مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج10

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
576 /
203

تدرون إنّما ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل فكان من شهر رمضان كان يوما وفّق له؟ فأمّا و ليس علّة و لا شبهة فلا» (1).

و لكن لا تترتّب على ذلك التحقيق فائدة، لأنّها إمّا في مرجوحيّة الصوم مع عدم المانع و عدمها معه، أو في الإجزاء عن رمضان لو صامه و بان أنّه من رمضان و عدمه، و لا يقول هو و لا أحد من الأصحاب فيما أعرف- إلّا ما حكي عن المفيد- بمرجوحيّة صومه (2)، و لا بعدم الإجزاء إن أمكن مع الصحو اتّفاق ثبوت الهلال في بلد آخر، و مع ذلك تدلّ على الإجزاء العلّة المنصوصة و الدليل العقلي المتقدّمان. و إن لم يمكن ذلك فعدم الفائدة أظهر.

المسألة الرابعة: الأصل في النيّة أن تكون مقارنة لأول جزء من العمل

بحيث لا تتأخّر عنه و لا تتقدّم، إذ لو تأخّرت عنه لكان يقع جزء منه بلا نيّة و لا قصد قربة، فلا يكون عبادة، و ما لا يكون جزؤه عبادة لا يكون كلّه كذلك.

و لا تقاس النيّة بالمميّزات الخارجيّة المعيّنة للفعل المشترك، التي اكتفينا بحصولها في أثناء الفعل، كما ذكرنا في بحث الوضوء و الصلاة، لأنّ المطلوب منها مجرّد رفع الاشتراك الحاصل بذلك عرفا، فإنّ عروض مميّزات صلاة الآيات بعد قراءة الحمد يرفع اشتراك العمل. بخلاف النيّة، فإنّ المقصود الأعظم منها- الذي هو التقرّب- لا يفيد لما تقدّم عليها،

____________

(1) التهذيب 4: 166- 473، الوسائل 10: 24 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 5 ح 12.

(2) حكاه عنه في البيان: 362.

204

و لا يجعله متقرّبا به إلى اللّه، فلا يجوز تأخيرها عنه.

و كذا التقديم الغير المستمرّ إلى الجزء الأول فعلا أو حكما، و أمّا المستمرّة حكما فهي كالمقارنة، كما بيّناها في بحث الوضوء.

فالحاصل: أنّه تجب مقارنة النيّة الفعليّة أو الحكميّة لأول جزء من العمل، و لا يجوز التأخير مطلقا، و لا التقديم بدون الاستمرار الحكمي، و لا يجب التقديم مطلقا، للأصل، فهذا هو الأصل في النيّة.

و قد تخلّف الأصل في الصيام في مواضع يأتي ذكرها في المسائل الآتية بالدليل، فقد يوجب التقديم و قد يجوّز التأخير، و ليس المعنى في صورة التأخير أنّ معه يكون مجموع اليوم متقرّبا فيه إلى اللّه، بل المعنى: أنّ مجموع اليوم- الذي بعضه يشتمل على نيّة القربة- قائم مقام الذي يشتمل جميعه عليها بالدليل الشرعي.

ثمَّ إنّ مقتضى الأصل المذكور- مضافا إلى النبويّين المشهورين، أحدهما: «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (1) و الآخر: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (2)- أن يكون وقت نيّة الصيام الليل حتما، حيث إنّ مقتضاه وجوب العلم بمقارنتها لطلوع الفجر الذي هو أول اليوم، و هو لمّا لا يحصل عادة إلّا بإيقاعها قبل الطلوع، لأنّ الطلوع لا يعلم إلّا بعد وقوعه، فلا يحصل العلم بمقارنة النيّة له إلّا بتقديمها عليه، فيكون التقديم واجبا.

قيل: الأمر و إن كان كذلك لكن نفرض المسألة على تقدير وقوع

____________

(1) سنن الدار قطني 2: 171- 1.

(2) سنن أبي داود 2: 329- 2454، و سنن النسائي 4: 196، و مسند أحمد 6:

287 بتفاوت يسير.

205

المقارنة الحقيقيّة بدون التقديم، فإنّ غاية ما لزم عدم تمكّن المكلّف من إيقاع المقارنة بالاختيار، و هو لا ينفي الاتّفاق، فنفرض المسألة على تقديره، فلا يكون التقديم واجبا.

و أيضا نمنع اشتراط المقارنة المذكورة في النيّة مطلقا، بل النيّة للفعل المستغرق للزمان تكون بعد تحقّقه لا قبله، كما صرّح به بعضهم في نيّة الوقوف بعرفة و جعلها مقارنة لما بعد الزوال.

و أيضا تشترط المقارنة لو لم تؤثّر النيّة المتأخّرة في الجزء المتقدّم، و هي مؤثّرة في الصوم، فإنّ من نسي النيّة فجدّدها في النهار صحّ صومه (1).

و نجيب عن الأول: بأنّ إمكان الوقوع و الاتّفاق غير مفيد، لوجوب أداء التكليف، مع أنّ المكلّف به هو تحصيل العلم، و هو غير ممكن عادة، و بناء التكاليف على الأحوال العاديّة المتعارفة، و لذا يحكمون بوجوب غسل جزء من الرأس في غسل الوجه للوضوء من باب المقدّمة مع إمكان اتّفاق البدأة بأعلى الوجه الحقيقي.

و عن الثاني: بأنّ انتفاء المقارنة المذكورة موجب لخلوّ أول الجزء من النيّة، فلا يكون من العبادة المطلوبة.

و أمّا ما كان كذلك فابتداء وقته حقيقة ما بعد الآن المشتمل على النيّة، و الزمان فيه هو الزمان العرفي لا الحقيقي، فوقت الوقوف من أول الزوال عرفا لا حقيقة، و ذلك لا يمكن في الصوم، للإجماع على أنّ وقته تمام اليوم حقيقة.

و عن الثالث: بأنّ تأثير النيّة في الجزء المتقدّم على خلاف الأصل كما عرفت، فلا بدّ من الاقتصار فيه على ما ثبت فيه من الناسي و ذوي الأعذار

____________

(1) انظر الروضة 2: 106.

206

كما يأتي، و مرادنا هنا بيان الأصل في وقت النيّة.

و قد ظهر بذلك الجمع بين قول من ظاهره أو صريحه تحتّم إيقاعها ليلا- كالعماني و المفيد و النافع و المفاتيح (1)- و قول من قال بجواز التأخير إلى طلوع الفجر بحيث يتقارنان- كآخرين (2)- بحمل قول الأولين على الوجوب التبعي، و قول الآخرين على الأصلي.

و صرّح بذلك في المنتهى، قال- بعد تجويز المقارنة للطلوع، و الاستدلال للمخالف بالنبويّين-: و الجواب: أنّه لمّا تعذّر إيقاع العزم مع الطلوع- لعدم ضبطه- لم يكلّف الرسول به، و بعده لا يجوز، فوجبت القبليّة، لذلك، لا أنّها في الأصل واجبة قبل الفجر (3). و نحوه في التذكرة (4).

فائدة:

قد بيّنا أنّ النيّة المشروطة مقارنتها للعمل أعمّ من الفعليّة، التي هي عبارة عن حضور العزم على الفعل متقرّبا في البال ملتفتا إليه.

و من الحكميّة، التي هي عبارة عن حضور العزم المذكور في وقت و عدم قصد الترك و لا التردّد و لا نسيان العزم بعده، إلى أن يشتغل بالعمل، بحيث يكون العزم مودعا في خزينة الخيال و إن لم يكن ملتفتا إليه أصلا، و ذلك غير النسيان. ألا ترى أنّه لا يقال لكلّ أحد: أنّه نسي اسمه و اسم أبيه و ولده، مع أنّه غير ملتفت إليها في أكثر الأحوال.

نعم، يكون بحيث لو التفت إلى العمل لوجد العزم عليه باقيا في

____________

(1) حكاه عن العماني في المختلف: 211، المفيد في المقنعة: 302، النافع: 65، المفاتيح 1: 243.

(2) منهم الشهيد الثاني في الروضة 2: 106، السبزواري في الذخيرة: 513، صاحب الرياض 1: 301.

(3) المنتهى 2: 558.

(4) التذكرة 1: 256.

207

نفسه.

و قد ذكرنا فيما سبق: أنّه لا دليل على اشتراط مقارنة الأزيد من ذلك أصلا، و أنّ اعتبار الفعليّة في وقت من الأوقات لتوقّف حصول الحكميّة عليها، و أنّه لا يشترط في الحكميّة- التي هي الفعليّة المستمرة- عدم الإتيان بما ينافي العمل حين فعله و يبطله، فإنّ قاصد الصلاة عند الأذان و الإقامة يكتفي بالنيّة الحكميّة و لو تكلّم في أثناء الأذان و الإقامة أو انحرف عن القبلة.

نعم، يشترط فيها عدم العزم على الترك، و لا التردّد بعد العزم الفعلي الأولي.

و إذا عرفت ذلك تعلم أنّ المراد بتحتّم إيقاعها ليلا: أنّه يجب تحقّق إحدى النيّتين من الفعليّة و الحكميّة في الجزء الأخير من الليل، و لو لم تتحقّق إحداهما فيه يبطل الصوم، و أمّا الفعليّة بخصوصها فلا يشترط تحقّقها حينئذ.

نعم، لتوقّف حصول الحكميّة عليها يشترط تقدّمها على الطلوع، سواء كان في الجزء الأخير من الليل، أو الجزء الأول، أو النهار السابق، أو الأيّام السابقة، أو قبل رؤية الهلال، فإنّ بعد تحقّقها في وقت من الأوقات و البقاء على حكمها إلى وقت العمل تتحقّق النيّة المعتبرة.

و البقاء على حكمها [1] يتحقّق بعدم العزم على الترك و لا التردّد، و بقاء العزم في الخزينة الخياليّة بحيث لو التفت إليها لوجد العزم و إن لم يكن بالفعل ملتفتا.

و تعلم أيضا سقوط كثير من الفروع التي ذكرها جمع من الأصحاب،

____________

[1] في «ح» زيادة: إلى وقت العمل.

208

و أنّها مبنيّة على اشتراط مقارنة الفعليّة أو عدم تحقيق الحكميّة:

منها: ما تردّد فيه بعضهم من أنّه هل يشترط بعد النيّة الفعليّة الاستمرار على حكم الصوم بعدم الإتيان بمفطراته إلى الطلوع، أم لا (1)؟

فإنّه لا وجه لهذا الاشتراط أصلا، و لا تؤثّر هذه الأفعال في غير زمان الصوم في إبطال النيّة الحكميّة، بل و لا الفعليّة لو اعتبرناها، فإنّ حقيقتها حضور العزم على الإمساك غدا لا على الإمساك الآن.

و منها: أنّه هل تجب في كلّ ليلة من شهر رمضان نيّة يومها، أو تكفي فيه نيّة واحدة من أول الشهر؟

فإنّ المراد إن كان الفعليّة، فلا دليل على اشتراطها في كلّ ليلة أصلا، فإنّ النيّة الحكميّة لكلّ يوم تتحقّق بحصول الفعليّة للجميع في وقت واحد من غير طروّ المزيل لها، و كون كلّ يوم عبادة مستقلّة لا يقتضي تعدّد الفعليّة في ليلته، و لذا تكفي الفعليّة الواحدة لصلاة الظهر و العصر في الابتداء، مع أنّ قصد كلّ يوم في أول الأمر في حكم الفعليّة المتعدّدة.

