مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
151

وَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ ابْنِ مُسْكَانَ مِثْلَهُ

[الحديث]

2

وَ رَوَاهُ أَيْضاً عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

لَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَ لَا فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِسَبْعٍ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ وَ إِرَادَةٍ وَ مَشِيئَةٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ وَ إِذْنٍ فَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَوْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

و قيل: المراد بالمشية القدرة و هي كون الفاعل بحيث إن شاء فعل، و إن لم يشأ لم يفعل و بالقدر تعلق الإرادة و بالقضاء الإيجاد، و بالإذن دفع المانع، و بالكتاب العلم و بالأجل وقت حدوث الحوادث، و الترتيب غير مقصود، إذ العلم مقدم على الكل بل المقصود أن هذه الأمور مما يتوقف عليه الحوادث.

الحديث الثاني: مجهول.

قوله: أورد، الترديد من الراوي.

فائدة:

قال العلامة (قدس الله روحه) في شرحه على التجريد: يطلق القضاء على الخلق و الإتمام قال الله تعالى:" فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ" أي خلقهن و أتمهن و على الحكم و الإيجاب كقوله تعالى:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" أي أوجب و ألزم، و على الإعلام و الأخبار كقوله تعالى" وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فِي الْكِتٰابِ" أي أعلمناهم و أخبرناهم، و يطلق القدر على الخلق كقوله تعالى:

" وَ قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا" و الكتابة كقول الشاعر:

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر * * * في الصحف الأولى التي كان سطر

152

..........

____________

و البيان كقوله تعالى:" إِلّٰا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنٰاهٰا مِنَ الْغٰابِرِينَ" أي بينا و أخبرنا بذلك.

إذا ظهر هذا فنقول للأشعري: ما تعني بقولك أنه تعالى قضى أعمال العباد و قدرها؟ إن أردت به الخلق و الإيجاد فقد بينا بطلانه، و أن الأفعال مستندة إلينا و إن عنى به الإلزام لم يصح إلا في الواجب خاصة، و إن عنى به أنه تعالى بينها و كتبها و علم أنهم سيفعلونها فهو صحيح لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ و بينه لملائكته، و هذا المعنى الأخير هو المتعين للإجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى و قدره، و لا يجوز الرضا بالكفر و غيره من القبائح و لا ينفعهم الاعتذار بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله، و عدم الرضا به من حيث الكسب، لبطلان الكسب أولا، و ثانيا نقول: إن كان الكفر كسبا بقضائه تعالى و قدره وجب الرضا به من حيث هو كسب و هو خلاف قولكم، و إن لم يكن بقضاء و قدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء و القدر" انتهى".

و قال شارح المواقف: اعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، و قدره إيجاده إياها على وجه مخصوص و تقدير معين في ذواتها و أحوالها، و أما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام و أكمل الانتظام، و هو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدء لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه و أكملها، و القدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء، و المعتزلة ينكرون القضاء و القدر في الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد، و يثبتون علمه تعالى بهذه الأفعال و لا يسندون وجودها إلى ذلك العلم بل إلى اختيار العباد و قدرتهم" انتهى".

153

..........

____________

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر و الدرر: إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى:" وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ" فظاهر الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه و أمره و ليس هذا مذهبكم فإن حمل الإذن ههنا على الإرادة اقتضى أن من لم يقع منه الإيمان لم يرده الله تعالى منه، و هذا أيضا بخلاف قولكم: ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون، و من كان فاقدا عقله لا يكون مكلفا فكيف يستحق العذاب و هذا بالضد من الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه و آله): أنه قال: أكثر أهل الجنة البله.

يقال له: في قوله: إلا بإذن الله وجوه:

" منها" أن يكون الإذن الأمر، و يكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع من أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه و يأمر به، و لا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، و يجري هذا مجرى قوله تعالى:" وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" و معلوم أن معنى قوله ليس لها في هذه الآية هو ما ذكرناه و إن كان الأشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.

و منها: أن يكون هو التوفيق و التيسير و التسهيل، و لا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الإيمان و يلطف فيه و يسهل السبيل إليه.

و منها: أن يكون الإذن العلم من قولهم أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته، و آذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية الأخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، و أنه ممن لا تخفى عليه الخفيات، و قد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن بكسر الألف و تسكين الذال عبارة عن العلم، و زعم أن الذي هو العلم

154

..........

____________

الإذن بالتحريك، و استشهد بقول الشاعر:" إن همي في سماع و أذن" و ليس الأمر على ما توهمه هذا المتوهم، لأن الإذن هو المصدر، و الإذن هو اسم الفعل، و يجري مجرى الحذر في أنه مصدر، و الحذر بالتسكين الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الإذن بالتحريك لجاز التسكين، مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثيرة.

و منها: أن يكون الإذن العلم و معناه إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله فيكون معنى الآية: و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الإيمان، و يدعوها إلى فعله، فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة في اللغة، و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال أن الإيمان لم يقع إلا و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع و ليس في صريح الكلام و لا في دليله شيء من ذلك.

فأما قوله تعالى:" وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ" فلم يعن به الناقصي العقول، و إنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا و يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى و الاعتراف بنبوة رسله (عليهم السلام) و الانقياد إلى طاعتهم و وصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها، كما قال تعالى:" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ*" و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل، فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه: إنه (صلى الله عليه و آله) لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبيح، و سماهم بلهاء عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه لا من حيث فقد العلم به، و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر.

155

بَابُ الْمَشِيئَةِ وَ الْإِرَادَةِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى قُلْتُ مَا مَعْنَى شَاءَ قَالَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ قُلْتُ مَا مَعْنَى قَدَّرَ قَالَ تَقْدِيرُ الشَّيْءِ مِنْ طُولِهِ وَ عَرْضِهِ قُلْتُ مَا مَعْنَى قَضَى قَالَ إِذَا قَضَى أَمْضَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ

____________

باب المشية و الإرادة الحديث الأول: ضعيف، و رواه البرقي في المحاسن بسند صحيح هكذا: حدثني أبي عن يونس عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قضى فقال: لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قدر و قضى، قلت: فما معنى شاء؟ قال:

ابتداء الفعل قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدر؟ إلى آخر الخبر و لعله سقط الإرادة من الكتاب.

و قوله (عليه السلام): ابتداء الفعل، أي أول الكتابة في اللوح، أو أول ما يحصل من جانب الفاعل و يصدر عنه مما يؤدي إلى وجود المعلول، و على ما في المحاسن يدل على أن الإرادة تأكد المشية، و في الله سبحانه يكون عبارة عن الكتابة في الألواح و تسبيب أسباب وجوده، و قوله: تقدير الشيء، أي تعيين خصوصياته في اللوح أو تسبيب بعض الأسباب المؤدية إلى تعيين المعلول و تحديده و خصوصياته" و إذا قضاه أمضاه" أي إذا أوجبه باستكمال شرائط وجوده و جميع ما يتوقف عليه المعلول أوجده" و ذلك الذي لا مرد له" لاستحالة تخلف المعلول عن الموجب التام كذا قيل.

الحديث الثاني: موثق كالصحيح.

156

أَبَانٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)شَاءَ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ أَحَبَّ قَالَ لَا قُلْتُ وَ كَيْفَ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى وَ لَمْ يُحِبَّ قَالَ هَكَذَا خَرَجَ إِلَيْنَا

____________

قوله (عليه السلام): هكذا خرج إلينا، أي هكذا وصل إلينا من النبي و آبائنا الأئمة (صلوات الله عليهم)، و لما كان فهمه يحتاج إلى لطف قريحة، و كانت الحكمة تقتضي عدم بيانه للسائل اكتفى (عليه السلام) ببيان المأخذ النقلي عن التبيين العقلي.

و كلامه (عليه السلام) يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المراد بالقضاء و القدر و المشية و الإرادة فيما يتعلق بأفعال العباد علمه سبحانه بوقوع الفعل و ثبته في الألواح السماوية و شيء منها لا يصير سببا للفعل و أما المحبة فهو أمره سبحانه بالشيء و إثابته عليه، فهو سبحانه لا يأمر بالمعاصي و لا يثيب عليها فصح إثبات القضاء و أخوانها مع نفي المحبة.

الثاني: أن يقال لما كانت المشية و الإرادة و تعلقهما بإيقاع الفعل في الإنسان مقارنا لمحبته و شوقه و ميل قلبه إلى ذلك، توهم السائل أن له سبحانه صفة زائدة على ما ذكره، و هي المحبة و الشوق و ميل القلب، أجاب (عليه السلام) بأنه ليس له تعالى محبة بل إسنادها إليه مجاز، و هي كناية عن أمره أو عدم نهيه أو ثوابه و مدحه.

الثالث: ما قيل: أن عدم المنافاة بين تعلق الإرادة و المشية بشيء و إن لا يحبه لأن تعلق المشية و الإرادة بما لا يحبه بتعلقهما بوقوع ما يتعلق به إرادة العباد بإرادتهم و ترتبه عليها، فتعلقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم و ترتبها على إرادتهم و تعلقها بما هو مرادهم بالتبع و لا حجر في كون متعلقهما بالتبع شرا غير محبوب له، فإن دخول الشر و ما لا يحبه في متعلق إرادته بالعرض جائز فإن كل من تعلق مشيته و إرادته بخير و علم لزوم شر له شرية لا تقاوم خيريته تعلقتا بذلك الشر بالعرض و بالتبع و ذلك التعلق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيرا محضا، و لا يتصف بكونه شريرا و محبا للشر، و سيأتي مزيد تحقيق لذلك في شرح الأخبار الآتية.

157

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

أَمَرَ اللَّهُ وَ لَمْ يَشَأْ وَ شَاءَ وَ لَمْ يَأْمُرْ أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لآِدَمَ وَ شَاءَ أَنْ لَا يَسْجُدَ وَ لَوْ شَاءَ لَسَجَدَ وَ نَهَى آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَ شَاءَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلْ

____________

الحديث الثالث: مجهول.

قوله (عليه السلام): و شاء أن لا يسجد.

أقول: توجيه تلك الأخبار على أصول العدلية لا يخلو من صعوبة و قد يوجه بوجوه:

الأول: حملها على التقية لكونها موافقة لأصول الجبرية و أكثر المخالفين منهم و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون و التوحيد بإسناده عن الحسين بن خالد قال:

قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله إن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه و الجبر لما روي من الأخبار في ذلك من آبائك الأئمة (عليهم السلام)؟ فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة (عليهم السلام) في التشبيه أكثر أم الأخبار التي رويت عن النبي (صلى الله عليه و آله) في ذلك؟ فقلت: بل ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) في ذلك أكثر، قال:

فليقولوا إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقول بالتشبيه و الجبر إذا؟ قلت له: إنهم يقولون إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يقل من ذلك شيئا، و إنما روي عليه، قال (عليه السلام): فليقولوا في آبائي (عليهم السلام) إنهم لم يقولوا من ذلك شيئا، و إنما روي عليهم، ثم قال (عليه السلام):

من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك، و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه و الجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله فمن أحبهم فقد أبغضنا و من أبغضهم فقد أحبنا" الخبر".

الثاني: أن يقال: المراد بالمشية العلم، و يؤيده ما في كتاب فقه الرضا حيث قال (عليه السلام): قد شاء الله من عباده المعصية و ما أراد، و شاء الطاعة و أراد منهم، لأن المشية مشية الأمر و مشية العلم، و إرادته إرادة الرضا و إرادة الأمر، أمر بالطاعة و رضي بها، و شاء المعصية يعني علم من عباده المعصية و لم يأمرهم بها" الخبر".

158

..........

____________

الثالث: أن يقال: المراد بمشية الطاعة هداياته و ألطافه الخاصة التي ليست من ضروريات التكليف، و بمشية المعصية خذلانه و عدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه و شيء منهما لا يوجب جبره على الفعل و الترك، و لا ينافي استحقاق الثواب و العقاب.

