مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
101

وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شِبْهَ لَهُ الْمُسْتَشْهِدِ بِآيَاتِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْمُمْتَنِعَةِ مِنَ الصِّفَاتِ ذَاتُهُ وَ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ وَ مِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحَاطَةُ بِهِ لَا أَمَدَ لِكَوْنِهِ وَ لَا غَايَةَ لِبَقَائِهِ لَا تَشْمُلُهُ الْمَشَاعِرُ وَ لَا تَحْجُبُهُ الْحُجُبُ وَ الْحِجَابُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ خَلْقُهُ إِيَّاهُمْ لِامْتِنَاعِهِ مِمَّا يُمْكِنُ فِي ذَوَاتِهِمْ وَ لِإِمْكَانٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ وَ لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ مِنَ الْمَصْنُوعِ وَ الْحَادِّ مِنَ الْمَحْدُودِ وَ الرَّبِّ مِنَ الْمَرْبُوبِ الْوَاحِدُ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ وَ الْخَالِقُ لَا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَ الْبَصِيرُ لَا بِأَدَاةٍ وَ السَّمِيعُ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ وَ الشَّاهِدُ لَا بِمُمَاسَّةٍ

____________

لإمكانهم و احتياجهم إلى المؤثر" و بحدوث خلقه على أزله" و في التوحيد أزليته يدل على أن الحدوث علة الحاجة إلى العلة، و على حدوث ما سواه" و باشتباههم" إذ تلك المشابهات في الأمور الممكنة و لوازم الإمكان، و قيل: المراد اشتراكهم في المهيات و لوازمها، إذ الاشتراك يدل على التركيب، و قيل: المراد اشتباههم في الحاجة إلى المؤثر و المدبر.

" لا أمد" في الأزل" و لا غاية" أي في الأبد" و الحجاب بينه و بين خلقه" أي إنما الحجاب بينه و بين خلقه كونه خالقا بريئا عن الإمكان، و كونهم مخلوقة ممكنة قاصرة عن نيل البريء بذاته و صفاته عن الإمكان، فالحجاب بينه و بين خلقه قصورهم و كماله، و هذا هو المراد بقوله: لامتناعه مما يمكن في ذواتهم.

" و لا مكان" بالتنوين عوض المحذوف أي لا مكان ذواتهم أو ما في ذواتهم مما يمتنع منه ذاته تعالى، و قيل: أي يمكن له بالإمكان العام ما يمتنع منه ذواتهم كالوجوب و الأزلية، و لا يخفى ما فيه.

" بلا تأويل عدد" بأن يكون له تعالى ثان من نوعه أو يكون مركبا فيطلق عليه الواحد بتأويل أنه واحد من نوع مثلا" لا بمعنى حركة" أي جسمانية أو نفسانية.

" لا بتفريق آلة" أي لا بآلة مغايرة لذاته أو بإدخال شيء فيها، فإنه يتضمن التفريق، و في التوحيد: السميع لا بأداة البصر، لا بتفريق آلة، أي بفتح العين

102

وَ الْبَاطِنُ لَا بِاجْتِنَانٍ وَ الظَّاهِرُ الْبَائِنُ لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ أَزَلُهُ نُهْيَةٌ لِمَجَاوِلِ الْأَفْكَارِ وَ دَوَامُهُ رَدْعٌ لِطَامِحَاتِ الْعُقُولِ قَدْ حَسَرَ كُنْهُهُ نَوَافِذَ الْأَبْصَارِ وَ قَمَعَ وُجُودُهُ جَوَائِلَ الْأَوْهَامِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ وَ مَنْ قَالَ

____________

أو بعث الأشعة و توزيعها على المبصرات، على القول بالشعاع، أو تقليب الحدقة و توجيهها مرة إلى هذا المبصر، و مرة إلى ذلك كما يقال فلان مفرق الهمة و الخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متباينة و مراعاتها" لا باجتنان" الاجتنان: الاستتار، أي أنه باطن بمعنى أن العقول و الأفهام لا تصل إلى كنهه لا باستتاره بستر و حجاب، أو علم البواطن لا بالدخول فيها و الاستتار بها.

و النهية بضم النون و سكون الهاء و فتح الياء اسم من نهاه ضد أمره، و المجاول بالجيم جمع مجول بفتح الميم، و هو مكان الجولان و زمانه، أو مصدر، و الردع: المنع و الكف، و الحسر: الإعياء يتعدى و لا يتعدى، و المراد هنا المتعدي، و القمع: القلع و الجوائل جمع جائل أو جائلة من الجولان.

قوله (عليه السلام): فمن وصف الله، بالصورة و الكيف فقد جعله جسما ذا حدود و من جعله ذا حدود فقد جعله ذا أجزاء، و كل ذي أجزاء محتاج حادث، أو من وصف الله و حاول تحديد كنهه فقد جعله ذا حد مركب من جنس و فصل، فقد صار حقيقته مركبة محتاجة إلى الأجزاء حادثة، أو من وصف الله بالصفات الزائدة فقد جعل ذاته محدودة بها، و من حده كذلك فقد جعله ذا عدد، إذ اختلاف الصفات إنما تكون بتعدد أجزاء الذات، أو قال: بتعدد الآلهة، إذ يكون كل صفة لقدمها إلها غير محتاج إلى علة، و من كان مشاركا في الإلهية لا يكون قديما فيحتاج إلى علة أو جعله مع صفاته ذا عدد، و عروض الصفات المغايرة الموجودة ينافي الأزلية، لأن الاتصاف نوع علاقة توجب احتياج كل منهما إلى الآخر، و هو ينافي وجوب الوجود و الأزلية، أو المعنى أنه على تقدير زيادة الصفات يلزم تركب الصانع إذ ظاهر أن الذات بدون ملاحظة الصفات ليست بصانع للعالم، فالصانع المجموع، فيلزم تركبه

103

أَيْنَ فَقَدْ غَيَّاهُ وَ مَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ

[الحديث 6]

6

وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فَكَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ

وَ ذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ- سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى قَوْلِهِ وَ قَمَعَ وُجُودُهُ جَوَائِلَ الْأَوْهَامِ ثُمَّ زَادَ فِيهِ أَوَّلُ الدِّيَانَةِ بِهِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ بِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ وَ شَهَادَتِهِمَا جَمِيعاً بِالتَّثْنِيَةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْأَزَلُ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ

____________

المستلزم للحاجة و الإمكان.

و قيل: المعنى فقد عده من المخلوقين" و من قال: أين فقد غياه" أي جعل له نهاية ينتهي لها إلى أينه أو جعله جسما ذا غايات و نهايات" و من قال على م؟" أي على ما و على أي شيء هو" فقد أخلى منه" غير ما جعله سبحانه عليه" و من قال: فيم؟" أي فيما هو" فقد ضمنه" أي حكم بكونه في شيء محيطة به.

الحديث السادس: مجهول و الديانة مصدر دان يدين، و في المصادر الديانة" دين دار گشتن" و يعدي بالباء، و المعنى أول التدين بدين الله معرفته، أي العلم بوجوده و كماله و التقدس عما لا يليق به و أوليتها ظاهرة لكونها أشرف المعارف، و توقف سائر المعارف و صحة جميع الأعمال عليه" و كمال معرفته توحيده" أي اعتقاد كونه متوحدا غير مشارك لغيره في إلهيته و في صفاته الذاتية فضلا عن المشاركة في الذاتي و كمال توحيده نفي الصفات الزائدة عنه، لشهادة كل من الصفة و الموصوف بمغايرته للآخر، و فيه رد على الأشاعرة القائلين إن صفاته سبحانه لا عينه و لا غيره.

و المغايرة موجب لأحد أمور: إما كونهما قديمين فيلزم تعدد الواجب، و احتياج كل من الواجبين إلى الآخر كما مر، أو حدوث الصفة، فيلزم كونه تعالى محلا للحوادث، و كونه ناقصا في ذاته و هو أيضا ينافي الأزلية، و لو قيل:

الصانع هو المجموع فيلزم تركبه و افتقاره مع لزوم تعدد الواجب أيضا، فمن قال

104

فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ وَ مَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ وَ مَنْ قَالَ مَا هُوَ فَقَدْ نَعَتَهُ وَ مَنْ قَالَ إِلَامَ فَقَدْ غَايَاهُ- عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومَ وَ خَالِقٌ إِذْ لَا مَخْلُوقَ وَ رَبٌّ إِذْ لَا مَرْبُوبَ وَ كَذَلِكَ يُوصَفُ رَبُّنَا وَ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ

[الحديث 7]

7

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ وَ غَيْرِهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خُطْبَةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ حُسْنِ صِفَتِهِ وَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فَقُلْتُ لِلْحَارِثِ أَ وَ مَا حَفِظْتَهَا قَالَ قَدْ كَتَبْتُهَا فَأَمْلَاهَا عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ الَّذِي

لَمْ يَلِدْ

فَيَكُونَ

____________

كيف؟ فقد طلب وصفه بصفات المخلوقين، و قد نفيناه عنه" و من قال على م؟ فقد حمله" أي جعله محمولا و محتاجا إلى ما يحمله" و من قال أين؟ فقد أخلى منه" أي جعله مخصوصا بأين خاص، و أخلى منه سائر الأيون، و الحال أن نسبته إلى الأيون على السواء" فقد نعته" أي بما يقع في جواب ما هو من مهية و حقيقة كلية أو بصفات المخلوقين، فلذا سأل عن كنهه" و من قال إلى م؟" أي إلى أي زمان يكون موجودا،" فقد غاياه" أي جعل لوجوده غاية و لا غاية له أزلا و أبدا.

الحديث السابع: مرسل.

قوله (عليه السلام): و لا تنقضي عجائبه، أي كلما تأمل الإنسان يجد من آثار قدرته و عجائب صنعته ما لم يكن وجده قبل ذلك و لا ينتهي إلى حد، أو أنه كل يوم يظهر من آثار صنعه خلق عجيب و طور غريب يحار فيه العقول و الأفهام، و الثاني بالتعليل أنسب، و فيه رد على اليهود حيث قالوا: يد الله مغلولة" فيكون في العز مشاركا" لمشاركة أنسب، و فيه رد على اليهود حيث قالوا: يد الله مغلولة" فيكون في العز مشاركا" لمشاركة الولد لوالده في العز و استحقاق التعظيم، أو المعنى أنه ولد فيشاركه في الحقيقة

105

فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً

وَ لَمْ يُولَدْ

فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ شَبَحاً مَاثِلًا وَ لَمْ تُدْرِكْهُ الْأَبْصَارُ فَيَكُونَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا حَائِلًا الَّذِي لَيْسَتْ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ وَ لَا

____________

الأحدية صارت سببا لعزته لأن التوالد عبارة عن كون الشيء مبدء لما هو مثله في نوعه و جنسه، فيلزم مشاركته معه في الحقيقة، فيلزم تركبه سبحانه و كونه ممكنا محتاجا، فينافي عزته و وجوب وجوده" فيكون موروثا" أي يرثه ولده بعد موته كما هو شأن كل والد.

و الحاصل أن كل مولود معلول حادث، و كل حادث بمعرض الهلاك و الفناء.

و أيضا السبب الحقيقي للتوالد و التناسل حفظ بقاء النوع الذي لا يمكن له البقاء و أيضا السبب الحقيقي للتوالد و التناسل حفظ بقاء النوع الذي لا يمكن له البقاء الشخصي، فكل مولود لا بد أن يكون كوالده موروثا حادثا هالكا في وقت و إن كان وارثا موجودا في وقت آخر.

" فتقدره شبحا مائلا" أي قائما أو مماثلا و مشابها للممكنات، إذ الوهم رئيس القوي الحسية و الخيالية، فكل ما يدركه من الذوات يصوره بقوته الخيالية شخصا متقدرا كأنه يشاهده شبحا حاضرا عنده، ماثلا بين يديه فإن كان تصوره للرب سبحانه على هذا الوجه مطابقا للواقع يلزم كونه تعالى جسما مقداريا محدودا و هو محال، و إن كان كاذبا فلم يكن أدركه بل أدرك أمرا آخر، فهو تعالى منزه من أن يقع عليه وهم.

