مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
201

..........

____________

للعبد قدرة على ضدها، و الامتناع منها، و خلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم على التحقيق، و التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود في ذلك و رسم لهم الرسوم، و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف، و الوعد و الوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، و لم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، و وضع الحدود لهم فيها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض" انتهى" و أقول هذا معنى حق لكن تنزيل الأخبار عليه لا يخلو من بعد.

الثاني: ما ذكره بعض السالكين مسلك الفلاسفة حيث قال: فعل العبد واقع بمجموع القدرتين و الإرادتين، و التأثيرين من العبد و من الرب سبحانه، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا مدخل لقدرة الله فيه أصلا، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه و إن كان قادرا على طاعة العاصي جبرا، لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة، و هذا أيضا نحو من التفويض، و قول بالقدر و بطلانه ظاهر، كيف و لقدرة خالق العبد و موجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة كما يحكم به الحدس الصائب، و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمل أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا بحيث لا فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية و هم الجهمية، و قال: هذا معنى الأمر بين الأمرين، و معنى قول الحكماء الإلهيين: لا مؤثر في الوجود إلا الله، فمعناه أنه لا يوجد شيء إلا بإيجاده تعالى و تأثيره في وجوده، بأن يكون فاعلا قريبا له،

202

..........

____________

سواء كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه كما في أفعاله سبحانه كخلق زيد مثلا، أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلا، فجميع الكائنات حتى أفعال العباد بمشيته تعالى و إرادته و قدره، أي تعلق إرادته و قضاؤه، أي إيجاده و تأثيره في وجوده، و لما كانت مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله بل تأثير كل واحد من الأمور المذكورة آنفا في أفعاله جزءا أخيرا للعلة التامة لأفعاله، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عن الله تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله تعالى و إرادته و قدره، بل لا يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، و لا يتعلق جعله و تأثيره في وجود ذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من إقدار العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته، إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و لا يعلم تلك المصلحة إلا الله تعالى و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما من الله تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، و نهيه عن أكل غذاء الضار، و ذلك ليس بأمر و نهي حقيقة، بل إعلام بما هو نافع و ضار له، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب، لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيته تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل القبيح بإرادته المؤثرة، و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب،

203

..........

____________

و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج البينة اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى، لأن مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات، و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه، لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته، فإنه من أطاعه و بريء من المرض يقال له:

عالجه الطبيب و صيره صحيحا، و من خالفه و هلك يقال له: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب، فظهر إسناد الحسنات إلى الله تعالى و إسناد السيئات إلى العبد، فهذا معنى الأمر بين الأمرين و ينطبق عليه الآيات و الأخبار من غير تكلف" انتهى" و هذا المحقق و إن بالغ في التدقيق و التوفيق بين الأدلة لكن يشكل القول بتأثيره سبحانه في القبائح و المعاصي مع مفاسد أخر ترد عليه، ذكرها يفضي إلى الإطناب.

الثالث: ما ذكره أيضا أكثر السالكين مسلك الفلاسفة و نسب إلى المحقق الطوسي أيضا حيث قالوا: قد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته و زمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، و قد ثبت أن الله تعالى قادر على جميع الممكنات و لم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته و علمه و قدرته و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة و إلا لم يصلح لمبدئية الكل، فالهداية و الضلال و الإيمان و الكفر و الخير و الشر و النفع و الضرر و سائر المتقابلات كلها منتهية إلى قدرته و تأثيره و علمه و إرادته و مشيته بالذات أو بالعرض، و أفعالنا كسائر الموجودات و أفاعيلها بقضائه و قدره و هي واجبة الصدور بذلك منا، و لكن بتوسط أسباب و علل من إدراكنا و إرادتنا و حركاتنا و سكناتنا و غير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا، و تدبيرنا الخارجة عن قدرتنا و تأثيرنا، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب و الشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر و المقضي المقدر، و عند تخلف شيء

204

..........

____________

منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع، و يكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية.

و لما كان من جملة الأسباب و خصوصا القريبة منها إرادتنا و تفكرنا و تخيلنا و بالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل و الترك فالفعل اختياري لنا فإن الله أعطانا القوة و القدرة و الاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا، مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه و اضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف و أنه ما وجب إلا باختياره و لا شك أن القدرة و الاختيار كسائر الأسباب من الإدراك و العلم و الإرادة و التفكر و التخيل و قواها و آلاتها كلها بفعل الله تعالى لا بفعلنا و اختيارنا، و إلا لتسلسلت القدر و الإرادات إلى غير النهاية، و ذلك لأنا و إن كنا بحيث إن شئنا فعلنا، و إن لم نشأ لم نفعل، لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا، و إن لم نشأ لم نشأ، بل إذا شئنا فلم تتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا، إذ لو كانت إلينا أ إلى مشية أخرى سابقه، و تسلسل الأمر إلى غير النهاية، و مع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول: مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا تشذ عنها مشية لا يخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا، و الثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة، و الأول هو المطلوب، فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال الله عز و جل:" وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ*" فإذا نحن في مشيتنا مضطرون و إنما تحدث المشية عقيب الداعي، و هو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا أو تخيليا أو علميا، فإذا أدركنا شيئا فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق إلى جذبه أو دفعه، و تأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة، و إذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات و غيرها،

205

..........

____________

فيحصل الفعل فإذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية، و إذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية و المشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض، و ليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقق سابقه، فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل، و لا انصراف القدرة عن المقدور بعدها، و فنحن مضطرون في الجميع، و نحن في عين الاختيار مجبورون على الاختيار" انتهى".

و الظاهر أن هذا عين الجبر، و ليس من الأمر بين الأمرين في شيء، و احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى ممنوع، و تفصيل الكلام في ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمات و إيراد إشكالات و أجوبة تفضي إلى التطويل، مع أن أمثال هذه شبه في مقابلة البديهة و لا وقع بمثلها.

و مثل هذا التوجيه ما قيل: أنه لا دخل لإرادة العبد في الإيجاب، بل هي من الشروط التي بها يصير المبدأ بإرادته موجبا تاما مستجمعا لشرائط التأثير، و هذا القدر كاف لوقوع فعل العبد بإرادته، و كونه مستندا إليها و عملا له.

و ما قيل: أن لإرادة العبد مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، بل بأنه أراد وقوع مراد العبد و أوجبه على أنه مراده، فلها مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، و بهذه المدخلية ينسب الفعل إلى العبد و يكون عملا له، فهذان الوجهان و أضرابها مما تركنا ذكرها حذرا من الإطالة مشتركة في عدم رفع المفاسد، و عدم إيصال طالب الحق إلى المقاصد.

الرابع: ما ذكره الفاضل الأسترآبادي (رحمه الله) تعالى حيث قال: معنى الأمر بين الأمرين أنهم ليسوا بحيث ما شاءوا صنعوا بل فعلهم معلق على إرادة حادثة متعلقة

206

..........

____________

بالتخلية أو بالصرف، و في كثير من الأحاديث أن تأثير السحر موقوف على أذنه تعالى و كان السر في ذلك أنه لا يكون شيء من طاعة أو معصية أو غيرهما كالأفعال الطبيعية إلا بإذن جديد منه تعالى، فتوقف حينئذ كل حادث على الإذن توقف المعلول على شروطه، لا توقفه على سببه.

أقول: و هذا معنى يشبه الحق و سنشير إليه.

الخامس: أن يكون الجبر المنفي ما ذهب إليه الأشعري و الجهمية، و التفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل، بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه كما ينسب إلى بعض المعتزلة، و الأمر بينهما هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون.

السادس: أن يقال: الأمر بين الأمرين هو أن الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد، و الأسباب البعيدة كالآلات و الأدوات و الجوارح و الأعضاء و القوي بقدرة الله سبحانه، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين.

و فيه: أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يحتاج إلى نفيه.

السابع: أن المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال التكليفية، و بعضها بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة و أشباهها.

و يرد عليه ما أوردنا على الوجه السابق.

الثامن: أن التفويض المنفي هو تفويض الخلق و الرزق و تدبير العالم إلى العباد كقول الغلاة في الأئمة (عليه السلام)، و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فقلت: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين فما معناه؟ فقال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، و من

207

..........

____________

زعم أن الله عز و جل فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، و ترك ما نهوا عنه، فقلت له: فهل لله عز و جل مشية و إرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها، و المعاونة عليها، و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط لها و الخذلان عليها، قلت: فلله عز و جل فيها القضاء؟ قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلا و لله فيه قضاء، قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة.

التاسع: ما ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين (عليهم السلام)، و هو أن الجبر المنفي قول الأشاعرة و الجبرية كما عرفت، و التفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أعمالهم و فوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم، و ليس لله سبحانه في أعمالهم صنع.

و أما الأمر بين الأمرين فهو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل أو الترك، و هذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، و هو مثل أن يأمر السيد عبده بشيء يقدر على فعله و فهمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه قدرا من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن لوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا ينسب عندهم إلى الظلم، و لا يقول عاقل أنه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه، و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه و يحذره على الترك، ثم فعل ذلك الفعل بقدرته و اختياره فلا

208

..........

____________

يقول عاقل أنه جبره على الفعل، و أما فعل ذلك بالنسبة إلى قوم و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم أو إلى شيء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه، بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثم عذبهم عليها، كما يلزم الأولين، و لا عزله تعالى من ملكه و استقلال العباد، بحيث لا مدخل لله في أفعالهم، فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين.

و يدل على هذا الوجه أخبار كثيرة كالخبر الأول لا سيما مع التتمة التي في الاحتجاج، و الخبر الثامن و الثالث عشر من هذا الباب، بل أكثر أبواب هذا الباب، و الأبواب السابقة و اللاحقة، و به يمكن رفع التنافي بينها كما أومأنا إليه في بعضها، و قد روي في الاحتجاج و تحف العقول فيما أجاب به أبو الحسن العسكري (عليه السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز حيث قال (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين، قيل: فما ذا يا بن رسول الله؟ قال: صحة العقل و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه و أنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته و تحقيق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق.

ثم قال (عليه السلام): فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله:

" وَ لٰا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً" و قوله جل ذكره:" ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ" مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد

209

..........

____________

أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته له، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة.

و المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن، و لا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أ ليس يجب أن لا يعاقبه و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا.

ثم قال (عليه السلام) بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) و خطىء من دان به فهو قول القائل: إن الله فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و في هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة آل الرسول (صلى الله عليه و آله) فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به من الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذ كان الإهمال واقعا، فتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبه فقد لزم الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي ففوض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي على إرادته، فجعل الاختيار إليهم في

210

..........

____________

الكفر و الإيمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره، و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أو أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيها الحاجة له، فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال العبد:

اتكلت على تفويضك الأمر إلى فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محصور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحصير.

ثم قال (عليه السلام): من زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر و أبطل أمر الله تعالى و نهيه، ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي و قبل منهم اتباع أمره و رضي بذلك منهم، و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل و منه النصفة و الحكومة، بالغ الحجة بالأعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت و أبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه و آله) لما قالوا: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" يعنونهما بذلك.

فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)

211

..........

____________

تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له: قل يا عباية! قال: و ما أقول؟

قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك، قال:

و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أ ما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟ فقال الرجل: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه، إلى آخر الخبر بطوله.

و أقول أكثر أجزاء هذا الخبر يدل على ما ذكرنا في الوجه التاسع، و أما ما ذكر في معنى التفويض، فيحتمل أن يكون راجعا إلى الوجه الأول، لكن الظاهر أن غرضه (عليه السلام) من نفي التفويض نفي ما ذكره المخالفون من تفويض اختيار الإمام (عليه السلام) و نصبه إلى الأمة و تفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم، و قياساتهم و استحساناتهم، و لهذا أجمل (عليه السلام) في الكلام، و قال في هذا كلام دقيق، و بين ذلك أخيرا بذكر قريش و اصطفائهم فلا تغفل.

فيمكن أن يعد هذا وجها عاشرا لنفي الجبر و التفويض، و إثبات الواسطة.

و يؤيد ما ذكرنا أيضا ما رواه الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتاب كنز الفوائد إن الحسن البصري كتب إلى الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام): من الحسن البصري إلى الحسن بن رسول الله أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، مصابيح الدجى و أعلام الهدى، و الأئمة القادة، الذين من تبعهم نجا و السفينة التي يؤول إليها المؤمنون، و ينجو فيها المتمسكون، قد كثر يا بن رسول الله عندنا الكلام في القدر، و اختلافنا في الاستطاعة، فعلمنا ما الذي عليه رأيك و رأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض، من علم الله علمتم، و هو الشاهد عليكم، و أنتم الشهداء

212

..........

____________

على الناس و السلام؟ فأجابه (صلوات الله عليه) من الحسن بن علي إلى الحسن البصري:

أما بعد فقد انتهى إلى كتابك عند حيرتك و حيرة من زعمت من أمتنا و كيف ترجعون إلينا و أنتم معنا بالقول دون العمل، و اعلم أنه لو لا ما تناهى إلى من حيرتك و حيرة الأمة من قبلك لأمسكت عن الجواب، و لكني الناصح ابن الناصح الأمين، و الذي أنا عليه أنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره فقد كفر، و من حمل المعاصي على الله فقد فجر، إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه، و لا يعص بغلبة، و لا أهمل العباد من الملكة و لكنه عز و جل المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله عز و جل لهم صادا، و لا عنها مانعا، و إن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن عليهم فيحول بينهم و بينها فعل، و إن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجبارا و لا ألزمهم بها إكراها، بل احتجاجه عز ذكره عليهم أن عرفهم و جعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه، و ترك ما نهاهم عنه، و لله الحجة البالغة و السلام.

و في تحف العقول هكذا: أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره أن الله يعلمه فقد كفر، إلى قوله (عليه السلام): و إن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا و لا ألزموها كرها، بل من عليهم بأن بصرهم و عرفهم و حذرهم و أمرهم و نهاهم لا جبلا لهم على ما أمرهم به، فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم، و لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين و السلام على من اتبع الهدى.

و أقول: قال السيد بن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرائف: روى جماعة من علماء الإسلام عن نبيهم (صلى الله عليه و آله) أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: و من القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر عليهم المعاصي و عذبهم عليها.

و روى صاحب الفائق و غيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: إن رجلا قدم على النبي (صلى الله عليه و آله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ قال: رأيت قوما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم

213

بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ أَنْ يَكُونَ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ- لَهُ سَبَبٌ وَارِدٌ مِنَ اللَّهِ- قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَسِّرْ لِي هَذَا قَالَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ- يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ فَلَا يَجِدُ امْرَأَةً ثُمَّ يَجِدُهَا

____________

تفعلون؟ قالوا: قضاء الله علينا و قدره، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): ستكون من أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي.

و روى صاحب الفائق و غيره عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي و يقولون إن الله قد قدرها عليهم، الراد عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله.

أقول: الأخبار الواردة في ذلك أوردناها في كتابنا الكبير، و إنما أوردنا هنا بعضها تأييدا لما ذكرنا في شرح الأخبار، إذ المصنف (ره) إنما اقتصر على الأخبار الموهمة للجبر، و لم يذكر مما يعارضها إلا قليلا و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

باب الاستطاعة الحديث الأول: ضعيف.

قوله (عليه السلام): أن يكون مخلى السرب، و السرب بالفتح و الكسر: الطريق و الوجهة، و بالكسر البال و القلب و النفس، أي مخلى الطريق مفتوحة، و هو كناية عن رفع الموانع و الزواجر كزجر السلطان و أمثاله" صحيح الجسم" أي من الأمراض المانعة عن الفعل" سليم الجوارح" التي هي آلات الفعل" له سبب وارد من الله" من عصمته أو التخلية بينه و بين إرادته" فسر لي هذا" أي السبب الوارد ففسره (عليه السلام)

214

فَإِمَّا أَنْ يَعْصِمَ نَفْسَهُ فَيَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ يُوسُفُ(ع)أَوْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ إِرَادَتِهِ فَيَزْنِيَ فَيُسَمَّى زَانِياً وَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ يَعْصِهِ بِغَلَبَةٍ

____________

بالعصمة و التخلية، فيكون ذكر وجدان المرأة استطرادا" و لم يطع الله بإكراه" بل بإرادته و عصمة الله من أسباب إرادته" و لم يعصه بغلبة" منه، بل بإرادته مع تخلية الله بينه و بين إرادته، فلو لم يخل الله بينه و بين اختياره، و أراد منعه لم يمكنه الفعل فلم يكن الله في ذلك مغلوبا منه.

و يحتمل أن يكون المراد بتخلية السرب أن يكون مخلى بالطبع، فارغ البال غير مشغول الخاطر بما يصرفه عن الفعل، و بصحة الجسم أن لا يكون له مرض لا يقدر معه على الفعل، و بسلامة الجوارح أن لا يكون في الجارحة التي يحتاج إليها في الفعل آفة، كقطع الذكر في مثل الزنا، و بالسبب إذنه تعالى أي رفع الموانع، فقوله: فلا يجد امرأة، مثال لتخلف السبب عن الثلاث و قوله: ثم يجدها، بيان لوجوده، فقوله إما أن يعصم نفسه، أي يعصم المكلف نفسه لكن في المقابلة بينه و بين أن يخلي تكلف.

و فيما أجاب به أبو الحسن الثالث (عليه السلام) قال الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين المنزلتين، و هي صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد مثل الراحلة و السبب المهيج للفاعل على فعله، ثم فسر (عليه السلام) صحة الخلقة بكمال الخلق للإنسان بكمال الحواس و ثبات العقل و التميز و إطلاق اللسان بالنطق قال: و أما تخلية السرب فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه، و يمنعه العمل مما أمر الله به، و أما المهلة في الوقت و هو العمر الذي يمتع به الإنسان من حد ما يجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، و ذلك من وقت تميزه و بلوغ الحلم، إلى أن يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحق فلم يدرك كماله فهو على خير، و أما الزاد فمعناه البلغة و الجدة التي يستعين بها العبد على ما أمره الله به، و الراحلة للحج و الجهاد و أشباه ذلك، و السبب المهيج هو النية التي هي داعية الإنسان إلى جميع الأفعال

215

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعاً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ

____________

و حاستها القلب، فمن فعل فعلا و كان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملا إلا بصدق النية، إلى آخر الخبر الطويل الذي أوردته في الكتاب الكبير و فيه فوائد جمة.

الحديث الثاني: مرسل.

و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاستطاعة و القدرة هل هما في العبد قبل الفعل أو معه؟ فذهبت الإمامية و المعتزلة إلى الأول و الأشاعرة إلى الثاني، و استدل كل من الفريقين على مذهبهم بدلائل ليس هذا موضع ذكرها، و الحق أن ما ذهب إليه الإمامية ضرورية إذ القطع حاصل بقدرة القاعد في وقت قعوده على القيام، و القائم في حال قيامه على القعود بالوجدان، و يدل عليه أخبار كثيرة:

منها ما رواه الصدوق عن عوف بن عبد الله عن عمه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة؟ فقال: و قد فعلوا، فقلت: نعم زعموا أنها لا تكون إلا عند الفعل، واردة في حال الفعل لا قبله، فقال: أشرك القوم.

و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: لا يكون العبد فاعلا إلا و هو مستطيع، و قد يكون مستطيعا غير فاعل، و لا يكون فاعلا أبدا حتى يكون معه الاستطاعة.

و في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كلف الله العباد كلفة فعل، و لا نهاهم عن شيء حتى جعل لهم الاستطاعة، ثم أمرهم و نهاهم فلا يكون العبد آخذا و لا تاركا إلا باستطاعة متقدمة قبل الأمر و النهي، و قبل الأخذ و الترك و قبل القبض و البسط.

و في الصحيح أيضا عن هشام عنه (عليه السلام) قال: لا يكون من العبد قبض و لا بسط إلا باستطاعة متقدمة للقبض و البسط.

216

..........

____________

و في الصحيح أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول و عنده قوم يتناظرون في الأفاعيل و الحركات، فقال: الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر الله عز و جل بقبض و لا بسط إلا و العبد لذلك مستطيع، و الأخبار في ذلك كثيرة.

و الأشاعرة إنما قالوا بعدم القدرة قبل الفعل و كونها مع الفعل لأنهم يقولون بعدم تأثير قدرة العبد و إرادته في الفعل أصلا.

إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الخبر ظاهرا موافق لمذهب الأشاعرة، و مخالف لمذهب الإمامية، و الأخبار الصحيحة السالفة تنفيه، و يمكن تأويله بوجوه:

الأول: حمله على التقية إذ أكثر المخالفين يرون رأي الأشعري و يتبعونه في أصول مذهبهم، و يؤيده أن ما ذكر فيه من الدليل على نفي الاستطاعة من عمدة دلائل الأشاعرة على نفي اختيار العبد حيث قالوا: القدرة على الأثر بمعنى التمكن على فعله و تركه، إما حال وجود الأثر و حينئذ يجب وجوده، فلا يتمكن من الترك و إما حال عدمه فيجب عدمه فلا يتمكن من الفعل، و أجيب بأنا نختار أنها حال عدم الأثر لكنها عبارة عن التمكن من الفعل في ثاني الحال، فلا ينافيه العدم في الحال، بل يجتمع معه.