الرابع: ما قيل: إن المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل.

الخامس: أن يقال: لما اقتضت المصلحة تكليف من علم الله منه المعصية و كلفه مع علمه بذلك و وكله إلى اختياره ففعل تلك المعصية فكأنه شاء صدوره منه، و كذا في الطاعة إذا علم عدم صدوره منه، فسمي ذلك مشية مجازا، و هذا مجاز شائع كما إذا أمر المولى عبده بأوامر و خيره في ذلك و مكنه على الفعل و الترك مع علمه بأنه لا يأتي بها، فيقال له: أنت فعلت ذلك إذ كنت تعلم أنه لا يفعل و مكنته و وكلته إلى نفسه.

السادس: أن يقال أن المراد بمشيته عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية و بعبارة أخرى سمى عدم المشية مشية العدم كما سيأتي في كلام الصدوق (ره) و هذا قريب من الوجه السابق بل يرجع إليه.

السابع: أنه إسناد للفعل إلى العلة البعيدة، فإن العبد و قدرته و أدواته لما كانت مخلوقة لله تعالى فهو جل و علا علة بعيدة لجميع أفعاله.

الثامن: ما أومأنا إليه في الخبر السابق من المشية بالتبع، و ربما يحقق بوجه أوضح حيث حقق بعضهم الأمر بين الأمرين، أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، قدرة الله و قدرة العبد، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرة الله تعالى فيه، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه، و إن كان

159

..........

____________

قادرا على طاعة العاصي جبرا لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة و هذا أيضا نحو من التفويض و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر، أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية، و هم جهم بن صفوان و من تبعه.

فهذا معنى الأمر بين الأمرين، و لما كان مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله جزءا أخيرا للعلة التامة، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عنه تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله سبحانه و إرادته و قدره إذ لم يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من أقداره العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع و نهيه عن أكل الغذاء الضار، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشية الله تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل

160

..........

____________

القبيح بإرادته المؤثرة و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب.

و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج (عليهم السلام) اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى لأنه مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته فإنه من أطاعه و برأ من المرض يقال: عالجه الطبيب، و من خالف و هلك يقال: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب.

فمعنى قوله: أمر الله و لم يشأ، أنه أعلم العباد و أخبرهم بالأعمال النافعة لهم كالإيمان و الطاعة، و لم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف و لو شاء و لم يصدر عن بعضهم لزم عجزه و مغلوبيته تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم و اختيارهم أي فعل أرادوه، فما شاء الله كان.

و معنى قوله: شاء و لم يأمر، أنه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أي فعل أرادوه، و لم يأمر بكل ما أرادوا بل نهاهم عن بعضه و أعلمهم بمضرته كالكفر و العصيان.

فقوله: أمر إبليس أن يسجد لآدم، أي أعلمه بأن سجدته لآدم نافع له، و كفه عنه ضار له، و شاء أن لا يسجد يعني لم يشأ خصوص السجود عنه، و لو شاء خصوص السجود عنه لسجد، لاستحالة عجزه و غلبة إبليس عليه، بل إنما شاء صدور أيهما كان من السجود و تركه، أي كفه بإرادته و اختياره، و لما لم يسجد إبليس، أي كف عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفه، و لما كان الكف إنما يتحقق بمشية إبليس و إرادته المؤثرة و هي جزء أخير للعلة التامة فلذا يستحق إبليس الذم و العقاب، و القبيح صادر عنه لا عن الله تعالى، و كذا الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة.

161

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيِّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ

إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيئَتَيْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لَا يَشَاءُ أَ وَ مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهَى آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ شَاءَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَأْكُلَا لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمَا مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ

____________

أقول: هذا ما حققه بعضهم و له وجهان:

" الأول": أن يكون المراد أنه تعالى يوجد الفعل بعد إرادة العبد لقولهم:

لا مؤثر في الوجود إلا الله، فإرادة العبد شرط لتأثيره تعالى، و هذا مخالف لقول الإمامية بل عندهم أن أعمال العباد مخلوقة لهم.

" و الثاني": أن يكون العباد موجدين لأعمالهم بشرط عدم حيلولته سبحانه بينهم و بين الفعل، و لتوفيقه و خذلانه سبحانه أيضا مدخل في صدور الفعل، لكن لا ينتهي إلى حد الإلجاء و الاضطرار، و نسبة المشية إليه سبحانه لتمكينهم و أقدارهم و عدم منعهم عنه لمصلحة التكليف فيرجع إلى بعض الوجوه السابقة، و هو موافق لمذهب الإمامية، و الله تعالى يعلم حقائق الأمور.

الحديث الرابع: مجهول، و قال الصدوق نور الله ضريحه في كتاب التوحيد بعد إيراد هذا الخبر: إن الله تعالى نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة، و قد علم أنهما يأكلان منها لكنه عز و جل شاء أن لا يحول بينهما و بين الأكل منها بالجبر و القدرة، كما منعهما من الأكل منها بالنهي و الزجر، فهذا معنى مشيته فيهما و لو شاء عز و جل منعهما من الأكل بالجبر، ثم أكلا منها لكان مشيتهما قد غلبت مشية الله كما قال العالم: تعالى الله عن العجز علوا كبيرا" انتهى".

و الكلام في هذا الخبر كالكلام في سابقه و المراد بإرادة الحتم الإرادة المستجمعة لشرائط التأثير المنجزة إلى الإيجاب و الإيجاد، و كذا المشية، و المراد بإرادة العزم الإرادة المنتهية إلى طلب المراد و الأمر و النهي، و ينفك أحدهما عن الآخر كما

162

إِسْحَاقَ وَ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْبَحَهُ وَ لَوْ شَاءَ لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ يُحِبَّ وَ لَمْ يَرْضَ- شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ يَرْضَ

لِعِبٰادِهِ الْكُفْرَ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا ع

قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ

____________

مر، و هذه الرواية تدل على أن الذبيح إسحاق، و قد اتفق عليه أهل الكتابين، و ذهب إليه بعض العامة و قليل من أصحابنا، و لعل الكليني (ره) أيضا مال إليه، و المشهور أنه إسماعيل (عليه السلام) و عليه دلت الأخبار المستفيضة، و يمكن حمل هذا الخبر على التقية، و ربما يأول بأنه (عليه السلام) أمر أولا بذبح إسحاق ثم نسخ و أمر بذبح إسماعيل، و الإقدام على الذبح و فعل مقدماته إنما وقع فيه.

و روى الصدوق ((قدس سره)) هذا الخبر في التوحيد، و فيه هكذا: و أمر إبراهيم بذبح ابنه و شاء أن لا يذبحه و ليس فيه ذكر واحد منهما.

الحديث الخامس: ضعيف.

قوله (عليه السلام): أن لا يكون شيء إلا بعلمه، قيل: أي شاء بالمشية الحتمية أن لا يكون شيء إلا بعلمه، و على طباق ما في علمه بالنظام الأعلى و ما هو الخير و الأصلح و لوازمها، و أراد الإرادة الحتمية مثل ذلك و لم يحب الشرور اللازمة التابعة للخير و الأصلح، كان يقال: ثالث ثلاثة، و أن يكفر به و لم يرض بهما و قيل: لم يحب و لم يرض أي لم يأمر بهما بل جعلهما منهيا عنهما، و لم يجعلهما بحيث يترتب عليهما النفع، بل بحيث يترتب عليهما الضرر، و تمام الكلام في ذلك قد مر في شرح الأخبار السابقة.

الحديث السادس: صحيح.

قوله سبحانه: بمشيتي، أي بالمشية التي خلقتها فيك و جعلتك مريدا شائيا،

163

وَ بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي وَ بِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً

مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ

وَ ذَاكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وَ ذَاكَ أَنَّنِي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ

وَ هُمْ يُسْئَلُونَ

____________

أو بما شئت أن أجعلك مختارا مريدا و بقوتي التي خلقتها فيك أديت فرائضي، و قيل لعل المراد بها القوة العقلانية" و بنعمتي" التي أنعمتها عليك من قدرتك على ما تشاء، و القوي الشهوانية و الغضبية التي بها حفظ الأبدان و الأنواع و صلاحها" قويت على معصيتي" و قوله" جعلتك سميعا بصيرا" ناظر إلى الفقرة الثانية، و قوله: قويا إلى الثالثة.

و قوله:" مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ" لأنه من آثار ما أفيض عليه من جانب الله" وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" لأنه من طغيانها بهواه.

و قوله: و ذاك أني أولى بحسناتك منك" إلخ" بيان للفرق، مع أن الكل مستند إليه و منتهى به بالأخرة، و للعبد في الكل مدخل بالترتب على مشيته و قواه العقلانية و النفسانية، بأن ما يؤدي إلى الحسنات منها أولى به سبحانه، لأنه من مقتضيات خيريته سبحانه و آثاره الفائضة من ذلك الجناب بلا مدخلية للنفوس إلا القابلية لها، و ما يؤدي إلى السيئات منها أولى بالأنفس لأنها مناقص من آثار نقصها لا تستند إلى ما فيه منقصة.

و قوله:" و ذاك أني لا أسأل عما أفعل وَ هُمْ يُسْئَلُونَ" بيان لكونه أولى بالحسنات بأن ما يصدر و يفاض من الخير المحض من الجهة الفائضة منه لا يسأل عنه، و لا يؤاخذ به فإنه لا مؤاخذة بالخير الصرف، و ما ينسب إلى غير الخير المحض و من فيه شرية ينبعث منه الشر يؤاخذ بالشر، فالشرور و إن كانت من حيث وجودها منتسبة إلى خالقها، فمن حيث شريتها منتسبة إلى منشإها و أسبابها القريبة المادية، هذا ما ذكره بعض الأفاضل في هذا المقام.

و يمكن أن يقال: كونه تعالى أولى بحسناته لأنها بألطافه و توفيقاته و تأييداته

164

بَابُ الِابْتِلَاءِ وَ الِاخْتِبَارِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا مِنْ قَبْضٍ وَ لَا بَسْطٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ

____________

و يمكن أن يكون قوله (عليه السلام): بقوتي إشارة إلى ذلك أيضا، و للعبد مدخلية ضعيفة فيها بإرادته و اختياره بخلاف المعاصي، فإنها و إن كانت بالقدرة و الآلات و الأدوات التي خلقها الله فيه و له، لكنه سبحانه لم يخلقها للمعصية بل خلقها للطاعة، و صرفها في المعصية موجب لمزيد الحجة عليه، و أما خذلانه و منع التوفيق فليس فعلا منه تعالى بل ترك فعل لعدم استحقاقه لذلك و اختيار المعصية بإرادته و سوء اختياره، فظهر أن العبد أولى بسيئاته منه سبحانه.

و قوله:" و ذاك أني" يمكن أن يكون تفريعا لا تعليلا، أي لأجل ما ذكر لا يسأل سبحانه عن معاصي العباد و لا يعترض عليه و هم يسألون، و لو كان تعليلا يحتمل أن يكون المراد أنه لوضوح كمال علمه و حكمته و لطفه و رحمته ليس لأحد أن يسأله عن سبب فعله و حكمة التكاليف، و العباد لنقصهم و عجزهم و تقصيرهم يسألون، و ليس على ما زعمه الأشاعرة من أن المراد أنه لا اعتراض لأحد على المالك فيما يفعله في ملكه، و العالم ملكه تعالى و ملكه فله أن يفعل فيه كل ما يريده سواء كان خيرا أو شرا أو عبثا، و هم لا يقولون بالمخصص و المرجح في اختياره تعالى لشيء، قائلين إن الإرادة يخصص أحد الطرفين من غير حاجة إلى المخصص و المرجح لأنه لا يسأل عن اللمية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

باب الابتلاء و الاختبار الحديث الأول: حسن.