" فيكون بعد انتقالها حائلا" أي متغيرا، من حال الشيء يحول إذا تغير أي لا تدركه الأبصار، و إلا لكان بعد انتقالها عنه متغيرا و منقلبا عن الحالة التي كانت له عند الإبصار من المقابلة و المحاذاة و الوضع الخاص و غير ذلك، أو عن حلوله في الباصرة بزوال صورته الموافقة له في الحقيقة عنها، و قيل: المراد بانتقالها عنه مرور الأزمنة عليه سبحانه، و فناء الرائين و حدوث جماعة أخرى متغيرا من حال إلى حال كما هو شأن المبصرات.

و بعض الأفاضل قرأ بعد مضمومة الباء مرفوعة الإعراب، على أن يكون اسم كان، و الحائل بمعنى الحاجز أي كان بعد انتقال الأبصار إليه حائلا من رؤيته، و منهم

106

لآِخِرِيَّتِهِ حَدٌّ وَ لَا غَايَةٌ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وَقْتٌ وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ زَمَانٌ وَ لَا يَتَعَاوَرُهُ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ وَ لَا يُوصَفُ بِأَيْنٍ وَ لَا بِمَ وَ لَا مَكَانٍ الَّذِي بَطَنَ مِنْ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ وَ ظَهَرَ فِي الْعُقُولِ بِمَا يُرَى فِي خَلْقِهِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الَّذِي سُئِلَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْهُ فَلَمْ تَصِفْهُ بِحَدٍّ وَ لَا بِبَعْضٍ بَلْ وَصَفَتْهُ بِفِعَالِهِ وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ لَا تَسْتَطِيعُ عُقُولُ الْمُتَفَكِّرِينَ جَحْدَهُ لِأَنَّ مَنْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ فِطْرَتَهُ وَ مَا فِيهِنَّ وَ مَا بَيْنَهُنَّ وَ هُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ فَلَا مَدْفَعَ لِقُدْرَتِهِ الَّذِي نَأَى مِنَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ كَمِثْلِهِ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَ أَقْدَرَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ وَ قَطَعَ عُذْرَهُمْ بِالْحُجَجِ فَعَنْ بَيِّنَةٍ هَلَكَ

____________

من قرأ خائلا بالخاء المعجمة أي ذا خيال و صورة متمثلة في المدرك، و التعاور: الورود على التناوب" لم يوصف بأين" أي بمكان فيكون نفي المكان تأكيدا أو بجهة مجازا" و لا بما؟" إذ ليست له مهية يمكن أن تعرف حتى يسأل عنها بما هو.

قوله (عليه السلام): بطن من خفيات الأمور، أي أدرك الباطن من خفيات الأمور و نفذ علمه في بواطنها، أو المراد أن كنهه تعالى أبطن و أخفى من خفيات الأمور مع أن وجوده أجلى من كل شيء في العقول" بما يرى في خلقه" من آثار تدبيره بحد" و لا ببعض" أي بكونه محدودا بحدود جسمانية أو عقلانية أو بأجزاء و أبعاض خارجية أو عقلية و قيل: أي لم يحسبوا بحد و لا ببعض حد و هو الحد الناقص كالجواب بالفصل القريب دون الجنس القريب، بل عدلوا عن الوصف بالحد تاما أو ناقصا إلى الرسوم الناقصة و هو الوصف له تعالى بفعاله كما قال الكليم (عليه السلام) في جواب وَ مٰا رَبُّ الْعٰالَمِينَ؟

" رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمَا" الآيات.

قوله (عليه السلام): بما جعل فيهم، أي من الأعضاء و الجوارح و القوة و الاستطاعة" بالحجج" أي الباطنة و هي العقول، و الظاهرة و هي الأنبياء و الأوصياء" فعن بينة" أي بسبب بينة واضحة أو معرضا و مجاوزا عنها، أو عن بمعنى بعد أي بعد وضوح بينة

107

مَنْ هَلَكَ وَ بِمَنِّهِ نَجَا مَنْ نَجَا وَ لِلَّهِ الْفَضْلُ مُبْدِئاً وَ مُعِيداً ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ افْتَتَحَ الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ وَ خَتَمَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَ مَحَلَّ الْآخِرَةِ بِالْحَمْدِ لِنَفْسِهِ فَقَالَ وَ قَضَى

بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ

الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّابِسِ الْكِبْرِيَاءِ بِلَا تَجْسِيدٍ وَ الْمُرْتَدِي بِالْجَلَالِ بِلَا تَمْثِيلٍ وَ الْمُسْتَوِي

____________

" و بمنه نجا من نجا" أي بلطفه و توفيقه و إعداد الآلات و هدايته في الدنيا و بعفوه و رحمته و تفضله في الثواب بلا استحقاق في الآخرة نجا الناجون، فقوله: و لله الفضل و في التوحيد و عن بينة نجا من نجا فالثاني لا يجري فيه" مبدء و معيدا" مترتب على ذلك أي حال التكليف في الدنيا و حال الجزاء في الآخرة، و يحتمل أن يكون المراد حال إبداء الخلق و إيجادهم في الدنيا و حال إرجاعهم و إعادتهم بعد الفناء أو مبدءا حيث بدء العباد مفطورين على معرفته قادرين على طاعته و معيدا حيث لطف بهم و من عليهم بالرسل و الأئمة الهداة.

" و له الحمد" الجملة اعتراضية" افتتح الحمد لنفسه" أي في التنزيل الكريم أو في بدو الإيجاد بإيجاد الحمد، أو ما يستحق الحمد عليه، و في التوحيد: افتتح الكتاب بالحمد، و هو يؤيد الأول" و محل الآخرة" أي حلولها و ربما يقرأ بسكون الحاء و هو الجدب و انقطاع المطر و المجادلة و الكيد، أو بالجيم و هو أن يجتمع بين الجلد و اللحم ماء من كثرة العمل و شدته، و على التقديرين كناية عن الشدة و المصيبة أي ختم أمر الدنيا و شدائد الآخرة و أهوالها بالحمد لنفسه على القضاء بالحق فعلم أن الافتتاح و الاختتام بحمده من محاسن الآداب.

و في التوحيد: و مجيء الآخرة، أي ختم أول أحوال الآخرة و هو الحشر و الحساب و يمكن أن يقدر فعل آخر يناسبه، أي بدء مجيء الآخرة" و قضى بينهم" أي بإدخال بعضهم الجنة و بعضهم النار، و يظهر من الخبر أن القائل هو الله، و يحتمل أن يكون الملائكة بأمره تعالى.

" بلا تمثيل" أي بمثال جسماني، و هذا و ما تقدمه دفع لما يتوهم من أن

108

عَلَى الْعَرْشِ بِغَيْرِ زَوَالٍ وَ الْمُتَعَالِي عَلَى الْخَلْقِ بِلَا تَبَاعُدٍ مِنْهُمْ وَ لَا مُلَامَسَةٍ مِنْهُ لَهُمْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَى حَدِّهِ وَ لَا لَهُ مِثْلٌ فَيُعْرَفَ بِمِثْلِهِ ذَلَّ مَنْ تَجَبَّرَ غَيْرَهُ وَ صَغُرَ مَنْ

____________

الكبر و العظم و الجلالة و نحوها لا تكون إلا في الأجساد و الأشباح ذوات المقادير و الأوضاع، و لا شك أنه سبحانه منزه عن الجسمانيات و صفاتها، فنبه على أن كبريائه و جلاله على وجه أعلى و أشرف مما يوجد في المحسوسات و المتمثلات.

قوله: بلا زوال أي بغير استواء جسماني يلزمه إمكان الزوال أو لا يزول اقتداره و استيلاؤه أبدا" المتعالي عن الخلق" بالشرف و العلية و التنزه عن صفاتهم، لا بما يتوهم من تراخي مسافة بينهما كالفلك بالنسبة إلى الأرض أو بمماسة كالماء و الهواء بالنسبة إليهما أو قوله ع: و لا ملامسة نفي لما يتوهم من نفي التباعد من تحقق الملامسة و نحوها، قضية للتقابل بينهما قياسا على الجسمانيات، فإن المتقابلين كليهما منفيان عنه و إنما يتصف بأحدهما ما يكون قابلا للاتصاف بهما، كما يقال: الفلك ليس بحار و لا بارد، و الجدار ليس بأعمى و لا بصير" ليس له حد ينتهي إلى حده" أي الحدود الجسمانية فينتهي هو إلى حده على بناء الفاعل أو الحد المنطقي فينتهي على بناء المفعول إلى تحديده به أو لأحد لتوصيفه و نعته، بل كلما بالغت فيه فأنت مقصر.

" ذل من تجبر غيره" قوله: غيره، حال عن فاعل تجبر و كذا قوله: دونه، حال عن فاعل تكبر و الضميران راجعان إليه سبحانه، أي ذل له كل من تجبر غيره، فإن كل ما يغايره ممكن مخلوق ذليل للخالق الجليل.

" و صغر" كل" من تكبر دونه" فإن جميع ما سواه موصوف بالصغار أو الصغر لدى خالقه الكبير المتعال، أو المعنى أن عز المخلوق و رفعته إنما يكون بالتذلل و الخضوع اللائقين به، و بهما يكتسب إفاضة الكمال من خالقه فإذا تجبر و تكبر استحق الحرمان و الخذلان فيزداد صغرا إلى صغره، و ذلا إلى ذلة، فلا يرتفع من درجة

109

تَكَبَّرَ دُونَهُ وَ تَوَاضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لِعَظَمَتِهِ وَ انْقَادَتْ لِسُلْطَانِهِ وَ عِزَّتِهِ وَ كَلَّتْ عَنْ إِدْرَاكِهِ طُرُوفُ الْعُيُونِ وَ قَصُرَتْ دُونَ بُلُوغِ صِفَتِهِ أَوْهَامُ الْخَلَائِقِ الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا قَبْلَ لَهُ وَ الْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا بَعْدَ لَهُ الظَّاهِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْقَهْرِ لَهُ وَ الْمُشَاهِدِ لِجَمِيعِ الْأَمَاكِنِ بِلَا انْتِقَالٍ إِلَيْهَا لَا تَلْمِسُهُ لَامِسَةٌ وَ لَا تُحِسُّهُ حَاسَّةٌ

هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ

أَتْقَنَ مَا أَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْأَشْبَاحِ كُلِّهَا لَا بِمِثَالٍ سَبَقَ إِلَيْهِ وَ لَا لُغُوبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي خَلْقِ مَا خَلَقَ لَدَيْهِ ابْتَدَأَ مَا أَرَادَ ابْتِدَاءَهُ وَ أَنْشَأَ مَا أَرَادَ إِنْشَاءَهُ عَلَى مَا أَرَادَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ تَمَكَّنَ فِيهِمْ طَاعَتُهُ نَحْمَدُهُ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا عَلَى جَمِيعِ نَعْمَائِهِ كُلِّهَا وَ نَسْتَهْدِيهِ لِمَرَاشِدِ أُمُورِنَا

____________

النقص إلى الكمال، و لا يزال في الدارين هابطا في دركات النقص و الوبال.

" لعظمته" أي عند عظمته أو عنده بسبب عظمته، و الاحتمالان جاريان فيما بعده" طروف العيون" جمع طرف و هو تحريك الجفن بالنظر أو جمع طارف بمعنى طامح، و في الفائق: طرفت عينه أي طمحت" و الظاهر على كل شيء" أي الغالب عليه بالقهر له على الإيجاد و الإفناء، و إجراء كل ما أراد فيه.

" هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ" أي مستحق لأن تعبده و تخضع له السماوات و ما فيها و تتواضع لعظمته و تنقاد لسلطانه و عزته لربوبيته لها" وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ" أي مستحق لأن تخضع له و تعبده الأرض و ما فيها و ما عليها و تنقاد لسلطانه و عزته" أتقن" أي أحكم ما أراد من خلقه متعلق بأراد أو بيان لما" من الأشباح" بيان لما على الأول و لخلقه على الثاني، و يحتمل أن تكون من الأولى تبعيضية، و الأشباح: الأشخاص المتغايرة و الصور المتباينة النوعية و الشخصية.

