مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
351

جَلَّ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا وَ لَوْلَاهُمْ مَا عُرِفَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بِهِمُ احْتَجَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ

[الحديث 3]

3

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ-

وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا

____________

قال الفاضل الأسترآبادي: فيه تصريح بأنه لا يمكن معرفة الله حق معرفته في صفاته و أفعاله إلا من طريق أصحاب العصمة (عليهم السلام)، فعلم أن فن الكلام المبني على مجرد الأحكام العقلية غير نافع.

الحديث الثالث: ضعيف. على المشهور لكن مضمونه مروي بأسانيد كثيرة فالمراد بالذين آمنوا الذين صدقوا بالله و رسوله و بجميع ما يجب التصديق به حق التصديق، و عملوا جميع الأعمال الصالحة، و لم يخلو بشيء منها، و هم الأئمة (عليهم السلام)" لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ" أي يجعلهم خلفاءه فيها، و قيل: يخلفون من قبلهم،" كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" من أنبياء بني إسرائيل جعلهم خلفاءه في الأرض، أو المعنى لنورثنهم أرض الكفار من العرب و العجم فنجعلهم سكانها و ملوكها، كما استخلف بني إسرائيل إذا هلك الجبابرة بمصر، و أورثهم أرضهم و ديارهم و أموالهم، و قال تعالى بعد ذلك" وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ" يعني دين الإسلام الذي أمرهم أن يدينوا به" وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً" في الدنيا و الآخرة" يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً" قيل: أي لا يخافون غيري، و قيل: أي لا يراؤون بعبادتي أحدا.

قال الطبرسي (ره): اختلف في الآية فقيل: أنها واردة في أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله)، و قيل: هي عامة في أمة محمد (صلى الله عليه و آله)، و المروي عن أهل البيت (عليهم السلام) أنها في المهدي من آل محمد (صلى الله عليه و آله)، و روى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قرأ الآية و قال:

هم و الله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا و هو مهدي هذه الأمة، و هو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت

352

الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ

بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ(ع)نُورُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

[الحديث 1]

1

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِرْدَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى وَ الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا

فَقَالَ

____________

ظلما و جورا.

و روي مثل ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام).

فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا و عملوا الصالحات النبي و أهل بيته، و تضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف و التمكن في البلاد، و ارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي منهم، فيكون المراد بقوله" كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم و داود و سليمان، و يدل على ذلك قوله:" إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" و" يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً" و قوله:" فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً" و على هذا إجماع العترة الطاهرة، و إجماعهم حجة، لقوله (صلى الله عليه و آله): إني تارك فيكم الثقلين، و أيضا فإن التمكن في الأرض على الإطلاق، و لم يتفق فيما مضى فهو منتظر، لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده.

باب أن الأئمة (عليهم السلام) نور الله عز و جل في أرضه الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

" وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا" المشهور بين المفسرين أن المراد بالنور هنا القرآن، سماه نورا لما فيه من الأدلة و الحجج الموصلة إلى الحق، فشبه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق.

353

يَا أَبَا خَالِدٍ النُّورُ وَ اللَّهِ- الْأَئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ص)إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هُمْ وَ اللَّهِ نُورُ

____________

و أقول: لما كان النور في الأصل ما يصير سببا لظهور شيء فسمي الوجود نورا لأنه يصير سببا لظهور الأشياء في الخارج، و العلم نورا لأنه سبب لظهور الأشياء عند العقل، و كل كمال نورا لأنه يصير سببا لظهور صاحبه و أنوار النيرين و الكواكب نورا لكونها أسبابا لظهور الأجسام و صفاتها للحس، و بهذه الوجوه يطلق على الرب تعالى النور، و نور الأنوار، لأنه منبع كل وجود و علم و كمال، فإطلاقه على الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) لأنهم أسباب لهداية الخلق و علمهم و كمالهم بل وجودهم، لأنهم العلل الغائية لوجود جميع الأشياء.

و أما نسبة الإنزال إليهم، فإما لإنزال أرواحهم المقدسة إلى أجسادهم المطهرة، أو أمرهم بتبليغ الرسالات و دعوة الخلق و معاشرتهم بعد كونهم روحانيين في غاية التقدس و التنزه كما قال تعالى:" أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا" و في بعض الأخبار أن الله أنزل نورهم فأسكنه في صلب آدم، و قيل: إنزال النور إيقاع ولائهم و حبهم في قلوب المؤمنين، و قيل: لما كان المراد بالنور ما يهتدى به من العلم و الكاشف عنه المبين أو المثبت فيه، الحافظ له من النفوس الزكية التي هي ينابيع العلوم و الكتاب المشتمل عليها، أو الروح الذي أنزل على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و يكون مع الأئمة بعده و هو مناط المعارف الحقيقية، و المراد بقوله:" إنا أنزلنا" على تقدير حمل النور على النفوس القدسية: أنزلنا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) كونها أنوارا، و أن متابعتهم و اقتفاءهم مناط الاهتداء، و هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه و آله) على الحقيقة من غير تجوز، و على سائر التقادير فقوله:" أنزلنا" أي أنزلناه و هو منزل عليه حقيقة علما كان أو كتابا، أو روحا، و الأئمة (عليهم السلام) هم حملته و حفظته و ذووه.

و إطلاق النور عليهم كإطلاق كتاب الله و كلامه في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا

354

اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ وَ هُمْ وَ اللَّهِ نُورُ اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَ فِي الْأَرْضِ وَ اللَّهِ يَا أَبَا خَالِدٍ لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ وَ هُمْ وَ اللَّهِ يُنَوِّرُونَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَحْجُبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نُورَهُمْ عَمَّنْ يَشَاءُ فَتُظْلِمُ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهِ يَا أَبَا خَالِدٍ لَا يُحِبُّنَا عَبْدٌ وَ يَتَوَلَّانَا حَتَّى يُطَهِّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَ لَا يُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَ عَبْدٍ حَتَّى يُسَلِّمَ لَنَا وَ يَكُونَ سِلْماً لَنَا فَإِذَا كَانَ سِلْماً لَنَا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ شَدِيدِ الْحِسَابِ وَ آمَنَهُ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَكْبَرِ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى

الَّذِينَ

____________

كتاب الله الناطق، لكونه حامل علم الكتاب و حافظه، و لكونه مستكملا به و موصوفا به و متحدا معه، فكأنه هو، و قوله:" لنور الإمام" أي هدايته، و تعريفه المعارف الإلهية أو ولايته و معرفته، و قيل: الإضافة للبيان أي هم أنور و أكشف من الشمس" و هم و الله ينورون قلوب المؤمنين" بتعريف المعارف إياهم و تثبيتها في قلوبهم" و يحجب الله نورهم عمن يشاء" أن لا يطهره عن دنس الخباثة لشقاوته و سوء اختياره فيظلم قلوبهم، و لا تتنور بنور معرفتهم لحجاب خباثتهم عن التنور به.

و قوله: حتى يسلم لنا، من الإسلام أو التسليم، و السلم بالكسر خلاف الحرب أي سالما محبا لنا.

الحديث الثاني: مرسل.

" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ" قال الطبرسي (رحمه الله): أي يؤمنون به و يعتقدون نبوته و في" الأمي" أقوال:

أحدها: أنه الذي لا يكتب و لا يقرأ.

و ثانيها: أنه منسوب إلى الأمة، و المعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة، و قيل: أن المراد بالأمة: العرب لأنها لم تكن تحسن الكتابة.

355

يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ

____________

و ثالثها: أنه منسوب إلى الأم، و المعنى أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة.

و رابعها: أنه منسوب إلى أم القرى و هو مكة، و هو المروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)" انتهى".

و أقول: اختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه و آله) هل كان يقدر أن يقرأ و يكتب أم لا؟

و الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار أنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن تعلم الخط و القراءة من أحد من البشر، لكنه كان قادرا على الكتابة و عالما بالمكتوب بما علم به سائر الأمور من قبل الله تعالى، و لم يكن يقرأ و يكتب ليكون حجته علي قومه أتم و أكمل.

" الَّذِي يَجِدُونَهُ" قال الطبرسي: معناه يجدون نعته و صفته و نبوته مكتوبا في الكتابين، لأنه مكتوب في التوراة في السفر الخامس:" إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك و أجعل كلامي في فيه، فيقول لهم كلما أوحيته به" و فيها أيضا مكتوب:

" و أما ابن الأمة فقد باركت عليه جدا جدا، و سيلد اثنا عشر عظيما و أؤخره لأمة عظيمة" و فيها أيضا:" أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال فاران".

و في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها:" نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله" و فيه أيضا قول المسيح للحواريين:" أنا أذهب و سيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذيركم بجميع الحق و يخبركم بالأمور المزمعة و يمدحني و يشهد لي".

" وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ" هذا من تتمة المكتوب أو ابتداء من قول الله تعالى للنبي (صلى الله عليه و آله)" وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ" أي ثقلهم، شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل" وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ" أي العهود التي كانت في ذمتهم،

356

إِلَى قَوْلِهِ

وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

قَالَ النُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ- عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةُ ع

[الحديث 3]

3

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)لَقَدْ آتَى اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ خَيْراً كَثِيراً قَالَ وَ مَا ذَاكَ قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى-

الَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ

____________

جعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها، و قيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قبل نفوسهم في التوبة و فرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحريم السبت، و تحريم العروق و الشحوم، و قطع الأعضاء الخاطئة، و وجوب القصاص دون الدية.

" وَ عَزَّرُوهُ" أي عظموه و وقروه" وَ اتَّبَعُوا النُّورَ" قال معناه: القرآن الذي هو نور في القلوب كما أن الضياء نور في العيون، و يهتدى به في أمور الذين كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا" الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ" أي عليه و قد تقوم" مع" مقام" على" و قيل: في زمانه و على عهده، و قال البيضاوي: معه، أي مع نبوته، و إنما سماه نورا لأنه بإعجازه ظاهر أمره، مظهر غيره، أو لأنه كاشف الحقائق مظهر لها، و يجوز أن يكون معه متعلقا باتبعوا، أي و اتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي (صلى الله عليه و آله)، فيكون إشارة إلى اتباع الكتاب و السنة، انتهى.

أقول: على ما فسره (عليه السلام) لا حاجة إلى التكلف في المعية، و التجوز في الإنزال مشترك كما عرفت، على أنه يحتمل أن يكون المراد أنهم القرآن لانتقاش ألفاظه و معانيه في أرواحهم المقدسة و اتصافهم بصفاته المرضية، و اجتنابهم عما فيه من الرذائل المنهية.

الحديث الثالث: ضعيف.

و المراد بأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى و محمد (صلى الله عليه و آله) كعبد الله بن سلام و أضرابه، و الضمير في قوله:" من قبله" و في قوله:" به" للقرآن كالمستكن في قوله

357

يُؤْمِنُونَ

إِلَى قَوْلِهِ

أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمٰا صَبَرُوا

قَالَ فَقَالَ قَدْ آتَاكُمُ اللَّهُ كَمَا آتَاهُمْ ثُمَّ تَلَا-

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ

يَعْنِي إِمَاماً تَأْتَمُّونَ بِهِ

[الحديث 4]

4

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا

فَقَالَ يَا أَبَا خَالِدٍ النُّورُ وَ اللَّهِ الْأَئِمَّةُ(ع)يَا أَبَا

____________

تعالى" وَ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ قٰالُوا آمَنّٰا بِهِ" أي بأنه كلام الله" إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنٰا" استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به" إِنّٰا كُنّٰا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ" استئناف آخر للدلالة علي أن إيمانهم به ليس مما أحدثوا حينئذ بل تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة" أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ" مرة على إيمانهم بكتابهم، و مرة على إيمانهم بالقرآن" بِمٰا صَبَرُوا" بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول و بعده، أو على أذى المشركين و أذى من هاجرهم من أهل دينهم.

" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" قال الطبرسي (ره): أي اعترفوا بتوحيد الله و صدقوا بموسى و عيسى" اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ" محمد (صلى الله عليه و آله) عن ابن عباس، و قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ" أي يعطكم نصيبين" مِنْ رَحْمَتِهِ" نصيبا لأيمانكم من تقدم من الأنبياء، و نصيبا لأيمانكم بمحمد (صلى الله عليه و آله)" وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ" أي هدى تهتدون به، و قيل: النور القرآن، انتهى.

و أقول: علي تأويله (عليه السلام) لعل المراد آمنوا برسوله فيما أتى به من ولاية الأئمة (عليهم السلام)، و سيأتي تأويل الكفلين بالحسنين (عليهما السلام).

الحديث الرابع: ضعيف.

358

خَالِدٍ لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ وَ هُمُ الَّذِينَ يُنَوِّرُونَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَحْجُبُ اللَّهُ نُورَهُمْ عَمَّنْ يَشَاءُ فَتُظْلِمُ قُلُوبُهُمْ وَ يَغْشَاهُمْ بِهَا

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَمُّونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ

فَاطِمَةُ ع

فِيهٰا مِصْبٰاحٌ

الْحَسَنُ-

الْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ

الْحُسَيْنُ-

____________

"" و يغشاهم بها" أي بالظلمة.

الحديث الخامس: ضعيف بالسند الأول، صحيح بالسند الثاني.

" اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" أي منورهما بنور الوجود و العلم و الهداية، و الأنوار الظاهرة، و قيل: أي ذو نور السماوات و الأرض، و النور الأئمة (عليهم السلام)، فهم نور السماوات حين كانوا محدقين بالعرش، و الأرض بعد ما أنزلوا صلب آدم" مَثَلُ نُورِهِ" أي صفة نور الله العجيبة الشأن" كَمِشْكٰاةٍ" أي مثل مشكاة و هي الكرة الغير النافذة التي يوضع فيها المصباح و قيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل، و المصباح: الفتيلة المشتعلة" فِيهٰا مِصْبٰاحٌ" الحسن.

أقول: في تفسير علي بن إبراهيم هكذا" فِيهٰا مِصْبٰاحٌ" الحسن و الْمِصْبٰاحُ" الحسين" فِي زُجٰاجَةٍ الزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ" كان فاطمة كوكب" إلخ".

فالمصباح المذكور في الآية ثانيا المراد به غير المذكور أولا و هو الحسين (عليه السلام)، و لعل فيه إشارة إلى وحدة نوريهما، و شبهت فاطمة (عليها السلام) مرة بالمشكاة و مرة بالقنديل من الزجاجة، و وجه التشبيه فيهما متحد و عند كونها (عليها السلام) ظرفا لنور الحسين (عليه السلام) شبهت بالزجاجة، لزيادة نوره باعتبار كون سائر الأئمة من ولده (عليه السلام)،

359

الزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ

فَاطِمَةُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بَيْنَ نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا-

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ

إِبْرَاهِيمُ ع-

زَيْتُونَةٍ لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ

لَا يَهُودِيَّةٍ وَ لَا نَصْرَانِيَّةٍ-

____________

فلذا غير التشبيه.

و على ما في الكتاب قد يتوهم أن المراد بالزجاجة الحسين (عليه السلام)، فيوجه بما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: مثل النور الحقيقي الذي هو من عالم الأمر بالنور الظاهري الذي هو من عالم الخلق، و النور ضياء بنفسه و مضيء لما يطلع عليه و يشرق عليه، فمثل الجوهر الروحاني المناط للانكشافات العقلية بالمصباح، و حامله بالمشكاة، و الحامل لمادته و المشتمل عليها التي منها مدده و حفظه عن الانقطاع و النفاد بالزجاجة التي هي وعاء مادة نور المصباح التي هي الزيت، ففي الأنوار الحقيقية التي هي النفوس القدسية و الأرواح الزكية للأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) الحسن (عليه السلام) مصباح، و فاطمة (عليه السلام) مشكاة فيها المصباح، و الحسين (عليه السلام) الزجاجة فيها مادة نور المصباح، و يجيء منها مدده، و الزجاجة كوكب دري و المراد به فاطمة (عليها السلام)، فإن الزجاجة يعني الحسين (عليه السلام) مجمع النور الفائض من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، الواصل إليه ابتداء و وساطة، كما كانت (عليها السلام) مجمع ذلك و المعنى عنها بالمشكاة كوكب دري لإحاطتها بالنور كله، و الزجاجة أيضا لإحاطتها بجميع النور كأنها كوكب دري" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" إبراهيم أي المشبه بالشجرة فيما ضرب له المثل إبراهيم، لأن ابتداء ظهور ذلك النور منه، و مواد العلوم من أثمار تلك الشجرة.

قال البيضاوي" دُرِّيٌّ" مضيء متلألئ كالزهرة في صفائه و زهرته منسوب إلى الدر، أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياءا" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" أي ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثرة نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها" لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ" يقع

360

يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ

يَكَادُ الْعِلْمُ يَنْفَجِرُ بِهَا-

وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ نُورٌ عَلىٰ نُورٍ

إِمَامٌ مِنْهَا

____________

الشمس عليها حينا دون حين، بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة جبل أو صحراء واسعة، فإن ثمرته تكون أنضج و زيتها أصفى أو نابتة في شرق المعمورة و غربها بل و في وسطها و هو الشام، فإن زيتونة أجود الزيتون، أولا في مضحي تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها، أو في مقناة تغيب عنها دائما فتتركها نيا" انتهى".

و أقول: هذا ما يتعلق بالمشبه به، و أما تطبيقه على المشبه فإن إبراهيم (عليه السلام) لكونه أصل عمدة الأنبياء و هم (عليهم السلام) أغصانه و تشعبت منه الغصون المختلفة من الأنبياء و الأوصياء من بني إسرائيل و بني إسماعيل، و استنارت منهم أنوار عظيمة في الفرق الثلاث من أهل الكتب من اليهود و النصارى و المسلمين، فكان إبراهيم (عليه السلام) كالشجرة الزيتونة من جهة تلك الشعب و الأنوار، و لما كان تحقق ثمار تلك الشجرة و سريان أنوار هذه الزيتونة في نبينا و أهل بيته (صلوات الله عليهم) أكمل و أكثر و أتم، لكونهم الأئمة الفضلي، و أمتهم الأمة الوسطى و شريعتهم و سيرتهم و طريقتهم أعدل السير و أقومها كما قال تعالى:" وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً" كما أن اليهود كانوا يصلون إلى المغرب و النصارى إلى المشرق، فجعل قبلتهم وسط القبلتين، و كذا في حكم القصاص و الديات و سائر الأحكام جعلوا وسطا فشبه إبراهيم (عليه السلام) من جهة تشعب هذه الأنوار العظيمة منه بزيتونة لم تكن شرقية و لا غربية، أي غير منحرفة عن الاعتدال إلى الإفراط و التفريط، المتحققين في الملتين و الشريعتين، و أومأ بالشرقية إلى النصارى، و بالغربية إلى اليهود لقبلتيهم، و يمكن أن يكون المراد بالآية الزيتونة التي تكون في وسط الشجرة في شرقها، فلا تطلع الشمس عليها بعد العصر، و لا غربية لا تطلع الشمس عليها في أول اليوم، فيكون التشبيه أتم و أكمل" يَكٰادُ زَيْتُهٰا" أي زيت الشجرة أو الزيتونة، و المراد بالزيتونة في المشبه المادة البعيدة للعلم، و هي الإمامة و الخلافة التي منبعهما إبراهيم حيث قال سبحانه:" إِنِّي جٰاعِلُكَ

361

بَعْدَ إِمَامٍ-

يَهْدِي اللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ

يَهْدِي اللَّهُ لِلْأَئِمَّةِ مَنْ يَشَاءُ-

وَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ

____________

لِلنّٰاسِ إِمٰاماً" و سرى في ذريته المقدسة، و بالزيت المواد القربية من الوحي و الإلهام، و إضاءة الزيت انفجار العلم من تلك المواد" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ" أي وحي أو تعليم من البشر أو سؤال، فإن السؤال مما يقدح نار العلم.

" نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" قال البيضاوي أي نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفا الزيت و زهرة القنديل، و ضبط المشكاة لأشعته" انتهى" و في المشبه كل إمام يتلو إماما يزيد في إنارة علم الله و حكمته بين الناس.

أقول: و يؤيد هذا التأويل ما رواه ابن بطريق (ره) في العمدة و السيد ابن طاوس رضي الله عنه في الطرائف من مناقب ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن الحسن البصري أنه قال: المشكاة فاطمة، و المصباح الحسن و الحسين (عليهم السلام)" و الزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ" فاطمة (عليها السلام) كوكبا دريا بين نساء العالمين" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" الشجرة المباركة إبراهيم (عليه السلام)" لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ" لا يهودية و لا نصرانية" يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ" قال: يكاد العلم أن ينطق منها" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" قال: منها إمام بعد إمام" يَهْدِي اللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ" قال: يهدي لولايتهم من يشاء.

و ذكر الطبرسي (قدس سره) في تأويلها أقوالا:

أحدها: أنه مثل ضربه الله لنبيه محمد (صلى الله عليه و آله) فالمشكاة صدره، و الزجاجة قلبه، و المصباح فيه النبوة" لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ" أي لا يهودية و لا نصرانية" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" يعني شجرة النبوة و هي إبراهيم (عليه السلام)" يكاد" محمد يتبين للناس و لو لم يتكلم به، كما أن ذلك الزيت يضيء" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ" أي تصيبه النار، و قد قيل: أيضا أن المشكاة إبراهيم (عليه السلام)، و الزجاجة إسماعيل، و المصباح محمد كما سمي سراجا في موضع آخر" مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" يعني إبراهيم لأن أكثر الأنبياء من صلبه" لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ" لا نصرانية و لا يهودية لأن النصارى تصلي إلى المشرق، و اليهود تصلي إلى المغرب" يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ" أي يكاد محاسن محمد تظهر قبل أن يوحى إليه" نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" أي نبي من نسل نبي و قيل: إن المشكاة عبد المطلب،

362

لِلنّٰاسِ

قُلْتُ

أَوْ كَظُلُمٰاتٍ

قَالَ الْأَوَّلُ وَ صَاحِبُهُ-

يَغْشٰاهُ مَوْجٌ

الثَّالِثُ-

مِنْ فَوْقِهِ

____________

و الزجاجة عبد الله، و المصباح هو النبي (صلى الله عليه و آله)، لا شرقية و لا غربية بل مكية، لأن مكة وسط الدنيا، و روي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: نحن المشكاة، و المصباح محمد (صلى الله عليه و آله)، يهدي الله لولايتنا من أحب، و في كتاب التوحيد لأبي جعفر ابن بابويه (ره) بالإسناد عن عيسى بن راشد عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في قوله:" كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ" قال: نور العلم في صدر النبي (صلى الله عليه و آله)" الْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ" الزجاجة صدر علي (عليه السلام) صار علم النبي (صلى الله عليه و آله) إلى صدر على، علم النبي عليا" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" نور العلم" لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ" لا يهودية و لا نصرانية" يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ" قال: يكاد العالم من آل محمد (صلى الله عليه و آله) يتكلم بالعلم قبل أن يسأل" نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" أي إمام مؤيد بنور العلم و الحكمة في أثر إمام من آل محمد، و ذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة" الخبر".

و ثانيها: أنها مثل ضربه الله للمؤمن، و المشكاة نفسه و الزجاجة صدره و المصباح الإيمان و القرآن، في قلبه" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ" هي الإخلاص لله وحده لا شريك له، فهي خضراء ناعمة كشجرة التفت بها الشجرة فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت و لا إذا غربت، و كذلك المؤمن قد اختزن من أين يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال، إن أعطي شكر، و إن ابتلي صبر، و إن حكم عدل، و إن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين قبور الأموات" نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" كلامه نور و علمه نور و مدخله نور و مخرجه نور، و مصيره إلى نور يوم القيامة عن أبي بن كعب.

و ثالثها: أنه مثل القرآن في قلب المؤمن فكما أن هذا المصباح يستضاء به و هو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن تهتدي به و يعمل به كالمصباح فالمصباح هو القرآن و الزجاجة قلب المؤمن، و المشكاة لسانه و فمه، و الشجرة المباركة شجرة الوحي" يَكٰادُ

363

مَوْجٌ

ظُلُمَاتٌ الثَّانِي-

بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ

مُعَاوِيَةُ

لَعَنَهُ اللَّهُ

وَ فِتَنُ بَنِي أُمَيَّةَ-

إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ

____________

زَيْتُهٰا يُضِيءُ" يكاد حجج القرآن تتضح و إن لم يقرأ، و قيل: تكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن تفكر فيها و تدبرها و لو لم ينزل القرآن" نُورٌ عَلىٰ نُورٍ" يعني أن القرآن نور مع سائر الأدلة قبله فازدادوا نورا على نور" يَهْدِي اللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ" أي يهدي الله لدينه و إيمانه من يشاء أو لنبوته و ولايته" انتهى". و أقول: لما ضرب الله الأمثال للمؤمنين و أئمتهم (عليهم السلام) ضرب مثلين للكافرين و المنافقين و أئمتهم، فالمثل الأول قوله:" وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللّٰهَ عِنْدَهُ فَوَفّٰاهُ حِسٰابَهُ وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ" و الثاني قوله:" أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ" فقوله أَوْ كَظُلُمٰاتٍ، عطف على قوله كَسَرٰابٍ، و أو للتخيير، فإن أعمالهم لكونها لاغية كالسراب، و لكونها خالية عن نور الحق كالظلمات، فإن شئت شبهتهم بذلك أو للتنويع فإن الظلمات في الدنيا و السراب في الآخرة.

" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ" أي عميق منسوب إلى اللجج و هو معظم الماء" يَغْشٰاهُ" أي يغشى البحر" مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ" مترادفة متراكمة" مِنْ فَوْقِهِ" أي من فوق الموج الثاني سحاب تغطي النجوم و تحجب أنوارها.

و أما تأويله (عليه السلام) فيحتمل وجهين:

الأول: أن المعنى أن الظلمات المذكورة في الآية أولا أبو بكر، و يغشاه موج:

إشارة إلى صاحبه يعني عمر، فإنه أتم بدع الأول و أكملها، و زاد على الظلمة ظلمة، و على الحيرة حيرة، و من فوقه موج: عبارة عن عثمان و هو الثالث، حيث زاد على بدعهما و إضلال الناس عن الحق، و قوله: ظلمات الثاني، أي لفظ الظلمات الواقع ثانيا في الآية، الموصوف فيها بأن بعضها فوق بعض إشارة إلى معاوية و فتن بني أمية.