و القبض في اللغة: الإمساك و الأخذ، و البسط: نشر الشيء و يطلق القبض على المنع و البسط على العطاء، و من أسمائه تعالى القابض و الباسط، لأنه يقبض الرزق

165

فِيهِ مَشِيئَةٌ وَ قَضَاءٌ وَ ابْتِلَاءٌ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ فِيهِ قَبْضٌ أَوْ بَسْطٌ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِلَّا وَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ابْتِلَاءٌ وَ قَضَاءٌ

بَابُ السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاءِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّعَادَةَ وَ الشَّقَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ

____________

عمن يشاء و يبسطه لمن يشاء و يقبض الأرواح عند الممات و يبسطها عند الحياة.

و هنا يحتمل أن يكون المراد بهما ما هو من فعله تعالى كالقبض و البسط في الأرزاق بالتوسيع و التقتير، و في النفوس بالسرور و الأحزان أو بإفاضة المعارف عليها و عدمها، و في الأبدان بالصحة و الألم، و في الأعمال بتوفيق الإقبال إليها و عدمه، و في الدعاء بالإجابة له و عدمها، و في الأحكام بالرخصة في بعضها و النهي عن بعضها، أو ما هو من فعل العباد كقبض اليد و بسطها، و البخل و الجود و أمثالها، فالمراد بالمشية و القضاء أحد المعاني المذكورة في الباب السابق، و الابتلاء و الامتحان و الاختبار في حقه تعالى مجاز، أي يعاملهم معاملة المختبر مع صاحبه لا ليعلم مال حالهم و عاقبة أمرهم، لأنه علام الغيوب، بل ليظهر منهم ما يستحقون به الثواب و العقاب.

الحديث الثاني: حسن.

باب السعادة و الشقاء الحديث الأول: مجهول كالصحيح.

قوله: خلق السعادة، السعادة: ما يوجب دخول الجنة و الراحة الأبدية و اللذات الدائمة، و الشقاوة ما يوجب دخول النار و العقوبات الأبدية و الآلام الدائمة، و قد تطلق السعادة على كون خاتمة الأعمال بالخير، و الشقاوة على كون

166

خَلْقَهُ فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ سَعِيداً لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ شَرّاً أَبْغَضَ عَمَلَهُ وَ لَمْ يُبْغِضْهُ وَ إِنْ كَانَ شَقِيّاً لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ صَالِحاً أَحَبَّ عَمَلَهُ وَ أَبْغَضَهُ لِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ شَيْئاً لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِذَا أَبْغَضَ شَيْئاً لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ

كُنْتُ بَيْنَ

____________

الخاتمة بالشر، و المراد بخلق السعادة و الشقاوة تقديرهما بتقدير التكاليف الموجبة لهما، أو أن يكتب في الألواح السماوية كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، موافقا لعلمه سبحانه، التابع لما يختارونه بعد وجودهم و تكليفهم بإرادتهم و اختيارهم و المراد بالخلق ثانيا الإيجاد في الخارج.

" فمن خلقه الله سعيدا" أي علمه و قدره سعيدا، و خلقه عالما بأنه سيكون سعيدا.

" لم يبغضه أبدا" أي لا يعاقبه، و لا يحكم بكونه معاقبا.

" و إن عمل شرا أبغض عمله" أي يذم عمله، و يحكم بأن هذا الفعل مما يستحق به العقاب" و لم يبغضه" بأن يحكم بأن هذا الشخص مستحق للعقاب لعلمه سبحانه بأنه سيتوب، و يصير من السعداء.

" و إن كان شقيا" في علمه تعالى بأن يعلم أنه يموت على الكفر و الضلال" لم يحبه أبدا" أي لا يحكم بأنه من أهل الجنة و لا يثني عليه، و إن عمل الأعمال الصالحة لما يعلم من عاقبته و لكن يحكم بأن عمله حسن عند ما يعمل صالحا، و أن هذا العمل مما يستحق عامله الثواب إن لم يعمل ما يحبطه" و أبغضه" أي يحكم بأنه من أهل النار لما يعلم من عاقبة أمره، فإذا أحب الله شيئا سواء كان من الأشخاص أو الأعمال" لم يبغضه أبدا" و كذا العكس بالمعنى الذي ذكرنا للحب و البغض.

الحديث الثاني: مرفوع و هو في غاية الصعوبة و الإشكال، و تطبيقه على مذهب العدلية يحتاج إلى تكلفات كثيرة.

و العجب أن الصدوق (قدس سره) رواه في التوحيد ناقلا عن الكليني بهذا

167

يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَالِساً وَ قَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى حَكَمَ اللَّهُ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلَى عَمَلِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيُّهَا السَّائِلُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ

____________

السند بعينه هكذا: عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا و قد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا بن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيها السائل علم الله عز و جل لا يقوم أحد من خلقه بحقه، فلما علم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، و لم يمنعهم أطاقه القبول منه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و إن قدروا أن يأتوا خلالا ينجيهم عن معصيته، و هو معنى شاء ما شاء و هو سر، و لا أدري أن نسخته كانت هكذا أو غيره ليوافق قواعد العدل، و يشكل احتمال هذا الظن في مثله.

و بالجملة على ما في الكتاب لعل حمله على التقية أو تحريف الرواة أولى و لنتكلم على الخبر ظاهرا و تأويلا، ثم نكل علمه إلى من صدر عنه و نسب إليه (صلوات الله عليه).

فنقول: السؤال يحتمل وجوها:

" الأول": أنه سئل عن سبب أصل السعادة و الشقاوة و صيرورة بعض الخلق كفارا و بعضهم مؤمنين و فرقة فساقا و أخرى صالحين.

" الثاني" أن يكون الشبهة الواردة عليه من جهة أن العلم لما كان تابعا للمعلوم فتوهم أنه يجب تأخره عن المعلوم فكيف تقدم عليه.

" الثالث": أن يكون الشبهة عليه من جهة أن العلم إما حصولي أو حضوري و حصول الصورة لا يتصور في حقه تعالى، و الحضور إنما يكون بعد وجود المعلوم.

و حاصل الجواب على الأول أن حكم الله بالسعادة و الشقاوة و أسبابهما من غوامض مسائل القضاء و القدر، و عقول أكثر الخلق عاجزة عن الإحاطة بها، فلا يجوز

168

بِحَقِّهِ فَلَمَّا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ وَضَعَ عَنْهُمْ ثِقْلَ

____________

الخوض فيها كما قال الصدوق (ره) في رسالة العقائد: الكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل قد سأله عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه، ثم سأله ثانية فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، ثم سأله ثالثة فقال: سر الله فلا تتكلفه و قال (عليه السلام) في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، و حرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم، لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية، و لا بقدرة الصمدانية، و لا بعظمة النورانية، و لا بعزة الوحدانية، لأنه بحر زاخر مواج خالص لله عز و جل، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق و المغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيات و الحيتان، يعلو مرة و يسفل أخرى، في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سره و ستره، و باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير.

و أما على الثاني فالجواب عنه و إن كان ظاهرا إذ تابعية العلم لا تستدعي تأخره عن المعلوم زمانا، فلعله لم يجب عنه لقصور فهم السائل.

و أما الثالث فغموض المسألة و عجز أكثر الخلق عن الوصول إلى كنه علمه سبحانه ظاهر، و قد تحير فيه الحكماء و المتكلمون، و لم يأتوا فيه بشيء يسمن و يغني من جوع، و سبيل أهل الديانة فيه و في أمثاله الإقرار به جملة، و عدم الخوض في كيفيته و ترك التفكر في حقيقته فإنه كما لا يمكن إدراك حقيقة ذاته تعالى، فكذا لا تصل عقول الخلق إلى كنه صفاته التي هي عين ذاته سبحانه.

و يحتمل أن يكون المراد أن تكاليفه تعالى شاقة لا يتيسر إلا بهدايته و توفيقه سبحانه" وهب لأهل محبته" الإضافة إلى الضمير إضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، أي الذين أحبهم لعلمه بأنهم يطيعونه، أو الذين يحبونه و وضع عنهم ثقل العمل

169

الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ وَ وَهَبَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ مَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا حَالًا تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ وَ هُوَ مَعْنَى شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سِرُّهُ

____________

بالتوفيقات و الهدايات و الألطاف الخاصة بحقيقة ما هم أهله، أي بحسب ما يرجع إليهم من النيات الصحيحة و الأعمال الصالحة و الطينات الطيبة" و وهب لأهل المعصية" الهبة هنا على سبيل التحكم أو يقال إعطاء أصل القوة لطف و رحمة، و باستعمال العبد إياها في المعصية تصير شرا، أو أنهم لما كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها، فكأنهم سألوا ذلك و وهبهم و الأوسط أظهر.

" القوة على معصيتهم" أي المعصية التي يفعلونها بإرادتهم و اختيارهم لسبق علمه فيهم، إذ علم أن التكليف لا يتم إلا بإعطاء الآلة و القوة، و إلا لكانوا مجبورين على الترك.

" و منعهم أطاقه القبول منه" قيل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل عطفا على ضمير فيهم، أي لعلمه بأنهم يمنعون أنفسهم أطاقه القبول، و لا يخفى ما فيه لفظا و معنى.

أقول: و يحتمل أن يكون عطفا على السبق و يكون اللام فيهما لام العاقبة كما في قوله تعالى:" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا" أي وهب لهم القوة مع أنه كان يعلم عدم إطاعتهم و تصييرهم أنفسهم بحيث كأنهم لا يطيقون القبول منه، أو منعهم بصيغة الماضي و يكون المراد ترك الألطاف الخاصة، فلما لم يلطف لهم فكأنه منعهم القبول كما في قوله تعالى:" خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ" و كذا قوله: و لم يقدروا، أي قدرة تامة لسهولة كما كانت للفريق الأول عند الألطاف الخاصة، لأن علمه أولى بحقيقة

170

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْحَلَبِيِّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

يُسْلَكُ بِالسَّعِيدِ فِي طَرِيقِ الْأَشْقِيَاءِ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ السَّعَادَةُ وَ قَدْ يُسْلَكُ بِالشَّقِيِّ فِي طَرِيقِ السُّعَدَاءِ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ الشَّقَاءُ إِنَّ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ سَعِيداً

____________

التصديق، أي إنما صاروا كذلك لأن علمه تعالى لا يتخلف، لا لأن العلم علة، بل لأن علمه سبحانه لا محالة يكون موافقا للمعلوم، فمعنى مشية الله تعالى و سرها هو هذا المعنى، أي علمه مع التوفيق لقوم و الخذلان لآخرين على وجه لا يصير شيء منهما سببا للإجبار على الطاعة أو المعصية.

هذا غاية ما يمكن من القول في تأويل هذا الخبر و إن كان ظاهره أن الله لما علم من قوم أنهم يطيعونه سهل عليهم الطاعة، و لما علم من قوم المعصية إن وكلوا إلى اختيارهم جعلهم بحيث لم يمكن أن يتأتى منهم الطاعة، و القول بظاهره لا يوافق العدل، و للسالكين مسالك الحكماء و الصوفية هيهنا تحقيقات طويلة الذيل، دقيقة المسالك لم نذكرها لئلا تتعلق بقلوب نواقص العقول و الأفكار و الله يعلم حقائق الأسرار الحديث الثالث: مجهول.

قوله (عليه السلام): يسلك بالسعيد، على بناء المفعول و الباء للتعدية، و الفاعل هو الله بالخذلان أو الشيطان" ما أشبهه بهم" تعجبا من كمال مشابهتهم بهم في الأعمال ثم يحكمون بعد تكرر مشاهدة ذلك أنه منهم" إن من كتبه الله" أي علم الله منه السعادة و كتب له ذلك في اللوح المحفوظ، لا لوح المحو و الإثبات، فلا ينافي ما ورد في الأدعية الكثيرة" إن كنت كتبتني شقيا فامح من أم الكتاب شقائي" فإن المراد به لوح المحو و الإثبات، و الفواق بالضم و قد يفتح الفاء: ما بين الحلبتين من الوقت، لأن الناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، أو ما بين فتح يدك و قبضها على الضرع.