" لا بمثال" في التوحيد بلا مثال، أي لا في الخارج و لا في الذهن" سبق" أي ذلك المثال" إليه" تعالى، أو سبق الله إلى ذلك المثال، و ربما يقرأ على بناء المفعول أي سبق غيره تعالى إلى خلق ذلك المثال،" و لا لغوب" أي تعب، و يمكن إرجاع ضمير

110

وَ نَعُوذُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَ نَسْتَغْفِرُهُ لِلذُّنُوبِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنَّا وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيّاً دَالًّا عَلَيْهِ وَ هَادِياً إِلَيْهِ فَهَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَ اسْتَنْقَذَنَا بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ

مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فٰازَ فَوْزاً عَظِيماً

وَ نَالَ ثَوَاباً جَزِيلًا وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ

فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً

وَ اسْتَحَقَّ عَذَاباً أَلِيماً فَأَنْجِعُوا بِمَا يَحِقُّ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ وَ إِخْلَاصِ النَّصِيحَةِ وَ حُسْنِ الْمُؤَازَرَةِ

____________

لديه إليه تعالى و إلى الخلق، فالظرف على الأول متعلق بخلق، و على الثاني بدخل" و يمكن" على التفعيل أي بإيجاد القوة و القدرة عليها و تركيب العقول المميزة فيهم، و في بعض النسخ بالتاء من باب التفعل بحذف إحدى التائين، و المحامد جمع محمدة و هي ما يحمد به من صفات الكمال، و قال الفيروزآبادي: المراشد مقاصد الطرق.

" دالا عليه" أي على الله أو على الحق الذي بعث به، و الأول أظهر.

" وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ*" وضع الظاهر موضع الضمير لتعظيمها، و الالتذاذ بذكرهما أو ليعلم تقديم الله على الرسول، و لا يتوهم كونهما في درجة واحدة.

و لعل أحد هذه الوجوه علة الذم فيما رواه مسلم عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: من يطع الله و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقد غوى فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): بئس الخطيب أنت، قل: و من يعص الله و رسوله فقد غوى فقال رسول ص: بئس الخطيب أنت، قل: و من يعص الله و رسوله فقد غوى مع أنه قد ورد في كثير من الخطب بالضمير أيضا.

" فأنجعوا" في بعض النسخ بالنون و الجيم من قولهم أنجع أي أفلح، أي أفلحوا بما يجب عليكم من الأخذ سمعا و طاعة، أو من النجعة بالضم و هي طلب الكلاء من موضعه، و في بعضها بالباء الموحدة فالخاء المعجمة، قال الجزري: فيه: أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا و أبخع طاعة، أي أبلغ و أنصح في الطاعة من غيرهم كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم أي قهرها و إذلالها بالطاعة، و قال الزمخشري في الفائق: أي أبلغ طاعة من بخع الذبيحة إذا بالغ في ذبحها، و هو أن يقطع عظم رقبتها، هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في كل مبالغة، فقيل: بخعت له نصحي و جهدي و طاعتي.

" و إخلاص النصيحة" أي لله و لكتابة و لرسوله و للأئمة و لعامة المسلمين

111

وَ أَعِينُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِلُزُومِ الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَ هَجْرِ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ وَ تَعَاطَوُا الْحَقَّ بَيْنَكُمْ وَ تَعَاوَنُوا بِهِ دُونِي وَ خُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ السَّفِيهِ وَ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اعْرِفُوا لِذَوِي الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ عَصَمَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِالْهُدَى وَ ثَبَّتَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَى التَّقْوَى وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ

بَابُ النَّوَادِرِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ النَّصْرِيِّ قَالَ

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ

فَقَالَ مَا يَقُولُونَ فِيهِ

____________

و إخلاصها تصفيتها من الغش، و الموازرة المعاونة أي المعاونة الحسنة على الحق.

" و أعينوا على أنفسكم" أي على إصلاحها أو ذللوها و أقهروها فالمراد النفس الأمارة بالسوء، و في التوحيد أعينوا أنفسكم أي على الشيطان.

" و تعاطوا الحق" أي تناولوه بأن يأخذه بعضكم من بعض ليظهر و لا يضيع" دوني" أي عندي و قريبا مني أو قبل الوصول إلى أو حالكون الحق عندي.

" و خذوا على يد الظالم" أي امنعوه عن الظلم و أقهروه على تركه، و السفيه من يتبع الشهوات النفسانية، و ذو الفضل: العترة الطاهرة، أو يشمل غيرهم من العلماء و الصلحاء و الذرية الطيبة و الوالدين و أرباب الإحسان على قدر مراتبهم، عصمنا الله و إياكم عن اتباع الباطل بالهدي إلى الحق.

باب النوادر الحديث الأول: مرسل.

قوله تعالى إِلّٰا وَجْهَهُ، قيل فيه وجوه:

الأول: أن المعنى كل شيء فإن بائد إلا ذاته، و هذا كما يقال هذا وجه الرأي

112

قُلْتُ يَقُولُونَ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَالُوا قَوْلًا عَظِيماً إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ

____________

و وجه الطريق، قاله الطبرسي (ره)، و قال: في هذا دلالة على أن الأجسام تفنى ثم تعاد على ما قاله الشيوخ في الفناء و الإعادة.

الثاني: ما ذكره الطبرسي أيضا: أي كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه، فإنه يبقى ثوابه عن ابن عباس.

الثالث: أن كل شيء هالك فإن الممكن في حد ذاته معدوم حقيقة إلا ذاته سبحانه، فإنه الموجود بالذات بالوجود الحقيقي.

الرابع: أن المعنى كل شيء هالك و إنما وجوده و بقائه و كماله بالجهة المنسوبة إليه سبحانه، فإنه علة لوجود كل شيء و بقائه و كماله، و مع قطع النظر عن هذه الجهة فهي فانية باطلة هالكة، و هذا وجه قريب خطر بالبال و إن قال قريبا منه بعض من يسلك مسالك الحكماء على أذواقهم المخالفة للشريعة.

الخامس: أن المعنى كل شيء هالك أي باطل إلا دينه الذي به يتوجه إليه سبحانه، و كل ما أمر به من طاعته، و قد وردت أخبار كثيرة على هذا الوجه.

السادس: أن المراد بالوجه: الأنبياء و الأوصياء (صلوات الله عليهم)، لأن الوجه ما يواجه به، و الله سبحانه إنما يواجه عباده و يخاطبهم بهم (عليهم السلام)، و إذا أراد العباد التوجه إليه تعالى يتوجهون إليهم، و به أيضا وردت أخبار كثيرة منها هذا الخبر.

السابع: أن الضمير راجع إلى الشيء أي كل شيء بجميع جهاته باطل فإن إلا وجهه الذي به يتوجه إلى ربه و هو روحه و عقله و محل معرفة الله منه، التي تبقى بعد فناء جسمه و شخصه، و ربما ينسب هذا إلى الرواية عنهم (عليهم السلام)، و أما وصفه (عليه السلام) قولهم بالعظم، فالظاهر أنه لإثباتهم له سبحانه وجها كوجوه البشر، و من قال ذلك فقد كفر، و قيل: كان مرادهم فناء كل شيء غير ذاته تعالى فاستعظمه و أنكره (عليه السلام)، إذ من المخلوقات ما لا يفنى، و لا يخفى بعده.

113

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ

قَالَ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ مُحَمَّدٍ(ص)فَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا يَهْلِكُ وَ كَذَلِكَ قَالَ

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ النَّخَّاسِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

نَحْنُ الْمَثَانِي الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ

____________

الحديث الثاني: صحيح.

قوله: فهو الوجه، الضمير راجع إلى الموصول أي من أتى بجميع ما أمر الله به فهو وجه الله في خلقه، و هم الأئمة (عليهم السلام) كما أن الرسول (صلى الله عليه و آله) كان في زمانه وجه الله، ثم استشهد (عليه السلام) بقوله تعالى:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ" فهو وجه الله الذي من توجه إليه توجه إلى الله فيرجع إلى الوجه السادس، أو الضمير راجع إلى الإتيان أي الإتيان بما أمر الله هو الجهة التي يتوجه بها إلى الله، و الاستشهاد من جهة أن العمل بما أتى به الرسول طاعة الله و توجه إليه، مع أنه في أكثر النسخ كذلك فلا يكون تعليلا بل بيانا لأن طاعة الرسول صلى الله (عليه السلام) أيضا توجه إلى الله، فلا تهلك و لا تضيع فيرجع إلى الخامس لكن الأول أظهر.

الحديث الثالث: ضعيف.

قوله (عليه السلام): نحن المثاني، إشارة إلى قوله عز و جل:" وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" و المشهور بين المفسرين أنها سورة الفاتحة، و قيل:

السبع الطوال، و قيل: مجموع القرآن لقسمته أسباعا، و قوله: من المثاني بيان للسبع و المثاني من التثنية أو الثناء، فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته و ألفاظه أو قصصه و مواعظه، أو مثنى بالبلاغة و الإعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى

114

..........

____________

و أسمائه الحسني، و يجوز أن يراد بالمثاني القرآن أو كتب الله كلها، فتكون من للتبعيض. و قوله" وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، و إن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، هذا ما قيل في تفسير ظهر الآية الكريمة، و يدل عليها بعض الأخبار أيضا و أما تأويله (عليه السلام) لبطن الآية فلعل كونهم (عليهم السلام) سبعا باعتبار أسمائهم فإنها سبعة، و إن تكرر بعضها، أو باعتبار أن انتشار أكثر العلوم كان من سبعة منهم إلى الكاظم (عليه السلام)، ثم بعد ذلك كانوا خائفين مستورين مغمورين لا يصل إليهم الناس غالبا إلا بالمكاتبة و المراسلة، فلذا خص هذا العدد منهم بالذكر.

فعلى تلك التقادير يجوز أن تكون المثاني من الثناء لأنهم الذين يثنون عليه تعالى حق ثنائه بحسب الطاقة البشرية، و أن يكون من التثنية لتثنيتهم مع القرآن كما قال الصدوق (ره) حيث قال: معنى قوله: نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبي (صلى الله عليه و آله) إلى القرآن و أوصى بالتمسك بالقرآن، و بنا أخبر أمته أنا لا نفترق حتى نرد حوضه" انتهى" أو لتثنيتهم مع النبي (صلى الله عليه و آله)، أو لأنهم (عليهم السلام) ذو جهتين جهة تقدس و روحانية و ارتباط تام بجنابة تعالى، و جهة ارتباط بالخلق بسبب البشرية و يحتمل أن يكون السبع باعتبار أنه إذا ثني يصير أربعة عشر موافقا لعددهم (عليهم السلام) إما باعتبار التغاير الاعتباري بين المعطي و المعطي له إذ كونه معطي إنما يلاحظ مع جهة النبوة و الكمالات التي خصه الله بها و كونه معطي له، مع قطع النظر عنها، أو يكون الواو في قوله: و القرآن، بمعنى مع فيكونون مع القرآن أربعة عشر، و فيه ما فيه. و يحتمل أن يكون المراد بالسبع في ذلك التأويل أيضا السورة، و يكون المراد بتلك الأخبار أن الله تعالى إنما أمتن بهذه السورة على النبي (صلى الله عليه و آله) في مقابلة القرآن العظيم لاشتمالها على وصف الأئمة (عليه السلام) و مدح طريقتهم و ذم أعدائهم في قوله سبحانه

115

نَبِيَّنَا مُحَمَّداً(ص)وَ نَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ نَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَ نَحْنُ عَيْنُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَ يَدُهُ الْمَبْسُوطَةُ بِالرَّحْمَةِ عَلَى عِبَادِهِ عَرَفَنَا مَنْ عَرَفَنَا وَ جَهِلَنَا مَنْ جَهِلَنَا وَ إِمَامَةَ الْمُتَّقِينَ

[الحديث 4]

4

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

____________

" صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" إلى آخر السورة، فالمعنى نحن المقصودون بالمثاني.

