مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج10

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
576 /
403

ه: لو شهد أحدهما برؤية شعبان الاثنين مثلا و الآخر برؤية رمضان الأربعاء

، لم يقبل على الأظهر، لتغاير ما شهد به كلّ واحد مع الآخر، فلا يثبت شيء منهما، و لوجوب الاقتصار في إثبات أمر مخالف للأصل على موضع اليقين، و لا يعلم من الأخبار قبول مثل ذلك.

و في المدارك احتمل القبول، لاتّفاقهما في المعنى (1). و هو غير مفيد.

و: لا يكفي قول الشاهد: اليوم الصوم أو الفطر

، بل يجب على السامع الاستفصال، لاختلاف الأقوال، و إمكان الاستناد إلى أمر غير مقبول، و للأصل المذكور.

و في المدارك: نعم، لو علمت الموافقة أجزأ الإطلاق (2).

و فيه: أنّ الموافقة في القول لا تنفي الاشتباه في المستند. و بالجملة مقتضى الأصل: عدم القبول.

و لا يثبت الهلال بغير ما ذكر.

و ها هنا أمور أخر اعتمد إلى كلّ منها بعضهم:

منها: العدل الواحد

، فإنّه لا يقبل في ثبوت الهلال مطلقا على الحقّ المشهور، بل عن الخلاف و الغنية: الإجماع عليه (3)، للأصل، و الاستصحاب، و المستفيضة المصرّحة بأنّه لا يقبل في الهلال غير العدلين (4).

خلافا للديلمي، فقبله في هلال شهر رمضان بالنسبة إلى الصوم خاصّة دون غيره من أجل و مدّة (5)، للاحتياط.

____________

(1) المدارك 6: 170.

(2) المدارك 6: 170.

(3) الخلاف 2: 172، الغنية (الجوامع الفقهية): 570.

(4) انظر الوسائل 10: 286 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11.

(5) المراسم: 96.

404

و صحيحة محمّد بن قيس: «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين» الحديث (1).

و فحوى رواية داود بن الحصين: «و لا بأس بالصوم بشهادة النساء و لو امرأة واحدة» (2).

و رواية يونس بن يعقوب: قال له غلام: إنّي رأيت الهلال، قال:

«اذهب فأعلمهم» (3)، و بعض الروايات العامّية (4)، و الوجوه الاستحسانيّة.

و يردّ الأول: بأنّه على تقدير تسليمه ليس دليلا شرعيّا، مع أنّه إنّما يتمّ على القول بجواز صوم يوم الشكّ بنيّة رمضان، و أمّا على القول الأقرب فلا يمكن الاحتياط بصومه بنيّته، و نيّة شعبان ليس فيها عمل بشهادة الواحد، بل عدول عنها.

و الثاني أولا: بأنّه مخالف للمطلوب، لوروده بالقبول في أول شوّال.

و ثانيا: بأنّ لفظ العدل كما يطلق على الواحد يطلق على الزائد، لأنّه مصدر يصدق على القليل و الكثير، تقول: رجل عدل، و رجلان عدل، و رجال عدل.

و ثالثا: باختلاف النسخ، فبعضها كما ذكر، و آخر مكان «أو شهد عدل»: «و اشهدوا عليه عدولا»، و في ثالث مكانه: «أو يشهد عليه بيّنة عدل من المسلمين»، و على هذا فلا تكون حجّة.

____________

(1) الفقيه 2: 77- 337، التهذيب 4: 158- 440، الاستبصار 2: 64- 207، الوسائل 10: 264 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 11.

(2) التهذيب 4: 269- 726، الاستبصار 3: 30- 98، الوسائل 10: 291 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 15.

(3) التهذيب 4: 161- 453، الوسائل 10: 266 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 15.

(4) انظر سنن النسائي 4: 131، و سنن أبي داود 2: 302، و سنن الترمذي 2: 99.

405

و رابعا: بعدم الحجّية، لمخالفة الشهرة العظيمة، الموجبة لدخوله في حيّز الشذوذ.

و خامسا: بعدم معارضته للصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة.

و الثالث: بالأخيرين، مضافا إلى معارضته مع ما نصّ على عدم قبول شهادة النساء، و هو كثير، و عليه الإجماع عن الانتصار و الغنية (1). و إلى أنّ الديلمي لا يقبل الامرأة الواحدة، فالأصل عنده مردود، فكيف يبقى الفرع؟! و الرابع: بأنّه لا دلالة فيه على الإجزاء بشهادته، بل أمره بالشهادة، لجواز أن يكون رآه غيره أيضا.

و منها: الجدول

، و المراد منه: التقويم المتعارف، الموضوع لضبط بعض الأحوال المتعلّقة ببعض الكواكب في السنة، كما هو الظاهر.

أو جدول أهل الحساب المتضمّن لثبت شهر تامّا و شهر ناقصا سوى الكبيسة، كما صرّح به في الروضة (2).

أو جدول كان وضعه عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، و نسبه إلى الصادق (عليه السلام)، كما صرّح به في الغنية (3):.

و العدد، سواء كان بمعنى عدّ شعبان ناقصا و رمضان تامّا أبدا، أو عدّ شهر تامّا و آخر ناقصا مطلقا في جميع السنة مبتدأ من المحرّم، أو عدّ خمسة أيّام من هلال رمضان الماضي و جعل الخامس أول الحاضر، أو عدّ تسعة و خمسين من هلال رجب، أو عدّ كلّ شهر ثلاثين.

و التطوّق بظهور النور في جرمه مستديرا.

____________

(1) الانتصار: 62، الغنية (الجوامع الفقهية): 570.

(2) الروضة 2: 110.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 569.

406

و غيبوبة الهلال بعد الشفق.

و رؤية ظلّ الرأس في ظلّ القمر.

فإنّه لا عبرة بشيء منها في ثبوت أول الشهر على الحقّ المشهور بين قدماء أصحابنا (1)، و متأخريهم (2)، بل على نفي بعضها الإجماع، أو عدم الخلاف في بعض عبارات الأصحاب (3)، بل على عدم اعتبار كثير منها الإجماع المعلوم، فهو فيه الحجّة.

مضافا في الجميع إلى الأصل، و الاستصحاب، و مفهوم الشرط في المستفيضة، المصرّحة باشتراط الصوم و الفطر بالرؤية، كما في صحيحتي الحلبي (4) و محمّد (5)، و رواية عبد السلام (6)، و قوله في صحيحة البصري:

«لا تصم إلّا أن تراه» (7)، و التحذير في المستفيضة عن متابعة الشكّ و الظنّ في أمر الهلال، و شيء من المذكورات لا يتجاوز عن الظنّ.

و في خصوص الأول إلى صحيحة محمّد بن عيسى: ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان، فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علّة، فيفطر الناس و نفطر معهم، و يقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر و إفريقية و الأندلس، فهل يجوز- يا مولاي- ما قال الحسّاب في هذا

____________

(1) انظر المبسوط 1: 267.

(2) انظر القواعد 1: 69، و اللمعة (الروضة 2): 110، و المدارك 6: 175.

(3) كما في التنقيح الرائع 1: 376، و الذخيرة: 534، و الحدائق 13: 291.

(4) الكافي 4: 76- 1، الوسائل 10: 252 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 1.

(5) الفقيه 6: 76- 334، التهذيب 4: 156- 433، الاستبصار 2: 63- 203، الوسائل 10: 289 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 11.

(6) التهذيب 4: 164- 465، الوسائل 10: 257 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 20.

(7) التهذيب 4: 157- 439، الاستبصار 2: 64- 206، الوسائل 10: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 9.

407

الباب، حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا و فطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع (عليه السلام): «لا تصومنّ بالشكّ، أفطر لرؤيته و صم لرؤيته» (1)، بناء على أن يكون المراد: لا يحصل من قول الحسّاب سوى الشكّ، فلا تصومنّ به.

و يمكن أن يكون المعنى: أنّه لا يحصل من الرؤية في مصر و أخويه سوى الشكّ بالنسبة إلى بلدكم، فلا تصومنّ لأجله، و لا يدلّ على المطلوب حينئذ.

و قد يردّ ذلك أيضا بقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من صدّق كاهنا أو منجّما فهو كافر بما انزل على محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله)» (2).

و فيه: أنّ علم النجوم هو العلم بآثار حلول الكواكب في البروج و الدرجات و آثار مقارناتها و سائر أنظارها و نحوه. و التنجيم هو الحكم بمقتضى تلك الآثار. و بناء الجدول على حساب سير القمر و الشمس، و هو غير التنجيم، و يقال لأهله: الحسّاب، كما مرّ في الصحيحة المتقدّمة، و ليس هو إلّا مثل حساب حركة الشمس و الإخبار عن أوائل الشهور الروميّة و الفرسيّة، و ذلك ليس من التنجيم أصلا.

و في الثاني- بمعانيه الثلاثة الاولى- إلى المستفيضة من الصحاح و غيرها- بل المتواترة معنى- الدالّة على أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يزيد و ينقص، و قد يكون تسعة و عشرين يوما، كأخبار الحلبي (3)، و الشحّام (4)،

____________

(1) التهذيب 4: 159- 446، الوسائل 10: 297 أبواب أحكام شهر رمضان ب 15 ح 1.

(2) المعتبر 2: 688، الوسائل 10: 297 أبواب أحكام شهر رمضان ب 15 ح 2.

(3) التهذيب 4: 161- 455، الوسائل 10: 266 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 17.

(4) التهذيب 4: 155- 430، الاستبصار 2: 62- 200، الوسائل 10: 262 أبواب

أحكام شهر رمضان ب 5 ح 4.

408

و ابن سنان (1)، و أبي أحمد (2)، و الغنوي (3)، و عبد الأعلى (4)، و صبّار (5)، و هشام بن الحكم (6)، و الواسطي (7)، و جابر (8)، و إسحاق بن حريز (9)، و محمّد (10)، و قطر بن عبد الملك (11)، و الرضوي (12)، و الأحمر (13)،

____________

(1) التهذيب 4: 163- 459، الوسائل 10: 267 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 19.

(2) التهذيب 4: 163- 460، الوسائل 10: 267 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 20.

(3) التهذيب 4: 160- 449، الوسائل 10: 256 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 15.

(4) التهذيب 4: 164- 466، الوسائل 10: 258 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 24.

(5) التهذيب 4: 165- 468، الوسائل 10: 267 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 21.

(6) التهذيب 4: 158- 443، الوسائل 10: 265 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 13.

(7) التهذيب 4: 161- 454، الوسائل 10: 266 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 16.

(8) التهذيب 4: 162- 456، الوسائل 10: 267 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 18.

(9) التهذيب 4: 162- 458، الوسائل 10: 262 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 2، و فيه: عن إسحاق بن جرير.

(10) التهذيب 4: 155- 429، الاستبصار 2: 62- 199، الوسائل 10: 261 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 1.

(11) التهذيب 4: 166- 471، الوسائل 10: 268 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 23.

(12) فقه الرضا «ع»: 203، مستدرك الوسائل 7: 406 أبواب أحكام شهر رمضان ب 4 ح 2.

(13) التهذيب 4: 165- 470، الوسائل 10: 268 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 22.

409

و رفاعة (1)، و عبيد بن زرارة (2)، و حمّاد (3)، و يونس بن يعقوب (4)، و أبي بصير (5)، و محمّد بن الفضيل (6).

و بجميع معانيه إلى المخالفة للرؤية كثيرا، فإنّه قد تحقّقت الرؤية منافية لجميعها في كثير من الأوقات، إلّا أن يكون بناء المخالف على عدم الاعتبار بالرؤية أصلا، كما هو المصرّح به في عبارات بعض القدماء، الرادّ له، كالناصرية و الخلاف و التهذيب و الغنية (7).

