مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
251

..........

____________

المراد بالإضلال في الآية الدعاء إلى الضلال، و لا الأمر به، و لا الإجبار عليه، لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يأمر بالضلال، و لا يدعو إليه، فكيف يجبر عليه، و الدعاء إليه أهون من الإجبار عليه، و قد ذم الله سبحانه فرعون و السامري على إضلالهما عن دين الهدى في قوله:" وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ مٰا هَدىٰ" و قوله:" وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ" و لا خلاف في أن إضلالهما إضلال أمر و إجبار و دعاء، و قد ذمهما الله سبحانه عليه مطلقا، فكيف يتمدح بما ذم عليه غيره.

و قوله:" كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ" فيه وجوه:" أحدها" أن معناه كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه، و كان قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام و الحكمة عن الزجاج" و ثانيها" أن معنى يصعد كأنه يتكلف مشقة في ارتقاء صعود" و ثالثها" أن معناه كأنما ينزع قلبه إلى السماء لشدة المشقة عليه في مفارقه مذهبه" انتهى".

و روى الصدوق في التوحيد و العيون و غيرهما بإسناده عن حمدان بن سليمان قال:

سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل:" فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ" قال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله و الثقة به، و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه، و من يرد أن يضله عن جنته و دار كرامته في الآخرة لكفره به و عصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره و يضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء" كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ".

و في معاني الأخبار بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز و جل:" وَ مَنْ يُرِدْ

252

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ وَ لَا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ وَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُخَاصِمُوا النَّاسَ لِدِينِكُمْ فَإِنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَمْرَضَةٌ لِلْقَلْبِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ص

إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

____________

أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" فقال: قد يكون ضيقا و له منفذ يسمع منه و يبصر و الحرج هو الملتئم الذي لا منفذ يسمع به و لا يبصر منه.

الحديث الثالث: حسن.

قوله (عليه السلام): اجعلوا أمركم، أي دينكم قولا و فعلا خالصا" لله" طالبين لمرضاته" و لا تجعلوه للناس" رياء و سمعة، و للغلبة عليهم و إظهارا للفضل و الكمال" فإنه ما كان لله فهو لله" أي يصل إليه و يقبله، و قيل: ما كان لله في الدنيا فهو في الآخرة أيضا لله يطلب الثواب منه" و ما كان للناس فلا يصعد إلى الله" أي لا يقبله، أو لا يصعد به ليكتب في ديوان المقربين كما قال سبحانه:" إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ" و قال:

" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ" فإن صعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما" فإن المخاصمة ممرضة" بفتح الميم و الراء، اسم مكان أو بضم الميم و كسر الراء اسم فاعل، أي موجبة لحدوث أمراض الشك و الشبهة و الأخلاق الذميمة من الحقد و الحسد و غيرهما في القلب، و القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى تنبيه، و القلب المطبوع على الباطل لا تنجع فيه أعلى مدارج الخصومات من العالم النبيه بل يضره و يصير سببا لمزيد رسوخه فيما هو فيه، ثم أيد (عليه السلام) ما ذكره بقوله تعالى لنبيه (صلوات الله عليه) في عدم ترتب الهداية على مبالغته و مجادلته:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" قال الطبرسي (رحمه الله) أي أحببت هدايته أو

253

وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ

وَ قَالَ

أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

____________

أحببته لقرابته، و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله:" وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ".

و قيل: إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك، و قيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق" وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ*" بلطفه، و قيل: على وجه الإجبار.

و قال (رحمه الله) في قوله تعالى" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" معناه الأخبار عن قدرة الله تعالى على أن يكره الخلق على الإيمان، كما قال:" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ" و لذا قال بعد ذلك" أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" و معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان، مع أنك لا تقدر عليه، لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف، و أراد بذلك تسلية النبي (صلى الله عليه و آله) و تخفيف ما يلحقه من التحسر و الحرص على إيمانهم عنه" انتهى".

و روى الصدوق (رحمه الله) في كتاب العيون بإسناده عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له المأمون: ما معنى قول الله جل ثناؤه:" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إن المسلمين

254

ذَرُوا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا عَنِ النَّاسِ وَ إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا كَتَبَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ كَانَ أَسْرَعَ

____________

قالوا لرسول الله (صلى الله عليه و آله): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا، و قوينا على عدونا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين، فأنزل الله تبارك و تعالى يا محمد (صلى الله عليه و آله)" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة، و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة، و دوام الخلود في جنة الخلد أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، و أما قوله عز و جل:" وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" فليس على تحريم الإيمان عليها، و لكن على أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، و إذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك.

" ذروا الناس" أي اتركوا المخالفين و لا تتعرضوا لمعارضتهم و مجادلتهم، أو لدعوتهم أيضا تقية فإنهم أخذوا دينهم من الناس و اتبعوهم و ظنوا أن فعلهم و قولهم حجة، فلا يتركون دينهم بقولكم، و أنتم أخذتم دينكم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بواسطة المعصومين من أهل بيته (عليه السلام)، و الغرض إما بيان المباينة بين المسلكين و البعد بين الطريقتين لبيان أن حجة الشيعة لا يؤثر فيهم فلا ينبغي لهم التعرض للمهالك لذلك أو هو تسلية للشيعة بأنكم لما كنتم على الحق فلا تبالوا بمخالفة من خالفكم، أو الغرض أنه إن كان غرضكم هدايتهم فقد سبق أنه من الله، و إن كان لتبين حجية مذهبكم فحجتكم واضحة لا نحتاج إلى ذلك.

و قيل: المعنى ذروا مخالطة الناس و موافقتهم، فإنكم على الحق و إنهم على الباطل، و لا يخفى بعده.

255

إِلَيْهِ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ

[الحديث 4]

4

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ لَا يَا فُضَيْلُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً أَمَرَ مَلَكاً فَأَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ طَائِعاً أَوْ كَارِهاً تَمَّ كِتَابُ الْعَقْلِ وَ الْعِلْمِ وَ التَّوْحِيدِ مِنْ كِتَابِ الْكَافِي وَ يَتْلُوهُ كِتَابُ الْحُجَّةِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْكَافِي تَأْلِيفِ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ

____________

" إذا كتب على عبد" أي علم إيمانه و كتبه في اللوح، و وكر الطائر: عشه.

الحديث الرابع: مجهول.

و النهي عن الدعوة أما للتقية أو محمول على ترك المبالغة فيها لمن لا يرجى نفعها فيه" طائعا أو كارها" أي سواء كان في أول الأمر راغبا فيه أم لا، إذ كثيرا ما نرى رجلا في غاية التعصب في خلاف الحق، ثم يدخل فيه بلطف من ألطافه تعالى كالأحلام الصادقة أو غيرها، و قيل: إشارة إلى اختلاف مراتب الألطاف، و قيل: أي أدخله في معرفة هذا الأمر و العلم بحقيته بالاطلاع على دلائله، سواء كان راغبا فيه أو كارها له، فإن عند الاطلاع على الدلائل، و الانتقال إلى وجه الدلالة يحصل العلم بالمدلول، و إن لم يكن المطلع راغبا و كان كارها.

انتهى ما وفق الله سبحانه لتعليقه على كتاب التوحيد من كتاب الكافي: أفقر العباد إلى عفو ربه الغني محمد باقر بن محمد تقي الملقب بالمجلسي عفا الله عن جرائمهما في سابع شهر ربيع الثاني من سنة ثمان و تسعين بعد ألف الهجرية على غاية الاستعجال و توزع البال و وفور الأشغال، و الحمد لله على كل حال و الصلاة على سيد المرسلين محمد و آله خير آل.

256

كِتَابُ الْحُجَّةِ

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

بَابُ الِاضْطِرَارِ إِلَى الْحُجَّةِ

[الحديث 1]

1

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ (رحمه الله) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُمَرَ الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ

____________

كتاب الحجة بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ وَ سَلٰامٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ محمد و آله خيرة الورى أما بعد فهذا هو المجلد الثاني من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار الرسول (صلى الله عليه و عليهم أجمعين) من كتاب الكافي.

باب الاضطرار إلى الحجة أي لا بد في كل زمان من حجة معصوم، عالم بما يحتاج إليه الخلق إما نبي أو وصي نبي، و هذا المطلوب مبين في كتب الكلام بالبراهين العقلية و النقلية.

الحديث الأول مجهول، و هو جزء من حديث طويل أوردناه في الكتاب الكبير و قد مضى بعض أجزائه في كتاب التوحيد.

257

الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ قَالَ إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً صَانِعاً مُتَعَالِياً عَنَّا وَ عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَ كَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَ لَا يُلَامِسُوهُ فَيُبَاشِرَهُمْ وَ يُبَاشِرُوهُ وَ يُحَاجَّهُمْ وَ يُحَاجُّوهُ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَ عِبَادِهِ وَ يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَ مَنَافِعِهِمْ وَ مَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَ فِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ- فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ وَ الْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَ عَزَّ وَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ(ع)وَ صَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ حُكَمَاءَ مُؤَدَّبِينَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثِينَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَ التَّرْكِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ مُؤَيَّدِينَ

____________

" من أين أثبت" على صيغة المخاطب و ربما يقرأ على بناء المفعول و هو بعيد" متعاليا عنا" أي عن مشابهتنا و الاشتراك معنا في الحقيقة و الصفة، و قوله: متعاليا ثانيا أريد به تعاليه عن العبث و اللغو، أو عن أن يشاهده الخلق و يلامسوه، فقوله:" لم يجز" صفة موضحة، و على الأول يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر لكان، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بالملامسة و المباشرة معنييهما الحقيقيين، أو إدراكه بحقيقته فإنه يستلزم حصول حقيقته سبحانه في الذهن، أو إدراكه على وجه الكمال، و المراد بالخلق أكثرهم، أو إدراك كل أحد على ما ينبغي و يليق به بالمعنى بلا واسطة.

و قوله: ثبت، جواب لما، و السفراء: جمع سفير من سفر بين القوم أي أصلح، أو من السفر بمعنى الكشف و الإيضاح" على مصالحهم و منافعهم" أي الدنيوية و الأخروية" و ما به بقاؤهم" من أمور المعاش، أو الأعم منها و من العبادة و المعرفة، فإن بقاء الخلق بهما" غير مشاركين للناس" أي في التقدس و القرب و الكمالات.

ثم اعلم أنه (عليه السلام) أشار بذلك إلى براهين شتى على اضطرار الناس إلى الرسل نذكر منها وجهين جامعين:

الأول: أنه لما ثبت وجود الصانع تعالى و حكمته و أنه لا يفعل العبث، و لو لم يكن الخلق مكلفين بمعرفته و عبادته ليفوزوا بهما بالمثوبات الأخروية و الكمالات النفسانية، لكان خلقهم عبثا، إذ يعلم كل عاقل أن اللذات الدنيوية المشوبة

258

..........

____________

بأنواع المحن و الآلام لا تصلح علة لهذا الخلق و النظام، و أما معرفته سبحانه فلا يمكن حصولها للخلق إلا بوحيه سبحانه، لتعاليه عن مشاركة الخلق في حقائقهم، و مشابهته لهم حتى يعرفوا حقيقته بذلك كما تعرف سائر الخلق به، و هو متعال عن أن يدرك بالحواس أيضا حتى يعرف بذلك، و كذا معلوم أن ما يوجب القرب و الكمال من الأخلاق و الأعمال مما لا تفي بها القوي البشرية و العقول الإنسانية فلا بد في معرفة جميع ذلك من وحي من الله سبحانه و تلقى الوحي منه تعالى لا يتيسر لجميع الخلق، إذ لا بد من نوع مناسبة بين الموحي و الموحى إليه حتى يفهم ما يلقى إليه فلذا أرسل الله تعالى من عباده أقواما من جهة روحانيتهم و تقدسهم و تنزههم عن الأدناس البشرية يناسبون الملإ الأعلى و بهذه الجهة يتلقون الوحي من ربهم جل و علا، و من جهة بشريتهم و تجسمهم و مشاكلتهم للخلق في صورهم و أجسامهم و معاشرتهم لهم في ظواهر أحوالهم، يلقون الوحي إليهم.

و أيضا لو كان الله تعالى يلقي الوحي إلى سائر الخلق كما ألقى إلى نبينا (صلى الله عليه و آله) في ليلة المعراج و غيرها، و إلى موسى عند الشجرة، لم تتم الحجة عليهم، لأنه لم تكن لهم قابلية أن يعرفوا أن ذلك الوحي من قبله سبحانه و ليس من الشياطين، بخلاف ما إذا سمعوا من بشر مثلهم يأتي بما لا يقدرون على الإتيان بمثله، فثبت أنه لا بد من سفراء بينه سبحانه و بينهم، و لا بد أن يكونوا من نوع البشر، و أن يكونوا مع مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مباينين لهم في سائر أحوالهم و أطوارهم و أخلاقهم مقدسين منزهين روحانيين ليضاهئوا الملإ الأعلى كما مر ذكره فيما مضى، و معصومين مؤيدين بالمعجزات ليكونوا حجة على غيرهم.

و هذا مما خطر ببالي القاصر، و هو بيان شاف، و برهان كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.

الثاني: ما ذكره السالكون مسلك الحكماء و هو مبني على مقدمات عقلية:

أوليها: أن لنا خالقا صانعا قادرا على كل شيء.

259

..........

____________

و الثانية: أن الله جل اسمه متعال عن التجسم و التعلق بالمواد و الأجسام، و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا بإحدى الحواس خلافا للكرامة و من يحذو حذوهم.

و الثالثة: أنه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام، و سبيل المصلحة للخلائق في المعيشة و القوام و البقاء و الدوام.