و قوله: إذا أخرج يده المؤمن، بيان للثمرة المترتبة على تلك الظلمات، المتراكمة من حيرة المؤمنين و اشتباه الأحكام الظاهرة عليهم، فإن اليد أظهر أجزاء

364

الْمُؤْمِنُ فِي ظُلْمَةِ فِتْنَتِهِمْ-

لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً

إِمَاماً مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ

____________

الإنسان له، و يحتمل أن يكون فتن بني أمية مبتدأ، خبره: إذا أخرج يده، أي قوله إذا أخرج يده، إشارة إلى فتن بني أمية، و يحتمل أيضا أن يكون المراد بالثاني عمر، و الظلمات مضافا إليه، أي ظلمات عمر فتنة بعضها فوق بعض، فيكون قوله: و معاوية ابتداء كلام آخر، أي إذا أخرج يده إشارة إلى معاوية و فتن بني أمية، و إنما كرر عمر لأنه رأس الفتنة و رئيس النفاق، و لا يخفى بعد هذين الوجهين.

و الثاني أن يكون المراد أن قوله تعالى:" أَوْ كَظُلُمٰاتٍ" إشارة إلى الأول و صاحبه الأولين، و يغشاه موج إلى الثالث يعني عثمان الذي من فوقه موج، يعني من بعده، إشارة إلى ما وقع بعده من عشائره من بني أمية و ظلمات الثاني بعضها فوق بعض بالإضافة، أي كظلمات عمر، و تكراره لما مر فقوله: معاوية و فتن بني أمية، ابتداء كلام آخر، و يحتمل أن يكون" من" في قوله مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، إلى قوله: فتن بني أمية كلاما واحدا، فالمراد بالموج معاوية و بالظلمات فتن بني أمية، و عبر عنهم بظلمات الثاني لأنهم كانوا من ثمرات ظلمه و جوره على أهل البيت (عليهم السلام).

أقول: و يؤيد الثاني أن علي بن إبراهيم أورد في تفسيره هذا الخبر هكذا:

أي كظلمات فلان و فلان" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ" يعني نعثل و فوقه موج طلحة و الزبير" ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ" معاوية و فتن بني أمية إلى آخر الخبر، و نعثل كناية عن عثمان.

قال ابن الأثير في النهاية: كان أعداء عثمان يسمونه نعثلا تشبيها له برجل من مصر كان طويل اللحية اسمه نعثل، و قيل: النعثل: الشيخ الأحمق.

و ذكر الضباع: و روى صاحب كتاب تأويل الآيات الظاهرة بإسناده عن الحكم بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله عز و جل:" أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ" قال: فلان و فلان" يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ" قال: أصحاب الجمل و صفين و النهروان

365

ع-

فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ

إِمَامٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ قَالَ فِي قَوْلِهِ-

يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ

أَئِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَسْعَى بَيْنَ يَدَيِ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِأَيْمَانِهِمْ حَتَّى يُنْزِلُوهُمْ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ الْبَجَلِيِّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْعَمْرَكِيِّ بْنِ عَلِيٍّ جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى ع مِثْلَهُ

[الحديث 6]

6

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ

قَالَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِأَفْوَاهِهِمْ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى

وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ

قَالَ يَقُولُ وَ اللَّهُ مُتِمُّ الْإِمَامَةِ وَ الْإِمَامَةُ هِيَ النُّورُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا

قَالَ النُّورُ هُوَ الْإِمَامُ

____________

"" مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ" قال: بنو أمية" إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا" قال: بنو أمية إذا أخرج يده يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) في ظلماتهم" لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا" أي إذا نطق بالحكمة بينهم لم يقبلها منهم أحد إلا من أقر بولايته ثم بإمامته" وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ" أي من لم يجعل الله له إماما في الدنيا فما له في الآخرة من نور، إمام يرشده و يتبعه إلى الجنة.

الحديث السادس: مجهول.

" يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ" قال الطبرسي (ره): أي يريدون إذهاب نور الإيمان و الإسلام بفاسد الكلام، الجاري مجرى تراكم الظلام، فمثلهم فيه كمثل من حاول إطفاء نور الشمس بفيه" وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ" أي مظهر كلمته و مؤيد نبيه و معلى دينه و شريعته.

366

بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ هُمْ أَرْكَانُ الْأَرْضِ

[الحديث 1]

1

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا جَاءَ بِهِ عَلِيٌّ(ع)آخُذُ بِهِ وَ مَا نَهَى عَنْهُ أَنْتَهِي عَنْهُ جَرَى لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مِثْلُ مَا جَرَى لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)الْفَضْلُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُتَعَقِّبُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ كَالْمُتَعَقِّبِ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ الرَّادُّ عَلَيْهِ فِي صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ

____________

باب أن الأئمة هم أركان الأرض الحديث الأول: ضعيف بسنديه على المشهور.

" ما جاء به على آخذ به" لأنه واجب الإطاعة من الله و من رسوله، و لأن ما جاء به مما جاء به رسول الله و ما نهى عنه مما نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه و آله)" و لمحمد (صلى الله عليه و آله) الفضل" إما بيان لما جرى له (صلى الله عليه و آله) من الفضل، فكما أن له (صلى الله عليه و آله) الفضل على جميع الخلق، كذا لعلي (عليه السلام) الفضل على الجميع، و إما بيان للفرق بين ما له (صلى الله عليه و آله) من الفضل و بين ما لعلي(ع)منه بفضله (صلى الله عليه و آله) على الجميع حتى على علي (عليه السلام)، و فضل علي (عليه السلام) على غيره (صلى الله عليه و آله)" و المتعقب عليه في شيء من أحكامه" أي الطالب لعثرته و المعيب عليه في شيء منها كالطالب لعثرة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و المعيب عليه، و" على" للإضرار، و المراد المتقدم عليه في شيء بأن يجعله عقبه و خلفه، و أراد التقدم عليه، أو يجعل حكمه عقبه و ينبذه وراء ظهره، فلا يعمل به، أو تعقبه بمعنى أنه تأخر عنه و لم يلحق به و لم يقبل أحكامه، أو المراد به شك في شيء من أحكامه، و الأول أظهر ثم الأخير.

و كلمة" على" على بعض الوجوه بمعنى عن، و على بعضها بتضمين معنى يتعدى به، قال الفيروزآبادي: تعقبه أخذه بذنب كان منه، و عن الخبر شك فيه و عاد السؤال عنه، و استعقبه و تعقبه طلب عورته أو عثرته.

" في صغيرة أو كبيرة" صفتان للكلمة أو الخصلة أو المسألة أو نحو ذلك" على حد

367

كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بَابَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ وَ سَبِيلَهُ الَّذِي مَنْ سَلَكَ بِغَيْرِهِ هَلَكَ وَ كَذَلِكَ يَجْرِي الْأَئِمَّةُ الْهُدَى وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَرْكَانَ الْأَرْضِ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَ حُجَّتَهُ الْبَالِغَةَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ وَ مَنْ تَحْتَ الثَّرَى وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ص)كَثِيراً مَا يَقُولُ أَنَا قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ أَنَا الْفَارُوقُ

____________

الشرك بالله" أي في حكمه إذ لا واسطة بين الإيمان و الشرك، و الكائن عليه مشرف على الدخول في الشرك كما ترى في كثير منهم كالمجسمة و المصورة و الصفاتية و أضرابهم، فإنهم أشركوا من حيث لا يعلمون.

" أن تميد" أي كراهية أن تميد أو من أن تميد، بتضمين الأركان معنى الموانع، و في القاموس ماد يميد ميدا: تحرك و زاغ" انتهى".

و فيه إيماء إلى أن المراد بالرواسي في قوله تعالى:" وَ جَعَلْنٰا فِي الْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ" الأئمة (عليهم السلام) في بطن القرآن، و المراد بالميد إما ذهاب نظام الأرض و اختلال أحوال أهلها كما يكون عند فقد الإمام قبل القيامة، أو حقيقته بالزلازل الحادثة فيها.

و قيل: المراد بمن فوق الأرض الأحياء، بمن تحت الثرى الأموات، لأنهم الأشهاد يوم القيامة، و قد مر منا الكلام فيهما.

قوله (عليه السلام): كثيرا ما يقول، أي حينا كثيرا و ما زائدة للتأكيد عند جميع البصريين، و قيل: اسم نكرة صفة لكثير أو بدل منه، و على التقادير يفهم منها التفخيم بالإبهام" أنا قسيم الله" أي القسيم المنصوب من قبل الله للتميز بين أهل الجنة و أهل النار بسبب ولايته و تركها، أو هو الذي يقف بين الجنة و النار فيقسمهما بين أهلهما بسبب ولايته و عداوته كما دلت عليه صحاح الأخبار، و الأخبار بذلك متواترة من طرق الخاصة و العامة. قال في النهاية في حديث علي (عليه السلام): أنا قسيم النار، أراد أن الناس فريقان فريق معي، فهم على هدى، و فريق على فهم ضلال، فنصف معي في الجنة و نصف علي في النار، و قسيم: فعيل بمعنى فاعل كالجليس و السمير" انتهى" و أنا الفاروق" أي

368

الْأَكْبَرُ وَ أَنَا صَاحِبُ الْعَصَا وَ الْمِيسَمِ وَ لَقَدْ أَقَرَّتْ لِي جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحُ وَ الرُّسُلُ

____________

الذي فرق بين الحق و الباطل كما ذكره الفيروزآبادي، أو الفارق بين أهل الجنة و أهل النار" و أنا صاحب العصا و الميسم" قال في النهاية: الميسم هي الحديدة التي يوسم بها، و أصله موسم فقلبت الواو ياءا لكسرة الميم" انتهى".

و هذا إشارة إلى أنه (عليه السلام) الدابة التي أخبر بها في القرآن بقوله:" وَ إِذٰا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنٰا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّٰاسَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا لٰا يُوقِنُونَ" و روي عن ابن عباس و ابن جبير و غيرهما قراءة تكلمهم بالتخفيف و فتح التاء و سكون الكاف من الكلم بمعنى الجراحة.

و قال الطبرسي روح الله روحه: هي دابة تخرج بين الصفا و المروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن و الكافر بأنه كافر، و عند ذلك يرتفع التكليف و لا تقبل التوبة، و هو علم من أعلام الساعة، و روى محمد بن كعب القرظي قال: سئل علي (عليه السلام) عن الدابة؟ فقال:

أما و الله ما لها ذنب و إن لها اللحية، و في هذا إشارة إلى أنها من الإنس، و عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه و آله) السلام قال: دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب و لا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه و تكتب بين عينيه مؤمن، و تسم الكافر بين عينيه و تكتب بين عينيه كافر، و معها عصا موسى و خاتم سليمان (عليهما السلام)، فتجلو وجه المؤمن بالعصا و تحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى يقال يا مؤمن و يا كافر" انتهى".

و روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انتهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو نائم في المسجد قد جمع رملا و وضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الله، فقال رجل من أصحابه:

يا رسول الله أ يسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا و الله ما هو إلا له خاصة، و هو الدابة التي ذكرها الله في كتابه:" وَ إِذٰا وَقَعَ الْقَوْلُ" الآية، ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة و معك ميسم تسم به أعداءك، فقال رجل

369

..........

____________

لأبي عبد الله (عليه السلام): إن العامة يقولون إن هذه الدابة إنما تكلمهم فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

كلمهم الله في نار جهنم إنما هو يكلمهم من الكلام.

و قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي و شككتني؟ قال عمار: أية آية هي؟ قال: قوله:" وَ إِذٰا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ" الآية، فأية دابة هذه؟ قال عمار: و الله ما أجلس و لا آكل و لا أشرب حتى أريكها فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يأكل تمرا و زبدا، فقال له: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار و أقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل: سبحان الله يا أبا اليقظان حلفت أنك لا تأكل و لا تشرب و لا تجلس حتى ترينيها؟ قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل.

و روى الحسن بن سليمان من كتاب البصائر لسعد بن عبد الله بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين في خطبة طويلة: أنا دابة الأرض، و أنا قسيم النار، و أنا خازن الجنان، و أنا صاحب الأعراف" الخبر".

و في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبي الطفيل قال: سألت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الدابة؟ فقال: يا أبا الطفيل إله عن هذا فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك! قال: هي دابة تأكل الطعام و تمشي في الأسواق و تنكح النساء، فقلت:

يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: رب الأرض الذي يسكن الأرض قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: الذي قال الله:" وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ" و الذي" عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ" و الذي" صَدَّقَ بِهِ" قلت: يا أمير المؤمنين فسمه لي، قال: قد سميته لك يا أبا الطفيل" الخبر". و أقول: الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتاب البحار.

و قيل:" أنا صاحب العصا و الميسم" أي الراعي لكل الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مميز من يطيعه و يكون من قطيعة، بالميسم الذي يعرفون به عن المتخلف عنه و

370

بِمِثْلِ مَا أَقَرُّوا بِهِ لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَقَدْ حُمِلْتُ عَلَى مِثْلِ حَمُولَتِهِ وَ هِيَ حَمُولَةُ الرَّبِّ وَ إِنَّ

____________

الخارج عنهم، و لا يخفى ما فيه.