و قال في النهاية: فيه فأقاموا بين ظهرانيهم و بين أظهرهم، قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، و المراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار و الاستناد إليهم، و زيدت فيه ألف و نون مفتوحة تأكيدا، و معناه أن ظهرا منهم قدامه و ظهرا وراءه فهو مكنوف من جانبيه و من جوانبه إذا قيل بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا.

" و هم عين الله" أي شاهده على عباده، فكما أن الرجل ينظر بعينه ليطلع على الأمور كذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء منه عليهم، ناظرين في أمورهم، و العين يطلق على الجاسوس و على خيار الشيء أيضا، قال في النهاية في حديث عمر: إن رجلا كان ينظر في الطواف إلى حرم المسلمين فلطمه علي (عليه السلام) فاستعدى عليه فقال:

ضربك بحق أصابته عين من عين الله، أراد خاصة من خواص الله عز و جل، و وليا من أوليائه" انتهى" و إطلاق اليد على النعمة و الرحمة و القدرة شائع، فهم نعم الله التامة و رحمته المبسوطة و مظاهر قدرته الكاملة.

قوله (عليه السلام): و إمامة المتقين، بالنصب عطفا على ضمير المتكلم في جهلنا ثانيا، أي جهلنا من جهل إمامة المتقين أو عرفنا و جهلنا أولا أي عرف إمامة المتقين من عرفنا، و جهلها من جهلنا، أو بالجر عطفا على الرحمة أي يده المبسوطة بإمامة المتقين و لعله من تصحيف النساخ، و الأظهر ما في نسخ التوحيد: و من جهلنا فإمامة اليقين أي الموت على التهديد، أو المراد أنه يتيقن بعد الموت و رفع الشبهات.

الحديث الرابع: مجهول و سموا بالاسم لأنهم يدلون على قدرة الله تعالى

116

وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا

قَالَ نَحْنُ وَ اللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا

[الحديث 5]

5

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ صَبَّاحٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا فَأَحْسَنَ خَلْقَنَا وَ صَوَّرَنَا فَأَحْسَنَ صُوَرَنَا وَ جَعَلَنَا عَيْنَهُ فِي عِبَادِهِ وَ لِسَانَهُ النَّاطِقَ فِي خَلْقِهِ وَ يَدَهُ الْمَبْسُوطَةَ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ وَجْهَهُ

____________

و علمه و سائر كمالاته، فهم بمنزلة الاسم في الدلالة على المسمى أو يكون بمعناه اللغوي من الوسم بمعنى العلامة، أو لأنهم المظهرون لأسماء الله و الحافظون لها و المحيطون بمعرفتها، أو المظاهر لها و الله يعلم.

الحديث الخامس: ضعيف.

قوله (عليه السلام): فأحسن خلقنا، حيث خلقهم من الطينة الطاهرة أو من حيث إكمالهم (عليهم السلام) و عصمتهم من الخطإ و الزلة، و يمكن أن يقرأ خلقنا بالضم" فأحسن صورنا" أي جعلنا ذوي صورة حسنة و أخلاق جميلة، و حلانا بالكمالات النفسانية،" و لسانه الناطق في خلقه" لما كان اللسان يعبر عما في الضمير و يبين ما أراد الإنسان إظهاره أطلق عليهم (عليهم السلام) لسان الله لأنهم المعبرون عن الله يبينون حلاله و حرامه و معارفه و سائر ما يريد بيانه للخلق" و بابه الذي يدل عليه" لما كان المريد للقاء السلطان لا بد له من إتيان بابه و لقاء بوابه ليوصلوه إليه فسموا أبواب الله، لأنه لا بد لمن يريد معرفته سبحانه و طاعته من أن يأتيهم ليدلوه عليه و على رضاه، فلذا شبهوا بالباب و سموا الأبواب و لذا قال النبي (صلى الله عليه و آله): أنا مدينة العلم- أو مدينة الحكمة و علي بابها.

و روي عن الباقر (عليه السلام) في معنى كونهم باب الله: معناه أن الله احتجب عن خلقه بنبيه و الأوصياء من بعده، و فوض إليهم من العلم ما علم احتياج الخلق إليه، و لما

117

الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ وَ بَابَهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وَ خُزَّانَهُ فِي سَمَائِهِ وَ أَرْضِهِ بِنَا أَثْمَرَتِ الْأَشْجَارُ وَ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ جَرَتِ الْأَنْهَارُ وَ بِنَا يَنْزِلُ غَيْثُ السَّمَاءِ وَ يَنْبُتُ عُشْبُ الْأَرْضِ

____________

استوفى النبي (صلى الله عليه و آله) علي (عليه السلام) العلوم و الحكمة قال: أنا مدينة العلم و علي بابها، و قد أوجب الله على الخلق الاستكانة لعلي (عليه السلام) بقوله:" ادْخُلُوا الْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" أي الذي لا يرتابون في فضل الباب و علو قدره.

و قال في موضع آخر:" وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا" يعني الأئمة (عليهم السلام) الذين هم بيوت العلم و معادنه و هم أبواب الله و وسيلته و الدعاة إلى الجنة و الأدلاء عليها إلى يوم القيامة، رواه الكفعمي عنه (عليه السلام).

" و خزانة في سمائه و أرضه" أي خزان علمه من بين أهل السماء و الأرض فنعطي علمه من نشاء و نمنعه من نشاء.

و يحتمل الأعم إذ جميع الخيرات يصل إلى الخلق بتوسطهم، و قيل: أي عندهم مفاتيح الخير من العلوم و الأسماء التي تفتح أبواب الجود على العالمين.

" بنا أثمرت الأشجار" إذ الغاية في خلق العالم المعرفة و العبادة كما دلت عليه الآيات و الأخبار، و لا يتأتى الكامل منهما إلا منهم، و لا يتأتيان من سائر الخلق إلا بهم، فهم سبب نظام العالم، و لذا يختل عند فقد الإمام لانتفاء الغاية و قد قال سبحانه: لولاك لما خلقت الأفلاك، قيل: و يحتمل أن يكون أثمار الأشجار و إيناع الأثمار و جرى الأنهار" إه" كناية عن ظهور الكمالات النفسانية و الجسمانية، و وصولها إلى غايتها المطلوبة، و ظهور العلم و أمثاله، و قال في النهاية أينع الثمر يونع و ينع يينع فهو مونع و يانع إذا أدرك و نضج و أينع أكثر استعمالا، و العشب بالضم الكلاء الرطب.

118

وَ بِعِبَادَتِنَا عُبِدَ اللَّهُ وَ لَوْ لَا نَحْنُ مَا عُبِدَ اللَّهُ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ

فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَأْسَفُ كَأَسَفِنَا وَ لَكِنَّهُ خَلَقَ أَوْلِيَاءَ لِنَفْسِهِ يَأْسَفُونَ وَ يَرْضَوْنَ وَ هُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ فَجَعَلَ رِضَاهُمْ رِضَا نَفْسِهِ وَ سَخَطَهُمْ سَخَطَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ إِلَيْهِ وَ الْأَدِلَّاءَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ صَارُوا كَذَلِكَ وَ لَيْسَ أَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ كَمَا يَصِلُ إِلَى خَلْقِهِ لَكِنْ هَذَا مَعْنَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَ قَدْ قَالَ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ دَعَانِي إِلَيْهَا وَ قَالَ-

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ

وَ قَالَ

إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

فَكُلُّ هَذَا

____________

" و بعبادتنا عبد الله و لو لا نحن ما عبد الله" أي بمعرفتنا و عبادتنا التي بها نعرفه و نعبده و نهدي عباده إليها و نعلمها إياهم، عبد الله لا بغيرها مما تسميه العامة عبادة و معرفة، أو أنه لو لا عبادتنا لم يوجد أحد، لأن الله خلق العالم لعبادتنا فلم يوجد الدنيا فلم يعبد الله أحد، أو المراد أن العبادة الخالصة مع الشرائط لا تصدر إلا منا، فلولانا ما عبد الله إذ المعنى أن ولايتنا شرط لقبول العبادة فلولانا نحن ما عبد سبحانه عبادة مقبولة.

الحديث السادس: حسن، و قال في القاموس: الأسف محركة شدة الحزن، أسف كفرح و عليه غضب" انتهى" و قد مر مرارا أنه سبحانه لا يتصف بصفات المخلوقين، و هو متعال عن أن تكون له كيفية، فإطلاق الأسف فيه سبحانه إما تجوز باستعماله في صدور الفعل الذي يترتب فينا مثله على الأسف، و إما مجاز في الإسناد أو من مجاز الحذف أي أسفوا أولياءنا، و الخبر محمول على الأخيرين.

119

وَ شِبْهُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَ هَكَذَا الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا يُشَاكِلُ ذَلِكَ وَ لَوْ كَانَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ الْأَسَفُ وَ الضَّجَرُ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَ أَنْشَأَهُمَا لَجَازَ لِقَائِلِ هَذَا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْخَالِقَ يَبِيدُ يَوْماً مَا لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ الْغَضَبُ وَ الضَّجَرُ دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ وَ إِذَا دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْإِبَادَةُ ثُمَّ لَمْ يُعْرَفِ الْمُكَوِّنُ مِنَ الْمُكَوَّنِ وَ لَا الْقَادِرُ مِنَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَ لَا الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ عُلُوّاً كَبِيراً بَلْ هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ لَا لِحَاجَةٍ فَإِذَا كَانَ لَا لِحَاجَةٍ اسْتَحَالَ الْحَدُّ وَ الْكَيْفُ فِيهِ فَافْهَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

____________

و استشهد (عليه السلام) بأمثاله في كلامه سبحانه، ثم استدل على استحالة الحزن و الضجر عليه كسائر الكيفيات بأن الاتصاف بالممكن المخلوق مستلزم للإمكان و كل ما هو ممكن في عرضة الهلاك، و لا يؤمن عليه الانقطاع و الزوال ثم إذا جوز عليه الزوال لم يعرف المكون المبدأ على الإطلاق من المكون المخلوق، و لا القادر على الإطلاق السرمدي من المقدور عليه المحدث، و لا الخالق من المخلوق، لأن مناط هذا التميز و المعرفة الوجوب و القدم الدالان على المبدئية و القدرة و الخالقية و الإمكان و العدم الدالان على المكونية و المقدورية و المخلوقية، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة منه إلى خلقه في وجوده أو كمالاته، لكونه المبدأ الأول الأزلي الإحدى المتقدس عن التكثر بجهة من الجهات كالفعلية و القوة و غيرها، فإذا كان كذلك استحال عليه الحد الموقوف على المهية الإمكانية و الكيف كذا قيل.

أو أنه إذا كان خالقا لجميع ما سواه غير محتاج إليها لا يمكن أن يكون متصفا بالحد و الكيف، إذ الحد و الكيف إن كانا منه سبحانه فهو محتاج إليهما، فتكون خالقيته للحاجة، و إن كانا من غيره فالغير مخلوق له، و هو محتاج إليه في الاتصاف بهما.

120

[الحديث 7]

7

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ

كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَأَنْشَأَ يَقُولُ ابْتِدَاءً مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ نَحْنُ حُجَّةُ اللَّهِ وَ نَحْنُ بَابُ اللَّهِ وَ نَحْنُ لِسَانُ اللَّهِ وَ نَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ وَ نَحْنُ عَيْنُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَ نَحْنُ وُلَاةُ أَمْرِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ

[الحديث 8]

8

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَسَّانَ الْجَمَّالِ قَالَ حَدَّثَنِي هَاشِمُ بْنُ أَبِي عُمَارَةَ الْجَنْبِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ

أَنَا عَيْنُ اللَّهِ وَ أَنَا يَدُ اللَّهِ وَ أَنَا جَنْبُ اللَّهِ- وَ أَنَا بَابُ اللَّهِ

____________

الحديث السابع: مجهول.

الحديث الثامن: مجهول بهاشم بن أبي عمار الحيتي و في بعض النسخ الجنبي و الجنب حي من اليمن.