و إن كان المراد: الحكميّة، فلا ريب في اشتراط تحقّقها لكلّ يوم في ليلته، و لا يقبل الخلاف فيه.

و منها: أنّه هل يجوز تقديم نيّة شهر رمضان على الهلال، أم لا؟ فإنّ تقديم الفعليّة جائز مع بقاء الحكميّة، و تقديم الحكميّة بحيث تنتفي بعد الهلال غير جائز قطعا.

إلى غير ذلك من الفروع، و كثير منها مبتن على إرادة الفعليّة من النيّة المعتبرة في كلّ عبادة قطعا و الغفلة عن الحكميّة، فرأوا اعتبار الاولى قطعا، و رأوا اعتبار المقارنة أيضا، فتوهّموا أنّها هي التي تعتبر مقارنتها.

____________

(1) انظر الحدائق 13: 26.

209

ثمَّ لمّا استشعر بعضهم بأنّ كثيرا من أصحاب الأئمّة و علماء الأمّة في بعض الموارد الشرعيّة- كصوم الشهر- لا يلتفت إلى فعليّة النيّة، مضافا إلى عدم الالتفات إليها في أفعالنا الحاصلة بالقصد و الاختيار، فرأى ذلك ثابتا بل مجمعا عليه، فشرع في إبداء الوجوه الضعيفة و التعليلات العليلة للكفاية، و من لم يستشعر بذلك ردّ تلك الوجوه، و من تحقّق ما ذكرناه في أمر النيّة يسهل عليه الخروج من هذه الخلافات.

المسألة الخامسة: لا يجوز تأخير النيّة عن الطلوع المستلزم تبعا

وجوب تقديمها عليه في صوم شهر رمضان و نحوه من الواجبات المعيّنة، عمدا مع العلم بالشهر أو المعيّن، و لو أخّر عمدا يفوت عنه الصوم، و نسبه في المدارك- في مسألة من نوى الإفطار ثمَّ جدّد في يوم من شهر رمضان- إلى المعروف من مذهب الأصحاب (1)، و في الحدائق: أنّ ظاهر كلام جملة منهم الاتّفاق عليه (2).

للأصل المذكور، و النبويّين المتقدّمين (3).

خلافا لظاهر الإسكافي على ما قيل (4)، و السيّد (5) و النافع (6)، فيجوز التأخير عنه إلى الزوال، و صرّح في الشرائع بانعقاد الصوم لو دخل النهار بنيّة الإفطار ثمَّ جدّد النيّة قبل الزوال (7).

و يمكن أن يستدلّ لهم بإطلاق صحيحة الحلبي أو عمومها الحاصل من ترك الاستفصال: قلت: فإنّ رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أ يصوم؟

____________

(1) المدارك 6: 39.

(2) الحدائق 13: 47.

(3) في ص: 204.

(4) في المختلف: 211.

(5) السيد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 53.

(6) النافع: 65.

(7) الشرائع 1: 188.

210

قال: «نعم» (1)، و كون السؤال في صدرها عن غير الواجب المعيّن لا يوجب تخصيص الذيل العام به أيضا.

و ابن سنان: «من أصبح و هو يريد الصيام ثمَّ بدا له أن يفطر فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار ثمَّ يقضي ذلك اليوم، فإن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنّه يحسب له من الساعة التي نوى فيها» (2).

و ابن سالم: الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: «إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» (3).

إلّا أنّ الثانية مخصوصة بغير الواجب المعيّن، لأنّ قوله: «من أصبح و هو يريد الصيام» مخصوص به بقرينة تجويز الإفطار، و الضمير المجرور في قوله: «ثمَّ بدا له أن يصوم» راجع إلى ذلك الشخص أيضا.

بل هنا وجهان آخران موجبان لظهور الأخيرتين معا في غير الواجب المعيّن، لأنّه المتبادر من قوله: «فإن بدا له» و قوله: حدث له رأي، و لقوله:

«يحسب له» فإنّ الحساب من وقت النيّة يفيد أنّه ليس ما قبله صوما، و إنّما هو بعض صوم، أي له ثواب ذلك و إن لم يكن صوما شرعيّا.

و الحمل- على مجرّد نفي الثواب فيما تقدّمه و إن كان صوما صحيحا- باطل، إذ لا يخلو الصوم الصحيح من الثواب.

إلّا أن يقال: إنّ المعنى: أنّ ثواب مجموع صوم اليوم كثواب بعض

____________

(1) الكافي 4: 121- 1، الوسائل 10: 10 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 1.

(2) التهذيب 4: 187- 524، الوسائل 10: 17 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 7.

(3) التهذيب 4: 188- 528، الوسائل 10: 12 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 8.

211

اليوم من الذي نوى المجموع.

فلم تبق إلّا الاولى، و هي و إن كانت عامّة ظاهرا إلّا أنّ عمومها موهون جدّا باختصاص صدرها، و ظهور: أراد أن يصوم، فيمن تجوز له إرادة عدم الصوم، و مع ذلك معارض بعموم النبويّين المنجبرين ضعفهما في المقام بالشهرة العظيمة، بل قيل بالإجماع، بحمل كلام من ذكر على غير العامد بالتباين، فيرجع إلى الأصل المذكور.

المسألة السادسة: يمتدّ وقتها في صوم شهر رمضان و النذر المعيّن للناسي و الجاهل بالشهر و التعيين

بل مطلق المعذور إلى الزوال، فله النيّة ما لم يدخل الزوال، و إذا دخل فات الصوم، وفاقا للأكثر، بل عليه الإجماع عن صريح الغنية (1)، و ظاهر المعتبر و المنتهى و التذكرة (2).

بل هو إجماعي، لعدم ظهور مخالف، إلّا ما حكي عن العماني في البقاء إلى الزوال، و الإسكافي في الفوات بعده (3).

و مخالفتهما في الإجماع غير قادحة، مع أنّها- كما قيل أيضا- غير معلومة (4)، بل عدمها في الثاني من كلامه معلوم.

فهو الحجّة المخرجة عن الأصل المتقدّم في الأول (5)، المحتاج إلى المخرج.

مضافا إلى إطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة (6)، الخالي عن معارضة

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 570.

(2) المعتبر 2: 646، المنتهى 2: 558، التذكرة 1: 256.

(3) حكاه عنهما في المختلف: 212.

(4) الرياض 1: 302.

(5) أي امتداد الوقت إلى الزوال.

(6) في ص: 209.

212

النبويّين في المورد، لضعفهما الخالي عن الجابر فيه.

و إلى الاعتضاد بمؤيّدات عديدة، من فحوى ما سيأتي من أدلّة ثبوت الحكم في الصوم الغير المعيّن، ففيه أولى، و حديث: «رفع عن أمّتي» (1)، و ما روي عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): أنّ ليلة الشك أصبح الناس، فجاء أعرابي إليه فشهد برؤية الهلال فأمر مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك (2)، و فحوى ما دلّ على انعقاد الصوم من المسافر إذا زال عذره قبل الزوال (3).

بل يمكن جعل الأخير دليلا بضمّ عدم القول بالفصل، بل سابقة أيضا، لذلك، مع جبر ضعفه بالعمل.

و أمّا الأوليان فجعلهما دليلين- كما وقع لبعضهم (4)- غير سديد.

و أمّا الثاني [1]، فلا حاجة فيه إلى المخرج، لموافقته الأصل، و عدم شيء يصلح للمعارضة، مع أنّه أيضا- كما مرّ- إجماعي.

المسألة السابعة: يمتدّ وقتها في قضاء رمضان و النذر المطلق أيضا إلى الزوال،

من غير فرق في ذلك بين حالتي الاختيار و الاضطرار، فيجوز تجديدها إليه و إن تعمّد الإخلال بالنيّة ليلا فبدا له في الصوم قبل الزوال، و لا يجوز بعده.

أمّا الأول، فهو ممّا قطع به الأصحاب، بل من عباراتهم ما هي مشعرة بدعوى الإجماع عليه، و تدلّ [عليه] [2] الصحاح الثلاث المتقدّمة، و صحيحة

____________

[1] أي: إذا دخل الزوال فات الصوم.

[2] ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

____________

(1) الوسائل 8: 249 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 30 ح 2.

(2) سنن أبي داود 2: 302، سنن النسائي 4: 131.

(3) الوسائل 10: 189 أبواب من يصح منه الصوم ب 6.

(4) انظر الرياض 1: 302.

213

البجلي: في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان، و لم يكن نوى ذلك من الليل، قال: «نعم، ليصمه، و يعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئا» (1).

و الأخرى: عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما، و كان عليه يوم من شهر رمضان، إله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامّة النهار؟ فقال: «نعم، له أن يصوم، و يعتدّ به من شهر رمضان» (2).

و موثّقة الساباطي: عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و يريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: «هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر»، سئل: و إن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: «لا» (3).

و رواية صالح: رجل جعل اللّه عليه صيام شهر، فيصبح و هو ينوي الصوم ثمَّ يبدو له فيفطر، و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم، فقال: «هذا كلّه جائز» (4).

و رواية عيسى: «و من أصبح و لم ينو الصوم من الليل فهو بالخيار إلى أن تزول الشمس، إن شاء صام، و إن شاء أفطر» (5).

____________

(1) الكافي 4: 122- 4، التهذيب 4: 186- 522، الوسائل 10: 10 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 2.

(2) التهذيب 4: 187- 526، الوسائل 10: 11 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 6.

(3) التهذيب 4: 280- 847، الاستبصار 2: 121- 394، الوسائل 10: 13 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 10.

(4) التهذيب 4: 187- 523، الوسائل 10: 11 أبواب وجوب الصوم و نيّته ب 2 ح 4.

(5) التهذيب 4: 189- 533، الوسائل 10: 19 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 12.

214

و إطلاقها يدلّ على ما أشرنا إليه من استواء حالتي الاختيار و الاضطرار في ذلك الحكم، كما هو ظاهر عبارات الأصحاب، و صرّح به في السرائر و الروضة (1) و غيرهما (2).

و كثير منها و إن اختصّ بالقضاء و بعضها بالنذر المطلق، و لكن جملة منها يعمّهما و غيرهما من الواجبات، كالإجارة و الكفّارة و غيرهما.

و كذلك بعضها و إن لم يشتمل على الامتداد إلى الزوال و لكن تصريح جملة منها به كاف في إثباته، مضافا إلى الإجماع المركّب.

لا يقال: قوله في صحيحة ابن سنان: «فإنّه يحسب له من الساعة التي نوى فيها» (3) يدلّ على فساد الصوم، إذ الصوم لا يتبعّض في اليوم، فيكون الحساب من بعض اليوم كناية عن الفساد.

قلنا:- مع أنّ أصل الدلالة ممنوع- إنّه لو سلّم فهي أعمّ ممّا كان قبل الزوال أو بعده، فيجب تخصيصه بالأخير، لصحيحة ابن سالم، التي هي أخصّ مطلقا منها (4).

و أمّا الثاني، فهو الأظهر الأشهر، بل ظاهر الانتصار إجماعنا عليه (5)، لصحيحة ابن سالم، و موثّقة الساباطي، و رواية عيسى.

خلافا للمحكيّ عن الإسكافي (6) و الذخيرة (7)، و قوّاه بعض مشايخنا

____________

(1) السرائر 1: 373، الروضة 2: 107.

(2) انظر الرياض 1: 302.

(3) تقدّمت في ص: 210.

(4) راجع ص: 210.

(5) الانتصار: 60.

(6) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 212.

(7) الذخيرة: 514.