و الرابعة: أن الناس محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدنيا، و النجاة من العذاب في العقبى و ذلك لأنه من المعلوم أن الإنسان لا تتمشى معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا كغيره من أنواع الحيوان يتولى أمره من غير شريك يعاونه على ضروريات حاجاته، و أنه لا بد من أن يكون مستغنيا بآخر من نوعه يكون ذلك أيضا مستغنيا مكفيا به و بنظيره، فيكون هذا يزرع لهذا و هذا يطحن لذاك، و ذلك يخبز لآخر و آخر يخيط لغيره، و هذا يبني و هذا يتخذ الحديد، و هذا ينجر و على هذا القياس، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا و لهذا اضطروا إلى عقد المدن و الاجتماعات للمعاملات و المناكحات و سائر المعاونات و المشاركات.

و بالجملة لا بد في وجود الإنسان و بقائه من المشاركة، و لا تتم المشاركة إلا بالمعاملة، و لا بد في المعاملة من سنة و قانون عدل، و لا بد للسنة و العدل من سان و معدل، و لا يجوز أن يترك الناس و آراءهم و أهواءهم في ذلك، فيختلفون، فيرى كل أحد منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما و جورا، و لا بد أن يكون هذا المعدل و الإنسان بشرا لا ملكا، لأن الملك لا يراه أكثر الناس إلا أن يتشكل بشرا، لأن قواهم لا تقوى على رؤيته على صورة الملكية، و إنما رآهم الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية.

ثم لو فرض أن يتشكل بحيث يراه سائر الخلق كجبرئيل في صورة دحية كان ملتبسا عليهم كالبشر كما قال تعالى:" وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنٰا عَلَيْهِمْ

260

مِنْ عِنْدِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَ زَمَانٍ مِمَّا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ

____________

مٰا يَلْبِسُونَ" فلا بد أن يكون الإنسان له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم، فيتميز به منهم، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها و الحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع البشر، و يتحصل وجوده أشد من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء كإنبات الشعر على الحاجبين، و تقعير الأخمص للقدمين، و ما يجري مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزينة و بعضها للسهولة في الأفعال و الحركات، كما يظهر من علم التشريح، و وجود هذا الإنسان الصالح لأن يسن و يشرح ممكن و تأييده بالآيات و المعجزات الموجبة لإذعان الخلق له أيضا ممكن فلا يجوز أن تكون الغاية الأولى تقتضي تلك المنافع، و لا تقتضي هذه التي هي أصلها و عمدتها.

فإذا تمهدت هذه المقدمات فثبت و بين أنه واجب أن يوجد نبي و أن يكون إنسانا، و أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس و هي الأمور الخارقة للعادات، و يجب أن يسن للناس سننا بإذن الله و أمره و وحيه، و إنزال الملك إليه، و يكون الأصل الأول فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له، و أن النبي عبده و رسوله، و أنه عالم بالسر و العلانية و أنه من حقه أن يطاع أمره، و أنه قد أعد لمن أطاعه الجنة، و لمن عصاه النار، حتى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من الله و الملائكة بالسمع و الطاعة.

ففي هذا الحديث الشريف تصريح و تلويح إلى جميع ذلك كما لا يخفى على المتأمل.

قوله:" ثم ثبت ذلك" أقول: يحتمل هذا الكلام وجوها:

الأول: أن يكون المعنى أن الدليل المتقدم إنما يدل على وجوب النبي

261

وَ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَ الْبَرَاهِينِ لِكَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُ اللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ

____________

أو الحجة في كل عصر، و أما تعيين الأشخاص المعينة فإنما يثبت بما أتوا به من الدلائل و البراهين، أي الآيات و المعجزات و خوارق العادات، و غلبتهم في العلوم على أهل عصرهم، و قوله (عليه السلام):" لكيلا يخلو" تعليل لقوله: ثم ثبت، و وجه التعليل أنه ما دامت الأرض باقية و الناس موجودين فيها لا بد لهم من حجة لله عليهم يقوم بأمرهم، و يهديهم إلى سبيل الرشاد مؤيدا بما يدل على صدقه و عدالته و وجوب متابعته.

الثاني: أن يكون ذلك إشارة إلى وجود الآمرين و الناهين الموصوفين بالأوصاف المذكورة، و المراد أن الدليل السابق إنما دل على وجوب إقامة الحجة في الأرض في الجملة، و أما عدم خلو دهر طويل أو زمان قصير من حجة فإنما ثبت بقول الأنبياء و الرسل، فإن كلامهم و أخبارهم عن الله دليل و برهان حيث أخبروا أن أرض الله لا تخلو من حجة فمن في قوله" مما" للسببية، و الظرف متعلق بقوله: ثم ثبت، أو بكل من" فثبت" و" ثم ثبت" على التنازع.

الثالث: أن يكون المقصود بالدليل أولا إثبات الأنبياء (عليهم السلام)، و بقوله: ثم ثبت إثبات الأوصياء، و هذا يحتمل وجهين:" أحدهما" أنه قد ثبت الأوصياء في كل دهر بما أتت به الأنبياء من قبل الله من النص عليهم، فيكون ثبوت الأنبياء (عليهم السلام) بالعقل و الأوصياء بالنقل" و ثانيهما" أن يكون المراد أن الأوصياء بعد الأنبياء أيضا ثبت إمامتهم بما أتت به الأنبياء من المعجزات، و في بعض النسخ: مما أثبت، و لا يخفى توجيهه على الوجوه إن قرأ معلوما أو مجهولا.

و يزيد على الأخير أنه يمكن تعميمه بحيث يشمل الدليل العقلي المتقدم الدال على وجوب الأنبياء (عليه السلام).

قوله (عليه السلام): تكون معه علم، بفتحتين أي علامة و دليل، و ربما يقرأ بكسر الأول و سكون الثاني.

262

يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَ جَوَازِ عَدَالَتِهِ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ بَلِ الْخَلْقُ يُعْرَفُونَ بِاللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ قُلْتُ إِنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّ لَهُ رَبّاً فَيَنْبَغِي لَهُ

____________

قوله (عليه السلام): على جواز عدالته، أي جريان حكمه العدل.

الحديث الثاني: مجهول كالصحيح.

قوله: من أن يعرف بخلقه، قد سبقت الوجوه المحتملة في هذه الفقرة، و حاصلها: أنه تعالى أجل من أن يعرف بتعريف خلقه، إذ المعرفة موهبية و على الخلق إراءة السبيل، و الموصل هو الله سبحانه" بل الخلق يعرفون بالله" على بناء المعلوم أي إنما يعرفونه بإفاضته و هدايته و توفيقه، أو من أن يعرف بصفات خلقه و مشابهتهم بل إنما يعرفونه بما عرف به نفسه من الصفات اللائقة، أو بل الخلق يعرفون الحقائق الممكنة و أحوالها بالله، أي بسبب خلقه لها أو بسبب فيضان معرفتها منه عليهم على قدر عقولهم.

و قيل: إشارة إلى ما ذكره المحققون من أن المقربين يعرفون الحق بالحق لا بالاستدلال بمخلوقاته عليه، و يمكن أن يقرأ" يعرفون" على بناء المجهول بل هو أظهر، أي الأنبياء و الحجج (عليه السلام) إنما تعرف حقيقتهم و رسالتهم و حجيتهم بما أتاهم من المعجزات و البراهين، أو به يعرف جميع الخلق بما أشرق منه عليهم من نور الوجود.

" قال صدقت" بالتخفيف، و ربما يقرأ بالتشديد، إذ كلامه مأخوذ منهم (عليهم السلام) كما مر و لا يخفى بعده، و قوله: فقد ينبغي لأن يعرف أن لذلك الرب رضا و سخطا أي ينبغي له أن يعرفه بصفات كماله و تنزهه عن النقائص، و منها حكمته و علمه و قدرته

263

أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ لِذَلِكَ الرَّبِّ رِضًا وَ سَخَطاً وَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ رِضَاهُ وَ سَخَطُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ أَوْ رَسُولٍ فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ الْوَحْيُ فَقَدْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الرُّسُلَ فَإِذَا لَقِيَهُمْ عَرَفَ أَنَّهُمُ الْحُجَّةُ وَ أَنَّ لَهُمُ الطَّاعَةَ الْمُفْتَرَضَةَ وَ قُلْتُ لِلنَّاسِ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ هُوَ الْحُجَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ قَالُوا بَلَى قُلْتُ فَحِينَ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ كَانَ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ فَقَالُوا الْقُرْآنُ فَنَظَرْتُ فِي الْقُرْآنِ فَإِذَا هُوَ يُخَاصِمُ بِهِ الْمُرْجِئُ وَ الْقَدَرِيُّ وَ الزِّنْدِيقُ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِهِ

____________

و إرادته للخير، و كراهته للشر و القبيح، و أنه لا يخل بالحسن، و لا يأتي بالقبيح، فلا يخل باللطف إلى عباده، و إنما يتم بالأمر بالحسن و النهي عن القبيح الموجبين للرضا بالطاعة، و السخط على المعصية، و إنما يعرف أمره و نهيه و إرادته و كراهته بالوحي، أو بإرسال الرسول، فمن لم يأته الوحي فعليه طلب الرسول، فإذا طلب اطلع عليه بالآيات و الحجج الدالة على رسالته.

قوله: و قلت للناس، أي للعامة مناظرا لهم في الإمامة" فقالوا القرآن" أي هو كاف لرفع حاجة الخلق، و لا حاجة إلى غيره كما قال إمامهم: حسبنا كتاب الله" فنظرت" في نفسي بدون أن أقول لهم، أو بتقدير القول" في القرآن فهو إذا يخاصم به المرجئي" أي لا يغني عن المبين له، إذ يخاصم به الفرق المختلفة حتى يغلب كل منهم خصمه بما يجده في القرآن لإجماله و إغلاقه، و كونه ذا وجوه و محامل.

و في النهاية: المرجئة فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنها لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم عن المعاصي أي أخره عنهم، و المرجئة تهمز و لا تهمز، و كلاهما بمعنى التأخير، يقال: أرجأت الأمر و أرجأته إذا أخرته فتقول من الهمز رجل مرجىء، و هم المرجئة و في النسب مرجئي مثل مرجع و مرجعة و مرجعي، و إذا لم تهمز قلت رجل مرج و مرجئة و مرجي، مثل معط و معطية و معطي، انتهى.

و قد تطلق المرجئة على كل من أخر أمير المؤمنين عن مرتبته، و قد عرفت

264

حَتَّى يَغْلِبَ الرِّجَالَ بِخُصُومَتِهِ فَعَرَفْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا بِقَيِّمٍ فَمَا قَالَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ كَانَ حَقّاً فَقُلْتُ لَهُمْ مَنْ قَيِّمُ الْقُرْآنِ فَقَالُوا ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ وَ عُمَرُ يَعْلَمُ وَ حُذَيْفَةُ يَعْلَمُ قُلْتُ كُلَّهُ قَالُوا لَا فَلَمْ أَجِدْ أَحَداً يُقَالُ إِنَّهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا عَلِيّاً(ع)وَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَقَالَ هَذَا لَا أَدْرِي وَ قَالَ هَذَا لَا أَدْرِي وَ قَالَ هَذَا لَا أَدْرِي وَ قَالَ هَذَا أَنَا أَدْرِي فَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً(ع)كَانَ قَيِّمَ

____________

إطلاق القدري على الجبري و التفويضي، و الزنديق هو النافي للصانع أو الثنوي.

قوله: إلا بقيم، في الفائق: قيم القوم: من يقوم بسياسة أمورهم، و المراد هنا من يقوم بأمر القرآن و يعرف ظاهره و باطنه و مجمله و مؤولة و محكمة و متشابهه و ناسخه و منسوخه بوحي إلهي أو بإلهام رباني، أو بتعليم نبوي، فلما سألهم عن القيم ذكروا جماعة لم يكونوا يعرفون من القرآن إلا أقله، و القيم لا بد أن يكون عالما بجميع القرآن و سائر الأحكام، و يكون منصوصا عليه، معصوما عن الخطإ و الزلل حتى تجب متابعته و قبول قوله، و أيضا لم يدع أحد منهم سماع جميع ذلك من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و إنما ادعوا سماع مسائل قليلة مما يحتاج إليه الناس فيما سمعوا تفسيره عنه (صلى الله عليه و آله)، و لم يذهب أحد إلى كون أحد منهم عالما بجميعه بالنقل، أو العلم المقرون بالعصمة إلا أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث كان يدعي ذلك على رؤوس الأشهاد، و مجامع جماهير المسلمين، و إذ لا بد من عالم و لم يدع غيره، بل علم عدمه في غيره، و هو كان يدعيه و يبينه بدلائل نقلية و عقلية، و آيات و علامات إعجازية، علم أنه قيم القرآن، و كونه (عليه السلام) أعلم الأمة متفق عليه بين فرق المسلمين، حتى قال الآبي في كتاب الإكمال- و هو من أعاظم علماء المخالفين و متعصبيهم- لقد كان: في علي (عليه السلام) من الفضل و العلم و غيرهما من صفات الكمال- ما لم يكن في جميع الأمة حتى أنه لو لم يقدم عليه طائفة من الأمة أبا بكر لكان هو أحق بالخلافة، انتهى.

و ما في الخبر بعد تنقيحه و تفصيله يرجع إلى الدلائل المفصلة في كتب الكلام، على وجوب نصب الإمام و عصمته لحفظ الشرائع و الأحكام.

و قوله: فأشهد أن عليا (عليه السلام)" اه" لازم لجزاء مقدر أقيم مقامه و التقدير

265

الْقُرْآنِ وَ كَانَتْ طَاعَتُهُ مُفْتَرَضَةً وَ كَانَ الْحُجَّةَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَنَّ مَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حَقٌّ فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ

كَانَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ وَ مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ وَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ وَ الطَّيَّارُ وَ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَ هُوَ شَابٌّ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا هِشَامُ أَ لَا تُخْبِرُنِي كَيْفَ صَنَعْتَ بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَ كَيْفَ سَأَلْتَهُ فَقَالَ هِشَامٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أُجِلُّكَ وَ أَسْتَحْيِيكَ وَ لَا يَعْمَلُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا قَالَ هِشَامٌ بَلَغَنِي مَا كَانَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ جُلُوسُهُ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَ دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَتَيْتُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ كَبِيرَةٍ فِيهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ عَلَيْهِ شَمْلَةٌ سَوْدَاءُ مُتَّزِراً بِهَا مِنْ صُوفٍ وَ شَمْلَةٌ مُرْتَدِياً بِهَا وَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَاسْتَفْرَجْتُ النَّاسَ فَأَفْرَجُوا لِي ثُمَّ قَعَدْتُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ عَلَى رُكْبَتَيَّ ثُمَّ قُلْتُ أَيُّهَا الْعَالِمُ إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ تَأْذَنُ لِي فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لِي نَعَمْ

____________

اعلم أن القائل أنا أدري هو القيم دونهم فأشهد. اه الحديث الثالث: مجهول.