قوله (عليه السلام): و أنا جنب الله، لعل المراد بالجنب الجانب و الناحية و هو (عليه السلام) التي أمر الله الخلق بالتوجه إليه، و الجنب يجيء بمعنى الأمير، و هو أمير الله على الخلق أو هو كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما أن من أراد أن يقرب من الملك يجلس بجنبه، و قد ورد المعنى الأخير عن الباقر (عليه السلام).

قال الكفعمي: قوله: جنب الله، قال الباقر (عليه السلام): معناه أنه ليس شيء أقرب إلى الله تعالى من رسوله، و لا أقرب إلى رسوله من وصيه، فهو في القرب كالجنب، و قد بين الله تعالى ذلك في كتابه في قوله:" أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّٰهِ" يعني في ولاية أوليائه.

و قال الطبرسي في مجمعه: الجنب القرب، أي يا حسرتى على ما فرطت في قرب الله و جواره، و منه قوله تعالى:" وَ الصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ" و هو الرفيق في السفر، و هو الذي يصحب الإنسان بأن يحصل بجنبه لكونه رفيقه قريبا منه ملاصقا له، و عن الباقر (عليه السلام): نحن جنب الله" انتهى".

121

[الحديث 9]

9

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّٰهِ

قَالَ جَنْبُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ كَذَلِكَ مَا كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ بِالْمَكَانِ الرَّفِيعِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى آخِرِهِمْ

[الحديث 10]

10

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَكَمِ وَ إِسْمَاعِيلَ ابْنَيْ حَبِيبٍ عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

بِنَا عُبِدَ اللَّهُ وَ بِنَا عُرِفَ اللَّهُ وَ بِنَا وُحِّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ مُحَمَّدٌ حِجَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى

____________

الحديث التاسع: حسن.

قوله (عليه السلام): جنب الله أمير المؤمنين، أي جنب الله في هذه الأمة أمير المؤمنين صلوات الله عليه و كذا الأوصياء بعده، و الحاصل أن المراد بجنب الله الحجج في كل أمة" بالمكان" خبر كان أو حال.

الحديث العاشر: ضعيف.

قوله (عليه السلام): و محمد حجاب الله، أي واسطة بين الله و بين خلقه، كما أنه لا يمكن الوصول إلى المحجوب إلا بالوصول إلى الحجاب، فكذلك هو بالنسبة إلى جميع خلقه لا يمكنهم الوصول إلى الله سبحانه و إلى رحمته إلا بالتوصل به، و قيل: المراد أنه (صلى الله عليه و آله) النور المشرق منه سبحانه، و أقرب شيء منه، كما قال (صلى الله عليه و آله): أول ما خلق الله نوري و منه الحجاب لنور الشمس، أو المراد أنه النور المشرق منه سبحانه و لتوسطه بينه و بين النفوس النورية يكون حجابا له سبحانه، لأنه بالوصول إليه و غلبة نوره على أنوارهم يعجز كل منها عن إدراك ما فوقه" انتهى" أو يعلم بالاطلاع على هذا النور و عجزه عن إدراكه أنه لا يمكنه الوصول إلى نور الأنوار، فهو بهذا المعنى حجاب عنه سبحانه.

122

[الحديث 11]

11

بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ قَادِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

قَالَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْظَمُ وَ أَعَزُّ وَ أَجَلُّ وَ أَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُظْلَمَ وَ لَكِنَّهُ خَلَطَنَا بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ ظُلْمَنَا ظُلْمَهُ وَ وَلَايَتَنَا وَلَايَتَهُ حَيْثُ يَقُولُ-

إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا

يَعْنِي الْأَئِمَّةَ مِنَّا ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ

وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

____________

الحديث الحادي عشر: مجهول مرسل.

قوله (عليه السلام): من أن يظلم، أي من أن يتوهم جواز مظلوميته سبحانه و إمكانه حتى يحتاج إلى نفيه، فهذه المظلومية مظلومية المنتجبين من عباده" خلطهم بنفسه" أي ذكرهم مع ذكره، و جعل ظلمهم ظلمه و ولايتهم ولايته حيث يقول" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" يعني الأئمة (عليهم السلام) فجعل الولاية و أولوية التصرف في الأمور للرسول و الأئمة من بعده، و أسند هذه الولاية التي أثبتها لهم إلى نفسه ابتداء شرفا و تعظيما لهم، ثم أسند مظلوميتهم و إزالتهم عن مكانتهم هذه إلى نفسه في موضع آخر، فقال:" وَ مٰا ظَلَمُونٰا*" الآية ثم ذكر سبحانه مثله في كتابه من إسناد ما لهم من الرضا و الغضب و الأسف و أمثالها إلى نفسه في مواضع كثيرة، و يحتمل أن يكون المعنى أنه ذكر إسناد الظلم إلى نفسه في موضع آخر أيضا، إذ هذه الآية متكررة في القرآن، و قيل:" ثم قال" كلام زرارة، و القائل هو (عليه السلام)، أي قال: و قرأ هذه الآية في مجلس آخر و ذكر بعدها ما ذكر سابقا و لا يخفى بعده.

123

بَابُ الْبَدَاءِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ

مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ

____________

باب البداء الحديث الأول: صحيح.

قوله: ما عبد الله بشيء مثل البداء، أي الإيمان بالبداء من أعظم العبادات أو أنه ادعى إلى العبادة من كل شيء، و اعلم أن البداء مما ظن أن الإمامية قد تفردت به و قد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين، و الأخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين و لنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك ثم إلى ما ظهر لي من الأخبار مما هو الحق في المقام:

اعلم أنه لما كان البداء ممدودا في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن، يقال: بدا الأمر بدوا: ظهر، و بدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهري و غيره، فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحق تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله، و هذا محال، و لذا شنع كثير من المخالفين على الإمامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم، حتى أن الناصبي المتعصب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير إن أئمة الرافضة وصفوا القول بالبداء لشيعتهم، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر و شوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بد الله تعالى فيه.

و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي (ره) في نقد المحصل عن ذلك لعدم

124

..........

____________

إحاطته (قدس سره) كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء، و إنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه جعل إسماعيل القائم مقام بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى (عليه السلام)، فسئل عن ذلك فقال:

بدا لله في إسماعيل، و هذه رواية، و عندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا" انتهى".

فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف و لا مؤالف في فضلهم و علمهم و ورعهم و كونهم أتقى الناس و أعلاهم شأنا و رفعة، الكذب و الحيلة و الخديعة، و لم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم و أخبار الطرفين، كقوله تعالى:" اللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ"" و مَكَرَ اللّٰهُ*"" و لِيَبْلُوَكُمْ*"" و لِنَعْلَمَ*"" و يُرِيدُ اللّٰهُ*"" و وَجْهُ اللّٰهِ*"" و جَنْبِ اللّٰهِ" إلى غير ذلك مما لا يحصي، و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا، كخبر دعاء النبي (صلى الله عليه و آله) على اليهودي، و إخبار عيسى (عليه السلام) و أن الصدقة و الدعاء يغيران القضاء و غير ذلك.

و قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى: بدا لله عز و جل أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء ههنا، لأن القضاء سابق، و البداء

125

..........

____________

استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على الله غير جائز" انتهى".

و قد قال سبحانه:" هُوَ الَّذِي. قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ" و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه، و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف، و قال العلامة (ره) في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت قطعا و هو قول العلاف، و قال بعض البغداديين:

إنه كان يعيش قطعا، و قال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم: لو كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان، و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل، فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري" انتهى" و قال تعالى:" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ".

و قال الناصبي الرازي في تفسيره في هذه الآية قولان:

الأول: أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمرو بن مسعود، و رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله).

و الثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض، ففيها وجوه:

" الأول": أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول" الثاني" أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره" الثالث" أنه تعالى

126

..........

____________

أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي عن ديوانه" الرابع" يمحو الله ما يشاء، و هو من جاء أجله و يدع من لم يجيء أجله و يثبته" الخامس" أنه تعالى يثبت في أول السنة، فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل" السادس" يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس" السابع" يمحو الدنيا و يثبت الآخرة" الثامن" أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة، و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى" التاسع" تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، و ما حصل و حضر فهو الإثبات" العاشر" يزيل ما يشاء من حكمه، لا يطلع على غيبة أحد، فهو المتفرد بالحكم كما يشاء، و هو المستقبل بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار، بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه، و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم.

فإن قال قائل: أ لستم تزعمون أن المقادير سابقه قد جفت بها القلم، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات؟

قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضا مما قد جفت به القلم، فلا يمحو إلا ما قد سبق في علمه و قضائه محوه، ثم قال: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ" انتهى كلامه لعنه الله.

و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى به عليهم، مع أن الكتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم (رضوان الله عليهم) مشحونة بالتبري عن ذلك، و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف، و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى ما لا يليق به، و الإمامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة، و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك

127

..........

____________

الأقاويل الفاسدة، و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين، و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك، فالإمامية يتبرءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة.

فأما ما قيل في توجيه البداء فقال الصدوق (ره) في كتاب التوحيد: ليس البداء كما تقوله جهال الناس بأنه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، و لكن يجب علينا أن نقر لله عز و جل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء و يبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، و ذلك مثل نسخ الشرائع و تحويل القبلة و عدة المتوفى عنها زوجها، و لا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا و يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، و يعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقر لله عز و جل بأن له أن يفعل ما يشاء و يؤخر ما يشاء، و يخلق مكانه ما يشاء، و يقدر ما يشاء، و يؤخر ما يشاء، و يأمر بما يشاء كيف يشاء، فقد أقر بالبداء، و ما عظم الله بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق و الأمر و التقديم و التأخير و إثبات ما لم يكن و محو ما قد كان، و البداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا إن الله قد فرغ من الأمر، فقلنا إن الله كل يوم في شأن يحيى و يميت و يرزق و يفعل ما يشاء، و البداء ليس من ندامة، و إنما هو ظهور أمر، تقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي ظهر، و قال الله عز و جل:" وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" أي ظهر لهم و متى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، و متى ظهر له قطيعة رحم نقص من عمره، و متى ظهر له من عبد إتيان الزنا نقص من رزقه و عمره، و متى ظهر له التعفف عن الزنا زاد في رزقه و عمره.

128

..........

____________

و من ذلك قول الصادق (عليه السلام): ما بدا لله كما بدا له في إسماعيل ابني، يقول:

ما ظهر له أمر كما ظهر له في إسماعيل إذ اخترمه قبلي، ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي.

و قال شيخ الطائفة عظم الله أجره في كتاب الغيبة بعد إيراد الأخبار المشتملة على البداء في قيام القائم (عليه السلام): الوجه في هذه الأخبار- إن صحت- أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة و اقتضت تأخيره إلى وقت آخر، و كذلك فيما بعد، و يكون الوقت الأول و كل وقت يجوز أن يؤخر مشروطا بأن لا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء، فيكون محتوما.

و على هذا يتأول ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء و صلة الأرحام، و ما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم و قطع الرحم و غير ذلك، و هو تعالى و إن كان عالما بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوما بشرط، و الآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، و على هذا يتأول أيضا ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء، و يبين أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ، أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأن البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظن خلافه أو نعلم و لا نعلم شرطه.

فمن ذلك ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: علي بن الحسين و علي بن أبي طالب قبله، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد (عليهم السلام): كيف لنا بالحديث مع هذه الآية:" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ" فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد كونه فقد كفر" انتهى".

129

..........

____________

و قد قيل فيه وجوه أخر:

الأول: ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه) في نبراس الضياء حيث قال:

البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي، و البداء كأنه نسخ تكويني، و لا بداء في القضاء، و لا بالنسبة إلى جناب القدس الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية، و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله، و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد، و ظرف التدريج و التعاقب، و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية، و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء اتصال الإفاضة، و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله" انتهى".

الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا:

و هو أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر، فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى، و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب، و لم يحصل لها

130

..........