و لكن صرّح في الحدائق: بأنّ الصدوق- مع تصلّبه و مبالغته في العدد- صرّح بوجوب الصيام للرؤية، و الإفطار للرؤية و عقد لذلك بابا (8).

و هو كذلك.

و في الثالث: إلى رواية أبي عليّ بن راشد: كتب إليّ أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا، و أرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و ذلك في

____________

(1) الاستبصار 2: 63- 202، الوسائل 10: 263 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 6.

(2) التهذيب 4: 157- 435، الوسائل 10: 264 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 10.

(3) التهذيب 4: 160- 452، الوسائل 10: 262 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 3.

(4) التهذيب 4: 160- 450، الوسائل 10: 265 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح

14.

(5) المقنعة: 269، الوسائل 10: 259 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 27.

(6) التهذيب 4: 166- 474، الوسائل 10: 263 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 7.

(7) الناصريات (الجوامع الفقهية): 206، الخلاف 2: 169، التهذيب 4: 154، الغنية (الجوامع الفقهية): 569.

(8) الحدائق 13: 279.

410

سنة اثنين و ثلاثين و مائتين، و كان يوم الأربعاء يوم شكّ و صام أهل بغداد يوم الخميس، و أخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس و لم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس و أنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قال: فكتب إليّ: «زادك اللّه توفيقا فقد صمت بصيامنا»، قال: ثمَّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبته به إليه، فقال لي: «أ و لم أكتب إليك إنّما صمت الخميس، و لا تصم إلّا للرؤية؟!» (1).

و التقريب: أنّه و إن كان ما كتبه إلى الإمام (عليه السلام) غير مصرّح به، إلّا أنّ ظاهر السياق يدلّ على أنّه كتب إليه بما ذكره من وقوع الشك في بغداد يوم الأربعاء، إلى آخر ما في الخبر.

ثمَّ مع قطع النظر عن معلوميّة ما كتب إليه و أنّ المنقول عنه ما هو، فإنّ أخباره في صدر الخبر بكونه (عليه السلام) كتب إليه كتابا أرّخه بالتاريخ المشعر بكون أربعاء من شهر شعبان- و كذا جوابه بقوله «صمت بصيامنا» و كان صيامه يوم الخميس، كما يدلّ عليه قوله: «أ و لم أكتب إليك إنّما صمت الخميس» مع إخبار الراوي بأنّ الهلال ليلة الخميس لم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل- ظاهر الدلالة على أنّ مغيب الهلال بعد الشفق لا يستلزم أن يكون لليلتين.

خلافا في الأول للمحكيّ في الخلاف عن شاذّ منّا (2)، و في المنتهى عن بعض الجمهور، لإيجابه الظن (3)، و قوله عزّ شأنه (وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (4)، و الرجوع إلى النجوم في القبلة.

____________

(1) التهذيب 4: 167- 475، الوسائل 10: 281 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 1.

(2) الخلاف 2: 169.

(3) المنتهى 2: 588.

(4) النحل: 16.

411

و ضعف الكلّ ظاهر.

و قيل: مع أنّ أهل الجدول لا يثبتون فيه أول الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخّر القمر عن محاذاة الشمس، مع اعترافهم بأنّه قد لا يمكن الرؤية (1).

و هو خطأ ناشئ عن عدم الاطّلاع عن طريقة الجداول، فإنّ فيها لا يثبت تأخّر القمر عن المحاذاة المذكورة، بل خروجه عن تحت الشعاع و كيفيّة بعده عنها و عرضه، ثمَّ بواسطتها يثبتون إمكان الرؤية، بل وقوعها.

و في الثاني للمحكيّ عن المفيد في بعض كتبه (2) و الصدوق في الفقيه (3)، و حكاه في المعتبر عن قوم من الحشويّة (4).

لقوله سبحانه (أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ) (5)، و قوله (وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) (6).

و الروايات الكثيرة الدالّة على تماميّة شهر رمضان أبدا خاصّة، أو عليها و على تماميّة شهر و نقصان شهر، كروايتي حذيفة بن منصور (7)، و الروايات الثلاث لمعاذ بن كثير (8)، و روايتي شعيب (9)، و رواية ابن

____________

(1) انظر الرياض 1: 319.

(2) حكاه عن لمح البرهان للمفيد في إقبال الأعمال: 5.

(3) الفقيه 2: 111.

(4) المعتبر 2: 688.

(5) البقرة: 184.

(6) البقرة: 185.

(7) التهذيب 4: 168- 479 و 481، الاستبصار 2: 65- 213 و 215، الوسائل 10: 269 و 270 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 26 و 29.

(8) التهذيب 4: 167- 477 و 478 و 480، الاستبصار 2: 65- 211 و 212، 214، الوسائل 10: 268 و 269 و 270 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 24 و 25 و 28.

(9) التهذيب 4: 171- 483 و 484، الاستبصار 2: 67- 216، 217، الوسائل 10: 271 و 272 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 32 و 33.

412

عمّار (1)، و مراسيل محمّد بن إسماعيل (2) و أبي بصير (3) و ياسر الخادم (4).

و ضعف دلالة الأولين ظاهر.

و أمّا الروايات، و هي و إن كانت مخالفة للعامّة- كما صرّح به في الفقيه (5)، و هي من المرجّحات- إلّا أنّها مخالفة للظواهر و العمومات القرآنية- كما في الوافي (6)- و هي من الموهنات، و مع ذلك فهي شاذّة- كما صرّح به في الخلاف و الغنية (7)، و يستفاد من الناصريّات و المعتبر (8)- و مخالفة للشهرة القديمة و الجديدة، بل الإجماع المحقّق، فهي خارجة عن حيّز الحجية مطروحة بالكلية.

هذا، مع أنّه على ما صرّح به في الحدائق لا يظهر لهذا الخلاف كثير ثمرة، لأنّه نقل عن الصدوق- الذي هو أهل ذلك القول، إذ لم يثبت من غيره- أنّه أوجب الصوم للرؤية و الفطر لها، و مع تغيّم ليلة الثلاثين من شعبان قال باستحباب صومه من شعبان و إجزائه عن رمضان لو ظهر أنّه منه (9).

____________

(1) التهذيب 4: 176- 487، الاستبصار 2: 72- 220، الوسائل 10: 271 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 31.

(2) الكافي 4: 78- 2، التهذيب 4: 172- 485، الاستبصار 2: 62- 218، الوسائل 10: 272 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 34.

(3) الفقيه 2: 111- 473، الخصال: 531- 7، الوسائل 5: 273 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 35.

(4) الفقيه 2: 111- 474، الخصال: 530- 5، الوسائل 10: 273 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 36.

(5) الفقيه 2: 111.

(6) الوافي 11: 146.

(7) الخلاف 2: 169، الغنية (الجوامع الفقهية): 569.

(8) الناصريات (الجوامع الفقهية): 206، المعتبر 2: 688.

(9) الحدائق 13: 279.

413

ثمَّ إن كان خلافهما مختصّا بشهري شعبان و رمضان- أي يقولان بالنقصان و التمام الأبديّين فيهما خاصّتين- يكونان مخالفين في العدد بالمعنى الأول خاصّة، و إن كانا يقولان بالعدد بالمعنى الثاني- كما هو الظاهر، و يدلّ عليه كثير من أخبارهما المتقدّمة- فيكونان مخالفين في العدد بجميع معانيه، إذ المعنى الثاني منه يستلزم جميع معانيه و إن لم يكن بالعكس كما لا يخفى، و يكون لهما موافق من الأصحاب في الجملة أيضا.

فإنّه ذهب في المراسم و الإرشاد و القواعد بالبناء على العدد إذا غمّت الشهور أجمع من غير تفسير (1). و لكن الظاهر أنّ مرادهما عدّ الخمسة الآتية.

و في تمهيد القواعد بالبناء على عدّ شهر تامّا و شهر ناقصا، أو عدّ خمسة من هلال رمضان السنة الماضية حينئذ (2).

و في المبسوط و المختلف و التحرير و المنتهى و التذكرة بالبناء على عدّ الخمسة حينئذ (3).

و الإسكافي بنى على عدّ الخمسة في غير السنة الكبيسة و الستّة فيها حينئذ كما قيل (4). أو مطلقا، كما عن التنقيح (5) و غيره (6).

و العماني بنى على عدّ تسعة و خمسين من رجب (7).

____________

(1) المراسم: 96، الإرشاد 1: 303، القواعد 1: 69.

(2) تمهيد القواعد (الذكرى): 44.

(3) المبسوط 1: 268، المختلف: 236، التحرير 1: 82، المنتهى 2: 592، التذكرة 1: 271.

(4) في المختلف: 236.

(5) التنقيح 1: 377.

(6) كالمعتبر 2: 688، و الجامع للشرائع: 154.

(7) حكاه عنه في المختلف: 236.

414

و يستدل لعدّ الخمسة مطلقا بالمستفيضة، كرواية الزعفراني: إنّ السماء تطبق علينا بالعراق اليومين و الثلاثة فأيّ يوم نصوم؟ قال: «أفطر اليوم الذي صمت من السنة الماضية و صم يوم الخامس» (1)، و قريبة منها روايته الأخرى (2).

و رواية الخدري: «صم في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول» (3)، و قريبة منها مرسلة الفقيه (4)، و المرويّ في الإقبال عن عاصم بن حميد (5)، و كذا الرضوي (6).

و لعدّها في غير السنة الكبيسة برواية السيّاري: عمّا روي من الحساب في الصوم عن آبائك في عدّ خمسة أيّام بين أول السنة الماضية و السنة الثانية التي تأتي؟ فكتب: «صحيح، و لكن عدّ في كلّ أربع سنين خمسا، و في السنة الخامسة ستّا فيما بين الاولى و الحادث، و فيما سوى ذلك فإنّما هو خمسة خمسة»، قال السيّاري: و هذه من جهة الكبيسة، الحديث (7).

مضافا إلى موافقته للعادة، كما صرّح به جماعة (8)، قال القزويني في

____________

(1) الكافي 4: 80- 1، التهذيب 4: 179- 496، الاستبصار 2: 76- 230، المقنع: 59، الوسائل 10: 283 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 3، بتفاوت.

(2) الكافي 4: 81- 4، التهذيب 4: 179- 497، الاستبصار 2: 76- 231، الوسائل 10: 283 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 3.

(3) الكافي 4: 81- 2، الوسائل 10: 283 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 1.

(4) الفقيه 2: 78- 345، الوسائل 10: 284 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 4.

(5) الإقبال: 15، الوسائل 10: 285 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 8.

(6) فقه الرضا «ع»: 209، مستدرك الوسائل 7: 416 أبواب أحكام شهر رمضان ب 7 ح 2.

(7) الكافي 4: 81- 3، الوسائل 10: 283 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 2.

(8) انظر التذكرة 1: 271، و الإيضاح 1: 250.

415

عجائب المخلوقات: و قد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا.

و لعدّ تسعة و خمسين بمرفوعة إلى أبي خالد: «إذا صحّ هلال رجب فعدّ تسعة و خمسين يوما و صم يوم الستّين» (1).

و تضعّف الروايات بأجمعها بمعارضتها مع ما مرّ من الأخبار المشترطة للصوم و الفطر بالرؤية (2)، و الدالّة على أنّه مع الغيم يعدّ الشهر السابق ثلاثين، كموثقتي البصري (3) و ابن عمّار: سألته عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال: «لا تصم إلّا أن تراه» الحديث (4).

و رواية محمّد بن قيس، و فيها: «و إن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة ثمَّ أفطروا» (5).

و موثّقة إسحاق، و فيها: «فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين» (6).

مضافا إلى أنّ في شيء منها ليس التقييد بتغيّم الشهور كلّه، و التقييد للجمع فرع الشاهد.