171

وَ إِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا فُوَاقُ نَاقَةٍ خَتَمَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ

بَابُ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ وَ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى(ع)وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ أَنِّي

أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا

خَلَقْتُ الْخَلْقَ

____________

و الحاصل أن السعادة و الشقاوة الأخرويتين إنما تكون بحسن العاقبة و سوءها و المدار عليهما، فينبغي للإنسان أن يطلب حسن العاقبة و يسعى فيه، و يتضرع إليه تعالى في أن يرزقه ذلك، رزقنا الله و سائر المؤمنين حسن عاقبة المتقين.

باب الخير و الشر الحديث الأول: صحيح.

و الخير و الشر يطلقان على الطاعة و المعصية و على أسبابهما و دواعيهما، و على المخلوقات النافعة كالحبوب و الثمار و الحيوانات المأكولة و الضارة كالسموم و الحيات و العقارب، و على النعم و البلايا، و ذهبت الأشاعرة إلى أن جميع ذلك من فعله تعالى، و المعتزلة و الإمامية خالفوهم في أفعال العباد، و أولوا ما ورد في أنه تعالى خالق الخير و الشر بالمعنيين الأخيرين.

قال المحقق الطوسي (قدس سره): ما ورد أنه تعالى خالق الخير و الشر، أريد بالشر ما لا يلائم الطباع و إن كان مشتملا على مصلحة، و تحقيق ما ذكره أن للشر معنيين: أحدهما: ما لا يكون ملائما للطبائع كخلق الحيوانات المؤذية، و الثاني ما يكون مستلزما للفساد، و لا يكون فيه مصلحة، و المنفي عنه تعالى هو الشر بالمعنى الثاني لا الشر بالمعنى الأول، و قال الحكماء: ما يمكن صدوره من الحكيم إما أن يكون كله خيرا، أو كله شرا، أو بعضه خيرا و بعضه شرا، فإن كان كله خيرا وجب عليه تعالى خلقه، و إن كان كله شرا لم يجز خلقه، و إن كان بعضه خيرا و بعضه

172

وَ خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُحِبُّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ وَ

أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا

خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ وَ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُرِيدُهُ فَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

إِنَّ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِ أَنِّي

أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا

خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الْخَيْرَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الشَّرَّ وَ وَيْلٌ لِمَنْ يَقُولُ كَيْفَ ذَا وَ كَيْفَ ذَا

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ بَكَّارِ بْنِ كَرْدَمٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ وَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

شرا فإما أن يكون خيره أكثر من شره، أو شره أكثر من خيره، أو تساويا، فإن كان خيره أكثر من شره وجب على الله خلقه، و إن كان شره أكثر من خيره أو كانا متساويين لم يجز خلقه، و ما نرى من المؤذيات في العالم فخيرها أكثر من شرها.

ثم اعلم أن المراد بخلق الخير و الشر في هذه الأخبار إما تقديرهما أو خلق الآلات و الأسباب التي بها يتيسر فعل الخير و فعل الشر، كما أنه سبحانه خلق الخمر و خلق في الناس القدرة على شربها، أو كناية عن أنهما يحصلان بتوفيقه و خذلانه، فكأنه خلقهما أو المراد بالخير و الشر النعم و البلايا، أو المراد بخلقهما خلق من يعلم أنه يكون باختياره مختارا للخير أو الشر، و لا يخفى بعد ما سوى المعنى الثاني و الثالث، و أما الحكماء فأكثرهم يقولون لا مؤثر في الوجود إلا الله، و إرادة العبد معدة لإيجاده تعالى الفعل على يده، فهي موافقة لمذاهبهم و مذاهب الأشاعرة و يمكن حملها على التقية.

الحديث الثاني: حسن على الظاهر.

الحديث الثالث: مجهول، و يدل كالسابق على النهي عن الخوض في هذه المسائل و الاعتراض عليها.

173

أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا

خَالِقُ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الْخَيْرَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الشَّرَّ وَ وَيْلٌ لِمَنْ يَقُولُ كَيْفَ ذَا وَ كَيْفَ هَذَا قَالَ يُونُسُ يَعْنِي مَنْ يُنْكِرُ هَذَا الْأَمْرَ بِتَفَقُّهٍ فِيهِ

بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرِهِمَا رَفَعُوهُ قَالَ

كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جَالِساً بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ صِفِّينَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ فَجَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَجَلْ يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا

____________

و قوله: قال يونس، كلام محمد بن عيسى و هو تفسير لقوله (عليه السلام): من يقول كيف ذا و كيف ذا، أي كيف أجرى على يد هذا الخير و أجرى على يد هذا الشر؟ و غرض يونس أن الويل لمن أنكر كون خالق الخير و الشر هو الله تعالى بتفقهه و علمه اتكالا على عقله، و أما من سأل عن عالم ليتضح له الأمر، أو يخطر بباله من غير حدوث شك له أو يؤمن به مجملا و هو متحير في معناه، معترف بجهل معناه لقصور عقله عن فهمه فلا ويل له.

باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين الحديث الأول: مرفوع لكن رواه الصدوق (ره) في العيون بأسانيد عنه (عليه السلام)، و مذكور في رسالة أبي الحسن الثالث (عليه السلام) إلى أهل الأهواز، و سائر الكتب الحديثية و الكلامية، و أشار المحقق الطوسي (ره) في التجريد إليه، و رواه العلامة ((قدس سره)) في شرحه عن الأصبغ بن نباتة بأدنى تغيير.

و صفين كسجين اسم موضع قرب الرقة شاطئ الفرات، بها الواقعة العظمى

174

بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ مَهْ يَا شَيْخُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ الْأَجْرَ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِي مَقَامِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ وَ فِي مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِكُمْ- مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ وَ كَيْفَ لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِنَا مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ وَ كَانَ بِالْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ مَسِيرُنَا وَ مُنْقَلَبُنَا وَ مُنْصَرَفُنَا فَقَالَ لَهُ وَ تَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً إِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ مِنَ

____________

بين أمير المؤمنين (عليه السلام) و معاوية لعنه الله، و جثا كرمي أي جلس على ركبتيه، و قال الفيروزآبادي: التلعة، ما ارتفع من الأرض، و مسيل الماء" انتهى" و بطن الوادي أسفله، و المطمئن منه.

قوله: عند الله أحتسب عنائي، العناء بالفتح و المد: التعب و النصب، و يمكن أن يكون استفهاما إنكاريا، أي كيف أحتسب أجر مشقتي عند الله و قد كنت مجبورا في فعلي؟ أو المعنى فلا نستحق شيئا، و لعل الله يعطينا بفضله من غير استحقاق للتفضل أيضا، و في رواية الأصبغ بعده: ما أرى لي من الأجر شيئا فيؤيد الثاني" فقال له:

مه" أي اسكت و المسير مصدر ميمي بمعنى السير" و أنتم سائرون" أي بقدرتكم و إرادتكم المؤثرة" و في مقامكم" أي بإزاء العدو بصفين" و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين" كما زعمته الجبرية الصرفة" و لا إليه مضطرين" كما ذهب إليه الأشاعرة كما سيأتي تحقيقهما، و لما توهم الشيخ من الجوابين التدافع و التنافي قال: فكيف لم نكن" إلى آخره" فأجاب (عليه السلام) بقوله: فتظن أنه كان قضاء حتما لا مدخل لاختيار العبد و إرادته فيه كما يقضي و يوجد الأشياء، ليس كذلك بل قضاءان يخير العبد و يكله إلى إرادته، و أيده بما يستحقه من الألطاف الخاصة حتى أتى بالفعل و قد مر أنه قد يحمل القضاء على العلم أو الثبت في الألواح السماوية، و شيء منها لا يصير سببا للجبر و القدر، اللازم هو تعلق إرادته بفعله الذي لا مدخل لإرادة الغير

175

اللَّهِ وَ سَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ فَلَمْ تَكُنْ لَائِمَةٌ لِلْمُذْنِبِ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِلْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ

____________

فيه، و هنا ليس كذلك، ثم أبطل مذهب الجبرية و الأشاعرة بقوله: إنه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، لأن الثواب نفع مقارن للتعظيم و المحمدة، و العقاب ضرر مقارن للإهانة و اللوم، و لا يتصوران مع الجبر بمعنييه، و إلا كان سفها، ثم بقوله: و الأمر و النهي، لأنهما عبارتان عن إعلام الناس بمصالح بعض الأعمال و منافعها و بمفاسد بعضها و مضارها، ليختار العبد ما فيه المصلحة و المنفعة، و يترك ما فيه المفسدة و المضرة، و ظاهر أن ذلك الإعلام في صورة الجبر و عدم تأثير الاختيار و الإرادة سفه و عبث، تعالى عن ذلك.

ثم بقوله: و الزجر من الله، و زواجر الله: بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم، و أحكامه في القصاص و الحدود و نحو ذلك و التقريب ظاهر مما مر.

ثم بقوله: و سقط الوعد و الوعيد، أي المقصود منهما من إتيان الحسنات و ترك السيئات، لأن ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد و الوعيد سفه و عبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم بقوله (عليه السلام): فلم تكن لأئمة للمذنب و لا محمدة للمحسن، لأن المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري، و اللائمة ما يقابله من الذم على القبيح الاختياري و معلوم بديهة أنه لا يستحقهما المجبور.

و أما قوله (عليه السلام): و لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، فيحتمل وجوها:" الأول" أن يكون هذا متفرعا على الوجوه السابقة، أي إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر و الوعد و الوعيد لكان المحسن أولى" إلخ" و وجه الأولوية أنه لم يبق حينئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنيوية، و المذنب كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعم يأتي

176

..........

____________

بكل ما يشتهيه من الشرب و الزنا و القتل و القذف و أخذ أموال الناس و غير ذلك و ليس له مشقة التكاليف الشرعية و المحسن كالفقير المريض الذي يكون دائما في التعب و النصب، من التكاليف الشرعية من الإتيان بالمأمورات و الانتهاء عن المنهيات و من قلة المؤنة و تحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقة فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن، فهو أولى بالإحسان من المحسن، و العقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب.

الثاني: أن يكون المعنى أنه لو فرض جريان المدح و الذم و استحقاقهما و استحقاق الإحسان و الإثابة و العقوبة و ترتبها على الأفعال الاضطرارية الخارجة عن القدرة و الاختيار، لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن و بالعكس، لأن في عقوبة المسيء على ذلك التقدير جمع بين إلزامه بالسيئة القبيحة عقلا، و جعله موردا لملامة العقلاء و عقوبة عليها و كل منهما إضرار و إزراء به و في أثابه المحسن جمع بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلا و يصير بذلك ممدوحا عند العقلاء، و إثابته عليها و كل منهما نفع و إحسان إليه، و في خلاف ذلك يكون لكل منهما نفع و ضرر، و هذا بالعدل أقرب و ذاك بخلافه أشبه.

الثالث: ما قيل إنه إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه، و المحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه، و من لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به و لا يخفى ما فيه.

الرابع: أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا بإحداث اللذات فيه، فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذوات في النشأتين، و إذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا و إيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الآخرة أيضا

177

تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ

____________

ينبغي أن يكون كذلك.

الخامس: ما قيل لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السيئات منه متألم منكسر البال لظنه أنها وقعت منه باختياره، و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فيستحق الإحسان، و أن المحسن لفرحانه بصدور الحسنات عنه و زعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب، و في حديث الأصبغ هكذا: و لم تأت لأئمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، و لا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها.

" تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان" أي أشباههم، لأن عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبي(ص)كانوا جبرية لقوله تعالى:" وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا" أي جعلنا الله مجبورا عليها و قوله:" وَ قٰالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا عَبَدْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ" و أمثال ذلك في القرآن كثيرة.

و قيل: إنما كانوا إخوانهم لأن القول بما يستلزم بطلان الثواب و العقاب في حكم القول بلازمه، و القول ببطلان الثواب و العقاب قول عبدة الأوثان، و أما كونهم خصماء الرحمن لأنهم نسبوا إليه سبحانه ما لا يليق بجنابة من الظلم و الجور و العبث و أية خصومة و عداوة تكون أشد من ذلك. و قيل: إنكار الأمر و النهي إنكار للتكليف و المنكرون للتكاليف خصماء المكلف الآمر و الناهي.

و قيل: لما نسب الله سبحانه في آيات كثيرة أفعال العباد إليهم، و صرح في كثير منها ببراءته من القبائح و الظلم، و هؤلاء يقولون نحن برآء من القبائح و أنت تفعلها فلا مخاصمة أعظم من ذلك" و حزب الشيطان" لأنه لعنه الله قال:" رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي"

178

وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا

____________

و أيضا أنه لعنه الله يبعثهم على تلك العقائد الفاسدة، أو لما لزمهم بطلان الأمر و النهي و التكليف فيجوز له متابعة الشيطان في كل ما يدعوهم إليه، و قوله: و قدرية هذه الأمة، يدل على أن المجبرة هم القدرية، و لا خلاف بين الأمة في أن النبي (صلى الله عليه و آله) ذم القدرية، لكن كل من الجبرية و التفويضية يسمون خصومهم بها، و في أخبارنا أطلقت عليهما، و إن كان على التفويضية أكثر، قال في المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية و قال شارحه: قد ورد في صحاح الأحاديث لعنة القدرية على لسان سبعين نبيا، و المراد بهم القائلون بنفي كون الخير و الشر كله بتقدير الله و مشيته، سموا بذلك، لمبالغتهم في نفيه و كثرة مدافعتهم إياه، و قيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد و ليس بشيء، لأن المناسب حينئذ القدري بضم القاف، و قالت المعتزلة: القدرية هم القائلون بأن الشر و الخير كله من الله تعالى و بتقديره و مشيته، لأن الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته و يقول به كالجبرية و الحنفية و الشافعية لا إلى ما ينفيه.

و رد بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه و آله) قوله: القدرية مجوس هذه الأمة، و قوله:

إذا قامت القيامة نادى مناد أهل الجمع: أين خصماء الله، فتقوم القدرية، و لا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله و الشر إلى الشيطان، و يسمونهما:

يزدان، و أهريمن، و أن من لا يفوض الأمور كلها إلى الله، و معترض لبعضها فينسبه إلى نفسه، يكون هو المخاصم لله تعالى، و أيضا من يضيف القدر إلى نفسه و يدعي كونه الفاعل و المقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه.

فإن قيل: روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ فقال: رأيت أقواما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا قضاء الله علينا و قدره؟ فقال (صلى الله عليه و آله): ستكون في آخر أمتي أقوام يقولون بمثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي، و روى الأصبغ بن نباتة:

أن شيخا قام إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد انصرافه من صفين ثم ذكر نحو هذا

179

..........

____________

الخبر- إلى قوله-" ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ" فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما؟ قال: هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله تعالى" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" و عن الحسن بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) إلى العرب و هم قدرية يحملون ذنوبهم على الله، و يصدقه قوله تعالى:

" وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا".

قلنا: ما ذكر لا يدل إلا على أن القول بأن فعل العبد إذا كان بقضاء الله تعالى و قدره و خلقه و إرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، و يبطل اختياره فيه و استحقاقه للثواب و العقاب و المدح و الذم عليه قول المجوس، فلينظر أن هذا قول المعتزلة أم المجبرة، و لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور، و من وقاحتهم أنهم يروجون باطلهم بنسبته إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و أولاده رضي الله عنهم، و قد صح عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره و شره، و أنه قال لمن قال: إني أملك الخير و الشر و الطاعة و المعصية؟ تملكها مع الله أو تملكها بدون الله؟ فإن قلت: أملكها مع الله فقد ادعيت أنك شريك الله، و إن قلت أملكها بدون الله فقد ادعيت أنك أنت الله؟ فتاب الرجل على يده.

و أن جعفر الصادق (عليه السلام) قال لقدري: أقرء الفاتحة، فقرأ فلما بلغ قوله:

" إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ" قال له جعفر: على ما ذا تستعين بالله و عندك أن الفعل منك، و جميع ما يتعلق بالأقدار و التمكين و الألطاف قد حصلت و تمت؟ فانقطع القدري و الحمد لله رب العالمين" انتهى".

و قال العلامة ((قدس سره)) في شرح التجريد بعد إيراد خبر الأصبغ: قال أبو الحسن البصري و محمود الخوارزمي: فوجه تشبيهه (عليه السلام) المجبرة بالمجوس من وجوه:

أحدها: أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة و اعتقادات واهية، معلومة البطلان

180

..........

____________

و كذا المجبرة.

و ثانيها: مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه، كما خلق إبليس و انتفى منه، و كذا المجبرة قالوا: إن الله تعالى يفعل القبيح ثم يتبرأ منها.

و ثالثها: أن المجوس قالوا: إن نكاح الأمهات و الأخوات بقضاء الله و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة، حيث قالوا: إن نكاح المجوس لأمهاتهم و أخواتهم بقضاء الله و قدره و إرادته.

و رابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و بالعكس و المجبرة قالوا: إن القدرة الموجبة للفعل غير متقدمة عليه، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده و بالعكس" انتهى".

أقول: و قد يعطف خصماء الرحمن على عبدة الأوثان فالمراد بهم المعتزلة المفوضة أي الأشاعرة الجبرية إخوان المفوضة، الذين هم خصماء الرحمن، لأنهم يدعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمن، و أنهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة الله في أعمالهم بالتوفيق و الخذلان، و الأخوة بينهما باعتبار أن كلا منهما على طرف خارج عن الحق الذي هو بينهما، و هو الأمر بين الأمرين، فهما يشتركان في البطلان، كما أن المؤمنين إخوة لاشتراكهم في الحق.

و قيل في وجه الأخوة: إنه يقال للمتقابلين إنهما متشابهان كما قيل، إن قصة سورة براءة تشابه قصة سورة الأنفال و تناسبها، لأن في الأنفال ذكر العهود و في البراءة نبذها، فضمت إليها" انتهى" و على هذا يكون قوله: و حزب الشيطان، و قوله:

قدرية هذه الأمة، و قوله: مجوسها، كلها معطوفات على العبدة لا الإخوان، و أوصافا للمفوضة لا الجبرية، على الوجوه المتقدمة، و يكون الحديث مشتملا على نفي طرفي الإفراط و التفريط معا، و هذا الوجه و إن كان بعيدا لكنه يكون أتم فائدة.

و يؤيده أيضا ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن علي بن سالم عن

181

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً- وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ أَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً- وَ لَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ

وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا

____________

أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرقي أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر، و قال (عليه السلام): إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية:" يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ" و يعضده أيضا أن قدماء المحدثين إنما يطلقون القدرية على المفوضة كالمصنف، حيث قابل في عنوان الباب بين الجبر و القدر، و قد عد أصحاب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتاب الجبر و القدر، و كتاب الرد على المعتزلة" إن الله كلف تخييرا" أي أمره جاعلا له مخيرا بين الفعل و الترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما، من غير إكراه و إجبار" و نهى تحذيرا" أي طلبا للاحتراز عن فعل المنهي عنه، لا بالإكراه على الترك" و أعطي على القليل كثيرا" ترغيبا إلى الطاعة و ترك المعصية" و لم يعص مغلوبا" على بناء المفعول:

أي لم يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيته عن العبد بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه و إجباره، أو لا يقع العصيان بمغلوبية العاصي، فإنه لا عصيان مع عدم الاختيار،" و لم يطع مكرها" على صيغة اسم الفاعل، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة و ربما يقرأ على صيغة المفعول، فيكون ردا على المفوضة أيضا، لأنه إذا استقل العبد و لم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنه سبحانه مكره فيه.

و يمكن أن يقرأ الفعلان على بناء الفاعل و يكون الفاعل المطيع و العاصي، و هما بعيدان" و لم يملك" على بناء التفعيل و المفعول القدرة و الإرادة و الاختيار، أو على بناء الأفعال بمعنى إعطاء السلطنة" مفوضا" بحيث لم يحصرهم بالأمر و النهي أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان" و لم يخلق السماوات، إلخ" إشارة إلى قوله سبحانه:" وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلًا ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ

182

بٰاطِلًا

- وَ لَمْ يَبْعَثِ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ عَبَثاً

ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ

فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ

____________

كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ" و هذا إما رد على عبدة الأوثان المذكورين سابقا بتقريب ذكر إخوانهم، أو المجبرة إذ الجبر يستلزم بطلان الثواب و العقاب و التكليف المستلزم لكون خلق السماوات و الأرض عبثا و باطلا، أو المفوضة أيضا لأن التفويض على أكثر الوجوه الآتية ينافي غرض الإيجاد، و كون بعثة الأنبياء و الرسل مع الجبر باطلا ظاهر، بل مع التفويض على بعض الوجوه.

أقول: و روى الصدوق في التوحيد و العيون هذه الرواية عن أبي الحسن الثالث عن آبائه (عليه السلام)، و عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) بسندين آخرين و عن ابن عباس بسند آخر، و زاد في الرواية بالسند الأخير، فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلا بهما؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأمر من الله و الحكم، ثم تلا هذه الآية" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" أي أمر ربك.

و قال الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج بعد إيراد هذه الرواية: و روي أن الرجل قال: فما القضاء و القدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟

قال: الأمر بالطاعة، و النهي عن المعصية و التمكين من فعل الحسنة و ترك المعصية، و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه، و الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا و قدره لأعمالنا، أما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محيط للأعمال، فقال الرجل: فرجت عني بذلك يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، و في رواية ابن نباتة الذي أورده العلامة و غيره: فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان

183

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ- * * *

يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً-

أَوْضَحْتَ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً-

* * *

جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً

[الحديث 2]

2

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ

مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ- فَقَدْ

____________

ما سرنا إلا بهما؟ فقال: هو الأمر من الله تعالى و الحكم، و تلا قوله تعالى:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" فنهض الشيخ مسرورا و هو يقول. و ذكر البيتين.

الحديث الثاني: ضعيف على المشهور.

قوله (عليه السلام): من زعم، أي ادعى، و قال: و أكثر استعماله في الباطل" إن الله يأمر بالفحشاء" اقتباس من قوله تعالى:" وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا قُلْ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ".

قال بعض المفسرين: الفاحشة: الفعلة المتناهية في القبح كعبادة الصنم و كشف العورة في الطواف حيث كان المشركون يطوفون عراة، و يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، فكانوا إذا نهوا عنها اعتذروا و احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، و الافتراء على الله، فأعرض عن الأول لظهور فساده، و رد الثاني بقوله:

" قُلْ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ" أي بأمر يجد العقل السليم قبحه، بل لا يأمر إلا بمحاسن الأعمال و العقائد، فالأمر بمعناه، و قال الطبرسي (ره): قال الحسن: إنهم كانوا أهل إجبار فقالوا: لو كره الله ما نحن عليه الطبرسي (ره): قال الحسن: إنهم كانوا أهل إجبار فقالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه، فلهذا قالوا: و الله أمرنا بها فأقول: الأمر في الخبر أيضا يحتمل الوجهين، فعلى الأول إشارة إلى فساد قول الأشاعرة من نفي الحسن و القبح العقليين، و تجويز أن يأمر بما نهى عنه مما يحكم العقل بقبحه، و أن يأمر بالسوء و الفحشاء، فإن إبطال حكم العقل فيما يحكم به بديهة أو بالبرهان باطل، و الأمر بالقبيح قبيح، و من جوز القبيح على الله فقد كذب عليه، و على الثاني رد على الأشاعرة أيضا من حيث قولهم بالجبر.