و عمرو بن عبيد من رؤساء المعتزلة، و الإجلال: التعظيم" إذا أمرتكم" الأمر مفهوم من ألا التحضيضية، و المراد أن إطاعة الأمر أوجب من رعاية الإجلال و الاستحياء.

و في النهاية: الحلقة: الجماعة من الناس مستديرين كحلقة الباب و غيره، و الشملة بالفتح: كساء يشتمل به" فاستفرجت" أي طلبت الفرجة و هي الخلل بين الشيئين، أو طلبت منهم الإفراج عن الطريق أي انكشافهم عنه فانكشفوا عنه لأجلي،" أيها العالم" أي بزعم الناس، و وصف المسألة بالحمق على سبيل التجوز مبالغة، و ربما يقرأ حمقاء بضم الحاء و سكون الميم بدون ألف مصدرا و إنما لم يذكر اللمس

266

فَقُلْتُ لَهُ أَ لَكَ عَيْنٌ فَقَالَ يَا بُنَيَّ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا مِنَ السُّؤَالِ وَ شَيْءٌ تَرَاهُ كَيْفَ تَسْأَلُ عَنْهُ فَقُلْتُ هَكَذَا مَسْأَلَتِي فَقَالَ يَا بُنَيَّ سَلْ وَ إِنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُكَ حَمْقَاءَ قُلْتُ أَجِبْنِي فِيهَا قَالَ لِي سَلْ قُلْتُ أَ لَكَ عَيْنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهَا قَالَ أَرَى بِهَا الْأَلْوَانَ وَ الْأَشْخَاصَ قُلْتُ فَلَكَ أَنْفٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَشَمُّ بِهِ الرَّائِحَةَ قُلْتُ أَ لَكَ فَمٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَذُوقُ بِهِ الطَّعْمَ قُلْتُ فَلَكَ أُذُنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهَا قَالَ أَسْمَعُ بِهَا الصَّوْتَ قُلْتُ أَ لَكَ قَلْبٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أُمَيِّزُ بِهِ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْجَوَارِحِ وَ الْحَوَاسِّ قُلْتُ أَ وَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْبِ فَقَالَ لَا قُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ وَ هِيَ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ أَوْ سَمِعَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ فَيَسْتَيْقِنُ الْيَقِينَ وَ يُبْطِلُ الشَّكَّ قَالَ هِشَامٌ فَقُلْتُ لَهُ

____________

لأنه ليست له جارحة مخصوصة ظاهرة، أو لقلة الاشتباه فيه، مع أنه يعرف بالمقايسة، و المراد بالقلب النفس الناطقة المتعلقة أولا و بالذات بالروح الحيواني المنبعث عن القلب الصنوبري الذي نسبته إلى أعضاء الحس و الحركة كنسبة النفس إلى قوي الحس و الحركة في أنه ينبعث منه الدم و الروح البخاري إلى سائر الأعضاء، فالنفس رئيس القوي و إمامها، و القلب و هو مستقرها و عرش استوائها بإذن الله رئيس سائر الأعضاء و إمامها، أو المراد بالقلب القوة العقلية التي للنفس الإنسانية أو ما يشمل القوي الحسية الباطنة التي هي كالآلات للقوة العقلية في فكرتها و سائر تصرفاتها كما قيل.

و أما شك الحواس و غلطها فقيل: معناه أن العقل و الوهم المشوب بالحس يغلط، أو يشك بسبب من الأسباب، ثم يعلم النفس بقوة العقل ما هو الحق المتيقن كما يرى البصر العظيم صغيرا لبعده، و الصغير كبيرا لقربه، و الواحد اثنين لحول في العين، و الشجرة التي في طرف الحوض منكوسة لانعكاس شعاع البصر من الماء إليها

267

فَإِنَّمَا أَقَامَ اللَّهُ الْقَلْبَ لِشَكِّ الْجَوَارِحِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لَا بُدَّ مِنَ الْقَلْبِ وَ إِلَّا لَمْ تَسْتَيْقِنِ الْجَوَارِحُ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مَرْوَانَ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ وَ يَتَيَقَّنُ بِهِ مَا شُكَّ فِيهِ وَ يَتْرُكُ هَذَا الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَ شَكِّهِمْ وَ اخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وَ حَيْرَتَهُمْ وَ يُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وَ شَكَّكَ قَالَ فَسَكَتَ وَ لَمْ يَقُلْ لِي شَيْئاً

____________

و السمع يسمع الصوت الواحد عند الجبل و نحوه مما فيه صلابة أو صقالة صوتين، لانعكاس الهواء المكيف بكيفية السمع إلى الصماخ تارة أخرى، و يقال للصوت الثاني:

الصداء، و كما تجد الذائقة الحلو مرا لغلبة المرة الصفراء على جرم اللسان، و كذا تشمئز الشامة من الروائح الطيبة بالزكام، فهذه و أمثالها أغلاط حسية يعرف القلب حقيقة الأمر فيها.

و قيل: معناه أن النفس مع هذه القوي الحسية الظاهرة، تحتاج إلى قوة حاكمة عليها، إذ من شأنها من حيث هذه القوي هذه الإدراكات التصورية دون التصديقات و اليقينيات، فلا يستيقن إلا بقوة أخرى هي الحاكمة باليقينيات، و هي القوة التي بها تخرج عن الشك إلى اليقين، فإنما أقام الله القلب بإعطاء هذه القوة لتخرج بها النفس عن تلك المرتبة التي شأنها بحسبها الشك و عدم الاستيقان إلى مرتبة اليقين، ثم إذا كان بحكمته لا يخل بإعطاء ما تحتاج إليه نفسك في وصولها إلى كمالها القابلة، كيف يخل بما يحتاج إليه الخلق كلهم، لخروجهم عن حيرتهم و شكهم إلى الاستيقان بما فيه بقاؤهم و نجاتهم عن الضلال و الهلاك، فأول هذا الكلام تنبيه على حكمته المقتضية للصلاح و الخير و إعطاء ما يحتاج إليه المستكمل في الخروج من النقصان إلى الكمال، و الوصول إلى النجاة عن الضلال، و آخره الاستدلال من تلك الحكمة على إقامة الإمام الذي إنما يحصل نجاة الخلق عن حيرتهم و شكهم بمعرفته، و الأخذ عنه، و الاهتداء بهداه.

268

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي أَنْتَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُلْتُ لَا قَالَ أَ مِنْ جُلَسَائِهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ فَأَنْتَ إِذاً هُوَ ثُمَّ ضَمَّنِي إِلَيْهِ وَ أَقْعَدَنِي فِي مَجْلِسِهِ وَ زَالَ عَنْ مَجْلِسِهِ وَ مَا نَطَقَ حَتَّى قُمْتُ قَالَ فَضَحِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ قَالَ يَا هِشَامُ مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا قُلْتُ شَيْءٌ أَخَذْتُهُ مِنْكَ وَ أَلَّفْتُهُ فَقَالَ هَذَا وَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ فِي

صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ

كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَوَرَدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ إِنِّي رَجُلٌ صَاحِبُ كَلَامٍ وَ فِقْهٍ وَ فَرَائِضَ وَ قَدْ جِئْتُ لِمُنَاظَرَةِ أَصْحَابِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَلَامُكَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَوْ مِنْ عِنْدِكَ فَقَالَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مِنْ عِنْدِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَنْتَ إِذاً شَرِيكُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ لَا قَالَ فَسَمِعْتَ الْوَحْيَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ

____________

قوله: فقلت لا، قال ذلك تورية للمصلحة، و يمكن أن يكون غرضه لا- أخبرك به.

الحديث الرابع: مرسل.

و ذكر الفرائض بعد الفقه تخصيص بعد التعميم لغموض مسائلها بالنسبة إلى سائر أبواب الفقه، و كون اختلاف الأمة فيها أكثر من غيرها، و شدة اعتناء المخالفين بها، و مدخلية علم الحساب فيها، و هو [غير] مأخوذ من الشارع، و ربما يقال: المراد بالفرائض الواجبات و هو بعيد" لمناظرة أصحابك" إنما نسب المناظرة إلى الأصحاب رعاية للأدب و" من" في قوله:" من كلام رسول الله (صلى الله عليه و آله)" للابتداء أو للتعليل أو للتبعيض.

قوله (عليه السلام): فأنت إذا شريك رسول الله (صلى الله عليه و آله)، يدل على بطلان الكلام الذي لم يكن مأخوذا من الكتاب و السنة، و أنه لا يجوز الاعتماد في أصول الدين على الأدلة العقلية، و قيل: لما كان مناظرته في الإمامة و المناط فيها قول الشارع قال له ذلك، لأنه إذا بني أمرا لا بد فيه من الرجوع إلى الشارع على قول الرسول و قوله

269

وَ جَلَّ يُخْبِرُكَ قَالَ لَا قَالَ فَتَجِبُ طَاعَتُكَ كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ لَا فَالْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِلَيَّ فَقَالَ يَا يُونُسَ بْنَ يَعْقُوبَ هَذَا قَدْ خَصَمَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا يُونُسُ لَوْ كُنْتَ تُحْسِنُ الْكَلَامَ كَلَّمْتَهُ قَالَ يُونُسُ فَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنِ الْكَلَامِ وَ تَقُولُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ

____________

معا، فيلزمه أن يجعل نفسه شريكه (صلى الله عليه و آله و سلم) في رسالته و في شرعه للدين، فلما نفى الشركة" قال (عليه السلام) فسمعت الوحي عن الله" أي المبين لأصول الدين، على الأول، أو للإمامة على الثاني، إعلام الله بها أو بتبيين و تعيين ممن أوجب الله طاعته كطاعة رسول الله أو إعلام الله إما بوساطة الرسول أو بالوحي بلا واسطة، و ما بوساطة الرسول فهو من كلامه لا من عندك، فتعين عليك في قولك من عندي أحد الأمرين إما الوحي إليك بسماعك عن الله بلا واسطة، أو وجوب طاعتك كوجوب طاعة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فلما نفاهما بقوله" لا" في كليهما لزمه نفي ما قاله و من عندي، و لذا قال (عليه السلام) هذا خاصم نفسه قبل أن يتكلم، و قيل: مخاصمة نفسه من جهة أنه اعترف ببطلان ما يقوله من عنده، لأن شيئا لا يكون مستندا إلى الوحي و لا إلى الرسول، و لا يكون قائله في نفسه واجب الإطاعة لا محالة، بل يكون باطلا.

و أقول: يحتمل أن يكون الكلام الذي ردد (عليه السلام) الحال فيه بين الأمرين الكلام في الفروع من الفقه و الفرائض، لأنه لا مدخل العقل فيها، و لا بد من استنادها إلى الوحي، فمن حكم فيها برأيه يكون شريكا للرسول في تشريع الأحكام، و التعميم أظهر.

" لو كنت تحسن الكلام" أي تعلمه كما ورد: قيمة المرء ما يحسنه" يا لها من حسرة" النداء للتعجب و المنادي محذوف، و لام التعجب متعلق باعجبوا، و" من حسرة" تميز من الضمير المبهم بزيادة من، و الحسرة أشد التلهف على الشيء الفائت، و قوله: فقال يونس، إما علي الالتفات أو بتقدير" قلت" بعده، أو قال ذلك عند الحكاية للراوي.

270

الْكَلَامِ يَقُولُونَ هَذَا يَنْقَادُ وَ هَذَا لَا يَنْقَادُ وَ هَذَا يَنْسَاقُ وَ هَذَا لَا يَنْسَاقُ وَ هَذَا نَعْقِلُهُ وَ هَذَا لَا نَعْقِلُهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا قُلْتُ فَوَيْلٌ لَهُمْ إِنْ تَرَكُوا مَا أَقُولُ وَ ذَهَبُوا إِلَى مَا يُرِيدُونَ ثُمَّ قَالَ لِي اخْرُجْ إِلَى الْبَابِ فَانْظُرْ مَنْ تَرَى مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَأَدْخِلْهُ قَالَ فَأَدْخَلْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَعْيَنَ وَ كَانَ يُحْسِنُ الْكَلَامَ وَ أَدْخَلْتُ الْأَحْوَلَ وَ كَانَ يُحْسِنُ الْكَلَامَ وَ أَدْخَلْتُ هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ وَ كَانَ يُحْسِنُ الْكَلَامَ وَ أَدْخَلْتُ قَيْسَ بْنَ الْمَاصِرِ وَ كَانَ عِنْدِي أَحْسَنَهُمْ كَلَاماً وَ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ الْكَلَامَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِنَا الْمَجْلِسُ وَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَبْلَ الْحَجِّ يَسْتَقِرُّ أَيَّاماً فِي جَبَلٍ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ فِي فَازَةٍ لَهُ مَضْرُوبَةٍ قَالَ فَأَخْرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)رَأْسَهُ مِنْ فَازَتِهِ فَإِذَا هُوَ بِبَعِيرٍ يَخُبُّ

____________

و قوله:" هذا ينقاد و هذا لا ينقاد" أي إنهم يزنون ما ورد في الكتاب و السنة بميزان عقولهم و قواعدهم الكلامية، فيؤمنون ببعض و يكفرون ببعض، فإنهم كثيرا ما يتركون ظواهر الكتاب و السنة لمناقضة آرائهم إياها، فيقولون: هذا ينقاد لما وافق عقولهم، و هذا لا ينقاد لما خالفها، و هو المراد أيضا بقوله:" هذا ينساق و هذا لا ينساق".