و أمّا موافقة العادة، ففيها: أنّها إن كانت مفيدة للمظنّة فما وجه حجّيتها؟! و إن كانت مفيدة للقطع فما وجه التخصيص بصورة التغيّم؟! بل يجب العمل بها مع الصحو أيضا و هم لا يقولون به.

____________

(1) انظر الوسائل 10: 285 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 7.

(2) الوسائل 10: 252 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3.

(3) المتقدمة في ص: 406.

(4) التهذيب 4: 178- 493، الاستبصار 2: 73- 224، الوسائل 10: 278 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 3.

(5) الفقيه 2: 77- 337، التهذيب 4: 158- 440، الاستبصار 2: 64- 207، الوسائل 10: 264 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 11.

(6) التهذيب 4: 158- 441، الاستبصار 2: 64- 208، الوسائل 10: 255 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 11.

416

مضافا إلى أنّ المسلّم من العادة لو كانت إنّما هي عدم تماميّة جميع شهور السنة، و أمّا كون شهر تامّا و شهر ناقصا- حتى يقع أول المستقبل مضيّ الخمس من الماضي- فلم تثبت فيه عادة أصلا، بل يمكن أن يكون الرابع أو الثالث.

فإن قيل: العادة المقطوعة بها و إن لم تكن حاصلة بالنسبة إلى عدد الخمسة، إلّا أنّا نعلم قطعا عاديّا أنّ جميع شهور السنة لا تكون تامّة، فمع تغيّم الشهور كلّها يعلم قطعا أنّ عدّ الكل ثلاثين مخالف للواقع، فكيف يعدّ كذلك؟! قلنا: هذا إنّما يرد لو كان العمل بالثلاثين للأصل و الاستصحاب، فإنّهما لا يجريان مع القطع المذكور، و أمّا لو كان لأجل الروايات فلا يرد ذلك، لأنّ مدلولها أنّ الشهر حينئذ ثلاثين، سواء كان الهلال قبله في الواقع أو لا، فيكون اعتبار الهلال مع إمكان رؤيته، و بدونه يكون الاعتبار بالثلاثين، و إن أمر بالقضاء لو ظهر الخطأ قبله فإنّه إنّما هو للأمر الجديد.

و خلافا في الثالث للمحكيّ عن ظاهر الفقيه (1).

و في الرابع له (2) و للمحكيّ عن المقنع (3)، و مال إليه في الذخيرة و نسبه إلى ظاهر بعض المتأخّرين، فجعلوه فيهما لليلتين (4).

و في الخامس للمقنع و رسالة والد الصدوق، فجعلاه لثلاث ليال (5).

كلّ ذلك لدليل الاعتبار و الأخبار، كصحيحة مرازم: «إذا تطوّق الهلال

____________

(1) الفقيه 2: 80.

(2) الفقيه 2: 78.

(3) المقنع: 58.

(4) الذخيرة: 533.

(5) المقنع: 58، نقله عن والد الصدوق في المختلف: 235.

417

فهو الليلتين، و إذا رأيت ظلّ نفسك فيه فهو لثلاث ليال» (1).

و رواية الصلت: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين» (2)، و نحوها رواية إسماعيل بن الحرّ (3).

و الرضوي: «و قد روي: إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين، و إذا رأيت ظلّ رأسك فهو لثلاث ليال» (4).

و أجيب عنها- مضافا إلى مخالفتها للشهرة العظيمة الموجبة للشذوذ المخرج عن الحجّيّة-: بأنّها لا تعارض ما مرّ من تعلّق الفطر و الصوم على الرؤية و بدونها على عدّ الثلاثين فيهما، إذ لا [منافاة] (5) بين كون الهلال في الواقع و ترتّب الصوم و الفطر على غيره.

و غاية ما يدلّ عليه الاعتبار و هذه الأخبار: أنّ هذه الأحوال تدلّ على أنّ الليلة السابقة كانت ذات هلال و أول الشهر، و ذلك لا ينافي ما دلّ على عدم وجوب الصوم أو الفطر، إذ يمكن أن يكونان مترتّبين على رؤية الهلال الصائم و المفطر بنفسه أو شهوده، لا تحقّق الهلال.

مع أنّه على فرض المعارضة لا يقاوم ما مرّ، فيرجع إلى الأصل.

و يضعف الأول: بأنّ الأخبار و إن كانت كذلك، و لكن الاعتبار ممّا

____________

(1) الكافي 4: 78- 11، الفقيه 2: 78- 342، التهذيب 4: 178- 495، الاستبصار 2: 75- 229، الوسائل 10: 281 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 2، و في الجميع: ظل رأسك.

(2) الكافي 4: 77- 7، الوسائل 10: 282 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 3.

(3) الفقيه 2: 78- 343، التهذيب 4: 178- 494، الاستبصار 2: 75- 228، الوسائل 10: 282 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 3.

(4) فقه الرضا «ع»: 209، مستدرك الوسائل 7: 415 أبواب أحكام شهر رمضان ب 6 ح 1.

(5) في النسخ: لا ملازمة، و لعل الصحيح ما أثبتناه.

418

لا يقبل الإنكار، و ترانا و يحصل لنا القطع بتقدّم أول الشهر مع واحد من تلك الحالات، سيّما التطوّق و رؤية الظلّ.

و الثاني: بأنّه لو سلّم ما ذكر لم يفد في عدّ الثلاثين، لأنّه إذا كان حينئذ الليلة الثانية أو الثالثة يجب البناء عليه في عدّ الثلاثين من أول الشهر، و يتمّ الكلام بعدم القول بالفصل.

و الثالث: بمنع عدم التقاوم، سيّما مع التعارض بالعموم المطلق، الموجب لتقديم الخاصّ.

و الإنصاف: أنّا لو رفعنا اليد عن الأخبار- للشذوذ- فلا يمكن ترك المعلوم بالاعتبار، سيّما بالنسبة إلى الأمرين.

إلّا أن يقال: إنّه إذا قطع النظر عن الأخبار لا يحصل من الاعتبار إلّا وجود الهلال في الليلة السابقة، أمّا كونها أول الشهر شرعا و كون تلك الليلة ثانيتها أو ثالثتها فلا دليل عليه، بل تردّه الأخبار المعارضة لتلك الأخبار، و لا يشهد الاعتبار بالأمور الشرعيّة.

فإذن الأظهر عدم اعتبار تلك الأمور في تعيين مبدأ الشهر الشرعي.

و ها هنا مسائل:

المسألة الأولى:

هل يجب قبول حكم الحاكم في ثبوت الهلال، أم لا؟

و هو إمّا يكون بحكمه بعد ثبوته عنده بشاهدين أو الشياع، أو بعد رؤيته بنفسه.

فعلى الأول، ففي الحدائق: أنّ ظاهر الأصحاب وجوب القبول، و نقل عن بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين: العدم، و مال هو إليه أيضا (1).

دليل الأول: الأخبار الدالّة بعمومها أو إطلاقها على وجوب الرجوع

____________

(1) الحدائق 13: 259.

419

إلى حكم الفقيه (1).

و قوله (عليه السلام) في مقبولة ابن حنظلة: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم اللّه و علينا ردّه» (2).

و التوقيع الرفيع: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه أحاديثنا» (3).

و خصوص صحيحة محمّد بن قيس: «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بالإفطار» (4).

و يرد على الأول: أنّ كلّها واردة فيما يتعلّق بالدعاوي و القضاء بين الخصوم و الفتوى في الأحكام الشرعيّة، و وجوب القبول فيها ممّا لا نزاع فيه.

و كذا المقبولة، مع أنّ صدق قوله: «حكمنا» على مثل ثبوت الهلال و رؤيته محل الكلام.

و أمّا التوقيع، فالمتبادر منه الرجوع إلى رواه الأحاديث لأجل رواية الحديث، مع أنّ الثابت منه وجوب الرجوع إليهم و هو مسلّم، و الكلام فيما يحكم به الفقيه حينئذ، فإنّه لا شكّ في أنّه إذا ثبت عند الفقيه الهلال و أفتى بوجوب قبول قوله فيه أيضا- لكون فتواه كذلك- يجب القبول، و إنّما الكلام في ما يفتي به. و لا يدلّ الرجوع إليهم أنّهم إذا قالوا: ثبت عندنا الهلال، يجب الصوم أو الفطر، بل هذا أيضا واقعة حادثة، فيجب الرجوع

____________

(1) الوسائل 27: 136 أبواب صفات القاضي ب 11.

(2) الكافي 7: 412- 5، التهذيب 6: 218- 514، الوسائل 27: 136 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

(3) الاحتجاج 2: 470، كمال الدين: 484- 4، الوسائل 27: 140 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

(4) الكافي 4: 169- 1، الفقيه 2: 109- 267، الوسائل 10: 275 أبواب أحكام شهر رمضان ب 6 ح 1.

420

فيها بأن يسأل عنه: إذا ثبت عندك فما حكمنا؟

و أمّا الصحيحة، فهي واردة في حقّ الإمام، و هو الظاهر في إمام الأصل، و أصالة ثبوت كلّ حكم ثبت له لنائبه العامّ أيضا غير معلومة بدليل (1).

و دليل الثاني- و هو الأقوى-: الأصل، و الأخبار المعلّقة للصوم و الفطر على الرؤية أو مضي الثلاثين، و الناهية عن اتّباع الشكّ و الظنّ في أمر الهلال، و قول الحاكم لا يفيد أزيد من الظنّ.

و على الثاني، فعن الدروس و الذخيرة (2) و غيرهما (3) أيضا الأول، لبعض ما مرّ. و الأقوى فيه أيضا الثاني، لما ذكر.

المسألة الثانية:

إذا رؤي الهلال في أحد البلدين المتقاربين ثبت حكمه لأهل البلد الآخر أيضا إجماعا، و لقوله (عليه السلام) في موثّقة البصري: «فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه» (4).

و في صحيحة هشام: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤية قضي يوما» (5).

و إن كان البلدان متباعدين، فقال جماعة: لم يثبت حكم بلد الآخر (6).

____________

(1) ليست في «س».

(2) الدروس 1: 286، الذخيرة: 531.

(3) كما في الكفاية: 52.

(4) التهذيب 4: 157- 439، الاستبصار 2: 64- 206، الوسائل 10: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 9، و قد عبّر الماتن عن هذه الموثقة بالصحيحة في ص 479 فلاحظ.

(5) التهذيب 4: 158- 443، الوسائل 10: 265 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 13.

(6) كما في المعتبر 2: 689، و الإرشاد 1: 303، و المسالك 1: 76، و المفاتيح 1: 257.

421

و حكى في التذكرة عن بعض علمائنا قولا بأنّ حكم البلاد كلّها واحد (1)، و إلى هذا القول ذهب في المنتهى في أول كلامه (2).

أقول: تحقيق المقام في ذلك المرام: أنّه ممّا لا ريب فيه أنّه يمكن أن يرى الهلال في بعض البلاد و لا يرى في بعض آخر مع الفحص، و اختلاف البلدين في الرؤية إمّا يكون للاختلاف في الأوضاع الهوائيّة أو الأرضيّة- كالغيم و الصحو و صفاء الهواء و كدرته و غلظة الأبخرة و رقّتها و تسطيح الأرض و تضريسها و نحو ذلك- أو للاختلاف في الأوضاع السماويّة، و ذلك إمّا يكون لأجل الاختلاف في عرض البلد أو طوله.