الثاني: أن يقال المراد بالاستطاعة في الخبر الاستعداد التام الذي لا يكون إلا مع الأثر و المراد بآلة الاستطاعة جميع ما يتوقف عليه الأثر فعلا كان أو تركا، فاستطاعة الفعل لا يكون إلا مع الفعل، و استطاعة الترك لا يكون إلا مع الترك، و بعبارة أخرى: المراد بالاستطاعة الاستقلال بالفعل، بحيث لا يمكن أن يمنعه مانع عنه، و لا يكون هذا إلا في حال الفعل إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله الله تعالى عن الفعل بصرفه عنه، أو إعدامه أو إعدام الآلة، و الحاصل أن استطاعة الشيء التمكن منه و انقياد حصول ذلك الشيء له، و استطاعة أحد الطرفين لا يستلزم استطاعة الآخر بخلاف القدرة، فإن القدرة على أحد الطرفين تلزمه القدرة على الآخر، و القدرة

217

الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ مَا لَمْ يُكَوَّنْ قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ عَمَّا قَدْ كُوِّنَ قَالَ لَا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَمَتَى أَنْتَ مُسْتَطِيعٌ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقاً فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ

____________

على الفعل تسبقه بمراتب بخلاف الاستطاعة، قال إمامهم الرازي في الجمع بين رأيي الأشاعرة و المعتزلة في تلك المسألة: القدرة قد تطلق على القوة العضلية التي هي مبدء الآثار المختلفة في الحيوان بحيث متى انضم إليها إرادة كل واحد من الضدين حصل دون الآخر، و لا شك في أن نسبتها إلى الضدين على السواء، و قد تطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير، و لا شك في امتناع تعلقها بالضدين و إلا اجتمعا في الوجود، بل هي بالنسبة إلى كل مقدور غيرها بالنسبة إلى مقدور آخر لاختلاف الشرائط بحسب مقدور مقدور، فلعل الأشعري أراد بالقدرة المعنى الثاني، فحكم بأنها لا تتعلق بالضدين، و لا هي قبل الفعل، و المعتزلة أرادوا بها المعنى الأول فذهبوا إلى أنها تتعلق بالضدين و أنها قبل الفعل" انتهى" و هذا الكلام متين لكنه لا يصلح جامعا بين القولين، لأن الأشعري لا يقول بتأثير قدرة العبد و إرادته، و لذا قال بمقارنتها للفعل.

الثالث: أن يكون المعنى أن في حال الفعل تظهر الاستطاعة، و يعلم أنه كان مستطيعا قبله، بأن أذن الله له في الفعل، كما ورد أن بعد القضاء لا بداء.

قوله (عليه السلام): أن تعمل ما لم يكون، أي بعد حصول الترك في زمان الترك لا تستطيع الفعل، بل تستطيع الترك، و تمت علته و حصل، فلا تستطيع الفعل حينئذ، إذ لم يحصل منك و لا من الله ما يتوقف عليه حصول الفعل قبله، فصار الترك حينئذ واجبا بعلله التي منها إرادة العبد الترك.

قوله (عليه السلام): أن تنتهي عما قد كون، أي بعد وجود الفعل و وجوبه بعلله التي منها إرادته كيف يستطيع الترك، فالقدرة على الفعل و الترك قبلهما و استطاعتهما أي وجوبهما و لزومهما في وقتهما كما مر في الوجه الثاني" فجعل فيهم آلة الاستطاعة"

218

ثُمَّ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِمْ فَهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِلْفِعْلِ وَقْتَ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ الْفِعْلَ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوهُ فِي مُلْكِهِ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا لَمْ يَفْعَلُوهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُضَادَّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ قَالَ الْبَصْرِيُّ فَالنَّاسُ مَجْبُورُونَ قَالَ لَوْ كَانُوا مَجْبُورِينَ كَانُوا مَعْذُورِينَ قَالَ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَا قَالَ فَمَا هُمْ قَالَ عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلُوهُ كَانُوا مَعَ الْفِعْلِ مُسْتَطِيعِينَ- قَالَ الْبَصْرِيُّ أَشْهَدُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَ أَنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ الرِّسَالَةِ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ صَالِحٍ النِّيلِيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ لِلْعِبَادِ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ شَيْءٌ قَالَ فَقَالَ لِي إِذَا فَعَلُوا الْفِعْلَ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ بِالاسْتِطَاعَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِيهِمْ قَالَ قُلْتُ وَ مَا هِيَ قَالَ

____________

أي ما يتوقف عليه حصولها من تخلية السرب و صحة الجسم و سلامة الجوارح و نحو ذلك على حسب الأعمال المستطاع لها" ثم لم يفوض إليهم" بحيث يكونون مستقلين لا يمكنه صرفهم عنه، أو بحيث لا يكون له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان، أو المراد بالتفويض عدم الحصر بالأمر و النهي" لم يكونوا مستطيعين" أي بالاستقلال بحيث لا مدخل لتوفيق الله و خذلانه فيه، أو لم يحصل لهم العلة التامة للفعل و إن كان باختيارهم، و يمكن حمله على ما إذا كان الترك لعدم الآلات و للموانع الصارفة من قبل الله تعالى، و على هذا ينطبق التعليل غاية الانطباق، إذ استقلال العبد على هذا الوجه بحيث لا يتوقف فعله على شيء من قبل الله تعالى، و عدم قدرته سبحانه على صرفه عنه، قول بوجود أضداد له تعالى في ملكه، و على الأول أيضا ظاهر، و على الثاني يحتاج إلى تكلف، و ربما يقال: التعليل لعدم التفويض، و لا يخفى بعده" فجعل فيهم آلة الفعل" أي قدرتهم و إرادتهم و قواهم و جوارحهم التي هي من أسباب وجود ذلك الفعل.

الحديث الثالث: ضعيف، و الكلام في صدر الخبر ما مر في الخبر السابق.

219

الْآلَةُ مِثْلُ الزَّانِي إِذَا زَنَى كَانَ مُسْتَطِيعاً لِلزِّنَا حِينَ زَنَى وَ لَوْ أَنَّهُ تَرَكَ الزِّنَا وَ لَمْ يَزْنِ كَانَ مُسْتَطِيعاً لِتَرْكِهِ إِذَا تَرَكَ قَالَ ثُمَّ قَالَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ قَلِيلٌ وَ لَا كَثِيرٌ وَ لَكِنْ مَعَ الْفِعْلِ وَ التَّرْكِ كَانَ مُسْتَطِيعاً قُلْتُ فَعَلَى مَا ذَا يُعَذِّبُهُ قَالَ بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ وَ الْآلَةِ الَّتِي رَكَّبَ فِيهِمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُجْبِرْ أَحَداً عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ لَا أَرَادَ إِرَادَةَ حَتْمٍ الْكُفْرَ مِنْ أَحَدٍ وَ لَكِنْ حِينَ كَفَرَ كَانَ فِي إِرَادَةِ اللَّهِ أَنْ يَكْفُرَ وَ هُمْ فِي إِرَادَةِ اللَّهِ وَ فِي عِلْمِهِ أَنْ لَا يَصِيرُوا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ قُلْتُ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا قَالَ لَيْسَ هَكَذَا أَقُولُ وَ لَكِنِّي أَقُولُ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَكْفُرُونَ فَأَرَادَ الْكُفْرَ لِعِلْمِهِ فِيهِمْ وَ لَيْسَتْ هِيَ إِرَادَةَ حَتْمٍ إِنَّمَا هِيَ إِرَادَةُ اخْتِيَارٍ

____________

قوله (عليه السلام): مثل الزنا، هذا مثال لقوله: إذا فعلوا الفعل، و ليس مثالا لتفسير الاستطاعة، و لما توهم السائل من قوله (عليه السلام): كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم، و من أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله الجبر قال: فعلى ما يعذبه؟ أي الزاني و المراد بالحجة البالغة أوامر الله تعالى و نواهيه و إرسال الرسل و إنزال الكتب و نصب الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) لإعلام الناس بالأفعال النافعة و الضارة، و المراد بالآلة التي ركب فيهم القدرة و الإرادة المؤثرتين اللتين خلقهما الله تعالى في العباد.

قوله: كان في إرادة الله أن يكفر، أي إرادة بالعرض لأنه لما أراد أن يعطي العبد إرادة و اختيارا و يخليه و اختياره و هو أراد المعصية فهو سبحانه أراد ما صار سببا لكفره إرادة بالعرض أو يقال إرادته سبحانه علة بعيدة للكفر، أو يقال: لما خيره و خلاه مع علمه بأنه يكفر بإرادته فكأنه أراد كفره مجازا كما مر تفصيله.

قوله (عليه السلام): أن لا يصيروا إلى شيء من الخير، أي باختيارهم و إرادتهم المؤثرة و لما توهم السائل من قوله (عليه السلام): إنه تعالى شاء منهم أن يكفروا، أي جبرهم عليه أو ذلك مقصوده منهم، أجاب (عليه السلام) بأن ليس مرادي ذلك، بل مرادي أن الله أراد بحسب مصلحة التكليف أن يكلهم إلى اختيارهم و إرادتهم، و علم أن إرادتهم يتعلق

220

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ حُمْرَانَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَمْ يُجِبْنِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ دَخْلَةً أُخْرَى فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهَا شَيْءٌ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا شَيْءٌ أَسْمَعُهُ مِنْكَ قَالَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا كَانَ فِي قَلْبِكَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ الْعِبَادَ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ وَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ وَ أَنَّهُمْ لَا يَصْنَعُونَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَ مَشِيئَتِهِ وَ قَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ قَالَ فَقَالَ هَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَ آبَائِي أَوْ كَمَا قَالَ

____________

بالكفر فتعلق إرادته بكفرهم من حيث تعلق إرادته بما يصير سببا لإرادتهم الكفر مع علمه بذلك، و هذا لا يستلزم كون الكفر مقصوده و مطلوبه منهم، فإن دخوله في القصد بالعرض لا بالذات، و تعلق الإرادة بالكفر بالعرض ليست موجبة للفعل إيجابا يخرجه عن الاختيار، لأن هذا التعلق من جهة إرادتهم و اختيارهم و ما يتعلق بشيء من جهة الإرادة و الاختيار لا يخرجه عن الاختيار، و قيل: الفرق بين كلام الإمام و كلام السائل أن في كلامه (عليه السلام) عديت الإرادة بفي و في كلام السائل بمن، و التعدية بفي تفيد التمكين مع القدرة على المنع، و التعدية بمن، تفيد الطلب إما تكليفا و إما تكوينا، فالظرفان متعلقان بالإرادة كالظرف في قوله لعلمه.

الحديث الرابع: مرسل.

قوله: فإنه لا يضرك، هذا إما لأنه (عليه السلام) كان مطلعا على ما في قلبه و أنه حق، أو المراد أنه إذا كان في قلبك شيء ثم رجعت عنه إلى قولنا لم يضرك، و قوله أو كما قال، ترديد من السائل بين العبارة المنقولة و ما في حكمها من العبارات الدالة على تصديق معتقده بوجه من الوجوه.

221

بَابُ الْبَيَانِ وَ التَّعْرِيفِ وَ لُزُومِ الْحُجَّةِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنِ ابْنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلَى النَّاسِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ مِثْلَهُ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمَعْرِفَةُ مِنْ صُنْعِ مَنْ هِيَ قَالَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا صُنْعٌ

____________

باب البيان و التعريف و لزوم الحجة الحديث الأول: حسن بسنده الأول، مجهول كالصحيح بسنده الثاني.

قوله (عليه السلام): بما آتاهم، أي من العقول و الآلات و الأدوات و الجوارح و القوي و عرفهم من أصول الدين و فروعه كما قال تعالى:" أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِسٰاناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ".

الحديث الثاني: مجهول.

و المراد بالمعرفة أما العلم بوجوده سبحانه فإنه مما فطر الله العباد عليه إذا خلوا أنفسهم عن المعصية، و الأغراض الدنية كما قال تعالى:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ*" و به فسر قوله (صلى الله عليه و آله): من عرف نفسه فقد عرف ربه، أي من وصل إلى حد يعرف نفسه فيوقن بأن له خالقا ليس مثله، و يحتمل أن يكون المراد كمال المعرفة فإنه من قبل الله تعالى بسبب كثرة الطاعات و العبادات و الرياضات، أو المراد معرفة غير ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسل فإن ما سوى ذلك

222

..........

