها لا بمداناة و مقارنة" لطيف" أي يدق عن إدراك المدارك، لا بدقة جسمانية" لا باضطرار" أي بكونه مجبورا على ما يفعله، بل إنما يفعل بعلمه و مشيته" مقدر" للأشياء محدد و مصور لها" لا بحركة" أي حركته أو حركة جوارحه أو بحركة ذهنية كما في المخلوقين" لا بهمامة" أي لا بقصد و خطور بال" و لا تحده الصفات" أي توصيفات الناس أو صفات المخلوقين، و السنة مبدء النوم" سبق الأوقات" بالنصب" كونه" بالرفع، إذ هو علة لها أو المعنى لم تصل الأزمان إليه بأن تتقدر بها" و العدم وجوده" قيل: المراد أنه علة لإعدام الممكنات كما أنه تعالى علة لوجوداتها لأن عدم العالم قبل وجوده كان مستندا إلى عدم الداعي إلى إيجاده المستند إلى وجوده فوجوده سبق عدم الممكنات أيضا، أو المراد أزليته أي كل عدم ممكن تفرض أي عدمه السابق المقارن للوجود فهو مقدم عليه، أو المراد سبق وجوده على عدمه تعالى، لأن وجوده لما كان واجبا كان عدمه ممتنعا، فكان وجوده سابقا على عدمه، و غالبا عليه

96

سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ- بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ

____________

و قيل: الأعدام تابعة للملكات، و الملكات مصنوعة له، فالأعدام كذلك.

" و الابتداء أزله" أي أزليته أزلية لا تجتمع مع الابتداء و تنافيه، فكلما جعلت له ابتداء فهو موجود لأزليته قبله، أو أن أزليته سبقت بالعلية كل ابتداء و مبتدإ،" بتشعيره المشاعر" أي بإيجادها و إفاضة وجوداتها و كونها ممكنة موجودة بالإيجاد عرف أنها مخلوقة له فلا يستكمل بها، و لا يكون مناط علمه الذاتي، فلا يكون مشاعر له أو لأنا بعد إفاضة المشاعر علمنا احتياجنا في الإدراك إليها، فحكمنا بتنزهه سبحانه عنها لاستحالة احتياجه تعالى في كماله إلى شيء، أو لما يحكم به العقل من المباينة بين الخالق و المخلوق في الصفات.

و قال ابن ميثم (رحمه الله) في شرح النهج: لأنه لو كان له مشاعر لكان وجودها له إما من غيره و هو محال، و إما منه و هو أيضا محال، لأنها إن كانت من كمالات ألوهيته كان موجدا لها من حيث هو فاقد كما لا، فكان ناقصا بذاته و هذا محال و إن لم تكن كمالا كان إثباتها له نقصا، لأن الزيادة على الكمال نقصان، فكان إيجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.

و اعترض عليه بعض الأفاضل بوجوه: أحدها بالنقض لأنه لو تم ما ذكره يلزم أن لا تثبت له تعالى صفة كمالية كالعلم و القدرة و نحوهما، و ثانيها: بالحل باختيار شق آخر، و هو أن يكون ذلك المشعر عين ذاته سبحانه كالعلم و القدرة، و ثالثها:

أن هذا الكلام على تقدير تمامه استدلال برأسه لم يظهر فيه مدخلية قوله (عليه السلام) بتشعيره المشاعر في نفي المشعر عنه تعالى، و أن ما استعمله لم تثبت به و قد ثبتت بغيره ثم قال: فالأولى أن يقال قد تقرر أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعض أفرادها علة لبعض آخر لذاته، لأنه لو فرض كون نار مثلا علة لنار فعلية هذه و معلوليته تلك إما لنفس كونهما نارا فلا رجحان لأحدهما في العلية، و للأخرى في المعلولية، بل يلزم أن يكون كل نار علة للأخرى، بل علة لذاتها و معلولا لذاتها،

97

لَهُ وَ بِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ

____________

و هو محال و إن كانت العلية لانضمام شيء آخر فلم يكن ما فرضناه علة علة بل العلة حينئذ ذلك الشيء فقط، لعدم الرجحان في أحدهما للشرطية و الجزئية أيضا، لاتحادهما من جهة المعنى المشترك، و كذلك لو فرض المعلولية لأجل ضميمة.