و قيل: المعنى هذا ينجر إلى أمر كذا من محال أو تناقض أو دور أو تسلسل، و هذا لا ينساق، أي لا ينجر إليه، و قيل: هذا ينقاد و هذا لا ينقاد، إشارة إلى ما يقوله أهل المناظرة في مجادلاتهم: سلمنا هذا و لكن لا نسلم ذلك، و هذا ينساق و هذا لا ينساق إلى قولهم للخصم: أن يقول كذا و ليس له أن يقول كذا.

" و هذا نعقله" أي تقبله عقولنا" إن تركوا ما أقول" أي ما ثبت من الشارع في الدين" فلما استقر بنا المجلس" الباء إما بمعنى في، و المعنى على القلب، أي استقررنا فيه أو الإسناد على المجاز، و إما للمصاحبة أو للتعدية، و على الوجوه: المعنى كنا لم ننتظر حضور غيرنا، و الفازة بالفاء و الزاي مظلة بعمودين، و الخبب: ضرب من العدو

271

فَقَالَ هِشَامٌ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ فَظَنَنَّا أَنَّ هِشَاماً رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عَقِيلٍ كَانَ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لَهُ قَالَ فَوَرَدَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَ هُوَ أَوَّلَ مَا اخْتَطَّتْ لِحْيَتُهُ وَ لَيْسَ فِينَا إِلَّا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنّاً مِنْهُ قَالَ فَوَسَّعَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ قَالَ نَاصِرُنَا بِقَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ يَا حُمْرَانُ كَلِّمِ الرَّجُلَ فَكَلَّمَهُ فَظَهَرَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ ثُمَّ قَالَ يَا طَاقِيُّ كَلِّمْهُ فَكَلَّمَهُ فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْأَحْوَلُ ثُمَّ قَالَ يَا هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ كَلِّمْهُ فَتَعَارَفَا ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِقَيْسٍ الْمَاصِرِ كَلِّمْهُ فَكَلَّمَهُ فَأَقْبَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَضْحَكُ مِنْ كَلَامِهِمَا مِمَّا قَدْ أَصَابَ الشَّامِيَّ فَقَالَ لِلشَّامِيِّ كَلِّمْ هَذَا الْغُلَامَ يَعْنِي هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ لِهِشَامٍ يَا غُلَامُ سَلْنِي فِي إِمَامَةِ هَذَا فَغَضِبَ هِشَامٌ حَتَّى ارْتَعَدَ ثُمَّ قَالَ لِلشَّامِيِّ يَا هَذَا أَ رَبُّكَ أَنْظَرُ لِخَلْقِهِ أَمْ خَلْقُهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَقَالَ الشَّامِيُّ بَلْ رَبِّي أَنْظَرُ لِخَلْقِهِ قَالَ فَفَعَلَ بِنَظَرِهِ لَهُمْ مَا ذَا قَالَ أَقَامَ لَهُمْ حُجَّةً وَ دَلِيلًا كَيْلَا يَتَشَتَّتُوا أَوْ يَخْتَلِفُوا يَتَأَلَّفُهُمْ وَ يُقِيمُ أَوَدَهُمْ

____________

ذكرهما الجوهري" هو شديد المحبة له" أي هشام له (عليه السلام) أو بالعكس، قال الجوهري: اختط الغلام أي نبت عذاره" فتعارفا" في أكثر النسخ بالعين و الراء المهملتين و الفاء، أي تكلما بما عرف كل منهما صاحبه و كلامه بلا غلبة لأحدهما على الآخر، و في بعضها بالواو و الفاء أي تعوق كل منهما عن الغلبة و في بعضها بالفاء و الراء و القاف و هو ظاهر، و في بعضها بالعين و الراء و القاف أي وقعا في العرق كناية عن طول المناظرة" مما قد أصاب الشامي بالنصب أي من المغلوبية و الخجلة، أو بالرفع فما مصدرية أي إصابة الشامي و خطىء قيس، فالضحك لعجز قيس" فغضب هشام" لسوء أدب الشامي بالنسبة إلى جنابه (عليه السلام)" أ ربك أنظر" يقال: نظر له كضرب و علم نظرا: أعانه، و النظرة بالفتح الرحمة" كيلا يتشتتوا" أي لا يتفرقوا في مذاهبهم و مسالكهم و آرائهم، و الأود: بالتحريك الاعوجاج، أي يزيل اعوجاجهم و انعطافهم عن الحق بإقامتهم.

272

وَ يُخْبِرُهُمْ بِفَرْضِ رَبِّهِمْ قَالَ فَمَنْ هُوَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ هِشَامٌ فَبَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ الْكِتَابُ وَ السُّنَّةُ قَالَ هِشَامٌ فَهَلْ نَفَعَنَا الْيَوْمَ الْكِتَابُ وَ السُّنَّةُ فِي رَفْعِ الِاخْتِلَافِ عَنَّا قَالَ الشَّامِيُّ نَعَمْ قَالَ فَلِمَ اخْتَلَفْنَا أَنَا وَ أَنْتَ وَ صِرْتَ إِلَيْنَا مِنَ الشَّامِ فِي مُخَالَفَتِنَا إِيَّاكَ قَالَ فَسَكَتَ الشَّامِيُّ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِلشَّامِيِّ مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ قَالَ الشَّامِيُّ إِنْ قُلْتُ لَمْ نَخْتَلِفْ كَذَبْتُ وَ إِنْ قُلْتُ إِنَّ الْكِتَابَ وَ السُّنَّةَ يَرْفَعَانِ عَنَّا الِاخْتِلَافَ أَبْطَلْتُ لِأَنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ الْوُجُوهَ وَ إِنْ قُلْتُ قَدِ اخْتَلَفْنَا وَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَدَّعِي الْحَقَّ فَلَمْ يَنْفَعْنَا إِذَنِ الْكِتَابُ وَ السُّنَّةُ إِلَّا أَنَّ لِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَلْهُ تَجِدْهُ مَلِيّاً فَقَالَ الشَّامِيُّ يَا هَذَا مَنْ أَنْظَرُ لِلْخَلْقِ أَ رَبُّهُمْ أَوْ أَنْفُسُهُمْ فَقَالَ هِشَامٌ رَبُّهُمْ أَنْظَرُ لَهُمْ مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَقَالَ الشَّامِيُّ فَهَلْ أَقَامَ لَهُمْ مَنْ يَجْمَعُ لَهُمْ كَلِمَتَهُمْ وَ يُقِيمُ أَوَدَهُمْ وَ يُخْبِرُهُمْ بِحَقِّهِمْ مِنْ بَاطِلِهِمْ قَالَ هِشَامٌ فِي وَقْتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَوِ السَّاعَةِ-

____________

قوله: فلم اختلفت أنا و أنت؟ فإن عارض بأنه مع قولك أيضا الاختلاف واقع بيننا و بينك فلم ينفع وجود الإمام؟ يجاب بأنه لا بد في لطف الله تعالى و حكمته أن يعين لهم حجة إذا رجعوا إليه يرتفع الاختلاف عنهم، فإذا لم يرجعوا إليه و حصل الاختلاف كان التقصير منهم و لم يكن لهم علي الله حجة.

قوله: و كل منا يدعي الحق، أي يدعى في قوله إنه الحق دون قول مخالفيه، و لما لم يبق له سبيل إلى النقض التفصيلي و الدخل في مقدمة من المقدمات أراد سلوك سبيل المعارضة بالمثل أو النقض الإجمالي و الأول أظهر، و في النهاية: يقال: أبطل إذا جاء بالباطل، و قال: المليء بالهمز: الثقة الغني، و قد ملأ فهو مليء و قد أولع الناس بترك الهمزة و تشديد الياء" انتهى" و المراد هنا تجده غنيا بالعلم، مقتدرا على المناظرة، و قيل: فعيل بمعنى مفعول، أي حملوا علما أو بمعنى فاعل من مليء كعلم و حسن أي امتلاء.

273

قَالَ الشَّامِيُّ فِي وَقْتِ رَسُولِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ السَّاعَةِ مَنْ فَقَالَ هِشَامٌ هَذَا الْقَاعِدُ الَّذِي تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ وَ يُخْبِرُنَا بِأَخْبَارِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وِرَاثَةً عَنْ أَبٍ عَنْ جَدٍّ قَالَ الشَّامِيُّ فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ سَلْهُ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ الشَّامِيُّ قَطَعْتَ عُذْرِي فَعَلَيَّ السُّؤَالُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا شَامِيُّ أُخْبِرُكَ كَيْفَ كَانَ سَفَرُكَ وَ كَيْفَ كَانَ طَرِيقُكَ كَانَ كَذَا وَ كَذَا فَأَقْبَلَ الشَّامِيُّ يَقُولُ صَدَقْتَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ السَّاعَةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

____________

قوله: قال الشامي في وقت رسول الله (صلى الله عليه و آله)، أي ظاهرا و كان الرسول، و في بعض النسخ بعد ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو أظهر، و لعله سقط من النساخ لتوهم التكرار.

قوله: تشد إليه الرحال، هو جمع الرحل و هو ما يستصحبه المسافر من الأثاث، و القتب للبعير، و الظرف متعلق بتشد بتضمين معنى التوجه، أي يتوجه إليه علماء كل بلد للاستفادة منه.

قوله: وراثة عن أب عن جد، أي هذه الحالة و هي الإمامة المستلزمة للعلم بالمغيبات، و الأخبار بأخبار السماء و الأرض وراثة عن أب عن جد إذ كل منهم (عليهم السلام) وارث و وصي لمن تقدمه، أو الأخبار وراثة، و قوله:" يخبرنا" على الأول بيان لطريق العلم بكونه وصيا و إماما، فإن الأخبار معجزة، و قوله: فكيف لي أن أعلم ذلك" أي الإخبار بالمغيبات؟ فأجاب بأن طريقه السؤال عما لا طريق إلى علمه إلا من قبل الله، و على الثاني: الأخبار إنما يكون طريقا إلى العلم لأنه إذا كان هو من بين الأمة عالما بما يخفى على غيره و لا يخفى عليه ما يعلمه غيره فيكون أولى بالخلافة و الإمامة، و لهذا قال: سله عما بدا لك على التعميم في المسؤول عنه تعميما لا يحيط به النقل، و لا تحصره الرواية، و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى العلم بإمامته (عليه السلام)، أما على الأول فبأن يحمل على أنه لم يفهم مقصود هشام من قوله يخبرنا، و على الثاني فبأن الإخبار وراثة لا يكون دليلا عليها، و الجواب ما مر و الأول أظهر.

274

بَلْ آمَنْتَ بِاللَّهِ السَّاعَةَ إِنَّ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْإِيمَانِ وَ عَلَيْهِ يَتَوَارَثُونَ وَ يَتَنَاكَحُونَ وَ الْإِيمَانُ عَلَيْهِ يُثَابُونَ فَقَالَ الشَّامِيُّ صَدَقْتَ فَأَنَا السَّاعَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَنَّكَ وَصِيُّ الْأَوْصِيَاءِ ثُمَّ الْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِلَى حُمْرَانَ فَقَالَ تُجْرِي الْكَلَامَ عَلَى الْأَثَرِ فَتُصِيبُ وَ الْتَفَتَ إِلَى هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ فَقَالَ تُرِيدُ الْأَثَرَ وَ لَا تَعْرِفُهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْأَحْوَلِ

____________

قوله: إن الإسلام قبل الإيمان، سيأتي معانيهما في كتاب الإيمان و الكفر، و يدل على أن الإسلام هو الاعتقاد بالتوحيد و الرسالة و المعاد و ما يلزمها سوى الإمامة، و الإيمان هو الاعتقاد القلبي بجميع العقائد الحقة التي عمدتها الإقرار بجميع أئمة الحق (عليهم السلام)، و يدل على أن الأحكام الدنيوية تترتب على الإسلام، و أما الثواب الأخروي فلا يكون له إلا بالإيمان، فالمخالفون لا يدخلون الجنة أبدا، و على أنه يجوز نكاح المخالفين و إنكاحهم، و يكون التوارث بينهم و بين المؤمنين، و على عدم دخول الأعمال في الإيمان، و سيأتي الكلام في جميع ذلك في مظانها إنشاء الله تعالى، و قبلية الإسلام بالنسبة إلى الإيمان إما ذاتي كتقدم الكلي على الجزئي و الكل على الجزء، أو المعنى أنه يمكن حصول الإسلام قبل الإيمان بالزمان و إن أمكن مقارنتهما، و الحاصل أن النسبة بينهما العموم و الخصوص المطلق.

قوله (عليه السلام): تجري الكلام على الأثر، أي على الأخبار المأثورة عن النبي و أئمة الهدى (صلوات الله عليهم) فتصيب الحق، و قيل: على حيث ما يقتضي كلامك السابق، فلا يختلف كلامك بل يتعاضد.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد على أثر كلام الخصم، أي جوابك مطابق للسؤال، و الأول أظهر.

" تريد الأثر" أي تريد أن تبني كلامك على الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و لا تعرفه، لعدم التتبع في الأخبار، أو عدم القدرة على الاستنباط" قياس" بالقياس

275

فَقَالَ قَيَّاسٌ رَوَّاغٌ تَكْسِرُ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ إِلَّا أَنَّ بَاطِلَكَ أَظْهَرُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَيْسٍ الْمَاصِرِ فَقَالَ تَتَكَلَّمُ وَ أَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَبْعَدُ مَا تَكُونُ مِنْهُ تَمْزُجُ

____________

الفقهي أو المنطقي،" رواغ" أي ميال عن الحق، أو مميل كثير الميل عما يوجب غلبة الخصم عليك، من قولهم راغ عن الشيء أي مال و حاد، و منه روغان الثعلب" إلا أن باطلك أظهر" أي أغلب على الخصم، أو أوضح أو أشبه بالصواب" و أقرب ما يكون" أقرب مرفوع بالابتداء و مضاف إلى الموصول، و" يكون" تامة أو ناقصة بتقدير الخبر، و الضمير المستتر فيه لما و" من" صلة لأقرب أو تبعيضية، و أبعد خبر و ضمير" منه" للخبر، و الجملة حال عن فاعل تتكلم، أو كلمة" ما" مصدرية أي أقرب أوقات كون كلامك من الخبر أبعدها. و يحتمل أن يكون أبعد منصوبا على الحالية سادا مسد الخبر كما في قولهم:

أخطب ما يكون الأمير قائما، على اختلافهم في تقدير مثله كما هو مذكور في محله.