" و لقد أقرت لي" أي أذعنت لي بالولاية و الفضل كما أذعنت له (صلى الله عليه و آله)" و لقد حملت على مثل حمولته" على بناء المجهول، و الحمولة بالفتح ما يحمل عليه من الدواب أي حملني الله على ما حمل عليه نبيه من التبليغ و الهداية و الخلافة، أو يكون خبرا عن المستقبل، أتى بالماضي لتحقق وقوعه، أي يحملني الله في القيامة على مثل مراكبه من نوق الجنة و خيولها، فتناسب الفقرة التالية لها، و شهد كثير من الأخبار بها أو في الرجعة، كما رواه الراوندي في الخرائج بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال الحسين بن علي (عليهما السلام) لأصحابه قبل أن يقتل: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لي:

يا بني إنك لتساق إلى العراق و هي أرض قد التقى فيها النبيون و أوصياء النبيين، و على أرض تدعي غمورا و إنك لتشهد بها و يستشهد معك جماعة من أصحابك، لا- يجدون ألم مس الحديد، و تلا" يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلٰاماً" يكون الحرب عليك و عليهم بردا و سلاما، فأبشروا فو الله لئن قتلونا فإنا نرد إلى نبينا (صلى الله عليه و آله)، ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من تنشق الأرض عنه فأخرج خرجة توافق ذلك خرجة أمير المؤمنين و قيام قائمنا و حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، ثم لينزلن علي وفد من السماء من عند الله لم ينزلوا إلى الأرض قط، و لينزلن علي جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و جنود من الملائكة، و لينزلن محمد و علي و أنا و أخي و جميع من من الله عليه في حمولات من حمولات الرب، خيل بلق من نور لم يركبها مخلوق، ثم ليبرزن محمد (صلى الله عليه و آله) لواءه و ليدفعنه إلى قائمنا (عليه السلام) مع سيفه، ثم أنا أمكث بعد ذلك ما شاء الله" الخبر".

و يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم، أي حملت أحمالي على مثل ما حمل (صلى الله عليه و آله) أحماله عليه في ولاية الأمر الجاري على وفق أحكام الله و حكمه، أو حملت اتباعي و شيعتي على ما حمل (صلى الله عليه و آله) أصحابه عليه من أحكام القرآن، و يمكن أن يقرأ على

371

رَسُولَ اللَّهِ(ص)يُدْعَى فَيُكْسَى وَ أُدْعَى فَأُكْسَى وَ يُسْتَنْطَقُ وَ أُسْتَنْطَقُ فَأَنْطِقُ عَلَى حَدِّ مَنْطِقِهِ وَ لَقَدْ أُعْطِيتُ خِصَالًا مَا سَبَقَنِي إِلَيْهَا أَحَدٌ قَبْلِي عُلِّمْتُ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا وَ الْأَنْسَابَ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ فَلَمْ يَفُتْنِي مَا سَبَقَنِي وَ لَمْ يَعْزُبْ عَنِّي مَا غَابَ عَنِّي أُبَشِّرُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ

____________

بناء المجهول الغائب و علي بالتشديد، و القائم مقام الفاعل مثل حمولته، و التأنيث باعتبار المضاف إليه، فالحمولة بمعنى الحمل لا المحمول عليه، أي حمل الله علي من أعباء الإمامة و أسرار الخلافة مثل ما حمل عليه (صلى الله عليه و آله)، قال الفيروزآبادي: الحمولة ما احتمل عليه القوم من بعير و حمار و نحوه كانت عليه أثقال أو لم تكن، و الأحمال بعينها، و الحمول بالضم: الهوادج أو الإبل عليها الهودج و الواحد حمل بالكسر و يفتح" انتهى".

و قوله: و هي حمولة الرب، على كل من المعاني ظاهر.

" يدعى" بصيغة المجهول أي في القيامة" و ادعى و أكسى" أي مثل دعائه و كسائه" و يستنطق" بصيغة المجهول أي للشهادة أو للشفاعة أو للاحتجاج على الأمة أو الأعم" على حد منطقه" أي على نهجه و طريقته في الصواب و النفاذ، و المنطق بكسر الطاء مصدر ميمي" خصالا" أي فضائل" ما سبقني إليها أحد" أي من الأوصياء أو من الرسل أيضا، فالمراد بقوله" قبلي" قبل ما أدركته من الأعصار" علمت المنايا" أي آجال الناس" و البلايا" أي ما يمتحن الله به العباد من الشرور و الآفات أو الأعم منها و من الخيرات" و الأنساب" أي أعلم والد كل شخص فأميز بين أولاد الحلال و الحرام" و فصل الخطاب" أي الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل أو الخطاب المفصول الواضح الدلالة على المقصود، أو ما كان من خصائصه (صلوات الله عليه) من الحكم المخصوص في كل واقعة، و الجوابات المسكتة للخصوم في كل مسألة، و قيل: هو القرآن، و فيه بيان الحوادث من ابتداء الخلق إلى يوم القيامة.

" فلم يفتني ما سبقني" أي علم ما سبق من الحوادث أو العلوم النازلة على الأنبياء أو الأعم" و لم يعزب" كينصر و يضرب أي لم يغب عني علم ما غاب عن مجلسي

372

أُؤَدِّي عَنْهُ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ مَكَّنَنِي فِيهِ بِعِلْمِهِ

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ شَبَابٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْأَعْرَجُ قَالَ

دَخَلْتُ أَنَا وَ سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَابْتَدَأَنَا فَقَالَ يَا سُلَيْمَانُ مَا جَاءَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يُؤْخَذُ بِهِ وَ مَا نَهَى عَنْهُ يُنْتَهَى عَنْهُ جَرَى لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا جَرَى لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)الْفَضْلُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْمُعَيِّبُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ كَالْمُعَيِّبِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَلَى رَسُولِهِ(ص)وَ الرَّادُّ عَلَيْهِ فِي صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ص)بَابَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ وَ سَبِيلَهُ الَّذِي مَنْ سَلَكَ بِغَيْرِهِ هَلَكَ وَ بِذَلِكَ جَرَتِ الْأَئِمَّةُ(ع)وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَرْكَانَ الْأَرْضِ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ وَ مَنْ تَحْتَ الثَّرَى وَ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَا قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ أَنَا الْفَارُوقُ الْأَكْبَرُ وَ أَنَا صَاحِبُ الْعَصَا وَ الْمِيسَمِ وَ لَقَدْ أَقَرَّتْ لِي جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحُ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّتْ لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَقَدْ حُمِلْتُ عَلَى مِثْلِ حَمُولَةِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ هِيَ حَمُولَةُ الرَّبِّ وَ إِنَّ مُحَمَّداً(ص)يُدْعَى فَيُكْسَى وَ يُسْتَنْطَقُ وَ أُدْعَى فَأُكْسَى وَ أُسْتَنْطَقُ فَأَنْطِقُ عَلَى حَدِّ مَنْطِقِهِ وَ لَقَدْ أُعْطِيتُ خِصَالًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي عُلِّمْتُ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا وَ الْأَنْسَابَ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ فَلَمْ يَفُتْنِي مَا سَبَقَنِي وَ لَمْ يَعْزُبْ عَنِّي مَا غَابَ عَنِّي أُبَشِّرُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كُلُّ ذَلِكَ مَكَّنَنِيَ اللَّهُ فِيهِ بِإِذْنِهِ

____________

في هذا العصر و في الأعصار الآتية" أبشر بإذن الله" أي عند الموت أولياءه أو الأعم" و أؤدي عنه" كل ما أقول لا عن رأي و هوى" كل ذلك من الله" أي من فضله علي" بعلمه" أي بسبب ما يعلم من المصلحة في تمكيني و بالعلم الذي أعطانيه.

الحديث الثاني: ضعيف.

و في أكثر النسخ فيه" المعيب على أمير المؤمنين" على بناء التفعيل، من عيبه إذا نسبه إلى العيب" بإذنه" أي بتوفيقه و تيسير أسبابه.

373

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرِّيَاحِيُّ عَنْ أَبِي الصَّامِتِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

فَضْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا جَاءَ بِهِ آخُذُ بِهِ وَ مَا نَهَى عَنْهُ أَنْتَهِي عَنْهُ جَرَى لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الْفَضْلُ لِمُحَمَّدٍ(ص)الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ كَالْمُتَفَضِّلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الرَّادُّ عَلَيْهِ فِي صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بَابُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ وَ سَبِيلُهُ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ وَصَلَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَذَلِكَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ بَعْدِهِ وَ جَرَى لِلْأَئِمَّةِ(ع)وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ جَعَلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْكَانَ الْأَرْضِ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَ عُمُدَ الْإِسْلَامِ وَ رَابِطَةً عَلَى سَبِيلِ هُدَاهُ لَا يَهْتَدِي هَادٍ إِلَّا بِهُدَاهُمْ وَ لَا

____________

الحديث الثالث: ضعيف أيضا.

" فضل أمير المؤمنين" على المصدر مبتدأ و الموصول خبره، أي مزيته و فضله (عليه السلام) مشاركته لرسول الله (صلى الله عليه و آله) في وجوب الأخذ بما جاء به، و الانتهاء عما نهى عنه و وجوب طاعته بعد رسول الله، أو يقرأ" فضل" على بناء التفعيل المجهول أي علي جميع الخلق أو الأمة فقوله:" ما جاء" بيان له" و الفضل لمحمد" أي الفضل عليه لمحمد دون غيره، أو الفضل على العموم على جميع الأنبياء و الأوصياء و الأئمة مخصوص به (صلى الله عليه و آله)، أو ذلك الفضل بعينه هو فضل محمد لأنهما نفس واحدة" المتقدم" عليه لعله إشارة إلى قوله سبحانه:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ" و إن كان في الآية على القراءة المشهورة على التفعيل و هنا على التفعل، كما قرأ به يعقوب، فيؤيد الخبر تلك القراءة، و على المشهورة أي لا تقدموا أمرا و لا تقطعوه قبل أن يحكم الله و رسوله به، و المراد هنا إما هذا أو من يرى لنفسه الفضل عليه، و يريد أن يكون متبوعا له فهو كمن يرى الفضل لنفسه على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و يريد أن يكون متبوعا له" و المتفضل" التفعل هنا للتكلف، أي المفضل نفسه بدون استحقاق.

" و عمد الإسلام" العمد بفتحتين و ضمتين جمع العمود و هو الأسطوانة أي لا-

374

يَضِلُّ خَارِجٌ مِنَ الْهُدَى إِلَّا بِتَقْصِيرٍ عَنْ حَقِّهِمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى مَا أَهْبَطَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عُذُرٍ أَوْ نُذُرٍ- وَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ فِي الْأَرْضِ يَجْرِي لآِخِرِهِمْ مِنَ اللَّهِ مِثْلُ الَّذِي جَرَى لِأَوَّلِهِمْ وَ لَا يَصِلُ أَحَدٌ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَا قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ لَا يَدْخُلُهَا دَاخِلٌ إِلَّا عَلَى حَدِّ قَسْمِي وَ أَنَا الْفَارُوقُ الْأَكْبَرُ وَ أَنَا الْإِمَامُ لِمَنْ بَعْدِي وَ الْمُؤَدِّي عَمَّنْ كَانَ قَبْلِي لَا يَتَقَدَّمُنِي أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدُ(ص)وَ إِنِّي وَ إِيَّاهُ لَعَلَى سَبِيلٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَنَّهُ هُوَ

____________

يقوم الإسلام إلا بإمامتهم" و رابطة" بالضمير الراجع إلى الإسلام، و الوحدة لكونهم كنفس واحدة، أو لأن في كل زمان واحد منهم، أي هم يشدون الإسلام على سبيل هدايته، أو بالتاء صفة للجماعة أي الجماعة الذين يشدون الناس على سبيل هداية الله لئلا يتعدوه، أو المرابطين في ثغر الإسلام لئلا يهجم الكفار و أهل البدع على المؤمنين فيضلوهم" أو عذر أو نذر" أي محو إساءة أو تخويف، و هما مصدران لعذر إذا محي الإساءة و أنذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة، و نذير بمعنى الإنذار" و لا يصل أحد إلى ذلك" أي إلى مرتبة فضلهم أو إلى معرفة تلك المرتبة" إلا بعون الله" أي بتوفيقه" لا يدخلها" أي النار أو كل من الجنة و النار و في بعض النسخ لا يدخلهما و هو أظهر.

" على حد قسمي" الحد: الفصل بين الشيئين يميز بينهما، و القسم بالفتح:

التقسيم، و في بعض النسخ على أحد قسمي بصيغة التثنية مضافة إلى ياء المتكلم و لعله أصوب" عمن كان قبلي" أي النبي (صلى الله عليه و آله)" و إني و إياه لعلى سبيل واحد" أي متساويان في جميع وجوه الفضل" إلا أنه هو المدعو باسمه" أي النبي و الرسول، فإني لست بنبي و لا رسول، و إنما فضله على ذلك، أو أنه تعالى سماه في القرآن و ناداه باسمه و لم يسمني، أو المقصود بيان غاية الاتحاد بينهما على سياق قوله تعالى:" وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ" أي ليس بيني و بينه فرق إلا أنه مدعو باسمه و أنا مدعو باسمي، فلا

375

الْمَدْعُوُّ بِاسْمِهِ وَ لَقَدْ أُعْطِيتُ السِّتَّ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا وَ الْوَصَايَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ إِنِّي لَصَاحِبُ الْكَرَّاتِ وَ دَوْلَةِ الدُّوَلِ

____________

فرق في المسمى بل في الاسم، و هذا وجه حسن.

" و الوصايا" أي أعلم ما أوصى به الأنبياء أوصياءهم و أممهم من الشرائع و غيرها.