____________

إنما نعرفه بما عرفنا الله على لسان أنبيائه و حججه (صلوات الله عليهم)، أو يقال:

المراد بها معرفة الأحكام الفرعية لعدم استقلال العقل فيها، أو المعنى أنها إنما تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب، و ذهب الحكماء إلى أن العلة الفاعلية للمعرفة تصوريا كان أو تصديقيا، بديهيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو غيره، إنما يفيض من الله تعالى في الذهن بعد حصول استعداد له بسبب الإحساس أو التجربة أو النظر و الفكر و الاستماع من المعلم أو غير ذلك، فهذه الأمور معدات و العبد كاسب للمعرفة لا موجد لها، و الظاهر من أكثر الأخبار أن العباد إنما كلفوا بالانقياد للحق و ترك الاستكبار عن قبوله، فأما المعارف فإنها بأسرها مما يلقيه الله سبحانه في قلوب عباده بعد اختيارهم للحق، ثم يكمل ذلك يوما فيوما بقدر أعمالهم و طاعاتهم حتى يوصلهم إلى درجة اليقين، و حسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيين و أئمة الدين في تكميل أممهم و أصحابهم فإنهم لم يحيلوهم على الاكتساب و النظر، و تتبع كتب الفلاسفة و غيرهم، بل إنما دعوهم أولا إلى الإقرار بالتوحيد و سائر العقائد، ثم إلى تكميل النفس بالطاعات و الرياضات، حتى فازوا بما سعدوا به من أعالي درجات السعادات.

قال الفاضل المحدث أمين الدين الأسترآبادي في الفوائد المدنية: قد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوة متصلة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) بأن معرفة الله بعنوان أنه الخالق للعالم، و أن له رضا و سخطا، و أنه لا بد من معلم من جهته تعالى ليعلم الخلق ما يرضيه و ما يسخطه من الأمور الفطرية التي وقعت في القلوب بإلهام فطري إلهي، و ذلك كما قالت الحكماء: الطفل يتعلق بثدي أمه بإلهام فطري الهي، و توضيح ذلك أنه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم و ألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه و نهى فيه، و بالجملة لم يتعلق وجوب و لا غيره من التكليفات إلا بعد بلوغ خطاب الشارع، و معرفة الله قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق إلهام بمراتب، و كل من بلغته

223

..........

____________

دعوة النبي (صلى الله عليه و آله) يقع في قلبه من الله يقين بصدقه، فإنه قد تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنه ما من أحد إلا و قد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه، قبله أو تركه.

و قال في موضع آخر: قد تواترت الأخبار أن معرفة خالق العالم و معرفة النبي و الأئمة (عليهم السلام) ليستا من أفعالنا الاختيارية، و أن على الله بيان هذه الأمور و إيقاعها في القلوب بأسبابها، و أن على الخلق بعد أن أوقع الله تلك المعارف الإقرار بها و العزم على العمل بمقتضاها.

ثم قال في موضع آخر: قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم كما تواترت بأن المعرفة موهبية غير كسبية، و إنما عليهم اكتساب الأعمال فكيف يكون الجمع بينهما؟ أقول: الذي استفدته من كلامهم (عليهم السلام) في الجمع بينهما: أن المراد بالمعرفة ما يتوقف عليه حجية الأدلة السمعية من معرفة صانع العالم، و أن له رضا و سخطا، و ينبغي أن ينصب معلما ليعلم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم، و من معرفة النبي (صلى الله عليه و آله)، و المراد بالعلم الأدلة السمعية كما قال (صلى الله عليه و آله): العلم أما آية محكمة أو سنة متبعة أو فريضة عادلة، و في قول الصادق (عليه السلام): إن من قولنا أن الله احتج على العباد بما آتاهم و عرفهم، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب و أمر فيه و نهى، و في نظائره إشارة إلى ذلك، أ لا ترى أنه (عليه السلام) قدم أشياء على الأمر و النهي، فتلك الأشياء كلها معارف، و ما يستفاد من الأمر و النهي كله هو العلم، و يحتمل أيضا أن يراد بها معرفة الأحكام الشرعية و هو الذي ذهب إليه بعض أصحابنا حيث قال: المراد بهذه المعرفة التي يعذب و يثاب مخالفها و موافقها" انتهى".

لكن المشهور بين المتكلمين من أصحابنا و المعتزلة و الأشاعرة أن معرفته تعالى نظرية واجبة على العباد، و أنه تعالى كلفهم بالنظر و الاستدلال فيها، إلا أن الأشاعرة قالوا: تجب معرفته تعالى نقلا بالنظر، و المعرفة بعده من صنع الله تعالى

224

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ

قَالَ حَتَّى

____________

بطريق العادة، و سائرهم قالوا: تجب معرفته سبحانه عقلا بالنظر و المعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر، كما أن حركة اليد تولد حركة المفتاح، و هم قد اختلفوا في أول واجب على العباد، فقال أبو الحسن الأشعري: هو معرفته تعالى إذ هو أصل المعارف و العقائد الدينية، و عليه يتفرع كل واجب من الواجبات الشرعية، و قيل هو النظر في معرفته تعالى لأن المعرفة تتوقف عليه، و هذا مذهب جمهور المعتزلة و قيل: هو أول جزء منه، لأن وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه، فأول جزء من النظر واجب و مقدم على النظر المقدم على المعرفة، و قيل: هو القصد إلى النظر، لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المقدم على أول جزء من أجزاء النظر، و قال شارح المواقف: النزاع لفظي إذ لو أريد الواجب بالقصد الأول، أي أريد أول الواجبات المقصودة أولا و بالذات فهو المعرفة اتفاقا، و إن أريد أول الواجبات مطلقا فالقصد إلى النظر، لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقا فيكون واجبا أيضا.

الحديث الثالث: حسن موثق.

قوله سبحانه:" وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً" أي يسميهم ضلالا أو يؤاخذهم مؤاخذتهم، أو يسمهم بسمة الضلالة يعرف بها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها أنهم من الضالين، أو يخذلهم بسلب اللطف و التوفيق منهم" بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ" قيل:

يحتمل أن تكون الهداية هيهنا بمعنى الإيصال إلى المطلوب، فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحتج على قوم و لا يحكم بضلالتهم بعد أن أوصلهم إلى المطلوب حتى يعرفهم ما يرضيه فيعملوا به، و ما يسخطه فيجتنبوا عنه، أي حتى يوفقهم لكل خير و يعصمهم

225

يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ وَ قَالَ

فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا

قَالَ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي وَ مَا تَتْرُكُ وَ قَالَ

إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً

قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذٌ وَ إِمَّا تَارِكٌ وَ عَنْ قَوْلِهِ

وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمىٰ عَلَى الْهُدىٰ

قَالَ عَرَّفْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَ هُمْ يَعْرِفُونَ وَ فِي رِوَايَةٍ بَيَّنَّا لَهُمْ

____________

من كل شر فما بعد" حتى" داخل فيما قبلها، و يحتمل أن يكون بمعنى إراءة الطريق فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحكم بضلالتهم بعد إذ هداهم إلى الإيمان إلا بعد أن يعلمهم ما يرضيه و ما يسخطه فما بعد" حتى" خارج عن حكم ما قبلها" انتهى".

و فيه دلالة على أن التعريف من الله فيما يرضيه و فيما يسخطه من الشرائع و الواجبات و السنن و الأحكام، لكن لا ينافي ما مر، و قوله: و قال فألهمها، من كلام ثعلبة و ضميره راجع إلى حمزة، أي و سأله عن قوله تعالى:" فَأَلْهَمَهٰا" و الضمير راجع إلى النفس، و المراد: بفجورها و تقويها، ما فيه فجورها و ما فيه تقويها، و قوله (عليه السلام):

بين لها ما تأتي و ما تترك، أي المراد بالإلهام هو بيان أن الله تعالى و إعلامه بما ينبغي للنفس أن تأتي به مما ينفع لها بالأمر، و بما ينبغي لها أن تتركه مما يضرها بالنهي فالنشر على خلاف ترتيب اللف، قال البيضاوي: إلهام الفجور و التقوى إفهامهما، و تعريف حالهما، و التمكين من الإتيان بهما" إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ" أي سبيل الخيرات و الطاعات" إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً".

قال البيضاوي: هما حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم أي هديناه في حالتيه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه، أو من السبيل و وصفه بالشكر و الكفر مجاز" قال: عرفناه" بالتشديد أي السبيل" إما آخذ" تفسير للشاكر" و إما تارك" تفسير للكفور، و هذا شامل لجميع الواجبات الأصولية و الفروعية، و كذا قوله:" وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ" شامل لهما، و الهداية هنا بمعنى إراءة الطريق، و في رواية: بينا لهم، أي مكان عرفناهم.

226

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ

قَالَ نَجْدَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ

[الحديث 5]

5

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَصْلَحَكَ اللَّهُ هَلْ جُعِلَ فِي النَّاسِ أَدَاةٌ يَنَالُونَ بِهَا الْمَعْرِفَةَ قَالَ فَقَالَ لَا قُلْتُ فَهَلْ كُلِّفُوا الْمَعْرِفَةَ قَالَ لَا عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ-

لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا

وَ

لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا

قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ

وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ

قَالَ حَتَّى يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ

____________

الحديث الرابع: حسن موثق أيضا.

" نجد الخير" أي عرفناه سبيلهما، و النجد في الأصل الطريق الواضح المرتفع، و فيه دلالة على أن الهداية تطلق على إراءة طريق الشر أيضا لأنها هداية إلى اجتنابه و تركه، أو هو على التغليب و قال السيد الداماد (ره) إذا أريد تخصيص الهداية بالخير قيل أي نجدي العقل النظري و العقل العملي، و سبيلي كمال القوة النظرية و كمال القوة العملية، أو نجدي المعاش و المعاد، أو نجدي الدنيا و الآخرة، أو نجد الجنة و العقاب و الثواب و الفناء المطلق في نور وجه الله البهجة الحقة للقاء بقائه.

الحديث الخامس: مجهول.

قوله: هل جعل في الناس أداة، أي آلة من العقل و الفهم ينالون بها بدون التعريف و التوقيف المعرفة بأحد المعاني المتقدمة،" فهل كلفوا المعرفة" أي بالنظر و الاستدلال" على الله البيان" أي و عليهم القبول كما روي في التوحيد عن الصادق (عليه السلام) قال: ليس لله على الخلق أن يعرفوا قبل أن يعرفهم، و للخلق على الله أن يعرفهم، و لله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا، ثم أشار (عليه السلام) إلى أن تكليفهم بالمعرفة أو بكمالها تكليف بالمحال، بقوله:" لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا" و الوسع أوسع من الطاقة،" و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا" أي ما آتاها علمه، و ظاهره أن المعارف توقيفية، و تكليفهم بتحصيلها تكليف بالمحال و قد سبق الكلام فيه.