215

المعاصرين (1)، لإطلاق بعض الأخبار المذكورة، و ظاهر صحيحة البجلي الثانية.

و صريح مرسلة البزنطي: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، و يصبح فلا يأكل إلى العصر، أ يجوز له أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟

قال: «نعم» (2).

و يجاب عنها: بالضعف، لمخالفتها الشهرة القديمة و الجديدة، و لذا حكم في المنتهى للمرسلة بالشذوذ [1].

مضافا إلى وجوب تقييد المطلقات، و حمل لفظ: العامّة، في الصحيحة، على البعض- و لو مجازا- لذلك أيضا، بل يحتمل كونها مطلقة أيضا، حيث من الفجر إلى الزوال أكثر من الزوال إلى الغروب، و معارضة المرسلة بما ذكر، و وجوب الرجوع إلى الأصل المتقدّم.

المسألة الثامنة: يمتدّ وقت النافلة إلى أن يبقى من النهار جزء يمكن الإمساك فيه بعد النيّة

، فيجوز تجديدها ما بقي من النهار شيء بعد أن ينوي، وفاقا للصدوق في الفقيه و المقنع و السيّد و الشيخ و الإسكافي و الحلّي و ابني زهرة و حمزة (3) و المنتهى و الدروس (4)، و استحسنه في التحرير و الروضة (5)،

____________

[1] المنتهى 2: 559. قال: فإنّه مع إرساله لا تعرض فيه بالنيّة.

____________

(1) الرياض 1: 302.

(2) التهذيب 4: 188- 529، الاستبصار 2: 118- 385، الوسائل 10: 12 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 9.

(3) الفقيه 2: 97، المقنع: 63، السيّد في الانتصار: 60، الشيخ في المبسوط 1:

278، حكاه عن الإسكافي في المختلف: 213، الحلي في السرائر 1: 373، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 570، ابن حمزة في الوسيلة: 140.

(4) المنتهى 2: 559: الدروس 1: 266.

(5) التحرير 1: 76، الروضة 2: 107.

216

و مال إليه في المعتبر و المختلف و البيان (1)، و قوّاه غير واحد من مشايخنا (2)، و نسب إلى أكثر القدماء (3)، بل مطلقا كما عن المنتهى (4).

بل عن الانتصار و الغنية و السرائر الإجماع عليه (5)، و هو الحجّة فيه، لقاعدة التسامح في أدلّة السنن.

مع موثّقة أبي بصير: عن الصائم المتطوّع تعرض له الحاجة، قال:

«هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتى العصر ثمَّ بدا له أن يصوم و إن لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء» (6).

و صحيحة محمّد بن قيس: «إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثمَّ ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم يفطر فهو بالخيار، إن شاء صامه و إن شاء أفطر» (7).

خلافا للمحكيّ عن العماني و ظاهر الخلاف (8) و لصريح النافع (9)، فجعلوه مثل الواجب الغير المعيّن، و نسبه جماعة إلى المشهور (10)، لإطلاق صحيحة هشام و رواية عيسى المتقدّمتين (11).

____________

(1) المعتبر 2: 647، المختلف: 212، البيان: 361.

(2) منهم صاحبي الحدائق 13: 26، و الرياض 1: 303.

(3) كما في الرياض 1: 302.

(4) المنتهى 2: 559.

(5) الانتصار: 60، الغنية (الجوامع الفقهية): 570، السرائر: 373.

(6) الكافي 4: 122- 2، التهذيب 4: 186- 521، الوسائل 10: 14 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 3 ح 1.

(7) التهذيب 4: 187- 525، الوسائل 10: 11 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 5.

(8) حكاه عنهما في المختلف: 212، و هو في الخلاف 2: 167.

(9) النافع: 60.

(10) كما في المسالك 1: 69، و الحدائق 13: 24.

(11) في ص: 210، 213.

217

بل قيل: و موثّقة الساباطي (1). و هو غير صحيح، لأنّ السؤال فيها عن مريد القضاء، و ترجع الضمائر كلّها إليه.

و الجواب- بعد تضعيف الأولى-: بأنّها لا تدلّ إلّا على الحساب من وقت النيّة، و هو غير صريح في فساد الصوم.

و الثانية: بأنّها غير مرويّة عن إمام، فلعلّ الحكم عن عيسى نفسه.

على أنّ على فرض الدلالة تكونان مطلقتين بالنسبة إلى الفرض و التطوع، و موثّقة أبي بصير خاصّة يجب حمل العامّ عليها.

المسألة التاسعة: لا شكّ أنّ جواز تجديد النيّة في النهار- بعد تأخيرها عن الليل نسيانا أو عمدا

في جميع ما ذكر- إنّما هو إذا لم يتناول من المفطرات الآتية شيئا، و أمّا معه فلا يجوز إجماعا.

و تدلّ عليه صحيحتا البجلي و محمّد بن قيس، و النبويّ المذكور في المسألة السادسة (2)، و ذيل رواية عيسى: «فإن زالت الشمس و لم يأكل فليتمّ الصوم إلى الليل» (3).

و هل تعتبر المبادرة إلى نيّة الصوم- بعد التذكّر أو إرادته- فورا، أو لا تشترط، بل تجوز النيّة و لو تردّد بعد التذكّر أو الإرادة أو نوى عدم الصوم؟

ظاهر الأصحاب- بل صريح الروضة (4) و غيره- عدم الاعتبار في غير الواجب.

و تدلّ عليه الإطلاقات المتقدمة مطلقا، و صحيحة هشام في الجملة، و هي: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شيء، و إلّا

____________

(1) كما في الرياض 1: 302.

(2) راجع ص: 213، 216، 212.

(3) التهذيب 4: 189- 533، الوسائل 10: 19 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 12.

(4) الروضة 2: 107.

218

صمت، فإن كان عندهم شيء أتوه به و إلّا صام» (1).

بل صريح الروضة كونه كذلك في الواجب الغير المعيّن أيضا.

و فيه نظر، لاختصاص الصحيحة بالمستحبّ، و عدم حجّية المطلقات في غير الصوم النافلة كما يأتي وجهه.

و أمّا الواجب المعيّن، فصرّح بعضهم بفوريّة المبادرة و فوات الصوم بتأخير النيّة عن وقت التذكّر (2)، بل لا يبعد كونه وفاقيّا، و هو الموافق للأصل المذكور، و يدلّ عليه ما يأتي في المسألة الآتية من بطلان الصوم و فواته بنيّة الإفطار أو التردّد في جزء من اليوم، خرجت النوافل بالإطلاقات المذكورة و صحيحة هشام فيبقى الباقي.

فإن قيل: المطلقات تشمل الواجب الغير المعيّن أيضا، بل صحيحة الحلبي (3) تشمل المعيّن أيضا.

قلنا: نعم، و لكن قوله في صحيحة البجلي: «إذا لم يكن أحدث شيئا» (4) يوجب تقييدها في الواجب الغير المعيّن صريحا و في المعيّن فحوى و إجماعا مركّبا، فإنّ نيّة الإفطار أو التردّد أيضا إحداث شيء.

فإن قيل: ليس المراد بالشيء الإطلاق حتى يقتصر في تقييده على القدر الثابت، لإيجابه خروج الأكثر، بل المراد شيء خاصّ.

قلنا: فيكون مجملا، و العامّ المخصّص بالمجمل ليس بحجّة في موضع الإجمال.

____________

(1) التهذيب 4: 188- 531، الوسائل 10: 12 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 7.

(2) انظر الروضة 2: 107، و المدارك 6: 21.

(3) الكافي 4: 121- 1، الوسائل 10: 10 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 1.

(4) الكافي 4: 122- 4، التهذيب 4: 186- 522، الوسائل 10: 10 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 2.

219

فإن قيل: المراد الشيء المفسد للصوم.

قلنا: سيأتي أنّ ذلك أيضا مفسد له في موضع لا دليل على صحّته معه.

المسألة العاشرة: لو نوى الإفطار في النهار، فإمّا يكون قبل عقد نيّة الصوم، أو بعده.

و الأول مضى حكمه بأقسامه [1].

و الثاني ممّا لا شكّ في كونه حراما، لكونه عزما على الحرام، و اتّباعا للهوى.

و إنّما وقع الخلاف في إفساده للصوم و عدمه، فعن الحلبي و المختلف و الإرشاد و شرحه لفخر المحقّقين و الإيضاح و المسالك و حاشية القواعد للشهيد الثاني (1) و في الدروس و البيان و الحدائق: فساده به (2)، و هو مختار السيّد في مسائله القديمة، كما صرّح به في بعض رسائله (3).

و عن المبسوط و الخلاف و السيّد (4) و في الشرائع و جملة من كتب الفاضل: عدمه (5)، و نسب إلى المشهور بين الأصحاب (6).

و الحقّ: هو الأول، لأنّ كلّ ما دلّ على اشتراط قصد القربة في الصوم و بطلانه بدونه يدلّ عليه في كلّ جزء جزء منه أيضا، و لا شكّ أنّ آن نيّة القطع

____________

(1) و أقسامه: أنّه إمّا يكون سهوا أو عمدا و الثاني إمّا يكون في الواجب العيني أو غيره، و أيضا إمّا يكون قبل التذكر في المعين أو بعده. منه (رحمه اللّه).

____________

(1) الحلبي في الكافي: 182، المختلف: 215، الإرشاد 1: 300، الإيضاح 1:

223، المسالك 1: 70.

(2) الدروس 1: 267، البيان: 362، الحدائق 13: 51.

(3) جوابات المسائل الرسية الاولى (رسائل الشريف المرتضى 2): 356.

(4) المبسوط 1: 278، الخلاف 2: 222، حكاه عن السيد في الحدائق 13: 49.

(5) الشرائع 1: 188، و من كتب العلّامة: المنتهى 2: 561، و القواعد 1: 63، إلّا أنّ فيه: صحّ صومه على إشكال.

(6) كما في المدارك: 316 و الحدائق 13: 49.

220

يكون خاليا عن قصد القربة في الإمساك، فيكون باطلا، و ببطلانه يبطل الصوم، إذ اليوم لا يتبعّض في الصوم.

و بعبارة أخرى: لا شكّ أنّ الصوم: الإمساك في تمام اليوم بقصد القربة، و ما لا قربة في بعضه لا قربة في تمامه، و لا معنى لتحقّق القربة مع قصد القطع.

احتجّ الآخرون بالاستصحاب.

و بأنّ النواقض محصورة، و ليست هذه النيّة منها (1).

و بأنّ الصوم إنّما يفسد بما ينافي الصوم، و لا منافاة بينه و بين عزيمة الأكل مثلا، غايته منافاته لنيّة الصوم، و هي غير مضرّة بعد عدم منافاتها لحكم النيّة، و نيّة الإفطار إنّما تنافي نيّة الصوم لا حكمها الثابت بالانعقاد، لأنّها لا تضادّ بينها و بين استمرار حكم النيّة، كيف؟! و لا ينافيه النوم و الغروب إجماعا.

و بأنّ النيّة لا يجب تجديدها في كلّ أزمنة الصوم إجماعا فلا تتحقّق المنافاة.

و بأنّ مرجع الخلاف في المسألة إلى أنّ استمرار النيّة في زمان الصوم هل هو شرط أم لا؟ و الحقّ: عدم اشتراطه، للأصل الخالي عن المعارض، و كون دليل الاستمرار مثل: «إنّما الأعمال بالنيّات» (2) و العمل هنا لم يقع إلّا بنيّة، و ليس في الخبر أزيد من أنّه يجب وقوعه عن قصد و نيّة، و هو كذلك، و أمّا أنّه يجب استمرار ذلك القصد فلا دلالة فيه عليه.