فقد تبين أن جاعل الشيء يستحيل أن يكون مشاركا لمجعوله، و به يعرف أن كل كمال و كل أمر وجودي يتحقق في الموجودات الإمكانية فنوعه و جنسه مسلوب عنه تعالى، و لكن يوجد له ما هو أعلى و أشرف منه، أما الأول فلتعاليه عن النقص و كل مجعول ناقص و إلا لم يكن مفتقرا إلى جاعل، و كذا ما يساويه في المرتبة كآحاد نوعه و أفراد جنسه، و أما الثاني فلان معطي كل كمال ليس بفاقد له، بل هو منبعه و معدنه و ما في المجعول رشحه و ظله" انتهى".

و قيل: المراد مشاعر العبادة" و بتجهيره الجواهر" أي بتحقيق حقائقها عرف أنها ممكنة، و كل ممكن محتاج إلى مبدء، فمبدأ المبادئ لا يكون حقيقة من هذه الحقائق" و بمضادته بين الأشياء" المتضادة من الحقائق النوعية الصورية الجوهرية أو العرضية و جعلها حقائق متضادة لتحددها بتحديدات من جاعلها لها، لا يجامع بعضها بعضا لتخالف حقائقها المتحددة بالحدود المتباينة المتنافية، و كل حقائق مخلوقة بالحدود متحددة، و الإحدى المقدس عن التحددات لا يضاده المحدود المتنزل عن مرتبته، و كيف يضاد المخلوق خالقه و الفائض مفيضه كذا قيل.

و أقول: المراد بالضد إما المعنى المصطلح أي موجودان متعاقبان على موضوع أو محل واحد، أو المعنى العرفي الذي هو المساوي للشيء في القوة، فعلى الأول نقول:

لما خلق الأضداد في محالها، و وجدناها محتاجة إليها، علمنا عدم كونه ضد الشيء، للزوم الحاجة إلى المحل المنافية لوجوب الوجود، أو لأنا لما وجدنا كلا من الضدين يمنع وجود الآخر و يدفعه و ينفيه، فعلمنا أنه تعالى منزه من ذلك، و أما الثاني فلان المساوي في القوة للواجب يجب أن يكون واجبا، فيلزم تعدد الواجب و قد مر بطلانه

98

وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْيُبْسَ بِالْبَلَلِ وَ الْخَشِنَ بِاللَّيِّنِ وَ الصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا وَ مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى-

وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا

____________

" و بمقارنته بين الأشياء" أي بجعل بعضها مقارنا لبعض كالأعراض و محالها، و الممكنات و أمكنتها، و الملزومات و لوازمها" عرف أن لا قرين له" مثلها، لدلالة كل نوع منها على أنواع النقص و العجز و الافتقار.

و قيل: أي بجعلها متحددة بتحددات متناسبة موجبة للمقارنة، عرف أن لا قرين له، و كيف يناسب المتحدد بتحدد خاص دون المتحدد بتحدد آخر من لا تحدد له، فإن نسبة اللاتحدد إلى التحددات كلها سواء" ضاد النور بالظلمة" بناء على كون الظلمة أمرا وجوديا، و على تقدير كونها عدم ملكة ففي تسميتها بالضد تجوز و لعل المراد بالضد غير ما هو المصطلح.

و الصرد بفتح الراء و سكونها: البرد" فارسي معرب" و الحرور بالفتح: الريح الحارة" مؤلف بين متعادياتها" كما ألف بين العناصر المختلفة الكيفيات، و بين الروح و البدن، و بين القلوب المتشتتة الأهواء و غير ذلك" مفرق بين متدانياتها" كما يفرق بين أجزاء العناصر و كلياتها للتركيب، و كما يفرق بين الروح و البدن، و بين أجزاء المركبات عند انحلالها، و الأبدان بعد موتها، و بين القلوب المتناسبة [المتلاصقة] لحكم لا تحصى، فدل التأليف و التفريق المذكوران الواقعان على خلاف مقتضى الطبائع على قاسر يقسرها عليهما، و كونهما على غاية الحكمة و نهاية الإتقان على علم القاسر و قدرته و حكمته و كماله.

قوله (عليه السلام):" و ذلك قوله" يحتمل أن يكون ذكر الآية استشهادا بكون المضادة و المقارنة دليلين على عدم اتصافه بهما، كما فسر بعض المفسرين الآية بأن الله تعالى خلق من كل جنس من أجناس الموجودات نوعين متقابلين، و هما زوجان لأن كل واحد منهما مزدوج بالآخر كالذكر و الأنثى، و السواد و البياض، و السماء و الأرض،

99

زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

فَفَرَّقَ بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَ لَا بَعْدَ لَهُ شَاهِدَةً

____________

و النور و الظلمة، و الليل و النهار، و الحار و البارد، و الرطب و اليابس، و الشمس و القمر، و الثوابت و السيارات، و السهل و الجبل، و البحر و البر، و الصيف و الشتاء، و الجن و الإنس، و العلم و الجهل، و الشجاعة و الجبن، و الجود و البخل، و الإيمان و الكفر، و السعادة و الشقاوة، و الحلاوة و المرارة، و الصحة و السقم، و الغناء و الفقر، و الضحك و البكاء، و الفرح و الحزن، و الحياة و الموت إلى غير ذلك مما لا يحصى، خلقهم كذلك ليعلم أن لهم موجدا ليس هو كذلك.