قال الرضي رضي الله عنه في شرحه على الكافية بعد نقل الأقوال في ذلك: و اعلم أنه يجوز رفع الحال الساد مسد الخبر عن أفعل المضاف إلى" ما" المصدرية الموصولة بكان أو يكون، نحو أخطب ما يكون الأمير قائم، هذا عند الأخفش و المبرد، و منعه سيبويه و الأولى جوازه، لأنك جعلت ذلك الكون أخطب مجازا فجاز جعله قائما أيضا، ثم قال: و يجوز أن يقدر في أفعل المذكور زمان مضاف إلى ما يكون لكثرة وقوع ما المصدرية مقام الظرف، نحو قولك: ما ذر شارق فيكون التقدير أخطب ما يكون الأمير قائم، أي أوقات كون الأمير، فتكون قد جعلت الوقت أخطب و قائما كما يقال: نهاره صائم و ليله قائم، انتهى.

و على التقادير: المراد بيان بعد كلامه عن الأثر و أن كلما يزعمه أقرب إلى الخبر فهو أبعد منه، و قال بعض الأفاضل: أي تتكلم و كلامك أقرب ما يكون من الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبعد ما يكون منه، أي مشتمل عليهما تمزج الحق القريب

276

الْحَقَّ مَعَ الْبَاطِلِ وَ قَلِيلُ الْحَقِّ يَكْفِي عَنْ كَثِيرِ الْبَاطِلِ أَنْتَ وَ الْأَحْوَلُ قَفَّازَانِ حَاذِقَانِ قَالَ يُونُسُ فَظَنَنْتُ وَ اللَّهِ أَنَّهُ يَقُولُ لِهِشَامٍ قَرِيباً مِمَّا قَالَ لَهُمَا ثُمَّ قَالَ يَا هِشَامُ لَا

____________

منه من الخبر مع الباطل البعيد عنه، و لو اكتفيت بالحق عن الباطل لأصبت، و قليل الحق يكفي عن كثير الباطل.

و يحتمل وجهين آخرين" أحدهما" كون الضمير في قوله: أبعد ما يكون منه، راجعا إلى الكلام، و المعنى يتكلم و الحال أن أقرب ما يكون من الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبعد ما يكون من كلامك" و ثانيهما" أن يكون راجعا إلى الخبر، و يكون المعنى و الحال أن أقرب ما تكون من الخبر عن رسول الله أبعد ما يكون من الخبر عنه في كلامك و بحسب حملك و تنزيلك، و الأول أظهر، و في بعض النسخ أقرب ما تكون بلفظ الخطاب، أي أقرب حالك التي تكون عليها من الخبر أبعد حالك عنها، و حاصله أنه إذا أردت القرب من الخبر و الموافقة له تقع في المخالفة و البعد عنه.

" قفازان" بالقاف و الفاء المشددة و الزاي من القفز و هو الوثوب، أي وثابان من مقام إلى آخر غير ثابتين على أمر واحد، و قيل: هو من القفيز و هو المكيال، و المراد علم الميزان، و في بعض النسخ بالراء المهملة من القفر و هو المتابعة و الاقتفاء و في بعضها بتقديم الفاء على القاف من فقرت البئر أي حفرته، و الفقر أيضا: ثقب الخرز للنظم و مناسبتها ظاهرة" لا تكاد تقع" أي لا يقرب وقوعك على الأرض و مغلوبيتك" تلوى رجليك إذا هممت بالأرض" أي قصدت الوقوع على الأرض تنزلا لمماشاة الخصم، أو قربت من الوقوع مجازا، و لويت الحبل فتلته، و لوى الرجل رأسه: أمال، و الحاصل أنك كلما قربت من الأرض و خفت الوقوع عليها لويت رجليك كما هو شأن الطير عند إرادة الطيران، ثم طرت و لم تقع، و الغرض أنك لا تغلب من خصمك قط، و إذا قرب أن يغلب إليك و يعجزك تجد مفرا حسنا فتغلب عليه.

و الزلة هي ما وقع منه في زمن الكاظم (صلوات الله عليه) من مخالفته (عليه السلام) حين

277

تَكَادُ تَقَعُ تَلْوِي رِجْلَيْكَ إِذَا هَمَمْتَ بِالْأَرْضِ طِرْتَ مِثْلُكَ فَلْيُكَلِّمِ النَّاسَ فَاتَّقِ الزَّلَّةَ وَ الشَّفَاعَةُ مِنْ وَرَائِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ

[الحديث 5]

5

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ قَالَ

أَخْبَرَنِي الْأَحْوَلُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)بَعَثَ إِلَيْهِ وَ هُوَ مُسْتَخْفٍ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا تَقُولُ إِنْ طَرَقَكَ طَارِقٌ مِنَّا أَ تَخْرُجُ مَعَهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنْ كَانَ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ خَرَجْتُ مَعَهُ قَالَ فَقَالَ لِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ

____________

أمره بترك الكلام تقية و اتقاء و إبقاء عليه و على نفسه (صلوات الله عليه)، كما روى الكشي عن أبي يحيى الواسطي عن عبد الرحمن بن حجاج قال: سمعته يؤدي إلى هشام بن الحكم رسالة أبي الحسن (عليه السلام) قال: لا تتكلم فإنه قد أمرني أن آمرك أن لا- تتكلم قال: فما بال هشام يتكلم و أنا لا أتكلم؟ قال: أمرني أن آمرك أن لا تتكلم أنا رسوله إليك، قال أبو يحيى: أمسك هشام بن الحكم عن الكلام شهرا ثم تكلم، فأتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال: سبحان الله يا أبا محمد تكلمت و قد نهيت عن الكلام؟

فقال: مثلي لا ينهى عن الكلام، قال أبو يحيى: فلما كان من قابل أتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال له يا هشام: قال لك أ يسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال:

فكيف تشرك في دمي؟ فإن سكت و إلا فهو الذبح، فما سكت حتى كان من أمره ما كان صلى الله عليه، و ذكر نحوا من ذلك بأسانيد، و له قصة طويلة في مناظرته في بيت يحيى البرمكي و هارون خلف الستر، و أن ذلك صار سبب موته، لكن فيه مدائح كثيرة تغلب ذمه، و لعل هذه الزلات التي كانت لشدة حبهم و رسوخهم في الدين مقرونة بالشفاعة و المغفرة كما وعده (عليه السلام)، و قد أشبعت الكلام في ذلك في الكتاب الكبير.

الحديث الخامس: موثق كالصحيح.

" إن طرقك طارق منا" أي دخل عليك بالليل خوفا من الظلمة طارق منا أهل البيت يدعوك إلى معاونته في رفع شر الظلمة أ تخرج معه لمعاونته؟ و قد يطلق الطارق على مطلق النازل ليلا كان أو نهارا" فقلت له: إن كان أباك أو أخاك" أي إن كان

278

أُجَاهِدُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَاخْرُجْ مَعِي قَالَ قُلْتُ لَا مَا أَفْعَلُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَقَالَ لِي أَ تَرْغَبُ بِنَفْسِكَ عَنِّي قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ

____________

الطارق أو مرسله إماما مفترض الطاعة كأبيك و أخيك يدعوني إلى الخروج معه خرجت معه.

و اعلم أن الأخبار في حال زيد مختلفة، ففي بعضها ما يدل على أنه ادعى الإمامة فيكون كافرا، و في كثير منها أنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد و أنه كان غرضه دفع هؤلاء الكفرة و رد الحق إلى أهله، و ربما يقال: إنه كان مأذونا عن الصادق (عليه السلام) باطنا و إن كان ينهاه بحسب الظاهر تقية و فيه بعد، و قيل: كان جهاده لدفع شرهم عنه و عن أهل البيت (عليهم السلام) كجهاد المرابطين في زمن الغيبة لدفع الكفرة، أو كمجاهد المرء عدوه على سبيل الدفع عن نفسه و حرمه و ماله، و إجماله في القول لئلا تتخلف عنه العامة و تتضرر منه الخاصة، و لعل حمله على أحد هذه الوجوه أولى، فإن الأصل فيهم كونهم مشكورين مغفورين، و قد وردت الأخبار في النهي عن التعرض لأمثالهم بالذم، و أنهم يوفقون عند الموت للرجوع إلى الحق، و الاعتقاد بإمام العصر" أ ترغب بنفسك عني" أي أ ترغب عني و لا تميل إلى بسبب نفسك، و خوفا عليها أن تقتل، أو المعنى أ تعد نفسك أرفع من أن تبايعني أو ترى لنفسك فضلا فتحافظ عليها ما لم تحافظ علي، أو فتظن أنك أعرف بأمر الدين مني و أن ما تراه في ترك الخروج لدفع شر هؤلاء أولى مما أراه من مجاهدتهم لدفعهم، قال في النهاية: فيه، إني لأرغب بك عن الأذان، يقال رغبت بفلان عن هذا الأمر إذا كرهته و زهدت له فيه، و في القاموس: رغب بنفسه عنه بالكسر: رأى لنفسه عليه فضلا.

" إنما هي نفس واحدة" أي ليس لي نفسان إن أتلفت إحداهما في معصية الله تداركت بالأخرى طاعة الله، فلا بد لي من أن أنظر لها و لا أضيعها، و قيل: المعنى لست إلا رجلا واحدا ليس لي أتباع فلا ينفعك نصرتي، و يحتمل أن يراد أن الحجة نفس واحدة، و معلوم أن أخاك أو ابن أخيك حجة فكيف تكون أنت حجة، و

279

فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْكَ نَاجٍ وَ الْخَارِجُ مَعَكَ هَالِكٌ وَ إِنْ لَا تَكُنْ لِلَّهِ حُجَّةٌ فِي الْأَرْضِ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْكَ وَ الْخَارِجُ مَعَكَ سَوَاءٌ قَالَ فَقَالَ لِي يَا أَبَا جَعْفَرٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَ أَبِي عَلَى الْخِوَانِ فَيُلْقِمُنِي الْبَضْعَةَ السَّمِينَةَ وَ يُبَرِّدُ لِيَ اللُّقْمَةَ الْحَارَّةَ حَتَّى تَبْرُدَ شَفَقَةً عَلَيَّ وَ لَمْ يُشْفِقْ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ النَّارِ إِذاً أَخْبَرَكَ بِالدِّينِ وَ لَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ لَمْ يُخْبِرْكَ خَافَ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَقْبَلَهُ فَتَدْخُلَ النَّارَ وَ أَخْبَرَنِي أَنَا فَإِنْ قَبِلْتُ نَجَوْتُ وَ إِنْ لَمْ أَقْبَلْ لَمْ يُبَالِ أَنْ أَدْخُلَ النَّارَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتُمْ أَفْضَلُ أَمِ

____________

الأول أظهر.

ثم أخذ في الاستدلال على أنه لا ينبغي أن يخرج معه بقوله:" فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج" لأنك لست بذاك" و الخارج معك هالك" لأن إمامي منعني عن الخروج، أو لأن إجابة من ليس بحجة إلى الخروج و الطاعة و الانقياد له مع وجود الحجة هلاك و ضلال" و إن لا تكن لله حجة" فأجابه غير الحجة و التخلف عنه سواء في الدين، و ليس شيء منهما مكلفا به و في الإجابة إلقاء النفس إلى التهلكة، و لا مفسدة في التخلف، فقال له زيد- معرضا عن إبطال حجته مفصلا، مقتصرا على الإشارة إليه إجمالا- بأنه لو كان هذا الخروج الذي أريده محظورا لأخبرني به أبي (عليه السلام)، و أنه مع كمال شفقته علي لم يكن يخبرك و أمثالك بما يتعلق بالدين، و لا يخبرني به، أو المراد أنه كيف أخبرك و أمثالك بالإمام و لم يخبرني به؟ فقال له الأحول على طريقة الجدل: لعله لم يخبرك لشفقته عليك مخافة أن لا تقبله، و أخبرني لعدم الداعي إلى عدم القبول" و إن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار" و إنما قال ذلك تنزلا، لأنه كيف يتصور عدم علمه بإمامة أخيه في مدة حياة والده (عليه السلام) و بعده.

و في النهاية: الخوان بالكسر: الذي يؤكل عليه، معرب، و قال: البضعة بالفتح القطعة من اللحم.

280

الْأَنْبِيَاءُ قَالَ بَلِ الْأَنْبِيَاءُ قُلْتُ يَقُولُ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ

يٰا بُنَيَّ لٰا تَقْصُصْ رُؤْيٰاكَ عَلىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً

لِمَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ حَتَّى كَانُوا لَا يَكِيدُونَهُ وَ لَكِنْ كَتَمَهُمْ ذَلِكَ فَكَذَا أَبُوكَ كَتَمَكَ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْكَ قَالَ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ حَدَّثَنِي صَاحِبُكَ بِالْمَدِينَةِ أَنِّي أُقْتَلُ وَ أُصْلَبُ بِالْكُنَاسَةِ وَ إِنَّ عِنْدَهُ لَصَحِيفَةً فِيهَا قَتْلِي وَ صَلْبِي فَحَجَجْتُ فَحَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)بِمَقَالَةِ زَيْدٍ وَ مَا قُلْتُ لَهُ فَقَالَ لِي أَخَذْتَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ وَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ وَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ وَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ مَسْلَكاً يَسْلُكُهُ

بَابُ طَبَقَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ الْأَئِمَّةِ(ع)

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ

____________

قوله:" أما و الله لئن قلت ذلك" الظاهر أن هذا على سبيل الإنكار، و قيل:

لما كان بناء كلام الأحول على ظنه بزيد أنه غير مقر بالإمامة، و غير عارف بإمامه، و لم تكن المصلحة في إظهار حاله و التصريح ببطلان ظنه و مقالة، أعرض عن التعرض لجوابه، و قال تنبيها له على أن مجاهدته ليس لنيل الرئاسة و لا لجهله بالإمامة كما ظنه، بل لأمر آخر" و الله لئن قلت ذلك" و ظننت بي ما ظننت" فلقد حدثني صاحبك" الذي هو الحجة" بالمدينة" و أنا أو إليه و آخذ عنه" إني أقتل و أصلب بالكناسة" بالضم اسم موضع بالكوفة، و الغرض أنه يعلم من قول من لا يشك في صدقه مصير أمره، و إنما يريد المجاهدة لما يجوز له بمراضاة من الحجة و مشورته.