184

كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ إِلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ

[الحديث 3]

3

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ فَجَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ وَ أَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي- عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ

قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)يَا يُونُسُ لَا تَقُلْ بِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ لَا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ وَ لَا بِقَوْلِ إِبْلِيسَ- فَإِنَّ أَهْلَ

____________

و قوله: و من زعم أن الخير و الشر إليه، الظاهر إرجاع الضمير إلى الموصول، فيكون ردا على المفوضة و المعتزلة القائلين باستقلال العبد في أفعاله، و عدم مدخلية الرب سبحانه فيها، و هذا أيضا كذب على الله تعالى لمخالفته للآيات الكثيرة الدالة على هدايته و توفيقه و خذلانه و مشيته و تقديره، و يحتمل إرجاع الضمير إلى الله فيكون ردا على المجبرة فينبغي حمل الفقرة الأولى حينئذ على المعنى الأول.

الحديث الثالث: ضعيف على المشهور.

قوله: الله أعز من ذلك أي أغلب و أقدر من أن يكون غيره فاعلا مستقلا في ملكه، بغير مدخلية له سبحانه في ذلك الفعل.

قوله: و أحكم، أي الجبر مناف للحكمة.

الحديث الرابع: مجهول.

و المراد بالقدرية هنا من يقول بأن أفعال العباد و وجودها ليست بقدر الله و قضائه بل باستقلال إرادة العبد به و استواء نسبته إلى الإرادتين و صدور أحدهما عنه لا بموجب غير الإرادة كما ذهب إليه بعض المعتزلة، فإنهم لم يقولوا بقول أهل الجنة من إسناد هدايتهم إليه سبحانه، و لا بقول أهل النار من إسناد ضلالهم إلى شقوتهم، و ظاهره

185

الْجَنَّةِ قَالُوا

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ

وَ قَالَ أَهْلُ النَّارِ

رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ

وَ قَالَ إِبْلِيسُ

رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي

فَقُلْتُ وَ اللَّهِ مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ وَ لَكِنِّي أَقُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى فَقَالَ يَا يُونُسُ لَيْسَ هَكَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى يَا يُونُسُ تَعْلَمُ

____________

هنا أن المراد بالشقوة ما يصير مرجحا للأعمال السيئة من خبث الطينة و قلة العقل، و سوء الفهم، مما يرجع إلى العبد، أو هذا أيضا يرجع إلى الله بناء على أن الله تعالى خالق السعادة و الشقاوة و مقدرهما، و يحتمل أن يكون المراد بالشقوة استحقاق العذاب بسبب الأعمال السيئة فإن. ذلك يصير سببا لمنع اللطف و الهداية الخاصة، و لا بقول إبليس من إسناد الإغواء إليه سبحانه، و هذا الخبر يدل على أن غرضه من الإغواء كان هو الخذلان و منع اللطف، إذ ظاهر الخبر أنه (عليه السلام) استشهد بقوله و قول أهل النار لتقريره سبحانه إياهما، و يحتمل أن يكون غرضه (عليه السلام) أنهم اخترعوا قولا ليس قول أهل الخير و لا قول أهل الشر.

قوله: و لكني أقول لا يكون إلا بما شاء الله، أقول: في أكثر النسخ الباء موجودة في كلام يونس دون كلامه (عليه السلام)، فالفرق بينهما بالباء إذ كلام يونس يدل على العلية و السببية و استقلال إرادة الله سبحانه و مشيته في فعل العبد، فيوهم الجبر فلذا أسقط (عليه السلام) الباء، و قيل: كان غرض يونس من إدخال الباء بيان أن الله تعالى أعطى العبد القدرة و الاختيار، ثم هو فعل الفعل بما أعطاه الله و هو مستقل في الفعل، فأراد (عليه السلام) نفي التفويض فأسقط الباء، و في بعض النسخ بدون الباء فلا يعقل فرق إلا بنحو التقرير، لكن في تفسير علي بن إبراهيم: و لكني أقول لا يكون إلا ما شاء الله و قضى و قدر، فقال: ليس هكذا يا يونس، و لكن لا يكون إلا ما شاء الله و قدر و قضاء فيكون الاختلاف بينهما في الترتيب، فإن القدر مقدم على القضاء كما في الأخبار، فلذا غير (عليه السلام) الترتيب ليكون الترتيب الذكري موافقا للترتيب الواقعي، و لعل التوافق صدر من النساخ ثم ألحقوا الباء لحصول الاختلاف.

186

مَا الْمَشِيئَةُ قُلْتُ لَا قَالَ هِيَ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ فَتَعْلَمُ مَا الْإِرَادَةُ قُلْتُ لَا قَالَ هِيَ الْعَزِيمَةُ عَلَى مَا يَشَاءُ فَتَعْلَمُ مَا الْقَدَرُ قُلْتُ لَا قَالَ هِيَ الْهَنْدَسَةُ وَ وَضْعُ الْحُدُودِ مِنَ الْبَقَاءِ وَ الْفَنَاءِ قَالَ ثُمَّ قَالَ وَ الْقَضَاءُ هُوَ الْإِبْرَامُ وَ إِقَامَةُ الْعَيْنِ قَالَ فَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أُقَبِّلَ رَأْسَهُ وَ قُلْتُ فَتَحْتَ لِي شَيْئاً كُنْتُ عَنْهُ فِي غَفْلَةٍ

[الحديث 5]

5

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ- فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ

____________

قوله (عليه السلام): هي الذكر الأول، أي الإثبات مجملا في لوح المحو و الإثبات، و قيل العلم القديم.

قوله: هي العزيمة، العزيمة: تأكد الإرادة، و لعل المراد بها هنا الإثبات ثانيا مع بعض الخصوصيات أو الأخذ في خلق أسباب وجوده البعيدة، و قيل: المعنى أن المشية فينا هي توجه النفس إلى المعلوم بملاحظة صفاته و أحواله المرغوبة، الموجبة لحركة النفس إلى تحصيله، و هذه الحركة النفسانية فينا و انبعاثها لتحصيله هي العزم و الإرادة و في الواجب تعالى ما يترتب عليه أثر هذا التوجه، و يكون بمنزلته.

قوله (عليه السلام): هي الهندسة، الهندسة: على وزن دحرجة مأخوذ من الهنداز (معرب انداز) فأبدلت الزاي سينا لأنه ليس في كلام العرب دال بعدها زاي، فالهندسة (معرب اندازه) أي المقدار، و المهندس مقدر مجاري القناة حيث تحفر، ثم عمم في تحديد مجاري الأمور كلها، فالقدر إثبات خصوصيات ما أراد إيجاده في اللوح من أزمنة بقائه و وقت فنائه و أشباه ذلك، أو ترتيب أسباب وجوده إلى حيث ينتهي إلى علله الخاصة المعينة لخصوصياته، أو فينا عبارة عن تعيين حدود ما يريده من عرضه و طوله و سمكه و إحكامه على وجه يبقى زمانا طويلا أو قصيرا، و فيه تعالى ما يناسبه من ترتيب الأسباب، و القضاء هو الإبرام أي إحكام المراد، و إقامة عينه أي إيجاده، و في أفعال العباد إقدار العبد و تمكينه و رفع الموانع عنه.

الحديث الخامس: مجهول كالصحيح.

187

إِلَيْهِ- وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ وَ لَا يَكُونُونَ

____________

قوله (عليه السلام): فقد جعل لهم السبيل، قال بعض المحققين: أي كل ما تعلق به الأمر جعل للمأمور سبيل إلى تركه بإعطاء القدرة له، و إمكان المأمور به.

فإن قيل: المأمور به واجب ضروري الوجود عند اجتماع أسباب وجوده و ممتنع ضروري العدم عند عدم اجتماع أسباب الوجود، فلا إمكان له؟

قيل: المقصود الإمكان قبل الإرادة الحتمية، و هي من أسباب الوجود، فلا وجوب قبلها، و لزوم وقوع العدم عند عدم استجماع الشرائط لا ينافي الإمكان، فإن الممكن الذي لا يلحقه وجوب لعلته الموجبة، لا إيجاب لعدمه من عدم علته، كما لا تأثير من عدم علته في عدمه، فالممكن مع إمكان وجوده بوجود علته يكون معدوما لعدم علته فوجوب عدمه عبارة عن ضرورة عدم انفكاك العدم عن العدم، لا ضرورة عدم حاصل فيه بإيجاب من موجب، و بخلاف وجوب وجوده فوجوب الوجود من الفاعل لا يجامع الإمكان بمعنى عدم ضرورة نسبة الوجود و مقابله إلى الماهية و لو بإيجاب من الموجب، و لزوم العدم يجامع الإمكان بمعنى عدم ضرورة أحدهما للماهية و لو بإيجاب موجب، و مرجع هذا اللزوم إلى ما هو بمنزلة الوجوب اللاحق، فالممكن بإمكانه مجردا من إيجاب موجب إنما يكون معدوما و هذا الإمكان مصحح الطلب.

و الحاصل أن مناط الوجود للممكن، الوجوب الحاصل لوجوده من علته الموجبة أي إيجابها إياه، و مناط العدم للممكن عدم إيجاب موجب إياه لا إيجاب موجب لعدمه، و إذا كان المعدوم يمكن وجوده بموجبه صح طلب إيجاده بإيجابه بموجبه، و طلب الكف عن إيجاده بعدم إيجابه بموجبه، و كذا لزوم عدم إرادة الفاعل لعدم أسبابها لا ينافي الأمر بإرادته" انتهى".

و لعل المراد بالإذن رفع الموانع التي من جملتها تعلق الإرادة الحتمية من الله تعالى بضده.

188

آخِذِينَ وَ لَا تَارِكِينَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ

____________

و الحق أن تأثير جميع المؤثرات مشروطة بذلك كإحراق النار فإنه مشروط بعدم تعلق إرادته سبحانه بعدمه، فإذا تعلقت لم تؤثر كما لم تحرق إبراهيم (عليه السلام)، و تأثير السيف في قطع اللحم و شبهه مشروط بذلك، فكما أن الإحراق و القطع مشروطان بشرائط كثيرة من قابلية المادة و مجاورة المؤثر و غيرهما فكذا مشروطان بعدم تعلق الإرادة الحتمية من ذي القدرة القاهرة و القوة الغالبة بخلافهما، و لا يتأتى التصديق بمعجزات الأنبياء و الأوصياء (صلوات الله عليهم) إلا بذلك، و به يستقيم مدخلية إرادة الله سبحانه في أعمال العباد مع اختيارهم، و هو المراد بالتخلية.

أقول: و روى الشيخ أحمد الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) أن أبا الحسن موسى (عليه السلام) قال: إن الله خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، فأمرهم و نهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، و ما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلا بإذنه، و ما جبر الله أحدا على معصيته، بل اختبرهم كما قال:" لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا*".

قوله (عليه السلام): و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلا بإذنه، أي بتخليته و علمه" انتهى" و الظاهر أن التفسير من المؤلف (ره).

أقول: و يومي إلى ما ذكرنا ما ذكره الشيخ السعيد المفيد في كتاب المقالات حيث قال: إن الإرادة التي هي قصد الإيجاد أحد الضدين الخاطرين ببال المريد موجبة لمرادها، و أنه محال وجودها و ارتفاع المراد بعدها بلا فصل، إلا أن يمنع من ذلك من فعل غير المريد، و هذا مذهب جعفر بن حرب و جماعة من متكلمي البغداديين و هو مذهب البلخي، و على خلافه مذهب الجبائي و ابنه و البصريين من المعتزلة و الحشوية و أهل الأخبار.