و بصحيحة محمّد: «ما يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال:

الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس» (3).

____________

(1) انظر الخلاف 2: 223 و المدارك 6: 40.

(2) التهذيب 4: 186- 519، الوسائل 10: 13 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 2 ح 12.

(3) الفقيه 2: 67- 276، التهذيب 4: 318- 971، الاستبصار 2: 80- 276، الوسائل 10: 31 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

221

و الجواب عن الأول: أنّ الاستصحاب مدفوع بما مرّ، مع أنّ جريانه هنا محلّ نظر.

و عن الثاني: بمنع الحصر في ما لا يدخل فيه ذلك.

و عن الثالث: بمنع عدم منافاة نيّة الإفطار لحكم النيّة، فإنّ حكمها هو كون المنويّ مخزونا في خزينة الخيال بحيث لو التفت و تذكّر كان باقيا على قصده و اعتبار ذلك كان لصدق الامتثال معه عرفا، و لا شكّ في منافاة نيّة الإفطار لذلك، و عدم كونه ممتثلا في ذلك الآن.

و منه يظهر فساد القياس على النوم و الغروب، لأنّهما لا ينافيان بقاء المنويّ في خزينة الخيال، كما مرّ مفصّلا فيما سبق.

و عن الرابع: بأنّ عدم وجوب تجديد النيّة إنّما هو لاستمرار حكمها، و ذلك لا يوجب عدم منافاة نية الإفطار للنيّة أو حكمها.

و عن الخامس: بأنّ المراد باستمرار النيّة إن كان استمرار النيّة الفعليّة، فعدم اشتراطه مسلّم، و لكن رجوع الخلاف إليه ممنوع.

و إن كان استمرار الحكميّة، فرجوع الخلاف إليه مسلّم، و لكن عدم اشتراطه ممنوع.

و الأصل- بما ذكرناه دليلا على اشتراط الحكميّة في موضعه- مدفوع.

و المراد من الفعل الواقع مع النيّة إن كان الإمساك في البعض السابق، فهو مسلّم، و لكن لا يفيد.

و أمّا إن كان في البعض اللاحق أو تمام اليوم، فوقوعه بغير نيّة بديهي.

و عن السادس: بأنّه عامّ يجب تخصيصه بما مرّ، كما يخصّص بغيره أيضا.

المسألة الحادية عشرة:

قال بعض المتأخّرين في شرحه على الدروس: هل يجب على المكلّف أن يعرف جميع مفطرات الصوم و يقصد

222

تركها إجمالا أو تفصيلا حتى يصحّ منه الصوم، أو تكفيه معرفة البعض و اتّفاق عدم الإتيان بالثاني؟

إلى أن قال: و الظاهر أنّ المعتبر هو قصد العبادة المخصوصة المتلقّاة من الشارع بجملة شرائطها الشرعيّة، بعد معرفة معظم التروك المعتبرة فيها، مع عدم الإتيان بباقي المفسدات و لو على سبيل الاتّفاق (1). انتهى.

أقول: ظاهره- كما هو الظاهر أيضا- أنّه لا خلاف في عدم انعقاد صوم من لم يعرف شيئا من المفطرات، و ما يجب الإمساك عنه أصلا، و لم يقصد تركها و تركها اتّفاقا، لعدم ورود نيّة القربة على شيء منها، و ورودها على معنى لفظ الصوم- الذي لا يعرفه- غير مفيد.

و إنّما الخلاف في أنّه هل تجب معرفة الجميع و قصد تركه تفصيلا أو إجماعا، أو تكفي معرفة البعض؟ و استظهر هو كفاية معرفة المعظم.

و التحقيق: أنّ ما يجب الإمساك عنه في الصوم إن كان ممّا لا يبطل بالإتيان به الصوم- كالارتماس- فلا تجب معرفته و لا قصده عند النيّة بل يكفي اتّفاق تركه، لعدم معلوميّة كونه جزء حقيقة الصوم.

و أمّا غيره- ممّا يبطل الصوم بالإتيان به- فلا فرق فيه بين المعظم و غيره، بل تجب معرفة الجميع و قصد تركه عند النيّة إجمالا أو تفصيلا، لأنّ الصوم الذي يجب قصده و التقرّب به عبارة عن هذه التروك، فلو لم ينو بواحد منها القربة لم يتحقّق قصد القربة في الصوم.

و لا يفيد كون الألفاظ أسامي للأعمّ، لأنّ ذلك لا يخرج باقي الأجزاء عن كونها مأمورا بها.

____________

(1) مشارق الشموس: 340.

223

الفصل الثاني في بيان الأشياء المخصوصة التي بانتفائها يتحقّق الصوم أو لا يجوز ارتكابها

و هي على أقسام خمسة:

القسم الأول ما يحرم ارتكابه، و يوجب القضاء و الكفّارة معا

، إذا وقع في صوم شهر رمضان و غيره ممّا في إفطاره قضاء و كفّارة،

و هي أمور سبعة:

الأمر الأول و الثاني: الأكل و الشرب للمعتاد و غيره.

أمّا حرمتهما فبالكتاب (1)، و السنّة المتواترة (2)، و الإجماع فيهما (3).

أمّا في الأول فظاهرة، و أمّا في الثاني فلعمومات الكتاب و السنّة في النهي عن الأكل و الشرب.

و الانصراف إلى المعتاد- لو سلّم- فإنّما هو في المطلق دون العامّ، مع أنّ انصراف المطلق إليه أيضا إنّما هو إذا كان الاعتياد و عدمه بحيث يكونان قرينتين على إرادة المعتاد، و هو في المورد غير معلوم.

بل هنا كلام آخر، و هو أنّه على فرض الانصراف فإنّما هو يفيد لو كان متعلّق الحكم المأكول و المشروب.

____________

(1) البقرة: 187.

(2) كما في الوسائل 10: 31 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1.

(3) كما في الشرائع 1: 189، المدارك 6: 43، الذخيرة: 496.

224

أمّا الأكل و الشرب، فمقتضى الانصراف إلى المعتاد خروج غير المعتاد من الأكل مثلا، و هو ما كان من غير الفم، بل من نحو الأنف أو العين أو ثقبة في الصدر، لا من المأكول، فتأمّل.

فيكون الكتاب و السنّة شاملا لغير المعتاد أيضا.

و أمّا الإجماع، فلعدم قدح مخالفة الإسكافي و السيّد في شاذّ من كتبه (1) في الإجماع، و لذا صرّح بالإجماع في غير المعتاد أيضا جماعة، منهم:

الناصريات و الخلاف و الغنية و السرائر و المنتهى (2) و غيرها (3)، مع أنّ مخالفة السيّد أيضا غير معلومة، لأنّه إنّما حكم في بعض كتبه بعدم البطلان بابتلاع الحصاة و نحوها، فيمكن أن تكون مخالفته في الازدراد دون غير المعتاد، و لذا ترى الفاضل في المنتهى جعل البطلان بغير المعتاد مذهب جميع علمائنا، و لم ينسب الخلاف فيه إلّا إلى بعض العامّة، و نسب الخلاف في الازدراد إلى السيّد.

و ممّا يؤيّد البطلان بتناول غير المعتاد- المستلزم هنا للحرمة، لحرمة إبطال الصوم الموجب لحرمة سببه- بل يدلّ عليه: أنّ المراد بالمعتاد إن كان معتاد غالب الناس لزم عدم فساد صوم طائفة اعتادوا أكل بعض الأشياء الغير المعتادة للأكثر، كالحيّة، و الفأرة، و بعض النباتات، بل لحم البغل و الحمار، و فساد ذلك ظاهر، بل لا أظنّ أن يقول به المخالف.

و إن كان معتاد كلّ مكلّف بنفسه فيصير الفساد أظهر، فلا يبطل الصوم بأكل الخبز لقوم، بل يلزم اختلاف المبطل باختلاف العادات و البلاد، بل

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 216، السيّد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 54.

(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 206، الخلاف 2: 212، الغنية (الجوامع الفقهية): 571، السرائر 1: 377، المنتهى 2: 563.

(3) كما في مشارق الشموس: 340.

225

مقتضى قاعدة الانصراف إلى المعتاد اعتبار معتاد زمان الشارع و بلده، و حينئذ تتّسع دائرة الأكل و الشرب في الصوم.

بل إخراج المني أيضا لو أجريت القاعدة فيه أيضا.

استدلّ للمخالف (1) بما مرّ، من انصراف المطلق إلى المعتاد.

و بنحو صحيحة محمّد: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس» (2).

و الأخرى: في الصائم يكتحل، فقال: «لا بأس به، إنّه ليس بطعام و لا شراب» (3).

و بعموم العلّة على عدم ضرر غير الطعام و الشراب، و غير المعتاد ليس منهما.

و رواية ابن أبي يعفور: عن الكحل للصائم؟ فقال: «لا بأس به، إنّه ليس بطعام يؤكل» (4).

و رواية مسعدة: عن الذباب يدخل في حلق الصائم؟ قال: «ليس عليه قضاء، إنّه ليس بطعام» (5).

و الجواب عن الأول: ما سبق.

____________

(1) انظر الحدائق 13: 57.

(2) الفقيه 2: 67- 276، التهذيب 4: 318- 971، الاستبصار 2: 80- 244 بتفاوت يسير، الوسائل 10: 31 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1.

(3) الكافي 4: 111- 1، التهذيب 4: 258- 765، الاستبصار 2: 89- 278، الوسائل 10: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1.

(4) التهذيب 4: 258- 766، الاستبصار 2: 89- 279، الوسائل 10: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 6.

(5) الكافي 4: 115- 2، التهذيب 4: 323- 994، الوسائل 10: 109 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 2.

226

و عن البواقي: بعدم الحجية بعمومها، لمخالفتها الشهرة العظيمة، بل الإجماع كما مرّ.

و عن الثاني: بأنّ غير المعتاد من المطعوم و المشروب أيضا طعام و شراب.

و هو الجواب عن الثالث و الرابع.

و عن الخامس: بأنّ الضمير المنصوب يمكن أن يكون راجعا إلى الدخول في الحلق، و الطعام مصدرا، كما ذكره في القاموس (1)، و غيره (2)، فيكون المعنى: أنّ دخول الذباب بغير الاختيار ليس أكلا، لأنّه ما كان بالقصد و الاختيار.

و أمّا وجوب القضاء و الكفّارة بهما، ففي المعتاد لإجماع العلماء محكيّا مستفيضا (3) و محقّقا.

و فيه و في غيره لحصول الفطر به عرفا، فيدخل في عموم ما دلّ على إيجابه لهما، كمرسلة الفقيه: «و من أفطر في شهر رمضان متعمّدا فعليه كفّارة واحدة، و قضاء يوم مكانه، و أنّى له مثله» (4).

و رواية الهروي، و فيها: «و إن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة و قضاء ذلك اليوم، و إن كان ناسيا فلا شيء عليه» (5).

و رواية المشرقي: عن الرجل أفطر من شهر رمضان أيّاما متعمّدا ما عليه من الكفّارة؟ فكتب (عليه السلام): «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا

____________

(1) القاموس المحيط 4: 145.

(2) كمجمع البحرين 6: 106.

(3) كما في المدارك 6: 75، الحدائق 13: 56، الرياض 1: 308.

(4) الفقيه 2: 73- 316، الوسائل 10: 251 أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 4، و فيه صدر الحديث.