" أخذته من بين يديه" أي لم تترك له طريق جواب أصلا، و قيل: ذكر الجهات الست إشارة إلى الست الفقرات التي تكلم بها الأحول.

باب طبقات الأنبياء و الرسل و الأئمة (عليهم السلام) الحديث الأول: ضعيف و قوله: درست إما معطوف على هشام، و الضمير في عنه راجع إلى الإمام (عليه السلام)، أو إلى هشام، ينقله عنه بواسطة أيضا، أو على أبي يحيى و الضمير راجع إلى هشام.

281

وَ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

الْأَنْبِيَاءُ وَ الْمُرْسَلُونَ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ فَنَبِيٌّ مُنَبَّأٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَعْدُو غَيْرَهَا وَ نَبِيٌّ يَرَى فِي النَّوْمِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ- وَ لَا يُعَايِنُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَى أَحَدٍ وَ عَلَيْهِ إِمَامٌ مِثْلُ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى لُوطٍ ع

____________

قوله (عليه السلام): الأنبياء و المرسلون، أي مجموع الصنفين علي التداخل ينقسم إلى الأربع لأكل منهما، فلا ينافي ما سيأتي في الباب الآتي من الفرق بين النبي و الرسول، و يحتمل أن يكون هذا التقسيم مبنيا على اصطلاح آخر، و الأول أظهر.

قال شارح المقاصد: النبوة هو كون الإنسان مبعوثا من الحق إلى الخلق، فإن كان النبي مأخوذا من النباوة و هو الارتفاع لعلو شأنه و اشتهار مكانه أو من النبي بمعنى الطريق لكونه وسيلة إلى الحق، فالنبوة على الأصل كالأبوة، و إن كان من النبإ بمعنى الخبر لإنبائه عن الله تعالى، فعلى قلب الهمزة واوا ثم الإدغام كالمروة، و قال: النبي هو إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحى إليه، و كذا الرسول و قد يخص بمن له شريعة و كتاب، فيكون أخص من النبي، و اعترض بما ورد في الحديث من زيادة عدد الرسل على عدد الكتب، فقيل: هو من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشريعة السابقة، و النبي قد يخلو عن ذلك كيوشع (عليه السلام)، و في كلام بعض المعتزلة أن الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك، و النبي هو المخبر عن الله بكتاب أو إلهام أو تنبيه في منام، انتهى.

أقول: و سيأتي تحقيق القول في ذلك.

قوله: فنبي منبأ في نفسه، أقول: الفرق بينه و بين الثاني لا يخلو من إشكال، و يمكن توجيهه بوجهين:

الأول: أن يكون المراد بقوله: منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، أنه لا يتعلق بنبوته شيء غير نفسه، لا ملك يسمع صوته أو يعاينه، و لا أحد يبعث إليه و الثاني ليس بمقصود على ذلك، بل يسمع كلام الملك أيضا بحيث لا يراه في اليقظة، فيكون

282

وَ نَبِيٌّ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يُعَايِنُ الْمَلَكَ وَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى طَائِفَةٍ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا كَيُونُسَ قَالَ اللَّهُ لِيُونُسَ-

وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ

قَالَ يَزِيدُونَ

____________

القسمان مشتركين في عدم البعثة إلى أحد، و إنما الفرق بسماع الصوت في اليقظة و عدمه، و التشبيه بلوط (عليه السلام) في محض كونه عليه إمام، لأن لوطا كان من المرسلين، و كان مبعوثا على أمة عذبوا بمخالفته.

و الوجه الثاني: أن يكون الأول من لم يبعث إلى أحد أصلا، و الثاني من يكون مبعوثا لكن لا من قبل الله، بل من قبل الإمام بأن يكون لوطا مبعوثا من قبل إبراهيم (عليه السلام) إليهم لا من قبل الله، و إن كان نبيا فيكون التشبيه كاملا، و يكون قوله سبحانه" وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" يعني به أنه من المرسلين من قبل الإمام، و المراد بعدم المعاينة عدمها عند إلقاء الحكم و سماع الصوت المشتمل على بيان الحكم الشرعي، فلا ينافي رؤية لوط (عليه السلام) الملائكة المرسلين لتعذيب قومه و سماعه أصواتهم، و يمكن أن يكون المراد رؤيتهم بصورتهم الأصلية، و هو (عليه السلام) رآهم في صورة البشر، أو رؤيتهم عند معرفة أنهم ملائكة، فيمكن أن يكون حين عرفهم لم يكن يراهم، و لكن يسمع أصواتهم و الظرف في قوله: في اليقظة، متعلق بيسمع الصوت و لا يعاينه على التنازع.

و قوله تعالى" أَوْ يَزِيدُونَ" مما يوهم الشك و هو محال على الله سبحانه.

و أجيب بوجوه:" الأول" أن المعنى أو يزيدون في تقديركم، بمعنى أنه إذا رآهم الرائي منكم قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة ألف" الثاني" أن أو بمعنى الواو" الثالث" أن أو بمعنى بل" الرابع" أنه للإبهام على المخاطبين" الخامس" ما قيل: إنه لما كان إرسال يونس إلى قومه أمرا مستمرا و كان قومه في بعض أوقات

283

ثَلَاثِينَ أَلْفاً وَ عَلَيْهِ إِمَامٌ وَ الَّذِي يَرَى فِي نَوْمِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يُعَايِنُ فِي الْيَقَظَةِ وَ هُوَ إِمَامٌ مِثْلُ أُولِي الْعَزْمِ وَ قَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ(ع)نَبِيّاً وَ لَيْسَ بِإِمَامٍ حَتَّى قَالَ اللَّهُ-

إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي

فَقَالَ اللَّهُ

لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ

مَنْ عَبَدَ صَنَماً أَوْ وَثَناً لَا يَكُونُ إِمَاماً

____________

الإرسال مائة ألف و زادوا بالتوالد في بعض الأوقات إلى أن صاروا مائة و ثلاثين ألفا استعمل" أو" لبيان أن المرسل إليهم على قسمين، ففي بعض الأوقات مائة ألف، و في بعضها يزيدون، و لم يذكر قدر الزيادة إشارة إلى أنه في كل وقت من أوقات الزيادة غير ما في الأوقات الأخرى، فبين (عليه السلام) أن منتهى الزيادة ثلاثون ألفا.

و قال الطبرسي (ره): و اختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي؟ فقيل:

عشرون ألفا عن ابن عباس و مقاتل، و قيل: بضع و ثلاثون ألفا عن الحسن و الربيع، و قيل: سبعون ألفا عن مقاتل بن حيان.

قوله: و عليه إمام، أي موسى (عليه السلام) و الإمام من تكون له الرئاسة العامة و يتبعه كل من يأتي بعده إلى أن تنسخ شريعته، و هذا المعنى ثابت لجميع أولو العزم، و لأئمتنا (صلوات الله عليهم)، و قوله (عليه السلام): من عبد صنما أو وثنا لم يكن إماما، إما تفسير لقوله تعالى:" لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ" أو متفرع و مترتب عليه و هذا أنسب بسائر الأخبار، فيكون تعريضا لأئمة المخالفين الذين كانوا في أكثر عمرهم مشركين، فعلى الأول المراد بالظلم الكفر و الشرك، و بالعهد الإمامة، و على الثاني فالظلم على عمومه و العهد شامل للإمامة و ما في حكمها، و هو في الأصل ما يكتب للولاة، من عهد إليه كعلم إذا أوصاه، و هنا كناية عن خلافة الله في أرضه.

و قال الطبرسي (ره) قال مجاهد: العهد الإمامة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام)، أي لا يكون الظالم إماما للناس فهذا يدل على أنه يجوز أن يعطي ذلك بعض ولده إذا لم يكن ظالما لأنه لو لم يرد أن يجعل أحدا منهم إماما للناس

284

..........

____________

لوجب أن يقول في الجواب: لا، أو لا ينال عهدي ذريتك، و قال الحسن: إن معناه أن الظالمين ليس لهم عند الله عهد يعطيهم به خيرا و إن كانوا قد يعاهدون في الدنيا فيوفي لهم، و قد يجوز في العربية أن يقال لا ينال عهدي الظالمين، لأن ما نالك فقد نلته، و قد روي ذلك في قراءة ابن مسعود، و استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوما عن القبائح، لأن الله سبحانه نفي أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، و من ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه و إما لغيره، فإن قيل:

إنما نفى أن يناله في حال ظلمة، فإذا تاب فلا يسمى ظالما، فيصح أن يناله؟ فالجواب أن الظالم و إن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالما، فإذا نفى أن يناله فقد حكم بأنه لا ينالها، و الآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا يناله الظالم و إن تاب فيها بعد، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

فإن قلت: على القول باشتراط بقاء المشتق منه في صدق المشتق كيف يستقيم الاستدلال؟

قلت: لا ريب أن الظالم في الآية يحتمل الماضي و الحال، لأن إبراهيم (عليه السلام) إنما سأل ذلك لذريته من بعده، فأجاب تعالى بعدم نيل العهد لمن يصدق عليه أنه ظالم بعده، فكل من صدق عليه بعد مخاطبة الله تعالى لإبراهيم بهذا الخطاب أنه ظالم، و صدر عنه الظلم في أي زمان من أزمنة المستقبل يشمله هذا الحكم، أنه لا يناله العهد.

فإن قلت: تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية؟

قلت: العلية لا تدل على المقارنة، إذ ليس مفاد الحكم إلا أن عدم النيل إنما هو للاتصاف بالظلم في أحد الأزمنة المستقبلة بالنسبة إلى صدور الحكم فتدبر.

و قال بعض الأفاضل: في الخبر دلالة علي أن المراد بالظالم من ظلم و سبق ظلمه، حيث قال: من عبد صنما و لم يقل من لم يعبد، و لم يدخل الفاء في الخبر

285

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولًا وَ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ رَسُولًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا وَ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ إِمَاماً فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ الْأَشْيَاءَ قَالَ

إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً

قَالَ فَمِنْ عِظَمِهَا فِي عَيْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ

قَالَ لَا يَكُونُ السَّفِيهُ إِمَامَ التَّقِيِّ

____________

دلالة على عدم إرادة معنى الشرط، و أيضا فكما كان الخليل (عليه السلام) يسأل الإمامة و يريدها لظالم حين ظلمه إنما يدخل في سؤاله الذي سبق ظلمه، و هو غير متلبس به، فأجاب بإخراج من ظلم و سبق منه الظلم، و يحتمل أن يكون مراد الخليل (عليه السلام) أخذ العهد لذريته بالإمامة، في ضمن عهد إمامته، و الجواب من يفعل منهم ظلما لا ينال عهد الإمامة، فذريته على العموم لا يصح إدخالهم في العهد، فإن من ذريته من يعبد الصنم و الوثن.

الحديث الثاني: ضعيف، و تقدم النبوة على الرسالة ظاهر، و كذا الرسالة على الخلة فإنها فراغ القلب عن جميع ما سوى الله، و عدم التوسل في شيء من الأمور إلى سواه، و كل رسول لا يلزم أن تكون له هذه الدرجة، و الإمامة التي هي الرئاسة العامة لجميع الخلق، و كون من بعده من الأنبياء تابعين له أفضل من الجميع.

قوله (عليه السلام): فلما جمع له، على بناء المعلوم أو المجهول" الأشياء" أي المذكورة سابقا.

قوله (عليه السلام): لا يكون السفيه.

هذا تفسير لنفي إمامة الظالم بحمل الظلم على السفاهة، سواء كان بفقدان العقائد الحقة و اختيار الباطل، و هم الظلمة على أنفسهم، أو بارتكاب القبائح الشنيعة و هم الظلمة على أنفسهم أو على غيرهم، أو بيان لسببه، أو لما يترتب عليه.

286

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

سَادَةُ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ خَمْسَةٌ وَ هُمْ

أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ

وَ عَلَيْهِمْ دَارَتِ الرَّحَى- نُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله) وَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبِي السَّفَاتِجِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولًا وَ اتَّخَذَهُ رَسُولًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا وَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ إِمَاماً فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَ قَبَضَ

____________

قيل: و فيه دلالة على عموم الإمامة بالنسبة إلى كل الناس كما هو الظاهر من قوله تعالى:" إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً".

الحديث الثالث: موثق" و عليهم دارت الرحى" أي رحا النبوة و الرسالة و الشريعة و الدين، و سائر الأنبياء تابعون لهم فهم بمنزلة القطب للرحى، و قيل: كنى بالرحى عن الشرائع لدورانها بين الأمم مستمرة إلى يوم القيامة، و شبه أولو العزم بالماء الذي تدور عليه الرحى، أو كنى بالرحى عن الأفلاك، فإنها تدور و تدوم بوجود الأنبياء و دوام آثارهم و لولاهم لما دارت و لما بقيت كما ورد في الحديث القدسي في حق نبينا (صلى الله عليه و آله): لولاك لما خلقت الأفلاك.

الحديث الرابع: ضعيف.