227

[الحديث 6]

6

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ يُونُسَ عَنْ سَعْدَانَ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً إِلَّا وَ قَدْ أَلْزَمَهُ فِيهَا الْحُجَّةَ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ قَوِيّاً فَحُجَّتُهُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا كَلَّفَهُ وَ احْتِمَالُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَ مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ مُوَسَّعاً عَلَيْهِ- فَحُجَّتُهُ عَلَيْهِ مَالُهُ ثُمَّ تَعَاهُدُهُ الْفُقَرَاءَ بَعْدُ بِنَوَافِلِهِ- وَ مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ شَرِيفاً فِي بَيْتِهِ- جَمِيلًا فِي صُورَتِهِ فَحُجَّتُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَ أَنْ لَا يَتَطَاوَلَ عَلَى غَيْرِهِ فَيَمْنَعَ حُقُوقَ الضُّعَفَاءِ لِحَالِ شَرَفِهِ وَ جَمَالِهِ

بَابُ اخْتِلَافِ الْحُجَّةِ عَلَى عِبَادِهِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا صُنْعٌ الْمَعْرِفَةُ وَ الْجَهْلُ وَ الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ النَّوْمُ وَ الْيَقَظَةُ

____________

الحديث السادس: مرفوع.

قوله (عليه السلام): فحجته عليه القيام بما كلفه، أي ما يحتج به عليه بعد التعريف قوة القيام بما كلف به، أو المحتج له القيام بالمكلف به، و هذا أظهر و أوفق بما بعده من جعل التعاهد للفقراء بنوافل ماله و الحمد على شرفه و جماله، و عدم التطاول على غيره، من الحجة و حينئذ ينبغي حمل قوله" فحجته عليه ماله" على أن المحتج له إصلاح ماله و صرفه في مصارفه و حفظه عن التضييع و الإسراف فيه. باب [اختلاف الحجة على عباده] ليس الباب في بعض النسخ، و إنما لم يعنون لأنه من الباب الأول، و إنما أفرد لامتياز حديثه بخصوصية كما لا يخفى.

الحديث الأول: ضعيف" المعرفة و الجهل" أقول: قد مر الكلام فيهما سابقا و نقل إجماع المتكلمين على وجوب

228

..........

____________

النظر في معرفة الله تعالى، بل إجماع الأمة عليه، و إنما اختلفوا في أن وجوبها عقلي أو شرعي و نسب إلى البراهمة أنها تحصل بالإلهام، و إلى الملاحدة أنها تحصل بالتعليم، و إلى المتصوفة أنها تحصل بتصفية الباطن و الرياضات، و ربما يقال: إن النظر في معرفة الله تعالى و صفاته و أفعاله و العقائد الدينية على ما تفعله المتكلمون بدعة في الدين، لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الصحابة و الخلفاء الراشدين، و لو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفر الدواعي على نقله كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهية على اختلاف أصنافها، و أجيب بمنع عدم النقل بل تواتر أنهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد و ما يتعلق به، و القرآن مملوء منه، و هل ما يذكر في كتب الكلام إلا قطرة من بحر مما نطق به الكتاب الكريم؟ نعم أنهم لم يدونوها و لم يشتغلوا بتقرير المذاهب و تحرير الاصطلاحات، و لم يبالغوا في تفصيل الأسئلة و تلخيص الجوابات لاختصاصهم بصفاء النفوس و قوة الأذهان، و مشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان، و التمكن من مراجعة من يفيدهم و يدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك و الشبهات في كل حين، مع قلة عناد المعاندين و ندرة تشكيك المشككين، بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا، حيث كثرت المذاهب و المقالات، و شاعت المنازعات و المجادلات، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ما حدث في الأزمان و القرون الخالية، فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام و تقرير كل ما أورد على كل حجة من النقض و الإبرام.

قالوا: فإن ادعى أن هذا التدوين بدعة فرب بدعة حسنة، و ذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه و أصوله، و ترتيب أبوابه و فصوله، فإنه حدث بعد ما لم يكن فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا بضائر للكلام، و قد أمر الله سبحانه بالنظر في آيات كثيرة كقوله تعالى:" قُلِ انْظُرُوا مٰا ذٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" و قوله تعالى:" فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا" فأمر بالنظر و هو

229

..........

____________

للوجوب، و لما نزل:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ" قال النبي (صلى الله عليه و آله): ويل لمن لاكها بين لحيتيه و لم يتفكر فيها، فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة، فيكون واجبا، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب أقول: قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المقالات: المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه (عليهم السلام) و كل غائب، و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة، و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث، و قال في موضع آخر منه: العلم بالله عز و جل و أنبيائه (عليهم السلام) و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شيء لا تدرك حقيقته بالحواس، و لا تكون المعرفة به قائمة في البداهة و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب، كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس، و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداهة.

ثم قال (رحمه الله): العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب، و لا يصح وقوع شيء منه بالاضطرار، و القول فيه كالقول في جملة الغائبات، و إلى هذا القول ذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الأخبار، و أما العلم بالحواس فهو على ثلاثة أضرب، فضرب هو من فعل الله تعالى، و ضرب من فعل الحاس، و ضرب من فعل غيره من العباد، فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله، كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات الرياح و ما أشبه ذلك مما يبده ذو الحاسة من غير أن يتعمد لإحساسه، و يكون بسبب من الله سبحانه، ليس للعباد فيه اختيار، فأما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بإذنه أو التعمد لإحساسه بشيء من حواسه

230

..........

____________

أو يفعله السبب الموجب لإحساس المحسوس، و حصول العلم به، و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير متعمد لسماعة أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك، و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و مخالف فيه من سميناه" انتهى".

و أقول: الغرض من إيراد هذه الوجوه أن تطلع على مذاهب القوم في ذلك، و إن كان للنظر فيها مجال واسع، و لنتكلم على الخبر فنقول: قد عرفت الوجوه التي يمكن حمل أمثال هذا الخبر عليه، و لنعد بعضها:

الأول: أنه يصح على القول بأن جميع العلوم و المعارف فائضة من قبل الله سبحانه بحسب استعدادات العباد و قابلياتهم إما بلا واسطة أو بتوسط الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و إنما الواجب على الخلق أن يخلو أنفسهم عن الأغراض الدنية و الحمية و العصبية، و يصيروا طالبين للحق ثم بعد إفاضة الحق عليهم أن يقروا بها ظاهرا و لا ينكروا و لا يكونوا كالذين قال الله سبحانه فيهم:" جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ".

قال المحقق الطوسي روح الله روحه القدوسي: و لا بد فيه أي في العلم من الاستعداد، أما الضروري فبالحواس، و أما الكسبي فبالأول، و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه: قد بينا أن العلم أما ضروري و إما كسبي، و كلاهما حصل بعد عدمه، إذ الفطرة البشرية خلقت أولا عارية عن العلوم، ثم يحصل لها العلم بقسميه فلا بد من استعداد سابق مغاير للنفس، و فاعل للعلم، فالضروري فاعله هو الله تعالى إذ القابل لا يخرج المقبول من القوة إلى الفعل بذاته، و إلا لم ينفك عنه، و للقبول درجات مختلفة في القرب و البعد، و إنما يستعد النفس للقبول على التدريج فينتقل من أقصى مراتب البعد إلى أدناها قليلا قليلا لأجل المعدات التي هي الإحساس بالحواس على اختلافها، و التمرن عليها و تكرارها مرة بعد أخرى، فيتم الاستعداد

231

..........

____________

لإفاضة العلوم البديهية الكلية من التصورات و التصديقات بين كليات تلك المحسوسات و أما النظرية فإنها مستفادة من النفس أو من الله تعالى على اختلاف الآراء، لكن بواسطة الاستعداد بالعلوم البديهية، أما في التصورات فبالحد و الرسم، و أما في التصديقات فبالقياسات المستندة إلى المقدمات الضرورية" انتهى".

و ظاهر كلام المصنف أن الإفاضة من المبدأ الفياض، و ليس من فعل النفس بالتوليد كما ذهب إليه المعتزلة.

و قال صاحب الفوائد المدنية (رحمه الله): هنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي من أوائل سني، و هو أنه كيف تقول بأن التصديقات فائضة من الله تعالى على النفوس الناطقة، و منها كاذبة و منها كفرية، هذا إنما يتجه على رأي جمهور الأشاعرة القائلين بجواز العكس بأن يجعل الله كل ما حرمه واجبا و بالعكس، المنكرين للحسن و القبح الذاتيين، لا على رأي محققيهم، و لا على رأي المعتزلة، و لا على رأي أصحابنا؟

و الجواب أن التصديقات الصادقة فائضة على القلوب بلا واسطة أو بواسطة ملك، و هي تكون جزما أو ظنا، و التصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان، و هي لا تتعدى الظن و لا تبلغ إلى حد الجزم، و في الأحاديث تصريحات بأن من جملة نعماء الله تعالى على بعض عبادة أنه يسلط ملكا يسدده و يلهمه الحق، و من جملة غضب الله على بعض أنه يخلى بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و بأن الله تعالى يحول بين المرء و بين أن يجزم جزما باطلا" انتهى".

و على ما ذكره يكون المراد بالمعرفة العلم اليقيني المطابق، و الجهل يشمل البسيط و المركب، و نسبته إليه سبحانه من جهة التخلية، و لا يرد على شيء من تلك الوجوه عدم معاقبة الكفار و المخالفين على عقائدهم الباطلة، لأنهم إما موقنون في أنفسهم منكرون ظاهرا فيعاقبون على الإنكار أو غير موقنين لتقصيرهم في المبادئ، فلذا يعاقبون.

232

..........

____________

و يؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليه السلام) اختلف الناس جعلت فداك بالعراق في المعرفة و الجحود، فأخبرني جعلت فداك أ هما مخلوقان؟ فكتب (عليه السلام): اعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوقة، و الجحود صنع الله في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيهما من صنع، فلهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الإيمان اختاروا المعرفة، فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا، و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم، إلى آخر الخبر.

إذ ظاهره أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى، و للنظر و التفكر و الطلب مدخل فيها، و إنما يثابون و يعاقبون بفعل تلك المبادئ و تركها، و يحتمل أن يكون المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى، إما بإلقائها في قلوبهم أو ببيان الأنبياء و الحجج (عليهم السلام)، و إنما كلف العباد بقبول ذلك و إقرارهم به ظاهرا و تخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية و العناد، و عما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد، فهذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب، ثم بين (عليه السلام) أن لتوفيق الله و خذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما مر تحقيقه.

الثاني: أن يخص بمعرفة الخالق و الإقرار بوجوده سبحانه، فإنها فطرية كما عرفت، و روي في قرب الإسناد من معاوية بن حكيم عن البزنطي قال: قلت للرضا (عليه السلام): للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا، قلت: لهم عليها ثواب؟ قال: يتطول عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة، و روي في المحاسن بسند صحيح عن صفوان قال: قلت للعبد الصالح: هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة؟ قال: لا، إنما هو تطول من الله، قلت: أ فلهم على المعرفة ثواب إذا كان ليس لهم فيها ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال: لا إنما هو تطول من الله عليهم

233

..........

____________

و تطول بالثواب. و في الصحيح أيضا عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل:

" وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ" قال:

كان ذلك معاينة فأنساهم المعاينة و أثبت الإقرار في صدورهم، و لو لا ذلك ما عرف أحد خالقه و لا رازقه، و هو قول الله:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ".