(5) الفقيه 3: 238- 1128، العيون 1: 244- 88، الوسائل 10: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 1.

227

فعليه عتق رقبة مؤمنة و يصوم يوما بدل يوم» (1)، إلى غير ذلك من الأخبار الآتية، المتضمّنة لتفاصيل الكفارات (2).

فروع:

أ: اختلفوا في حرمة إيصال الغبار إلى الحلق

و بطلان الصوم به- مطلقا، كما في كلام جماعة، منهم: الشرائع و النافع و التلخيص و التبصرة (3)، أو الغليظ منه، كما في كلام جمع آخر (4)، بل الأكثر كما قيل (5)- و جوازه.

فعن الشيخين و الحلّي و الحلبي و في الشرائع و النافع (6) و طائفة من أفاضل المتأخّرين (7): الأول، و نسب إلى المشهور (8)، بل عن الانتصار و السرائر و الغنية و التذكرة و التنقيح و نهج الحقّ: الإجماع عليه (9).

و عن ظاهر الصدوق و السيّد و الديلمي و الشيخ في المصباح:

الثاني (10)، حيث لم يذكروا البطلان به، و إليه ذهب جمع من متأخّري

____________

(1) التهذيب 4: 207- 600، الاستبصار 2: 96- 311، الوسائل 10: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11.

(2) الوسائل 10: 44 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 و 10.

(3) الشرائع 1: 189، النافع 1: 65، التبصرة: 53.

(4) منهم الشيخ في المبسوط 1: 271، و العلّامة في التذكرة 1: 257.

(5) انظر المدارك 6: 52، كفاية الأحكام: 46.

(6) المفيد في المقنعة: 356، الطوسي في المبسوط 1: 271، الحلي في السرائر 1: 377، الحلبي في الكافي: 179، الشرائع 1: 189، النافع: 65.

(7) كالشهيد في اللمعة (الروضة 2): 89، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 71.

(8) كما في المفاتيح 1: 248، الحدائق 13: 72.

(9) السرائر 1: 377، الغنية (الجوامع الفقهية): 571، التذكرة 1: 257، التنقيح 1: 357، نهج الحقّ: 461.

(10) الصدوق في المقنع: 60، السيد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 54، و الديلمي في المراسم: 98، الشيخ في المصباح: 484.

228

المتأخّرين، منهم: المفاتيح و الحدائق (1).

و ظاهر المعتبر و المدارك: التردّد (2).

حجّة الأولين: رواية المروزي: «إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمّدا، أو شمّ رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح» (3).

و الأخبار الناهية عن الاحتقان، و جلوس المرأة في الماء، و الاكتحال، و السعوط، و الاستياك بالرطب، و نظائرها (4).

حجّة الآخرين: الأصل، و موثّقة عمر بن سعيد: عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: «لا بأس» (5).

و ما دلّ على حصر المبطل في أمور ليس ذلك منها.

و يجيبون عن دليل الأولين:

أمّا عن الرواية: فبالقطع الخالي عن الجابر- و هو كون السائل موثوقا به- أولا.

و بضعف السند ثانيا، و لا يفيد الانجبار بالشهرة و نحوها، لأنّها إنّما تجبر الرواية المسندة لا المقطوعة.

____________

(1) المفاتيح 1: 248، الحدائق 13: 72.

(2) المعتبر 2: 670، المدارك 6: 52.

(3) التهذيب 4: 214- 621، الاستبصار 2: 94- 305، الوسائل 10: 69 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 1.

(4) انظر الوسائل 10: أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 و 7 و 25 و 28.

(5) التهذيب 4: 324- 1003، الوسائل 10: 70 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 2.

229

و بالمعارضة مع الموثّقة- الموجبة للرجوع إلى الأصل- ثالثا.

و بالاشتمال على ما لا قائل به رابعا.

و أمّا عن الاخبار الأخيرة: فبعدم ثبوت مدلولاتها بأنفسها، لمعارضتها مع أقوى منها- كما يأتي- فكيف يقاس عليها غيرها؟! أقول: أمّا جوابهم عن الأخبار الأخيرة فتامّ.

و أمّا عن الرواية، فيمكن ردّ الأول بعدم انحصار الجابر للقطع في موثوقيّة السائل، بل ذكر صاحب الأصل لها في طي الروايات قرينة على أنّ المسئول عنه هو الإمام، و إنّما حصل القطع لتقطيع الروايات من أصل السائل.

و منه يظهر حصول الجبر- لضعف السند لو كان ضائرا- بالشهرة و الإجماعات المنقولة، فردّ به الثاني أيضا.

و الثالث: بأنّ التعارض بالعموم المطلق، لاختصاص الرواية بالمتعمد و أعمّية الموثّقة.

و الرابع: بأنّ خروج بعض الرواية عن الحجّية لا يوجب خروج الباقي، أو بأن ما لا قائل به هو إطلاق بعض الرواية، فيجب تقييده، و يصير كالعامّ المخصّص حجّة في الباقي، كذا قيل (1).

و فيه: أنّ المراد بالمطلق إن كان جميع أجزاء الرواية، و بالتقييد إخراج بعضه، فهذا ليس من باب الإطلاق و التقييد، بل طرح بعض الرواية.

و إن كان إطلاق بعض الأجزاء، فمنها ما لا قائل بمقيّدة أيضا، كشمّ الرائحة الغليظة، بل الاستنشاق و المضمضة، لأنّه لا قائل بإفطار فرد منهما.

و أمّا دخول الماء في الحلق فهو ليس من أفرادهما، بل هو أمر خارجي.

____________

(1) انظر الرياض 1: 305.

230

فلا يتمّ هذا الردّ، بل و كذا سابقة، لأنّ خروج جزء من الخبر عن الحجّية لا يضرّ الباقي إذا تعيّن خروجه و علم المراد من الباقي، و هنا ليس كذلك، إذ كما يجوز طرح الجزء أو تصرّف فيه بتجوّز أو تقييد يجوز أن يتصرّف في الحكم بقوله: فعليه صوم، و قوله: فإنّ ذلك مفطر، بالصرف عن الظاهر، فلا يتعيّن المراد من الرواية، فتخرج عن الحجّية بالمرّة.

و منه تظهر تماميّة الجواب الأخير، بل و كذا سابقة، لأنّ التعارض بالعموم المطلق إنّما كان لو كان قوله في الرواية: «متعمّدا» بعد قوله:

«غبار» و ليس كذلك، فالتعارض بالمساواة و الرجوع إلى الأصل.

فالحقّ: هو القول الأخير.

نعم، لو كان الغبار بحيث تحسّ منه أجزاء ترابيّة- مشاهدة حسّا، معلومة عيانا، موسومة بالتراب عرفا، ابتداء أو بعد الاجتماع في أصول الأسنان، و ابتلعها- يحكم بفساد الصوم و وجوب القضاء و الكفّارة، لصدق أكل التراب، لا لدخول الغبار.

ب: لا يفسد الصوم بدخول الدخان في الحلق

، للأصل، و صدر الموثّقة المتقدّمة (1): عن الصائم يدخّن بعود أو بغير ذلك فيدخل الدخنة في حلقه؟ قال: «جائز لا بأس به».

و الأحوط: الاجتناب عن شرب التتن، لاستمرار طريقة الناس عليه، و إطلاق الشرب عند العرب عليه.

ج: لا يفسد الصوم بمصّ الخاتم

، و مضغ الطعام للصبي، و زقّ الطائر، و ذوق المرق، و نحو ذلك ممّا لا يتعدّى إلى الحلق، للأصل،

____________

(1) في ص: 228.

231

و الإجماع، و المعتبرة المستفيضة- التي منها الصحاح (1)- و الحصر المصرّح به في الصحيح المتقدّم (2).

و لا تنافيه صحيحة الأعرج: عن الصائم يذوق الشيء و لا يبلعه، فقال: «لا» (3)، فلا تفيد أزيد من الكراهة، مع أنّه يحتمل أن يكون معنى قوله: «لا» أي لا يبلعه كما قيل (4).

و عن الشيخ حملها على من لا تكون له ضرورة إلى ذلك، و حمل أخبار الرخصة على حال الضرورة (5). و لا شاهد له. مع أنّه على فرض المعارضة يكون الترجيح للأخبار المرخّصة، لوجوه عديدة.

و لو سبق في هذه الحالة شيء إلى حلقه بلا اختيار، لم يفسد به صومه، كما صرّح به جمع من الأصحاب (6)، للأصل، و عدم التعمّد.

و تومئ إليه صحيحة الحنّاط: إنّي اقبّل بنتا لي صغيرة و أنا صائم، فيدخل في جوفي من ريقها، فقال: «لا بأس، ليس عليك شيء» (7).

و فرّق في المنتهى بين ما كان المضغ و نحوه لغرض صحيح و ما لم يكن كذلك، فأوجب القضاء في الثاني (8). و لا دليل عليه.

____________

(1) كما في الوسائل 10: 105 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 و 38.

(2) في ص: 225.

(3) الكافي 4: 115- 4، التهذيب 4: 312- 943، الاستبصار 2: 95- 309، الوسائل 10: 106 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 2.

(4) انظر الرياض 1: 307.

(5) كما في المبسوط 1: 272.

(6) انظر النافع: 66، و المختلف: 219، و الرياض 1: 307.

(7) التهذيب 4: 319- 976، الوسائل 10: 102 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 34 ح 1.

(8) المنتهى 2: 568.

232

د: الحقّ جواز مضغ العلك مع الكراهة

، و إن تغيّر الريق بطعمه، ما لم تنفصل منه أجزاء محسوسة، وفاقا للأكثر كما عن المنتهى (1)، للأصل، و الحصر، و رواية أبي بصير: عن الصائم يمضغ العلك، قال: «نعم، إن شاء» (2).

و رواية محمّد: «إيّاك أن تمضغ علكا، فإنّي مضغت العلك يوما و أنّا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا» (3)، فإنّ في مضغ الإمام تصريحا بالجواز، و في صدره دليل على الكراهة، إمّا مطلقا أو في الصوم خاصّة.

و تدلّ عليه أيضا صحيحة الحلبي: الصائم يمضغ العلك؟ قال: «لا» (4).

خلافا للمحكيّ عن الإسكافي و النهاية (5)، لصحيحة الحلبي.

و فيه: منع الدلالة على الحرمة، مع أنّه على فرضها يتعيّن الحمل على الكراهة، لما مرّ.

و لأنّ وجود الطعم في الريق دليل على تخلّل شيء من أجزاء ذي الطعم فيه، لامتناع انتقال العرض.

و فيه: أنّ سبب وجود الطعم لا ينحصر بتخلّل الأجزاء أو انتقال العرض، لجواز حصول التكيّف بسبب المجاورة، مع أنّه لو سلّم التخلّل فالمبطل إنّما هو الأجزاء المحسوسة لا أمثال ذلك.

____________

(1) المنتهى 2: 568.

(2) التهذيب 4: 324- 1002، الوسائل 10: 105 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 3.

(3) الكافي 4: 114- 2، الوسائل 10: 104 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 1.

(4) الكافي 4: 114- 1، الوسائل 10: 105 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 2.

(5) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 222، النهاية: 157.

233

هذا، مع أنّه ليس إلّا اجتهادا في مقابلة النصّ.

ه: يفسد الصوم بابتلاع بقايا الغذاء المتخلّلة بين أسنانه في النهار عمدا

، سواء أخرجها من فمه أو لا، كما صرّح به في الخلاف و المبسوط و الشرائع (1) و غيرها (2)، و يوجب القضاء و الكفّارة، لصدق الأكل و تناول المفطر عمدا.