قوله: و قبض يده، الظاهر أن الضمير المستتر و البارز راجعان إلى الباقر (عليه السلام)، و الكلام من الراوي أي لما قال (عليه السلام) فلما جمع له هذه الأشياء قبض يده الشريفة، أي ضم أصابعه إلى الكف لبيان اجتماع هذه الخمسة له، أي العبودية التي هي إخلاص العبادة لله، و العمل بما يقتضيه، و هذا غاية كمال الممكن، و قد وصف الله المقربين من عباده بذلك حيث قال:" سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ" و قال

287

يَدَهُ قَالَ لَهُ- يَا إِبْرَاهِيمُ

إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً

فَمِنْ عِظَمِهَا فِي عَيْنِ إِبْرَاهِيمَ(ع)قَالَ يَا رَبِّ

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ

بَابُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَ النَّبِيِّ وَ الْمُحَدَّثِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ كٰانَ رَسُولًا نَبِيًّا

مَا الرَّسُولُ وَ مَا النَّبِيُّ قَالَ النَّبِيُّ الَّذِي يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يُعَايِنُ الْمَلَكَ وَ الرَّسُولُ الَّذِي يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يَرَى فِي الْمَنَامِ وَ

____________

" عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا" إلى غير ذلك من الآيات، و النبوة و الرسالة و الخلة و الإمامة، و ضم الفعل إلى القول بهذه الإشارات شائع في الاستعمالات كما لا يخفى علي المتدبرين في فهم الروايات، و قيل: لعل المراد أخذ يده و رفعه من حضيض الكمالات إلى أوجها، هذا إذا كان الضمير في يده راجعا إلى إبراهيم و إن كان راجعا إلى الله فقبض يده كناية عن إكمال الصنعة و إتمام الحقيقة في إكمال ذاته و صفاته، أو تشبيه للمعقول بالمحسوس للإيضاح، فإن الصانع منا إذا أكمل صنعة الشيء لرفع يده عنه و لا يعمل فيه شيئا لتمام صنعته، و قيل: فيه إضمار أي قبض إبراهيم هذه الأشياء بيده، أو قبض المجموع في يده، و لا يخفى ما في جميع ذلك من التكلف و التعسف.

قوله: فمن عظمها أي الإمامة.

باب الفرق بين الرسول و النبي و المحدث الحديث الأول: صحيح قوله (عليه السلام): الذي يرى في منامه، الغرض بيان مادة الافتراق لإثبات العموم، أي يصدق على هذا الفرد" و لا يعاين الملك" أي في اليقظة، و المعنى: لا يعاينه حين سماع صوته، فلا ينافيه الخبر الآتي، و يدل على أنه كان في قراءة أهل البيت (عليهم السلام):

288

يُعَايِنُ الْمَلَكَ قُلْتُ الْإِمَامُ مَا مَنْزِلَتُهُ قَالَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يَرَى وَ لَا يُعَايِنُ الْمَلَكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ

وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لٰا نَبِيٍّ

وَ لَا مُحَدَّثٍ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ قَالَ كَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفِيُّ إِلَى الرِّضَا ع-

جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَ النَّبِيِّ وَ الْإِمَامِ قَالَ فَكَتَبَ أَوْ قَالَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَ النَّبِيِّ وَ الْإِمَامِ أَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَيَرَاهُ وَ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَ رُبَّمَا رَأَى فِي مَنَامِهِ نَحْوَ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ النَّبِيُّ رُبَّمَا سَمِعَ الْكَلَامَ وَ رُبَّمَا رَأَى الشَّخْصَ وَ لَمْ يَسْمَعْ

____________

" و لا محدث" و قيل: يحتمل أن يكون بيانا للمراد من الآية، أقول: هذا بعيد جدا و إن أمكن توجيهه بأن الأئمة في هذه الأمة لما كانوا بمنزلة الأنبياء الذين كانوا في الأمم السابقة كما قال النبي (صلى الله عليه و آله): علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، و فسر بالأئمة (عليهم السلام)، فذكر الأنبياء المتقدمين و بيان حكمهم مشتمل على ذكر الأئمة (عليهم السلام) على هذا الوجه، لكن أوردنا في كتابنا الكبير أخبارا أصرح من هذه الأخبار، في كون هذه الكلمة في القرآن، و لا استبعاد في سقوط بعض القرآن عما جمعه عثمان كما سيأتي تحقيقه في كتاب القرآن إن شاء الله تعالى.

الحديث الثاني: مجهول قال: فكتب.

القائل أما الحسن أو إسماعيل فإن أحدهما شك في أن جوابه (عليه السلام) كان بعنوان المكاتبة أو المكالمة" ينزل عليه جبرئيل" ذكره على المثال أو على التعيين، فيكون الملك في سائر الأخبار محمولا عليه" و ينزل عليه الوحي" أما تفسير لما سبق أو تعميم بعد التخصيص على الاحتمال الأول، أو المراد الوحي بلا واسطة الملك،" و ربما رأى الشخص" أي النبي الذي ليس برسول لا يجتمع له السماع و الرؤية في حالة واحدة كما مر، و يرى في المنام أيضا و لا يرى الشخص، أي جبرئيل (عليه السلام) على الاحتمال الثاني مطلقا، و إن كان ينافيه بعض الأخبار، أو عند إلقاء الحكم كما

289

وَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ لَا يَرَى الشَّخْصَ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْأَحْوَلِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الرَّسُولِ وَ النَّبِيِّ وَ الْمُحَدَّثِ قَالَ الرَّسُولُ الَّذِي يَأْتِيهِ جَبْرَئِيلُ قُبُلًا فَيَرَاهُ وَ يُكَلِّمُهُ فَهَذَا الرَّسُولُ وَ أَمَّا النَّبِيُّ فَهُوَ الَّذِي يَرَى فِي مَنَامِهِ نَحْوَ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَ نَحْوَ مَا كَانَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ أَسْبَابِ النُّبُوَّةِ قَبْلَ الْوَحْيِ حَتَّى أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(ع)مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ وَ كَانَ مُحَمَّدٌ(ص)حِينَ جُمِعَ لَهُ النُّبُوَّةُ وَ جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَجِيئُهُ بِهَا جَبْرَئِيلُ وَ يُكَلِّمُهُ بِهَا قُبُلًا وَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ جُمِعَ لَهُ النُّبُوَّةُ وَ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَأْتِيهِ الرُّوحُ وَ يُكَلِّمُهُ وَ يُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ يَرَى فِي الْيَقَظَةِ وَ أَمَّا

____________

مر، فالفرق بينه و بين بعض الأنبياء غير مذكور هنا، قيل: أي الإمامة باعتبار هذه المرتبة، كما أن النبوة باعتبار الرؤية في المنام، و الرسالة باعتبار نزول جبرئيل (عليه السلام) و رؤية شخصه و سماع كلامه في اليقظة، فمتى فارقت الإمامة النبوة و الرسالة لم يكن الإسماع و الكلام من غير معاينة و لا في المنام كما سيأتي.

الحديث الثالث: صحيح.

قال الفيروزآبادي: رأيته قبلا محركة و بضمتين، و كصرد و عنب، و قبيلا كأمير: عيانا و مقابلة" و يأتيه الروح" أي جبرئيل للخبر السابق، أو روح القدس كما سيأتي.

و اعلم أن تحقيق الفرق بين النبي و الإمام (عليهم السلام) و استنباطه من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال، و كذا الجمع بينهما و بين سائر الأخبار التي سيأتي بعضها و أوردنا أكثرها في كتاب البحار، في غاية الإشكال، و الذي ظهر لي من أكثرها: هو أن الإمام لا يرى الحكم الشرعي في المنام، و النبي قد يراه فيه، و أما الفرق بين الإمام و النبي و بين الرسول، أن الرسول يرى الملك عند إلقاء الحكم و النبي غير الرسول و الإمام (عليه السلام) لا يريانه في تلك الحال، و إن رأياه في سائر الأحوال، و يمكن أن يخص الملك الذي لا يريانه بجبرئيل (عليه السلام)، و يعم الأحوال لكن فيه أيضا منافرة لبعض الروايات، و مع قطع النظر عن الأخبار لعل الفرق بين الأئمة (عليهم السلام) و غير

290

..........

____________

أولي العزم من الأنبياء أن الأئمة (عليهم السلام) نواب للرسول (صلى الله عليه و آله) لا يبلغون إلا بالنيابة، و أما الأنبياء و إن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنهم مبعوثون بالأصالة و إن كانت تلك النيابة أشرف و أعلى رتبة من تلك الأصالة، و ربما يفرق بينهما بأن الملك يلقي إلى النبي على وجه التعليم، و إلى الإمام (عليه السلام) للتنبيه.

و بالجملة لا بد لنا من الإذعان بعدم كونهم أنبياء، و أنهم أفضل و أشرف من جميع الأنبياء سوى نبينا (صلوات الله عليه و عليهم)، و من سائر الأوصياء (عليهم السلام)، و لا نعرف سببا لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه و آله)، و لا يصل عقولنا إلى فرق بين بين النبوة و الإمامة، و ما دلت عليه الأخبار فقد عرفته و الله يعلم حقائق أحوالهم (صلوات الله عليهم).

قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في شرح عقائد الصدوق (رحمه الله): أصل الوحي هو الكلام الخفي ثم قد تطلق على كل شيء قصد به إلى إفهام المخاطب على السر له من غيره، و التخصيص له به دون من سواه، فإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل خاصة دون من سواهم على عرف الإسلام و شريعة النبي (صلى الله عليه و آله)، قال الله تعالى:

" وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ" الآية، فاتفق أهل الإسلام على أن الوحي كان رؤيا مناما و كلاما سمعته أم موسى في منامها على الاختصاص، و قال تعالى:" وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ" الآية يريد به الإلهام الخفي إذ كان خاصا بمن أفرده دون من سواه، فكان علمه حاصلا للنحل بغير كلام جهر به المتكلم فأسمعه غيره.

و ساق (ره) الكلام إلى أن قال: و قد يرى الله في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله و يثبت حقه لكنه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي، و لا يقال في هذا الوقت لمن أطلعه الله على علم شيء أنه يوحى إليه، و عندنا أن الله يسمع الحجج بعد نبيه (صلى الله عليه و آله) كلاما يلقيه إليهم أي الأوصياء في علم ما يكون، لكنه لا يطلق عليه

291

..........

____________

اسم الوحي لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا يوحى لأحد بعد نبينا (صلى الله عليه و آله)، و إنه لا يقال في شيء مما ذكرناه أنه وحي إلى أحد، و لله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحيانا و يحظره أحيانا و يمنع السمات بشيء حينا و يطلقها حينا، فأما المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها على ما قدمناه. و قال (رحمه الله) في كتاب المقالات: أن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم (عليهم السلام) و إن كانوا أئمة غير أنبياء، فقد أوحى الله عز و جل إلى أم موسى (عليه السلام) أَنْ أَرْضِعِيهِ، الآية، فعرفت صحة ذلك بالوحي، و عملت عليه و لم تكن نبيا و لا رسولا و لا إماما، و لكنها كانت من عباد الله الصالحين، و إنما منعت من نزول الوحي إليهم و الإيحاء بالأشياء إليهم للإجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من زعم أن أحدا بعد نبينا (صلى الله عليه و آله) يوحى إليه فقد أخطأ و كفر، و لحصول العلم بذلك من دين النبي (صلى الله عليه و آله)، كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا (صلى الله عليه و آله) و نسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء (عليهم السلام)، و إنما منع ذلك الإجماع و العلم بأنه خلاف دين النبي (صلى الله عليه و آله) من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار، و الإمامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما وصفت خلاف.

ثم قال (رحمه الله):" القول في سماع الأئمة (عليهم السلام) كلام الملائكة الكرام و إن كانوا لا يرون منهم الأشخاص" و أقول بجواز هذا من جهة العقل، و أنه ليس يمتنع في الصديقين من الشيعة، المعصومين من الضلال، و قد جاءت بصحته و كونه للأئمة (عليهم السلام) و من سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة و البرهان، و هو مذهب فقهاء الإمامية و أصحاب الآثار منهم، و قد أباه بنو نوبخت و جماعة من الإمامية لا معرفة لهم بالأخبار، و لم يتعمقوا النظر و لا سلكوا طريق الصواب.

292

الْمُحَدَّثُ فَهُوَ الَّذِي يُحَدَّثُ فَيَسْمَعُ وَ لَا يُعَايِنُ وَ لَا يَرَى فِي مَنَامِهِ

[الحديث 4]

4

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لٰا نَبِيٍّ

وَ لَا مُحَدَّثٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَيْسَتْ هَذِهِ قِرَاءَتَنَا فَمَا الرَّسُولُ وَ النَّبِيُّ وَ الْمُحَدَّثُ قَالَ الرَّسُولُ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ الْمَلَكُ فَيُكَلِّمُهُ وَ النَّبِيُّ هُوَ الَّذِي يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ رُبَّمَا اجْتَمَعَتِ النُّبُوَّةُ وَ الرِّسَالَةُ لِوَاحِدٍ وَ الْمُحَدَّثُ الَّذِي يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يَرَى الصُّورَةَ قَالَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي رَأَى فِي النَّوْمِ حَقٌّ وَ أَنَّهُ مِنَ الْمَلَكِ قَالَ يُوَفَّقُ لِذَلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ لَقَدْ خَتَمَ اللَّهُ بِكِتَابِكُمُ الْكُتُبَ وَ خَتَمَ بِنَبِيِّكُمُ الْأَنْبِيَاءَ

____________

ثم قال (رحمه الله) تعالى: و أقول: منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) صادقة لا تكذب، و أن الله تعالى عصمهم عن الأحلام و بذلك جاءت الأخبار عنهم (عليهم السلام)، و على هذا القول جماعة من فقهاء الإمامية و أصحاب النقل منهم، و إما متكلموهم فلا أعرف منهم نفيا و لا إثباتا، و لا مسألة فيه و لا جوابا، و المعتزلة بأسرها تخالفنا فيه، انتهى.

الحديث الرابع: ضعيف، و أحمد بن محمد كأنه العاصمي.