الثالث: أن يعم بحيث يشمل جميع أصول الدين، و يكون المراد أن الهداية إنما هو من الله سبحانه كما قال:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" لأن الله تعالى أعطى العقل و أقام الحجج على وجوده و علمه و قدرته و حكمته في الآفاق و الأنفس، ثم بعث الأنبياء (عليهم السلام) ليبينوا للناس ما لا يفي به عقولهم، و أيدهم بالمعجزات الباهرات، ثم نصب لهم الأوصياء فترجع أسباب الهداية كلها إليه سبحانه، و ليس للعباد فيها مدخلية تامة، و يكون المراد بالجهل الجهل ببعض الأمور كمن لم تقم عليه حجة من المستضعفين في الإمامة و غيرها، فيعذرهم أو بالجميع كالمجانين.

الرابع: أن يكون المراد سوى ما يتوقف عليه العلم بحقية الرسل (عليهم السلام)، فالمراد أن ما سوى ذلك توقيفية يعرفها الله بتوسطهم (عليهم السلام) و لم يكلفهم تحصيلها بالنظر كما قررنا سابقا.

الخامس: أن يكون المراد بالمعرفة كمالها، و بالجهل مقابله فإنهما بتوفيق الله سبحانه و خذلانه بأسباب راجعة إلى العبد كما دلت عليه الأخبار و شهدت به التجربة و الاعتبار.

السادس: أن تحمل على العلم بالأحكام الشرعية ردا على المخالفين القائلين بجواز استنباطها بقياس العقول و استحساناتها، كما روى البرقي في المحاسن بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون الله هو المعلم لهم، فإذا علمهم فعليهم أن يعلموا، و قد مضت الأخبار الدالة على النهي عن

234

بَابُ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الْمَحَامِلِيِّ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

لَيْسَ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَعْرِفُوا وَ لِلْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ وَ لِلَّهِ عَلَى الْخَلْقِ إِذَا عَرَّفَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ

____________

اتباع الأهواء و العمل بالقياس في الدين.

السابع: حمله على التقية لموافقته ظاهر المذاهب الأشاعرة و أشباههم، لكن لا ضرورة فيه، و حمله على بعض الوجوه السابقة أظهر.

و الرضا كيفية نفسانية تنفعل بها النفس و تتحرك نحو قبول شيء، سواء كان ذلك الشيء مرغوبا لها أو مكروها، و الغضب حالة نفسانية تنفعل بها النفس و تتحرك نحو الانتقام، و قد يطلقان على نفس الانفعالين، و النوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس عن أفعالها، لعدم انصباب الروح الحيواني إليها، و اليقظة زوال تلك الحالة.

و أقول: لعل تخصيص تلك الستة من بين سائر الصفات النفسانية لأنها مما يتوهم فيها كونها بالاختيار، أو يقال: أنها أصول الكيفيات النفسانية فيظهر سائرها بالمقايسة، كاللذة و الألم، و الإرادة و الكراهة و الحياة و الموت، و الصحة و المرض، و الفرح و الغم، و الحزن و الهم، و البخل و الحقد و أشباهها، و الأول أظهر.

باب حجج الله على خلقه الحديث الأول: ضعيف.

و يعرف شرحه مما مر في الأخبار السابقة، و هذه الأخبار و أمثالها مما يدل على الحسن و القبح العقليين.

الحديث الثاني: مجهول.

235

بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئاً- هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ لَا

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا حَجَبَ اللَّهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ

____________

قوله من لم يعرف، على بناء المعلوم من المجرد أو المجهول من باب التفعيل" شيئا" على العموم أي شيئا من الأشياء بإرسال الرسل أو الوحي أو الإلهام، هل يجب عليه شيء يؤاخذ بتركه و يعاقب عليه؟ أو المراد من لم يعرف شيئا خاصا بتعريفه سبحانه هل يجب ذلك الشيء عليه و يؤاخذ بتركه؟ و الجواب بنفي الوجوب أما على الأول فلقوله تعالى:" وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا" و لأن من لم يعرف شيئا حتى المعرفة بالله سبحانه التي من صنع الله كما مر على بعض الوجوه كيف يؤاخذ بعدم المعرفة به، و بما يترتب عليه كما قيل، و أما على الثاني فللآية و لأن مؤاخذة الغافل عن الشيء من غير أن ينبه عليه و عقابه على تركه قبيح عقلا، و قيل: إفاضة المعرفة من الله لا يعاقب على عدمها، و إنما يعاقب على ترك التحصيل كما مر في بعض الوجوه، و يدل على أن الجاهل معذور، و على أن من لم تبلغه الدعوة و لم تتم عليه الحجة غير معاقب.

الحديث الثالث: مجهول.

قوله: ما حجب الله عن العباد، و في التوحيد" علمه" و ظاهره عدم تكليف العباد في التفكر في الأمور التي لم تبين لهم في الكتاب و السنة، و ربما يحمل على ما ليس في وسعهم العلم به كأسرار القضاء و القدر و أمثالها، و على التقادير يدل على أن الجاهل بالحكم مع عدم التقصير في تحصيله معذور.

236

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قَالَ لِي اكْتُبْ فَأَمْلَى عَلَيَّ إِنَّ مِنْ قَوْلِنَا إِنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ عَلَى الْعِبَادِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ فَأَمَرَ فِيهِ وَ نَهَى أَمَرَ فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ

____________

الحديث الرابع: حسن موثق.

قوله (عليه السلام): اكتب، يدل على استحباب كتابة الحديث و لعل الأمر هنا للاعتناء بشأن ما يمليه لئلا ينسى شيئا منه، و الإملاء الإلقاء على الكاتب ليكتب، و أصله من المضاعف فأبدل الثاني ياء، كما قال تعالى على الأصل:" وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ"" بما آتاهم" أي من العقول" و عرفهم" و لعل المراد هنا معرفة الله سبحانه التي عرفها العباد بفطرهم عليها، أو بنصب الدلائل الواضحة في الآفاق و الأنفس عليها، و يدل عليه قوله (عليه السلام): ثم أرسل إليهم، فإن إرسال الرسول إنما يتأخر عن هذا التعريف" و أنزل عليهم" و في التوحيد" عليه" بإرجاع الضمير إلى الرسول و خص الصلاة و الصيام بالذكر لأنهما من أعاظم أركان الإيمان و الإسلام، فنام رسول الله (صلى الله عليه و آله) هذا النوم رواه العامة و الخاصة أنه (صلى الله عليه و آله) نام في المعرس حتى طلعت الشمس، و من أنكر سهو النبي لم ينكر هذا كما ذكره الشهيد (ره) لكنه ينافي ظاهرا ما عد من خصائصه (صلى الله عليه و آله) أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه، فيلزم ترك الصلاة متعمدا.

و أجيب عنه بوجوه:" الأول" أن المراد لا ينام قلبه في الأكثر و هذه الإنامة كانت لمصلحة فكان كنوم الناس.

الثاني: ما ذكره بعض العامة أن المراد أنه لا يستغرقه النوم حتى يصدر منه الحدث.

الثالث: ما قال بعضهم أيضا إنه (صلى الله عليه و آله) أخبر أن عينيه تنامان و هما اللتان نامتا هيهنا، لأن طلوع الفجر يدرك بالعين لا بالقلب، و لا يخفى ما فيه إذ ظاهر

237

ص عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَا أُنِيمُكَ وَ أَنَا أُوقِظُكَ فَإِذَا قُمْتَ فَصَلِّ لِيَعْلَمُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا نَامَ عَنْهَا هَلَكَ وَ كَذَلِكَ الصِّيَامُ أَنَا أُمْرِضُكَ وَ أَنَا أُصِحُّكَ فَإِذَا شَفَيْتُكَ فَاقْضِهِ- ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ كَذَلِكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لَمْ تَجِدْ أَحَداً فِي ضِيقٍ وَ لَمْ تَجِدْ أَحَداً إِلَّا وَ لِلَّهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَ لِلَّهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ وَ لَا أَقُولُ إِنَّهُمْ مَا شَاءُوا صَنَعُوا ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي وَ يُضِلُّ

____________

أن الغرض اطلاعه (عليه السلام) على ما يخفى على النائم، سواء كان مما يدرك بالعين أم لا كما يدل عليه قصة ابن أبي رافع و غيرها، و أوردناها في الكتاب الكبير.

الرابع: ما يخطر بالبال و هو أنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن مكلفا بالعمل بما يعلمه من غير الجهات التي يعلم بها سائر الخلق، لأنه (صلى الله عليه و آله) كان يعلم كفر المنافقين و لم يكن مأمورا بالعمل بما يقتضيه هذا العلم من قتلهم و الاجتناب عنهم و عدم مناكحتهم و غيرها من الأحكام، و كان الأئمة (عليه السلام) يعلمون كون السم في الطعام أو الذهاب إلى العدو يوجب القتل أو هزيمة الأصحاب و لم يكونوا مكلفين بالعمل بهذا العلم، فلا يبعد أن يكون مع العلم بالفجر الصلاة ساقطة عنه أو مأمورا بتركها لتلك المصلحة، و يمكن أن يعد هذا الوجه الأخير جوابا خامسا و سيأتي بعض القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: أنا أنمتك، في بعض النسخ أنيمك على صيغة المضارع كما في التوحيد و هو أصوب، و هذا الكلام و ما بعده لبيان أن الله تعالى لم يضيق على العباد في التكاليف بل وسع عليهم فيها، فكيف يتوهم أنه جبرهم على المعاصي أو كلفهم ما لا يعلمون أو لا يطيقون؟ و قوله (عليه السلام): و لله عليه الحجة، كالدليل على ذلك، فإنه لا حجة على المجبور و لا على الجاهل لكونهما معذورين، و قوله: و لله فيه المشية، إشارة إلى نفي التفويض كما عرفت، كما صرح به بقوله: و لا أقول إنهم ما شاء و اصنعوا، بل لا بد من إذنه تعالى و توفيقه أو خذلانه و تخليته كما مر، أو المراد نفي التفويض بمعنى عدم الحصر بالأمر و النهي، و هو بعيد.

" إن الله يهدي و يضل" قيل: أي يثيب و يعاقب أو يرشد في الآخرة إلى طريق

238

..........

____________

الجنة و النار للمطيع و العاصي كما قيل في قوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بٰالَهُمْ" أو ينجي و يهلك كما فسر قوله تعالى:" لَوْ هَدٰانَا اللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ" بالنجاة و فسرت الضلالة في قوله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ" و في قوله:" أَ إِذٰا ضَلَلْنٰا" بالهلاك أو يكون نسبة الهداية و الإضلال إليه مجازا باعتبار أقداره على الخيرات و المعاصي، و الأظهر أن المراد بهما التوفيق للخيرات لمن يستحقه، و سلبه و خذلانه ممن لا يستحقه كما مر.