و مناقشة صاحب الحدائق فيه لعدم صدق الأكل (3)، و صحيحة ابن سنان: عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء أ يفطر ذلك؟ قال: «لا»، قلت: فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال: «لا يفطره ذلك» [1].

و الأول مدفوع بمنع عدم الصدق.

و الثاني بالفرق بين الخارج بالقلس و الداخل من الخارج في صدق الأكل و عدمه، سيّما مع أنّ الصيرورة على اللسان لا تستلزم الدخول في فضاء الفم، إذ لعلّ المراد طرف اللسان المجاور للحلق، مع أنّه لو صدق الأكل لو سلم الحكم في القلس فلا يجوز قياس غيره عليه.

هذا كلّه، مع أنّ الصحيحة ليست صريحة في عدم الإفطار، إذ يحتمل المعنى: لا يزدرده حينئذ فإنّه يفطره ذلك، فيكون قوله: «لا» جوابا للسؤال، و: «يفطره» حكما على حدة.

و لو دخل شيء منها في الحلق سهوا لم يفسد قطعا، سواء ترك

____________

[1] التهذيب 4: 265- 796، الوسائل 10: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 9. و القلس: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه و ليس بقيء، فإن عاد فهو القيء- الصحاح 3: 965.

____________

(1) الخلاف 2: 176، المبسوط 1: 272، الشرائع 1: 193.

(2) كالقواعد 1: 64.

(3) الحدائق 13: 79.

234

الخلال عمدا أو سهوا أو لم يتركه. و التفرقة بين تركه و عدمه ضعيفة.

و لو وجد طعم الغذاء الباقي في الأسنان في الريق و ابتلعه لا يفسد صومه، كما يظهر وجهه ممّا ذكرناه في مضغ العلك.

و: لا يفسد الصوم بابتلاع الريق الذي في الفم

، بلا إشكال و لا خلاف فيه كما قيل (1)، للأصل، و عدم صدق الأكل و الشرب عرفا، و استمرار عمل الناس طرّا عليه.

و لو أخرجه من فمه ثمَّ أرجعه و ابتلعه فيفسد الصوم، بل ظاهر بعضهم أنّه إجماعي (2).

لا لأجل حرمة ابتلاعه بعد خروجه عن الفم، لمنعه.

بل لصدق الأكل حينئذ عرفا، فيقال: أكل الريق، فإنّ الظاهر صدق الأكل بابتلاع كلّ ما يدخل الفم من الخارج و لو خرج من الداخل، دون ما لم يدخل من الخارج أصلا.

و ظاهر صاحب الحدائق عدم البطلان به، و عدم التفرقة بين ما كان في الفم و ما خرج منه، حاكيا عن المحقق الأردبيلي الميل إليه أيضا (3). و هو غير جيّد، لما ذكرنا.

ز: في جواز ابتلاع النخامة-

و هي ما يخرج من الصدر أو يسترسل من الدماغ، كما يدلّ عليه بعض كلمات أهل اللغة (4)، دون الأول فقط، كما يعطيه كلام بعض الفقهاء (5)- و بطلان الصوم به، و عدمه قبل الانفصال من

____________

(1) الحدائق 13: 79.

(2) النظر غنائم الأيام: 396.

(3) الحدائق 13: 80.

(4) انظر القاموس المحيط 4: 181.

(5) انظر الشرائع 1: 193.

235

الفم، أقوال ثلاثة:

الأول: عدم البطلان مطلقا، ذهب إليه في المعتبر و المنتهى و التذكرة و المدارك (1) و بعض آخر (2)، للأصل، و رواية غياث: «لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته» (3)، و عدم تسميته أكلا و لا شربا، و مساواته للريق في عدم وصوله من الخارج، و عدم انفكاك الصائم عنه إلّا نادرا، و صحيحة ابن سنان المتقدّمة المتضمّنة لحكم القلس.

و الثاني: عدمه في الصدريّة و البطلان في الدماغيّة، إلّا أن يتعدّى إلى الحلق بعد الاسترسال و قبل الوصول إلى الفم، و هو ظاهر الشرائع و الإرشاد (4)، و لعلّه لصدق الأكل عليه، و عدم صدق النخامة المجوّز ابتلاعها في الرواية، لزعم اختصاصها بما يخرج من الصدر.

و الثالث: البطلان بابتلاعها بعد وصولها إلى الفم، حكى عن الشهيدين (5). و هو الأحوط، و إن كان الأول أظهر، لما مرّ من الأصل، و إطلاق الخبر، و عدم معلوميّة صدق الأكل ما لم ينفصل عن الفم.

ح: الحقّ جواز المضمضة للصائم مع كراهة

، وفاقا للأكثر (6)، أمّا الجواز فللأصل، و لرواية حمّاد: الصائم يتمضمض و يستنشق؟ قال: «نعم، لكن لا يبالغ» (7).

____________

(1) المعتبر 2: 653، المنتهى 2: 563، التذكرة 1: 256، المدارك 6: 105.

(2) كالحدائق 13: 86.

(3) الكافي 4: 115- 1، التهذيب 4: 323- 995، الوسائل 10: 108 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 1.

(4) الشرائع 1: 193، الإرشاد 1: 298.

(5) الشهيد في الدروس 1: 278، الشهيد الثاني في المسالك 1: 73.

(6) منهم المحقق في الشرائع 1: 193، و صاحب الحدائق 13: 91.

(7) الكافي 4: 107- 3، الوسائل 10: 71 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 2.

236

و رواية يونس: «و الأفضل للصائم أن لا يتمضمض» (1)، و هي دليل الكراهة أيضا.

خلافا للمحكي عن الاستبصار و المنتهى، فقالا بالتحريم في غير الوضوء (2)، و لعلّه لرواية المروزي المتقدّمة، المتضمّنة لوجوب الكفّارة بأمور منها: المضمضة (3).

و هي مردودة بما مرّ من عدم وجوبها ببعض ما فيها إجماعا، فلا بدّ من ارتكاب تجوّز، و بعد فتح بابه تتّسع دائرته فلا تفيد.

ثمَّ لو تمضمض و دخل الماء في حلقه فيأتي حكمه (4).

الثالث: الجماع

في قبل المرأة، أنزل أم لم ينزل.

و هو حرام علي الصائم إجماعا، كتابا و نصّا و فتوى، و موجب للقضاء و الكفّارة، بالإجماع، و السنّة المتواترة:

كصحيحة البجلي: عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمنى، قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع» (5).

و رواية المفضّل: في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة» (6).

____________

(1) الكافي 4: 107- 4، التهذيب 4: 205- 593، الاستبصار، 2: 94- 304، الوسائل 10: 71 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 3.

(2) الاستبصار 2: 94، المنتهى 2: 579.

(3) راجع ص: 228.

(4) في ص: 272.

(5) الكافي 4: 102- 4، التهذيب 4: 206- 597، الاستبصار 2: 81- 247، الوسائل 10: 29 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1.

(6) الكافي 4: 103- 9، الفقيه 2: 73- 313، التهذيب 4: 215- 625، الوسائل 10: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1.

237

و موثّقة سماعة: عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّدا، فقال: «عليه عتق رقبة، و إطعام ستّين مسكينا، و صيام شهرين متتابعين، و قضاء ذلك اليوم» (1)، و رواية الهروي المتقدّمة (2)، إلى غير ذلك.

و تدل عليه عمومات القضاء و الكفّارة بالإفطار، فإنّ ذلك أيضا، إفطار كما صرّح به في الأخبار، كالخصالي: «خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة (عليهم السلام)» (3)، و قريب منه في الرضوي (4).

و كذا في دبرها على المشهور، بل على المعروف من مذهب الأصحاب كما في المدارك (5)، و على الظاهر من المذهب كما في المبسوط (6)، و على مقتضى المذهب كما في الخلاف (7)، و بلا خلاف فيه كما فيه أيضا، و بالإجماع كما عنه أيضا و عن الوسيلة (8).

للشهرة، و الإجماع المحكى.

و إطلاق النهي عن المباشرة في الآية الكريمة (9)، خرج منه ما عدا الوطء في القبل و الدبر فيبقى الباقي، و متى ثبت التحريم كان مفسدا

____________

(1) التهذيب 4: 208- 604، الاستبصار 2 97- 315، الوسائل 10: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 13.

(2) في ص: 226.

(3) الخصال: 286- 39، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 6.

(4) فقه الرضا «ع»: 207، مستدرك الوسائل 7: 321 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

(5) المدارك 6: 45.

(6) المبسوط 1: 270.

(7) الخلاف 2: 191.

(8) الوسيلة: 142.

(9) البقرة: 187.

238

بالإجماع المركّب.

و لإطلاق البطلان بالجماع في طائفة من الأخبار.

و لإيجابه الجنابة المفسدة للصوم.

و يرد على الأولين: عدم الحجّية.

و على الثالث: بأنّ جعل الآية من باب التخصيص يوجب خروج الأكثر، و هو غير جائز، فيجب حملها على المجاز، و هو إمّا الوطء في القبل، أو مطلق الجماع، الغير المعلوم صدقه على وطء الدبر، أو غير المنصرف إليه، لعدم كونه من الأفراد الشائعة.

و منه يظهر ردّ الرابع أيضا.

و على الخامس: بمنع الملزوم أولا، و الملازمة ثانيا.

خلافا للمحكي عن المبسوط، حيث جعل البطلان أحوط (1)، و إن كان في كونه صريحا في الخلاف نظر، لاحتمال إرادة الوجوب من الاحتياط في كلمات القدماء.

نعم، هو الظاهر من المختلف (2)، لأن الاحتياط في كلامه ليس محمولا على الوجوب.

نعم، يحتمل إرادة المبسوط الاستحباب أيضا، فكلامه محتمل للخلاف و ليس صريحا في وفاق المشهور، ككلام من أطلق الجماع بل الوطء أيضا- كالمقنعة و النهاية و الناصريات و الديلمي (3)- أو مقيّدا بالفرج، كالجملين (4)

____________

(1) المبسوط 1: 270.

(2) المختلف: 216.

(3) المقنعة: 344، النهاية: 153، الناصريات (الجوامع الفقهية): 206، الديلمي في المراسم: 98.

(4) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 54، الجمل و العقود (الرسائل العشر): 212.

239

و الاقتصاد و المصباح و مختصره (1).

و من ذلك يظهر تطرّق القدح في الإجماع المحقّق في المسألة، و معه فيجب الرجوع إلى سائر الأدلّة، و الأصل مع عدم البطلان، و تدلّ عليه مرسلة علىّ بن الحكم: «إذا أتي الرجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها، و ليس عليها غسل» (2).

و مرفوعة أحمد بن محمّد: في رجل أتى المرأة في دبرها و هي صائمة، قال: «لا ينقض صومها، و ليس عليها غسل» (3).

و لا فرق بين المفعول بها و الفاعل بالإجماع المركّب.

و أمّا دبر الغلام بدون الإنزال، فالمشهور فيه أيضا- كما قيل- الإفساد (4)، بل عن الخلاف: الإجماع عليه (5)، لذلك الإجماع المنقول، و إيجابه الجنابة، و فحوى ما دلّ على الفساد بوطء المرأة المحلّلة، و إطلاق الأخبار بوجوب القضاء أو الكفّارة على المجامع. و في الكلّ نظر ظاهر.

خلافا لمحتمل كلّ من ذكره.