" و إني لصاحب الكرات و دولة الدول" هذه الخامسة و يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المعنى أني صاحب الحملات في الحروب فإنه (عليه السلام) كان كرارا غير فرار، و صاحب الغلبة فيها، فإنه كان الغلبة في الحروب بسببه، أو إني صاحب الغلبة على أهل الغلبة في الحروب، قال الفيروزآبادي: الكرة المرة و الحملة، و قال: الدولة انقلاب الزمان و العقبة في المال، و يضم أو الضم فيه و الفتح في الحرب، أو هما سواء، أو الضم في الآخرة و الفتح في الدنيا، و الجمع دول مثلثة، و أدالنا الله من عدونا، من الدولة و الإدالة الغلبة، و دالت الأيام: دارت، و الله يداولها بين الناس.

الثاني: أن المراد إني صاحب علم كل كرة و دولة، أي أعلم أحوال أصحاب القرون الماضية و الباقية إلى يوم القيامة من أهل الدين و الدنيا.

الثالث: أن المعنى إني أرجع إلى الدنيا مرات شتى لأمور وكلني الله بها، و كانت غلبة الأنبياء على أعاديهم و نجاتهم من المهالك بسبب التوسل بنوري و أنوار أهل بيتي، أو يكون دولة الدول أيضا إشارة إلى الدولات الكائنة في الكرات و الرجعات، فأما الرجعات فقد دلت عليها كثير من الروايات، نحو ما روى في بصائر سعد بن عبد الله و غيره بالإسناد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) في خطبة طويلة رواه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيها: و إن لي الكرة بعد الكرة و الرجعة بعد الرجعة، و أنا صاحب الرجعات و صاحب الصولات و النقمات و الدولات العجيبات، إلى آخر الخطبة، و غيرها من الأخبار التي أوردتها في الكتاب الكبير.

376

وَ إِنِّي لَصَاحِبُ الْعَصَا وَ الْمِيسَمِ وَ الدَّابَّةُ الَّتِي تُكَلِّمُ النَّاسَ

بَابٌ نَادِرٌ جَامِعٌ فِي فَضْلِ الْإِمَامِ وَ صِفَاتِهِ

[الحديث 1]

1

أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ الْعَلَاءِ (رحمه الله) رَفَعَهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

كُنَّا مَعَ الرِّضَا(ع)بِمَرْوَ فَاجْتَمَعْنَا فِي الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَدْءِ مَقْدَمِنَا فَأَدَارُوا أَمْرَ الْإِمَامَةِ وَ ذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا فَدَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي(ع)فَأَعْلَمْتُهُ خَوْضَ النَّاسِ فِيهِ فَتَبَسَّمَ(ع)ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ جَهِلَ الْقَوْمُ وَ خُدِعُوا عَنْ آرَائِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ(ص)حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ

____________

و قوله:" و إني لصاحب العصا" إلى آخره هي السادسة" و الدابة" تفسير لصاحب العصا و الميسم كما عرفت.

باب نادر جامع في فضل الإمام (عليه السلام) و صفاته الحديث الأول: مرفوع، و رواه الصدوق في كثير من كتبه بسند آخر فيه جهالة، و هو مروي في الاحتجاج و غيبة النعماني و غيرهما.

و البدء بفتح الباء و سكون الدال مهموزا: أول الشيء، و المقدم بفتح الدال مصدر كالقدوم، و تبسمه (عليه السلام) للتعجب عن ضلالتهم و غفلتهم عن أمر هو أوضح الأمور بحسب الكتاب و السنة، أو عن استبدادهم بالرأي فيما لا مدخل للعقل فيه، و قال الجوهري: خاض القوم في الحديث أي تفاوضوا فيه.

" و خدعوا" على المجهول" عن آرائهم" كلمة" عن" إما تعليلية أي بسبب آرائهم، أو ضمن فيه معنى الإغفال، فالمراد بالآراء ما ينبغي أن يكونوا عليها من اعتقاد الإمامة، و في بعض نسخ الكتاب و أكثر نسخ سائر الكتاب" عن أديانهم" و هو أظهر.

" إن الله لم يقبض": بين (عليه السلام) أن الإمام لا بد أن يكون منصوصا عليه، و ليس

377

فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ بَيَّنَ فِيهِ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ الْحُدُودَ وَ الْأَحْكَامَ وَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلًا فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ-

مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ

____________

تعيينه باختيار الأمة بوجهين:

الأول: الآيات الدالة على أن الله تعالى أكمل الدين للأمة و بين لهم شرائعه و أحكامه، و ما يحتاجون إليه، و معلوم أن تعيين الإمام من الأمور المهمة في الدين بإجماع الفريقين، و لذا اعتذر المخالفون للاشتغال بتعيين الإمام قبل تجهيز الرسول (صلى الله عليه و آله)، بأن تعيينه كان أهم من ذلك.

و الثاني: أن للإمامة شرائط من العصمة و العلم بجميع الأحكام، و غير ذلك مما لا يحيط به عقول الخلق، فلا يعقل تفويضها إلى الأمة، و لا بد من أن يكون الإمام منصوصا منصوبا من قبل الله تعالى، و لا خلاف بين الأمة في أنه لم يقع النص على غير أئمتنا (عليهم السلام)، فلا بد من أن يكونوا منصوصين منصوبين للإمامة من الله و من رسوله.

" فيه تبيان كل شيء" إشارة إلى قوله تعالى في سورة النحل:" وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ" ثم فسر ذلك بقوله:" بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه الناس كملا" و لا ريب أن الإمامة و تعيين الإمام شيء مما يحتاج إليه الناس غاية الاحتياج، و قال الجوهري يقال: أعطه هذا المال كملا أي كله.

" مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ" قال البيضاوي:" من" مزيدة و شيء في موضع المصدر لا المفعول به، فإن فرط لا يعدي بنفسه، و قد عدي بفي إلى الكتاب" انتهى" و وجه الاستدلال ما مر، و هو مبني على كون المراد بالكتاب القرآن كما ذهب إليه أكثر المفسرين، و قيل: المراد به اللوح، و يحتمل الاستدلال بالآيتين وجها آخر، و هو أنه تعالى أخبر بيان كل شيء في القرآن، و لا خلاف في أن غير الإمام لا يعرف

378

وَ أَنْزَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ هِيَ آخِرُ عُمُرِهِ ص

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً

____________

كل شيء من القرآن فلا بد من وجود الإمام المنصوص، و الأول أظهر.

" و أنزل في حجة الوداع" قال بعض العامة ناقلا عن عمر: أن هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع في عرفات، و قال مجاهد: نزلت يوم فتح مكة و ذهبت الإمامية إلى أنها نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع، بعد ما نصب عليا (عليه السلام) للخلافة بأمر الله تعالى، و قد دلت على ذلك الروايات المستفيضة من طرقنا و طرق العامة، فقد روى السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرائف نقلا من مناقب ابن المغازلي الشافعي، و تاريخ بغداد للخطيب عن أبي هريرة قال:

من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله) بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قال: أ لست أولى بالمؤمنين؟

قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال له عمر: بخ بخ يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مسلم، فأنزل الله عز و جل:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و رواه الصدوق (ره) في مجالسه أيضا.

و روى السيد أيضا في كتاب كشف اليقين نقلا من كتاب محمد بن أبي الثلج من علماء المخالفين بإسناده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: أنزل الله عز و جل على نبيه (صلى الله عليه و آله) بكراع الغميم" يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في علي (عليه السلام) وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ" فذكر قيام رسول الله بالولاية بغدير خم، قال: و نزل جبرئيل (عليه السلام) بقول الله عز و جل:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً" بعلي أمير المؤمنين في هذا اليوم، أكمل لكم معاشر المهاجرين و الأنصار دينكم و أتم عليكم نعمته و رضي لكم الإسلام دينا، فاسمعوا له و أطيعوا تفوزوا و تغنموا.

379

وَ أَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَ لَمْ يَمْضِ(ص)حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِينِهِمْ وَ أَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيلَهُمْ وَ تَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ سَبِيلِ الْحَقِّ وَ أَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاً(ع)عَلَماً وَ إِمَاماً وَ مَا تَرَكَ لَهُمْ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ وَ مَنْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِهِ هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَ مَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ

____________

و روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور عن ابن مردويه و ابن عساكر بإسنادهما عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه آله عليا يوم غدير خم فنادى له بالولاية هبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ".

و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم و هو الثامن عشر من ذي الحجة قال النبي (صلى الله عليه و آله): من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتاب بحار الأنوار.

" و أمر الإمامة" أي ما يتعلق بها من تعيين الإمام في كل زمان" من تمام الدين" أي من أجزائه التي لا يتم إلا بها، فإكمال الدين بدون بيانه غير متصور" و لم يمض (صلى الله عليه و آله)" أي كما لم يفرط الله تعالى في البيان لم يفرط الرسول (صلى الله عليه و آله) في التبليغ، و" المعالم" جمع معلم بالفتح أي ما يعلم به الدين، كنصب الإمام و بيان الأحكام، و القصد:

الوسط بين الطرفين و إضافته إلى السبيل و إضافة السبيل إلى الحق بيانيتان، و تحتملان اللامية.

" علما" أي علامة لطريق الحق" إلا بينه" لعلي (عليه السلام) و للناس بالنص عليه و الأمر بالرجوع إليه" فهو كافر" يدل على كفر المخالفين" هل يعرفون" الاستفهام للإنكار، و هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين المذكورين، و الحاصل أن نصب الإمام موقوف على العلم بصفاته و شرائط الإمامة، و هم جاهلون بها، فكيف يتيسر لهم نصبه، و من شرائطها العصمة و لا يطلع عليها إلا الله تعالى كما استدل

380

أَجَلُّ قَدْراً وَ أَعْظَمُ شَأْناً وَ أَعْلَى مَكَاناً وَ أَمْنَعُ جَانِباً وَ أَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ(ع)بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا وَ أَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَالَ

إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً

فَقَالَ الْخَلِيلُ(ع)سُرُوراً بِهَا-

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي

قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ

فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ صَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَ الطَّهَارَةِ فَقَالَ

وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ. وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰاتِ وَ إِقٰامَ الصَّلٰاةِ وَ

____________

عليه في الشافي ببراهين شافية، لا يناسب الكتاب إيرادها.

" و أمنع جانبا" أي جانبه و طريقه الموصل إليه أبعد من أن يصل إليه يد أحد" خص الله بها إبراهيم" أي بالنسبة إلى الأنبياء السابقين" سرورا بها" مفعول له لقال، و الإشادة: رفع الصوت بالشيء يقال: أشاده و أشاد به إذا أشاعه و رفع ذكره" فصارت في الصفوة" مثلثة أي أهل الطهارة و العصمة من صفا الجو إذا لم يكن فيه غيم، أو أهل الاصطفاء و الاختيار الذين اختارهم الله من بين عباده لذلك لعصمتهم و فضلهم و شرفهم" نٰافِلَةً" النفل و النافلة: عطية التطوع من حيث لا تجب، و منه نافلة الصلاة، و النافلة أيضا: ولد الولد و الزيادة، و هي على المعنى الأول حال عن كل واحد من إسحاق و يعقوب، و على الأخيرين حال عن يعقوب، أما على الثاني فظاهر، و أما على الأول فلان يعقوب زيادة على من سأله إبراهيم (عليه السلام) و هو إسحاق.

" وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ" موصوفين بالصلاح ظاهرا و باطنا قابلين للخلافة و الإمامة" وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً" للخلائق" يَهْدُونَ" الناس إلى الحق" بِأَمْرِنٰا" لا بتعيين الخلق" وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰاتِ" أي جميعها لكونه جمعا معرفا باللام" وَ إِقٰامَ الصَّلٰاةِ" من قبيل عطف الخاص على العام للإشعار بفضلهما، و حذفت التاء من إقام

381

إِيتٰاءَ الزَّكٰاةِ وَ كٰانُوا لَنٰا عٰابِدِينَ

فَلَمْ تَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُهَا بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى وَرَّثَهَا اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ جَلَّ وَ تَعَالَى-

إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً فَقَلَّدَهَا(ص)عَلِيّاً(ع)بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَسْمِ مَا فَرَضَ اللَّهُ فَصَارَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَصْفِيَاءِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَ الْإِيمَانَ

____________

للتخفيف مع قيام المضاف إليه مقامها" وَ كٰانُوا لَنٰا عٰابِدِينَ" عطف على" أوحينا" أو حال من ضمير إليهم بتقدير قد، و تقديم الظرف للحصر.

" قرنا فقرنا" منصوبان على الظرفية" إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ" أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي بمعنى القرب أو أحقهم بمقامه" لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ" في عقائده و أقواله و أعماله ظاهرا و باطنا، و لم يخالفوه أصلا، و هم أوصياؤه و الأنبياء من ولده (عليهم السلام)" وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" حق الإيمان و هم أوصياؤه (عليهم السلام)" وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ" ينصرهم لإيمانهم و إرشادهم عباد الله إلى صراطه المستقيم، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه في نهج البلاغة عنه في بعض خطبه حيث قال: و كتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، و هو قوله تعالى:" وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ*" و قوله تعالى:" إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ" الآية، فالاستدلال بالآية مبني على أن المراد بالمؤمنين فيها الأئمة (عليهم السلام)، و يحتمل أن يكون المراد به أن تلك الإمامة انتهت إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، و هو لم يستخلف غير علي (عليه السلام) بالاتفاق.

" فكانت" أي الإمامة" له خاصة" أي للنبي (صلى الله عليه و آله) في زمانه" فقلدها" بتشديد اللام" عليا" أي جعلها لازمة في عنقه لزوم القلادة" بأمر الله" متعلق بقلد" على رسم ما فرض الله" الرسم السنة و الطريقة، أي على الطريقة التي فرضها الله في السابقين، بأن ينصب كل إمام بعده إماما لئلا يخلو زمان من حجة، و الظرف إما متعلق بالظرف الأول أو بقلد" فصارت في ذريته" الضمير لعلي (عليه السلام)" بقوله" الظرف متعلق بأتاهم، أو بصارت.

382

بِقَوْلِهِ تَعَالَى-

وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ

فَهِيَ فِي وُلْدِ عَلِيٍّ(ع)خَاصَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ(ص)فَمِنْ أَيْنَ يَخْتَارُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ

____________

" وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ" أقول: قبل هذه الآية قوله تعالى:" وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مٰا لَبِثُوا غَيْرَ سٰاعَةٍ كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ" فإن المجرمين يقسمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة لاستقلالهم مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانا" كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ" أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق، فالمراد بالخبر أن الذين يحبونهم في القيامة و وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم و الإيمان هم النبي و الأئمة (عليهم السلام).

و يحتمل أن يكون المراد أن مصداقه الأكمل هم (عليهم السلام) بأن يكون المراد بالموصول في الآية جميع الأنبياء و الأوصياء (صلوات الله عليهم)، كما ذكره المفسرون، قال البيضاوي: من الملائكة و الإنس.

" لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ" أي في علمه أو قضائه أو اللوح أو القرآن" إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ" فهذا يوم البعث الذي كنتم منكرين له، و هذا الجواب و إن لم يتضمن تحديد مدة لبثهم، لكن فيه دلالة بحسب قرينة المقام على أنها زائدة على ما قالوه كثيرا، حتى كأنها لا يحيط به التحديد، و ربما يوهم ظاهر الخبر أن المخاطب الأئمة (عليهم السلام)، و المراد لبثهم في علم الكتاب، لكن لا يساعده سابقه كما عرفت، و إن كان مثل ذلك في نظم القرآن كثيرا، و قال علي بن إبراهيم هذه الآية مقدمة و مؤخرة و إنما هو" وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ" انتهى.

" إذ لا نبي بعد محمد" هذا إما تعليل لكون الخلافة فيهم و التقريب أنه لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه و آله) حتى يجعل الإمامة في غيرهم بعد جعل النبي فيهم، أو لكونهم أئمة لا أنبياء، أو لامتداد ذلك إلى يوم القيامة و التقريب ظاهر.

383

إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ إِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ وَ خِلَافَةُ الرَّسُولِ(ص)وَ مَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ مِيرَاثُ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَ عِزُّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَ فَرْعُهُ السَّامِي بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ تَوْفِيرُ الْفَيْءِ وَ الصَّدَقَاتِ وَ إِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَ الْأَحْكَامِ وَ مَنْعُ الثُّغُورِ وَ الْأَطْرَافِ الْإِمَامُ يُحِلُّ حَلَالَ اللَّهِ وَ يُحَرِّمُ حَرَامَ اللَّهِ وَ يُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ وَ يَذُبُّ عَنْ دِينِ

____________

" إن الإمامة هي منزلة الأنبياء" أي مرتبة لهم و لمن هو مثلهم أو كانت لهم فيجب أن ينتقل إلى من يشابههم، و قيل: المعنى أنها منزلة بمنزلة نبوة الأنبياء، فكما لا تثبت النبوة لأحد باختيار الخلق كذلك لا تثبت الإمامة باختيارهم" و إرث الأوصياء" أي ميراث انتقل من الأنبياء إليهم، و من بعضهم إلى بعض، و الإرث أصله الواو، و هو في الأصل مصدر، و كثيرا ما يطلق على الشيء الموروث كما هنا" إن الإمامة خلافة الله" إلخ" خليفة الرجل من يقوم مقامه، فلا بد أن يكون عالما بما أراد المستخلف، عاملا بجميع أوامره مناسبا له في الجملة" زمام الدين" الزمام: الحيط الذي يشد في طرفه المقود و قد يسمى المقود زماما، و في الكلام استعارة مكنية و تخييلية" أس الإسلام" الأس و الأساس أصل البناء" و النامي" صفة المضاف أو المضاف إليه و الأول أظهر، و نمو الأصل يستلزم نمو الفرع، و قد يقال: هو من نميت الحديث أنميه مخففا إذا أبلغته على وجه الإصلاح و طلب الخير و هو بعيد،" و السامي" العالي المرتفع، و فرع كل شيء أعلاه.

" بالإمام تمام الصلاة" إلخ، إذ هو الآمر بجميعها و معلم أحكامها، و الباعث لإيقاعها على وجه الكمال، و شرط تحقق بعضها، و العلم بإمامته شرط صحة جميعها، و الفيء: الغنيمة لأنها كانت في الأصل للمسلمين، لأن [الله] خلقها لهم و غصبها الكفار، ففائت و رجعت إليهم، و توفيره قسمته على قانون الشرع و العدل، و الثغور:

الحدود الفاصلة بين بلاد المسلمين و الكفار" و الأطراف" أعم منه" يحل حلال الله"

384

اللَّهِ وَ يَدْعُو إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ

بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

وَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ الْإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ الْمُجَلِّلَةِ بِنُورِهَا لِلْعَالَمِ وَ هِيَ فِي الْأُفُقِ بِحَيْثُ لَا تَنَالُهَا الْأَيْدِي وَ الْأَبْصَارُ الْإِمَامُ الْبَدْرُ الْمُنِيرُ وَ السِّرَاجُ الزَّاهِرُ وَ النُّورُ السَّاطِعُ وَ النَّجْمُ الْهَادِي فِي غَيَاهِبِ الدُّجَى وَ أَجْوَازِ الْبُلْدَانِ وَ الْقِفَارِ وَ لُجَجِ الْبِحَارِ الْإِمَامُ الْمَاءُ الْعَذْبُ عَلَى الظَّمَإِ

____________

أي يبين حليته و كذا التحريم، و الذب: المنع و الدفع، و حذف المفعول للتعميم" و يدعو إلى سبيل ربه" إشارة إلى قوله تعالى:" ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" ففسر (عليه السلام) المجادلة بالتي هي أحسن بالبراهين القاطعة، كما فسر الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) الجدال بالتي هي أحسن بالبرهان القاطع و بغير التي هي أحسن بالجدل و إلزام الخصم بالباطل، فالمراد بالحكمة و الموعظة الحسنة الأمثال و المواعظ و الخطابات النافعة كما ذكره الله تعالى عند بيان حكمة لقمان (عليه السلام) أمثال ذلك، و فسر الأكثر الحكمة بالبرهان و الموعظة بالخطابيات و المجادلة بالجدليات.

و قال الجوهري: جلل الشيء تجليلا أي عم، و المجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر، أي يعم و هي في الأفق هو ما ظهر من نواحي السماء، شبه الإمام في عموم نفعه و اهتداء عامة الخلق به، و عدم وصول أيدي العقول و الأفهام إلى كنه قدره و منزلته بالشمس المجللة بنورها العالم، و هي في الارتفاع بحيث لا تنالها الأيدي، و تكل الأبصار عن رؤيتها، فالظاهر أنه استعارة تمثيلية، و الزاهر المضيء و يقال:

سطع الغبار و الرائحة و الصبح يسطع سطوعا إذا ارتفع،" و الغيهب": الظلمة و شدة السواد،" و الدجى" بضم الدال: الظلمة و الإضافة بيانية للمبالغة، و استعبر لظلمات الفتن و الشكوك و الشبه" و الأجواز" جمع الجوز و هو من كل شيء: وسطه،" و القفار" جمع القفر و هي مفازة لا نبات فيها و لا ماء، و المراد هنا الخالية عن الهداية، أو المراد بأجوازها ما بينها، و في الاحتجاج: البيد القفار، و هو أظهر، و في بعض نسخ

385

وَ الدَّالُّ عَلَى الْهُدَى وَ الْمُنْجِي مِنَ الرَّدَى الْإِمَامُ النَّارُ عَلَى الْيَفَاعِ الْحَارُّ لِمَنِ اصْطَلَى بِهِ وَ الدَّلِيلُ فِي الْمَهَالِكِ مَنْ فَارَقَهُ فَهَالِكٌ الْإِمَامُ السَّحَابُ الْمَاطِرُ وَ الْغَيْثُ الْهَاطِلُ وَ الشَّمْسُ الْمُضِيئَةُ وَ السَّمَاءُ الظَّلِيلَةُ وَ الْأَرْضُ الْبَسِيطَةُ وَ الْعَيْنُ الْغَزِيرَةُ وَ الْغَدِيرُ وَ الرَّوْضَةُ الْإِمَامُ الْأَنِيسُ الرَّفِيقُ وَ الْوَالِدُ الشَّفِيقُ وَ الْأَخُ الشَّقِيقُ وَ الْأُمُّ الْبَرَّةُ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَ مَفْزَعُ الْعِبَادِ فِي الدَّاهِيَةِ النَّآدِ

____________

الكتاب" و القفار" و هو أيضا حسن، و لجة الماء بالضم: معظمه" و الظمأ" بالتحريك شدة العطش، و ربما يقرأ بالكسر و المد جمع ظامئ و هو بعيد، و الردى: الهلاك" و اليفاع" ما ارتفع من الأرض،" و الاصطلاء" افتعال من الصلي بالنار و هو التسخن بها" و الهطل" بالفتح و التحريك: تتابع المطر و سيلانه.

و السماء تذكر و تؤنث، و هي كل ما علاك فأظلك، و منه قيل: لسقف البيت: سماء، و وصفها بالظليلة للإشعار بوجه التشبيه، و كذا البسيطة، أو المراد بها المستوية، فإن الانتفاع بها أكثر،" و الغزيرة" الكثيرة، يقال غزرت الناقة أي كثر لبنها، شبهه (عليه السلام) في وفور علمه الذي هو حياة للأرواح بالعين في نبوع الماء الذي هو حياة للأبدان منها،" و الروضة" الأرض الخضرة بحسن النبات" و الرفيق" مأخوذ من الرفق و هو ضد العنف و الخرق، و" الشفيق" من الشفقة، و وصف الأخ بالشفيق لبيان أن المشبه به الأخ النسبي قال الجوهري: هذا شفيق هذا إذا انشق الشيء بنصفين، فكل واحدة منها شفيق الآخر، و منه قيل: فلان شفيق فلان، أي أخوه.

" في الداهية النئاد" هو بفتح النون و الهمزة و الألف و الدال المهملة، مصدر:

ناده الداهية كمنعه إذا فدحته و بلغت منه كل مبلغ، فوصفت الداهية به للمبالغة، قال الفيروزآبادي: نادت الداهية فلانا: دهمته، و الناد: كسحاب و النادي: كحبالى

386

الْإِمَامُ أَمِينُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ خَلِيفَتُهُ فِي بِلَادِهِ وَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ وَ الذَّابُّ عَنْ حُرَمِ اللَّهِ الْإِمَامُ الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمُبَرَّأُ عَنِ الْعُيُوبِ الْمَخْصُوصُ بِالْعِلْمِ الْمَوْسُومُ بِالْحِلْمِ نِظَامُ الدِّينِ وَ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْظُ الْمُنَافِقِينَ وَ بَوَارُ الْكَافِرِينَ- الْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَ لَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ وَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَ لَا لَهُ مِثْلٌ وَ لَا نَظِيرٌ مَخْصُوصٌ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَ لَا اكْتِسَابٍ بَلِ اخْتِصَاصٌ مِنَ الْمُفْضِلِ الْوَهَّابِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ وَ تَاهَتِ الْحُلُومُ وَ حَارَتِ الْأَلْبَابُ وَ خَسَأَتِ الْعُيُونُ وَ تَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ وَ تَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ وَ تَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ وَ حَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ وَ جَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ وَ كَلَّتِ

____________

الداهية، و قال الجوهري: الناد و النادي: الداهية، قال الكميت:

و إياكم و داهية نادى * * * أظلتكم بعارضها المخيل

" انتهى"" أمين الله" أي على دينه و علمه و غيرهما" و الذاب عن حرم الله" الحرم بضم الحاء و فتح الراء جمع الحرمة و هي ما لا يحل انتهاكه و تجب رعايته، أي يدفع الضرر و الفساد عن حرمات الله، و هي ما عظمها و أمر بتعظيمها، من بيته و كتابه و خلفائه و فرائضه و نواهيه و أو أمره، و" البوار" الهلاك، و الحمل على المبالغة كالفقر السابقة.

" و لا يوجد منه بدل" أي في زمانه" هيهات" أي بعد البلوغ إلى معرفة الإمام" هيهات" أي بعد إمكان اختياره غاية البعد،" و الحلوم" كالألباب: العقول، و" ضلت" و" تاهت" و" حارت" متقاربة المعاني، و خسأ بصره كمنع خسأ و خسوءا أي كل، و منه قوله تعالى:" يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خٰاسِئاً".

و يقال: تصاغرت إليه نفسه أي صغرت، و التقاصر مبالغة في القصر أو هو إظهاره كالتطاول، و" حصر" كعلم: عي في المنطق، و" الأدباء" جمع أديب و هو المتأدب

387

الشُّعَرَاءُ وَ عَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وَ عَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ وَ أَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَ التَّقْصِيرِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُغْنِي غِنَاهُ لَا كَيْفَ وَ أَنَّى وَ هُوَ بِحَيْثُ النَّجْمُ مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِينَ وَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا وَ أَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا وَ أَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا أَ تَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ(ص)كَذَبَتْهُمْ وَ اللَّهِ أَنْفُسُهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الْأَبَاطِيلَ فَارْتَقَوْا مُرْتَقًى صَعْباً دَحْضاً تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ رَامُوا

____________

بالآداب الحسنة، و قد شاع إطلاقه على العارف بالقوانين العربية و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما ينفعك و يجديك، و" الغناء" بالفتح: النفع" لا" تصريح بالإنكار المفهوم من الاستفهام، حذفت الجملة لدلالة ما قبلها على المراد أي لا يوصف بكله إلى آخر الجمل.

" كيف" تكرار للاستفهام الإنكاري الأول تأكيدا" و أنى" مبالغة أخرى بالاستفهام الإنكاري عن مكان الوصف و ما بعده" و هو بحيث النجم" الواو للحال و الضمير للإمام (عليه السلام) و الباء بمعنى في، و حيث ظرف مكان، و النجم مطلق الكواكب، و قد يخص بالثريا، و هو مرفوع على الابتداء و خبره محذوف، أي مرئي، لأن حيث لا يضاف إلا إلى الجمل" من يد المتناولين" الظرف متعلق بحيث، و هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.

" كذبتهم" بالتخفيف أي قالت لهم كذبا، أو بالتشديد أي إذا رجعوا إلى أنفسهم شهدت بكذب مقالهم" و منتهم الأباطيل" أي أوقعت في أنفسهم الأماني الباطلة، أو أضعفتهم قال الجوهري: الأمنية واحدة الأماني تقول منه: تمنيت الشيء و منيت تمنية، و فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها و هو مقلوب من المين و هو الكذب، و قال: منه السير أضعفه و أعياه، و يقال: مكان دحض و دحض بالتحريك أي زلق، و في القاموس رجل جائر بائر أي لم يتجه لشيء، و لا يأتمر رشدا و لا يطيع مرشدا" انتهى".

388

إِقَامَةَ الْإِمَامِ بِعُقُولٍ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ وَ آرَاءٍ مُضِلَّةٍ فَلَمْ يَزْدَادُوا مِنْهُ إِلَّا بُعْداً

قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*

وَ لَقَدْ رَامُوا صَعْباً وَ قَالُوا إِفْكاً وَ

ضَلُّوا ضَلٰالًا بَعِيداً

وَ وَقَعُوا فِي الْحَيْرَةِ إِذْ تَرَكُوا الْإِمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ

وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ

رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ وَ اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ وَ الْقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ-

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا

____________

" فلم يزدادوا منه" أي من الإمام الحق" إلا بعدا" و في بعض النسخ بعد ذلك:

و قال الصفواني في حديثه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" ثم اجتمعا في الرواية.

أقول: رواة نسخ الكليني كثيرة أشهرهم الصفواني و النعماني فبعض الرواة المتأخرة منهم عارضوا النسخ و أشاروا إلى الاختلاف، فالأصل برواية النعماني و لم يكن فيه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" و كان في رواية الصفواني فأشار هنا إلى الاختلاف" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ*" دعاء عليهم بالهلاك و البعد عن رحمة الله، لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمة الله أو تعجب عن شناعة عقائدهم و أعمالهم" أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" قال الراغب: أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، و من الصدق في المقال إلى الكذب، و من الحسن في الفعل إلى القبيح، و الإفك الكذب، و كل مصروف عن وجهه.

" وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ" في طلب الإمام باختيارهم" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" و هو الإمام و معرفته" وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" أي عالمين بذلك السبيل، أو قادرين على العلم فقصروا.

" وَ يَخْتٰارُ" أي ما يشاء" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" كلمة" ما" نافية، و قيل: موصولة، مفعول ليختار، و العائد محذوف، و المعنى يختار الذين كان لهم فيه الخيرة و الخيرة بمعنى التخيير" سُبْحٰانَ اللّٰهِ" تنزيها له أن ينازعه أحد في الخلق و يزاحم اختياره" وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ" أي عن إشراكهم في الخلق و الاختيار.

قال السيد في الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى:"

389

يُشْرِكُونَ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

الْآيَةَ وَ قَالَ-

مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا بٰالِغَةٌ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا

____________

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ" قال: إن الله تعالى خلق آدم من طين حيث شاء، ثم قال:" وَ يَخْتٰارُ" إن الله تعالى اختارني و أهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، و جعلني الرسول و جعل علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوصي، ثم قال:" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكني اختار من أشاء، فأنا و أهل بيتي صفوة الله و خيرته من خلقه، ثم قال:" سُبْحٰانَ اللّٰهِ (وَ تَعٰالىٰ) عَمّٰا يُشْرِكُونَ" يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار مكة، ثم قال:" وَ رَبُّكَ" يا محمد" يَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ" من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك" وَ مٰا يُعْلِنُونَ" من الحب لك و لأهل بيتك.

و أقول: ليس قوله:" من أمرهم" في القرآن و لا في العيون و معاني الأخبار و غيرهما من كتب الحديث، و لعله زيد من النساخ، و على تقديره يمكن أن يكون في قراءتهم (عليهم السلام) كذلك، أو زاده (عليه السلام) تفسيرا.

" أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ" أي من السماء" فِيهِ تَدْرُسُونَ" أي تقرءون" إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ" أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه، قيل: أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس، فلما جئت باللام كسرت، و يجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا، و تخير الشيء و اختياره: أخذ خيره.

" أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أي عهود مؤكدة بالإيمان" بٰالِغَةٌ" متناهية في التأكيد" إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ" متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو مبالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم" إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ" جواب القسم لأن معنى" أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أم أقسمنا لكم.

" سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ" أي بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه م" أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ"

390

صٰادِقِينَ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ-

أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا

أَمْ

طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ

أَمْ

قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ

____________

يشاركونهم في هذا القول" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا صٰادِقِينَ" في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، قال البيضاوي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر و تزييفا لما لا سند له" أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا" المانعة من دخول الحق فيها.

قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، و إضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة.

" أم طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ*" هذا من كلامه (عليه السلام) اقتبسه من الآيات و ليس في القرآن بهذا اللفظ، و" أم" منقطعة في مقابلة قوله:" و القرآن يناديهم" أي ختم الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ما في متابعة القرآن و موافقة الرسول من السعادة، و ما في مخالفتهما و القول بالرأي من الشقاوة.

" أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" هذا أيضا اقتباس، و في القرآن" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" أي سماع انقياد و إذعان فكأنهم لا يسمعون أصلا و بعد ذلك في القرآن:" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ" أي شر البهائم عِنْدَ اللّٰهِ" الصُّمُّ" عن الحق" الْبُكْمُ" عنه" الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ" الحق فقد عد من لم يعمل بالآيات و لم يتفكر فيها شر البهائم، لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون عنها، و من جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي و الاختيار و بعد تلك الآيات قوله:" وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً" قال البيضاوي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات" لَأَسْمَعَهُمْ" سماع تفهيم" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" و قد علم أن لا خير فيهم" لَتَوَلَّوْا" و لم ينتفعوا به أو ارتدوا بعد التصديق و القبول

391

مُعْرِضُونَ

____________

" وَ هُمْ مُعْرِضُونَ" لعنادهم انتهى.

و يمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) تأويل الآيات بالإمامة بأن يكون المراد بقوله:

" أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ" في إمامة علي (عليه السلام) ثم قال:" لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" إمامة علي (عليه السلام) و بطلان أئمة الضلال بأصرح مما في القرآن" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" كذلك و هم على هذه الشقاوة" لَتَوَلَّوْا" صريحا و ارتدوا عن الدين ظاهرا، و لم تكن المصلحة في ذلك، فلذا لم يسمعهم كذلك، و بالجملة لا بد أن يكون المراد بالإسماع إسماعا زائدا على ما لا بد منه في إتمام الحجة إما بزيادة التصريح، أو بالألطاف الخاصة التي لا يستحقها المعاندون.

و أورد ههنا إشكال مشهور و هو أن أمير المؤمنين المذكورتين في الآية بصورة قياس اقتراني ينتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هذا محال، لأنه على تقدير أن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد، و قد ظهر من كلام البيضاوي لذلك جواب. و الجواب الحق أنه ليس المقصود في الآية ترتب قياس اقتراني حتى يلزم أن يكون منتجا مشتملا على شرائط الإنتاج، و ليس مشتملا عليها لعدم كلية الكبرى، إذ قوله تعالى:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" ليس المراد أنه على أي تقدير أسمعهم لتولوا، بل على هذا التقدير الذي لا يعلم الله فيهم الخير لو أسمعهم لتولوا و لذا لم يسمعهم إسماعا موجبا لانقيادهم، و الجملة الثانية مؤكدة للأولى، أي عدم إسماعهم في تلك الحالة، لأنه لو أسمعهم لتولوا، و يحتمل أن يكون في قوة استثناء نقيض التالي فيكون قياسا استثنائيا.

و ينسب إلى المحقق الطوسي (رحمه الله) أنه أجاب عن هذا الإشكال بأن المقدمتين مهملتان و كبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية، و لو سلم فإنما ينتجان لو كانت الكبرى لزومية و هو ممنوع، و لو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال، إذ لا خير فيهم، و المحال جاز أن يستلزم المحال.

392

..........

____________

و قال بعض الأفاضل هذا الجواب و أصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ" لو" لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، و إنما يستعمل في القياس الاستثنائي، المستثنى منه نقيض التالي لأنه معتبر في مفهوم" لو" فلو صرح به كان تكرارا، و كيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى و تقدس أنه قياس أهملت فيه شرائط الإنتاج، فأي فائدة تكون في ذلك، و هل يركب القياس إلا لحصول النتيجة؟ بل الحق أن قوله تعالى:" وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" وارد على قاعدة اللغة، و هي أن امتناع الشرط يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج عدم العلم بالخير فيهم من غير ملاحظة أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، ثم ابتدأ قوله:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" كلاما آخر على طريقة قوله (عليه السلام):" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع، فكيف على تقدير عدمه، فهو دائم الوجود، و هذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ" لو" في القياس الاستثنائي، و غير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، و بناء هذه الطريقة على أن لفظ" لو" يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط و عدمه، و ذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، و يكون نقيض ذلك الشرط أنسب و أليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط و عدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم.

و قال التفتازاني: يجوز أن تكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة

393

أَمْ

قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا

بَلْ هُوَ

فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

فَكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ وَ الْإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ وَ رَاعٍ لَا يَنْكُلُ مَعْدِنُ

____________

اللغة كما هو مقتضى أصل" لو" فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع، لأن التولي هو الإعراض عن الشيء و عدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق منهم التولي و الإعراض عنه، و لم يلزم من هذا تحقق الانقياد له.

فإن قيل: انتفاء التولي خير و قد ذكر أن لا خير فيهم؟

قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير، و إنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن سمعوا شيئا ثم انقادوا له و لم يعرضوا، انتهى.

أقول: و يحتمل على ما أشرنا إليه من حمل قوله:" لَأَسْمَعَهُمْ" على الهدايات و الألطاف الخاصة، أن يحمل قوله سبحانه" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" على غير ذلك من أصل الاستماع الذي هو شرط التكليف، فلا يتكرر الوسط فلا يلزم الإنتاج.

و هذا قريب من أحد الوجوه التي ذكرها ابن هشام في المغني، حيث أجاب عن ذلك بثلاثة وجوه:" الأول": أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا، و لو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا فاختلف الوسط" و الثاني": ما ذكره البيضاوي" و الثالث": لو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك، و أشار البيضاوي إليه أيضا، و في الأخيرين ما ترى، و سيأتي في باب: أنه لا يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن و أحكامه، و علم تغيير الزمان و حدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، و لو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كان لم يسمع" الخبر" و فيه تأييد لما ذكرنا أولا فتفطن.

" أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا" أم منقطعة على نحو ما سبق، مقتبسا مما ذكره الله في قصة بني إسرائيل أي بل قالوا سمعنا كلام الله و رسوله في تعيين الإمام و عصيناهما.

" بل هو فضل الله" أي الإماتة أو السماع و معرفة الإمام.

" عالم لا يجهل" أي شيئا من الأشياء التي تحتاج الأمة إليها" و راع" أي حافظ

394

الْقُدْسِ وَ الطَّهَارَةِ وَ النُّسُكِ وَ الزَّهَادَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعِبَادَةِ مَخْصُوصٌ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ(ص)وَ نَسْلِ الْمُطَهَّرَةِ الْبَتُولِ لَا مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسَبٍ وَ لَا يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ فِي الْبَيْتِ مِنْ قُرَيْشٍ

____________

للأمة، و في بعض النسخ بالدال" لا ينكل" من باب ضرب و نصر و علم أي لا يضعف و لا يجبن" معدن" بفتح الدال و كسرها" القدس" بالضم و بضمتين و هو البراءة من العيوب" و الطهارة" و هي البراءة من الذنوب.

" و النسك" أي العبادة و الطاعة أو أعمال الحج، قال في النهاية: النسيكة:

الذبيحة و جمعها نسك، و النسك أيضا الطاعة و العبادة، و كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، و النسك ما أمرت به الشريعة و الورع ما نهت عنه، و الناسك: العابد، و سئل تغلب عن الناسك؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة و هي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفى نفسه لله تعالى، و في القاموس: النسك مثلثة، و بضمتين: العبادة، و كل حق لله عز و جل، و نسك الثوب أو غيره غسله بالماء فطهره.

" و الزهادة" عدم الرغبة في الدنيا" مخصوص بدعوة الرسول" أي بدعوة الخلق نيابة عنه (صلى الله عليه و آله) كما قال تعالى:" أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي" و قال النبي (صلى الله عليه و آله): لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني، أو بدعاء الرسول إياه قبل سائر الخلق أو للإمامة أو بدعاء الرسول له كقوله (صلى الله عليه و آله): اللهم وال من والاه، و قوله: اللهم أذهب عنهم الرجس، و قوله: اللهم ارزقهم فهمي و علمي و غيرهما.

و قال البغوي: البتل: القطع، و منه سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن النساء فضلا و دينا و حسبا و" لا مغمز فيه في نسب" المغمز مصدر أو اسم مكان من الغمز بمعنى الطعن، و هذا من شرائط الإمام عند الإمامية.

" في البيت من قريش" أي في أشرف بيت من بيوت قريش، أو في بيت عظيم هو قريش، بأن تكون كلمة" من" بيانية و على التقديرين يدل على أن الإمام لا بد أن يكون قرشيا.

395

وَ الذِّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَ الْعِتْرَةِ مِنَ الرَّسُولِ(ص)وَ الرِّضَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَفُ الْأَشْرَافِ وَ الْفَرْعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ نَامِي الْعِلْمِ كَامِلُ الْحِلْمِ مُضْطَلِعٌ بِالْإِمَامَةِ

____________

و في أخبار العامة أيضا دلالة عليه، فقد روى مسلم في صحيحه عشرة أحاديث تدل على ذلك، منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.

و منها ما روي عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه و آله) فسمعته يقول: إن هذه الأمة لا تنقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.

و عن ابن سمرة أيضا بإسناد آخر أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: لا- يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.

قال الآمدي: الشروط المختلفة فيها في الإمامة ستة منها القرشية و هو المشهور عندنا بل مجمع عليه.

" و الذروة من هاشم" يحتمل الوجهين السابقين، و ذروة كل شيء بالضم و الكسر:

أعلاه، قيل: المراد أن يكون من فاطمة المخزومية أم عبد الله و أبي طالب و الزبير، قال حسان في ذم ابن عباس.

و إن سنام المجد من آل هاشم * * * بنو بنت مخزوم و والدك العبد

و قال الجوهري: عترة الرجل أخص أقاربه، و عترة النبي بنو عبد المطلب، و قيل: أهل بيته الأقربون، و هم أولاده و على و أولاده و قيل: عترته الأقربون و الأبعدون عنهم، انتهى.

" و الرضا من الله" أي المرضي من عنده" شرف الأشراف" أي أشرف من كل شريف نسبا و حسبا، و فرع كل شيء: أعلاه" نامي العلم" أي علمه دائما في الزيادة لأنه محدث" كامل الحلم" أي العقل و الأناءة و التثبت في الأمور لا يستخفه شيء من المكاره و لا يستفزه الغضب" مضطلع بالإمامة" أي قوي عليها من الضلاعة و هي

396

عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَاصِحٌ لِعِبَادِ اللَّهِ حَافِظٌ لِدِينِ اللَّهِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ(ص)يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ وَ يُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِهِ وَ حِكَمِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ عِلْمُهُمْ فَوْقَ عِلْمِ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

وَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً

وَ قَوْلِهِ فِي طَالُوتَ

____________

القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه و نهض به" عالم بالسياسة" أي بما يصلح الأمة من قولهم سست الرعية أي أدبتهم و أصلحتهم" قائم بأمر الله" لا بتعيين الأمة أو بإجراء أمر الله تعالى على خلقه" و حكمه" معطوف على المضاف أو المضاف إليه، تأكيدا أو تخصيصا بعد التعميم، أو المراد بالحكم الشرائع و بالعلم غيرها.

" في قوله تعالى" متعلق بمقدر أي ذلك مذكور في قوله تعالى، و يحتمل أن تكون كلمة" في" تعليلية" أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ" الآية صريحة في أن المتبوع يجب أن يكون أعلم من التابع، و أنه لا بد أن يكون الإمام غير محتاج إلى الرعية في علمه، و لا ريب أن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) من الصحابة لم يكونوا كذلك و" أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي" بتشديد الدال و قرأ بفتح الهاء و كسرها، و الأصل يهتدي فأدغمت و فتحت الهاء أو كسرت لالتقاء الساكنين" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ" يدل على فضل العلم و الحكمة، و تفضيل المفضول قبيح عقلا، و قد فسرت الحكمة في الأخبار بمعرفة الإمام" و قوله تعالى في طالوت" هو اسم أعجمي عبري و قيل: أصله طولوت من الطول، و المشهور أنه لما سأل الله إشموئيل (عليه السلام) لقومه أن يبعث لهم ملكا أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت فقال: هو الملك عليكم، فقال قومه:" أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا" و يستأهل الإمارة" وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ" لشرافة النسب و كثرة الأموال، لأنه كان من أولاد بنيامين و لم يكن فيهم النبوة و الملك، و كانوا من أولاد لاوي بن يعقوب و كانت النبوة فيهم، و من أولاد يهودا و كان الملك فيهم" وَ لَمْ

397

إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ

____________

يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ" الذي عليه مدار الملك و السلطنة، إذ كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له من النيل، أو دباغا يعمل الأديم على اختلاف الأقوال فيه" فقال لهم نبيهم إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ" فدلت الآية على أن الاصطفاء و إيتاء الملك الحق إنما يكون من الله و بتعيينه، و أن مناط الاصطفاء شيئان: العلم و الجسم، و معلوم أن الجسم غير مقصود في نفسه بل لكونه ملزوما للشجاعة و المهابة عند العدو، فدلت على أن الإمام لا بد أن يكون أعلم و أشجع من جميع الأمة، و لا ريب في أن كلا من أئمتنا (عليهم السلام) كانوا أعلم و أشجع ممن كان في زمانهم من المدعين للخلافة.

قال البيضاوي: لما استبعدوا تملكه لفقره و سقوط نسبه رد عليهم ذلك" أولا" بأن العمدة فيه اصطفاء الله و قد اختاره عليكم و هو أعلم بالمصالح منكم" و ثانيا" بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية و جسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب و أقوى على مقاومة العدو و مكائدة الحروب و قد زاده فيهما" و ثالثا" بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء" و رابعا" بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير و يغنيه، عليم بمن يليق بالملك، انتهى.

و أقول: إذا تأملت في كلامه ظهر لك وجوه من الحجة عليه كما أومأنا إليه" أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ" في سورة النساء هكذا:" وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ" فالتغيير إما من النساخ أو منه (عليه السلام) نقلا بالمعنى، أو لكونه في قراءتهم (عليهم السلام) هكذا، و لعل الغرض من إيراد هذه الآية أن الله تعالى امتن على نبيه (صلى الله عليه و آله) بإنزال الكتاب و الحكمة و إيتاء نهاية العلم وعد ذلك فضلا عظيما، و أثبت ذلك الفضل لجماعة من تلك الأمة بأنهم المحسودون على ما آتاهم الله من فضله، ثم بين أنهم من آل إبراهيم (عليه السلام).

و الفضل: العلم و الحكمة و الخلافة، مع أنه يظهر من الآيتين، أن الفضل

398

اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ

وَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ص- أَنْزَلَ

عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً

وَ قَالَ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ عِتْرَتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ ص

أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً

وَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَ أَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ وَ أَلْهَمَهُ الْعِلْمَ إِلْهَاماً فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ وَ لَا يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ- فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَايَا وَ الزَّلَلِ وَ الْعِثَارِ يَخُصُّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ شَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ

ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

____________

و الشرف بالعلم و الحكمة، و لا ريب في أنهم (عليهم السلام) كانوا أعلم ممن ادعى الخلافة في زمانهم.

" أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ" أم منقطعة، و على تأويله (عليه السلام): الناس: الأئمة (عليهم السلام)" فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً" هو الإمامة و وجوب الطاعة، فكيف لا تؤتى آل محمد؟ أو هم داخلون في آل إبراهيم و أشرفهم" فَمِنْهُمْ" أي من الأمة" مَنْ آمَنَ بِهِ" أي بالملك أو بالإيتاء و" الصدود" الإعراض و المنع" وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً" أي نارا مسعرة يعذبون بها إن لم يعذبوا في الدنيا.

" شرح صدره" أي وسعه و فتحه لذلك أي لأمور عباده" فلم يعي" بفتح اليائين و سكون المهملة، أي لم يعجزه" بعده" أي بعد الاختيار أو بعد الإلهام أو بعد كل واحد من الشرح و الإيداع و الإلهام" و لا يحير" مضارع حار من الحيرة، و في بعض النسخ: و لا تحير، مصدر باب التفعل" فيه" أي في الجواب" مؤيد" من الأيد بمعنى القوة أي بالملائكة أو الأعم" مسدد" بروح القدس كما سيأتي.

399

فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَيَخْتَارُونَهُ أَوْ يَكُونُ مُخْتَارُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمُونَهُ تَعَدَّوْا وَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَقَّ وَ نَبَذُوا

كِتٰابَ اللّٰهِ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ

وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْهُدَى وَ الشِّفَاءُ فَنَبَذُوهُ وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ وَ مَقَّتَهُمْ وَ أَتْعَسَهُمْ فَقَالَ جَلَّ وَ تَعَالَى-

وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ

وَ قَالَ

فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ

وَ قَالَ

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ

وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً

____________

" و بيت الله" يدل على جواز الحلف بحرمات الله، فما ورد من المنع عن الحلف بغير الله إما مخصوص بغير هذه أو بالدعاوي" كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ" الحق و الكتاب أو ليسوا من ذوي العلم بل هم من البهائم" بِغَيْرِ هُدىً" قال البيضاوي: في موضع الحال للتوكيد أو التقييد، فإن هوي النفس قد يوافق الحق، انتهى.

" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي" بالهدايات الخاصة أو إلى الجنة في الآخرة" الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ" الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى" فَتَعْساً لَهُمْ" أي ألزمهم الله هلاكا أو أتعسهم تعسا، و التعس بالفتح و بالتحريك: الهلاك، و العثار: السقوط، و الشر و البعد و الانحطاط" وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ" أي أبطلها فلم يجدوا لها أثرا عند ما يجد العاملون أثر أعمالهم.

" كَبُرَ مَقْتاً" قبل ذلك في سورة المؤمن:" كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ الَّذِينَ يُجٰادِلُونَ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ بِغَيْرِ سُلْطٰانٍ أَتٰاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً" و قال البيضاوي: فيه ضمير" من" و إفراده للفظ، و يجوز أن يكون الذين مبتدأ و خبره كبر على حذف مضاف، أي و جدال الذين يجادلون كبر مقتا، أو بغير سلطان و فاعل كبر كذلك أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، فيكون قوله:" يَطْبَعُ اللّٰهُ" إلخ استينافا للدلالة على الموجب لخذلانهم.

400

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي خُطْبَةٍ لَهُ يَذْكُرُ فِيهَا حَالَ الْأَئِمَّةِ(ع)وَ صِفَاتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ وَ أَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مِنْهَاجِهِ وَ فَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلْمِهِ فَمَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص)وَاجِبَ حَقِّ إِمَامِهِ وَجَدَ طَعْمَ حَلَاوَةِ إِيمَانِهِ وَ عَلِمَ فَضْلَ طُلَاوَةِ إِسْلَامِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَصَبَ الْإِمَامَ عَلَماً لِخَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ مَوَادِّهِ وَ عَالَمِهِ وَ أَلْبَسَهُ اللَّهُ تَاجَ الْوَقَارِ وَ غَشَّاهُ مِنْ نُورِ الْجَبَّارِ يُمَدُّ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَوَادُّهُ

____________

الحديث الثاني: صحيح.

" من أهل بيت نبينا" حال عن الأئمة أو بيان لها، و تعدية الإيضاح و ما بعده بعن لتضمين معنى الكشف و نحوه، و الإيلاج: الإيضاح، و إضافة السبيل إلى المنهاج إما بيانية أو المراد بالسبيل العلوم، و بالمنهاج العبادات التي توجب وصول قربه تعالى، و المنهاج: الطريق الواضح، و ميح بتشديد الياء، و المائح الذي ينزل البئر فيملأ الدلو و هو أنسب، و التشديد للمبالغة، و في بعض النسخ منح بالنون من المنحة العطية.

" واجب حق إمامه" الإضافة من قبيل: جرد قطيفة، و المعنى ما يجب عليه من معرفة الإمام و حقه بحسب قابليته، إذ معرفة كنه ذلك ليس في وسع أكثر الخلق، و في القاموس: الطلاوة مثلثة: الحسن و البهجة و القبول" على أهل موادة" المادة الزيادة المتصلة، أي الذين يصل إليهم رزقه تعالى و تربيته أو هداياته و توفيقاته الخاصة، و الضمير لله و كذا في" عالمه" بفتح اللام، و هو معطوف على المواد، أو على الأهل عطف تفسير أو عطف الأعم على الأخص، قال في النهاية: و منه حديث عمر:

أصل العرب و مادة الإسلام أي الذين يعينونهم و يكثرون جيوشهم و يتقوى بزكاة أموالهم، و كل ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم.

" يمد بسبب" السبب: الحبل و ما يتوصل به إلى الشيء، أي يجعل الله بينه