و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: الإضلال إشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، و الإهلاك و الهدى مقابل، و الأولان منفيان عنه تعالى، و قال العلامة (قدس سره) في الشرح: يطلق الإضلال على الإشارة إلى خلاف الحق و البأس الحق بالباطل، كما تقول: أضلني فلان عن الطريق إذا أشار إلى غيره، و أوهم أنه هو الطريق و يطلق على فعل الضلالة في الإنسان كفعل الجهل فيه، حتى يكون معتقدا خلاف الحق، و يطلق على الإهلاك و البطلان كما قال الله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى أعمالهم" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى نصب الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى يعتقد المشي على ما هو به، و بمعنى الإثابة كقوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ" يعني سيثيبهم و الأولان منفيان عنه تعالى بمعنى الإشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، لأنهما قبيحان و الله تعالى منزه عن فعل القبيح، و أما الهداية فإن الله نصب الدلالة على الحق و فعل الهداية الضرورية في العقلاء و لم يفعل الإيمان فيهم لأنه كلفهم به و يثيب على الإيمان، فمعاني الهداية صادقة في حقه تعالى إلا فعل ما كلف به، و إذا قيل: إن الله تعالى يهدي و يضل، فإن المراد به أنه يهدي المؤمنين بمعنى أنه يثيبهم، و يضل

239

..........

____________

العصاة بمعنى أنه يهلكهم و يعاقبهم، و قول موسى (عليه السلام):" إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ" فالمراد بالفتنة الشدة و التكليف الصعب،" تُضِلُّ بِهٰا مَنْ تَشٰاءُ" أي تهلك من تشاء و هم الكفار" انتهى".

و قال الفاضل المحدث الأسترآبادي (ره) في حاشيته على هذا الحديث: يجيء في باب ثبوت الإيمان أن الله خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة و كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى الله و منهم من لم يهد الله، و أقول: هذا إشارة إلى الحالة التي سمتها الحكماء العقل الهيولاني و معنى الضال هو الذي انحرف عن صوب الصواب و لما لم يكن قبل إرسال الرسل و إنزال الكتب صوب صواب امتنع حينئذ الانحراف عنه، و لما حصل أمكن ذلك، فيكون الله تعالى سببا بعيدا في ضلالة الضال، و هذا هو المراد بقوله (عليه السلام):" يضل".

و قال في الفوائد المدنية: و أما أنه تعالى هو المضل فقد تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأن الله يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة و لا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة، فلا بد من الجمع بينهما، و وجه الجمع كما يستفاد من الأحاديث و إليه ذهب ابن بابويه: أن من جملة غضب الله تعالى على العباد أنه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب و أناب يزيل الله تعالى تلك النكتة، و إلا فتنتشر تلك النكتة حتى تستوعب قلبه كله، فحينئذ لا يرد قلبه إلى موضعه دليل.

لا يقال: من المعلوم أنه مكلف بعد ذلك، فإذا امتنع تأثر قلبه بكون تكليفه بالطاعة من قبيل التكليف بما لا يطاق؟.

لأنا نقول: من المعلوم أن انتشار النكتة لا ينتهي إلى حد تعذر التأثر، و مما يؤيد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة عن أهل بيت النبوة صلوات

240

..........

____________

الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول:

هيهنا دقيقة أخرى و هي أنه يستفاد من قوله تعالى:" وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ" أي نجد الخير و نجد الشر، و من نظائره من الآيات و الروايات، و من قوله تعالى:" أَنَّ اللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ" و من نظائره من الآيات و الروايات أن تصوير النجدين و تمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى، و أنه تعالى قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل، و قد لا يحول و يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه، و يتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير و نجد الشر، فهذا معنى كونه تعالى هاديا و مضلا، و بالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا، و في أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه و يخلي بينه و بين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، و هذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده" انتهى".

و قال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى:" يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ*" على مذهبهم الفاسد: هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية و الضلالة، و حاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة و الإرشاد نحو" إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ" و بمعنى التوفيق نحو" وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً" و بمعنى الثواب نحو" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمٰانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهٰارُ" و بمعنى الفوز و النجاة نحو" لَوْ هَدٰانَا اللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ"

241

وَ قَالَ وَ مَا أُمِرُوا إِلَّا بِدُونِ سَعَتِهِمْ وَ كُلُّ شَيْءٍ أُمِرَ النَّاسُ بِهِ فَهُمْ يَسَعُونَ لَهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَسَعُونَ لَهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَ لَكِنَّ النَّاسَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ثُمَّ تَلَا ع

لَيْسَ

____________

و بمعنى الحكم و التسمية نحو" أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّٰهُ" يعني أ تريدون أن تسموا مهتديا من سماه الله ضالا، و حكم بذلك عليه. و الإضلال يأتي على وجوه:" أحدهما" الجهل بالشيء يقال: أضل بعيره إذا جهل مكانه" و ثانيها" الإضاعة و الإبطال يقال: أضله أي إضاعة و أبطله، و منه قوله تعالى:" أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ*" أي أبطلها" و ثالثها" بمعنى الحكم و التسمية يقال أضل فلان فلانا أي حكم عليه بذلك، و سماه به" و رابعها" بمعنى الوجدان و المصادفة، يقال: أضللت فلانا أي وجدته ضالا، كما يقال: أبخلته أي وجدته بخيلا، و عليه حمل قوله تعالى:" وَ أَضَلَّهُ اللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ" أي وجده ضالا و حمل أيضا على معنى الحكم و التسمية و على معنى العذاب" و خامسها" أن يفعل ما عنده يضل و يضيفه مجازا لأجل ذلك كقوله تعالى:" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً" أي يضل عنده كثير" و سادسها" أن يكون متعديا إلى مفعولين نحو" فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" و هذا هو الإضلال بمعنى الإغواء و هو محل الخطاب بيننا و بينهم، و ليس في القرآن و لا في السنة شيء يضاف إلى الله تعالى بهذا المعنى" انتهى".

" و ما أمروا إلا بدون سعتهم" أي أقل من طاقتهم، بل السعة أوسع من الطاقة و هو يتضمن السهولة، و يحتمل أن يكون- دون- بمعنى- عند-" و لكن الناس لا خير فيهم" إذ وسع عليهم هذه التوسعة، و مع ذلك لا يطيعونه، أو المراد أن ما لم يقع

242

عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ

فَوُضِعَ عَنْهُمْ-

مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ

قَالَ فَوُضِعَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ

____________

من المأمور به ليس لأنهم لا يسعون بل لأنه لا خير فيهم، و يحتمل أن يكون المراد بالناس العامة المجبرة حيث ينسبون ربهم إلى الجور و الظلم، مع هذه التوسعة التي جعلها الله في التكاليف.

و قيل: المعنى المخالفون لا خير فيهم، حيث تمسكوا في أصول الدين و فروعه بمفتريات أوهامهم، و تركوا اتباع من جعله الله مبينا و هاديا لهم" ثم تلا (عليه السلام)" استشهادا لقوله: لم تجد أحدا في ضيق، و قوله: و ما أمروا إلا بدون سعتهم" لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ" لكمال فقرهم" مٰا يُنْفِقُونَ" في سبيل الجهاد" حَرَجٌ" فوضع عنهم تكليف الخروج و الحرج و الإثم للقعود عن الجهاد و التأخر عن الخروج" مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" و هم الضعفاء و المرضى" مِنْ سَبِيلٍ" إلى معاتبتهم و مؤاخذتهم و تكليفهم ما ليس في وسعهم، و إنما وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على أن اتصافهم بصفة الإحسان و دخولهم في المجاهدين بالقلب و اللسان، و إن تخلفوا عنهم بالأبدان صار منشأ لنفي الحرج عنهم كما قال سبحانه:" إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ. وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" يغفر لهم خطيئاتهم و لا يكلفهم بما لا يطيقون" وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ" من فقراء الصحابة" لِتَحْمِلَهُمْ" إلى الجهاد بتحصيل الراحلة و الزاد لينفروا معك" قُلْتَ لٰا أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّٰا يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ" قال: فوضع عنهم الجهاد و الحرج لأنهم لا يجدون ما يركبون و ما ينفقون.

قيل: و المقصود من ذكر الآية أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فكيف يكلف الناس على اختلاف عقولهم و أهوائهم أن يكتسبوا المعارف و الأحكام بأوهامهم، و لا يبين لهم ذلك بهاد يهديهم و مرشد يرشدهم، و الله يعلم حقائق الأمور.

243

بَابُ الْهِدَايَةِ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

يَا ثَابِتُ مَا لَكُمْ وَ لِلنَّاسِ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا تَدْعُوا أَحَداً إِلَى أَمْرِكُمْ فَوَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا

____________

باب الهداية أنها من الله عز و جل الحديث الأول: مجهول.

قوله (عليه السلام): ما لكم و للناس؟ الواو للعطف على الضمير المجرور بإعادة الجار، و العامل معنوي يشعر به كلمة الاستفهام و حروف الجر الطالبان للفعل، و المعنى:

ما تصنعون أنتم و الناس، ثم إن أخبار هذا الباب تشتمل على أمرين:

الأول: ترك المجادلة و المخاصمة و الاحتجاج في مسائل الدين، و الآيات و الأخبار في ذلك متعارضة ظاهرا إذ كثير منها دالة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و فضل الهداية و التعليم، و دفع شبه المخالفين، و كثير منها تدل على رجحان الكف عن ذلك و عدم التعرض لهم و النهي عن المراء و المجادلة و المخاصمة.

و يمكن الجمع بينها بوجوه:" الأول" حمل أخبار النهي على التقية و الاتقاء على الشيعة فإنهم لحرصهم على هداية الخلق و دخولهم في هذا الأمر كانوا يلقون أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أئمتهم (عليهم السلام)، كما كان من أمر هشام بن الحكم و أضرابه، فنهوهم عن ذلك و أزالوا التوهم الذي صار سببا لحرصهم في ذلك من قدرتهم على هداية الخلق بالمبالغة و الاهتمام في الاحتجاج فيها، بأن الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب من قبل الله تعالى، و لو علم الله المصلحة في جبرهم على اختيار الحق لكان قادرا عليه و لفعل، فإذا لم يفعل الله ذلك لمنافاته للتكليف و غير ذلك من المصالح، فلم تتعرضون أنتم للمهالك، مع عدم

244

عَلَى أَنْ يَهْدُوا عَبْداً يُرِيدُ اللَّهُ ضَلَالَتَهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَلَى أَنْ يَهْدُوهُ وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً

____________

قدرتكم عليه، و قد منع الله نبيه (صلوات الله عليه) من ذلك و قال:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" و أما إظهار الحق فإنما يجب مع عدم التقية، مع أنه قد تبين الرشد من الغي و تمت الحجة عليهم بما رأوا من فضل الأئمة و علمهم و ورعهم و كمالهم، و فجور خلفائهم الجائرين و بغيهم، و انتشرت الأخبار الدالة على الحق بينهم، و يكفي ذلك لهدايتهم إن كانوا قابلين، و لإتمام الحجة عليهم إن كانوا متعنتين.

" الثاني" أن يكون الأمر بها عند عدم ظهور الحق و اشتباه الأمر على الناس و النهي عنها، أو تجويز تركها عند وضوح الحق و ظهور الأمر كما أشرنا إليه.

" الثالث" أن يحمل أخبار الأمر على ما إذا كان لظهور الحق و هداية الخلق، و أخبار النهي على ما إذا كان للمراء و المخاصمة، و إظهار الفضل و الكمال، و التعنت و الغلبة، و إن كان بالباطل، و هذا من أخس صفات الذميمة و أرذلها.

" الرابع" يمكن حمل بعض أخبار النهي على المسائل التي نهي عن الخوض فيها كمسألة القدر و كنه صفات الباري تعالى و أشباه ذلك.