189

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ قُرْطٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ- وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِغَيْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ

[الحديث 7]

7

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ

____________

و قال الشيخ أبو علي الطبرسي (رحمه الله): في قوله تعالى:" وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" اختلفوا في تفسير الإذن على أقوال:" الأول" أن يكون الإذن هو الأمر أي يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا تموت أحد إلا بهذا الأمر" الثاني" أن المراد به الأمر التكويني كقوله:" أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" و لا يقدر على الحياة و الموت أحد إلا الله" الثالث" أن يكون الإذن هو التخلية و الإطلاق، و ترك المنع بالقهر و الإجبار، و به فسر قوله تعالى:" وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" أي بتخليته، فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر" الرابع" أن يكون الإذن بمعنى العلم و معناه إن نفسا لا تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

" الخامس" قال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله و قدره، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشية الله و إرادته.

الحديث السادس: مجهول.

قوله: بغير مشية الله، أي التخلية و عدم تعلق الإرادة الحتمية بخلافه، فإن من زعم استقلال الخلق و عدم قدرته تعالى على صرفهم عن أفعالهم، و عدم مدخليته سبحانه في أعمالهم بوجه فقد أخرج الله من سلطانه، و عزله عن التصرف في ملكه.

الحديث السابع: مرسل.

190

إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ

كَانَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ وَ النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ قَالَ فَقُلْتُ يَا هَذَا أَسْأَلُكَ قَالَ سَلْ قُلْتُ يَكُونُ فِي مُلْكِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَا لَا يُرِيدُ قَالَ فَأَطْرَقَ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ لِي يَا هَذَا لَئِنْ قُلْتُ إِنَّهُ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ إِنَّهُ لَمَقْهُورٌ وَ لَئِنْ قُلْتُ لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ أَقْرَرْتُ لَكَ بِالْمَعَاصِي قَالَ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَأَلْتُ هَذَا الْقَدَرِيَّ فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ كَذَا وَ كَذَا فَقَالَ لِنَفْسِهِ نَظَرَ أَمَا لَوْ قَالَ غَيْرَ مَا قَالَ لَهَلَكَ

[الحديث 8]

8

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ زَعْلَانَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْقُمِّيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قُلْتُ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ لَا قُلْتُ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ الْأَمْرَ قَالَ قَالَ لَا قَالَ قُلْتُ فَمَا ذَا قَالَ لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ

____________

قوله: أقررت لك بالمعاصي، أي جوزت لك فعل المعاصي، إذ ليس لك فيها اختيار و هي بإرادته سبحانه، أو أقررت لك بأن المعاصي بإرادته تعالى.

قوله (عليه السلام): لنفسه نظر، أي تأمل و احتاط لنفسه، حيث لم يحكم بما يوجب هلاكه من القول بالقدر الذي هو مذهبه، أو نفي مذهبه، و مذهب الجبرية أيضا و إن لم يفهم الواسطة، و يمكن أن يكون تفطن بالواسطة عند الإلزام عليه.

الحديث الثامن: مرسل.

قوله: أجبر الله، الهمزة للاستفهام.

قوله (عليه السلام): لطف من ربك، أي رحمة و توفيق، و قيل: أمر دقيق لا تصل إليه العقول، و هو الأمر بين الأمرين، و الظاهر أنه غير اللطف الذي هو مصطلح المتكلمين بل ما قررنا سابقا و سيأتي مزيد توضيح له، و اللطف على اصطلاح المتكلمين هو ما يقرب العبد إلى الطاعة و يبعده عن المعصية، و لا حظ له في التمكين، و لا يبلغ الإلجاء و متكلمو الإمامية و المعتزلة اتفقوا على وجوبه على الله عقلا و خالفهم في ذلك الأشاعرة و قالوا بعدم وجوبه.

191

..........

____________

و استدل المثبتون عليه بأن اللطف مما يتوقف عليه غرض المكلف من المكلف و كل ما يتوقف عليه الغرض يكون واجبا، أما الأولى فظاهر، لأن غرض المكلف من المكلف إيقاعه ما كلف به، و هو يتوقف على كل ما يقر به إلى فعله و يبعده عن تركه، و أما الثانية فلأن المريد من غيره فعلا من الأفعال إذا علم المريد أن المراد منه لا يفعل الفعل المطلوب إلا بفعل يفعله المريد مع المراد منه من نوع ملاطفة أو مكاتبة أو سعى إليه أو إرسال من غير مشقة عليه في ذلك لو لم يفعل ما يتوقف عليه إيقاع ذلك الفعل منه، مع تصميم إرادته إيقاعه منه، لكان هذا المريد ناقضا لغرضه عند العقلاء، و نقض الغرض قبيح لذم العقلاء على ذلك، و إذا أردنا تمشية هذا التقرير في حقه سبحانه، قلنا: إنه كلف العباد بالأوامر و النواهي فكان غرضه من التكليف المذكور إيقاع الطاعة و ارتفاع المعصية من المكلفين، فإذا علم أنهم لا يفعلون ذلك إلا بفعل يفعله بهم بحيث يحصل به تقريبهم إلى إيقاع ذلك منهم، لو لم يفعل ذلك مع توقف غرضه عليه كان ناقضا لغرضه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فوجب في حكمته تعالى و عنايته فعل الألطاف المقربة للمكلفين إلى فعل الطاعات المبعدة لهم عن المعاصي و هو المطلوب.

ثم إن هذه الألطاف تكون من فعله تعالى خاصة كإرسال الرسل و نصب الأئمة و إظهار المعجزات على أيدي الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، فيجب عليه فعل ذلك، و قد يكون من فعل المكلفين كأتباعهم الرسل و طاعتهم الأئمة و امتثالهم لأوامرهم، و الانتهاء عند نواهيهم فيجب عليه إعلامهم بذلك و إيجابه عليهم ليتم الامتثال و يحصل القول، و يستكمل الألطاف، و قد يكون من فعل غيرهما كقبول الرسل للرسالة، و تحمل الإمام للإمامة، و قيامهما بأعبائهما، فيجب عليه في ذلك الإيجاب على ذلك الغير و إثابته عليه، لأن تكليف شخص لنفع غيره من غير نفع له قبيح عقلا.

أقول: هذا هو اللطف الذي أوجبه أصحابنا، و يشكل الجزم بوجوب كل لطف

192

[الحديث 9]

9

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالا

إِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ قَالَ فَسُئِلَا(ع)هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ

[الحديث 10]

10

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

سُئِلَ عَنِ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ

____________

بالنسبة إلى كل مكلف، نعم لا بد من الألطاف التي لا يصح التكليف عقلا بدونها كالإعلام و الأقدار و التمكين و رفع الموانع التي ليس رفعها في وسع المكلف، و أما وجوب كل ما يقرب إلى الطاعة و يبعد عن المعصية فيشكل القول بوجوبها، بل الظاهر عدم تحقق كثير من الألطاف الغير المفضية إلى حد الإلجاء كابتلاء أكثر المرتكبين للمعاصي مقارنا لفعلهم ببلاء، و إيصال نفع عاجل بأكثر المطيعين، و تواتر الأنبياء و المرسلين و الحجج في كل أرض و صقع، و أيضا فحينئذ لا معنى للخذلان الذي يدل عليه كثير من الأخبار، إذ مع علمه تعالى بعدم نفع اللطف لا تأثير للخذلان في الفعل و الترك، و مع النفع يفوت اللطف، و نقض الغرض إنما يتحقق إذا كان الغرض فعل المكلف به، و لعل الغرض تعريضهم للثواب و العقاب، و ليس هذا مقام بسط الكلام في تلك المسائل، و إنما نشير إلى ما ظهر لنا من الأخبار في كل منها.

الحديث التاسع: مرسل كالصحيح.

قوله (عليه السلام): و الله أعز، أي إنما قدروا على الفعل لأن الله سبحانه خلى بينهم و بين إرادتهم، و لو أراد غيره حتما لصرفهم إذ هو سبحانه أعز من أن يريد أمرا حتما ثم لا يكون ذلك الأمر، و هذا الخبر أيضا يدل على أن القدرية المفوضة.

الحديث العاشر: ضعيف.

193

فَقَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا قَدَرَ وَ لَكِنْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَهُمَا فِيهَا الْحَقُّ الَّتِي بَيْنَهُمَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الْعَالِمُ أَوْ مَنْ عَلَّمَهَا إِيَّاهُ الْعَالِمُ

____________

قوله: التي بينهما، مبتدأ" لا يعلمها" خبره، أشار (عليه السلام) إلى دقة المنزلة بين المنزلتين و غموضها، كما يظهر لمن تأمل فيها، فإنها أصعب المسائل الدينية، و قد تحير فيها العلماء من كل فرقة، قال إمامهم الرازي: حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا فيها مختلفين أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع إليه فيها متعارضة متدافعة، فمعول الجبرية على أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، و معول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعله لما حسن المدح و الذم و الأمر و النهي، و هما مقدمتان بديهيتان.

ثم من الدلائل العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد، و اعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم و دواعيهم و هما متعارضان، و من الإلزامات الخطابية أن القدرة على الإيجاد كما لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان، فإن أفعال العباد يكون سفها و عبثا فلا يليق المتعالي عن النقصان، و أما الدلائل السمعية فالقرآن مملوء مما يوهم بالأمرين، و كذا الآثار و أن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين، و كذا الأوضاع و الحكايات متدافعة من الجانبين، حتى قيل: إن وضع النرد على الجبر و وضع الشطرنج على القدر، إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا لا يترجح الممكن إلا بمرجح [لا] يوجب انسداد باب إثبات الصانع.

و نحن نقول: الحق ما قال بعض أئمة الدين: أنه لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين، و ذلك لأن مبني المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته و اختياره، و المبادئ البعيدة على عجزه و اضطراره، فإن الإنسان مضطر في صورة مختار، كالقلم في يد الكاتب، و الوتد في شق الحائط، و في كلام بعض العقلاء: قال الحائط للوتد:

لم تشقني؟ قال: سل من يدقني" انتهى" و إنما أوردت كلامه لبيان حيرتهم و اعترافه بالأمر بين الأمرين، و إن لم يبين معناه على وجه يرفع الإشكال من البين.

194

[الحديث 11]

11

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ عِدَّةٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قَالَ لَهُ رَجُلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَفَوَّضَ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ- قَالَ فَقَالَ لَوْ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَحْصُرْهُمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَبَيْنَهُمَا مَنْزِلَةٌ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ أَوْسَعُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ

[الحديث 12]

12

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ غَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ بَعْضَهُمْ يَقُولُ بِالاسْتِطَاعَةِ قَالَ فَقَالَ لِي اكْتُبْ

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ وَ بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ

____________

الحديث الحادي عشر: مرسل كالصحيح.

و يظهر منه أن التفويض هو إهمال العباد و عدم توجه الأمر و النهي إليهم، و لذا قال بعضهم: التفويض غير معنى القدر و الجبر المقابل لكل منهما معنى آخر، و أقول: يحتمل أن يكون المراد لو كان أهملهم بعد الأمر و النهي و لم يوجه إليهم الألطاف و التوفيقات، لكان إهمالهم مطلقا أولى، و الحاصل أن أمرهم و نهيهم و إرسال الرسل إليهم دليل على أنه سبحانه متوجه إلى إصلاحهم، معتن بشأنهم ليوصلهم إلى ما يستحقونه من الدرجات، و إهمالهم حينئذ ينافي ذلك الغرض، فيكون قريبا من دليل اللطف المتقدم، و قيل: أي لم يحصرهم بسلطنته و ملكه و يلزم خروجهم باعتبار التفويض من سلطان الله تعالى، و لما كانت السلطنة علة للأمر و النهي فعبر عنها بهما مجازا تسمية للسبب باسم المسبب، و لا يخفى بعده، و قيل: أي التفويض مستلزم للعجز، و العاجز غير قابل للربوبية و الأمر و النهي، و هو قريب من الأول مضمونا و بعدا.