و يحتمل أن يكون استشهادا لكون التأليف و التفريق دالين على الصانع، لدلالة خلق الزوجين على المفرق و المؤلف لهما لأنه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق بجعلهما متفرقين، و جعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفه لخصوصهما، فيحتاج إلى مؤلف بجعلهما مؤتلفين.

و قيل: كل موجود دون الله فيه زوجان اثنان كالمهية و الوجود، و الوجوب و الإمكان، و المادة و الصورة، و الجنس و الفصل، و أيضا كل ما عداه يوصف بالمتضايفين كالعلية و المعلولية، و القرب و البعد، و المقارنة و المباينة، و التآلف و التفرق و المعاداة و الموافقة، و غيرها من الأمور الإضافية.

و قال بعض المفسرين: المراد بالشيء الجنس، و أقل ما يكون تحت الجنس نوعان، فمن كل جنس نوعان كالجوهر منه المادي و المجرد، و من المادي الجماد و النامي، و من النامي النبات و المدرك، و من المدرك الصامت و الناطق، و كل ذلك يدل على أنه واحد لا كثرة فيه، فقوله:" لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" أي تعرفون من اتصاف كل مخلوق بصفة التركيب و التضايف و الزوجية، أن خالقهما واحد أحد لا يوصف بصفاتها.

قوله (عليه السلام): ليعلم أن لا قبل له، ظاهره نفي كونه سبحانه زمانيا و يحتمل أن يكون المعنى عرفهم معنى القبلية و البعدية، ليحكموا بأن ليس شيء قبله و لا

100

بِغَرَائِزِهَا أَنْ لَا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ كَانَ رَبّاً إِذْ لَا مَرْبُوبَ وَ إِلَهاً إِذْ لَا مَأْلُوهَ وَ عَالِماً إِذْ لَا مَعْلُومَ وَ سَمِيعاً إِذْ لَا مَسْمُوعَ

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ شَبَابٍ الصَّيْرَفِيِّ وَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ

دَخَلْتُ أَنَا وَ عِيسَى شَلَقَانُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَابْتَدَأَنَا فَقَالَ عَجَباً لِأَقْوَامٍ يَدَّعُونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ قَطُّ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)النَّاسَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ وَ فَاطِرِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ

____________

بعده، و الغرائز: الطبائع و مغرزها موجد غرائزها و مفيضها عليها، و يمكن حملها و أمثالها على الجعل البسيط إن كان حقا.

و قيل: إنما تشهد لتعاليه عن التحدد الذي إنما يكون بها الطبيعة و الغريزة لأنه تحدد يلحقه الوجود، و المتحددة به خالية في ذاتها عن الوجود، أو لتعاليه عن التحدد مطلقا، و ربما تحمل الغرائز على الملكات و الصفات النفسانية كالشجاعة و السخاوة و الشهامة و أمثالها، و توقيتها تخصيص حدوث كل منهما بوقت، و بقائها إلى وقت، و" حجب بعضها عن بعض" أي بالحجب الجسمانية، أو الأعم ليعلم أن ذلك نقص و عجز و هو منزه عن ذلك، بل ليس لهم عن الرب حجاب إلا أنفسهم، لإمكانهم و نقصهم" كان ربا" أي قادرا على التربية، إذ هو الكمال، و فعليتها منوطة بالمصلحة،" و إلها إذ لا مألوه" أي من له الآلة، أي كان مستحقا للمعبودية إذ لا عابد.

الحديث الخامس: ضعيف.

قوله (عليه السلام): ما لم يتكلم، من تشبيه الله تعالى و ادعاء ألوهيته و أمثال ذلك.

قوله (عليه السلام): الملهم عباده، أي خواصهم" حمده" أي حمدا يليق به أو الأعم على حسب قابليتهم و استعدادهم" و فاطرهم على معرفة ربوبيته" بإقدارهم على المعرفة و اطلاعهم عليها بالعلم بالمقدمات الدالة عليه بالفعل أو بالقوة القريبة منه، أو بما ألقى عليهم من الإقرار به في الميثاق، كما يظهر من الأخبار الدال على وجوده بخلقه