" الخامس" أن يكون النهي محمولا على مجادلة من يعلم أنه لا يؤول إلى الحق لشدة رسوخه في باطله.

" السادس" أن يكون بعضها محمولا على من لا تقدر على إلقاء الحجج و دفع الشبه فيكون مخاصمته سببا لقوة حجة الخصم و رسوخه في ضلالته، و يدل عليه ما رواه الكشي عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يعيبون علي بالكلام و أنا أكلم الناس؟ فقال: أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم، و أما من يقع ثم لا يطير فلا، و عن الطيار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؟ فقال: أما كلام مثلك فلا يكره من إذا طار يحسن أن يقع، و إن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه، و عن حماد قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمر محمد

245

..........

____________

ابن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أن يكلمهم و يخاصمهم حتى كلمهم في صاحب القبر، و كان إذا انصرف إليه قال: ما قلت لهم؟ و ما قالوا لك؟

و يرضي بذلك منه، و عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما فعل ابن الطيار؟ قال: قلت: مات، قال: (رحمه الله) و لقاه نضرة و سرورا فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.

و يؤيد الوجه الثالث ما روي في تفسير الإمام (عليه السلام) قال: ذكر عند الصادق (عليه السلام) الجدال في الدين، و أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) قد نهوا عنه؟ فقال الصادق (عليه السلام): لم ينه عنه مطلقا، لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أ ما تسمعون إليه يقول:" وَ لٰا تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و قوله تعالى:

" ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، و الجدال بغير التي هي أحسن محرم، و حرمه الله على شيعتنا، و كيف يحرم الله الجدال جملة و هو يقول:" وَ قٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلّٰا مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ" قال الله تعالى:" تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ" فجعل علم الصدق و الإيمان بالبرهان، و هل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن، قيل: يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن و التي ليست بأحسن؟ فقال: أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى، و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم، و على المبطلين، أما المبطلون فيجعلون الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلة

246

..........

____________

و ضعف في يده حجة له على باطله، و أما الضعفاء منكم فتعمى قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل، ثم ذكر (عليه السلام) له احتجاجات النبي (صلى الله عليه و آله) على أرباب الملل الباطلة.

و مما يؤيد سائر الوجوه ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إياك و الخصومات فإنها تورث الشك و تحبط العمل، و تردي صاحبها، و عسى أن يتكلم الرجل بالشيء لا يغفر له، و في المجالس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياك و الخصومة في الدين فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز و جل و تورث النفاق و تكسب الضغائن و تستجيز الكذب.

و ما رواه الشيخ في مجالسه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لأصحابه: اسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموقفة: لا يتكلم أحدكم بما لا يعنيه، و ليدع كثيرا من الكلام فيما يعينه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، و لا يمارين أحدكم سفيها و لا حليما، فإنه من مارى حليما أقصاه، و من مارى سفيها أرداه، و في المحاسن عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ادعوا الناس إلى ما في يدي؟ فقال: لا، قلت: إن استرشدني أحد أرشده؟ قال: نعم، إن استرشدك فأرشده، فإن استزادك فزده، فإن جاحدك فجاحده.

و روى السيد بن طاوس في كشف المحجة نقلا من كتاب عبد الله بن حماد عن عاصم الحناط عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) و أنا عنده: إياك و أصحاب الكلام و الخصومات و مجالستهم، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه، و تكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء، يا أبا عبيدة خالط الناس بأخلاقهم و زائلهم بأعمالهم،

247

..........

____________

و من الكتاب المذكور عن جميل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: متكلمو هذه العصابة من شرار من هم منهم، إلى غير ذلك من الأخبار التي أوردتها في كتاب بحار الأنوار.

و قال شارح التجريد القوشجي في سياق أدلة النافين لوجوب النظر شرعا:

و ثانيها: أن النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، روي أنه (صلوات الله عليه) خرج على أصحابه فرآهم يتكلمون في القدر، فغضب حتى احمرت وجنتاه و قال:

إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا، و قال (صلوات الله عليه): إذا ذكر القدر فأمسكوا، و لا شك أن النظر جدل، فيكون منهيا عنه لا واجبا، و أجيب: بأن ذلك النهي الوارد عن الجدل إنما هو حيث كان الجدل تعنتا و لجاجا بتلفيق الشبهات الفاسدة لترويج الآراء الباطلة، و دفع العقائد الحقة و إراءة الباطل في صورة الحق بالتلبيس و التدليس، كما قال تعالى:" وَ جٰادَلُوا بِالْبٰاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" و قال:" بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" و قال" وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُجٰادِلُ فِي اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ*" و مثل هذا الجدال لا نزاع في كونه منهيا عنه، و أما الجدل بالحق لإظهاره و إبطال الباطل فمأمور به، قال الله تعالى:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و مجادلة الرسول لابن الزبعرى، و علي (عليه السلام) للقدري مشهورة إلى آخر ما قال.

الثاني: أن الهداية من الله سبحانه، و لا يقدر الخلق عليها، و هو حق، و محمول على الإيصال إلى المطلوب، و هو مما لا يقدر عليه غيره تعالى، و أما الهداية بمعنى إراءة الطريق فهي شأن الأنبياء و الأوصياء و العلماء، و ربما يحمل على أن مفيض العلم

248

يُرِيدُ اللَّهُ هِدَايَتَهُ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوهُ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ عَمِّي وَ أَخِي وَ ابْنُ عَمِّي وَ جَارِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ فَلَا يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلَّا عَرَفَهُ وَ لَا مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَهُ- ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَهُ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً- نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً مِنْ نُورٍ وَ فَتَحَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ وَ وَكَّلَ بِهِ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ سُوءاً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ وَ سَدَّ مَسَامِعَ قَلْبِهِ وَ وَكَّلَ بِهِ شَيْطَاناً يُضِلُّهُ ثُمَّ

____________

هو الله تعالى كما مر، و الأول أظهر، و هو المراد بقوله (عليه السلام): على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته، و المراد بإرادة الضلالة أن يكله إلى نفسه، و يمنعه الألطاف الخاصة التي لا يستحقها، فيختار الضلالة، فإرادة الضلالة إرادة بالعرض و على المجاز، و ربما تأول الإرادة بالعلم الأزلي، أو بالعذاب و الهلاك كما مر، و كذا إرادة الهداية توفيقه و تأييده بما يصير سببا لاختياره الاهتداء، و ربما تأول بالإثابة و الإرشاد إلى طريق الجنة في الآخرة.

" و لا يقول أحد عمي" أي هذا عمي و يلزمني هدايته" فإن الله إذا أراد بعبد خيرا" أي استحق الألطاف الخاصة" طيب روحه" من خبث العقائد الباطلة" إلا عرفه" أي أيقن أنه حق" إلا أنكره" أي لم يذعن به، و علم أنه باطل" ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره" المراد بالكلمة ولاية الأئمة (عليهم السلام) و وجوب متابعتهم فبها يتم نجاته لأنه يأخذ عنهم ما ينجيه من العقائد و الأعمال الحقة، أو الإخلاص و صدق النية في طلب الحق، و ترك الأغراض الباطلة، و قيل: أي كلمة التقوى و هي المعرفة الكاملة.

الحديث الثاني: مجهول.

قوله (عليه السلام): إذا أراد بعبد خيرا، أي لطفا يستحقه بحسن اختياره، و قيل: أي علما" نكت في قلبه نكتة" أي أثر في قلبه تأثيرا و أفاض عليه علما يقينيا ينتقش

249

تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ

فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ

____________

فيه من قولهم: نكت الأرض بالقضيب إذا أثر فيها، و سمي اليقين بالنور إذ به يظهر حقائق الأشياء على النفس، و فتح مسامع القلب كناية عن تهيئة لقبول ما يرد عليه من المعارف" و وكل به ملك يسدده" و يلهمه الحق، و يدفع عنه استيلاء الشيطان بالشبهات،" و إذا أراد بعبد سوءا" أي منع لطفه لعدم استحقاقه" نكت في قلبه" أي يخليه و الشيطان، فينكت الشيطان في قلبه نكتة سوداء من الجهالة و الضلالة، و ما يصير سببا لعدم قبول الحق و سد مسامع قلبه، أي لا يوفقه لقبول الحق و لا يفعل به ما فعل بمن استحق الألطاف الخاصة، فكأنه سبحانه سد مسامع قلبه، و هو مثل قوله سبحانه:" خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ"" و وكل به شيطانا" أي يخلي بينه و بين الشيطان لعدم قبوله هداية الرحمن، و إعراضه عن الحق بعد البيان.

قوله تعالى" فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ" قال البيضاوي: أي يعرفه طريق الحق و يوفقه للإيمان" يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ" فيتسع له و يفسح ما فيه مجالة و هو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعه و ينافيه" وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" بحيث ينبو عن قبول الحق، فلا يدخله الإيمان" كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ" شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة.

و قال الطبرسي: قد ذكر في تأويل الآية وجوه:" أحدهما" أن معناه من يرد الله أن يهديه إلى الثواب و طريق الجنة يشرح صدره في الدنيا للإسلام، بأن يثبت عزمه عليه و يقوي دواعيه على التمسك، و يزيل عن قلبه وساوس الشيطان، و إنما يفعل ذلك لطفا و منا عليه و ثوابا على اهتدائه بهدي الله، و قبوله إياه و نظيره قوله سبحانه

250

..........

____________

" وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً"" و يَزِيدُ اللّٰهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً"" و مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ" عن ثوابه و كرامته" يَجْعَلْ صَدْرَهُ" في كفره" ضَيِّقاً حَرَجاً" عقوبة له علي تركه الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الإيمان و سالبا إياه القدرة عليه، بل ربما يكون ذلك سببا داعيا له إلى الإيمان فإن من ضاق صدره بالشيء كان ذلك داعيا له إلى تركه، و قد وردت الرواية الصحيحة أنه لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن شرح الصدر ما هو؟ فقال (صلى الله عليه و آله): نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له صدره، و ينفسخ قالوا: فهل لذلك من أمارة فيعرف بها؟ قال (صلى الله عليه و آله): نعم الإنابة إلى دار- الخلود و التجافي عن دار الغرور، و الاستعداد للموت قبل نزوله.

و ثانيها: أن معنى الآية من يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرناه جزاء له على إيمانه و اهتدائه، و قد يطلق لفظ الهدى و المراد به الاستدامة كما قلناه في: اهدنا الصراط المستقيم" وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ" أي يخذله و يخلي بينه و بين ما يريده لاختياره الكفر، و تركه الإيمان" يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" بأن يمنعه الألطاف التي ينشرح لها صدره لخروجه من قبولها، بإقامته على كفره.

و ثالثها: أن معنى الآية من يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التي وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة لأن من حقها أن تزيد المؤمن بصيرة، و من يرد أن يضله عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن تصح عليه" يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" لمكان فقد تلك الزيادة لأنها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه، اقتضى في الكافر ما يضاده، و تكون الفائدة في ذلك الترغيب في الإيمان و الزجر عن الكفر، و قد روي عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي قلب الكافر حرجا لأنه لا يصل الخير إلى قلبه، و في رواية أخرى: لا تصل الحكمة إلى قلبه، و لا يجوز أن يكون