____________

العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أو أنه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحي عنها نقش الحكم السابق، و يثبت الحكم الآخر، مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا، الأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد، ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق، فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء، و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة، و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد، لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد، كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى، فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم، فإذا اتصلت بتلك القوي نفس النبي أو الإمام (عليهم السلام) و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمع بإذن قلبه، و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلان كلما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه، حيث إنهم لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله جل و عز لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى، و مثلهم كمثل الحواس للإنسان، كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به، فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول، فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و النسوخ، و هو سبحانه منزه عنه، فإن كلما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته.

الثالث: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و منسوخها و ناسخها و مفرداتها و مركباتها

131

..........

____________

و إخباراتها و إنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح، و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات، و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.

الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسائل أهل الري، و هو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي.

أقول: هذا ما قيل في هذا الباب، و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء، و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبتنية على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه، و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب، و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة، و لا تأبى عنه العقول الصحيحة.

فنقول و بالله التوفيق: إنهم (عليهم السلام) إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون إن الله قد فرغ من الأمر، و على النظام، و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، و التقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها و وجودها، و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة، و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية، و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء، و على آخرين منهم قالوا: إن الله سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهرية لا ترتب فيها باعتبار الصدور، بل إنما ترتبها في الزمان فقط، كما أنه لا تترتب

132

..........

____________

الأجسام المجتمعة زمانا و إنما ترتبها في المكان فقط، فنفوا (عليهم السلام) كل ذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شيء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يترك العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم، و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك.

ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات: أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا، و هو مطابق لعلمه تعالى، و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب، مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون، و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون، و في اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون، كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب، و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء، إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها، أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا.

و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين؟ و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف. و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها، مع أن الحكم فيه ظاهرة.

منها: أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة.

133

..........

____________

و منها: أن يعلم العباد بأخبار الرسل و الحج (عليهم السلام) أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم، و لأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات، صارفا لهم عن السيئات، فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة، لصيرورته سببا لحصول بعض الأعمال، فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله، فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو و الإثبات.

و منها: أنه إذا أخبر الأنبياء و الأوصياء أحيانا من كتاب المحو و الإثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به، و يكون في ذلك تشديد للتكليف عليهم، و تسبيبا لمزيد الأجر لهم، كما في سائر ما يبتلي الله عباده به من التكاليف الشاقة، و إيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها، و بها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين.

و منها: أن تكون هذه الأخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله و غلبة الحق و أهله، كما روي في قصة نوح (عليه السلام) حين أخبروا بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا.

و كما روي في فرج أهل البيت (عليهم السلام) و غلبتهم (عليهم السلام)، لأنهم (عليهم السلام) لو كانوا أخبروا الشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين و شدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة أو ألفي سنة ليئسوا و رجعوا عن الدين، و لكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، و ربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين و يثابوا بانتظار الفرج كما سيأتي في باب كراهية التوقيت من كتاب الحجة عن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة، قال: و قال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، و قيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا و لكم كان من مخرج واحد غير

134

..........

____________

أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب و لرجع عامة الناس عن الإسلام و لكن قالوا ما أسرعه و ما أقربه تألفا لقلوب الناس و تقريبا للفرج.

و قد ذكرنا كثيرا من الأخبار في ذلك في كتاب بحار الأنوار في كتاب النبوة، لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى و شعياء (عليهم السلام)، و في كتاب الغيبة.

فأخبارهم (عليهم السلام) بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات و المتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم، ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها و بيانها، و قولهم يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا، و إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه و لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، و قد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل (عليه السلام) من الكتاب المذكور.

فمعنى قولهم (عليهم السلام): ما عبد الله بمثل البداء، أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية لصعوبته و معارضته الوساوس الشيطانية فيه، و لكونه إقرارا بأن له الخلق و الأمر، و هذا كمال التوحيد، أو المعنى أنه من أعظم الأسباب و الدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت، و كذا قولهم ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين و إن كان الأول فيه أظهر.

و أما قول الصادق (عليه السلام): لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه، فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شيء من مطالبهم، و ما تضرعوا إليه و ما استكانوا لديه، و لا خافوا منه، و لا رجوا إليه إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه، و أما إن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق، فظهر أن

135

..........

____________

هذا اللوح و علمهم بما يقع فيه من المحو و الإثبات أصلح لهم من كل شيء.

بقي هيهنا إشكال آخر: و هو أنه يظهر من كثير من الأخبار أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و يظهر من كثير منها وقوع البداء فيما وصل إليهم أيضا و يمكن الجمع بينها بوجوه:

الأول: أن يكون المراد بالأخبار الأولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ، بأن يؤمروا بتبليغه فيكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ.

الثاني: أن يكون المراد بالأولة الوحي و يكون ما يخبرون به من جهة الإلهام و اطلاع نفوسهم على الصحف السماوية و هذا قريب من الأول.

الثالث: أن تكون الأولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة.

الرابع: ما أشار إليه الشيخ (قدس الله روحه): من أن المراد بالأخبار الأولة عدم وصول الخبر إليهم و أخبارهم على سبيل الحتم، فيكون أخبارهم على قسمين:

" أحدهما" ما أوحي إليهم أنه من الأمور المحتومة، فهم يخبرون كذلك و لا بداء فيه.

" و ثانيهما" ما يوحى إليهم لا على هذا الوجه، فهم يخبرون كذلك، و ربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع البداء فيه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الإخبار بالسبعين" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ" و هذا وجه قريب.

الخامس: أن يكون المراد بالأخبار الأولة أنهم لا يخبرون بشيء لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق، لئلا يوجب تكذيبهم بل لو أخبروا بشيء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به كخبر عيسى (عليه السلام) و النبي (صلى الله عليه و آله) حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما، و سيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر إن شاء الله تعالى.

136

[الحديث 2]

2

وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

مَا عُظِّمَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْبَدَاءِ

____________

الحديث الثاني: مرسل.

قوله (عليه السلام): ما عظم الله.

لأنه إثبات لقدرته و تدبيره و حكمته، و إذعان في أمر يأبى عنه العقول القاصرة و قد مر القول فيه.

137

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَ غَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

فِي هَذِهِ الْآيَةِ-

يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ

قَالَ فَقَالَ وَ هَلْ يُمْحَى إِلَّا مَا كَانَ ثَابِتاً وَ هَلْ يُثْبَتُ إِلَّا مَا لَمْ يَكُنْ

[الحديث 4]

4

عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ الْإِقْرَارَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَ خَلْعَ الْأَنْدَادِ وَ أَنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَ يُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ

____________

الحديث الثالث: حسن.

" و هل يمحى إلا ما كان ثابتا" استدل (عليه السلام) بهذه الآية على تحقق البداء بالمعنى المتقدم، بأن المحو يدل على أنه كان مثبتا في اللوح فمحي و أثبت خلافه، و كذا العكس، و يدل على أن جميع ذلك بمشيته سبحانه، و أكثر الأخبار يشمل النسخ أيضا فلا تغفل.

الحديث الرابع: حسن.

قوله (عليه السلام): الإقرار له بالعبودية، أي بأن لا يدعو الربوبية كما يدعون لعيسى (عليه السلام)، و قيل: لا يخفى ما فيه من المبالغة في إثبات البداء بجعله ثالث الإقرار بالألوهية و التوحيد، و لعل ذلك لأن إنكاره يؤدي إلى إنكاره سبحانه خصوصا بالنسبة إلى الأنبياء (عليهم السلام) لأنه لقربهم من المبادئ كثيرا ما يفاض عليهم من كتاب المحو و الإثبات الثابت الذي سيمحى بعد، و عدم ثبوت ما سيثبت بعد، و الظاهر أن التقديم و التأخير بحسب الزمان في الحوادث، و يحتمل ما بحسب الرتبة أيضا، أو يقدمه يعني يوجده و يؤخره، أي يمحوه و لا يوجده.

138

[الحديث 5]

5

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ

قَالَ هُمَا أَجَلَانِ أَجَلٌ مَحْتُومٌ وَ أَجَلٌ مَوْقُوفٌ

____________

الحديث الخامس: حسن أو موثق.

قوله تعالى:" قَضىٰ أَجَلًا".

قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسرون في تفسير الأجلين على وجوه:

" الأول" أن المقضي آجال الماضين و المسمى عنده: آجال الباقين." الثاني" أن الأول أجل الموت و الثاني أجل القيامة لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخر لها.

" الثالث" أن الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، و الثاني ما بين الموت و البعث" الرابع" أن الأول النوم و الثاني الموت" الخامس" أن الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد، و الثاني مقدار ما بقي من عمر كل أحد." السادس" و هو قول حكماء الإسلام: إن لكل إنسان أجلين أحدهما: الآجال الطبيعية، و الثاني الآجال الاخترامية، أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني، و أما الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق و الحرق و غيرهما من الأمور المنفصلة" انتهى".

و ما صدر من معدن الوحي و التنزيل مخالف لجميع ما ذكر، و موافق للحق، و الأجل المقضي هو المحتوم الموافق لعلمه سبحانه، و المسمى هو المكتوب في لوح المحو و الإثبات و يظهر من بعض الروايات العكس.

قوله (عليه السلام): هما أجلان أي متغايران أجل محتوم، أي مبرم محكم لا يتغير و أجل موقوف قبل التغير و البداء لتوقفه على حصول شرائط و ارتفاع موانع كما عرفت.

139

[الحديث 6]

6

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَ وَ لَمْ يَرَ

الْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً

قَالَ فَقَالَ لَا مُقَدَّراً وَ لَا مُكَوَّناً قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ-

هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً

فَقَالَ كَانَ مُقَدَّراً غَيْرَ مَذْكُورٍ

[الحديث 7]

7

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

الْعِلْمُ عِلْمَانِ فَعِلْمٌ عِنْدَ اللَّهِ مَخْزُونٌ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ وَ عِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ فَمَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَ لَا مَلَائِكَتَهُ وَ لَا رُسُلَهُ وَ عِلْمٌ

____________

الحديث السادس: ضعيف و المراد بالخلق في الآية الأولى، إما التقدير أو الإيجاد و الأحداث العيني، و على الأول معناه قدرنا الإنسان أو وجوده، و لم يكن تقدير نوع الإنسان مسبوقا بكونه مقدرا أو مكونا في فرد، و على الثاني أوجدناه و لم يكن إيجاده مسبوقا بتقدير سابق أزلي، بل بتقدير كائن و لا مسبوقا بتكوين سابق، و قوله: كان مقدرا غير مذكور أي غير مذكور و مثبت في الكتاب الذي يقال له كتاب المحو و الإثبات، أو غير مذكور لما تحت اللوح المحفوظ، أو المراد غير موجود إذ الموجود مذكور عند الخلق، و الحاصل أنه يمكن أن يكون هذا إشارة إلى مرتبة متوسطة بين التقدير و الإيجاد، أو إلى الإيجاد، و لما كان هذا الخبر يدل على أصل التقدير في الألواح و مراتبه التي يقع فيها البداء، ذكره المصنف في هذا الباب.

الحديث السابع: مجهول كالصحيح.

" فما علمه ملائكته" أي على سبيل الوحي أو الحتم أو التبليغ أو غالبا كما مر

140

عِنْدَهُ مَخْزُونٌ يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَ يُؤَخِّرُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ

[الحديث 8]

8

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

مِنَ الْأُمُورِ أُمُورٌ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يُقَدِّمُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَ يُؤَخِّرُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ

[الحديث 9]

9

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْزُونٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ- وَ عِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ وَ أَنْبِيَاءَهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ

[الحديث 10]

10

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ

[الحديث 11]

11

عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْدُ لَهُ مِنْ جَهْلٍ

____________

تفصيله" يقدم منه ما يشاء" أي من العلم المخزون و بسببه يقدم و يؤخر ما يشاء في كتاب المحو و الإثبات، إذ هذا التغيير مسبوق بعلمه ذلك، و إثباته في اللوح المحفوظ الحديث الثامن: مجهول كالصحيح.