قوله (عليه السلام): يوفق لذلك، أي يعطيه أسباب تلك المعرفة و يهيئها له من معجزة مقارنة له أو إفاضة علم ضروري به" لقد ختم الله بكتابكم" الظاهر أن هذا لرفع توهم النبوة في الحجج (عليهم السلام)، لاشتراكهم مع الأنبياء في سماع صوت الملك، أو لبيان أنه لا بد من محدثين بعد النبي (صلى الله عليه و آله) لحفظ الملة و هداية الأمة، إذ في الأمم السابقة كان في كل عصر جماعة من الأنبياء يحفظون شريعة النبي الذي سبقهم من أولي العزم، و يدعون الناس إلى ملته، فلما انقطعت النبوة بعد نبينا فلا بد من محدثين يأتون بما كانوا يأتون به.

و قيل: نبه بذلك على أن كيفية ذلك إنما يحتاج إلى علمه من يكون نبيا، أو من يحتمل نبوته و هو لكم مفروغ عنه، لانقطاع النبوة بعد نبينا (صلى الله عليه و آله) و لا يخفى ما فيه.

293

بَابُ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا بِإِمَامٍ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ(ع)قَالَ

إِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا بِإِمَامٍ حَتَّى يُعْرَفَ

[الحديث 2]

2

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا بِإِمَامٍ حَتَّى يُعْرَفَ

____________

باب أن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام الحديث الأول: صحيح.

قوله (عليه السلام): إن الحجة لا تقوم، أي في الدنيا بحيث يجب عليهم الإتيان بما أمروا به و الانتهاء عما نهوا عنه، فإن التعريف شرط التكليف، أو في الآخرة بحيث يحتج عليهم لم فعلت كذا؟ و لم تركت كذا؟" إلا بإمام حتى يعرف" على المعلوم من بناء التفعيل أي حتى يعرف الناس ما يحتاجون إليه، فيكون دليلا على المدعى أو على بناء المجهول بالتخفيف أو بالتشديد، و الضمير راجع إلى الله أو إلى الدين أو الحق المعلومين بقرينة المقام، أو إلى الإمام إذ لو لم يكن إماما منصوبا من قبل الله مؤيدا بالمعجزات لم تعرف حقيته و حجيته، و في بعض النسخ" حي" مكان" حتى" فالوجوه أيضا محتملة في البناء، لكن الضمير راجع إلى الإمام، و التقييد بالحي للرد على العامة القائلين بأن الإمام بعد الرسول القرآن كما قال إمامهم: حسبنا كتاب الله، و في بعض النسخ:" حق" مكانه ردا على المخالفين القائلين بإمامة خلفاء الجور.

الحديث الثاني: ضعيف.

294

[الحديث 3]

3

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ

إِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا بِإِمَامٍ حَتَّى يُعْرَفَ

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَ مَعَ الْخَلْقِ وَ بَعْدَ الْخَلْقِ

بَابُ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)تَكُونُ الْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا إِمَامٌ قَالَ لَا قُلْتُ يَكُونُ إِمَامَانِ قَالَ لَا إِلَّا وَ أَحَدُهُمَا صَامِتٌ

____________

الحديث الثالث: مجهول.

الحديث الرابع: صحيح، و الحجة: البرهان، و المراد بها هنا الإمام (عليه السلام) إذ به تقوم حجة الله على الخلق" قبل الخلق" أي قبل جميعهم من المكلفين كآدم (عليه السلام) إذ كان قبل خلق حواء و خلق ذريته" و مع الخلق" لعدم خلو الأرض من الإمام، و بعدهم إذ القائم أو أمير المؤمنين (عليهما السلام) آخر من يموت من الخلق، أو يكون الحجة قبل كل أحد و معه و بعده، و قيل: حجية الحجة قبل إيجاد الخلق في الميثاق، و معهم في الدنيا و بعد موتهم في القيامة، و أقول: يحتمل على بعد أن يكون المعنى:

هو قبل الخلق بالعلية، و معهم بالزمان، و بعدهم بالغائية، و لعل المصنف (ره) حمله علي المعنى الثالث.

باب أن الأرض لا تخلو من حجة الحديث الأول: حسن.

" إلا و أحدهما صامت" أي ساكت عن الدعوة و التعريف و ادعاء الإمامة، و الناطق إمام عليه في الحال كالسبطين (عليهما السلام).

295

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ وَ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو إِلَّا وَ فِيهَا إِمَامٌ كَيْمَا إِنْ زَادَ الْمُؤْمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ وَ إِنْ نَقَصُوا شَيْئاً أَتَمَّهُ لَهُمْ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ رَبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهَا الْحُجَّةُ يُعَرِّفُ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ

____________

الحديث الثاني: حسن موثق.

" إن الأرض لا تخلو" أي عن إمام سابق" إلا و فيها إمام" أي لا حق بشرط بقاء زمان التكليف، و الواو للحال و الاستثناء مفرغ متصل، أي لا تخلو على حال من الأحوال إلا هذه الحالة، أو لا تخلو من أحد إلا و فيها إمام، أو لا تمضي إلا و فيها إمام، من قولهم خلا الدهر أي مضى، و نسبة المضي إليها مجاز بل الزمان يمضي عليها، و هذا عندي أظهر، أو من الخلق فيكون المراد إن آخر من يموت الحجة" كيما إذا زاد المؤمنون شيئا" أي من العقائد أو الأعمال سهوا أو خطأ" ردهم، و إن نقصوا شيئا" لقصورهم عن الوصول إليه" أتمه لهم" و يحتمل أن يكون المراد بالمؤمنين المدعين للإيمان المبتدعين في الدين.

الحديث الثالث: مجهول.

قوله (عليه السلام): ما زالت الأرض، من زال يزول فعلا تاما أي من حال إلى حال، فإن الأرض دائما في التغير و التبدل، أو من زال يزال فعلا ناقصا فكلمة إلا زائدة.

قال ابن هشام في المغني عند ذكر معاني" إلا" و الرابع: أن يكون زائدة، قاله الأصمعي و ابن جني، و حملا عليه قوله:

حراجيج ما تنفك إلا مناخة * * * على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا

و ابن مالك و حمل عليه قوله:

أرى الدهر إلا مجنونا بأهله * * * و ما صاحب الحاجات إلا معذبا

" انتهى" يعرف كيضرب أو على التفعيل.

296

[الحديث 4]

4

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قُلْتُ لَهُ تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ قَالَ لَا

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ قَالَ

إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعِ الْأَرْضَ بِغَيْرِ عَالِمٍ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الْأَرْضَ بِغَيْرِ إِمَامٍ عَادِلٍ

[الحديث 7]

7

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ

اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَا تُخْلِي أَرْضَكَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ

____________

الحديث الرابع: ضعيف.

" تبقى الأرض بغير إمام" أي تبقى صالحة معمورة، أو تبقى مقرا للناس فأجاب (عليه السلام) بنفي البقاء حينئذ لفقد ما هو المقصود من الخلق من العبادة و المعرفة حينئذ مع فقد الزواجر عن الفساد المنجر إلى الخراب و الهلاك، و قيل: تبقى فعل ناقص بمعنى تكون.

الحديث الخامس: صحيح.

" و لو لا ذلك" استدلال على عدم خلو الأرض من عالم باستلزام الخلو عدم المعرفة المقصودة من الخلق و الإيجاد، و عدم العبادة الموقوفة على المعرفة.

الحديث السادس: ضعيف.

قوله (عليه السلام): إن الله أجل و أعظم، أي أجل و أعظم من أن لا يكون حكيما لطيفا بعبادة، أو لا يكون قادرا على الإتيان بمقتضى الحكمة و اللطف فيخل بمقتضاهما و يترك الأرض بغير إمام عادل.

الحديث السابع: مجهول.

297

[الحديث 8]

8

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ

وَ اللَّهِ مَا تَرَكَ اللَّهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ(ع)إِلَّا وَ فِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَا تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ

[الحديث 9]

9

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع

إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ وَ أَنَا وَ اللَّهِ ذَلِكَ الْحُجَّةُ

[الحديث 10]

10

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ قَالَ لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ

[الحديث 11]

11

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ

قُلْتُ لَهُ أَ تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ قَالَ لَا قُلْتُ فَإِنَّا نُرَوَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهَا لَا تَبْقَى بِغَيْرِ إِمَامٍ إِلَّا أَنْ يَسْخَطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى

____________

الحديث الثامن: مجهول.

" ما ترك الله أرضا" التنكير باعتبار تعدد الأزمنة أي الأرض في زمان، و قيل:

" في" في قوله" فيها" بمعنى علي، و المراد جزءا من الأرض فيها مكلف.

الحديث التاسع: ضعيف، و أبو الحسن هو الثالث (عليه السلام).

الحديث العاشر: مجهول.

و قال الفيروزآبادي: ساخت قوائمه ثاخت و الشيء رسب، و الأرض بهم سوخا و سووخا و سوخانا: انخسف، انتهى. و المراد هنا غوصها في الماء إما حقيقة أو كناية عن هلاك البشر و ذهاب نظامها.

الحديث الحادي عشر: مجهول.

قوله (عليه السلام):" لا تبقى" أي ليس مراد أبي عبد الله (عليه السلام) السخط الذي تبقى معه

298

الْعِبَادِ فَقَالَ لَا لَا تَبْقَى إِذاً لَسَاخَتْ

[الحديث 12]

12

عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِ عَنْ أَبِي هَرَاسَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ رُفِعَ مِنَ الْأَرْضِ سَاعَةً لَمَاجَتْ بِأَهْلِهَا كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ بِأَهْلِهِ

[الحديث 13]

13

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)هَلْ تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ قَالَ لَا قُلْتُ إِنَّا نُرَوَّى أَنَّهَا لَا تَبْقَى إِلَّا أَنْ يَسْخَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ لَا تَبْقَى إِذاً لَسَاخَتْ

بَابُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا رَجُلَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ الطَّيَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا اثْنَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ

____________

الأرض و أهله، بل السخط الذي تصير به الأرض منخسفة ذاهبة غير منتظمة، ارتفع عنها التكليف.

الحديث الثاني عشر: ضعيف.

الحديث الثالث عشر: ضعيف.

باب أنه لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة الحديث الأول: ضعيف.

قوله (عليه السلام)" لكان أحدهما الحجة" أقول: نظيره من طرق العامة ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان، و ذلك لأنه كما يحتاج الناس إلى الحجة من حيث الاجتماع لأمر له مدخل في نظامهم و معاشهم، كذلك يحتاجون إليه من حيث الانفراد لأمر له مدخل في معرفة مبدئهم و معادهم و عباداتهم، و أيضا الحكمة الداعية إلى الأمر بالاجتماع و سد باب الاختلاف المؤدي إلى الفساد جارية هيهنا، و إنما تتم بحجية أحدهما، و وجوب إطاعة الآخر له.

299

[الحديث 2]

2

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

لَوْ بَقِيَ اثْنَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ عَلَى صَاحِبِهِ

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى مِثْلَهُ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ كَرَّامٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

لَوْ كَانَ النَّاسُ رَجُلَيْنِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْإِمَامَ وَ قَالَ إِنَّ آخِرَ مَنْ يَمُوتُ الْإِمَامُ لِئَلَّا يَحْتَجَّ أَحَدٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَيْهِ

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا اثْنَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ أَوْ الثَّانِي الْحُجَّةَ

الشَّكُّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ

[الحديث 5]

5

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا اثْنَانِ لَكَانَ الْإِمَامُ أَحَدَهُمَا

____________

الحديث الثاني: ضعيف بسنديه.

الحديث الثالث: مرسل.

و آخر من يموت إما القائم (عليه السلام) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجعته، لما ورد أنه دابة الأرض.

الحديث الرابع: ضعيف.

الحديث الخامس: مجهول.

300

بَابُ مَعْرِفَةِ الْإِمَامِ وَ الرَّدِّ إِلَيْهِ

[الحديث 1]

1

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ

قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ فَإِنَّمَا يَعْبُدُهُ هَكَذَا ضَلَالًا قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَالَ تَصْدِيقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَصْدِيقُ رَسُولِهِ(ص)وَ مُوَالاةُ عَلِيٍّ(ع)وَ الِائْتِمَامُ بِهِ

____________

باب معرفة الإمام و الرد إليه الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

" إنما يعبد الله من يعرف الله" أي معرفته تعالى كما ينبغي شرط لصحة العبادة،" فإنما يعبده هكذا" كأنه أشار بذلك إلى عبادة جماهير الناس أو إلى جهة الخلف، أي يمشون على خلاف جهة الحق أو إلى جهة الشمال، فإنها طريق أهل الضلال، أو إشارة إلى العبادة على غير المعرفة، و قيل: غمض عينيه أو أشار بيده إلى عينه لبيان العمى، و قوله:" ضلالا" تميز أو حال على المبالغة، أو بأن يقرأ بضم الضاد و تشديد اللام جمعا، و إنما أدخل التصديق بالرسول و موالاة الأئمة و البراءة من أعدائهم في معرفة الله تعالى لاشتراط قبول معرفته سبحانه بها، أو لأن من لم يصدق بتلك الأمور لم يعرف الله بصفاته الكمالية، من اللطف و الحكمة و الرحمة كما لا يخفى على من تأمل فيما أسلفنا في الأبواب السالفة، و موالاة الأئمة متابعتهم بتسليم الأمر إليهم بالإمامة و اتخاذهم أئمة و الاقتداء بهم و الانقياد لهم، و البراءة من أعدائهم المفارقة عنهم اعتقادا قلبا و لسانا و إطاعة، و قيل: إنما اعتبر معرفة الإمام فيما لا تتم العبادة إلا به من المعرفة، لأنه ما لم يعرف استناد الأمر و النهي و الطلب إليه سبحانه لا- يكون الإتيان بالعمل عبادة له تعالى، و إنما تحصل تلك المعرفة بالأخذ عن الحجة، و ما لم يعرف الحجة امتنع الأخذ عنه فيجب على من يريد أن يعبده إمام، فعليه معرفة