أمّا اختلاف الرؤية لأجل الاختلاف في العرض فيمكن من وجهين: أحدهما: أنّ كلّ بلد يكون عرضه أكثر فتكون دائرة مدار حركة النيّرين فيه في الأغلب أبعد من الاستواء، و يكون اضطجاعها إلى الأفق أكثر، و لأجله يكون الهلال عند الغروب إلى الأفق أقرب، و لذلك يكون قربه إلى الأغبرة المجتمعة في حوال الأفق أكثر، فتكون رؤيته أصعب، و لكن ذلك لا يختلف إلّا باختلاف كثير في العرض.

و ثانيهما: من الوجه الذي سيظهر ممّا يذكر.

و أمّا الاختلاف لأجل الاختلاف في الطول فهو لأجل أنّ كلّ بلد طوله أكثر و عن جزائر الخالدات- التي هي مبدأ الطول على الأشهر- أبعد يغرب النيّران فيه قبل غروبهما في البلد الذي طوله أقلّ.

و على هذا، فلو كان زمان التفاوت بين المغربين معتدّا به يتحرّك فيه القمر بحركته الخاصّة قدرا معتدا به و يبعد عن الشمس، فيمكن أن يكون

____________

(1) التذكرة 1: 269.

(2) المنتهى 2: 592.

422

القمر وقت غروب الشمس في البلد الأكثر طولا بحيث لا يمكن رؤيته، لعدم خروجه عن الشعاع، و يبعد عن الشمس فيما بين المغربين بحيث يمكن رؤيته في البلد الأقل طولا.

مثلا: إذا كان طول البلد مائة و عشرين درجة و طول بلد آخر خمس و أربعين درجة، فيكون التفاوت بين الطولين خمس و سبعين درجة، و إذا غربت الشمس في الأول لا بدّ أن يسير الخمس و السبعين درجة بالحركة المعدليّة حتى تغرب في البلد الثاني، و يقطع الخمس و السبعين درجة في خمس ساعات، و في هذه الخمس يقطع القمر بحركته درجتين، و قد يقطع درجتين و نصف، بل قد يقطع ثلاث درجات تقريبا.

و على هذا، فربّما يكون القمر وقت المغرب في البلد الأول تحت الشعاع، و يخرج عنه في البلد الثاني، أو يكون في الأول قريبا من الشمس فلا يرى لأجله، و في الثاني يرى لبعده عنها، و لمثل ذلك يمكن أن يصير الاختلاف في العرض أيضا سببا لاختلاف الرؤية في البلدين، لأنّه أيضا قد يوجب الاختلاف في وقت الغروب و إن لم يختلفا في الطول، فإنّه لو كان العرض الشمالي لبلد أربعين درجة يكون نهاره الأطول خمس عشرة ساعة تقريبا، و يكون في ذلك اليوم- الذي يكون الشمس في أول السرطان- النهار الأقصر للبلد الذي عرضه الجنوبي كذلك، و يكون يومه تسع ساعات تقريبا، و يكون التفاوت بين اليومين ستّ ساعات، ثلاث منها لتفاوت المغرب، و يقطع القمر في هذه الثلاث درجة و نصفا تقريبا، و قد يقطع درجتين، و تختلف رؤيته بهذا القدر من البعد عن الشمس.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه قد دلّت الأخبار على أنّه إذا ثبتت الرؤية في

423

بلد يثبت حكمها للبلد الآخر أيضا بقول مطلق (1)، و مقتضاها اتّحاد حكم البلدين في الرؤية، و ذلك- فيما إذا كان السبب في عدم الرؤية في البلد الآخر الموانع الخارجيّة الهوائيّة أو الأرضيّة بحيث علم أنّه لو لا المانع لرؤي في ذلك البلد أيضا- إجماعي، و ذلك يكون في البلدين المتقاربين، إذ نقطع بعدم حصول الاختلاف الموجب لاختلاف الرؤية بسبب الأوضاع السماويّة في البلاد المتقاربة. و كذا إذا كان الاختلاف في الرؤية لأجل الاختلاف في العرض بالوجه الأول، لأنّه أيضا راجع إلى وجود المانع الخارجي.

و إن كان السبب في عدم الرؤية الاختلاف في الطول أو العرض بالوجه الثاني ففيه الخلاف، إذ لا يعلم من الرؤية في أحد البلدين وجود الهلال في الآخر أيضا- أي خروجه عن الشعاع وقت المغرب- فلا تكفي الرؤية في أحدهما عن الرؤية في الآخر.

و قد يتعارض الاختلاف العرضي مع الطولي، كما إذا كان نهار بلد أقصر من الآخر، و لكن كان طول الأول أقلّ بحيث يتّحد وقتا مغربهما أو يتقاربان [1]، و يكون ظهور تفاوت النهارين في الشرق، بل قد يتأخّر المغرب في الأقصر نهارا.

و ممّا ذكر يعلم أنّ محلّ الخلاف إنّما هو في البلدين اللذين يختلفان في الطول تفاوتا فاحشا، أي بقدر يسير القمر في زمن التفاوت بحركته الخاصّة درجة أو نصف درجة، و نصف الدرجة يحصل في خمس عشرة درجة تقريبا من الاختلاف الطولي.

____________

[1] في «س»: يتقارنان، و في «ح»: يتفاوتان.

____________

(1) الوسائل 10: 292 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12.

424

أو يختلفان في العرض تفاوتا فاحشا، بحيث يكون تفاوت مغربيهما بقدر يسير القمر فيه بحركته الخاصّة الدرجة أو نصفها، و هو أيضا يكون إذا اختلف نهار البلدين بقدر ثلاث ساعات أو ساعتين لا أقلّ، ليكون تفاوتهما المغربي نصف ذلك، حتى يسير القمر سيرا معتدّا به فيه.

و قد يتعارض الاختلافان الطولي و العرضي، و الخبير بعلم هيئة الأفلاك يقدر على استنباط جميع الشقوق، و استنباط أنّ الرؤية في أي من البلدين- المختلفين طولا أو عرضا بالقدر المذكور- توجب ثبوتها في الآخر، و لا عكس.

فالخلاف يكون في الرؤية في بغداد لبلدة قشمير، لتقارب عرضهما، و أقلّيّة طول بغداد بخمس و عشرين درجة تقريبا.

و في الرؤية بمصر لبغداد، إذ مع التفاوت العرضي قليلا يكون طول مصر أقلّ بسبع عشرة درجة. و كذا الطوس، لزيادة طوله بثلاثين درجة تقريبا.

و في الرؤية في صنعاء يمن لبغداد و مدائن، إذ مع تقارب الطول يختلفان عرضا بتسع عشرة درجة تقريبا.

و في أصفهان لبلدة لهاور، لاختلافهما في الطول باثنين و ثلاثين درجة تقريبا. بل في بغداد لطوس، لتفاوت طوليهما اثنتي عشرة درجة تقريبا.

ثمَّ الحقّ- الذي لا محيص عنه عند الخبير-: كفاية الرؤية في أحد البلدين للبلد الآخر مطلقا، سواء كان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيرا، لأنّ اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرين لا يحصل العلم بهما البتّة:

أحدهما: أن يعلم أنّ مبنى الصوم و الفطر على وجود الهلال في البلد بخصوصه، و لا يكفي وجوده في بلد آخر و إن حكم الشارع بالقضاء بعد

425

ثبوت الرؤية في بلد آخر لدلالته على وجوده في هذا البلد أيضا، و هذا ممّا لا سبيل إليه، لم لا يجوز أن يكفي وجوده في بلد لسائر البلدان أيضا مطلقا؟! و ثانيهما: أن يعلم أنّ البلدين مختلفان في الرؤية البتّة، أي يكون الهلال في أحدهما دون الآخر، و ذلك أيضا غير معلوم، إذ لا يحصل من الاختلاف الطولي أو العرضي إلّا جواز الرؤية و وجود الهلال في أحدهما دون الآخر، و أمّا كونه كذلك البتّة فلا، إذ لعلّه خرج القمر عن تحت الشعاع قبل مغربيهما و إن كان في أحدهما أبعد من الشعاع من الآخر.

و العلم بحال القمر- و أنّه في ذلك الشهر بحيث لا يخرج عن تحت الشعاع في هذا البلد عند مغربه و يخرج في البلد الآخر- غير ممكن الحصول و إن أمكن الظنّ به، لابتنائه على العلم بقدر طول البلدين و عرضهما، و قدر بعد القمر عن الشمس في كلّ من المغربين، و وقت خروجه عن تحت الشعاع فيهما، و القدر الموجب (1) من البعد عن الشعاع.

و لا سبيل إلى معرفة شيء من ذلك إلّا بقول هيوي واحد أو متعدّد راجع إلى قول راصد أو راصدين يمكن خطأ الجميع غالبا.

و بدون حصول العلم بهذين الأمرين لا وجه لرفع اليد عن إطلاق الأخبار أو عمومها.

فإن قيل: المطلقات إنّما تنصرف إلى الأفراد الشائعة، و ثبوت هلال أحد البلدين المتباعدين كثيرا في الآخر نادر جدّا.

قلنا: لا أعرف وجها لندرته، و إنّما هي تكون لو انحصر الأمر في الثبوت في الشهر الواحد، و لكنّه يفيد بعد الشهرين و أكثر أيضا. و ثبوت

____________

(1) في «ح» زيادة: للرؤية ..

426

الرؤية بمصر في ببغداد أو بغداد لطوس أو للشام في أصفهان و نحو ذلك بعد شهرين أو أكثر ليس بنادر، لتردّد القوافل العظيمة فيها كثيرا.

المسألة الثالثة:

إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية على الأقرب، وفاقا للناصريّات، مدّعيا عليه إجماع الفرقة المحقّة و نفي الخلاف فيه بين الصحابة، بل ظاهره إجماعهم عليه (1)، و هو المحكيّ عن المقنع و الفقيه (2)، و إليه ذهب جملة من متأخّري المتأخّرين، كصاحب الذخيرة و المحدّث الكاشاني (3)، و غيرهما (4)، و هو مختار المختلف (5)، و لكن في الصوم خاصّة.

للنصوص المستفيضة، كحسنة حمّاد بإبراهيم: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، و إذا رأوه بعد الزوال فهو للّيلة المستقبلة» (6).

و موثّقة عبيد و ابن بكير: «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوّال، و إذا رؤي بعد الزوال فهو من شهر رمضان» (7).

و رواية العبيدي- على نسخ التهذيب-: ربّما غمّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال و ربّما رأيناه بعد الزوال، فترى أن

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 206

(2) المقنع: 59، الفقيه 2: 79.

(3) الذخيرة: 533، الكاشاني في المفاتيح 1: 257، و انظر الوافي 11: 148.

(4) نسبه في الحدائق 13: 284 إلى ظاهر الشيخ حسن في المنتقى 2: 482، و نقله عن خاله في مشارق الشموس: 466.

(5) المختلف: 235.

(6) الكافي 4: 78- 10، التهذيب 4: 176- 488، الاستبصار 2: 73- 225، الوسائل 10: 280 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 6.

(7) التهذيب 4: 176- 489، الاستبصار 2: 74- 226، الوسائل 10: 279 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 5.

427

نفطر قبل الزوال إذا رأيناه، و كيف تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): «تتمّ إلى الليل، فإنّه إن كان تامّا رؤي قبل الزوال» (1).

و المرويّ في الناصريات عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنّه قال: «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية» (2).

و موثّقة إسحاق في هلال رمضان: «و إذا رأيته وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل» (3).

و مفهوم الشرط في صحيحة محمّد بن قيس في هلال شوّال: «و إن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل» (4).

خلافا للمحكيّ مستفيضا عن الأكثر، بل عن الغنية: الإجماع عليه (5)، و عن الخلاف: إجماع الصحابة عليه (6)، للأصل، و الاستصحاب.