الحديث الثاني عشر: ضعيف على المشهور، و الاستطاعة تطلق على ثلاثة معان" الأول" القدرة الزائدة على ذات القادر" الثاني" آلة تحصل معها القدرة على الشيء

195

فَرَائِضِي وَ بِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً

مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ

وَ ذَلِكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وَ ذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ

وَ هُمْ يُسْئَلُونَ

قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُ

[الحديث 13]

13

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ وَ لَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ قُلْتُ وَ مَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ- فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ

[الحديث 14]

14

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ

____________

كالزاد و الراحلة و تخلية السرب و صحة البدن في الحج" الثالث" التفويض مقابل الجبر و هو المراد ههنا، و قوله: قد نظمت، كلام الرضا (عليه السلام) و يحتمل السجاد (عليه السلام) أيضا لكنه بعيد، و قد مر الكلام في الخبر في باب المشية و الإرادة.

الحديث الثالث عشر: مرسل و يدل على أن الأمر بين الأمرين هو مدخليته سبحانه في أعمال العباد بالتوفيق و الخذلان كما سيأتي.

الحديث الرابع عشر: صحيح.

قوله (عليه السلام): ما لا يطيقون، أي ما لا يكون الإتيان به مقدورا لهم، و يكونون مجبورين على خلافه كما تقوله الجبرية.

قوله: ما لا يريده، أي و لو بالعرض كما مر أو يريد خلافه.

فذلكة اعلم أن مسألة خلق الأعمال من أعظم المسائل الإسلامية و أصعبها و أهمها، و قد جرى بين الإمامية و المعتزلة و الأشاعرة في ذلك مناقشات طويلة و مباحثات كثيرة،

196

..........

____________

و قد صنع أكثرهم في ذلك رسائل مفردة، و الذي يتحصل من مذاهبهم أن أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور:

الأول: أن يكون حصولها بقدرة الله و إرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه و إرادته.

الثاني: أن يكون بقدرة العبد و إرادته من غير مدخل لقدرة الله تعالى و إرادته فيه، أي بلا واسطة، إذ لا ينكر عاقل أن الأقدار و التمكين مستندان إليه تعالى، إما ابتداء أو بواسطة.

الثالث: أن يكون حصولها بمجموع القدرتين، و ذلك بأن يكون المؤثر قدرة الله بواسطة قدرة العبد أو بالعكس، أو يكون المؤثر مجموعها من غير تخصيص إحداهما بالمؤثرية، و الأخرى بالآلية، و ذهب إلى كل من تلك الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشق الثالث طائفة.

أما الأول ففيه قولان:" الأول" مذهب الجبرية البحتة و هم جهم بن صفوان و أتباعه، حيث ذهبوا إلى أن الفعل من الله سبحانه بلا تأثير لإرادة العبد و قدرته فيه و لا كسب، بل لا فرق عندهم بين مشي زيد و حركة المرتعش، و لا بين الصاعد إلى السطح و الساقط منه،" و الثاني" مذهب أبي الحسن الأشعري و أتباعه فإنهم لما رأوا شناعة قول الجهمية فروا منه بما لا ينفعهم و قالوا: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد، و المراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، و قالوا: نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له،

197

..........

____________

فالقائم و الآكل و الشارب عندهم بمنزلة الأسود و الأبيض.

و الثاني و هو استقلال العبد في الفعل مذهب أكثر الإمامية و المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم، لكن أكثر المعتزلة قائلون بوجوب الفعل بعد إرادة العبد، و بعضهم قالوا: بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى، قال المحقق الطوسي ((قدس سره)): ذهب مشايخ المعتزلة و أبو الحسين البصري و إمام الحرمين من أهل السنة إلى أن العبد له قدرة قبل الفعل و إرادة بها تتم مؤثريته، فيصدر عنه الفعل، فيكون العبد مختارا إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل و الترك، و تبعا لداعيه الذي هو إرادته، و الفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكنا و بالقياس إليها مع الإرادة يصير واجبا، و قال المحمود الملاحمي و غيره من المعتزلة:

إن الفعل عند وجود القدرة و الإرادة يصير أولى بالوجود حذرا من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب، و ليس ذلك بشيء لأن مع حصول الأولوية إن جاز له الطرف الآخر لما كانت الأولوية بأولوية، و إن لم يجز فهو الواجب و إنما غيروا اللفظ دون المعنى" انتهى".

و اختلف في نسبة احتمالي الشق الثالث و تحقيقهما، ففي المواقف و شرحه: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، و قالت المعتزلة: بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار، و قالت طائفة بالقدرتين، ثم اختلفوا فقال الأستاد، يعني أبا إسحاق الإسفرائيني: بمجموع القدرتين، على أن تتعلقا جميعا بالفعل نفسه و جوز اجتماع المؤثرين على أثر واحد، و قال القاضي، يعني الباقلاني:

على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل و قدرة العبد بصفته أعني كونه طاعة و معصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا يوصف بها أفعاله تعالى كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله و تأثيره، و كونه طاعة على الأول و معصية على الثاني بقدرة العبد و تأثيره، و قالت الحكماء و إمام الحرمين: هي واقعة على سبيل

198

..........

____________

الوجوب و امتناع التخلف بقدرة يخلقها الله في العبد إذا قارنت حصول الشرائط و ارتفاع الموانع، و الضابط في هذا المقام أن المؤثر إما قدرة الله أو قدرة العبد على الانفراد كمذهبي الأشعري و جمهور المعتزلة، أو هما معا و ذلك إما مع اتحاد المتعلقين كمذهب الأستاد منا و النجار من المعتزلة، أو دونه و حينئذ فإما مع كون إحداهما متعلقة للأخرى، و لا شبهة في أنه ليس قدرة الله متعلقة لقدرة العبد، إذ يستحيل تأثير الحادث في القديم، فتعين العكس و هو أن تكون قدرة العبد صادرة عن قدرة الله و موجبة للفعل، و هو قول الإمام و الفلاسفة، و إما بدون ذلك و هو مذهب القاضي لأن المفروض عدم اتحاد المتعلقين" انتهى". و اعترض عليه المولى جمال الدين محمود و غيره: بأن جعل المذهب المنسوب إلى الإمام و الفلاسفة كون المؤثر مجموع القدرتين دون مذهب المعتزلة تحكم بحت إذ لا فرق بين هذين المذهبين في أن المؤثر الحقيقي في الفعل هو قدرة العبد، و تلك القدرة الحادثة مخلوقة للقدرة القديمة الإلهية، ثم قال: الصواب في الضبط أن يقال المؤثر إما قدرة الله تعالى وحدها و هو مذهب الشيخ الأشعري، و إما قدرة العبد وحدها و هو مذهب جمهور المعتزلة و الإمام و الفلاسفة، و إما هما معا أما مع اتحاد المتعلقين و هو مذهب الأستاد، أو بدون ذلك بأن تتعلق القدرة القديمة بنفس الفعل و الحادثة بصفته، و هو مذهب القاضي" انتهى".

ثم اعلم أن هذا المذهب الذي نسبوا إلى الحكماء من أن العلة القريبة للفعل الاختياري إنما هو العبد و قدرته، لكن قدرته مخلوقة لله و إرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى قول بعضهم، و قال جم غفير منهم: لا مؤثر في الوجود إلا الله، و موجد أفعال العباد هو الله سبحانه، و قالوا: إن الفعل كما يسند إلى الفاعل كإسناد البناء إلى البناء قد يسند إلى الشرط كإسناد الإضاءة إلى الشمس و السراج مثلا فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعية كالحركات الطبيعية و القسرية و الأفعال

199

..........

____________

الاختيارية للإنسان و غيره بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكية و العقول المجردة بناء على القول بوجودهما، فكل من هذه الأمور لا سيما إرادة النفوس الحيوانية و الإنسانية و الفلكية بل العقول مع عدم المانع شرط و واسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود، و إسنادها إلى تلك المبادئ من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط و الوسائط، لا إلى الفاعل و الموجد، و هذا قريب من مذهب الأشاعرة.

إذا عرفت هذه المذاهب فاعلم أن تأثير قدرة العبد و إرادته في الأفعال الاختيارية من أجلى البديهيات و سخافة مذاهب الأشاعرة و من يحذو حذوهم لا يحتاج إلى بيان و بطون الأوراق و الصحف و الزبر من علمائنا و المخالفين مشحونة بذلك.

قال العلامة الحلي (قدس الله روحه): الإمامية قسموا الأفعال إلى ما يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا بحركتنا الاختيارية الصادرة عنا، كالحركة يمنة و يسرة، و إلى ما لا يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا كالآثار التي فعلها الله تعالى من الألوان و حركة النمو و التغذية و النبض و غير ذلك، و هو مذهب الحكماء، و الحق أنا نعلم بالضرورة أنا فاعلون، يدل عليه العقل و النقل، أما العقل فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركتنا الاختيارية و الاضطرارية و حركة الجماد و نعلم بالضرورة قدرتنا على الحركة الأولى كحركتنا يمنة و يسرة، و عجزنا عن الثانية كحركتنا إلى السماء و حركة الواقع من شاهق، و انتفاء قدرة الجماد، و من أسند الأفعال إلى الله تعالى ينفي الفرق بينهما، و يحكم بنفي ما قضت الضرورة بثبوته، و قال أبو الهزيل العلاف:- و نعم ما قال- حمار بشر أعقل من بشر، فإن حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير و ضربته للعبور فإنه يظفر، و لو أتيت به إلى جدول كبير و ضربته فإنه لا يظفر و يروع عنه، لأنه فرق بين ما يقدر عليه و بين ما لا يقدر عليه و بشر لا يفرق بين المقدور له و غير المقدور له" انتهى".

و إذا كان الحكم بذلك ضروريا فالشبه الموردة في مقابلة ذلك لا يصغي إليها

200

..........

____________

و إن كانت قوية، و كثير من أحوال الإنسان و أموره إذا أمعن النظر فيها يصل إلى حد يتحير العقل فيها، كحقيقة النفس و كيفية الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه، لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك، و ينتهي التفكر فيها إلى حد التحير و ليس ذلك سببا لأن ينفي وجودهما و تحققهما فيه، و لا نطيل الكلام بإيراد الدلائل و دفع الشبهات، فإن هذا الكتاب ليس محل إيرادها، و إنما نومئ إلى بعض مسائل الكلامية إجمالا لتوقف فهم الأخبار التي نحن بصدد شرحها عليه.

ثم اعلم أن الحق أن المعتزلة أيضا خرجوا من الحق للإفراط من الجانب الآخر، فإنهم يذهبون إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلا، سوى خلق الآلات و التمكين و الأقدار حتى أن بعض المعتزلة قالوا: إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد، و بعضهم قالوا: لا يقدر على مثله أيضا، فهم عزلوا الله عن سلطانه، و كأنهم أخرجوا الله من ملكه و أشركوا من حيث لا يعلمون، و الأخبار الواردة ينفي مذهب هؤلاء و ذمهم أكثر من الأخبار الدالة على ذم الجبرية و نفي مذهبهم، و في أكثر الأخبار أطلقت القدرية عليهم كما عرفت، و أطلقوا عليهم المفوضة، فهم (عليه السلام) نفوا و أبطلوا الجبر و التفويض معا، و أثبتوا الأمر بين الأمرين و هو أمر غامض دقيق و للناس في تحقيق ذلك مسالك:

الأول: ما ذكره الشيخ الأجل المفيد طيب الله رمسه حيث قال في تحقيق الأمر بين الأمرين: الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقسر و الغلبة، و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن تكون له قدرة على دفعه، و الامتناع من وجوده فيه، و قد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف و الإلجاء أنه جبر، و الأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسبما قدمناه، و إذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه، كان مذهب أصحاب المخلوق هو بعينه لأنهم يزعمون الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون