مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج10

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
576 /
103

و يجاب بوجوب تخصيصه بما مرّ.

و لأنّه لو اعتبر الفقر فيهم لم يكن اليتامى قسما برأسه.

و يضعف باحتمال أن يكون ذلك لمزيد التأكيد كما في آية الزكاة (1).

و ظاهر المحكيّ عن المنتهى و التلخيص و التذكرة و التحرير و المختلف و المعتبر و الشرائع و الدروس (2)، التوقّف في المسألة.

و أمّا ابن السبيل فلا يعتبر فقره في بلده إجماعا. و الحقّ المشهور:

اعتباره في بلد التسليم، للمرسلة، و بها يقيّد إطلاق الآية.

و من جميع ذلك يظهر اختصاص ذلك النصف بالفقراء من السادات و عدم استحقاق غيرهم بالمرّة.

المسألة التاسعة:

الحقّ اشتراط الإيمان فيه، وفاقا للأكثر، كما صرّح به بعض من تأخّر (3)، و عن الغنية و المختلف: الإجماع عليه (4).

للتعويض المذكور، و لما في مرسلة حمّاد (5) و غيرها (6) من أنّ اختصاص الخمس بقرابة الرسول لكرامتهم و تنزيههم و رفعهم عن موضع الذلّ، و المخالف ليس أهلا لذلك. إلّا أن يقال بجواز اجتماع جهتي استحقاق الإذلال و الكرامة، كما روي من الترغيب إلى إكرام شريف كلّ قوم (7).

____________

(1) التوبة: 61.

(2) المنتهى 1: 552، التذكرة 1: 254، التحرير 1: 74، المختلف: 206، المعتبر 2: 295، الشرائع 1: 182، الدروس 1: 262.

(3) كما في الحدائق 12: 389، و الرياض 1: 297.

(4) الغنية (الجوامع الفقهية): 568، المختلف: 205.

(5) المتقدّمة في ص: 83.

(6) الوسائل 9: 509 أبواب قسمة الخمس ب 1.

(7) الوسائل 12: 100 أبواب أحكام العشرة ب 68.

104

و لقوله (عليه السلام) في رواية يعقوب بن شعيب- بعد السؤال عمّن لم يتمكّن من دفع الزكاة إلى أهل الولاية-: «يدفعها إلى من لا ينصب»، قلت:

فغيرهم؟ قال: «ما لغيرهم إلّا الحجر» (1).

و في رواية الأوسي- بعد الأمر بطرح الصدقة التي لا يجد لها محلّا من أهل الولاية في البحر-: «فإنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم أموالنا و أموال شيعتنا على عدوّنا» (2).

و في رواية عمر بن يزيد: عن الصدقة على النّصاب و على الزيديّة، فقال: «لا تصدّق عليهم بشيء، و لا تسقهم من الماء إن استطعت» (3).

و في رواية ابن أبي يعفور: ما تقول في الزكاة لمن هي؟ قال: فقال:

«هي لأصحابك»، قال: قلت: فإن فضل منهم؟ قال: «فأعد عليهم»، قال:

قلت: فإن فضل عنهم؟ قال «فأعد عليهم»، قال: قلت: فإن فضل عنهم؟

قال: «فأعد عليهم»، قلت: فيعطى السؤال منها شيئا؟ قال: فقال: «لا و اللّه إلّا التراب، إلّا أن ترحمه فإن رحمته فأعطه كسرة» ثمَّ أومأ بيده فوضع إبهامه على أصابعه (4).

و الظاهر أنّ المراد السؤال من المخالفين بقرينة المقام، و كراهة ردّ غيرهم من السؤال كما قال سبحانه وَ أَمَّا السّٰائِلَ فَلٰا تَنْهَرْ (5).

و أمّا قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير- بعد سؤال رجل: أعطي قرابتي من زكاة مالي و هم لا يعرفون-: «لا تعط الزكاة إلّا مسلما، و أعطهم من غير

____________

(1) التهذيب 4: 46- 121، الوسائل 9: 223 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 7.

(2) التهذيب 4: 52- 139، الوسائل 9: 223 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 8.

(3) التهذيب 4: 53- 141، الوسائل 9: 222 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 5.

(4) التهذيب 4: 53- 142، الوسائل 9: 222 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 6.

(5) الضحى: 10.

105

ذلك» (1).

و موثّقته: عن الرجل يكون له قرابة محتاجون غير عارفين، أ يعطيهم من الزكاة؟ قال: «لا، و لا كرامة، لا يجعل الزكاة وقاية لماله، يعطيهم من غير الزكاة إن أراد» (2).

فلا ينافي ما ذكرنا، لأنّ المسئول عنه لم يكن من السادات، و إلّا لم يسألوا عن إعطاء الزكاة، فلا يشمل غير الزكاة- المجوّز إعطائه لهم- الخمس، مع أنّ الخمس في زمانه كان يحمل إلى الإمام (عليه السلام) و لا يعطيه ربّ المال، و أنّ قرابة السائل في الأولى كانوا معيّنين، و لا يعلم أنّهم من السادة أو الرعيّة، فلا يعلم شمول الخمس.

المسألة العاشرة:

لا تعتبر العدالة فيه بلا خلاف يوجد كما قيل (3)، و قيل: و هو ممّا لا يعرف فيه مخالفا بعينه (4)، لإطلاق الأدلّة السليمة عمّا يصلح للمعارضة.

و ربّما يظهر من الشرائع (5) وجود مخالف، و في المدارك: أنّه مجهول (6).

و قيل: لعلّه السيّد، فإنّه و إن لم يصرّح باعتبارها ها هنا، و لكنّه استدلّ على اعتبارها في الزكاة بما يجري هنا، و هو الظواهر الناهية عن معونة الفسّاق و العصاة (7).

____________

(1) التهذيب 4: 55- 146، الوسائل 9: 247 أبواب المستحقين للزكاة ب 16 ح 1.

(2) التهذيب 4: 55- 148، الوسائل 9: 248 أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 2.

(3) الرياض 1: 297.

(4) المدارك 5: 411.

(5) الشرائع 1: 183.

(6) المدارك 5: 411.

(7) انظر الرياض 1: 297.

106

و قال بعض الأجلّة: بعض العبارات يشعر بالخلاف، و كلام ابن فهد في المهذب يصرّح به. انتهى.

المسألة الحادية عشرة:

يحلّ نقل الخمس من بلده مع عدم وجود المستحقّ فيه، بلا ريب فيه كما في المدارك (1)، و قولا واحدا كما في غيره (2)، للأصل، و لأنّه توصّل إلى إيصال الحقّ إلى مستحقّه فيكون جائزا، بل قد يكون واجبا.

و أمّا مع وجوده فيه، فذهب جماعة- منهم: النافع و الشرائع و الإرشاد و المنتهى و التحرير و الدروس- إلى عدم جواز النقل (3)، لأنّ المستحقّ مطالبه من حيث الحاجة، فنقله عن البلد تأخير لصاحب الحقّ عن حقّه مع المطالبة.

و فيه: منع كونه حقّا لهؤلاء المخصوصين.

نعم، لهم نوع استحقاق أدنى من الاستحقاق بخصوصه، و إيجاب مثله لحرمة النقل مع مطالبته ممنوع.

و لذا ذهب الحلّي و الشهيد الثاني إلى جواز النقل (4)، و اختاره في المدارك و الذخيرة (5)، و هو الأقوى.

المسألة الثانية عشرة:

قد ذكر أكثر الأصحاب بأنّ مع وجود الإمام يحمل الخمس إليه جميعا، و هو يقسّم سهام الطوائف الثلاث بينهم،

____________

(1) المدارك 5: 410.

(2) الرياض 1: 297.

(3) النافع: 63، الشرائع 1: 183، الإرشاد 1: 293، المنتهى 1: 552، التحرير 1: 74، الدروس 1: 262.

(4) الحلي في السرائر 1: 496، الشهيد الثاني في المسالك 1: 68.

(5) المدارك 5: 410، الذخيرة: 489.

107

فيعطيهم على قدر كفايتهم مقتصدا، فإن فضل عن كفايتهم شيء عن نصيبهم كان له، و لو أعوز كان عليه الإتمام من نصيبه (1).

و خالف في ذلك الحلّي و منع الحكمين- أي كون الزائد له و الناقص عليه- أشدّ منع (2).

و أطال الفريقان في النقض و الإبرام و الجدال و البسط من الكلام و القيل و القال.

و أنا لا أرى في التعرّض للمسألة جدوى و فائدة، و ذلك لأنّ مقصودهم إن كان بيان حكم الإمام و ما له و عليه حال وجوده فهو تعرّض بارد و اتّجار كأسد، لأنّه المرجع في الأحكام و العارف بالحلال و الحرام.

و إن كان غرضهم معرفة ما كان عليه، حتى يبنى تقسيم الخمس في زمان الغيبة عليه، كما ذكره المحقّق الثاني في شرح القواعد، حيث قال بعد اختيار المشهور: و يتفرّع عليه جواز صرف حصّته في حال الغيبة إليهم و عدم جواز إعطاء الزائد على مئونة السنة (3). انتهى. فتستخرج منه أحكام ثلاثة: كون الفاضل مال الإمام الغائب، و إتمام الناقص من حصّته، و الاكتفاء في إعطاء الخمس بقدر مئونة السنة مقتصدة.

ففيه: أنّه لا يمكن وجود الفاضل و العلم به في هذه الأزمان، لعدم محصوريّة فقراء السادة، مع أنّهم لو عرفوا جميعا لما يفضل عنهم شيء.

فلا يتفرّع الحكم الأول تفريعا مفيدا لنا.

و أمّا الثاني، فإنّما كان يفيد لو علمنا أنّه (عليه السلام) كان يتمّ الناقص من

____________

(1) انظر الرياض 1: 299.

(2) السرائر 1: 492.

(3) جامع المقاصد 3: 54.

108

نصيبه من الخمس، و ليس دليل على ذلك أصلا، إذ ليس في المرسلتين (1)- اللتين هما مستند الأكثر- إلّا أنّه كان على الوالي إتمامه من عنده، و لم يكن ما عنده منحصرا بالخمس و الزكاة، بل كانت له أموال أخر، و عنده ما يصرف في مصالح العباد، و محاويج الناس، و منافع موقوفات آل محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و النذور، و غير ذلك.

مع أنّه قد صرّح بمثل ذلك في مرسلة حمّاد في تقسيم الزكاة أيضا، قال: «بدأ فأخرج منه العشر من الجميع ممّا سقت السماء أو سقي سيحا، و نصف العشر ممّا سقي بالدوالي و النواضح، فأخذه الوالي» إلى أن قال:

«ثمانية أسهم تقسّم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق و لا تقتير، فإن فضل من ذلك شيء ردّ إلى الوالي، و إن نقص من ذلك شيء و لم يكتفوا به كان على الوالي أن يموّنهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا» (2).

هذا، مضافا إلى أنّ جمعا من الأصحاب أيضا لم يبنوا الحكم على ذلك، حيث توقّفوا في هذه المسألة، و مع ذلك ذهبوا إلى جواز صرف حصّته في زمان الغيبة إليهم على وجه الغنيمة.

و أمّا الثالث، فلأنّه لا تدلّ المرسلتان- اللتان هما الأصل في المسألة- على لزوم الاكتفاء بمؤنة السنة، بل تصرّحان بأنّه كان (عليه السلام) يعطي هذا القدر، و لا دلالة في ذلك على التعيين أصلا، كما إذا ورد أنّه أعطى فقيرا من الزكاة كذا و كذا، و قد نصّ في المرسلة أيضا على أنّه كان يفعل في الزكاة كذلك مع أنّه لا يتعيّن فيه ذلك.

____________

(1) المتقدّمتين في ص: 83 و 84.

(2) الكافي 1: 453- 4، الوسائل 9: 266 أبواب المستحقّين للزكاة ب 28 ح 3.

109

و بالجملة: لا فائدة لنا في التعرّض لهذه المسألة أصلا، فصرف الوقت فيما يهمّ لنا أولى و أحرى.

المسألة الثالثة عشرة:

اختلفوا في حكم الخمس في زمن الغيبة، و الكلام فيه إمّا في نصف الأصناف الثلاثة، أو في نصف الإمام، فهاهنا مقامان:

المقام الأول: في نصف الأصناف. و فيه خمسة أقوال:

الأول: وجوب صرفه فيهم و قسمته عليهم

، و هو الحقّ المشهور بين المتقدّمين و المتأخّرين، و صرّح به السيّد في المسائل الحائريّة، و نسب إلى جمهور أصحابنا، بل قيل: لا خلاف فيه أجده إلّا من نادر من القدماء (1).

الثاني: سقوطه و كونه مباحا للشيعة

، حكي عن الديلمي و صاحب الذخيرة (2)، و نقله في الحدائق عن شيخه الشيخ عبد اللّه بن صالح البحريني و جملة من معاصريه (3)، و يظهر من الشيخ في النهاية تجويزه مع مرجوحيّته (4).

إلّا أنّ ظاهر بعضهم نفي القول بإباحة هذا النصف، و نسب ابن فهد في شرح النافع أنّ مذهب الديلمي إباحة نصف الإمام خاصّة (5).

و الذي نقل من كلامه إلينا غير صريح في ذلك أيضا، بل يحتمل إرادة

____________

(1) الرياض 1: 299.

(2) الديلمي في المراسم: 140 و استفاد العلّامة في المختلف: 207 تعميم الإسقاط من كلامه، الذخيرة: 492.

(3) الحدائق 12: 439.

(4) النهاية: 201.

(5) المهذّب البارع 1: 571.

110

نصيبه من الأنفال، و لذا قال في كشف الرموز: إنّه لا يعرف القائل بهذا القول إلّا من حكاية المصنّفين (1).

و على هذا، فيكون عدم إباحته محل الوفاق.

الثالث: وجوب دفنه إلى وقت ظهور الإمام (عليه السلام)

، نقله في النهاية و المقنعة عن بعضهم (2).

الرابع: وجوب حفظه و الوصيّة به

، و هو مختار الشيخ في التهذيب (3).

الخامس: التخيير [بين] [1] قسمته بينهم و عزله و حفظه و الوصيّة به إلى ثقة إلى وقت ظهور الإمام (عليه السلام).

و هو مختار المفيد في المقنعة، حيث اختار أولا عزل جميع السهام و حفظه، ثمَّ قال: و لو قسّم شطر الأصناف بينهم كان صوابا (4). و كذا الشيخ في المبسوط، إلّا أنّه زاد الدفن أيضا (5).

لنا: إطلاق الآية الكريمة (6)، و الأخبار الكثيرة (7) المتقدّمة بعضها بل أكثرها، الموجبة للخمس بقول مطلق، أو المثبتة نصفه للأصناف من غير تقييد بوقت أو حال، أو الدالّة على وجوبه على كلّ أحد من غير تخصيص، و على وجوبه في كلّ عام و في كلّ ما أفاده الناس.

المعتضدة بالمستفيضة (8) المصرّحة بتعويض الذرّية الخمس عن

____________

[1] أثبتناه لاستقامة العبارة.

____________

(1) كشف الرموز 1: 272.

(2) النهاية: 201، المقنعة: 286.

(3) التهذيب 4: 147.

(4) المقنعة: 286.

(5) المبسوط 1: 264.

(6) الأنفال: 41.

(7) الوسائل 9: 483 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1.

(8) الوسائل 9: 268 أبواب المستحقين للزكاة ب 29.

111

الزكاة تنزيها و صيانة لهم عن أوساخ أيدي الناس.

المؤيّدة بالشهرة العظيمة، التي كادت أن تكون إجماعا، الخالية عن المعارض جدّا، إذ ليس إلّا بعض أدلّة المخالفين في المسألة، و هي للمعارضة غير صالحة.

دليل المسقطين له المبيحين إيّاه للشيعة أمور ثلاثة:

الأول: ما أشار إليه المفيد (1) من أنّ تقسيم الخمس بين أربابه منصب للإمام- و هو الذي كان يقسّمه- و هو غائب، و لا دليل على جواز نيابة المالك أو غيره عنه في ذلك.

و فيه: أنّ أدلّة استحقاق هؤلاء لنصف الخمس مطلقة من غير تعيين لمن يصرفه إليهم، و أمر الإمام أحدا بأخذه أو إتيانه إليه لا يدلّ على أنّه يجب إتيانه إليه.

سلّمنا وجوب دفعه إليه ليصرفه فيهم، و لكن لا يلزم من سقوط ذلك- لتعذّر الوصول إلى من له حقّ الصرف- سقوط أصل الحقّ الثابت بالكتاب و السنّة، المقتضيين لاستمراره إلى الأبد، فإنّ مقتضى أدلّة وجوب الإيصال إلى الإمام- لو تمّت- وجوبه مع الإمكان، و يخرج عن أصل عدم وجوبه المقتضي لجواز صرف كلّ أحد في الأصناف في حال الإمكان، و أمّا مع عدمه فيبقى الأصل بلا معارض.

الثاني: الأخبار الكثيرة المتضمّنة لتحليل الخمس و إباحته مطلقا للشيعة، و هي كثيرة جدّا:

كصحيحة النصري: إنّ لنا أموالا من غلّات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمنا أنّ لك فيها حقّا، قال: «فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلّا لتطيب

____________

(1) المقنعة: 286.

112

ولادتهم، و كلّ من والى آبائي فهو في حلّ عمّا في أيديهم من حقّنا، فليبلغ الشاهد الغائب» (1).

و روايته، و فيها: «إنّ لنا الخمس في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لنا صفو المال» إلى أن قال: «إنّ الناس ليتقلّبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت» إلى أن قال: «اللّهمّ إنّا أحللنا ذلك لشيعتنا» (2).

و رواية يونس بن يعقوب: تقع في أيدينا الأرباح و الأموال و التجارات، نعرف أنّ حقّك فيها ثابت، و إنّا عن ذلك مقصّرون، فقال: «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم» (3).

و صحيحة الفضلاء: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا، ألا و إنّ شيعتنا من ذلك و آباءهم في حلّ» (4).

و صحيحه ابن مهزيار، و فيها: «من أعوزه شيء من حقّي فهو في حلّ» (5).

و صحيحة الكناسي: «أ تدري من أين دخل على الناس الزنا؟»

____________

(1) التهذيب 4: 143- 399، الوسائل 9: 547 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 9.

(2) التهذيب 4: 145- 405، الوسائل 9: 549 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 14.

(3) الفقيه 2: 23- 87، التهذيب 4: 138- 389، الاستبصار 2: 59- 194، الوسائل 9: 545 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 6.

(4) التهذيب 4: 137- 386، الاستبصار 2: 58- 191، المقنعة: 282، العلل:

377- 2، الوسائل 9: 543 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 1.

(5) الفقيه 2: 23- 88، التهذيب 4: 143- 400، الوسائل 9: 543 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 2.

113

فقلت: لا أدري، فقال: «من قبل خمسنا أهل البيت، إلّا لشيعتنا الأطيبين، فإنّه محلّل لهم و لميلادهم» (1).

و حسنة الفضيل، و فيها: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا، ليطيبوا»، ثمَّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّا أحللنا أمّهات شيعتنا لآبائهم، ليطيبوا» (2).

و رواية الرقّي: «الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا، إلّا أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك» (3).

و المرويّ في تفسير الإمام: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لرسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): قد علمت أنّه سيكون بعدك ملك عضوض و جبر، فيستولي على خمسي من السبي و الغنائم و يبيعونه، و لا يحلّ لمشتريه لأنّ نصيبي فيه، و قد وهبت نصيبي منه لكلّ من ملك شيئا من ذلك من شيعتي، لتحلّ لهم منافعهم من مأكل و مشرب، و لتطيب مواليدهم و لا يكون أولادهم أولاد حرام، فقال رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك، و قد تبعك رسول اللّه في فعلك، أحلّ للشيعة كلّ ما كان فيه من غنيمة أو بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لا أحلّها أنا و لا أنت لغيرهم» (4).

و رواية معاذ: «موسّع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم

____________

(1) الكافي 1: 546- 16، التهذيب 4: 136- 383، الاستبصار 2: 57- 188، المقنعة: 280، الوسائل 9: 544 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 3.

(2) التهذيب 4: 143- 401، الوسائل 9: 547 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 10.

(3) الفقيه 2: 24- 90، التهذيب 4: 138- 388، الاستبصار 2: 59- 193، الوسائل 9: 546 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 7.

(4) الوسائل 9: 552 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 20.

114

بالمعروف» (1).

و رواية أبي حمزة: «نحن أصحاب الخمس و الفيء، و قد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا» (2).

و رواية ابن سنان، و فيها- بعد ذكر أنّ على من اكتسب الخمس لفاطمة و للحجج-: «إلّا من أحللناه من شيعتنا، لتطيب لهم به الولادة» (3).

و رواية سالم: قال رجل: حلّل لي الفروج، ففزع أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنّما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوّجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه، فقال: «هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم و الغائب، و الميّت منهم و الحيّ، و ما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال» (4).

و صحيحة محمّد: «إنّ أشدّ ما فيه يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي، و قد طيّبنا ذلك لشيعتنا، لتطيب ولادتهم، و لتزكو أولادهم» (5).

____________

(1) الكافي 4: 61- 4، التهذيب 4: 143- 402، الوسائل 9: 547 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 11.

(2) الكافي 8: 285- 431، الوسائل 9: 552 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 19.

(3) التهذيب 4: 122- 348، الاستبصار 2: 55- 180، الوسائل 9: 503 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 8.

(4) التهذيب 4: 137- 384، الاستبصار 2: 58- 189، المقنعة: 281، الوسائل 9: 544 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 4.

(5) التهذيب 4: 136- 382، الاستبصار 2: 57- 187، الوسائل 9: 545 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 5، و رواها في الكافي 1: 546- 20، المقنعة:

280.

115

و صحيحة زرارة المرويّة في العلل: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حلّلهم من الخمس- يعني الشيعة- ليطيب مولدهم» (1).

و رواية حكيم، و فيها بعد ذكر آية الخمس: «إلّا أنّ أبي جعل شيعتنا من حلّ في ذلك، ليزكوا» (2).

و التوقيع الرفيع المرويّ في إكمال الدين و الاحتجاج، و فيه: «و أمّا المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئا فأكله فإنّما يأكل النيران، و أمّا الخمس فقد أبيح لشيعتنا و جعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب ولادتهم» (3).

إلى غير ذلك من الأخبار، التي بعضها مخصوص بحلّية الفيء، و بعضها يدلّ على تحليل خمس بعض أشخاص معيّنين، و بعضها على تحليل شيء معيّن.

و جوابه أولا: بالمعارضة بالأخبار المتكثّرة، كالروايات الثلاث- المتقدّمة في أوائل خمس الأرباح (4)- لابن مهزيار و ابن الصلت و النيشابوري عن أبي محمّد و أبي الحسن الثالث.

و كرواية محمّد بن يزيد الطبري: قال: كتب رجل من تجّار فارس من بعض مواليّ أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الإذن في الخمس، فكتب إليه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم» إلى أن قال: «لا يحلّ مال إلّا من وجه أحلّه اللّه،

____________

(1) العلل: 377- 1، الوسائل 9: 550 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 15.

(2) التهذيب 4: 121- 344، الاستبصار 2: 54- 179، الوسائل 9: 546 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 8، و رواها في الكافي 1: 544- 10.

(3) كمال الدين 2: 483- 4، الاحتجاج 2: 471، الوسائل 9: 550 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام 4 ح 16.

(4) في ص: 31- 32.

116

إنّ الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على موالينا و ما نبذل و نشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته، فلا تزووه عنّا، و لا تحرموا أنفسكم دعاءنا» إلى أن قال: «و ليس المسلم من أجاب باللسان و خالف بالقلب» (1).

و الأخرى: قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: «ما أمحل هذا؟! تمحضونا بالمودّة بألسنتكم و تزوون عنّا حقّا جعله اللّه لنا و جعلنا له، و هو الخمس، لا نجعل أحدا منكم في حلّ» (2).

و رواية أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيها: «و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقّنا» (3).

و اخرى: «من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لا يحلّ له» (4).

و صحيحة ابن مهزيار الطويلة، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، و فيها:

«و أمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال اللّه تعالى:

(وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ) الآية (5)»، إلى أن قال: «فمن كان عنده شيء من

____________

(1) الكافي 1: 547- 25، التهذيب 4: 139- 395، الاستبصار 2: 59- 195، المقنعة: 283، الوسائل 9: 538 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3 ح 2، و في الكافي و الوسائل: محمد بن زيد الطبري.

(2) الكافي 1: 548- 26، التهذيب 4: 140- 396، الاستبصار 2: 60- 196، الوسائل 9: 539 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3 ح 3، بتفاوت يسير.

(3) الكافي 1: 545- 14، المقنعة: 280، الوسائل: 9: 487 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 5.

(4) التهذيب 4: 136- 381، الوسائل 9: 540 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3 ح 6.

(5) الأنفال: 41.

117

ذلك فليوصل إلى وكيلي، من كان نائيا بعيد الشقّة فليعمد لإيصاله و لو بعد حين» (1).

و الرضوي، و فيه: «فعلى كلّ من غنم من هذه الوجوه مالا فعليه الخمس، فإن أخرجه فقد أدّى حقّ اللّه عليه» إلى أن قال: «فاتّقوا اللّه و أخرجوا حقّ اللّه ممّا في أيديكم يبارك لكم في باقيه» (2).

و المرويّ في كتاب الخرائج و الجرائح: «يا حسين، لم ترزأ على الناحية؟ و لم تمنع أصحابي من خمس مالك؟» ثمَّ قال «إذا مضيت إلى الموضع الذي تريده تدخله عفوا و كسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقّه» قال: فقلت: السمع و الطاعة، ثمَّ ذكر في آخره: أنّ العمري أتاه و أخذ خمس ماله بعد ما أخبره بما كان (3).

إلى غير ذلك من الأخبار المتضمّنة لما فيه الخمس (4)، و أنّه يجب بعد المؤنة، و كيفيّة تقسيم الإمام له.

و قد يذكر في المعارضة توقيعان آخران [1] لا دلالة لهما على المطلوب أصلا، كما لا يخفى على المتأمّل، فإنّ مدلولهما قريب من صدر التوقيع المذكور.

____________

[1] الظاهر أنّه ناظر إلى كلام الرياض 1: 301، و التوقيعان المذكوران مرويان في الوسائل 9: 504 أبواب الأنفال ب 3 ح 6 و 7.

____________

(1) التهذيب 4: 141- 398، الاستبصار 2: 60- 198، الوسائل 9: 501 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 294، المستدرك 7: 284 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 6 ح 1.

(3) الخرائج و الجرائح 3: 1118- 33، الوسائل 9: 541 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3 ح 9.

(4) الوسائل 9: 537 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3.

118

وجه التعارض: أنّ من المعلوم أنّ استدلالهم بروايات التحليل (1) باعتبار حملهم إيّاها على التحليل الاستمراري، و إلّا فتحليل أيّام حقّه في زمان لا يفيد لزمان الغيبة، و لا شكّ أنّ الاستمراري ينافي الأمر بالأخذ، و المطالبة، و المنع من ترك دفعه، و التصريح بعدم جعله حلالا على أحد، و النهي عن اشترائه، و التصريح بالوجوب في كلّ عام، و الأمر بالإيصال إلى الوكيل، و بالإخراج.

و غير نادر من أخبار التحليل مرويّ عن الأمير و الصادقين (عليهم السلام) (2)، و غير نادر من أخبار الوجوب مرويّ عن مولانا الرضا و أبي جعفر الثاني و أبي الحسن الثالث و أبي محمّد العسكري (عليهم السلام) (3).

و التوقيع المحلّل يعارض رواية الجرائح.

و حمل التوقيع المحلّل على زمان الغيبة الكبرى تأويل بلا شاهد، و حمل بلا حامل.

و ليست المطالبة في التوقيع الآخر (4) من باب التخصيص اللفظي حتى يقال: خرج ما خرج فيبقى الباقي، و إنّما هو فعل ذو وجوه.

و لا شكّ أنّ الإيجاب المتأخّر مناف للتحليل المتقدّم، فيحصل التعارض، و تترجّح أخبار الوجوب بمعاضدة الشهرة القديمة و الجديدة، و موافقة الآية الكريمة (5)، و مخالفة الطائفة العامّة، و بالأحدثيّة، التي هي أيضا من المرجّحات المنصوصة، مع أنّ مع التكافؤ أيضا يجب الرجوع إلى

____________

(1) المتقدمة في ص: 111- 115.

(2) راجع ص: 111- 151.

(3) راجع ص: 31 و 32.

(4) انظر الوسائل 9: 537 أبواب الأنفال ب 3.

(5) الأنفال: 41.

119

الكتاب و مطلقات الخمس و استصحاب وجوبه و أصالة عدم التحليل.

و هذا مع مطابقة أخبار الوجوب للاعتبار، فإنّ المصرّح به في الأخبار (1): أنّ اللّه سبحانه حرّم الزكاة على فقراء الذرّية الطاهرة، تعظيما و إكراما لهم، و عوّضهم عن ذلك بالخمس، و لو أبيح مطلق الخمس و سقط عن مطلق الشيعة- و المخالف لا يقول بخمس الأرباح الذي هو معظمه، و لا يخمّس المال المختلط، بل الغوص عند أكثرهم، و مع ذلك لا يعطونه سادات الشيعة، و لو أعطوا لا يعطونه الشيعة الساكنين بلاد التشيّع- فأيّ عوض حصل للذرّية مع كثرتهم؟! و بما ذا وقع التلافي لهم؟! و بأيّ شيء يدفع احتياج فقرائهم و مساكينهم؟! و ثانيا: بأنّ أكثر أخبار التحليل غير شامل لحقّ الأصناف، بل صريح أو ظاهر في حقّهم خاصّة، لتضمّنها لفظ: «حقّنا» أو: «مظلمتنا» أو:

«خمسنا أهل البيت» و نحو ذلك، كالروايات التسع الاولى، بل بعضها يختصّ بحقّ بعض الأئمّة، و هو ما تضمّن لفظ «حقّي» و «حقك» و «نصيبي» و «نصيبك» كالروايات الأربع: الثالثة و الخامسة و السابعة و الثامنة، فلا يدلّ على سقوط حقّ جميع الأئمّة.

و أمّا الثمان البواقي، فالأربعة الأولى منها لا دلالة لها على مطلوبهم.

أمّا أولاها- و هي رواية معاذ- فلعدم دلالتها على أمر الخمس، و لو سلّم فإنّما يكون بالعموم المطلق بالنسبة إلى أخبار وجوب الخمس، فيجب التخصيص.

مضافا إلى احتمال شمول الإنفاق لإخراج الخمس أيضا، مع أنّها مقيّدة بالمعروف، فلعلّه بعد إخراج الخمس، بل هو كذلك عند من يوجب

____________

(1) الوسائل 9: 268 أبواب المستحقين للزكاة ب 29.

120

إخراجه.

و أمّا ما بعدها، فلاحتمال إرجاع الضمير إلى الفيء، بل هو الراجح، لأقربيّته و إفراد الضمير.

مضافا إلى أنّ مفهوم الاستثناء فيه عدم تحريم الخمس و الفيء للشيعة، و هو يصدق بحلّيّة بعض ذلك و لو لبعض الشيعة، فتأمّل.

و أمّا ما بعدها، فلجواز كون لفظة «من» في قوله: «من شيعتنا» تبعيضيّة، بل هو الأظهر، فلا يعلم أنّه من هو، فيمكن أن يكون بعض أصحاب بعض الأئمّة.

و أمّا ما بعدها، فلعدم دلالتها على تحليل الخمس أصلا، إذ يمكن أن يكون المسئول عن إباحتها ما يحتمل أن يكون فيه خمسهم أو أن يكون فيه الفيء و غنائم دار الحرب.

فلم تبق إلّا الأربعة الأخيرة، و الثلاثة الأولى منها أيضا لا تدلّ على أزيد من تحليل الخمس كلّا أو بعضا للشيعة الموجودين في زمان التحليل أو مع ما سبقه، لأنّ «أحللنا» و «طيّبنا» و «حلّلهم» و «جعلهم في حلّ»- بالإضافة إلى من يأتي- مجاز قطعا، فلا يرتكب إلّا بدليل.

و منه يظهر جواب آخر لأكثر ما يسبق الأربعة من أخبار التحليل، بل لجميعها.

فلم يبق إلّا التوقيع، و ظاهر أنّه بانفراده- سيّما مع ما مرّ من وجوه المرجوحيّة- لا يقاوم أخبار الوجوب البتّة.

مضافا إلى أنّه لو أريد منه العموم بالنسبة إلى جميع سهام الخمس يخرج جدّا عن الحجّية بالمخالفة للشهرتين و الدخول في حيّز الشذوذ.

و منه يظهر جواب آخر لجميع أخبار الإباحة.

121

هذا كلّه، مع أنّه علّل فيه التحليل بطيب الولادة، و هو في غير المناكح- التي جمهور الأصحاب فيها على الحلّية- لا يصلح للعلّية، فتصلح العلّة قرينة لإرادة هذا النوع خاصّة.

و منه يظهر جواب آخر لجميع ما يتضمّن تلك العلّية، و هو أكثر أخبار الحلّية.

هذا كلّه، مضافا إلى قصور دلالة كلّ واحد واحد من الروايات التسع الاولى بخصوصها على إباحة مطلق الخمس أو نصف الإمام في هذه الأزمان من وجوه أخر أيضا.

أمّا الأول- و هو صحيحة النصري (1)- فلظهور قوله: «ممّا في أيديهم» في الفعلية، بل حقيقة منحصرة فيها، و كذا جملة: «فهو في حلّ ممّا في أيديهم» و كذا: «كلّ من والى آبائي»، فلا يشمل من سيأتي، بل «الشاهد و الغائب» حقيقتان في الموجود، و لا يطلق الغائب على المعدوم.

و أمّا الثاني، فلأنّ المشار إليه في قوله: «ذلك» هو الحرام الذي ظلم فيه أهل البيت، و مدلوله أنّ ما ظلموا فيه من الخمس و صفو المال و الأنفال التي بيد المخالفين إذا أخذه الشيعة بشراء أو عطيّة فهو لهم حلال، لا أنّ الخمس الذي بيد الشيعة و لم يظلموا فيه بعد فهو أيضا لهم حلال، و جعل الإشارة للخمس مطلقا لا دليل عليه، بل لا وجه.

و أمّا الثالث، فلأنّ السؤال وقع فيه عمّا في أيدي السائل، و الجواب مقصور في عدم التكليف في ذلك اليوم بخصوصه، فلا دلالة له لغيره أصلا، و لا عموم فيه و لا إطلاق أبدا.

و أمّا الرابع، ففيه أوّلا: أنّه لا يشمل الحقّ للخمس إلّا بالعموم،

____________

(1) المتقدمة في ص: 111.

122

و أخبار وجوب الخمس خاصّ مطلق بالنسبة إليه، فيجب التخصيص، و ذلك يجري في الثلاثة الأولى أيضا.

و ثانيا: أنّ عدم أداء الحقّ يتحقّق مع حبس بعض منه أيضا، و إذا لم تؤدّ جميع الحقوق يصدق عدم أداء الحقّ، و لا يعلم الحقّ المحبوس المحلّل المشار إليه بقوله: «من ذلك»، فلا يفيد.

و ثالثا: أنّ «آباءهم» مطلق شامل للمخالف و غيره، و ظاهر أنّ المحلّل لآبائهم المخالفين ليس إلّا المناكح حتى تطيب ولادة الشيعة لا مطلقا، و ليس تخصيص الآباء بالشيعة منهم أولى من تخصيص الحقّ- لو كان عامّا- بالمناكح.

و أمّا الخامس، فلما ذكر أولا في الرابع، مضافا إلى اختصاصه بالإعواز- و هو غير محلّ النزاع- و بحقّ الصادق (عليه السلام) خاصّة.

و أمّا السادس، فلأنّ مرجع الضمير في قوله: «فإنّه محلّل» كما يمكن أن يكون خمسا يمكن أن يكون الموضع الذي دخل منه الزنا- أي المناكح- كما يعاضده قوله: «لميلادهم». مع أنّ فيمن جعل في حلّ إجمالا، لتقييد الشيعة بالأطيبين، فلا تعلم الحلّية لغيرهم، و جعل الوصف توضيحيّا مساويا خلاف الظاهر.

و أمّا السابع، فلاختصاصه بالفيء- و هو غير الخمس- و أمّهات الشيعة، و هنّ من المناكح.

و أمّا الثامن، فلعموم فضل المظلمة بالنسبة إلى الخمس أولا.

و اختصاص قوله: «يعيشون» بالفعليّة، و عدم صدقه على من يأتي، فتختصّ الإشارة بما تحقّق، ثانيا.

و كون الإشارة لفضل المظلمة، فتختصّ بالمأخوذ عن المخالف كما

123

مرّ في الثاني، ثالثا.

و أمّا التاسع، فلصراحته في أنّ المحلّل هو ما يشتري من المخالف الجابر، و هو غير محلّ النزاع.

و من جميع ذلك يظهر عدم انتهاض تلك الأخبار لإثبات حلّية نصف الإمام في زمان الغيبة أيضا، بل و لا دلالة بالنسبة إلى جميع النصف و من جميع الأئمّة في زمن الحضور أيضا.

الثالث من أدلّة القول بالسقوط في زمن الغيبة: ما يستفاد من الذخيرة (1)، و هو الأصل، فإنّ الأصل عدم وجوب شيء على أحد حتى يدلّ عليه دليل، و لا دليل على ثبوت الخمس في زمن الغيبة، فإنّه منحصر بالآية و الأخبار، و لا دلالة لشيء منها.

أمّا الآية، فلاختصاصها بغنائم دار الحرب المختصّة بحال الحضور دون الغيبة، مع أنّها خطاب شفاهيّ متوجّه إلى الحاضرين خاصّة، و التعدية إلى غيرهم بالإجماع إنّما يتمّ مع التوافق في الشرائط جميعا، و هو ممنوع في محلّ البحث، فلا ينهض حجّة في زمان الغيبة.

و لو سلّم فلا بدّ من صرفها إلى خلاف ظاهرها، إمّا بالحمل على بيان المصرف، أو بالتخصيص، جمعا بينها و بين الأخبار الدالّة على الإباحة.

و أمّا الأخبار، فلأنّها- مع ضعف أسانيدها- غير دالّة على تعلّق النصف بالأصناف على وجه الملكيّة أو الاختصاص مطلقا، بل دلّت على أنّ الإمام يقسّمه كذلك، فيجوز أن يكون هذا واجبا عليه من غير أن يكون شيء من الخمس ملكا لهم أو مختصّا بهم.

____________

(1) الذخيرة: 491 و 492.

124

سلّمنا، لكنّها تدلّ على ثبوت الحكم في زمان الحضور لا مطلقا، فيجوز اختلاف الحكم باختلاف الأزمنة.

سلّمنا، لكن لا بدّ من التخصيص فيها و صرفها عن ظاهرها، جمعا بين الأدلّة.

و الجواب: أنّ تخصيص الآية بغنائم دار الحرب مخالف للعرف و اللغة و الأخبار المستفيضة، بل- كما قيل (1)- لإجماع الإماميّة، و بالمشافهين حقيقة غير ضائر، لما أثبتنا في الأصول من شمول الخطابات للمعدومين أيضا- و لو مجازا- بالأخبار، من غير افتقار إلى الإجماع حتى يناقش فيه بانتفائه في محلّ النزاع مع أنّ الإجماع ثابت على الشركة في جميع الأحكام، إلّا ما ثبت اشتراطه بشرط أو تقييده بقيد غير متحقّق للغائب.

و ما نحن فيه كذلك، لعدم دليل على اشتراط الحضور، و لا حاجة لنا إلى تحقّق الإجماع في كلّ مسألة.

مضافا إلى أنّ دعوى اشتراط الحضور فاسدة، و للإجماع- بل الضرورة- مخالفة، لأنّ المبيح في زمن الغيبة- مع ندرته- يقول به من جهة التحليل لا من عدم عموم الدليل.

و أيضا استشهاد الأئمّة و استدلالهم بالآية في كثير من الأخبار كاشف عن شمولها لزمانهم المتأخّر عن زمان نزولها أيضا، بل أخبار التحليل و الإباحة كاشفة عن الشمول، و إلّا فلا معنى للتحليل.

و أمّا صرف الآية عن ظاهرها جمعا، فهو موقوف على وجود المعارض الأقوى، و هو منتف، لما عرفت من عدم وضوح دلالة أخبار

____________

(1) انظر الرياض 1: 300.

125

التحليل على ما يوجب صرفها عن ظاهرها.

مع أنّ القاعدة الشرعيّة الثابتة بالأحاديث الكثيرة: عرض الأخبار على القرآن و ردّ ما يخالفه، لا صرف الآية عن ظاهرها مع اختلاف روايات الواقعة، سيّما مع أنّ الآية أرجح بوجوه عديدة مرّ ذكرها.

هذا كلّه، مع أنّ الجمع غير منحصر في ذلك، لإمكانه بوجوه:

منها: ما عليه جمهور أصحابنا (1) من تخصيص التحليل بالمناكح و المساكن، كما يأتي ذكره.

و منها: تخصيص التحليل بحقوقهم لبعض شيعتهم أو جميعهم في زمانهم، أي في زمان المحلّل خاصّة.

و منها: تخصيصه بما يصل إليهم من ظالمي حقوق أهل البيت من الغنائم و الأخماس.

و منها: تخصيصه بما يختلط مع الأخماس أو يشتبه وجودها فيه. إلى غير ذلك.

و لا وجه لترجيح الأول لو لم نقل بكون هذه الوجوه كلّا أو بعضا أرجح.

مضافا إلى أنّ حمل الآية على بيان المصرف خلاف الظاهر جدّا، كما صرّح هو به حيث قال- بعد نقل حملها عليه من المحقّق-: و فيه نظر، لأنّ حمل الآية على أنّ المراد بيان مصارف الاستحقاق عدول عن الظاهر، بل الظاهر من الآية الملك أو الاختصاص، و العدول عنه محتاج إلى دليل، و لو كان كذلك لاقتضى جواز صرف الخمس كلّه في أحد الأصناف الستّة.

انتهى.

____________

(1) انظر ص: 121.

126

و أمّا ما ذكره في الأخبار- من ضعف الإسناد- فهو غير صالح للاستناد، لوجودها في كتب عليها المدار و الاعتماد، و مع ذلك ففيها الصحيح و الموثّق و موافق للشهرة العظيمة، و هي لضعف الأخبار عند الأصحاب جابرة.

مضافا إلى استناده إلى تلك الأخبار في كثير من أحكام الخمس.

و أمّا إنكار دلالتها على تعلق النصف بالأصناف على وجه الملكية و الاختصاص فهو مكابرة محضة، كيف؟! و في بعضها: «و النصف له، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) الذين لا يحلّ لهم الصدقة و لا الزكاة، عوّضهم اللّه تعالى مكان ذلك الخمس» (1).

و لا ريب أنّ اللامين هنا بمعنى واحد، فكما أنّها في نصف الإمام للتملّك أو الاختصاص (2) فكذا في نصف الأصناف، سيّما مع ذكر التعويض لهم عن الصدقة.

و في آخر: «يثب أحدهم على أموال آل محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و يتاماهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم فيأخذها» الحديث (3).

و في ثالث: «و إنّما جعل اللّه هذا الخمس لهم خاصّة دون مساكين الناس و أبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس» إلى أن قال: «و جعل لفقراء قرابة الرسول نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس» (4).

و أمّا احتمال اختصاص الحكم بزمان الحضور ففساده أوضح من أن يذكر، فإنّه لا جهة لهذا التوهّم و لا منشأ لذلك الاحتمال في الأخبار.

و أمّا تخصيصها و صرفها عن ظاهرها جمعا، ففيه ما مرّ في تخصيص

____________

(1) التهذيب 4: 126- 364، الوسائل 9: 521 أبواب قسمة الخمس ب 3 ح 2.

(2) في «ح»: للتمليك و الاختصاص، و الأولى: الملكية أو الاختصاص.

(3) التهذيب 4: 127- 364، الوسائل 9: 538 أبواب قسمة الخمس ب 3 ح 1.

(4) التهذيب 4: 128- 366، الوسائل 9: 513 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8.

127

الآية.

و دليل الموجبين للدفن: دليل وجوب دفن حصّة الإمام- كما يأتي (1) مع ردّه- بضميمة ما مرّ (2) من أنّ صرف هذا النصف منصب الإمام و موكول إليه، و قد عرفت ضعفه.

و كذا حجّة الموجبين للوصيّة.

و حجّة القول الآخر: الجمع بين أدلّة ملكيّة النصف للأصناف و دليل وجوب الدفع إلى الإمام ليصرفه فيهم.

و يردّ باختصاص وجوب الدفع- لو سلّم- بحال الحضور.

و ممّا ذكر ظهر أنّ وجوب قسمة نصف الأصناف بينهم- كما اختاره من أصحابنا الجمهور (3)- في غاية الظهور.

المقام الثاني: في نصف الإمام (عليه السلام). و فيه تسعة أقوال:

الأول: سقوطه و تحليله

، ذهب إليه من ذهب إليه في نصف الأصناف (4)، و اختاره أيضا صاحب المدارك و المحدّث الكاشاني في المفاتيح و الوافي و صاحب الحدائق (5)، و نسبه في كشف الرموز إلى قوم من المتقدّمين و قال: إنّه متروك و لا فتوى عليه (6).

____________

(1) في ص: 129.

(2) في ص: 111.

(3) راجع ص: 110.

(4) كما في المراسم: 140، و الذخيرة: 492.

(5) المدارك 5: 424، المفاتيح 1: 229، الوافي 10: 344، الحدائق 12: 443.

(6) كشف الرموز 1: 272.

128

الثاني: عزله و إيداعه و الوصيّة به من ثقة إلى وقت ظهوره،

اختاره المفيد في المقنعة و القاضي و الحلبي و الحلّي (1)، و استحسنه في المنتهى (2)، و هو مذهب السيّد في المسائل الحائريّة.

الثالث: دفنه

، نقل عمّن نقل عنه الدفن في النصف الأول.

الرابع: قسمته بين المحاويج من الذريّة

، حكاه في المختلف عن جماعة من علمائنا (3)، و هو اختيار المفيد في الرسالة العزّية و المحقّق في الشرائع و الشيخ عليّ في حاشيته و ابن فهد في المهذّب (4)، و نسبه في الروضة إلى المشهور بين المتأخّرين (5)، و ذهب إليه الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني، و الشيخ الحرّ في الوسائل إلّا أنّه قال: مع عدم حاجة الأصناف تباح للشيعة (6).

الخامس: التخيير بين التحليل و الدفن و الإيداع

، يظهر من الشيخ في النهاية (7).

السادس: التخيير بين الأخيرين

، اختاره في المبسوط (8).

السابع: التخيير بين الأخيرين و القسمة بين الأصناف

، حكي عن الدروس (9).

____________

(1) المقنعة: 286، القاضي في المهذب 1: 181، الحلبي في الكافي في الفقه:

173، الحلي في السرائر 1: 499.

(2) المنتهى 1: 555.

(3) المختلف: 210.

(4) الشرائع 1: 184، المهذب البارع 1: 571.

(5) الروضة 2: 80.

(6) الوسائل 9: 543.

(7) النهاية: 201.

(8) المبسوط 1: 264.

(9) الدروس 1: 262.

129

الثامن: التخيير بين الأخير و القسمة

، اختاره في المختلف (1)، و هو الظاهر من النافع (2)، و نسب إلى البيان (3)، و إليه ذهب المحقّق الخوانساري في رسالته بزيادة رجحان القسمة.

التاسع: قسمته بين موالي الإمام و شيعته من أهل الفقر و الصلاح من غير تخصيص بالذرّية

، نقله في المقنعة عن بعضهم، و جعله قريبا من الصواب (4)، و إليه ذهب ابن حمزة في الوسيلة (5).

دليل الأول: ما مرّ (6) من أخبار التحليل بحملها على حقّه (عليه السلام).

و جوابه قد ظهر.

و دليل الثاني: أنّه مال الإمام- لأخبار وجوبه مطلقا أو مستمرّا، و استصحاب بقائه- فلا يجوز التصرّف فيه، و لا يمكن إيصاله إلى ذي الحقّ، فيجب حفظه إلى زمان إمكان الإيصال.

و فيه: أنّه إنّما يتمّ لو لم يعلم عدم رضاه بذلك و رضاه بغيره، و قد يدّعى العلم بذلك كما يأتي (7).

و دليل الثالث: دليل الثاني، بضميمة أنّ الدفن أحفظ الوجوه، مع ما روي من أنّ الأرض تخرج كنوزها للقائم (8).

____________

(1) المختلف: 210.

(2) النافع: 64.

(3) البيان: 351.

(4) المقنعة: 286.

(5) الوسيلة: 137.

(6) راجع ص: 111 و ما بعدها.

(7) في ص: 131.

(8) انظر البحار 52: 280- 6 نقلا عن الاحتجاج، و ص: 322- 31 نقلا عن كمال الدين.

130

و فيه- مع ما مرّ-: منع كون الدفن أحفظ، بل هو أيضا في معرض الظهور و التلف، و الرواية لا دلالة لها على المورد أصلا.

و حجّة الرابع: أنّ الإمام كان يفعل ذلك، أي يتمّ للسادات ما يحتاجون إليه من نصيبه وجوبا لا تفضّلا، فهو حقّ لهم إذا لم تف أنصبائهم.

بمؤنهم، فثبت ذلك لهم في الغيبة، لأنّ الحقّ الواجب لا يسقط بغيبة من ثبت في حقّه.

و زاد في المهذّب: كونه أحوط، لاشتماله على إخراج الواجب و تفريغ الذمّة، و اشتماله على نفع المحاويج من الذرّية، و كونه صلة لهم، و كونه أسلم عاقبة من الوصيّة و الدفن (1).

و ضعف الجميع ظاهر:

أمّا الأول، فلمنع وجوب الإتمام عليه من حصّته كما مرّ، و غاية ما ثبت أنّه كان يتمّ من عنده- كما في تقسيم الزكاة أيضا- فيمكن أن يكون من الأوقاف و النذور أو غيرها.

سلّمنا أنّه كان عليه الإتمام من حصّته، و لكن لم يعلم أنّ هذا الوجوب من باب حقّ الذرّية، فلعلّه كان أمرا واجبا عليه نفسه، و مثل هذا ليس ممّا يجب الإتيان به من غيره أيضا.

و أمّا البواقي، فظاهر، لعدم وجوب الاحتياط، مع أنّ الاحتياط إخراج الواجب من الحقّ إلى ذي الحقّ، و أمّا إلى غيره فلا احتياط فيه أصلا، بل خلاف الاحتياط.

و لعدم استلزام رجحان نفع المحاويج و صلة الذرّية رجحانه بالتصرّف في مال الغير.

____________

(1) المهذب البارع 1: 572.

131

و أسلميّة عاقبته من الدفن و الوصيّة يفيد لو ثبت الإذن فيه، و إلّا فذلك إتلاف معلوم معجّل.

نعم، يمكن أن يستدلّ لذلك بأنّ الإذن في ذلك التصرّف معلوم بشاهد الحال، فإنّه لا حاجة للمالك إليه و لا ضرر فيه بوجه، و أهل الاضطرار من أهل التقوى من الذرّية في غاية الكثرة، و الدفن و الوصيّة حبس بلا منفعة و معرض للتلف و الهلكة، بل يعلم التلف بالوصيّة غالبا في مثل ذلك الزمان، فيعلم رضا المالك بصلة الذرّية و رفع حاجتهم و مسكنتهم بذلك قطعا، و ليس القطع به بأدون من الظنّ الحاصل من الألفاظ الدالّة على الإذن الواجب اتّباعه البتّة.

و هذا دليل تامّ حسن، إلّا أنّه لكونه تابعا للعلم الحاصل بشهادة الحال لا يكون مخصوصا بصلة الذرّية، فإنّه قد يكون هنا محتاج معيل من خيار الشيعة من غير السادة، سيّما إذا كان ممّن كان لوجوده مصلحة عامّة، و كان عياله في غاية الضيق و الشدّة، و لم يكن فقير الذرّية بهذه المثابة، بل كان من رعاع الناس، و له قوت نصف السنة مثلا، فالحكم بالقطع برضا الإمام دفع حصّته إلى الثاني دون الأول مكابرة صرفة.

و كذا إذا كان في إعطاء صاحب المال الخمس عليه حيف و شدّة.

فهذا الدليل يصلح للمطلوب في الجملة، بل التحقيق: أنّه لا مدخليّة فيه للسيادة من حيث هي.

حجّة الخامس: الجمع بين أدلّة التحليل و الحفظ، و تحقّق الحفظ بكلّ من الدفن و الوصيّة.

و بعد ضعف الدليلين يظهر ضعف الجمع أيضا.

و دليل السادس: وجوب الحفظ و تحقّقه بكلّ منهما.

132

و هو حسن لو قلنا بوجوبه.

و حجّة السابع و الثامن: وجوب حفظ مال الغير، و دلالة شاهد الحال على جواز التقسيم أيضا.

و هو كان حسنا لو لم يعلم بشاهد الحال عدم رضاه بالحفظ، حيث إنّه في معرض التلف، و أقرباؤه و مواليه محتاجون.

و دليل التاسع: أخبار التحليل للشيعة مطلقا، و الأخبار الواردة في حصول تركهم حقّهم من الخمس لبعض مواليهم.

و مرسلة حمّاد الناطقة بأنّه: «إذا قسّم الزكاة فيهم كان على الإمام الإتمام لهم إذا أعوزت» (1).

و رواية محمّد بن يزيد: «من لم يستطع أن يصلنا فليصل فقراء شيعتنا» (2).

و مرسلة الفقيه: «من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي شيعتنا» (3).

و مرسلة يوسف، و فيها: «أنا أحبّ أن أتصدّق بأحبّ الأشياء إليّ» [1]، و إذا كان كذلك فيجب البتّة بتصدّق حقّه.

أقول: أكثر هذه الوجوه و إن كانت مدخولة، إلّا أنّه يدلّ على الحكم

____________

[1] الكافي 4: 61- 3، التهذيب 4: 331- 1036، الوسائل 9: 471 أبواب الصدقة ب 48 ح 2، إلّا أنه في الكافي عن يونس، و في التهذيب عن الحسين بن عاصم بن يونس، و ما في المستند هو الموافق للوافي و بعض نسخ الكافي على ما جاء في هامشه.

____________

(1) الكافي 1: 539- 4، التهذيب 4: 128- 366، الوسائل 9: 266 أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 3.

(2) الكافي 4: 59- 7، التهذيب 4: 111- 324، الوسائل 9: 475 أبواب الصدقة ب 50 ح 1.

(3) الفقيه 2: 43- 3، الوسائل 9: 476 أبواب الصدقة ب 50 ح 3.

133

ما مرّ من الإذن المعلوم بشاهد الحال، فإنّا نعلم قطعا- بحيث لا يداخله شوب شكّ- أنّ الإمام الغائب- الذي هو صاحب الحقّ في حال غيبته، و عدم احتياجه، و عدم تمكّن ذي الخمس من إيصاله حقّه إليه، و كونه في معرض الضياع و التلف، بل كان هو المظنون، و كان مواليه و أولياؤه المتّقون في غاية المسكنة و الشدّة و الاحتياج و الفاقة- راض بسدّ خلّتهم و رفع حاجتهم من ماله و حقّه.

كيف؟! و هم الذين يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، فما الحال إذا لم تكن لهم حاجة و خصاصة؟! و كيف لا يرضى؟! و هو خليفة اللّه في أرضه و المؤمنون عياله، كما صرّح به في مرسلة حمّاد، و فيها: «و هو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له».

و هو منبع الجود و الكرد، سيّما مع ما ورد منهم و تواتر من الترغيب إلى التصدّق و إطعام المؤمن و كسوته و السعي في حاجته و تفريج كربته (1)، و الأمر بالاهتمام بأمور المسلمين، حتى قالوا: «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» (2).

و قالوا في حقّ المسلم على المسلم: «إنّ له سبع حقوق واجبات، إن ضيّع منها شيئا خرج من ولاية اللّه و طاعته، و لم يكن للّه فيه من نصيب» إلى أن قال: «أيسر حقّ منها أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك» إلى أن قال: «و الحقّ الثالث: أن تغنيه بنفسك و مالك» إلى أن قال: «و الحقّ الخامس: أن لا تشبع و يجوع» الحديث (3).

____________

(1) الوسائل 9: 475 أبواب الصدقة ب 50.

(2) الكافي 2: 164- 4، الوسائل 16: 336 أبواب فعل المعروف ب 18 ح 1.

(3) الكافي 2: 169- 2.

134

و جعلوا من حقوق المسلم: مواساته بالمال.

و مع ذلك يدلّ عليه إطلاق رواية محمّد بن يزيد و مرسلة الفقيه المتقدّمتين (1)، فإنّ إعطاء الخمس صلة.

و لا يتوهّم أنّ بمثل ذلك يمكن إثبات التحليل لذي الخمس أيضا و إن لم يكن فقيرا، لأنّ أداء الخمس فريضة من فرائض اللّه، واجب من جانب اللّه، و إعطاؤه امتثال لأمر اللّه، و فيه إظهار لولايتهم و تعظيم لشأنهم و سدّ لحاجة مواليهم، و منه تطهيرهم و تمحيص ذنوبهم.

و مع ذلك، ترى ما وصل إلينا من الأخبار المؤكّدة في أدائه و التشدّد عليه، و أنّ اللّه يسأل عنه يوم القيامة سؤالا حثيثا، و تراهم قد يقولون في الخمس: «لا نجعل لأحد منكم في حلّ»، و أمثال ذلك (2).

و مع هذا، لا يشهد الحال برضاه (عليه السلام) لصاحب المال أن لا يؤدّي خمسة، فيجب عليه أداؤه، لأوامر الخمس و إطلاقاته و استصحاب وجوبه، و معه لم يبق إلّا الحفظ بالدفن أو الوصيّة أو التقسيم بين الفقراء.

و الأولان ممّا لا دليل عليهما، فإنّ الدفن و الإيداع نوعا تصرّف في مال الغير لا يجوز إلّا مع إذنه، و لا إذن هناك، بل يمكن استنباط عدم رضائه بهما من كونهما معرّضين للتلف، و من حاجة مواليه و رعيّته.

فلم يبق إلّا الثالث الذي علمنا رضاه به، فيتعيّن و يكون هو الواجب في نصفه.

و لمّا كان المناط الإذن المعلوم بشاهد الحال و الروايتين (3) و نسبتهما

____________

(1) في ص: 132.

(2) الوسائل 9: 537 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3.

(3) المتقدّمتين في ص: 132.

135

إلى السادات و غيرهم من فقراء الشيعة على السواء، فيكون الحقّ هو المذهب الأخير، و الأحوط اختيار السادة من بين الفقراء.

و لكن قد يعكس الاحتياط، كما إذا كان هناك شيعة وليّ ورع معيل في ضيق و شدّة و لم يكن السادة بهذا المثابة.

و على المعطي ملاحظة الأحوال.

فرع: لا تشترط مباشرة النائب العام- و هو الفقيه العدل- و لا إذنه في تقسيم نصف الأصناف على الحقّ، للأصل.

خلافا لبعضهم (1)، فاشتراطه، و نسبه بعض الأجلّة إلى المشهور.

و لعلّ وجهه: أنّ مع حضور الإمام يجب دفع تمام الخمس إليه، و كان التقسيم منصبه، فيجب الدفع إلى نائبه في زمن الغيبة بحكم النيابة.

و فيه: منع ثبوت وجوب الدفع إليه مع الحضور، و لو سلّم فلا نسلّم ثبوته بالنسبة إلى النائب.

و هل تشترط مباشرته في تقسيم نصف الإمام، كما هو صريح جماعة، منهم: الفاضلان و الشهيدان، بل أكثر المتأخّرين (2)، و صرّح جماعة بضمان غيره من المباشرين (3)، و عن الشهيد الثاني: اتّفاق القائلين بوجوب التقسيم على ذلك (4)، و الظاهر أنّه كذلك؟

أم لا، فيجوز تولّي غيره، كما عن ظاهر إطلاق العزّية؟

و الحقّ: هو الأول، إذ قد عرفت أنّ المناط في الحكم بالتقسيم هو

____________

(1) انظر زاد المعاد: 586.

(2) المحقق في المعتبر 2: 641، العلامة في التحرير 1: 75، و القواعد 1: 63، الشهيد الأول في الدروس 1: 262، الشهيد الثاني في الروضة 2: 79.

(3) كما في الروضة 2: 79، و الذخيرة: 492.

(4) كما في المسالك 1: 69.

136

الإذن المعلوم بشاهد الحال، و ثبوته عند من يجوّز التقسيم إجماعيّ و لغيره غير معلوم، سيّما مع اشتهار عدم جواز تولّي الغير، بل الإجماع على عدم جواز تولية التصرّف في المال الغائب، الذي هذا أيضا منه، خصوصا مع وجود النائب العام، الذي هو أعرف بأحكام التقسيم و أبصر بمواقعة.

و وقع التصريح في رواية إسماعيل بن جابر: «إنّ العلماء أمناء» (1).

و في مرسلة الفقيه: «أنّه قال رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول اللّه، و من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي و يروون حديثي و سنّتي» (2).

و في روايات كثيرة: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء» (3).

و في مقبولة ابن حنظلة: «إنّه الحاكم من جانبهم» (4).

و في التوقيع الرفيع: «إنّه حجّة من جانبهم» (5).

و لا شكّ أنّ مع وجود أمين الشخص و خليفته و حجّته و الحاكم من جانبه و وارثه الأعلم بمصالح أمواله و الأبصر بمواقع صرفه الأبعد عن الأغراض الأعدل في التقسيم و لو ظنّا، لا يعلم الإذن في تصرّف الغير و مباشرته، فلا يكون جائزا.

نعم، لو تعذّر الوصول إليه جاز تولّي المالك، كما استظهره بعض المتأخّرين و زاد: أو تعسّر (6).

____________

(1) الكافي 1: 33- 5.

(2) الفقيه 4: 302- 915، الوسائل 27: 91 أبواب صفات القاضي ب 8 ح 50.

(3) كما في الكافي 1: 32- 2.

(4) الكافي 1: 67- 10، الوسائل 27: 106 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

(5) كمال الدين: 484- 4، الوسائل 27: 140 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

(6) كما في مجمع الفائدة 4: 359.

137

و لا بأس به إذا تعسّر الاستئذان منه أيضا و لو بالكتابة و الرسالة و كان هناك أرباب فقر و حاجة، و الأحوط حينئذ مباشرة المالك باطلاع عدول المؤمنين.

و هل تجب مباشرة الفقيه بنفسه للتقسيم، كما هو ظاهر الأكثر (1)؟

أم يجوز له الإذن لغيره و تولّي الغير بإذنه، كما عن الدروس (2) و بعض مشايخ والدي (قدّس سرّه)؟

و الأول أحوط، و الثاني أظهر إذا كان الغير أمينا عدلا عارفا بمواقع التقسيم و أحكامه، سيّما إذا كان مجبورا بنظر النائب نفسه و اطلاعه.

المسألة الرابعة عشرة:

ظاهر الأكثر أنّه لا يعطى فقير من الخمس أزيد من كفاية مئونة السنة على وجه الاقتصاد و لو دفعة واحدة، و نظرهم إلى ما روي في المرسلة: أنّ الإمام كان يفعل كذلك وجوبا (3)، فكذا غيره، سيّما في نصف الإمام إذا صرف على وجه التتمّة، إذ لم يثبت فيه إلّا جواز إتمام المؤنة.

و الحقّ: أنّ حكم نصف الأصناف حكم الزكاة، و يجوز إعطاء الزائد عن المؤنة دفعة واحدة- أي قبل خروجه عن الفقر- لإطلاق الأدلّة.

و أمّا نصف الإمام، فلا يجوز إعطاء الزائد من مئونة السنة على وجه الاقتصاد قطعا، لأنّه القدر المعلوم إذنه فيه، بل يعلم عدم رضاه بغير ذلك مع وجود المحتاج غيره، بل يشكل إعطاء قدر مئونة السنة كاملة لواحد مع وجود محتاج بالفعل. و اللازم فيه مراعاة المواساة في الجملة و ملاحظة الحاجة.

____________

(1) انظر الشرائع 1: 184، و المنتهى 1: 555، و الروضة 2: 79.

(2) الدروس 1: 262.

(3) تقدّمت مصادرها في ص: 132.

138

المسألة الخامسة عشرة:

مقتضى الآية و الأخبار تعلّق الخمس بالعين، فيجب أداؤه منها، و لا يجوز العدول إلى القيمة، إلّا إذا أعطى العين إلى أهلها ثمَّ اشتراها منه.

نعم، الظاهر جواز تولّي النائب العام للمبادلة، سيّما في نصف الإمام، فإنّه يجوز له قطعا.

و لربّ المال القسمة، بالإجماع، و ظواهر الأخبار (1) المتضمّنة لإفراز ربّ المال خمسه و عرضه على الإمام و تقريره عليه.

____________

(1) الوسائل 9: 537 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 3.

139

تتميم في الأنفال

جمع نفل- بسكون الفاء و فتحها- و هو: الغنيمة أو العطيّة و الزيادة، و منه سمّيت النافلة، لزيادتها على الفريضة.

و المراد هنا: المال الزائد للنّبيّ و الإمام بعده على قبيلتهما من بني هاشم، فالمطلوب ما يختصّ بالنبيّ (عليه السلام) ثمَّ الإمام.

و ها هنا مسألتان:

المسألة الأولى: الأنفال- أي الأموال المختصّة بالنبيّ ثمَّ بعده بالإمام- أشياء:

الأول: كلّ أرض أخذت من الكفّار من غير قتال-

سواء جلا أهلها و تركوها للمسلمين، أو سلّموها طوعا و بقوا فيها و مكّنوا المسلمين منها- بلا خلاف فيها يوجد، للإجماع، و المستفيضة من الأخبار:

كحسنة البختري: «الأنفال: ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، أو قوم صولحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، و كلّ أرض خربة و بطون الأودية، فهو لرسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و للإمام من بعده» (1) و قريبة منها حسنة محمّد (2) و موثّقته (3).

____________

(1) الكافي 1: 539- 3، الوسائل 9: 523 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 1.

(2) التهذيب 4: 133- 370، الوسائل 9: 526 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 10.

(3) التهذيب 4: 133- 372، الوسائل 9: 526 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 7.

140

و مرسلة حمّاد، و فيها: «و له بعد الخمس الأنفال، و الأنفال: كلّ أرض خربة قد باد أهلها، و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و لكن صالحوا صلحا و أعطوا بأيديهم على غير قتال، و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها، و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود، و هو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له» الحديث (1).

و موثّقة زرارة، و فيها- بعد السؤال عن الأنفال-: «و هي كلّ أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل و لا رجل و لا ركاب، فهي نفل للّه و للرسول» (2).

و رواية الحلبي: عن الأنفال؟ فقال: «ما كان من الأرضين باد أهلها» (3).

و موثّقة سماعة: عن الأنفال؟ فقال: «كلّ أرض خربة أو شيء كان يكون للملوك فهو خالص للإمام ليس للناس فيها سهم» قال: «و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب» (4).

و موثّقة إسحاق بن عمّار المرويّة في تفسير القمّي: عن الأنفال؟

فقال: «هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها، فهي للّه و للرسول، و ما كان

____________

(1) الكافي 1: 539- 4، التهذيب 4: 128- 366، الوسائل 9: 524 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 4.

(2) التهذيب 4: 132- 368، الوسائل 9: 526 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 9، و في المصدر: .. و لا رجال.

(3) التهذيب 4: 133- 371، الوسائل 9: 527 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 11.

(4) التهذيب 4: 133- 373، الوسائل 9: 526 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 8.

141

للملوك فهو للإمام، و ما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، و كلّ أرض لا ربّ لها، و المعادن منها، و من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال» (1).

و المرويّ في تفسير العيّاشي عن داود بن فرقد: و ما الأنفال؟ قال:

«بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و المعادن، و كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و كلّ أرض ميتة قد جلا أهلها و قطائع الملوك» (2).

و فيه أيضا عن أبي بصير: و ما الأنفال؟ قال: «منها المعادن و الآجام، و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها، و كلّ أرض باد أهلها فهو لنا» (3)، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

الثاني: ما يختصّ به ملوك أهل الحرب من القطائع و الصوافي

الغير المعلوم كونها مغصوبة من مسلم أو مسالم غير منقرض.

و ضابطه: كلّ ما اصطفاه ملك الكفّار لنفسه و اختصّ به من الأراضي المعبّر عنها بالقطائع، أو من الأموال المنقولة المعبّر عنها بالصوافي، للأخبار المستفيضة (4)، المتقدّمة كثير منها.

و المذكور في الأخبار: الملوك، فلا يشمل الحكّام و الولاة و الأمراء.

الثالث: رؤوس الجبال و أذيالها و بطون الأودية السائلة و الآجام،

و هي الأراضي المملوءة من القصب و سائر الأشجار الملتفّة المجتمعة، و المراد

____________

(1) تفسير القمي 1: 254، الوسائل 9: 531 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 20.

(2) تفسير العياشي 2: 49- 21، الوسائل 9: 534 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 32.

(3) تفسير العياشي 2: 48- 11، الوسائل 9: 533 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 28.

(4) الوسائل 9: 523 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1.

142

منها: ما يقال بالفارسيّة: بيشه.

فإنّ كل ذلك من الأنفال مع ما فيها من الأشجار و الأحجار و النبات و السمك و الكنز و الماء و نحوها.

و المرجع في معرفة هذه الأمور: العرف، أي ما يقال في العرف:

جبلا و واديا و أجمة.

و تدلّ على الثلاثة مرسلة حمّاد، و رواية داود المتقدّمتين، و على الثاني خاصّة الحسنان و الموثّقة الاولى، و على الثالث رواية أبي بصير السابقة (1)، و على الأولين مرفوعة أحمد: «و بطون الأودية و رؤوس الجبال و الموات كلّها هي له» إلى أن قال: «و ما كان في القرى من ميراث من لا وارث له فهو له خاصّة» (2). و ضعف بعض تلك الأخبار مرتفع للشهرة بالانجبار.

و مقتضى إطلاقاتها اختصاص كلّ هذه الأمور بالإمام مطلقا، كما صرّح به الشيخان (3)، و هو ظاهر الأكثر (4)، لما ذكر من الإطلاقات.

و قيّدها الحلّي بما لم يكن في أرض مسلم (5)، أي كان في الأراضي المختصّة بالإمام من الموات و المحياة المملوكة، و مال إلى ذلك بعض من تأخّر عنه (6)، لضعف تلك المطلقات.

و ردّ بما مرّ من الانجبار، مع ما يستلزم التقييد من التداخل.

____________

(1) تقدمت جميعا في ص: 139- 141.

(2) التهذيب 4: 126- 364، الوسائل 9: 529 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 1 ح 17.

(3) المفيد في المقنعة: 278، الطوسي في المبسوط 1: 263.

(4) كما في القواعد 1: 62، و البيان: 352.

(5) السرائر 1: 497.

(6) كما في الروضة 2: 85.

143

أقول: ظنّي أنّ المنازعين في المقام غفلوا عن حقيقة الحال، و تحقيق المقال: أنّه لم يثبت في الشريعة أنّ كلّ ما يتصرّف فيه مسلم و يدّعي ملكيّته فيحكم له به، بل لا بدّ فيه من احتمال كون يده عليه بأحد الوجوه الموجبة للملكيّة شرعا، فلو لم يحتمله عقلا أو شرعا أو عادة لا يحكم له بذلك أصلا.

ألا ترى أنّه لو كانت هناك جبال فيها وحوش و كان يتصيّد فيها أحد من مدّة طويلة، لا تسمع دعواه- لو منع غيره من الاصطياد- مدّعيا أنّ هذه الجبال مع ما فيها من الوحوش ملكي أتصيّد فيها من القديم.

و لو كان بحر لأشخاص فيه سفن يتردّدون فيه و يغوصون، لا يسمع ادّعاؤهم الملكيّة.

لعدم ثبوت اعتبار مثل ذلك اليد، و عدم احتمال تحقّق التصرّف المملّك- أي الموجب للملكيّة شرعا- فيهما.

و على هذا، فنقول: إنّه ما ثبت إيجابه للتملّك في الأرضين و نحوها هو إحياء ببناء أو غرس أو زرع أو حفر أو نحو ذلك، و لا تحتمل هذه الوجوه في رؤوس الجبال من حيث هي.

نعم، يمكن تصرّف مسلّم في موضع منها ببناء أو غرس شجر أو حفر، و هو غير ما نحن فيه.

فالوجوه الثابت إيجابها للتملّك شرعا ممّا لا يمكن تحقّقها في الجبال و رؤوسها من حيث هي، فدعوى أحد: أنّ هذه الجبال برؤوسها ملك لي و يدي عليها لأنّي أنقل حجارها و أحصد نباتها و نحو ذلك، ممّا لا يسمع، إذ لا يمكن تحقّق الأسباب الموجبة للتملّك فيها.

نعم، يمكن ذلك في بعض أجزائها، و هو غير تملّك رؤوس الجبال

144

من حيث هي هي.

و لذا لو ادّعى أحد ملكيّة أرض ميتة لم يكن فيها بناء و لا قناة و لا زرع أبدا، و يقرّ المدّعي بذلك، و لكن يقول: إنّها في يدي، لأنّي أحتطب فيها و أحتشش و أرعى فيها دوابي .. لا يسمع منه، إذ محض هذه التصرّفات لا يوجب التملّك، و لذا جعل من مطاعن الثاني ما فعل من حماية الحمى.

و كذا الوادي، فإنّ أسباب تملّك المياه السائلة إنّما تتحقّق بحفر قنوات أو حيازة عين أو عيون و نحوها، و ما كان منتهيا إلى مثل ذلك لا يطلق عليه الوادي عرفا، بل حقيقة المياه العظيمة التي لا تنتهي إلى عين أو عيون أو قناة أو نهر يحتمل أن يكون مستحدثا من شخص أو أشخاص بقصد التملّك، و ما يحتمل فيه ذلك لا يسمّى واديا إلّا مجازا.

و كذا الآجام، و المراد بها- كما مر- ما يقال بالفارسيّة: بيشه. و الوجوه المملّكة للأشجار من الغرس أو الابتياع أو النمو في الملك إنّما هو أمر لا يتحقّق عرفا في الآجام.

فالوجوه الموجبة للملكيّة غير محتملة في هذه الثلاثة.

و لو فرض وجود نادر- كواد صغير منته إلى عيون محصورة في موضع معين، أو أجمة صغيرة محتملة لأن تكون مغروسة، أو ملكها في الأصل لواحد معيّن- فهو إمّا لا يطلق عليه الوادي و الأجمة إلّا مجازا، أو فرد نادر جدّا لا تنصرف إليه الإطلاقات.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الكلام ليس في جزء من الجبال يتصرّف فيه أحد بقصد التملّك ببناء أو حفر أو غرس أو غيرها من الوجوه الثابتة مملّكيتها شرعا، بل في الجبال من حيث هي هي.

و لا في نهر شقّ من واد أو نهر عظيم متصرّف فيه لأحد ينتهي إلى

145

مبادئ كونها مستحدثة من شخص أو أشخاص بقصد التملّك، فإنّه ليس واديا عرفا، و إن أطلق عليه الوادي مجازا.

و لا في محلّ محصور فيه أشجار و قصبات ملتفّة محتملة لكونها مغروسة أو أصل ملكها مملوكة لأشخاص، فإنّه ليس أجمة عرفا و إن أطلقت عليه مجازا، لما عرفت من عدم كونهما واديا أو أجمة حقيقة.

و لو سلّمناه فمثلهما من الأفراد الغير المتبادرة من الوادي و الأجمة.

و أمّا ما عدا ذلك فلا يملكه أحد، إذ لم يثبت من الشريعة وجه مملّك لجميعه، فيكون ملكا للإمام بمقتضى الإطلاقات، و لا تعارضها يد المسلم و لا دعواه، لعدم احتمال تحقّق وجه مملّك فيه عرفا، فافهم.

الرابع: المال المجهول مالكه

، كما مرّ في مسألة الحلال المختلط بالحرام.

الخامس: الأراضي الميتة

، سواء لم يعلم سبق إحياء و ملك عليها- ككثير من المفاوز و البوادي- أو علم إحياؤها في زمان و طريان الموتان عليها. و كونها من الأنفال ممّا لا خلاف فيه في القسم الأول، و الثاني إذا لم يكن له مالك معروف، بل في التنقيح و المسالك و المفاتيح و شرحه و غيرها الإجماع عليه (1).

و تدلّ عليه مرسلتا حمّاد و أحمد، و روايتا داود و أبي بصير المتقدّمة المتضمّنة للفظ الميتة و الموات (2)، و استدلّوا له أيضا بحسنتي البختري و محمّد و موثّقات محمّد و سماعة و إسحاق المتضمّنة للفظ الخربة (3).

و لا يخفى أنّ المتبادر منها هو القسم الأخير من الميتة- و هو

____________

(1) التنقيح 4: 98، المسالك 2: 287، المفاتيح 3: 20.

(2) المتقدّمة جميعا في ص 140- 142.

(3) المتقدّمة في ص: 139، 140.

146

المسبوق بالإحياء و العمارة- فهي تصلح أدلّة لبعض أفراد المطلوب، بل يحتمل شمولها ما لم يبلغ حدّ الموات من هذا القسم أيضا، كما هو الظاهر من جمعها مع الميتة في المرسلة.

ثمَّ مقتضى إطلاق أكثر تلك الأخبار و إن كان كون القسم الثاني من الأراضي الميتة و الخربة من الأنفال مطلقا- سواء لم يكن لها مالك معروف أو كان، و سواء ملكها المالك المعروف بالإحياء أو بغيره من وجوه الانتقالات، كما نقله في الذخيرة عن بعض الأصحاب و نسبه إلى ظاهر الإرشاد أيضا (1)- إلّا أنّ أكثر الأصحاب خصّوه بالأولين، و جعلوا الثالث ملكا لمالكه المعروف (2)، و منهم من خصّه بالأول خاصّة، و جعل الأخيرين لمالكه.

و منه يعلم أنّ كون ما لا مالك له معروفا من الأراضي الميتة و الخربة من الأنفال ممّا لا خلاف فيه، و استفاضت عليه الروايات أيضا.

و أمّا ما له مالك معروف منها ففيه أقوال ثلاثة:

الأول: أنّها من الأنفال مطلقا كما مرّ.

الثاني: أنّها ليست منها كذلك، اختاره الشيخ و المحقّق (3).

الثالث: التفصيل بين ما ملكه مالكه بالإحياء فمن الأنفال، و بغيره كالشراء و الإرث و نحوهما فمالكه، نقل عن الفاضل في بعض فتاويه، و عن التذكرة (4)، و قوّاه في المسالك (5)، و استقربه في الكفاية (6)، و إن

____________

(1) الذخيرة: 489.

(2) منهم العلّامة في المنتهى 1: 553، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 68.

(3) المبسوط 1: 235، الشرائع 1: 323.

(4) التذكرة 1: 428.

(5) المسالك 1: 156.

(6) الكفاية: 239.

147

استشكل أخيرا فيما ملكه المالك بالبيع و الشراء أيضا.

دليل الأول وجوه:

الأول: المطلقات المذكورة المصرّحة بأنّ كلّ أرض ميّتة أو خربة بإطلاقها للإمام.

و لا يعارضها تقييد الميّتة في بعضها بقوله: «لا ربّ لها»، أو الخربة بقوله: «باد أهلها» أو «جلا»، إذ لا منافاة بين منطوقه و بين الإطلاق، و أمّا مفهومه فمفهوم وصف لا حجّية له، على أنّ القائلين بذلك القول يقولون:

إذا ماتت الأرض لا يكون لها ربّ البتّة. فالوصف به توضيحي. و التوصيف بالجلاء أعمّ من المعروفيّة بعده أيضا. و يمكن إرادة المربّي و العامر من الربّ، بل هو مقتضى المعنى اللغوي، و على هذا فيرجع إلى ما يأتي من كونها غير متروكة.

الثاني: الأخبار المصرّحة بأنّ الأرض كلّها للإمام.

كصحيحة الكابلي، و فيها: «و الأرض كلّها لنا» (1).

و صحيحة عمر بن يزيد، و فيها: «يا أبا سيّار، إنّ الأرض كلّها لنا» (2)، خرج منها ما ثبت خروجه، فيبقى الباقي.

الثالث: المستفيضة المصرّحة بأنّ من أحيا أرضا ميّتة فهي له، ففي صحيحة محمّد: «أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عمروها فهم أحقّ بها و هي لهم» (3).

____________

(1) الكافي 1: 407- 1، و ج 5: 279- 5، التهذيب 7: 152- 674، الاستبصار 3:

108- 383، الوسائل 25: 414 أبواب إحياء الموات ب 3 ح 2.

(2) الكافي 1: 408- 3، التهذيب 4: 144- 403، الوسائل 9: 548 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 12.

(3) الكافي 5: 279- 1، التهذيب 7: 152- 671، الاستبصار 3: 107- 380، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 4.

148

و في صحيحة زرارة أو حسنته: «من أحيا مواتا فهي له» (1).

و في صحيحة الفضلاء السبعة أو حسنتهم: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» (2)، إلى غير ذلك، كصحيحة السرّاد (3)، و رواية السكوني (4)، و صحيحة عمر بن يزيد (5).

وجه الاستدلال: أنّها تدلّ على أنّ بالإحياء تملك الموات و إن كان لها مالك معروف، و لا يكون ذلك إلّا بكونها من الأنفال، للإجماع المركّب.

و المعارضة بكون الأول أيضا مصداقا لذلك يأتي جوابه.

الرابع: خصوص صحيحة ابن وهب: «أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فإنّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها و تركها و أخربها ثمَّ جاء بعد يطلبها فإنّ الأرض للّه عزّ و جلّ و لمن عمرها» (6)، و دلالتها- بضميمة الإجماع المركّب المشار إليه- واضحة جدّا. و جعل اللام للاختصاص دون الملكيّة خلاف الظاهر.

و أورد عليها: بأنّ دلالتها متشابهة، إذ لو جعلنا أول الرواية مبنيّا على أنّ تلك الأرض كانت معمورة قبل الإحياء- كما هو ظاهر لفظ الخربة

____________

(1) الكافي 5: 279- 3، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 6.

(2) التهذيب 7: 152- 673، الاستبصار 3: 108- 382، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 5.

(3) الفقيه 3: 152- 668، الوسائل 25: 412 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 8.

(4) الكافي 5: 280- 6، الفقيه 3: 151- 665، التهذيب 7: 151- 670، الوسائل 25: 413 أبواب إحياء الموات ب 2 ح 1.

(5) التهذيب 4: 145- 404، الوسائل 9: 549 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4 ح 13.

(6) الكافي 5: 279- 2، التهذيب 7: 152- 672، الوسائل 25: 414 أبواب إحياء الموات ب 3 ح 1.

149

و البائرة، و إضافة الأنهار إلى الأرض- فلا بدّ من حمل بقيّة الحديث على أنّ الأرض كانت غير معروفة المالك وقت الإحياء الثاني، ثمَّ ظهر مالكها بعد الإحياء، فالرواية خارجة عن محلّ النزاع.

و إن جعلنا أولها مبنيّا على كونها مواتا غير مسبوقة بإحياء، فلا بدّ أن يحمل آخرها على بيان حكم ما سبق إليها إحياء قبل ذلك، فلا بدّ أن يكون المراد منها أنّ الأرض للّه عزّ و جلّ و لمن عمرها أولا.

و إن جعل الأول و الآخر مبنيّا على مسبوقيّة الإحياء الثاني بإحياء آخر، فيبقى العطف و التعقيب بلا فائدة، و يصير الكلام في غاية الحزازة، بل المناسب حينئذ أن يقال: و إن كان له صاحب قبله و جاء يطلبها، بكلمة إن الوصليّة. انتهى.

و لا يخفى ما فيه من الركاكة و السخافة، أمّا أولا: فلأنّ أولها مبنيّ على الإحياء المسبوق. قوله: فلا بدّ من حمل بقيّة الحديث، إلى آخره. قلنا:

و لم ذلك و أيّ لا بدّية فيه؟! بل يبقى على ظاهره.

و توهّم كونه خلاف الإجماع ممنوع، إذ بمجرّد نقل الإجماع في التذكرة (1) لا يثبت الإجماع الموجب لتأويل الرواية، و لذا قال صاحب الكفاية بعدم ثبوت الإجماع المذكور (2)، مع أنّ الإجماع المنقول أيضا مخصوص بصورة التملّك بغير الإحياء، فحمل آخر الرواية عليه ممكن.

و ثانيا: أنّ ما ذكره- بقوله: فيبقى العطف و التعقيب، إلى آخره- فاسد جدّا، لأنّ بالجزء الأول يثبت أنّ على المحيي الثاني الصدقة، و لازمة أحقّيّته، و لم يثبت حكم ما إذا جاء طالب و يدّعيه و أنّ أحقّيّته هل هي

____________

(1) التذكرة 1: 427.

(2) الكفاية: 239.

150

بالملكيّة، فعطف عليه قوله: «فإن جاء» لبيان هذه الغاية.

و بالجملة: دلالة الصحيحة على المطلوب في غاية الوضوح. و استدلّ أيضا بوجوه خطابيّة لا حجيّة فيها.

حجّة الثاني أيضا وجوه:

الأول: استصحاب الملك الأول و لا مزيل له.

و فيه: أنّ جميع ما مرّ له مزيل.

الثاني: عمومات: من أحيا أرضا ميّتة فهي له.

و ردّ بأنّ الإحياء الثاني أيضا إحياء، بل هي أدلّ عليه، لكونه عارضا و طارئا على الإحياء الأول، و السبب المملّك الطارئ أقوى.

و اعترض عليه بأنّ المتبادر من الروايات هو الإحياء الأول، و بيّن ذلك بما لا يرجع إلى محصّل عند المحقّق.

و يردّه منع التبادر جدّا، بل المتبادر أنّها له ما دامت محياة. و لو قطع النظر عنه فتكون نسبته إلى الإحياءين على السواء، ألا ترى أنّه إذا ورد:

«من اشترى شيئا فهو له» لا يتبادر منه الشراء الأول الغير المسبوق بشراء آخر من البائع.

و لا يتوهّم أنّه يحصل التعارض حينئذ بين الإحياءين لأجل تلك العمومات، لأنّ ذلك توهّم فاسد جدّا، لأنّ الثابت من قوله: «من أحيا مواتا فهي له» ليس إلّا سببيّة الإحياء للتملّك و حصول التملّك بعده، و أمّا استمراره و بقاؤه حتى بعد الموتان أيضا فلا يثبت من الخبر أصلا، بل هو أمر ثابت بالاستصحاب فقط، و قد مرّ جوابه.

و لذا يحكم بكون ما اشتراه ملكا للمشتري الثاني و لو كان بائعه ملكه بالاشتراء أيضا.

151

و لذا لا يحكم بكون الموضع الملاقي للنجاسة- مثلا- نجسا بعد غسله مرّة بما دلّ على تنجّسه، بل بالاستصحاب، و هذا ظاهر جدّا.

الثالث: قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «من أحيا أرضا ميّتة فهي له، و ليس لعرق ظالم حقّ» (1).

و فسّر: بأنّ المراد: أن يأتي الرجل الأرض الميّتة لغيره فيغرس فيها.

و فيه: أنّ التفسير محكيّ عن هشام بن عروة و السيّد في المجازات النبويّة (2)، و مجرّد قولهما ليس بحجّة في التفاسير، مع أنّ أصل الرواية غير ثابت، و الجابر لها- في صورة تملّك الأول بالإحياء- مفقود.

الرابع: صحيحة سليمان بن خالد: عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها، ما ذا عليه؟ قال: «عليه الصدقة» قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: «فليردّ عليه حقّه» (3)، و قريبة منها مرويّة عن الحلبي عنه (عليه السلام) في البحار (4).

و فيه أولا: أنّ المأمور به ردّ الحقّ، و فيه إجمال، لاحتمال كونه الأرض و الطسق (5) و الأعيان التي منه فيها، و غير ذلك ممّا لم يعلمه، كقيمة التفاوت بينها و بين الموات المطلق، كما إذا كان بعض أنهارها أو آبارها باقيا- و لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر- و غير ذلك. و لا يلزم تخصيص بمجمل، إذ لا تخصّص تلك العمومات إلّا بعد تيقّن أنّ المراد منه نفس الرقبة.

____________

(1) غوالي اللئالي 3: 480- 2، سنن البيهقي 6: 142.

(2) المجازات النبوية: 255.

(3) التهذيب 7: 148- 658، الوسائل 25: 411 أبواب إحياء الموات ب 1 ح 2.

(4) بحار الأنوار 101: 255- 11.

(5) الطسق: الوظيفة من خراج الأرض، فارسي معرّب- الصحاح 4: 1517.

152

و القول بأنّ إطلاق الأعمّ يقتضي إرادة جميع الأفراد.

سخيف جدّا، لأنّه فرع ثبوت كون الأرض حينئذ أيضا حقّا للأول، مع أنّ أصل الاقتضاء ممنوع.

و بأنّ مقتضى لفظ الصاحب أنّه مالك بالفعل، لأنّ المشتقّ حقيقة في المتلبّس بالمبدإ.

أسخف، لأنّه وقع في كلام الراوي، و لا حجّية فيه، و ليس فيه تقرير حجّة، إذ غايته تجوّز من الراوي.

و بأنّ ذلك يستلزم حمل الرواية على غير صورة انتقال الملك إلى المالك الأول بالبيع و نحوه، مع أنّه غالب أفراد المحياة، و حملها على المعنيين يوجب استعمال اللفظ في المعنيين المتباينين في إطلاق واحد.

أسخف بكثير، لمنع الاستلزام أولا، بل يبقى على ظاهره من الإطلاق، و منع لزوم استعمال اللفظ في المعنيين ثانيا، و إنّما هو استعمال للمشترك المعنوي في القدر المشترك.

و فيه ثانيا: أنّه لو سلّم عدم الإجمال، فهي أعمّ مطلقا من صحيحة ابن وهب (1)، لاختصاصها بما تركها مالكها الأول و أخربها، و هذه أعمّ منه و ممّا إذا لم يتركها و كان في صدد إحيائها، بل مشتغلا بتهيئة أسبابه.

سلّمنا، فتكون معارضة لهذه الصحيحة، فتتساقطان، و يرجع إلى المطلقات و العمومات المتقدّمة.

إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ هذه الصحيحة ظاهرة في أنّ المحيي الثاني كان يعرف صاحبها حال الإحياء، و الصحيحة الاولى و غيرها أعمّ من ذلك، فلتخصّ بها. و هو كان حسنا لو لا الإجمال المذكور.

____________

(1) المتقدّمة في ص 148.