و لإطلاق ما دلّ على أنّ الصوم للرؤية و الفطر للرؤية، حيث إنّ المتبادر من الرؤية: الرؤية الليلة دون النهارية، مع أنّه على فرض الإطلاق و تسليمه لا يصدق ذلك أول النهار قبل الرؤية، فالصوم فيه أو الإفطار يكون لا للرؤية.

و رواية المدائني: «من رأى هلال شوّال بنهار في رمضان فليتمّ صومه» (7).

____________

(1) التهذيب 4: 177- 490، الاستبصار 2: 73- 221، الوسائل 10: 279 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 4.

(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 206.

(3) التهذيب 4: 178- 493، الاستبصار 2: 73- 224، الوسائل 10: 278 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 3.

(4) الفقيه 2: 77- 337، التهذيب 4: 158- 440، الاستبصار 2: 64- 207، الوسائل 10: 278 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 1.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 570.

(6) الخلاف 2: 172.

(7) التهذيب 4: 178- 492، الاستبصار 2: 73- 223، الوسائل 10: 278 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 2.

428

و منطوق صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة.

و رواية العبيدي- على نسخة الاستبصار- فإنّها فيها كذلك: و ربّما غمّ علينا الهلال في شهر رمضان (1).

و أجابوا (2) عن الأخبار المتقدّمة تارة بالشذوذ.

و اخرى بالمخالفة لظواهر القرآن و الأخبار المتواترة، و معارضة المرويّ في الناصريّات للمرويّ في الخلاف (3)، فإنّ فيه روى خلافه بعينه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و معارضة الإجماع المنقول للأول لمثله للثاني، مع مرجوحيّة الأول بظهور المخالف جدّا.

أقول: أمّا الشذوذ فغير مسلّم بعد ذهاب مثل الصدوق و السيّد و دعواه الإجماع الكاشف عن فتوى جماعة- لا أقلّ- به، و تفصيل المختلف، و تردّد جماعة كثيرة، كالمحقّق في المعتبر و النافع و الأردبيلي و المدارك (4)، و ذهاب جمع من المتأخّرين إلى خلافه (5)، غاية الأمر مخالفة الشهرة في الجملة، و هي غير الشذوذ المخرج عن الحجّية.

و بالجملة: دعوى الشذوذ- مع ادّعاء الإجماع من مثل السيّد، و لو كان له معارض- من الغرائب.

و أمّا المخالفة لظواهر القرآن- إلى آخره- فلا وجه لها، قال في الوافي: و ليت شعري ما موضع دلالة خلاف مقتضي الخبرين في القرآن

____________

(1) الاستبصار 2: 73- 221، الوسائل 10: 279 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 4.

(2) كالشيخ في التهذيب 4: 177، و الاستبصار 2: 74، و القمّي في غنائم الأيام:

451، و الخوانساري في مشارق الشموس: 468.

(3) الخلاف 2: 172.

(4) المعتبر 2: 689، النافع: 69، الأردبيلي في مجمع الفائدة 5: 302، المدارك 6: 181.

(5) راجع ص: 426 رقم: 4.

429

و الأخبار المتواترة؟! و ليس في القرآن و الأخبار إلّا أنّ الاعتبار في تحقّق دخول الشهر إنّما هو بالرؤية أو مضيّ ثلاثين، و أمّا أنّ الرؤية المعتبرة فيه متى تتحقّق و كيف تتحقّق فإنما يتبيّن بمثل هذه الأخبار ليس إلّا (1). انتهى هذا، مع ما في أدلّة ذلك القول من الوهن.

أمّا الأصل و الاستصحاب، فلاندفاعهما بما مرّ.

و أمّا الإطلاقات، فلمنع تبادر الرؤية الليليّة بحيث يوجب الحمل عليها، بل يعمّ الرؤيتين، و لذلك استدلّ به جماعة للقول الأول، و القائلون به لا يقولون أنّ أول النهار ينوي الصوم أو الفطر.

و أمّا رواية المدائني، فلكونها أعمّ مطلقا ممّا مرّ، فيجب التخصيص بما بعد الزوال.

و هو الجواب عن المنطوق، مع أنّه صرّح بعضهم: بأنّ إيراد لفظة «من» في قوله: «من وسط النهار» و ذكر الآخر قرينتان على ذلك الاختصاص (2).

و أمّا رواية العبيدي، فلا حجّية فيها بعد اختلاف النسخ و لو سلّم رجحان ما لهذه النسخة، لأنّه ليس بحيث يعيّنها البتة.

هذا كلّه، مع أنّه على فرض تساوي أدلّة الطرفين يجب ترجيح الأول، لمخالفته العامّة، كما صرّح به جماعة (3)، و هي من المرجّحات المنصوصة.

و دعوى مخالفة الثاني أيضا لنادر منهم- حيث إنّ في الناصريّات حكى الأول عن عمر و ابن عمر و أنس- مردودة بأن في الخلاف حكى الثاني عنهما بعينه، فلا تعلم مخالفة و لا موافقة، و يبقى الأول مخالفا لما

____________

(1) الوافي 11: 150.

(2) انظر الوافي 11: 122.

(3) منهم العلّامة في المنتهى 2: 592، و صاحب الحدائق 13: 290، و الخوانساري في مشارق الشموس: 468.

430

عليه جمهور العامّة، فيجب الأخذ به كما ورد عن الأئمّة (1).

و أمّا التفصيل المختار في المختلف فلم أعثر على دليل له، سوى الاحتياط في الصوم، الذي هو ليس بحجّة.

المسألة الرابعة:

من كان بحيث لا يعلم الأهلّة، تحرّى لصيام شهر يغلب على ظنّه أنّه هو شهر رمضان، فيجب عليه صومه، فإن استمر الاشتباه و لم تظهر له الشهور قط أجزأه، و كذا إن صادفه أو كان بعده، و لو كان قبله استأنف الصوم من رمضان أداء و قضاء، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل عليه الإجماع عن المنتهى و التذكرة (2).

و تدلّ على تلك الأحكام صحيحة عبد الرحمن و رواية المقنعة، الأولى: رجل أسرته الروم، و لم يصم شهر رمضان، و لم يدر أيّ شهر هو، قال: «يصوم شهرا يتوخّاه و يحسب، فإن كان الشهر الذي صام قبل شهر رمضان لم يجزه، و إن كان بعد رمضان أجزأه» (3)، و قريبة منها الثانية (4).

و لو لم يظنّ شهرا، قيل: يتخيّر في كلّ سنة شهرا مراعيا للمطابقة بين الشهرين (5). و لا دليل عليه، و يحتمل السقوط أيضا و إن كان الأول أحوط.

و قيل: يلحق بما ظنّه أو اختاره حكم الشهر في وجوب الكفّارة بإفساد يوم منه، و وجوب إكمال ثلاثين لو لم ير الهلال، و العيد بعده (6).

و في بعضها نظر، و الأصل ينفيه.

____________

(1) الوسائل 27: 106 أبواب صفات القاضي ب 9.

(2) المنتهى 2: 593، التذكرة 1: 272.

(3) الكافي 4: 180- 1، الفقيه 2: 78- 346، التهذيب 4: 310- 935، الوسائل 10: 276 أبواب أحكام شهر رمضان ب 7 ح 1.

(4) المقنعة: 379، الوسائل 10: 277 أبواب أحكام شهر رمضان ب 7 ح 2.

(5) كما في المسالك 1: 77، و الروضة البهية 2: 114، و الرياض 1: 321.

(6) كما في الروضة البهية 2: 114.

431

الفصل الثاني في صوم القضاء و فيه مقدمة و مسائل:

المقدّمة: لا قضاء إلّا في الصوم المؤقّت

، و هو صوم شهر رمضان و النذر المعيّن.

أمّا عدم القضاء في غير المؤقّت فظاهر، إذ لا قضاء إلّا فيما فات وقته.

و أمّا وجوبه في النذر فسيأتي في كتاب النذر، و تجيء الإشارة إليه في آخر الفصل أيضا.

و أمّا في شهر رمضان فتفصيله: من ترك صوم شهر رمضان فإمّا يتركه مع عدم قابليّته للأمر و النهي، أو مع القابليّة، و الثاني إمّا يتركه مع وجوبه عليه- أي بلا عذر- أو مع العذر الموجب للإفطار.

أمّا الأول: فهو الصغير، و المجنون، و الغافل عن الوقت لنسيان أو اشتباه في الهلال، و المغمى عليه.

و لا قضاء على الأولين إجماعا، بل ضرورة، و هو الدليل عليه.

دون نحو حديث رفع القلم، لأنّه يفيد لحال الصغارة و الجنون، فلا ينافي ثبوت القضاء بعد ارتفاعهما.

و لا ما قيل من تبعيّة القضاء للأداء في جانب النفي و إن لم يتبعه في جانب الإثبات، فلا يشمله عموم ما دلّ على وجوب القضاء أو إطلاقه، فإنّه

432

لا قضاء حيث لا أداء (1).

لمنع التبعيّة، لوجوب قضاء الصلاة و الصوم على النائم، و فاقد الطهور على قول، و قضاء الصوم على الناسي [للصوم] [1]، أو الغافل، أو من لم يثبت عليه الهلال ثمَّ ثبت، و نحو ذلك. و الاستدراك الذي يفهم من القضاء عرفا لا ينحصر في الوجوب، لإمكان استدراك الثواب أيضا.

و يجب القضاء في الثالث إجماعا أيضا، له، و للإطلاقات، و لخصوص مثل رواية صبّار، و فيها- بعد السؤال عمّن يصوم تسعة و عشرين يوما هل يقضي يوما؟ فقال:- «لا، إلّا أن يجيء شاهدان عدلان فيشهدا أنّهما رأياه قبل ذلك بليلة فيقضي يوما» (2)، و الأحاديث بما يفيد ذلك متعدّدة جدّا (3).

و أمّا الرابع، فقد وقع فيه الخلاف، و الحقّ المشهور: عدم وجوب القضاء عليه، للأصل، و صحيحة ابن مهزيار (4)، و مكاتبة أيّوب الصحيحة:

عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب: «لا يقضي الصلاة و لا يقضي الصوم» (5)، و غير ذلك من الأخبار المتقدّمة بعضها في بحث الصلاة (6).

____________

[1] في النسخ: للنوم، و الصحيح ما أثبتناه.

____________

(1) انظر الرياض 1: 321.

(2) التهذيب 4: 165- 468، و في الوسائل 10: 267 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 21: عن صابر، بدل: صبّار.

(3) انظر الوسائل 10: 261 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5.

(4) التهذيب 4: 243- 714، الوسائل 10: 226 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 2.

(5) الفقيه 1: 237- 1041، التهذيب 4: 243- 711، الاستبصار 1: 458- 1775، الوسائل 10: 226 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 1.

(6) انظر الوسائل 8: 258 و 264 أبواب قضاء الصلوات ب 3 و 4.

433

خلافا للمحكيّ عن الشيخين و السيّد و القاضي، فقالوا بالقضاء مع عدم تبييت النيّة (1).

لأخبار قضاء الصلاة مع عدم القول بالفرق.

و لكونه مريضا، و القضاء واجب عليه كتابا و سنّة.

و ما دلّ بعمومه على أنّ المغمي عليه يقضي ما فاته، كصحاح محمّد و حفص و منصور، المتقدّمة في البحث المذكور.

و يردّ الأول: بالمعارضة بالمثل، بل الراجح بوجوه شتّى كما مرّت.

و الثاني: بمنع الصغرى أولا، و كلّية الكبرى على فرض التسليم.

و الثالث: بعدم الدلالة على الوجوب أولا، و لزوم التخصيص بصلاة أدرك وقتها أو صوم لم ينوه في النهار أيضا بأن يغمى في جزء من يوم لم يقصد صومه على فرض الدلالة، لأخصية ما قدّمناه.