و تردّد فيه في المعتبر و الشرائع و النافع (6)، و هو في موقعه، بل الظاهر عدم الفساد، للأصل، و لصحيحة محمّد الحاصرة للمفطرات فيما ليس ذلك منها (7).

____________

(1) الاقتصاد: 287، مصباح المتهجد: 484.

(2) التهذيب 7: 460- 1843، الوسائل 2: 200 أبواب الجنابة ب 12 ح 3.

(3) التهذيب 4: 319- 975، الوسائل 2: 200 أبواب الجنابة ب 12 ح 3.

(4) انظر الذخيرة: 496، و الرياض 1: 304.

(5) الخلاف 2: 190.

(6) المعتبر 2: 669، الشرائع 1: 189، النافع: 66.

(7) الفقيه 2: 67- 276، التهذيب 4: 318- 971، الاستبصار 2: 80- 244، الوسائل 10: 31 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

240

و منه يظهر قوّة عدم الفساد بوطء البهيمة مطلقا من دون إنزال، وفاقا لمحتمل بعض من ذكر، و صريح الحلّي و الشرائع و التذكرة و المنتهى و التحرير و التلخيص (1).

و أمر الاحتياط واضح، و هو مطلوب جدّا خصوصا في المقام.

الرابع: الاستمناء.

و هو طلب خروج المنى مع خروجه بغير الجماع، فلا يضرّ الطلب بدون الخروج، و لا الخروج بدون الطلب أو التسبّب إجماعا، كما أنّه يبطل الصوم بخروجه مع الطلب كذلك.

و على حرمته و فساد الصوم به الإجماع عن الانتصار و الغنية و المعتبر و المنتهى (2) و غيرها (3).

و كذا ادّعى جماعة الإجماع على إيجابه القضاء و الكفّارة (4)، و هو أيضا- كسابقه- إجماع قطعا، فهو الدليل على الأحكام الثلاثة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، كصحيحة البجلي المتقدّمة (5).

و مرسلة حفص بن سوقة: في الرجل يلاعب أهله أو جاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان» (6).

____________

(1) الحلي في السرائر 1: 380، الشرائع 1: 189، التذكرة 1: 259، المنتهى 2:

564، التحرير 1: 77.

(2) الانتصار: 64، الغنية (الجوامع الفقهية): 571، المعتبر 2: 654، المنتهى 2: 564.

(3) كالتذكرة 1: 572.

(4) كما في الخلاف 2: 190، و انظر المدارك 6: 77.

(5) في ص: 236.

(6) الكافي 4: 103- 7، التهذيب 4: 321- 983، الوسائل 10: 39 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 2.

241

و موثّقة سماعة: عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستّين مسكينا» (1).

و رواية أبي بصير: عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق، فقال: «كفّارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا أو يعتق رقبة» (2).

و الرضوي: «و لو أنّ رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق كان عليه عتق رقبة» (3).

و تؤيده- بل تدلّ [عليه] [1]- صحيحة محمّد و زرارة: هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ فقال: «إنّي أخاف عليه فليتنزّه عن ذلك، إلّا أن يثق أن لا يسبقه مني» (4).

و صحيحة الحلبي: عن رجل يمسّ من المرأة شيئا أ يفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: «إنّ ذلك يكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني» (5).

و موثّقة سماعة: عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان، قال: «ما لم يخف على نفسه فلا بأس» (6)، إلى غير ذلك.

____________

[1] ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

____________

(1) التهذيب 4: 320- 980، الوسائل 10: 40 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 4.

(2) التهذيب 4: 320- 981، الوسائل 10: 40 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5.

(3) فقه الرضا «ع»: 212، مستدرك الوسائل 7: 324 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 3.

(4) التهذيب 4: 271- 821، الاستبصار 2: 82- 251، الوسائل 10: 100 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 13.

(5) الكافي 4: 104- 1، الوسائل 10: 100 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 1.

(6) الفقيه 2: 71- 300، الوسائل 10: 98 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 6.

242

و بوجوب الكفّارة في تلك الأخبار ثبت الفساد و القضاء بالإجماع المركّب.

و اختصاص الأكثر باستمناء خاصّ غير ضائر، لعدم القول بالفصل. و في حكم الطلب عمدا التسبّب بمسّ المرأة بالملاعبة أو الملامسة أو التقبيل لمن يعتاد الإنزال مع أحدها، أو يكرّر ذلك حتى ينزل مع اعتياده بالتكرّر، لصدق الإنزال عمدا، فيكون بطلان صومه و وجوب القضاء و الكفّارة مجمعا عليه (1).

و يدلّ على الحكم إطلاق طائفة من الأخبار المتقدّمة.

و كذا إن لم يكن معتادا به، و لكن كرّره قاصدا للإنزال حتى يتّفق، لما ذكر، و كذا في القضاء و الكفّارة، بل لو لم يكن معتادا و لم يقصده أيضا و اتّفق معه الإنزال، وفاقا للمشهور كما عن المختلف و المهذّب (2)، بل المجمع عليه كما عن المعتبر بل الخلاف (3)، للإطلاقات المذكورة.

خلافا لبعض المتأخّرين، فلم يوجب مع عدم التعمّد شيئا، لضعف غير الصحيحة الأولى سندا، و ضعفها دلالة، لاحتمال كون لفظة «حتى» تعليليّة (4).

و للمرسل المروي في المقنع: «لو أنّ رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شيء» (5).

و يجاب بانجبار الضعف- لو كان- بما مرّ من الشهرة المحكيّة

____________

(1) في «ح» زيادة: كما عن الكتب الثلاثة و غيرها.

(2) المختلف: 224، المهذب البارع 2: 43.

(3) المعتبر 2: 654، الخلاف 2: 190.

(4) انظر المدارك 6: 62.

(5) المقنع: 60، الوسائل 10: 98 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 5.

243

و الإجماع المنقول، مع أنّ منها الموثّق الذي هو في نفسه حجّة.

و بضعف المرسل أولا، و مرجوحيّته بالنسبة إلى معارضاته ثانيا، لأنّ القول بمضمونه مذهب فقهاء العامة، كما عن الانتصار (1).

نعم، الثابت حينئذ هو القضاء و الكفّارة، و أمّا حرمة العمل فلا، إذ لا وجه له مع عدم الاعتياد و لا القصد.

و في حصول الإمناء بالنظر أقوال:

عدم الإفساد مطلقا، حكي عن الشيخ في الخلاف و الحلّي (2).

و الإفساد إن كان إلى من لا يحلّ بشهوة، و عدمه إن كان إلى من يحلّ، نسب إلى المفيد و المبسوط و الديلمي و ابن حمزة و التحرير (3).

و الإفساد إن قصد به الإنزال، أو كرّر النظر حتى ينزل من غير قصده، و عدمه بدونهما، استقربه في المختلف (4).

و الإفساد إن اعتاد الإنزال عقيب النظر، و عدمه بدونه، اختاره بعضهم (5).

و الإفساد إن كان من عادته ذلك و قصده، و عدمه بدونه، اختاره في المدارك (6).

و الظاهر اتّحاد القولين الأخيرين.

____________

(1) الانتصار: 64.

(2) الخلاف 2: 198، الحلي في السرائر 1: 389.

(3) المفيد في المقنعة: 359، المبسوط 1: 272، الديلمي في المراسم: 98، ابن حمزة في الوسيلة: 143، و فيه من غير تفصيل، التحرير 1: 77.

(4) المختلف: 220.

(5) كصاحب الحدائق 13: 133.

(6) المدارك 6: 63.

244

و كيف كان، فالحق: أنّه يفسد بتعمّد النظر مع الاعتياد الإنزال معه، أو مع قصده، لصدق تعمّد الإنزال معه، و هو موجب للفساد، لظاهر الإجماع، و إشعار بعض الأخبار المذكورة (1) به. و لا يفسد بدونه، للأصل.

احتجّ لسائر الأقوال بأدلّة بيّنة الوهن.

و مثل النظر: التخيّل و استماع الصوت في الحرمة و القضاء و الكفّارة.

الخامس: البقاء على الجنابة عمدا حتى يطلع الفجر الثاني.

على الأظهر الأشهر في الحرمة و القضاء و الكفّارة، بل بالإجماع كما عن الانتصار و الخلاف و السرائر و الغنية و الوسيلة و التذكرة و المنتهى (2)، بل بالإجماع المحقّق، لعدم قدح مخالفة الشاذّ الآتي ذكره فيه، و هو الدليل عليه.

مضافا إلى صحيحة البزنطي: عن الرجل أصاب من أهله في شهر رمضان، أو أصابته جنابة، ثمَّ ينام حتى يصبح متعمّدا، قال: «يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه» (3).

و رواية المروزي: «إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، و لم يغتسل حتى يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين، مع صوم ذلك اليوم، و لا يدرك فضل يومه» (4).

____________

(1) راجع ص: 240، 241.

(2) الانتصار: 63، الخلاف 2: 174، السرائر 1: 377، الغنية (الجوامع الفقهية):

571، الوسيلة: 142، التذكرة 1: 260، المنتهى 2: 573.

(3) التهذيب 4: 211- 614، الاستبصار 2: 86- 268، الوسائل 10: 62 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 4.

(4) التهذيب 4: 212- 617، الاستبصار 2: 87- 273، الوسائل 10: 63 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 3.

245

و رواية إبراهيم بن عبد الحميد، و فيها: «فمن أجنب في شهر رمضان، فنام حتى يصبح، فعليه عتق رقبة، أو إطعام ستّين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و يتمّ صيامه، و لن يدركه أبدا» (1).

و فحوى الصحاح الموجبة للقضاء في النومة الثانية أو الثالثة (2)، أو الموجبة له مع نسيان الغسل (3).

و تؤيّده المستفيضة المثبتة للقضاء أو الكفّارة بالجملة الخبريّة.

خلافا في الثلاثة للمحكيّ عن المقنع للصدوق (4) و المحقّق الأردبيلي (5) و السيّد الداماد في رسالته الرضاعيّة.

إلّا أنّ كلام الأول غير صريح في المخالفة، لنقله فيه رواية بذلك، و هو ليس صريحا في الإفتاء بمضمونها، و إن كان الغالب فيه- على ما قيل- فقواه بمتون الأخبار (6).

و كذا الثاني، فإنّ ظاهره في شرح الإرشاد الاستشكال في المسألة، و إن كان [في] [1] ظاهر كلامه نوع ميل إليه.

للأصل، و الآيتين، و المستفيضة من الأخبار (7).

و الأول: مدفوع بما مرّ.

____________

[1] ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

____________

(1) التهذيب 4: 212- 618، الاستبصار 2: 87- 274، الوسائل 10: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4.

(2) انظر الوسائل 10: 61 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15.

(3) الوسائل 10: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 17.

(4) المقنع: 60.

(5) في زبدة البيان: 174.

(6) انظر الحدائق 13: 113، و الذخيرة: 497.

(7) مجمع الفائدة و البرهان 5: 35.

246

و الثاني: بأنّ غاية الآيتين العموم المطلق بالنسبة إلى ما مرّ، فيجب تخصيصهما، مضافا إلى ضعف دلالتهما، إذ لا كلام في جوار المجامعة ما لم يحصل العلم بعدم وسعة الزمان للاغتسال قبل الفجر، و حصول مثل ذلك العلم في غاية الندرة، فانصراف المطلق إلى مثله مشكل جدّا، مع أنّ رجوع قيد حَتّٰى يَتَبَيَّنَ في إحدى الآيتين إلى غير الجملة الأخيرة غير معلوم، بل مقتضي الأصل العدم.