" أمور موقوفة عند الله" أي مكتوبة في لوح المحو و الإثبات موقوفة على شرائط يحتمل تغييرها.

الحديث التاسع: مجهول.

" من ذلك يكون البداء" أي بسبب ذلك العلم يحصل البداء في كتاب المحو.

الحديث العاشر: صحيح.

الحديث الحادي عشر: مجهول.

141

[الحديث 12]

12

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ بِالْأَمْسِ قَالَ لَا مَنْ قَالَ هَذَا فَأَخْزَاهُ اللَّهُ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ لَيْسَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَالَ بَلَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ

[الحديث 13]

13

عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْقَوْلِ بِالْبَدَاءِ مِنَ الْأَجْرِ مَا فَتَرُوا عَنِ الْكَلَامِ فِيهِ

[الحديث 14]

14

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيِّ أَخِي يَحْيَى عَنْ مُرَازِمِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُقِرَّ لِلَّهِ بِخَمْسِ خِصَالٍ بِالْبَدَاءِ وَ الْمَشِيئَةِ وَ السُّجُودِ وَ الْعُبُودِيَّةِ وَ الطَّاعَةِ

____________

الحديث الثاني عشر: صحيح" فأخزاه الله" ظاهره الدعاء، و يحتمل الإخبار أي أخزاه الله و منع لطفه منه بسوء اختياره حتى قال بهذا القول، و يدل الخبر على حدوث العالم.

الحديث الثالث عشر: مجهول" ما في القول بالبداء" أي الاعتقاد به و إظهاره و إنشاؤه من الأجر و الفوائد" ما فتروا" و لم يمسكوا عن الكلام فيه، لأنه مناط الخوف و الرجاء، و الباعث على التضرع و الدعاء و السعي في أمور المعاش و المعاد و العلم بتصرف رب العباد و تدبيره في عالم الكون و الفساد.

الحديث الرابع عشر: مرسل" ما تنبأ نبي" أي لم يصر نبيا" و المشية" أي أن الأشياء تحصل بمشيته" و السجود" أي استحقاقه للعبادة، و اختصاصه بها، أو أنه يسجد له ما في السماوات و الأرض و ينقاد له، و قدرته نافذة في الجميع" و العبودية" أي بأن لا يدعي ما ينافي العبودية، أو باختصاص العبودية و العبادة له، فيكون تعميما بعد التخصيص، أو التوحيد و نفي الشريك" و الطاعة" أي في جميع الأوامر و النواهي و هو ناظر إلى العصمة.

142

[الحديث 15]

15

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي جَهْمَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخْبَرَ مُحَمَّداً(ص)بِمَا كَانَ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا وَ بِمَا يَكُونُ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَ أَخْبَرَهُ بِالْمَحْتُومِ مِنْ ذَلِكَ وَ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ فِيمَا سِوَاهُ

[الحديث 16]

16

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ

مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَ أَنْ يُقِرَّ لِلَّهِ بِالْبَدَاءِ

[الحديث 17]

17

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ

سُئِلَ الْعَالِمُ(ع)كَيْفَ عِلْمُ اللَّهِ قَالَ عَلِمَ وَ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى وَ أَمْضَى فَأَمْضَى مَا قَضَى وَ قَضَى مَا قَدَّرَ وَ قَدَّرَ مَا أَرَادَ فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ وَ بِمَشِيئَتِهِ كَانَتِ الْإِرَادَةُ وَ بِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِيرُ وَ بِتَقْدِيرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ وَ بِقَضَائِهِ كَانَ الْإِمْضَاءُ وَ الْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَ الْمَشِيئَةُ ثَانِيَةٌ وَ الْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ وَ التَّقْدِيرُ وَاقِعٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْإِمْضَاءِ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْبَدَاءُ فِيمَا عَلِمَ مَتَى شَاءَ وَ فِيمَا أَرَادَ لِتَقْدِيرِ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ فَلَا بَدَاءَ فَالْعِلْمُ فِي الْمَعْلُومِ قَبْلَ كَوْنِهِ وَ الْمَشِيئَةُ فِي الْمُنْشَإِ قَبْلَ عَيْنِهِ

____________

الحديث الخامس عشر: مرسل" و استثنى عليه" أي بأن قال إلا بأن أريد غيره أو أمحوه، و الحاصل أنه ميز له المحتوم و غيره، و هذا يؤيد أحد الوجوه المتقدمة في الجمع بين الأخبار.

الحديث السادس عشر: حسن، و يدل على تحريم الخمر في جميع الشرائع و لا ينافي كونها في أول بعض الشرائع حلالا، ثم نزل تحريمها كما يدل عليه بعض الأخبار.

الحديث السابع عشر: ضعيف، و هو من غوامض الأخبار و متشابهاتها و لعله إشارة إلى اختلاف مراتب تقدير الأشياء في الألواح السماوية أو اختلاف مراتب تسبب أسبابها إلى وقت حصولها.

143

وَ الْإِرَادَةُ فِي الْمُرَادِ قَبْلَ قِيَامِهِ وَ التَّقْدِيرُ لِهَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ قَبْلَ تَفْصِيلِهَا وَ تَوْصِيلِهَا عِيَاناً وَ وَقْتاً وَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ هُوَ الْمُبْرَمُ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ الْمُدْرَكَاتِ بِالْحَوَاسِّ مِنْ ذَوِي لَوْنٍ وَ رِيحٍ وَ وَزْنٍ وَ كَيْلٍ وَ مَا دَبَّ وَ دَرَجَ مِنْ إِنْسٍ وَ جِنٍّ وَ طَيْرٍ وَ سِبَاعٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيهِ الْبَدَاءُ مِمَّا لَا عَيْنَ لَهُ فَإِذَا وَقَعَ الْعَيْنُ الْمَفْهُومُ الْمُدْرَكُ فَلَا بَدَاءَ وَ اللَّهُ

يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ*

فَبِالْعِلْمِ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَ بِالْمَشِيئَةِ عَرَّفَ صِفَاتِهَا وَ حُدُودَهَا وَ أَنْشَأَهَا قَبْلَ إِظْهَارِهَا وَ بِالْإِرَادَةِ مَيَّزَ أَنْفُسَهَا فِي أَلْوَانِهَا وَ صِفَاتِهَا وَ بِالتَّقْدِيرِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ عَرَّفَ أَوَّلَهَا وَ آخِرَهَا وَ بِالْقَضَاءِ أَبَانَ لِلنَّاسِ أَمَاكِنَهَا وَ دَلَّهُمْ عَلَيْهَا وَ بِالْإِمْضَاءِ شَرَحَ عِلَلَهَا وَ أَبَانَ أَمْرَهَا وَ

ذٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*

____________

قوله (عليه السلام): قبل تفصيلها و توصيلها، أي من لوح المحو و الإثبات أو في الخارج.

قوله (عليه السلام): فإذا وقع العين المفهوم المدرك، أي فصل و ميز في اللوح أو أوجد في الخارج، و لعل تلك الأمور عبارة عن اختلاف مراتب تقديرها في لوح المحو و الإثبات، و قد جعلها الله من أسباب وجود الشيء و شرائطه لمصالح، كما قد مر بيانها، فالمشية كتابة وجود زيد و بعض صفاته مثلا مجملا، و الإرادة كتابة العزم عليه بتة مع كتابة بعض صفاته أيضا، و التقدير تفصيل بعض صفاته و أحواله، لكن مع نوع من الإجمال أيضا، و القضاء تفصيل جميع الأحوال و هو مقارن للإمضاء، أي الفعل و الإيجاد و العلم بجميع تلك الأمور أزلي قديم، فقوله" بالمشية عرف" على صيغة التفعيل، و شرح العلل كناية عن الإيجاد.

و قال بعض الأفاضل: الظاهر من السؤال أنه كيف علم الله، أ بعلم مستند إلى الحضور العيني و الشهود في وقته لموجود عيني أو في موجود عيني كما في علومنا، أو بعلم مستند إلى الذات، سابق على خلق الأشياء، فأجاب (عليه السلام) بأن العلم سابق على وجود المخلوق بمراتب، فقال: علم و شاء و أراد و قدر و قضاء، و أمضى، فالعلم ما به ينكشف الشيء و المشية ملاحظته بأحوال مرغوب فيها يوجب فينا ميلا دون المشية

144

..........

____________

له سبحانه لتعاليه عن التغير و الاتصاف بالصفة الزائدة، و الإرادة تحريك الأسباب نحوه، و بحركة نفسانية فينا بخلاف الإرادة فيه سبحانه، و القدر: التحديد و تعيين الحدود و الأوقات، و القضاء: هو الإيجاب، و الإمضاء هو الإيجاد، فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب و قوله: فأمضى ما قضى، أي فأوجد ما أوجب و أوجب ما قدر، و قدر ما أراد، ثم استأنف البيان على وجه أوضح فقال: بعلمه كانت المشية و هي مسبوقة بالعلم، و بمشيته كانت الإرادة و هي مسبوقة بالمشية، و بإرادته كان التقدير و التقدير مسبوق بالإرادة، و بتقديره كان القضاء و الإيجاب و هو مسبوق بالتقدير، إذ لا إيجاب إلا للمحدد و الموقوت بقضائه و إيجابه كان الإمضاء و الإيجاد، و لله تعالى البداء فيما علم متى شاء، فإن الدخول في العلم أول مراتب السلوك إلى الوجود العيني، و له البداء فيما علم متى شاء أن يبدو، و فيما أراد و حرك الأسباب نحو تحريكه متى شاء قبل القضاء و الإيجاب، فإذا وقع القضاء و الإيجاب متلبسا بالإمضاء و الإيجاد فلا بداء فعلم أن في العلوم العلم قبل كون المعلوم و حصوله في الأذهان و الأعيان، و في المشاء المشية قبل عينه و وجوده العيني.

و في أكثر النسخ المنشأ و لعل المراد الإنشاء قبل الإظهار كما في آخر الحديث و في المراد الإرادة قبل قيامه، و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها و حضورها العيني في أوقاتها و القضاء بالإمضاء هو المبرم الذي يلزمه وجود المقتضي.

و قوله: من المعقولات، يحتمل تعلقه بالمبرم و يكون قوله ذوات الأجسام ابتداء الكلام، و يحتمل كونه من الكلام المستأنف و تعلقه بما بعده، و المعنى أن هذه الأشياء المحدثة لله فيه البداء قبل وقوع أعيانها، فإذا وقع العيني فلا بداء فبالعلم علم الأشياء قبل كونها و حصولها، و أصل العلم غير مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم و لو في غيره بصورته المتجددة، و لا يوجب نفس العلم و الانكشاف بما هو علم، و انكشاف الأشياء إنشاؤها و بالمشية و معرفتها بصفاتها و حدودها إنشائها إنشاء قبل الإظهار، و الإدخال

145

..........

____________

في الوجود العيني و بالإرادة و تحريك الأسباب نحو وجودها العيني ميز بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض، و بالتقدير قدرها و عين و حدد أقواتها و أوقاتها و آجالها، و بالقضاء و إيجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها و دلهم عليها بدلائلها، فاهتدوا إلى العلم بوجودها حسب ما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب، و بالإمضاء و الإيجاد أوضح تفصيل عللها و أبان أمرها بأعيانها، و ذلك تقدير العزيز العليم، فبالعليم أشار إلى مرتبة أصل العلم، و بالعزيز إلى مرتبة المشية و الإرادة و بإضافة التقدير إلى العزيز العليم إلى تأخره عن العز بالمشية و الإرادة اللتين يغلب بهما على جميع الأشياء، و لا يغلبه فيهما أحد مما سواه و بتوسيط العزيز بين التقدير و العلم إلى تأخره عن مرتبة العلم، و تقدم مرتبة العلم عليه، كتقدمه على التقدير.