و أمّا الثاني: فالأصل فيه وجوب القضاء، للإطلاقات الغير العديدة، نحو قوله: عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: «قد أفطر و عليه قضاؤه» (2).

و قوله: عن رجل عبث بالماء يتمضمض من عطش فدخل حلقه، قال: «عليه قضاؤه» (3).

____________

(1) المفيد في المقنعة: 352، و الطوسي في المبسوط 1: 285، و النهاية: 165، و السيد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 57، و القاضي في المهذّب 1: 196.

(2) التهذيب 4: 203- 586، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 3.

(3) الفقيه 2: 69- 290، التهذيب 4: 322- 991، الوسائل 10: 71 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 4.

434

و قوله: «من أتى أهله في رمضان متعمّدا فعليه عتق رقبة» إلى أن قال: «و قضاء ذلك اليوم» (1)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة من الموارد الجزئيّة.

و يستثنى من الأصل: الكافر الأصلي، بالإجماع القطعي، و المستفيضة من الأخبار، المتقدّم بعضها في بحث من يصحّ منه الصوم.

و المرتدّ مطلقا- ملّيّا كان أو فطريّا- يقضى ما فاته، بلا خلاف فيه كما في الذخيرة (2) و غيره (3)، للعمومات، و الإطلاقات السليمة عمّا يصلح للمعارضة، سوى إطلاق ما يظنّ بأنّ الكافر لا يقضي ما فاته، و هو ظاهر في الأصلي، بل هو المتبادر منه، بل في شمول الكافر لغة- أو في العرف المتقدّم- له نظر.

و أمّا المخالفون من المسلمين هم لا يستثنون، بل يجب عليهم قضاء ما تركوه من الصيام، أو أخلّوا بشرائطه على مذهبهم، و في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فيه بين أصحابنا (4)، للإطلاقات المشار إليها، و اختصاص ما دلّ على سقوط القضاء عنهم بما أتوا به.

و أمّا ما أتوا به فلا يجب عليهم قضاؤه بلا خلاف أيضا، و تدلّ عليه الأخبار المتقدّمة إليها الإشارة في كتاب الصلاة، منها: صحيحة الفضلاء: في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحروريّة و العثمانية و القدريّة، ثمَّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أ يعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو

____________

(1) التهذيب 4: 208- 604، الاستبصار 2: 97- 315، الوسائل 10: 54 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 2.

(2) الذخيرة: 526.

(3) كالرياض 1: 322.

(4) الحدائق 13: 295.

435

حجّ؟ أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: «ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة» الحديث (1).

و أمّا الثالث- و أفراده: الحائض، و النفساء، و المريض، و المسافر- فوجوب القضاء على الجميع إجماعي، بل ضروري، مدلول عليه- بل منصوص به- في الأخبار الغير العديدة الواردة في جزئيّات موارد أحكام كلّ منها بحيث لا يحتاج إلى الذكر، و سيأتي بعضها إن شاء اللّه سبحانه.

المسألة الاولى:

من نسي غسل الجنابة في شهر رمضان حتى مرّ عليه الشهر كلّه أو أيّام منه، ففي قضاء صوم أيام أصبح فيها جنبا أقوال:

الأول: وجوبه مطلقا، إليه ذهب الإسكافي و الشيخ في النهاية و المبسوط و الصدوق على الظاهر و الجامع و المعتبر (2)، و أكثر المتأخّرين (3)، بل- كما قيل- عامّتهم (4)، و نسبه الشهيد و غيره إلى الأكثر (5).

للمعتبرة من النصوص، كصحيحة الحلبي: عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان، قال: «عليه أن يقضي الصلاة و الصيام» (6).

____________

(1) الكافي 3: 545- 1، التهذيب 4: 54- 143، العلل: 373- 1، الوسائل 9:

216 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 2.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 233، النهاية: 165، المبسوط 1: 288، الصدوق في الفقيه 2: 75، الجامع للشرائع: 156، المعتبر 2: 705.

(3) كما في المنتهى 2: 606، و المختلف: 233، و اللمعة (الروضة 2): 116، و مجمع الفائدة 5: 127.

(4) كما في الرياض 1: 325.

(5) الشهيد في غاية المراد 1: 312- 313، و صاحب المدارك 6: 235، و الخوانساري في مشارق الشموس: 388.

(6) التهذيب 4: 311- 938، الوسائل 2: 257 أبواب الجنابة ب 39 ح 1.

436

و رواية إبراهيم بن ميمون القريبة منها (1)، و رواية أخرى له: عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثمَّ ينسى أن يغتسل حتى يمضي بذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان، قال: «عليه قضاء الصلاة و الصوم» (2).

و قد يستدلّ بوجوه أخر ضعيفة أيضا، لابتنائها على اشتراط الطهارة في الصوم مطلقا (3)، و الخصم لا يسلّمه.

و الثاني- و هو الأصحّ-: وجوبه إن لم يغتسل أصلا فيقضي جميع أيّام الجنابة، و عدم وجوبه بعد غسل و لو كان غسل الجمعة.

للخبر المروي في الفقيه: «من أجنب في أول رمضان ثمَّ نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان إنّ عليه أن يغتسل و يقضي صلاته و صومه، إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فإنّه يقضي صلاته و صومه إلى ذلك اليوم و لا يقضي ما بعد ذلك» (4).

و عدم معلوميّة مستنده عندنا غير ضائر، و به يقيّد إطلاق الأخبار المتقدّمة إن حمل الغسل فيها على غسل الجنابة، و إلّا- كما هو الأولى- فلا تعارض له أصلا، بل على المختار- من التداخل القهري في الأغسال مطلقا- لا حاجة إلى هذا الخبر أيضا، لتحقّق غسل الجنابة، بل لا يكون هذا قولا مغايرا للأول.

و الثالث: عدم وجوبه، اختاره الحلّي- قائلا بأنّه لم يقل أحد من محقّقي أصحابنا بوجوب القضاء (5)- و المحقّق في الشرائع و النافع (6).

____________

(1) التهذيب 4: 332- 1043، الوسائل 10: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 17 ح 1.

(2) الكافي 4: 106- 5، الفقيه 2: 74- 320، الوسائل 10: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 17 ح 1.

(3) انظر المختلف: 233.

(4) الفقيه 2: 74- 321، الوسائل 10: 238 أبواب أحكام شهر رمضان ب 30 ح 2.

(5) السرائر 1: 407.

(6) الشرائع 1: 204، النافع: 70.

437

للأصل. و عموم: «رفع عن أمّتي» (1)، حيث إنّ القضاء أيضا مؤاخذة.

و الأخبار المتقدّمة من الصحاح و غيرها المتضمّنة ل: أنّ الجنب إذا أصبح في النومة الاولى فلا قضاء عليه، فإنّها أعمّ من أن يكون ناسيا قبل النوم أو عامدا، مع أنّ نفي القضاء مع العمد يوجب نفيه مع النسيان بالطريق الأولى، و ظاهر أنّ النوم لا يوجب انتفاء القضاء، بل بانتفائه عن الناسي النائم ينتفي عن سائر أفراد المطلوب بالإجماع المركّب.

و الجواب عن الأوّل: باندفاعه بما مرّ.

و عن الثاني: بتخصيصه به، مع منع كون القضاء مؤاخذة.

و عن الثالث: باختصاص الأخبار المتقدّمة بغير الناسي، و إجراء حكمه في الناسي قياس باطل مع الفارق، لوجود العزم على الغسل في غير الناسي دونه، بل صرّح به في بعض الأخبار المتقدّمة، فنقول بوجوب القضاء على الناسي و إن نام بالنومة الاولى إلى الفجر.

و تقييد أخبار القضاء- بما إذا عرض النسيان في الليلة الاولى و انتبه قبل طلوع الفجر على وجه يمكنه الاغتسال لو كان ذاكرا، أو بما إذا أصبح في النومة الثانية- لا شاهد عليه.

و يمكن الجمع أيضا بحمل أخبار القضاء على مضيّ أيّام و أخبار النفي عن النائم في اليوم الواحد و التفرقة بين اليوم الواحد و الأيّام، بل هذا ليس جمعا حقيقة، بل منطوق الروايات ذلك، إلّا أنّ الظاهر عدم قائل بذلك التفصيل.

____________

(1) كما في الوسائل 8: 249 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 30 ح 2.

438

فرع: في تعدّي الحكم إلى غسل الحيض و النفاس بعد انقطاع الدم، و إلى سائر أفراد الصيام الواجبة التي لها قضاء- كالنذر المعيّن- أو بدل، كمطلق القضاء و الكفّارة، وجهان.

و الأصل يقتضي العدم في الموضعين، لأصالة عدم اشتراط صحّة مطلق الصوم بهذه الأغسال مطلقا و إن سلّمنا الاشتراط مع التعمّد، و أمر الاحتياط واضح.

المسألة الثانية:

من فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس و مات قبل البرء أو الطهر، لم يجب القضاء عنه إجماعا نصّا و فتوى. و في المنتهى: إنّه قول العلماء كافّة (1)، للأصل، و المستفيضة من الصحاح و غيرها.

كصحيحة محمّد: عن رجل أدركه شهر رمضان و هو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ، قال: «ليس عليه شيء، و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثمَّ يموت قبل أن يقضي» (2).

و الأخرى: عن الحائض تفطر في شهر رمضان أيّام حيضها فإذا أفطرت ماتت، قال: «ليس عليها شيء» (3).

و منصور: عن المريض في شهر رمضان فلا يصحّ حتى يموت، قال:

«لا يقضى عنه»، و الحائض تموت في شهر رمضان، قال: «لا يقضى عنها» (4).

و أبي مريم: «إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثمَّ لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء، و إن صحّ ثمَّ مات و كان له مال تصدّق عنه

____________

(1) المنتهى 2: 603.

(2) الكافي 4: 123- 2، التهذيب 4: 248- 738، الاستبصار 2: 110- 359، الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 2.

(3) التهذيب 4: 393- 1214، الوسائل 10: 333 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 14.

(4) التهذيب 4: 247- 734، الاستبصار 2: 108- 353، الوسائل 10: 332 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 9.

439

مكان كلّ يوم بمدّ، فإن لم يكن له مال صام عنه وليه» (1).

و أبي حمزة: عن امرأة مرضت أو طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال: «أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم» (2).

و موثّقة سماعة: عن رجل دخل عليه شهر رمضان و هو مريض لا يقدر على الصيام، فمات في شهر رمضان أو في شوّال، قال: «لا صيام عليه و لا قضاء عنه»، قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان و لم تقدر على الصوم، فماتت في شهر رمضان أو في شوّال؟ فقال: «لا يقضى عنها» (3)، إلى غير ذلك.

فروع:

أ: هل يستحبّ القضاء عنهما؟

نصّ الشيخ و الحلّي و ابن حمزة و الفاضلان على استحبابه (4)، و أسنده في المنتهى إلى أصحابنا (5).

و ظاهر جماعة من متأخّري المتأخّرين العدم (6)، استنادا إلى نفي

____________

(1) الكافي 4: 123- 3، الفقيه 2: 98- 439، التهذيب 4: 248- 735، الاستبصار 2: 109- 356، الوسائل 10: 331 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7، بتفاوت يسير.

(2) الكافي 4: 137- 9، الفقيه 2: 94- 423، الوسائل 10: 330 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 4.

(3) التهذيب 4: 247- 733، الاستبصار 2: 108- 352، الوسائل 10: 332 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 10.

(4) الشيخ في المبسوط 1: 286، الحلي في السرائر 1: 395، ابن حمزة في الوسيلة: 150 المحقق في المعتبر 2: 700، العلّامة في التذكرة 1: 276.

(5) المنتهى 2: 603.

(6) كما في الذخيرة: 526، و الحدائق 13: 301، و الرياض 1: 323.