و الثالث: بعدم حجّية الأخبار المذكورة، لمخالفتها الإجماع، و لا أقلّ من الشهرة العظيمة القديمة و الجديدة المخرجة للرواية عن الحجّية، سيّما مع موافقتها للعامّة في مقام المعارضة لروايات أخر لها مخالفة.

مضافا إلى كون كثير من هذه الأخبار أعمّ مطلقا من الأخبار المتقدّمة، إمّا من جهة شمولها للعمد و النسيان، أو النومة الأولى الشاملة للنوم بقصد الاستيقاظ و الاغتسال، كصحيحتي العيص، و صحيحة القمّاط، و رواية سليمان بن أبي زينبة، و رواية إسماعيل بن عيسى:

الاولى: عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل و أخّر الغسل حتى يطلع الفجر، قال: «يتمّ صومه لا قضاء عليه» (1).

و الثانية: عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمَّ يستيقظ ثمَّ ينام قبل أن يغتسل، قال: «لا بأس» (2).

و الثالثة: عمّن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح،

____________

(1) التهذيب 4: 210- 608، الاستبصار 2: 85- 264، الوسائل 10: 58 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 4.

(2) الفقيه 2: 75- 325، الوسائل 10: 57 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2.

247

قال: «لا شيء عليه» (1).

و الرابعة: عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخّر الغسل حتى طلع الفجر، فكتب بخطّه- إلى أن قال-: «و لا شيء عليه» (2).

و الخامسة: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام حتى يصبح، أي شيء عليه؟ قال: «لا يضرّه و لا يفطر و لا يبالي» الحديث (3).

و إن أمكن أن تعارض الموافقة للعامّة بالموافقة لإطلاق الكتاب، التي هي أيضا من المرجّحات المنصوصة.

و بمنع الأعمّية المطلقة للأخبار الأخيرة، لأنّ الأخبار الأولة أيضا ليست في العمد صريحة و لا ظاهرة حتى تكون أخصّ مطلقا، بل الظاهر في الأكثر التعارض بالتساوي، فالمناط في الردّ هو الشذوذ المخرج عن الحجّية، مع أنّ إحدى صحيحتي العيص لا تدلّ إلّا على جواز النوم، و بعضها ممّا يلوح منه آثار التقيّة من جهة نسبة الحكاية إلى عائشة.

و في الثالث خاصّة للمحكيّ عن المعاني و السيّد في أحد قوليه (4)، و بعض متأخّري المتأخّرين (5)، و مال إليه في التحرير (6)، للأصل، و صحيحة

____________

(1) الفقيه 2: 74- 322، الوسائل 10: 57 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1.

(2) التهذيب 4: 210- 609، الاستبصار 2: 85- 265، قرب الإسناد: 340، الوسائل 10: 58 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 5.

(3) التهذيب 4: 210- 610، الاستبصار 2: 85- 266، الوسائل 10: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 6.

(4) حكاه عن العماني في المختلف: 220، السيد في الانتصار: 63.

(5) كالكاشاني في المفاتيح 1: 247.

(6) التحرير 1: 79.

248

الحلبي: في رجل احتلم في أول الليل أو أصاب من أهله ثمَّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتى يصبح، قال: «يتمّ صومه ذلك، ثمَّ يقضيه إذا أفطر شهر رمضان و يستغفر ربّه» (1)، حيث إنّ إتباع القضاء بالاستغفار ظاهر في عدم لزوم كفّارة غيره.

و الأصل مدفوع بما مرّ، و ضعفه غير ضائر، لأنّ ما مرّ له جابر بما مرّ.

و الصحيحة غير دالّة على انتفاء الكفّارة، لأنّ الاستغفار ثابت معها أيضا.

و قد يستدلّ أيضا بالأخبار المجوّزة له، و فساده ظاهر، لاستلزامها نفي القضاء أيضا.

فروع:

أ: ما مرّ إنّما هو حكم صيام شهر رمضان

، حيث إنّه مورد الأخبار و محلّ الإجماع، و مثله في الفساد: قضاؤه على الحقّ المشهور، لصحيحة ابن سنان: كتب أبي إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)- و هو يقضي شهر رمضان-: إنّي أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم أغتسل حتى طلع الفجر، فأجابه:

«لا تصم اليوم و صم غدا» (2)، و النهي يدلّ على الفساد، و قرينة منها صحيحته الأخرى (3).

و موثقة سماعة الواردة في النومة الاولى، و فيها: إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان؟ قال: «فليأكل يومه ذلك و ليقض، فإنّه لا يشبه

____________

(1) الكافي 4: 105- 1، الوسائل 10: 63 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 1.

(2) الكافي 4: 105- 4، الوسائل 10: 67 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 2.

(3) الفقيه 2: 75- 324، التهذيب 4: 277- 837، الوسائل 10: 67 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1.

249

رمضان شيء من الشهور» (1)، و المراد من آخر الحديث: أنّ حرمة رمضان أوجبت ذلك الحكم في قضائه أيضا. أو المراد: أنّ القضاء ليس كصوم رمضان في وجوب الصوم و القضاء معا.

و بخصوص هذه الأخبار يقيّد إطلاق رواية ابن بكير: عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب، ثمَّ أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى من النهار ما مضى، قال: «يصوم إن شاء، و هو بالخيار إلى نصف النهار» (2).

و لا ينافي الحكم قوله: «إذا أفطر شهر رمضان» في صحيحة الحلبي المتقدّمة، لأنّ المنافاة إنّما هي إذا كان المعنى: أنّ هذا الحكم إنّما هو إذا أفطر شهر رمضان فينتفي عن غيره بمفهوم الشرط، و لكن المعنى: أنّه يقضي إذا فرغ من صيام الشهر.

بل لا منافاة على الأول أيضا، لأنّ الحكم هو مجموع تمام الصوم و القضاء، و لا شكّ أنّه مخصوص بصيام شهر رمضان.

و كذا لا ينافيه اختصاص سائر النصوص مع كثرتها بصيام شهر رمضان، لأنّ الاختصاص فيها إنّما هو من جهة السؤال عنه.

و أمّا غير الصومين من الواجبات المعيّنة و غير المعيّنة و الندب فليس كذلك، فلا يفسد بالبقاء على الجنابة و لو عمدا على الأقوى، وفاقا للدروس (3)، و جملة من المتأخّرين (4)، و عن المعتبر: الميل إليه أيضا (5)،

____________

(1) التهذيب 4: 211- 611، الاستبصار 2: 86- 267، الوسائل 10: 67 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 3.

(2) التهذيب 4: 322- 989، الوسائل 10: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 3.

(3) الدروس 1: 271.

(4) كما في التذكرة 1: 260: و الحدائق 13: 122، و الرياض 1: 305.

(5) المعتبر 2: 657.

250

بل هو ظاهر من قيّد الحكم برمضان، كالشيخ في الخلاف و ابن زهرة (1)، و تردّد في المنتهى (2).

لنا: الأصل الخالي عن المعارض مطلقا، لاختصاص أخبار الفساد بالصومين.

مضافا في التطوّع إلى رواية ابن بكير المتقدّمة، و إلى رواية الخثعمي:

عن التطوّع، و عن صوم هذه الثلاثة الأيام إذا أجنبت من أول الليل، فأعلم أنّي قد أجنبت، فأنام متعمّدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أو لا أصوم؟: قال:

«صم» (3).

و موثّقة ابن بكير: عن الرجل يجنب ثمَّ ينام حتى يصبح، أ يصوم ذلك اليوم تطوّعا؟ قال: «أ ليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار؟!» (4).

ب: لا يبطل الصيام بالاحتلام نهارا في شهر رمضان و لا في غيره بلا خلاف

، للأصل، و المستفيضة من الأخبار (5).

و يجوز له النوم بعده، للأصل، و صحيحة العيص.

و أمّا ما في بعض الروايات: عن احتلام الصائم، قال: «إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل» (6)، فمحمول على الكراهة بقرينة الصحيحة، مع أنّه لا يفيد أزيد منها.

____________

(1) الخلاف 2: 174، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571.

(2) المنتهى 2: 566.

(3) الفقيه 2: 49- 212، الوسائل 10: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 1.

(4) الكافي 4: 105- 3، الوسائل 10: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 2.

(5) الوسائل 10: 103 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35.

(6) التهذيب 4: 212- 618، الاستبصار 2: 87- 274، الوسائل 10: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4، و فيه و في التهذيب: فلا ينم.

251

ج: يجوز الجماع في ليلة الصيام حتى يبقى لطلوع الفجر مقداره و الغسل

، و مع تبيّن ضيق الوقت لا يجوز، و لو فعل فسد صومه، و لو فعل ذلك ظانّا سعة الوقت قالوا: فإن كان مع المراعاة لم يكن عليه شيء و إن كان لا معها فعليه القضاء، و يأتي تحقيقه.

السادس: الكذب على اللّه سبحانه، أو على رسوله، أو على أحد من الأئمّة (عليهم السلام).

و هو محرّم مفسد للصوم، و موجب للقضاء على الحقّ الموافق للشيخين (1) و القاضي و الحلبي و والد الصدوق و الانتصار و الغنية و المنتهى (2)، و جملة من مشايخنا (3)، بل للمشهور كما صرّح به في الخلاف و الدروس (4) و يظهر من المبسوط (5)، بل للإجماع كما عن الانتصار و الغنية (6).

للمستفيضة، كرواية أبي بصير: «الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم» قال: قلت له: هلكنا، قال: «ليس حيث تذهب، إنّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة» (7).

____________

(1) المفيد في المقنعة: 344، الطوسي في النهاية: 153.

(2) القاضي في شرح جمل العلم و العمل: 185، الحلبي في الكافي: 179، حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 218، الانتصار: 62، الغنية (الجوامع الفقهية):

571، المنتهى 2: 573.

(3) منهم صاحب الرياض 1: 309.

(4) الخلاف 2: 221 و نسبه فيه إلى الأكثر، الدروس 1: 274.

(5) المبسوط 1: 270.

(6) الانتصار: 62، الغنية (الجوامع الفقهية): 571.

(7) الكافي 4: 89- 10، التهذيب 4: 203- 585، الوسائل 10: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 2.

252

و الأخرى: «إنّ الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة يفطر الصائم» (1).

و الثالثة: «من كذب على اللّه و على رسوله و هو صائم نقض صومه و وضوءه إذا تعمّد» (2) و موثّقة سماعة: عن رجل كذب في رمضان، قال: «قد أفطر و عليه قضاؤه»، فقلت: و ما كذبته؟ قال: «يكذب على اللّه و على رسوله» (3).

و الأخرى: عن رجل كذب في شهر رمضان، قال: «قد أفطر و عليه قضاؤه و هو صائم يقضي صومه و وضوءه إذا تعمّد» (4).

و المروي في الخصال: «خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و رسوله و الأئمة» (5).

و الرضوي: «و اتّق في صومك خمسة أشياء تفطرك: الأكل، و الشرب و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة» (6)، و بمفاده آخر أيضا (7).

____________

(1) الفقيه 2: 67- 277، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 4.

(2) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى: 24- 14، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 7.

(3) التهذيب 4: 189- 536، الوسائل 10: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 1.

(4) التهذيب 4: 203- 586، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب ح 2 ح 3.

(5) الخصال 1: 286- 39، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 6.

(6) فقه الرضا «ع»: 207، مستدرك الوسائل 7: 321، أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

(7) فقه الرضا «ع»: 203، المستدرك 7: 322 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 1.