و قال بعضهم: أشار (عليه السلام) بقوله إلى ستة مراتب بعضها مترتب على بعض:

أولها: العلم لأنه المبدأ الأول لجميع الأفعال الاختيارية، فإن الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلا بعد القصد و الإرادة، و لا يصدر عنه القصد و الإرادة إلا بعد تصور ما يدعوه إلى ذلك الميل و تلك الإرادة و التصديق به تصديقا جازما أو ظنا راجحا، فالعلم مبدء مبادئ الأفعال الاختيارية، و المراد به هنا هو العلم الأزلي الذاتي الإلهي أو القضائي المحفوظ عن التغير فينبعث منه ما بعده، و أشار إليه بقوله: علم، أي دائما من غير تبدل.

و ثانيها: المشية، و المراد بها مطلق الإرادة، سواء بلغت حد العزم و الإجماع أم لا، و قد تنفك المشية فينا عن الإرادة الحادثة.

و ثالثها: الإرادة و هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوره و تصور الغاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذة، لكن الله بريء عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته.

و رابعها: التقدير فإن الفاعل لفعل جزئي من أفراد طبيعة واحدة مشتركة، إذا عزم على تكوينه في الخارج كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت، فلا بد قبل الشروع

146

..........

____________

أن يعين مكانه الذي يبنى عليه، و زمانه الذي يشرع فيه، و مقداره الذي يكونه عليه من كبر أو صغر أو طول أو عرض، و شكله و وضعه و لونه و غير ذلك من صفاته و أحواله و هذه كلها داخلة في التقدير.

و خامسها: القضاء و المراد منه هنا إيجاب الفعل و اقتضاء الفعل من القوة الفاعلة المباشرة، فإن الشيء ما لم يجب لم يوجد، و هذه القوة الموجبة لوقوع الفعل منا هي القوة التي تقوم في العضلة و العصب من العضو الذي توقع القوة الفاعلة فيها قبضا و تشنيجا، أو بسطا و إرخاء أو لا، فيتبعه حركة العضو فتتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما، و الفرق بين هذا الإيجاب و بين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرك و بين حركته، و قد ينفك الميل عن الحركة كما تحس يدك من الحجر المسكن باليد في الهواء، و معنى هذا الإيجاب و الميل من القوة المحركة أنه لو لا هناك اتفاق مانع أو دافع من خارج، لوقعت الحركة ضرورة، إذ لم يبق من جانب الفاعل شيء منتظر، فقوله: و قضى، إشارة إلى هذا الاقتضاء و الإيجاب الذي ذكرنا أنه لا بد من تحققه قبل الفعل قبلية بالذات لا بالزمان، إلا أن يدفعه دافع من خارج، و ليس المراد منه القضاء الأزلي لأنه نفس العلم، و مرتبة العلم قبل المشية و الإرادة و التقدير.

و سادسها: نفس الإيجاد و هو أيضا متقدم على وجود الشيء المقدر في الخارج و لهذا يعده أهل العلم و التحقيق من المراتب السابقة على وجود الممكن في الخارج فيقال: أوجب فوجب، فأوجد فوجد، ثم أراد (عليه السلام) الإشارة إلى الترتيب الذاتي بين هذه الأمور، لأن العطف بالواو سابقا لم يفد الترتيب فقال: فأمضى ما قضى، و لما لم يكن أيضا صريحا في الترتيب صرح بإيراد باء السببية فقال: فبعلمه كانت المشية" إلخ" ثم لما كانت الباء أيضا محتملة للتلبس و المصاحبة و غيرهما، زاد في

147

..........

____________

التصريح فقال: و العلم متقدم المشية أي عليها.

و قوله: و التقدير واقع على القضاء بالإمضاء، أراد به أن التقدير واقع على القضاء الجزئي بإمضائه و إيقاع مقتضاه في الخارج، ثم بين (عليه السلام) أن البداء لا يقع في العلم الأزلي و لا في المشية و الإرادة الأزليتين و لا بعد تحقق الفعل بالإمضاء، بل لله البداء في عالم التقدير الجزئي و في لوح المحو و الإثبات، ثم أراد أن يبين أن لهذه الموجودات الواقعة في الأكوان المادية لها ضرب من الوجود و التحقق في عالم القضاء الإلهي قبل عالم التقدير التفصيلي، فقال: فالعلم في المعلوم لأن العلم و هو صورة الشيء مجردة عن المادة، نسبته إلى المعلوم به نسبة الوجود إلى المهية الموجودة فكل علم في معلومه بل العلم و المعلوم متحدان بالذات، متغايران بالاعتبار، و كذلك حكم قوله: و المشية في المشاء، و الإرادة في المراد قبل قيامه، أي قبل قيام المراد قياما خارجيا و قوله: و التقدير لهذه المعلومات، يعني أن هذه الأنواع الطبيعية و الطبائع الجسمانية التي بينا موجودة في علم الله الأزلي، و مشيته و إرادته السابقتين على تقديرها و إثباتها في الألواح القدرية و الكتب السماوية، فإن وجودها القدري أيضا قبل وجودها الكوني. في موادها السفلية عند تمام استعداداتها و حصول شرائطها و معداتها و إنما يمكن ذلك بتعاقب أفراد و تكثر أشخاص فيما لا يمكن استبقاؤه إلا بالنوع دون العدد، و لا يتصور ذلك إلا فيما يقبل التفصيل و التركيب و التفريق و التمزيج فأشار بتفصيلها إلى كثرة أفرادها الشخصية و بتوصيلها إلى تركبها من العناصر المختلفة و أراد بقوله: عيانا و وقتا، وجودها الخارجي الكوني الذي يدركه الحس الظاهري فيه عيانا.

و قوله: و القضاء بالإمضاء، يعني أن الذي وقع فيه إيجاب ما سبق في عالم التقدير جزئيا أو في عالم العلم الأزلي كليا بإمضائه هو الشيء المبرم الشديد من جملة المفعولات

148

..........

____________

كالجواهر العلوية و الأشخاص الكريمة و غير ذلك من الأمور الكونية التي يعتني لوجودها من قبل المبادئ العلوية، ثم شرح المفعولات التي تقع في عالم الكون التي منها المبرم و منها غير المبرم، القابل للبداء قبل التحقق و للنسخ بعده و بين أحوالها و أوصافها، فقال: ذوات الأجسام، يعني أن صورها الكونية ذوات أجسام و مقادير طويلة عريضة عميقة، لا كما كانت في العالم العقلي صورا مفارقة عن المواد و الأبعاد، ثم لم يكتف بكونها ذوات أجسام لأن الصورة التي في عالم التقدير العلمي أيضا ذوات أبعاد مجردة عن المواد بل قيدها بالمدركات بالحواس من ذوي لون و ريح و هما من الكيفيات المحسوسة.

و بقوله: ما دب و درج، أي قبل الحركة، و هي نفس الانفعالات المادية لتخرج بهذه القيود الصور المفارقة سواء كانت عقلية كلية أو إدراكية جزئية.

ثم أورد لتوضيح ما أفاده من صفة الصور الكونية التي في هذا العالم الأسفل أمثلة جزئية بقوله: من إنس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس، ثم كر راجعا إلى ما ذكره سابقا من أن البداء لا يكون إلا قبل الوقوع في الكون الخارجي بل إنما يقع في عالم التقدير تأكيدا بقوله: فلله تبارك و تعالى فيه البداء، أي فيما من شأنه أن يدرك بالحواس و لكن عند ما لم يوجد عينه الكوني فأما إذا وقع فلا بداء.

و قوله: و الله يفعل ما يشاء، أي يفعل في عالم التكوين ما يشاء في عالم التصوير و التقدير، ثم استأنف كلاما في توضيح تلك المراتب بقوله: فبالعلم علم الأشياء، أي علما عاما أزليا ذاتيا إليها أو عقليا قضائيا قبل كونها في عالمي التقدير و التكوين و بالمشية عرف صفاتها الكلية و حدودها الذاتية و صورها العقلية، فإن المشية متضمنة للعلم بالمشيء قبل وجوده في الخارج، بل المشية إنشاء للشيء إنشاء علميا كما أن الفعل إنشاء له إنشاء كونيا، و لذا قال: و إنشاؤها قبل إظهارها أي في الخارج على المدارك الحسية، و بالإرادة ميز أنفسها، لأن الإرادة كما مر هي العزم التام على

149

بَابٌ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا بِسَبْعَةٍ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى

____________

الفعل بواسطة صفة مرجحة ترجح أصل وجوده أو نحوا من أنحاء وجوده فيها يتميز الشيء في نفسه فضل تميز لم يكن قبل الإرادة" و بالتقدير قدر أقواتها" لأنه قد مر أن التقدير عبارة عن تصوير الأشياء المعلومة أولا على الوجه العقلي الكلي جزئية مقدرة بإقدار معينة متشكلة بإشكال و هيئات شخصية مقارنة لأوقات مخصوصة على الوجه الذي يظهر في الخارج قبل إظهارها و إيجادها.

قوله: و بالقضاء، و هو إيجابه تعالى لوجودها الكوني" أبان للناس أماكنها" و دلهم عليها لأن الأمكنة و الجهات و الأوضاع مما لا يمكن ظهورها على الحواس البشرية إلا عند حصولها الخارجي في موادها الكونية الوضعية، و ذلك لا يكون إلا بالإيجاب و الإيجاد الذين عبر عنهما بالقضاء و الإمضاء كما قال" و بالإمضاء" و هو إيجادها في الخارج" شرح" أي فصل عللها الكوني" و أبان أمرها" أي أظهر وجودها على الحواس الظاهرة" و ذٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*" أي و ذلك الشرح و التفصيل و الإبانة و الإظهار صورة تقدير الله العزيز الذي علم الأشياء قبل تقديرها في لوح القدر، و قبل تكوينها في مادة الكون.

هذا ما ذكره كل على آرائهم و أصولهم و لعل رد علم هذه الأخبار على تقدير صحتها إلى من صدرت عنه أحوط و أولى، و قد سبق منا ما يوافق فهمنا، و الله الهادي إلى الحق المبين.

باب في أنه لا يكون شيء في السماء و الأرض إلا بسبعة الحديث الأول: مجهول بسنديه.

150

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

لَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا بِهَذِهِ الْخِصَالِ السَّبْعِ بِمَشِيئَةٍ وَ إِرَادَةٍ وَ قَدَرٍ وَ قَضَاءٍ وَ إِذْنٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِ وَاحِدَةٍ فَقَدْ كَفَرَ

____________

و يمكن حمل الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدير في الألواح السماوية أو اختلاف مراتب تسبب الأسباب السماوية و الأرضية أو يكون بعضها في الأمور التكوينية و بعضها في الأحكام التكليفية، أو كلها في الأمور التكوينية، فالمشية و هي العزم و الإرادة و هي تأكدها في الأمور التكوينية ظاهرتان، و أما في التكليفية فلعل عدم تعلق الإرادة الحتمية بالترك عبر عنه بإرادة الفعل مجازا.

و الحاصل أن الإرادة متعلقة بالأشياء كلها لكن تعلقها بها على وجوه مختلفة، إذ تعلقها بأفعال نفسه سبحانه بمعنى إيجادها و الرضا بها، و بطاعات العباد بمعنى إرادة وجودها و الرضا بها، أو الأمر بها، و بالمباحات بمعنى الرخصة بها، و بالمعاصي إرادة أن لا يمنع منها بالجبر لتحقق الابتلاء و التكليف، كما قال تعالى:" وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا أَشْرَكُوا" أو يقال تعلقها بأفعال العباد على سبيل التجوز باعتبار إيجاد الآلة و القدرة عليها، و عدم المنع منها، فكأنه أرادها، و ربما تأول الإرادة بالعلم و هو بعيد، و بالقدر تقدير الموجودات طولا و عرضا وكيلا و وزنا و حدا و وصفا و كما و كيفا، و بالقضاء: الحكم عليها بالثواب و العقاب، أو تسبب أسبابه البعيدة كما مر.

و المراد بالإذن أما العلم أو الأمر في الطاعات، أو رفع الموانع و بالكتاب الكتابة في الألواح السماوية أو الفرض و الإيجاب كما قال تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ"" و كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" و بالأجل: الأمد المعين و الوقت المقدر عنده تعالى،