440

القضاء عنه في الأخبار المتقدّمة.

و فيه: أنّ المنفيّ يمكن أن يكون وجوب القضاء لا مشروعيّته.

نعم، ظاهر قوله في الموثقة: «و لا قضاء عنه» نفي حقيقته الموجب في الأكثر لنفي المشروعية. و حمله على نفي الواجب تجوّز لا دليل عليه.

و أظهر منها دلالة صحيحة أبي بصير: عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شهر شوّال، و أوصتني أن أقضي عنها، قال: «هل برئت من مرضها؟» قلت: لا، ماتت فيه، قال: «لا تقض عنها، فإنّ اللّه لم يجعله عليها»، قلت: فإنا أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك، قال: «كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّه عليها؟! فإن شئت تصوم لنفسك فصم» (1).

فإذن الأظهر: عدم استحبابه أيضا، و المسامحة في أدلّة السنن إنّما تكون إذا لم يكن دليل على النفي.

ب: انتفاء القضاء هل يختصّ بالمريض و ذات الدم

و أمّا المسافر فيجب القضاء عنه و لو مات في هذا السفر؟ كما صرّح به في صحيحة أبي حمزة، و رواية منصور: في الرجل يسافر برمضان فيموت، قال: «يقضى عنه» (2)، و قريبة منها رواية أخرى (3)، و حكي عن التهذيب و الفقيه و المقنع و الجامع (4)، و اختاره في المدارك (5).

أو يعمّ؟ كما هو مقتضى عموم التعليل المذكور في صحيحة أبي بصير،

____________

(1) الكافي 4: 137- 8، التهذيب 4: 248- 737، الاستبصار 2: 109- 358، العلل: 382- 4، الوسائل 10: 333 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

(2) التهذيب 4: 249- 740، الوسائل 10: 334 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 15.

(3) التهذيب 4: 249- 741، الوسائل 10: 334 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.

(4) التهذيب 4: 249، الفقيه 2: 98، المقنع: 63، الجامع للشرائع: 163.

(5) المدارك 6: 223.

441

و مرسلة ابن بكير، و فيها: «فإن مرض فلم يصم شهر رمضان، ثمَّ صحّ بعد ذلك فلم يقضه، ثمَّ مرض فمات، فعلى وليّه أن يقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلم يقض و وجب عليه» (1)، و حكي عن الخلاف و النهاية و النافع و التحرير و المنتهى و المختلف و ظاهر السرائر و التبصرة (2)، و ادّعيت عليه الشهرة بل الإجماع (3)، و نسب ما يدلّ على خلافه من الروايات إلى الشذوذ (4).

و يدلّ عليه أيضا الأصل السالم عن المعارض بالمرّة، لاختصاص عمومات (5) القضاء عن الميّت بما إذا وجب عليه، و قصور ما استدلّ به للقول الأول عن إفادة الوجوب رأسا، و عموم غير صحيحة أبي حمزة بالنسبة إلى المتمكّن من القضاء و غيره، فيخصّ بالأول للخبر المعلّل، غاية الأمر تعارضهما و الرجوع إلى الأصل.

أقول: هذا كان حسنا لو قلنا باستحباب القضاء، و بعد نفيه فلا يفيد الجواب بنفي الدلالة على الوجوب، و تبقى الصحيحة دالّة عليه، و هي أخصّ مطلقا من عموم العلّة، فيجب التخصيص بها لو لا شذوذها المدّعى، و لكنّه غير ثابت عندي، فالأظهر هو القول الأول.

ج: هل انتفاء القضاء مخصوص بما إذا مات في المرض الذي أفطر فيه و الدم كذلك؟

____________

(1) التهذيب 4: 249- 739، الاستبصار 2: 110- 360، الوسائل 10: 333 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 13.

(2) الخلاف 2: 207، النهاية: 157، النافع: 70، التحرير 1: 84، المنتهى 2:

605، المختلف: 243، السرائر 1: 395، التبصرة: 57.

(3) كما في الخلاف 2: 208، و الحدائق 13: 331.

(4) انظر الرياض 1: 323.

(5) الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23.

442

أو يعمّ كلّ صورة لم يتمكّن من القضاء؟ كما صرّح به في الروضة (1)، فلو طمثت أول رمضان و طهرت، ثمَّ طمثت أول شوّال و ماتت في هذا الطمث، لم يقض عنها أيضا، و كذا لو مرض أول رمضان و برئ ثمَّ مات في أول شوّال.

مقتضى العموم الحاصل من ترك الاستفصال في صحيحة محمّد الثانية و صحيحة أبي حمزة و العلّة المنصوصة في صحيحة أبي بصير:

الثاني.

و مقتضى عموم قوله: «و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثمَّ يموت» في الصحيحة الاولى و قوله: «و إن صحّ ثمَّ مات» في صحيحة أبي مريم: الأول.

و الظاهر ترجيح التعميم، لأخصية العلّة المنصوصة عن العموم المذكور في الصحيحين الثانيين، فيخصّصان بها، مضافا إلى أنّه على فرض التساوي أيضا يرجع إلى الأصل، و هو مع التعميم.

المسألة الثالثة:

لو استمرّ المرض الذي أفطر معه في رمضان إلى رمضان آخر، سقط قضاء ما في الأول، و تجب الصدقة لكلّ يوم على الأظهر الأشهر، كما صرّح به جمع ممّن تأخّر (2)، للمستفيضة من الصحاح و غيرها، كصحاح زرارة و محمّد و ابن سنان:

الاولى: في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان، يخرج عنه و هو مريض، و لا يصحّ حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: «يتصدّق عن الأول و يصوم الثاني، فإن كان صحّ فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان

____________

(1) الروضة 2: 123.

(2) انظر الشرائع 1: 203 و الكفاية: 51، و الرياض 1: 322.

443

آخر صامها جميعا و تصدّق عن الأول» (1)، دلّت بالتفصيلين النافيين للاشتراك على نفي الصوم للأول.

و الثانية: عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقال:

«إن كان قد برئ ثمَّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه، و تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين، و عليه قضاؤه، و إن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه، و تصدّق عن الأول عن كلّ يوم مدّا على مسكين، و ليس عليه قضاء» (2).

و الثالثة: «من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر ثمَّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فإنّي صمت و تصدّقت» (3).

و رواية أبي بصير: «إذا مرض الرجل في رمضان إلى رمضان، ثمَّ صحّ، فإنّما عليه لكلّ يوم أفطر فيه طعام، و هو مدّ لكلّ مسكين» إلى أن قال: «و إن صحّ فيما بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام، فإن تهاون به و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام جميعا، لكلّ يوم مدّ إذا فرغ من ذلك الرمضان» (4).

و المرويّين في قرب الإسناد، أحدهما: عن رجل مرض في شهر

____________

(1) الكافي 4: 119- 2، الفقيه 2: 95- 429، التهذيب 4: 250- 744، الاستبصار 2: 111- 362، الوسائل 10: 335 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 2.

(2) الكافي 4: 119- 1، التهذيب 4: 250- 743، الاستبصار 2: 110- 361، الوسائل 10: 335 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 1.

(3) التهذيب 4: 252- 848، الاستبصار 2: 112- 367، الوسائل 10: 336 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 4.

(4) التهذيب 4: 251- 746، الاستبصار 2: 111- 364، الوسائل 10: 337 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 6.

444

رمضان فلم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان آخر فبرئ فيه، كيف يصنع؟ قال: «يصوم الذي يبرأ فيه، و يتصدق عن الأول كلّ يوم بمدّ من طعام»، و بمضمونه الآخر أيضا (1).

و في تفسير العيّاشي: عن رجل مرض من رمضان إلى رمضان و لم يصح بينهما و لم يطلق الصوم، قال: «تصدّق مكان كلّ يوم أفطر على مسكين بمدّ من طعام» إلى أن قال: «فإن استطاع أن يصوم الرمضان الذي استقبل، و إلّا فليتربّص، إلى رمضان قابل فليقضه، فإن لم يصح حتى رمضان من قابل فليتصدّق كما تصدّق مكان كلّ يوم أفطر مدّا، فإن صحّ فيما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى جاء رمضان الآخر فإن عليه الصوم و الصدقة جميعا» (2).

و الرضوي: «و إذا مرض الرجل و فات صوم شهر رمضان كلّه، و لم يصمه إلى أنّ يدخل عليه شهر رمضان من قابل، فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل عليه، و يتصدّق عن الأول عن كلّ يوم بمدّ من طعام، إلّا أن يكون قد صحّ فيما بين الرمضانين، فإذا كان كذلك و لم يصم فعليه أن يتصدّق عن الأول لكلّ يوم بمدّ من طعام، و يصوم الثاني، فإذا صام الثاني قضى الأول بعده، فإن فاته شهران رمضانان حتى دخل عليه الشهر الثالث و هو مريض فعليه أن يصوم الذي دخله، و يتصدّق عن الأول لكلّ يوم بمدّ من طعام، و يقضى الثاني» (3).

____________

(1) قرب الإسناد: 232- 910 و 911، الوسائل 10: 338 و 339 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 9 و 10.

(2) تفسير العياشي 1: 79- 178، الوسائل 10: 339 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 11.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 211، مستدرك الوسائل 7: 450 أبواب أحكام شهر رمضان ب 17 ح 1.

445

و المروي في العلل (1) و العيون (2): «إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يفق عن مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر، وجب عليه الفداء للأول و سقط القضاء، فإذا أفاق بينهما أو أقام و لم يقضه وجب عليه القضاء و الفداء» الحديث.

و بالتصريح بوجوب الصدقة في الأخيرة يجبر ضعف دلالة بعض الأخبار المتقدّمة على الوجوب لمكان الجملة الخبريّة، مضافا إلى ورود الأمر في الصحيحة الثالثة، و قوله: «عليه» في رواية أبي بصير.

خلافا للمحكي عن العماني و الصدوق و الخلاف و الحلّي و ابن زهرة و الحلبي و المنتهى و التحرير (3)، فأوجبوا القضاء دون الكفّارة.

أمّا الثاني فللأصل.

و أمّا الأول فلإطلاق قوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (4).

و الأخبار الموجبة للقضاء على المريض بقول مطلق (5).

و رواية الكناني: عن رجل كان عليه من شهر رمضان طائفة، ثمَّ أدركه شهر رمضان قابل، فقال: «إن كان صحّ فيما بين ذلك، ثمَّ لم يقضه حتى أدركه شهر رمضان قابل، فإنّ عليه أن يصوم و أن يطعم لكلّ يوم مسكينا، فإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلّا الصيام إن صحّ، فإن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكلّ يوم

____________

(1) العلل: 271، الوسائل 10: 337 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 8.

(2) العيون 2: 116، الوسائل 10: 337 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 8.

(3) حكاه عن العماني في المختلف: 239، الصدوق في المقنع: 64، الخلاف 1:

395، الحلي في السرائر 1: 395 و 396، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571، الحلبي في الكافي: 184، المنتهى 2: 603، التحرير 1: 83.

(4) البقرة: 184.

(5) الوسائل 10: 335 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25.

446

مدّا» (1).

و موثّقة سماعة: عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك و لم يصمه، فقال: «يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام، و ليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإنّي كنت مريضا فمرّ علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثمَّ أدركت رمضانا فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام، ثمَّ عافاني اللّه و صمتهن» (2).

و يجاب عن الأصل: باندفاعه بما مرّ، كتقييد المطلقات و تخصيص العمومات (3) به.

و عن الرواية: بعدم الدلالة، لأنّ ظاهر قوله: «فإن كان مريضا» إلى آخره، و إن كان ذلك، إلّا أنّ ظاهر قوله «فإن تتابع المرض عليه» إلى آخره، خلافه، و لذا حمل الأول على ما إذا صحّ فيما بين ذلك و أراد القضاء ثمَّ مرض، و الثاني على استمرار المرض، و على هذا يكون مثبتا لخلاف مطلوبهم. و لو لم يقبل ذلك فلا أقلّ من الإجمال المسقط للاستدلال.

و عن الموثّقة: بعدم الدلالة أيضا، لأنّ صدرها لا يفيد استمرار المرض، و ذيلها و إن أفاده و لكنّه لا يدلّ على وجوب القضاء، بل على أنّ الإمام فعل كذا، فلعلّه لاستحبابه كما يأتي.

و أمّا الجواب عنهما بعد تسليم الدلالة: برجحان معارضهما بالأكثريّة،

____________

(1) الكافي 4: 120- 3، التهذيب 4: 251- 745، الاستبصار 2: 111- 363، الوسائل 10: 336 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 3، بتفاوت يسير.

(2) التهذيب 4: 252- 847، الاستبصار 2: 112- 366، الوسائل 10: 336 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 5.

(3) الوسائل 10: 335 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25.

447

و الاشتمال على العلّة، و مخالفة العامّة، أو بشذوذهما المخرج لهما عن الحجّية، أو بضعف سنديهما مع إضمار الموثّقة، كالجواب عن الإطلاقين بمنع شمولهما لزمان مؤخّر عن السنة، لكونها المتبادر منه، مع أنّ الإطلاق الثاني وارد لبيان حكم آخر غير الوقت، فيمكن المناقشة في شموله من هذه الوجوه أيضا.

فغير سديد، لأنّ المرجّحين الأولين للترجيح غير صالحين عند أهل التحقيق. و الثالث معارض بموافقة المخالف لإطلاق الكتاب، الذي هو كالمخالفة للعامّة في المنصوصيّة. و الشذوذ ممنوع جدّا، و كيف يتحقّق الشذوذ مع الموافقة لمن ذكر من القدماء الفحول؟! و ضعف السند و الإضمار غير ضائر عندنا كما ذكرنا مرارا. و منع التبادر الذي ذكر. و عدم ورود الإطلاق الثاني إلّا لبيان وجوب القضاء على من أفطر، و لا شكّ أنّه مطلق بالنسبة إلى من صحّ أو مرضه استمرّ.

ثمَّ بما ذكرنا- من عدم ثبوت الوجوب من فعل الإمام- يظهر ضعف التمسّك بالموثّقة و نحوها للقول بالاحتياط- بالجمع بين القضاء و الكفّارة- كما عن الإسكافي (1).

و منه يظهر ضعف أصل القول أيضا إن كان مراد القائل وجوب الاحتياط، و إن كان استحبابه فهو صحيح، للخروج عن شبهة الخلاف، و متابعة للإمام، كما هو مدلول الموثّقة، و صحيحة ابن سنان: «من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر، ثمَّ أدركه رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأما أنا فإنّي صمت و تصدّقت» (2).

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 240.

(2) راجع ص: 443.

448

فروع:

أ: ما مرّ إنّما هو إذا فات الصوم بالمرض،

و كان المانع بين الرمضانين أيضا المرض بأن استمرّ المرض.

و هل الحكم كذلك لو فات بالمرض و لم يتمكّن من القضاء لعذر آخر- أي أستمرّ العذر الآخر- أو عكس، أو فات بعذر آخر و استمرّ هذا العذر، أم لا؟

حكى في الدروس عن العماني و الخلاف: الأول (1)، و اختاره صاحب الحدائق من مشايخنا (2).

و عن المعتبر و المنتهى التوقّف (3).

و من المتأخّرين من حكم بالأول في الصورة الثانية خاصّة، و لم يتعرّض للباقيتين (4).

و منهم من استشكل فيها، أو تردّد، مع عدم التعرّض للأخيرتين أو الأخيرة (5).

و الأظهر هو الأول في جميع الصور، لرواية العيون و العلل و صحيحة ابن سنان، و هما و إن لم يشملا الصورة الاولى و لكن الظاهر لحوقها بالإجماع المركّب.

و هل السفر المسقط استمراره للقضاء ما كان واجبا أو ضروريّا، أو

____________

(1) الدروس 1: 288.

(2) الحدائق 13: 308.

(3) المعتبر 2: 700، المنتهى 2: 603.

(4) انظر المسالك 1: 78.

(5) انظر الذخيرة: 527، و المفاتيح 1: 189.

449

أعمّ منهما و من غيرهما؟

ظاهر الروايتين: الثاني، و هو الأظهر.

و صرّح بعض متأخّري المتأخّرين في شرحه على الدروس بالأول (1)، و هو الأحوط.

ب: لو ارتفع العذر بين الرمضانين بقدر يتمكّن من قضاء بعض ما فاته دون البعض،

و قضى ما يمكن منه أو لم يقض، فهل يسقط قضاء ما لم يتمكّن من قضائه أم لا؟

مقتضى الأصل: لا، لاختصاص الأخبار بالاستمرار. و يحتمل السقوط، لكونه مسبّبا عن عدم التمكّن و هو هنا حاصل.

و الأول أوجه.

ج: الأظهر الأشهر أنّ الصدقة الواجبة لكلّ يوم مدّ من طعام،

للأخبار المتقدّمة.

و عن نهاية الشيخ و اقتصاده و القاضي و ابن حمزة: أنّها مدّان (2).

و في الجمل و المبسوط: أنّها مدّان و أقلّه مدّ (3)، و هو محتمل لقول النهاية، و للترتيب في الفضل. و كيف كان ليس له مستند واضح.

و قال في الحدائق (4): و لعلّ مستنده قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة:

«فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّين من طعام» الحديث. انتهى.

و لا يخفى ما فيه، أمّا أولا: فلأنّ فعله (عليه السلام) لا يدلّ على الوجوب

____________

(1) مشارق الشموس: 476.

(2) النهاية: 158، الاقتصاد: 294، القاضي في شرح جمل العلم و العمل: 191، ابن حمزة في الوسيلة 1: 150.

(3) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 220، المبسوط 1: 286.

(4) الحدائق 13: 307، و الموثقة قد تقدمت في ص: 446.

450

كقضائه.

و أمّا ثانيا: فإنّه يمكن أن يكون المدّان للتأخير في رمضانين، حيث إنّه تتابع المرض ثلاث رمضانات، واحد منها شهر الإفطار و الباقيان أيّام التأخير، فلا يجب المدّان لمضيّ رمضان واحد.

و أمّا ثالثا: فلأنّ الموجود في النسخ الصحيحة من الموثّقة إنّما هو «بمدّ».

و قيل: لعلّ دليله صحيحة محمّد: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّين من طعام» (1)، حيث إنّه لا فرق بين العطاش و غيره من الأمراض (2).

و فيه: منع عدم التفرقة أولا. و منع حكم الأصل ثانيا، لتعارض الأخبار فيه كما يأتي.

د: صرّح في الدروس و الروضة بأنّ محلّ هذه الفدية مستحقّ الزكاة (3).

أقول: إن أريد بذلك عدم الصرف في غير المستحقّ من مصارف الزكاة- كالرباط و القنطرة و نحوها- فهو كذلك، للتصريح في الأخبار المتقدّمة بأنّها للمسكين.

و إن أريد صرفها إلى مستحقّها مطلقا- حتى يشمل العاملين و المؤلّفة وَ فِي الرِّقٰابِ- فهو غير سديد، لما عرفت من تخصيص الأخبار بالمسكين.

مضافا إلى أنّه إن أراد من مستحقّ الزكاة غير الهاشميّين- إذا كانت الصدقة من غيرهم- فلا دليل عليه أيضا، إلا على القول بحرمة مطلق

____________

(1) الكافي 4: 116- 4، الوسائل 10: 209 أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1.

(2) قاله في المختلف: 246.

(3) الدروس 1: 287، الروضة 2: 121.

451

الصدقة الواجبة على بني هاشم، و قد ذكرنا اختصاص الحرمة بالزكاة الواجبة.

ه: لو استمرّ المرض إلى الرمضان الثالث فلا خلاف في عدم قضاء الأول، لما مرّ.

و لا إشكال في عدم تعدّد الصدقة كلّ يوم منه، للأصل، و عن الخلاف: الإجماع عليه (1).

و هل يقضي الثاني، أو يتصدّق عنه؟

المحكي عن الإسكافي و الشيخ و غيرهما: الثاني (2)، لعموم ما مرّ من الأخبار، و خصوص المروي في تفسير العيّاشي المتقدّم (3).

و عن ظاهر الصدوق في المقنع و الفقيه و والده في الرسالة: إنّ الثاني يقضى بعد الثالث و إن استمرّ المرض (4).

و لا يخفى أنّ عبارة الكتب الثلاثة غير صريحة في ذلك، فإنّ فيها:

فإن فاته شهر رمضان حتى يدخل الثالث من مرضه فعليه أن يصوم الذي دخل، و يتصدّق عن الأول لكلّ يوم بمدّ من طعام و يقضي الثاني. و هذا الكلام كما يحتمل استمرار المرض فيه من الأول إلى الثالث يحتمل برؤه بين الثاني و الثالث.

المسألة الرابعة:

لو ارتفع العذر بين الرمضانين، و تمكّن من القضاء و لم يقض حتى دخل الثاني، وجب قضاء الأول، إجماعا مطلقا، فتوى و نصّا، كما مرّ كثير من نصوصه.

____________

(1) الخلاف 2: 209.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 240، الشيخ في المبسوط 1: 286، و الشهيد في الدروس 1: 288.

(3) في ص: 444.

(4) المقنع: 64، الفقيه 2: 96، حكاه عن والده في المختلف: 240.

452

و وجوب الكفّارة و عدمه مبنيّ على التهاون في القضاء و عدمه، فإن كان في عزمه القضاء قبل الثاني و أخّره اعتمادا على سعة الوقت، فلمّا ضاق عرض له مانع منه، فلا كفّارة عليه، و لو ترك القضاء تهاونا مطلقا أو عند ضيق الوقت وجبت الكفّارة على الحقّ المشهور فيهما كما قيل (1)، لرواية أبي بصير المتقدّمة (2)، بل صحيحة محمّد (3) و رواية العيّاشي، حيث إنّ التواني بمعنى التكاسل المستلزم للتهاون، و رواية الكناني السالفة على الحمل الذي مرّ (4).

و المرويّ في العلل و العيون، و فيه: «فإذا أفاق فيما بينهما و لم يصمه وجب عليه الفداء للتضييع، و الصوم لاستطاعته» (5).

و رواية الوشّاء، و فيها: «و إن كان قد برئ فيما بينهما و لم يقض ما فاته و في نيّته القضاء يصوم الحاضر و يقضي الأول، و إن تركه متهاونا به لزمه القضاء و الكفّارة عن الأول» [1].

خلافا للمحكيّ عن الحلّي، فلم يوجب الكفّارة مطلقا، بل قال: لم يذكرها سوى الشيخين و من قلّد كتبهما، أو تعلّق بأخبار الآحاد (6).

____________

[1] الظاهر أنّها ليست من رواية الوشّاء، و إنّما هي من كلام شيخ الطائفة، فراجع التهذيب 4: 249- 742، و لذا لم يروها في الكافي 4: 124- 6، و هو مصدر رواية التهذيب، و كذا في الوسائل 10: 334 أبواب أحكام شهر رمضان ب 24 ح 1.

____________

(1) في الحدائق 13: 310.

(2) في ص: 443.

(3) المتقدّمة في ص: 443.

(4) راجع ص: 445.

(5) علل الشرائع: 272- 9، العيون 2: 116- 2، الوسائل 10: 337 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 8.

(6) السرائر 1: 397.